الكنيسة واستعادة الصورة الغائبة
- Sermon By: الدكتور القس يوسف سمير
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
الفاضل الدكتور القس أندريا زكي رئيس الطائفة، الفاضل القس موسى أقلاديوس رئيس سنودس النيل الإنجيلي، الأحباء رئيس وأعضاء مجلس الكلية الأعزاء على قلبي، الفاضل الدكتور القس صموئيل رزفي عميد الكلية، أساتذة الكلية وطلابها وموظفيها والعاملين بها، الأعزاء خريجي الدفعة 154 وأسرهم الغالية، الحضور الكريم..
أتقدم إلى جميعكم بالتهنئة القلبية الخالصة بهذه المناسبة الجليلة الغالية على قلوبنا، والتي تذكرنا بعناية الله الفائقة بكنيسته إذ يقيم لها خدامًا يحملون الشعلة ويواصلون الكفاح الشريف لأجل تقدم ملكوت المسيح على أرضنا؛ كما أنها تكرس في وجداننا الجمعي أهمية الإعداد الجيد لروح وعقل ونفسية الخدام -متفرغين كانوا أم غير متفرغين- ليقوموا بالمهمة الملقاة على عاتقهم بأجمل صورة وعلى أكمل وجه.
كما أنني أنتهز هذه الفرصة لأشكر مجلس كلية اللاهوت لمنحي هذا الامتياز لتقديم هذه الرسالة لأحبائي الخريجين والخريجات. ولا يفوتني في مقام كهذا أن أشكر الرب على السنوات الثمانية التي شاركت فيها في خدمة كليتي العزيزة مقدمًا كل التقدير لمجلس الكلية الذي أشهد بضمير صالح أنه لم يألُ صلاة أو جهدًا أو تفكيرًا أو تخطيطًا لما فيه خير الكلية في كل القرارات الحاسمة والمصيرية والتحديات الضخمة والمياه المضطربة التي واجهت سفينة الكلية في السنوات الثمانية المنصرمة.
* * *
منذ ستة وثلاثين عامًا، وبالتحديد في يوم الجمعة الموافق 26 مايو 1989، وفي مناسبة مماثلة شهدت تخرج الدفعة رقم 118 في كلية اللاهوت، وقف طيب الذكر الدكتور القس فايز فارس، الراعي الأسبق للكنيسة الإنجيلية الثانية بالمنيا ليلقي خطابًا تاريخيًّا من على منبر الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة. كان عنوان الخطاب “دعوة إلى إعادة البناء والمكاشفة في الكنيسة الإنجيلية.” وقد ارتكز هذا الخطاب في محتواه وقصده على جوهر الإصلاح الإنجيلي الذي نادى بضرورة إصلاح الكنيسة لنفسها وبنفسها إذا كنت تبغي لنفسها الاستمرار في المناداة الأمينة بإنجيل المسيح والكرازة به ربًّا ومخلصًا للجميع. يقول القس فايز فارس في معرض حديثه عن أهمية الإصلاح في الكنيسة: “إن مسيرة الفكر الإنجيلي لم تكن ولن تكون نقطة ثابتة ساكنة جامدة، بل كانت وستظل دائمًا ديناميكية متحركة… وكل نهضة وتقدم في تاريخ الكنائس المسيحية جاء نتيجة حركات إصلاح وإعادة بناء. إن كلمة الله العاملة بالروح القدس في الكنيسة تجعلها في حركة تجديد مستمرة.”[1]
ولا أبالغ إذا قلت إن الكنيسة المصرية إنما تحتاج إلى هذه الدعوة أكثر من أي وقت مضى. وأقول إنني لا أدعو الكنيسة إلى إعادة النظر إلى واقعها من موقع تشاؤمي سلبي التوجه، إنما أفعل ذلك لأن كنيستي الغالية تستحق أن تكون دائمًا حيثما يريدها الله أن تكون. تستحق أن تعيش مسيرة نجاح مستمرة ترفض فيها كل ما يعطلها، وترمي وراء ظهرها كل ما يعيقها، وتتوب في كل لحظة عن كل ما يدنسها ويلوث سمعتها وشهادتها، وأن تكون قادرة على قراءة علامات الأزمنة في وسط واقع يحاول أن يطمس هذه العلامات ويحبط كل محاولة جادة لاستيعابها وفهمها والتعامل معها. والثورة التي تسعى إليها الكنيسة -أو ينبغي أن تسعى إليها- ليست أبدًا ثورة الفوضى التي تهدم ولا تبني، وتقوض ولا تُعمِّر لكنها ثورة ناضجة عاقلة تفكر وتحلل وتتأمل وتعمل بجد وهدوء وروية والتزام واتضاع لكي تبني ما انهدم وتصلح ما انكسر وتحيي ما أو من مات. إنها تجاوب مع النداء الإلهي الذي يطلقه النبي في إشعياء 61: 4 “وَيَبْنُونَ الْخِرَبَ الْقَدِيمَةَ. يُقِيمُونَ الْمُوحِشَاتِ الأُوَلَ. وَيُجَدِّدُونَ الْمُدُنَ الْخَرِبَةَ مُوحِشَاتِ دَوْرٍ فَدَوْرٍ.”
ومن هنا يأتي اختيار عنوان هذه الرسالة: “الكنيسة واسترداد الصورة الغائبة.” وكلمة “غائبة” مقصودة.. فالصورة ليست مفقودة.. إنها موجودة ولكنها مختفية أو غائبة لأسباب مختلفة.
- فالصورة ليست مفقودة لأن هنالك أمناء يحملون جذوة الرسالة والخدمة والإرسالية. فالخميرة الصالحة المؤثرة موجودة، حتى وإن كان تأثيرها ضعيفًا أو غير ملموس أو محسوس. هكذا كان الأمر في عصر إيليا الذي فقد الأمل والهمة بسبب طغيان الشر والأشرار وغياب النموذج والقدوة حتى إنه في عمق يأسه طلب الموت لنفسه. لكن صوت الرب وضع الأمور في نصابها عندما قال له: “وَقَدْ أَبْقَيْتُ فِي إِسْرَائِيلَ سَبْعَةَ آلاَفٍ، كُلَّ الرُّكَبِ الَّتِي لَمْ تَجْثُ لِلْبَعْلِ وَكُلَّ فَمٍ لَمْ يُقَبِّلْهُ.” (1ملوك 19: 18). يعبر أنطوان مقدسي عن ذات الفكرة كاتبًا: “لقد برز في مؤسساتنا وجه العالم أكثر مما كان يجب أن يبرز. ولكن كنيستنا في صميمها تحيا، لا بقوة الاستمرار كما يظن الخصم، إنما في نفوس قديسيها، قديسي الماضي وقديسي الحاضر، يصلون ويخدمون، وفي صمت القلب، يعيدون آلام الصليب وموته، آلامًا تنقذ وموتًا يحيي.”[2]
- والصورة ليست مفقودة لأن الكنيسة -كمؤسسة بشرية- معرضة للضعف والتخاذل والتراجع في حياتها الروحية أو في أسلوب أدائها لخدمتها أو في شغفها في القيام بإرساليتها. لكن هكذا واقع لا يعني بالضرورة أن الصورة الجميلة قد ضاعت إلى الأبد أو فُقدت ولا أمل في استرجاعها، لكنه يعني أن الكنيسة يجب -بشجاعة روحية وفطنة- أن تواجه واقعها الضعيف لتتوب عن سقطاتها؛ وعندئذ فقط يمكن للصورة الغائبة أو الباهتة أن تستعيد رونقها ولمعانها.
- والصورة ليست مفقودة -وهذه هي النقطة الأكثر أهمية- لأن الكنيسة تعيش في كل ظروفها تحت غطاء من النعمة الإلهية، مسيج حولها بسياج من العناية يضمن لها النجاة من أعتى العواصف وأقسى التحديات. فالصورة الجميلة لا تُفقد -ليس بسبب أمانة الكنيسة وجديتها لأن الواقع وطبيعة الكنيسة يقولان غير ذلك- إنما بسبب أمانة إله العهد الذي، في أيام قديمة عُرضت أمامه خطية شعبه الذي زاغ ولم يسلك في رضاه، لكنه في أمانته قرر استردادهم وعلاجهم ووضعهم على الطريق الصحيح مرة أخرى. نقرأ عن هذا الأمر في إرميا 33: 4-8: “أَنَّهُ هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ عَنْ بُيُوتِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ وَعَنْ بُيُوتِ مُلُوكِ يَهُوذَا… هَئَنَذَا أَضَعُ عَلَيْهَا رِفَادَةً وَعِلاَجًا وَأَشْفِيهِمْ وَأُعْلِنُ لَهُمْ كَثْرَةَ السَّلاَمِ وَالأَمَانَةِ. وَأَرُدُّ سَبْيَ يَهُوذَا وَسَبْيَ إِسْرَائِيلَ وَأَبْنِيهِمْ كَالأَوَّلِ. وَأُطَهِّرُهُمْ مِنْ كُلِّ إِثْمِهِمِ الَّذِي أَخْطَأُوا بِهِ إِلَيَّ وَأَغْفِرُ كُلَّ ذُنُوبِهِمِ الَّتِي أَخْطَأُوا بِهَا إِلَيَّ وَالَّتِي عَصُوا بِهَا عَلَيَّ.” يكتب الأب بولس الفغالي في تفسيره لهذا الجزء الكتابي مؤكدًا نفس الفكرة: “هي الأمور تتبدل وقد أضحى الماضي مع حروبه ودماره كأنه ما كان… فالخطيئة ليست الكلمة الأخيرة، بل الغفران. والقلع والهدم هما في البداية؛ وفي النهاية، يغرس الرب ويعيد البناء.”[3]
* * *
أما السؤال الذي يفرض نفسه والذي أحاول الإجابة عليه فيما تبقى من وقت هو: ما هي ملامح الصورة التي أرجو أن تسعى كنيستي الغالية لاستردادها بعد غياب؟ لا شك أن مصدرًا أساسيًّا للإجابة على هذا السؤال سيكون سفر الأعمال. ولا أدعي، ولا يجب علينا أبدًا التصور، أن سفر الأعمال يقدم لنا يوتوبيا روحية عاشتها الكنيسة في بداية العصر المسيحي الأول. فسنوات الكنيسة الأولى امتلأت بالضعفات والمآخذ، والصورة لم تكن أبدًا بالبريق الذي نتوقعه لأن الكنيسة في كل زمان ومكان هي بذاتها تتكون من بشر ضعفاء يعيشون ويحاولون ويخطئون أو يصيبون ويتوبون ويقومون نافضين عن أنفسهم غبار الزلل ووسخ الخطية. إن مجتمع الكنيسة ليس مجتمعًا معقمًا لا تشوبه شائبة الخطية، وهو مجتمع لا يعيش فيه فقط فئة من الناس الكاملين الذين لا يضعفون أو يسقطون أو ينحرفون. إنما مجتمع الكنيسة هو مجتمع يعيش فيه الله مع شعبه الواقع تحت ضغطة الآلام والمعاناة والضعف. وسفر الأعمال يوضح لنا كيف يمكن للجماعة، من خلال قيادة الروح وفي اتكال عميق على عمل النعمة، أن تعيش ملامح الملكوت ومعطياته رغم أنها تعيش في وسط مخالف وثقافة مغايرة وضغوطات معثرة وتحديات لا تنتهي.
ألخص ملامح الصورة الغائبة التي نسعى لاستردادها في النقاط التالية:[4]
- صورة الاحتضان الغائبة
صورة الاحتضان والاحتواء والتشجيع واحدة من أهم الصور الشائعة في سفر الأعمال. وهذه الصورة إنما تعبر عن حياة الشركة كقيمة آمنت بها الكنيسة الأولى واجتهدت بمثابرة أن تمارسها. فالشركة في وسط جماعة الرب المفدية لا تُترجم فقط في تناول الطعام معًا، أو توفير الاحتياجات المادية لمن يعانون شظف العيش، فالأمر يتعدى ذلك إلى إعطاء الفرصة لمن يحتاجون إليها، وتشجيع المبتدئ إلى أن يتقوى، وقبول المخطئ عندما يبدي تغييرًا وتوبة ورجوعًا إلى جادة الصواب. عبر البشير لوقا نفسه في إنجيله عن صورة الاحتضان في واحد من أشهر الأمثال التي نطق بها المعلم في الإنجيل ألا وهو مثل الابن الضال حيث يصف موقف الأب عند رؤيته لابنه من بعيد فيقول: “وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ” (لوقا 15: 20). وتتكرر هذه الصورة في أكثر من موقف وبأكثر من أسلوب طوال سفر الأعمال.
تتجلى صورة الاحتضان بصورة خاصة في شخصية برنابا، ابن الوعظ أو التشجيع كما يصفه كاتب السفر (أعمال 4: 36). فبرنابا لعب الدور الأساسي والأهم في إذابة الجليد بين شاول الطرسوسي الذي خلص على طريق دمشق وزمرة التلاميذ الذين كانوا مرتابين فيه ومنزعجين من وجوده في وسطهم. نرى برنابا بقلبه الواسع الذي احتضن ذلك المتشدد السابق ليزرعه بروح كريمة في وسط جماعة الرب: “فَأَخَذَهُ بَرْنَابَا وَأَحْضَرَهُ إِلَى الرُّسُلِ، وَحَدَّثَهُمْ كَيْفَ أَبْصَرَ الرَّبَّ فِي الطَّرِيقِ وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ، وَكَيْفَ جَاهَرَ فِي دِمَشْقَ بِاسْمِ يَسُوعَ” (أعمال 9: 27). وكان برنابا هو الشخص الذي ارتأت الكنيسة -بسبب روحه المشجعة- أن ترسله إلى الكنائس الناشئة في انطاكية ليشجعها ويدعمها “الذي لما أتى ورأى نعمة الله فرح، ووعظ (شجع) الجميع أن يثبتوا في الرب بعزم القلب” (أعمال 11: 23)، كذلك كان هو من ذهب باحثًا عن شاول في طرسوس ليشجعه “ولما وجده جاء به إلى أنطاكية” (أعمال 11: 25). ولم يقتصر الأمر على بولس، لكن برنابا احتضن يوحنا مرقس الذي رفض بولس أن يكون عضوًا في الرحلة الثانية، فكان أن اختار برنابا الانحياز لمن يحتاج الاحتواء والتشجيع.
ولا شك أن ما لقيه بولس من تشجيع واحتواء من جهة برنابا قد حفر في نفسه درسًا ونموذجًا لكيف يجب أن يكون القلب الكبير الذي يتسع لكثيرين فيهتم ويوجه ويدفع إلى الأمام ويترفق ويغفر ويلتمس العذر ويضع آخرين على طريق النجاح ويستثمر في من هم أقل خبرة واختبارًا. تعلم بولس الدرس وأفسح المجال في قلبه ومن حوله لتلاميذه ورفقائه المقربين الذين بلغ عددهم حوالي 16 شخصًا كما يذكر لنا العهد الجديد.[5]
إن قيمة التشجيع والاحتضان والاحتواء إنما تعبر بصورة أساسية لا لبس فيها عن تمتع الكنيسة بروح المحبة الحقيقية، التي هي العنوان الأساسي لكنيسة المسيح. إن قائمة من صفات المحبة التي يذكرها الرسول في نشيده الأشهر في 1كورنثوس 13 هي أنها: “تحتمل كل شيء وتصدق كل شيء وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء،” وهي التي يمكننا اعتبارها آية “الاحتضان!” فهي تصور ديناميكية التعامل مع ضعفات الآخرين من خلال الروح الإيجابية المشجعة والمحتضنة التي “تحتمل كل شيء” أي أنها (تغطي) ضعفات الآخرين وتغفرها، و”تصدق كل شيء” أي أنها (ترى الأفضل في الآخر)، و”ترجو كل شيء” بمعنى أنها لا تعتبر الفشل هو الكلمة الأخيرة لكنها (تؤمن بأن الآتي أفضل) وأنجح وأكثر لمعانًا، و”تصبر على كل شيء” أي أنها (تعطي الفرصة) وتوفر المساحة والإمكانية والوقت للآخر حتى يتعلم ويتدرب ويخرج من كبوته. يقول شارل ده فوكوه: “أن نحب يعني أن نأمل دائمًا في الفرد الذي نحبه… علينا أن نتوقع كل شيء من كل فرد. علينا أن نتحلى بالشجاعة الكافية لنكون حبًّا في عالم لا يعرف كيف يحب”.[6]
وفي رأيي أن هنالك على الأقل عائقين يقفان سدًّا منيعًا أمام استعادة الكنيسة لروح التشجيع والاحتضان:
- هنالك أولًا، وقبل أي وكل شيء، الشعور الجارف والمتأصل بالتهديد. يمكن القول بأن الشعور بعدم الأمان الداخلي إنما يمثل العائق الحقيقي وراء غياب روح التشجيع عن الكنيسة المحلية والعامة بصورة واضحة. فالقائد أو المسؤول الذي يفتقر إلى الأمان الداخلي سيكون مؤَرقًا دائمًا من وجود آخرين حوله. وإذا فرض عليه آخرون فإنه لن يألو جهدًا في التخلص منهم بكل طريقة، أو أنه سيمنع عنهم كل مشورة وتدريب وفرصة للتطور والتقدم. لقد أصيبت الكنيسة المحلية بالمركزية الشديدة في أسلوب إدارتها بسبب الخوف من ظهور كوادر جديدة ربما تسحب البساط من الأجيال الحالية، وللأسف الشديد، لا تؤدي المركزية المطلقة إلا إلى المزيد من الضعف والهزال والهشاشة وانعدام التأثير.
- التحدي الثاني الذي تواجهه الكنيسة فيما يتعلق بتوجه الاحتواء والتشجيع في أروقتها إنما هو الرغبة في الاستئثار بالنجاح. إن الوجود في وسط بؤرة الأضواء يمثل تجربة لا يُستهان بها بالنسبة لأي خادم من خدام المسيح. والرغبة في أن يُنسب النجاح والتأثير لشخص بعينه مدخل لإبقاء الخيوط في يد واحدة تطبق على زمام الأمور إطباقًا خانقًا لكل تجديد وتطوير. وإن كان سفر الأعمال قد سجل لنا العديد من الضعفات والأخطار والخطايا التي واجهتها الكنيسة الوليدة في العصر المسيحي الأول، إلا أننا لا نجد أثرًا لفكرة الرغبة في الاستحواذ على النجاح والانفراد به. فبرنابا، ابن الوعظ، ارتضى لنفسه المكان الثاني والبقاء في الظل ليدفع أمامه المؤمن الجديد الواعد شاول الطرسوسي؛ والرسول بولس -كما ذكرنا قبلًا- أفسح المجال لكثيرين ممن حوله للخدمة والنجاح والتأثير بفاعلية على المستوى العام.
(2) صورة الاستقامة الغائبة
يقدم لنا سفر الأعمال في الإصحاح الخامس واحدة من القصص الصادمة التي تناولتها أقلام المفسرين وتحليلات علماء العهد الجديد بالدراسة والتمحيص استجلاء لمعانيها والهدف من ورائها. إن صعوبة قصة حنانيا وسفيرة (أعمال 5: 1-11) والحسم الشديد في الحكم على الزوجين أديا ببعض المفسرين إلى التقليل من القيمة التاريخية لهذه القصة والادعاء بأنها غير منطقية وغير مستساغة لاهوتيًّا، وبالتالي رفضوا التعليق عليها أو دراستها أو التعليم بها.[7] بالتأكيد ليس المقام مناسبًا لدراسة الحادثة بكل تفصيلاتها وسياقاتها، لكن ما يهمنا بالتحديد هو الإجابة على السؤال الهام الذي يطرحه النص الكتابي: لماذا يبدو الحكم على الرجل وزوجته مغالى فيه ويحمل الكثير من القسوة؟ هل يتناسب الحكم بموتهما الفوري مع الخطية التي اقترفاها؟ هل تتناسب هذه القصة مع توجه العهد الجديد الذي يدشن بغنى زمان النعمة والمغفرة الإلهيين؟ أَوَلا يبدو تصرف الرسول بطرس معهما غير متماشٍ مع ما اختبره هو بنفسه من غفران ورحمة عندما أنكر السيد في ليلة الصليب؟ أما كان يجب أن يجزل لهما العفو كما اختبره هو قبلًا؟
الإجابة البسيطة المباشرة والعفوية عن كل هذه الأسئلة المشروعة تكمن في الآية الأخيرة من النص في العدد 11 حيث نقرأ: “فَصَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى جَمِيعِ الْكَنِيسَةِ وَعَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ سَمِعُوا بِذَلِكَ.” فالقصد المباشر من وجود هذه القصة هو الإعلان الواضح الذي لا يخطئه أحد عن ضرورة الحياة المستقيمة في مجتمع الملكوت. فإذا كان كاتب السفر في النصوص السابقة (أعمال 4: 1-31) واللاحقة (أعمال 5: 17-42) يتحدث عن المخاطر الخارجية التي هددت الكنيسة بسبب الاضطهاد اليهودي، فإنه بحكمة إلهية يبين كيف أن الكنيسة تواجه من داخلها خطرًا -ربما يكون أكبر وأكثر عنفًا وأوسع تأثيرًا- هو خطر الحياة المزدوجة التي فيها يسعى حنانيا وسفيرة إلى الإمساك بطرفي المعادلة: طرف الغنى والمتعة المادية من جهة، ومن الجهة الأخرى طرف السمعة الروحية الجيدة التي تجعل لهما وجودًا واسمًا في داخل جماعة الرب. لكنهما للأسف لا ينجحان في ذلك إلا بأسلوب غير مستقيم يستخدمان فيه الرياء- أو حيلة العيش بوجهين. إن رسالة هذا النص أيها الأحباء هي باختصار أن العيش في رحاب العهد الجديد لا يعني أبدًا أن يتبنى المرء نوعية متساهلة ومترهلة من الحياة التي تفتقر إلى الاستقامة الروحية والنزاهة الأخلاقية. فالخلاص الذي يناله شعب الرب بموت المسيح وقيامته يجب أن يتمم -كما يكتب الرسول بولس- بخوف ورعدة.
[1] . فايز فارس، دعوة إلى التغيير (الكنيسة الإنجيلية الثانية بالمنيا، 1990)، 18. (يتضمن هذا الكتاب نص الخطاب المُشار إليه مع مجموعة أخرى من المقالات والتعليقات التي قدمها البعض كرد فعل لهذا الخطاب وكذلك بعض الفصول التي أضافها الكاتب للاستفاضة في شرح بعض القضايا التي وردت في خطابه).
[2]. أنطوان مقدسي، “الكنيسة الشرقية على درب يسوع،” مقالة في كتاب الكنيسة في العالم: آراء مسيحية في التزام شؤون الأرض، المطران جورج خضر وآخرون (بيروت: منشورات النور، 1973)، 76-77.
[3]. بولس الفغالي، “سفر إرميا،” في التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس، تحرير: أندريه زكي (القاهرة: دار الثقافة، 2018)، 1364.
[4] . لا شك أن هنالك مكونات أخرى لهذه الصورة الغائبة إلا أنني أكتفي بالنقاط المذكورة أولًا لمحدودية الوقت كما لأنني أرى أن هذه هي النقاط الأهم في وجهة نظري.
[5] . شكر خاص للشيخ يوسف ناثان مدير قسم الأبحاث والدراسات الكتابية بدار الكتاب المقدس بمصر لتوفير هذه المعلومة.
[6]. مقتبس من بيتر ج. فان بريمن اليسوعي، كالخبز الذي كُسر، ترجمة رفيق حبيب نصري اليسوعي (جونية، لبنان: المطبعة البولسية، 2003)، 109.
[7]. Anthony B. Robinson and Robert W. Waal, Called to be Church: The Book of Acts for a New Day (Grand Rapids, MI: William B. Eerdmans Publishing Company, 2006), 75.


