مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

النسور شتاء 2026_العدد (17)

فهرس موضوعات عدد شتاء 2026

  • افتتاحية العدد: قانون الأحوال الشخصية بين الرؤية اللاهوتية والرعوية المسؤولية الوطنية                  د. ق. أندريه زكي
  • في هذا العدد تقرأ                         ق. محسن منير
  • أفكار واشتباكات… عن قانون الأسرة للمسيحيين! أ. هاني لبيب
  • قوانين الأحوال الشخصية: مسار تاريخي د. سامية قدري
  • قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين: مدخلٌ مفاهيميٌّ د. ماريان منير عبد الله
  • قانون الأسرة للمصريين المسيحيين: إنجازٌ تاريخيٌّ ونقلةٌ نوعيةٌ أ. يوسف طلعت
  • الزواج المسيحي: وجهة نظرٍ مصلحةٌ  ق. أمير ثروت
  • الزواج في مرآة الشباب: قراءةٌ تحليليةٌ بين الخطاب اللاهوتي والواقع المعاش ق. بيتر وديع
  • الطلاق في تعليم السيد المسيح د. ق. عاطف مهني
  • مفهوم الطلاق في العهد الجديد د. جون دانيال
  • السياق اللاهوتي للتوريث والتبني ق. رفعت فتحي
  • المشروعية الدستورية والقانونية لأحكام الميراث في المسيحية
  • د. جورج سامي نقولا
  • التبني من منظور كتابي وقانوني وإنساني     هايدي حنا
  • مستقبل التشريعات المصريّة حول الميراث والتبني لدى المصريّين المسيحيّين
  • ق. عيد صلاح
  • عرض كتاب: طلاق الأقباط “بين الشريعة والواقع” د. ولاء أسعد
  • شذرات كتابية
  • الملحق

قانون الأحوال الشخصية
بين الرؤية اللاهوتية والرعوية والمسؤولية الوطنية

اسم الكاتب: الدكتور القس أندريه زكي

الأسرة هي الوحدة الأساسية في بناء المجتمع، والنواة التي تتشكّل فيها ملامح الإنسان الأولى: فكرًا وسلوكًا وقيمًا. ووفق تعليم كلمة الله ليست الأسرة مجرد مؤسسة ولا رابطة اجتماعية ولا إطارًا قانونيًّا فحسب، بل هي عهدٌ مقدّس ومسؤولية متبادلة أمام الله، ومساحة ينمو فيها الحبّ والالتزام والأمان. لذلك فإن كل ما يتصل بالأحوال الشخصية لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنًا إداريًّا وقانونيًّا فحسب، بل مسألة تمسّ جوهر الحياة الإنسانية والروحية، وتؤثر مباشرة في استقرار الأفراد ومستقبل الكنيسة والمجتمع.

وعلى مدار عقود، وفي إطار متغيِّرات اجتماعية واقتصادية عميقة، ظهرت تحديات متراكمة في هذا الشأن، تمثلت في بعض القضايا التي تعقّدت إجراءاتها، وأسر طال انتظارها لحلول واضحة، وتساؤلات مشروعة حول كيفية المواءمة بين ثبات المبادئ الإنجيلية ومتطلبات التنظيم القانوني المنصف. وبين الحرص على قدسية الزواج وصون الأسرة، والالتزام بالمسؤولية الوطنية واحترام الإطار الدستوري، برزت الحاجة إلى معالجة أكثر تحديدًا واتساقًا لقضايا الأحوال الشخصية للمسيحيين.

ومن هنا، ونحن نفتتح هذا الملف حول الأحوال الشخصية والقانون الجديد، فإننا نسعى إلى طرحٍ هادئ ومسؤول، يستند إلى الرؤية اللاهوتية والخبرة الرعوية، وينفتح في الوقت ذاته على مقتضيات العدالة والتنظيم. وتتقدم أمامنا ثلاثة أسئلة محورية تمهد لمسار هذا الحوار: ما جوهر الإشكالية القائمة؟ ولماذا نحتاج إلى قانون منظم وموحّد؟ وما الأثر المرجوّ منه في واقعنا الكنسي والمجتمعي والوطني؟

 

جوهر الإشكالية القائمة

وإذا نظرنا إلى التطور التشريعي في سياقه التاريخيّ، نجد أن مسألة الأحوال الشخصية لغير المسلمين في مصر ارتبطت منذ القرن التاسع عشر بمبدأ الامتيازات الطائفية، ثم انتقلت إلى إطار وطني مع إلغاء المحاكم المختلطة والشرعية وصدور قوانين تنظيم القضاء الوطني في النصف الأول من القرن العشرين. وقد كرّست التشريعات المتعاقبة -وصولًا إلى الدساتير الحديثة- مبدأ احتكام غير المسلمين إلى شرائعهم في مسائل الأحوال الشخصية متى اتحدت الطائفة والملة، وهو ما أكدته أحكام المحكمة الدستورية العليا في أكثر من مناسبة، معتبرةً أن المرجعية الدينية للطوائف المسيحية جزء من حمايتها الدستورية لحرية العقيدة.

غير أن التطبيق العملي كشف عن تعقيدات متَّصلة بتعدُّد المرجعيات داخل البيت المسيحي نفسه؛ إذ احتفظت كل طائفة -ومن بينها الطائفة الإنجيلية- بلائحتها الخاصة المنظمة للزواج والطلاق، ما أوجد تفاوتًا في أسباب التطليق وإجراءاته. كما أن غياب إطار تشريعي موحّد لفترة طويلة أدى إلى بروز ظاهرة ما يمكن وصفه بـ”الازدواج المرجعي”، حيث قد يجد المتقاضي نفسه بين تفسير كنسي داخلي وإجراءات قضائية مدنية تختلف في إيقاعها ومعاييرها. وقد نتج عن ذلك في بعض الحالات لجوء أفراد إلى تغيير الطائفة كحل قانوني للحصول على حكم بالطلاق، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول العلاقة بين حرية الانتماء الديني واستخدامها كأداة إجرائية.

ومن ثمّ، فإن تشريع قانون موحد للأحوال الشخصية للمسيحيين المصريين هو محاولة لتوحيد الإطار العام مع الإبقاء على الخصوصيات اللاهوتية لكل كنيسة. ومع ذلك، لا تزال التحديات العملية قائمة، خاصة في ما يتعلق بتفعيل آليات الوساطة الأسرية، وتسريع إجراءات التقاضي، وتوضيح العلاقة بين القرار الكنسي والحكم القضائي. وهنا تتأكد أهمية الجمع بين الرؤية الرعوية والحكمة التشريعية، بحيث تُحفَظ قدسية الزواج، وفي الوقت نفسه تتوفر ضمانات العدالة والرحمة لمن يتعثرون في مسيرتهم الأسرية.

 

لماذا نحتاج لقانون موحد للأحوال الشخصية؟  Top of Form

تنبع الحاجة إلى قانون موحَّد للأحوال الشخصية للمسيحيين من اعتباراتٍ لاهوتية وكنسية واجتماعية ووطنية متكاملة، تتجاوز فكرة التنظيم الإداري إلى مستوى أعمق يتصل بوحدة الشهادة واستقرار الأسرة. فالزواج في الفهم الإنجيلي علاقة حب عهدي مقدسة، لكنه في الوقت ذاته علاقة قانونية تترتب عليها حقوق وواجبات واضحة. وعندما تغيب المرجعية التشريعية الموحدة، أو تتعدد الأطر المنظمة بين طائفة وأخرى، ينشأ قدر من الارتباك ينعكس على الأفراد ويؤثر في استقرارهم النفسي والاجتماعي.

إن وجود قانون موحّد لا يعني إلغاء الخصوصيات اللاهوتية، بل يهدف إلى وضع إطار عام يجمع بين الثوابت المشتركة للكنائس المسيحية في مصر. يسهم هذا الإطار في تقليل التباين في الإجراءات، ويحدّ من ظاهرة التنقل بين الانتماءات بدافع البحث عن مسار قانوني أسهل. وهنا تبرز قيمة الوحدة، لا بوصفها شعارًا، بل كضمانة عملية تحمي قدسية الزواج من أن تتحول إلى مجال لاجتهادات متعارضة أو مسارات متباينة.

ومن منظور رعوي واجتماعي، فإن غياب الوضوح القانوني قد يضاعف من معاناة الأسر التي تمر بأزمات. فالأسرة المتألمة تحتاج إلى إجراءات مُحدَّدة، ونتائج واضحة، حتى تستطيع أن تتخذ قراراتها في هدوء ومسؤولية. القانون الموحَّد يمنح هذه المساحة من اليقين، ويضع حدودًا واضحة للعلاقة بين الدور الكنسي والدور القضائي.

أما على المستوى الوطني، فإن توحيد الإطار القانوني يعزز مبدأ المواطنة القائمة على احترام خصوصية العقيدة في نطاقها المشروع، ويؤكد على احترام مبدأ سيادة القانون، واحترام التعددية وحرية العقيدة، وبناءً على هذا يدعم استقرار المجتمع كله. فاستقرار الأسرة المسيحية هو جزء من استقرار المجتمع المصري بأسره. ومن ثمّ، فإن الحاجة إلى قانون موحَّد ليست مطلبًا طائفيًّا، بل خطوة نحو تنظيم أكثر عدلاً واتساقًا، يحقق التوازن بين الرؤية المسيحية لمنظومة الأسرة والسياق القانوني والوطني.

 

ماذا نتوقع من قانون الأحوال الشخصية؟

إن وجود إطار قانوني واضح ومتفق عليه يمكن أن يحقق ثمارًا مهمة على أكثر من مستوى. تتمثل هذه النتائج في تحقيق قدر أكبر من الوضوح والاستقرار القانوني. فحين تكون الإجراءات محددة والمعايير معلنة، يقلّ الارتباك، وتصبح القرارات أكثر قابلية للتوقّع. هذا الوضوح لا يخفف فقط من الأعباء الإدارية، بل ينعكس مباشرة على الحالة النفسية للأسر التي تمر بأزمات، إذ يمنحها إحساسًا بأن الأمور تسير في مسار منظم وعادل.

كما يمكن أن يشكل القانون فرصة لتجديد الدور الرعوي للكنيسة؛ فحين يستقر الإطار القانوني، تتفرغ الخدمة الكنسية بصورة أعمق للإرشاد الأسري، والإعداد للزواج، والمرافقة الروحية في أوقات الأزمات. وهكذا يصبح القانون معينًا للخدمة لا عبئًا عليها، ويعمل إلى جانب الرعاية الروحية في حفظ قدسية الزواج وصون كرامة الإنسان.

لكن تبقى النتيجة الأسمى هي تعزيز استقرار الأسرة المسيحية كشهادة حية داخل المجتمع. فالقانون وحده لا يصنع أسرًا متماسكة، لكنه يوفّر أرضية عادلة تساعدها على الثبات. وإذا اقترن التشريع بالحكمة والرعاية، أمكن أن يسهم في بناء واقع أكثر اتزانًا ورحمة، يحفظ قدسية العهد ويصون سلام المجتمع.

وأخيرًا،

من المهم أن نؤكد أن الحديث عن الأحوال الشخصية ليس انشغالًا بنصوص قانونية بقدر ما هو انشغال بالإنسان والأسرة والمستقبل. فالكنيسة، وهي تناقش هذا الملف تتحرك بدافع الأمانة لرؤيتها اللاهوتية ومسؤوليتها الرعوية، وحرصها على استقرار أبنائها وسلام المجتمع الذي تنتمي إليه وتخدمه.

إن أي قانون، مهما بلغت دقته، يظل إطارًا منظمًا يحتاج إلى ضمير حيّ وروح محبة حتى يحقق غايته. ومن ثمّ، فإن إقرار قانون موحَّد ينبغي أن يترافق مع تجديد مستمر في الإرشاد الأسريّ، والإعداد الواعي للزواج، وتعميق ثقافة الحوار والمصالحة داخل بيوتنا وكنائسنا. فالإصلاح الحقيقي لا يصنعه التشريع وحده، بل تصنعه قلوب تدرك قدسية العهد ومسؤولية الحرية.

وإذ نضع هذا الملف أمام القارئ، نصلي أن يكون هذا المسار خطوةً نحو مزيدٍ من الوضوح في المرجعية والتنظيم والرؤية الرعوية والاجتماعية. هدفنا أن تبقى الأسرة المسيحية مساحة أمان ونمو، وأن تظل شهادتنا في المجتمع شهادة اتزان وحكمة، تجمع بين ثبات الإيمان والوعي بالواقع، وبين قدسية المبدأ وإنسانية المعالجة. Top of FormBottom of FormBottom of Form

 

في هذا العدد تقرأ

اسم الكاتب: محسن منير

يستعرض هذا العدد ملفًا حيويًّا وشاملًا حول “قانون الأسرة للمسيحيين في مصر”؛ إذ تجتمع نخبة من المفكرين واللاهوتيين والقانونيين لتقديم رؤية متكاملة تدمج بين الجذور التاريخية والضوابط الكنسية والواقع الدستوري المعاصر. وتأتي هذه المشاركات لتسليط الضوء على قضايا محورية كالزواج والطلاق والميراث والتبنِّي، سعيًا إلى تقديم مقارباتٍ إنسانيةٍ ولاهوتيةٍ تجيب على تساؤلات المجتمع المسيحي وتحدياته الراهنة.

يفتتح العدد الدكتور القس أندريه زكي، رئيس التحرير؛ ويتناول مقاله ضرورة إصدار قانونٍ موحَّدٍ للأحوال الشخصية للمسيحيين يجمع بين المبادئ اللاهوتية ومتطلبات العدالة القانونية، لإنهاء تعقيدات تعدد المرجعيات وظاهرة تغيير الطائفة. ويهدف هذا التشريع إلى تحقيق الاستقرار الأسريِّ والمجتمعيِّ عبر توفير إجراءاتٍ واضحةٍ تضمن حقوق الأفراد وتدعم الدور الرعويَّ للكنيسة في الإرشاد والإعداد للزواج. ويؤكد المقال أن الإصلاح الحقيقيَّ يتطلب تكاتف النصوص القانونية مع الضمير الحيِّ والروح المُحِبَّة لصون قدسية الأسرة كأولويةٍ وطنيةٍ وإنسانيةٍ.

وتحت عنوان «أفكار واشتباكات… عن قانون الأسرة للمسيحيين» يقدّم الأستاذ هاني لبيب مقالًا يتناول فيه عددًا من المحاور، منها: «فتّش عن المرأة»، و«الكنيسة والإنسان»، و«مشكلة الكنيسة أم الدولة؟»، و«اجتهاد لاهوتي جديد»، و«مشكلات مجتمعية»، و«جذور القانون الموحَّد». ويختتم المقال بطرح مقترحٍ للمستقبل.

وفي مقال بعنوان «قوانين الأحوال الشخصية: مسار تاريخي». تبدأ الدكتورة سامية قدري بمقولة الخوارزمي «كتابة الجديد أيسر من ترقيع القديم» ثم تعرض في ضوئها ما قام به المجلس المليُّ للكنيسة الأرثوذكسية ثم المجلس المليُّ الكاثوليكي ثم المجلس الملِّيُّ للطائفة الإنجيلية في مصر. وتختتم المقال بتقديم عرض لملامح التغيير في قوانين الأحوال الشخصية.

وتحت عنوان «قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين: مدخل مفاهيمي». تكتب د. ماريان منير مقالًا يبدأ بمقدمةٍ تمهيديةٍ ثم يستعرض قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين: مكانة دستورية، تعريفات أساسية في القانون المصري والقانون الكنسي، مفهوم متعدد اللوائح. وفي الجزء الثاني من الدراسة بعنوان “المفاهيم الموضوعية في قانون الأحوال الشخصية” تتناول عدة قضايا، وهي: أ) الخطبة، ب) الزواج بين العقد الكنسي والمدني، ج) موانع الزواج في القانون الكنسي الكاثوليكي، د) الطلاق، التطليق والخلع، هـ) الميراث.

وتحت عنوان «قانون الأسرة للمصريين المسيحيين في مصر: إنجاز تاريخي ونقلة نوعية» يقدم الأستاذ يوسف طلعت، المستشار القانوني لرئاسة الطائفة الإنجيلية، مقالًا غزيرًا يستعرض فيه من جوانب متعدِّدة التطور عبر السنين في هذا الأمر حتى ما وصلنا إليه الآن. يبدأ بخلفية تاريخية ثم يقدم أهم ملامح ومميزات القانون الجديد والتحديات المتوقَّعة ويشرح الدور البارز للطائفة الإنجيلية في هذا الشأن.

كما يقدم القس أمير ثروت رؤيةً لاهوتيةً وقانونيةً للزواج المسيحي باعتباره عهدًا مقدسًا مدى الحياة بين رجلٍ واحدٍ وامرأةٍ واحدةٍ، مستعرضًا الأبعاد الكتابية والدستورية لهذا الارتباط وموقف الكنيسة الإنجيلية من القضايا المعاصرة.

أما عن رؤية الشباب للزواج فيستطلعها القس بيتر وديع في دراسة استكشافية بعنوان «الزواج في مرآة الشباب»، ويبدأ بكيف يرى الشباب المسيحي الإنجيلي الزواج اليوم؟ في عناوين رئيسة: (١) أداة الدراسة الاستكشافية، (٢) قراءة في النتائج، (٣) قراءة نوعية أعمق (٤) تأملات نحو مقاربة أكثر إنسانية.

وبعنوان «الطلاق في تعليم السيد المسيح» يقدم د. ق. عاطف مهني مقالًا عميقًا يشرح وجهة النظر المسيحية في الطلاق عَبْر النصوص الكتابية المتعلقة بقضية الطلاق في متى ٥: ٢٧-٣٢؛ ١٩: ٣-١١؛ مرقس ١٠: ٢-١٢؛ تثنية ٢٤: ١-٤؛ رومية ٧: ٢-٤. ثم يستعرض التحديات والصعوبات التي في هذه التعاليم. ويقدم بعد ذلك خلفية توضيحية ضرورية، ثم رأي السيد المسيح. ويختم بمناشدة للكنيسة أن تراعي مبدأ “الوقاية خير من العلاج”.

ويكتب د. جون دانيال مقالًا بعنوان «مفهوم الطلاق في العهد الجديد»؛ فيبدأ باستعراض بعض الخلفيات التاريخية عن الطلاق في العالم الروماني، والطلاق في أرض فلسطين، ثم يقدم الخلفية التفسيرية إضافةً إلى عرض لمصطلحات الطلاق في اليونانية ثم عرض لما ورد في العهد الجديد حول هذا الشأن.

وتحت عنوان «السياق اللاهوتي للتوريث والتبني» يقدم القس رفعت فتحي مقاله في أربعة عناوين (١) الصورة الإلهية للمساواة، (٢) الميراث بين النص والتاريخ، (٣) التبني، (٤) السياق المصري وإشكالية التبني.

وحول “المشروعية الدستورية لأحكام الميراث في المسيحية” يكتب المستشار الدكتور جورج سامي نقولا مقاله في عناوين رئيسة: “الميراث في الشريعة المسيحية”، و”أحكام الدستور والقانون المصري من ميراث المسيحيين”، و”الأموال العينية”، و”رأي القضاء في شأن اعتبار الميراث من الأحوال الشخصية أم العينية”، و”رأي المحكمة الدستورية في شأن اعتبار الميراث من الأحوال الشخصية أم العينية”، وأخيرًا في الخاتمة يبلور النتائج والتوصيات.

وحول مستقبل تشريعات الميراث والتبني يعد القس عيد صلاح، مدير التحرير، دراسةً بعنوان: «مستقبل التشريعات المصرية حول الميراث والتبني لدى المصريين المسيحيين». وبعد المقدمة يشرح هذا الأمر في محورين:

  1. مستقبل التشريعات حول الميراث لدى المصريين المسيحيين.
  2. التبني في المسيحية بين المفهوم والواقع.

ويختم المقال بتوصيات هامة. 

وتقدم الدكتورة ولاء أسعد عرضًا لكتاب “طلاق الأقباط بين الشريعة والواقع” للدكتورة سامية قدري. ويقع الكتاب في بابين رئيسين ويضم ثمانية فصول، والأبواب هي:

  1. الإطار النظري والمنهجي للعلاقة
  2. الانتقال إلى الواقع الفعلي

في شذراتٍ كتابيةٍ يقدم الشيخ أسامة رشدي تأملاتٍ روحيةً مُستَمَدَّةً من الكتاب المقدس، تمزج بين العمق الروحي والتطبيق العملي للحياة اليومية، لتساعد القارئ على تعزيز إيمانه، وفهم كلمة الله بوضوح، واكتساب رؤية متجددة للتحديات الروحية والنمو الشخصي في ضوء النصوص المقدسة.

وفي ملحق العدد يشرح القس عيد صلاح قانون الأحوال الشخصية للطائفة الإنجيلية بمصر- ١٩٠٢، فيبدأ بمقدمة ثم طرح أحكام ابتدائية لانطباق القانون في خمسة أجزاء وكل جزء في عدة أبواب.

الطلاق في تعليم السيد المسيح

اسم الكاتب: د. ق. عاطف مهني

مقدمة:

عندما أقترب من موضوع الطلاق والزنا، أجد نفسي في صراع كبير، أكثر مما تخيلت. فقد صارت المشاكل الزوجية التي تصل بسرعة إلى انفصال أو طلاق، شيئًا من مظاهر الحياة شبه المعتادة، حتى بيننا نحن المسيحيين. ولم يعد مُستَغرَبًا سماع أخبار طلاق تقع بين المسيحيين وأبناء الكنائس. وهذه التجارب التي تواجه البيوت المسيحية، مؤلمة للغاية، بغض النظر عن الطرف المخطئ والطرف البريء. فالنتيجة الحتمية أن الطرفين يعانيان من آلام خيبة الأمل، وأحزان انهيار الأحلام، وأوجاع سقوط الذكريات الطيبة، وآثار مدمرة على الأبناء، ناهيك عن جروح ومخاوف ومشاعر سلبية عديدة، مثل الخوف من المستقبل والشعور بالظلم، والقلق من نظرة الناس، وربما إحساس بالغدر والخيانة، والرغبة في الانتقام، وغير ذلك.

لذلك، ليس من السهل التعامل مع النصوص الكتابية الخاصة بالطلاق بصورة تتجاهل هذا الواقع المعاصر، فالحاجة إلى بُعدٍ رعويٍّ يراعي ما وصلنا إليه، ليس رفاهية. لكن أمانة التعامل الجاد مع ما تُعلِّمُه كلمة الله عن هذا الأمر، والمحاولة الصادقة لفهم الوصية كما قصدها الروح القدس، ليس خيارًا يقبل النقاش ولا المساومة. لذلك قررت أني بتواضع كثير وخوف أقترب من نصوص تعاليم السيد المسيح المتعلقة بأمرَيِ الطلاق والزنا، متكلًا على نعمة الله من جهة، وواثقًا بأن في أضيق وصايا المسيح، يلتقي الحق والرحمة دون حاجة بشرية منا لبذل الجهد لإنصاف أحدهما.

النصوص المتعلقة بقضية الطلاق:

الآن دعونا نستعرض أهم النصوص المتعلقة بمسألة الطلاق في تعاليم السيد المسيح، والعهد القديم أيضًا وهي: متى 5: 31-32؛ متى 19: 3-10 بوصفهما نصَّين أساسَيْن، وسنتعرض للنصوص الموازية أو التي لها علاقةٌ ما بالنصوص الواردة في إنجيل متى وهي: مرقس 10: 1-12؛ تثنية 24: 1-3؛ رومية 7: 2-4.

متى 5: 27-32

قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لَا تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ. فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لِأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلَا يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لِأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلَا يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلَاقٍ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلَّا لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي.

 

متى 19: 3-11

وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ: «هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الِاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لَا يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ. قَالُوا لَهُ: «فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلَاقٍ فَتُطَلَّقُ؟ قَالَ لَهُمْ: «إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلَكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا. وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلَّا بِسَبَبِ الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي. قَالَ لَهُ تَلَامِيذُهُ: «إِنْ كَانَ هَكَذَا أَمْرُ الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ، فَلَا يُوافِقُ أَنْ يَتَزَوَّجَ! فَقَالَ لَهُمْ: «لَيْسَ الْجَمِيعُ يَقْبَلُونَ هَذَا الْكَلَامَ بَلِ الَّذِينَ أُعْطِيَ لَهُم».

 

مرقس 10: 2-12

فَتَقَدَّمَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَسَأَلُوهُ: «هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ؟». لِيُجَرِّبُوهُ. فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «بِمَاذَا أَوْصَاكُمْ مُوسَى؟» فَقَالُوا: «مُوسَى أَذِنَ أَنْ يُكْتَبَ كِتَابُ طَلَاقٍ، فَتُطَلَّقُ». فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ كَتَبَ لَكُمْ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ، وَلَكِنْ مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ، ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمَا اللهُ. مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الِاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لَا يُفَرِّقْهُ إِنْسَانٌ». ثُمَّ فِي الْبَيْتِ سَأَلَهُ تَلَامِيذُهُ أَيْضًا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي عَلَيْهَا. وَإِنْ طَلَّقَتِ امْرَأَةٌ زَوْجَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ تَزْنِي».

 

تثنية 24: 1-4

إِذَا أَخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَتَزَوَّجَ بِهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ لِأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا عَيْبَ شَيْءٍ، وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلَاقٍ وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ، وَمَتَى خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ ذَهَبَتْ وَصَارَتْ لِرَجُلٍ آخَرَ، فَإِنْ أَبْغَضَهَا الرَّجُلُ الْأَخِيرُ وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلَاقٍ وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ، أَوْ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ الْأَخِيرُ الَّذِي اتَّخَذَهَا لَهُ زَوْجَةً، لَا يَقْدِرُ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ الَّذِي طَلَّقَهَا أَنْ يَعُودَ يَأْخُذُهَا لِتَصِيرَ لَهُ زَوْجَةً بَعْدَ أَنْ تَنَجَّسَتْ. لأَنَّ ذَلِكَ رِجْسٌ لَدَى الرَّبِّ. فَلَا تَجْلِبْ خَطِيَّةً عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ نَصِيبًا.

 

رومية 7: 2-4  

أَمْ تَجْهَلُونَ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ -لِأَنِّي أُكَلِّمُ الْعَارِفِينَ بِالنَّامُوسِ، أَنَّ النَّامُوسَ يَسُودُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَا دَامَ حَيًّا؟ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَحْتَ رَجُلٍ هِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِالنَّامُوسِ بِالرَّجُلِ الْحَيِّ. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَ الرَّجُلُ فَقَدْ تَحَرَّرَتْ مِنْ نَامُوسِ الرَّجُلِ. فَإِذًا مَا دَامَ الرَّجُلُ حَيًّا تُدْعَى زَانِيَةً إِنْ صَارَتْ لِرَجُلٍ آخَرَ. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَ الرَّجُلُ فَهِيَ حُرَّةٌ مِنَ النَّامُوسِ، حَتَّى إِنَّهَا لَيْسَتْ زَانِيَةً إِنْ صَارَتْ لِرَجُلٍ آخَرَ. إِذًا يَا إِخْوَتِي أَنْتُمْ أَيْضًا قَدْ مُتُّمْ لِلنَّامُوسِ بِجَسَدِ الْمَسِيحِ، لِكَيْ تَصِيرُوا لِآخَرَ، لِلَّذِي قَدْ أُقِيمَ مِنَ الْأَمْوَاتِ لِنُثْمِرَ لِلهِ.

 ما تحديات وصعوبات تعاليم السيد المسيح في إنجيلَيْ متى ومرقس بشأن الطلاق؟

واضح أن أمر الطلاق كان أمرًا شائكًا أيام السيد المسيح، حتى إن مقاوميه من الكتبة والفريسيين حاولوا استغلال هذا الأمر في تجربته، وإيقاعه في مشكلة إن أمكن. فإن أجاب عن أسئلتهم بتعليم مخالف للناموس، يكون قد جدَّف، وإن تشدَّد عن تعليم معلميهم المشهورين، يثور الناس عليه! وفي سياق أسئلة الفريسيين وإجابات السيد المسيح، نرصد الصعوبات التالية:

  • سؤال الفريسيين، لا سيما في صياغة متى 19: 3 “هل يحل للرجل أن يطلِّق امرأته لكل سبب؟” يبدو غريبًا ويحتاج للكشف عن خلفيته، أي المعتقد والممارسة اليهودية التي كانت سائدة في تلك الأيام.
  • ما جوهر وفحوى وصية موسى في تثنية 24؟ هل هي وصية لإباحة الطلاق، أم تحديد أسبابه؟ أم شرح كيف يُجرَى الطلاق؟
  • ما معنى قول السيد المسيح “إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم”؟ وما مضمون إذن موسى؟ وما دلالته؟ وما موضوع كتاب الطلاق الذي أوصى به موسى؟
  • لماذا لم يجب السيد المسيح بوضوحٍ عن أسئلة الكتبة والفريسيين بشأن مدى أحقية الرجل أن يطلق في كل وقت؟ وما المنظور الجديد الذي وجَّه السيد النظر إليه؟

خلفية واجبة:

يلقي المؤرخ اليهودي يوسيفوس الضوء على قضية الطلاق في زمن السيد المسيح، مشيرًا إلى تعليم معلمي الشريعة من الفريسيين في هذا الشأن، لا سيما رباي شمعي ورباي هليل. ونحن نعلم أن شمعي وهليل كانا صاحبي مدرستين فقهيتين متضادتين في تفسير الناموس في كل شيء تقريبًا. فقد كان شمعي محافظًا، متشددًا، ومتمسكًا بحرف الوصية، وكان هليل أكثر ليونةً وسماحةً وتحرُّرًا وأكثر مراعاةً لواقع الناس وحاجاتهم الحياتية في كثيرٍ من مواقفه التفسيرية والفقهية. ومن العجيب أن مواقف السيد المسيح في كثير من الأحيان كانت تتوافق مع هليل الذي كان يراعي روح الوصية لا حرفها، لكن في الموقف من الطلاق هنا، يبدو موقف السيد المسيح أقرب لرأي شمعي المتشدد، وإن كان الأمر بالنسبة للسيد المسيح، بالتأكيد لا يتعلق بالتمسك بحرف الوصية، بل بشيء أهم، كما سنرى الآن.

لقد اعتقد شمعي أن تعبير “عيب شيء” الوارد في تثنية 24: 1 “إِذَا أَخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَتَزَوَّجَ بِهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ لِأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا عَيْبَ شَيْءٍ” لا يعني مجرَّد “عيب ما” أو “أي عيب“، بل فهم التعبير على أنه لا بد وأن يشير إلى اكتشافه شيئًا مشينًا، يتعلق بالشرف مثلًا، لم يكن يعرفه عنها قبل الزواج، مثل علاقة جنسية غير شرعية. فهنا يكون له حق الطلاق. بينما فسر المعلم هليل تعبير “عيب شيء” أنه يعني “أي عيب” وتوسع في إعطاء أمثلة للعيب الذي يبيح للزوج طلاق زوجته، فذكر أن تطبخ لزوجها طبيخًا لا يعجبه، أو أن يحترق منها الطبيخ، أو أن تستيقظ من النوم ووجهها مكمد، أو ألا تحسن استقباله عند عودته للمنزل… وغير ذلك. وواضح أن سؤال الفريسيين كان متعلقًا بهذا الرأي: “أن يطلق لكل سبب” (متى 19: 3) [جون ستوت، الموعظة على الجبل، سلسلة الكتاب المقدس يتحدث الثوم، ص 101].

معالجة لغوية:

  • يستخدم البشير متى في 19: 9 كلمة πορνεια، والتي تُنطَق “بورنيا” وتُترجَم “زنا” عندما يشير لحالة الاستثناء التي يمكن أن يُسمَح بها في الطلاق: “من طلق امرأته إلا لعلة الزنا“. وهذه الكلمة تعني أي نوع من الممارسة الجنسية غير المشروعة، أي خارج إطار الزواج، سواء كانت قبل الزواج، أو بعده، أو ممارسة جنسية مع المحارم… أو غيرها. لكن يستخدم البشير كلمة أخرى للزنا μοιχεια، والتي تنطق “مويخيا” وتُترجَم أيضًا “زنا” وتُستخدَم هنا للإشارة لمن يطلق امرأته ويتزوج ثانيةً “فهو يزني“. فالكلمة مويخيا تُستَخدَم عادةً لمن يزني وهو متزوج، وكأن السيد يقول إن من يطلق (إلا إذا كان سبب الطلاق زنا الطرف الآخر) ثم يتزوج فإنه “زانٍ/خائن” في حق شريكه في الزواج. ويبيح الاستثناء هنا الطلاق للطرف البريء (Craig Keener, The Gospel of Matthew, 407)
  • ويتطابق البشير مرقس مع البشير متى في أن الطلاق الذي يليه زواجٌ يُعدُّ زنا μοιχεια (مويخيا) أي خيانة زوجية “يزني عليها”، سواء حدث ذلك من الزوج أو الزوجة (مرقس 10: 11). لكن في مرقس لا يُذكر أي استثناء يبيح الطلاق، حيث لا ترد عبارة “إلا علة الزنا”.

 

 

رأي السيد المسيح:

لم يجب السيد المسيح إجابةً مباشرةً عن سؤال الفريسيين كما توقعوا. فلم يكن رده: “نعم يجوز الطلاق في كل حال”، أو “لا يجوز الطلاق إلا في حال كذا”، لكن السيد المسيح وجَّه نظر السائلين إلى القصد الإلهي في الأصل، أي منذ الخلق وهو الزواج (تكوين 1: 27؛ 2: 24)، زواج رجل واحد من امرأة واحدة، وبالتالي فإن الطلاق ليس جزءًا من الخطة الإلهية الأساس، ولا يمكن التعامل معه بوصفه وضعًا طبيعيًّا مقابلًا للزواج، أو تابعًا له، أو أنه من ممارسات الحياة الطبيعية “لَكِنْ مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ، ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمَا اللهُ. مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونُ الِاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ” (متى 19: 4-5؛ مرقس 10: 6-8).

ويكمل السيد المسيح مؤكدًا أن هذه الوحدة الجديدة الناشئة عن الزواج، التي أسماها السيد “جسدًا واحدًا“، قصد الله لها أن تستمر مدى الحياة، لا أن تُقوَّض، وتتعرض للفراق “وما جمعه الله لا يفرقه إنسان” (متى 19: 6؛ مرقس 10: 9).

هذا المدخل الذي اتخذه السيد، يشبه ما يقوم به الطبيب عند الكشف على مريض، فهو يحاول معرفة مدى انحراف حالة المريض على الوضع الأصلي الصحي لجسم الإنسان. ويحاول الطبيب، قدر إمكانه، أن يعيد بالعلاج العضو المريض إلى حالته الطبيعية، لكن إن كانت الحالة متردية، فيحاول الطبيب تحسين الحالة والإبقاء على حياة المريض.

من أجل هذا، كان أول ما عمله السيد مع سائليه، هو تذكيرهم بالوضع الأصلي الصحي الذي أسَّسه الله منذ بدء الخليقة للعلاقة الزوجية وهو الوحدة والعيش معًا دون افتراق. هنا يعود السيد المسيح للتعامل مع وصية موسى في تثنية 24: 1-4، مصحِّحًا بعض المفاهيم المغلوطة والتي وردت مستترةً في سؤال الفريسين: “فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلَاقٍ فَتُطَلَّقُ؟” والحقيقة أن السؤال بهذه الصيغة مليء بالمغالطات، بل والتلفيق. فهل أوصى ἐνετείλατο موسى بالطلاق؟ وهل أوصى أن إجراء الطلاق لا يكلف الرجل إلا توقيع كتاب/وثيقة طلاق لزوجته فيكون قد قام بكل ما هو مطلوب منه لزوم الطلاق؟

هنا يجيب السيد بأن موسى أذِن ἐπέτρεψεν لهم بإعطاء كتاب طلاق، أي في حالة وقوع الطلاق. والفارق كبيرٌ بين الوصية -التي هي واجبة الطاعة لأنها تتعلق بشيءٍ مطلوب عمله- وبين الإذن -الذي هو تصريحٌ للضرورة. فأنت لا تحتاج لإذن مديرك لتنصرف في المواعيد المحدَّدة لعملك، لكنك تحتاجه إذا اضطرتك الحاجة للمغادرة قبل موعد الانصراف المعتاد!

أما عن إعطاء الرجل كتاب الطلاق للمرأة المُطلَّقة، فقد كان بمثابة إذنٍ مملوءٍ بالرحمة للمرأة، في حال وقوع الطلاق، لاسيما لو كانت مظلومة. ففي أيام كتابة هذه الوصايا، كان احتياج المرأة أن تكون في كنف رجل يرعاها ويحميها ويوفر لها المعيشة، وبالتالي ففي حالة طلاقها من دون وثيقة تثبت أنها لم تَعُد على ذمة رجل، يحرمها هذا من الزواج ثانيةً؛ لأنه يظهرها بمظهر الزانية، التي ارتبطت برجل غير زوجها، وبالتالي فهي تستحق الرجم بموجب شريعة موسى.

إذًا فإن نص تثنية 24 ليس معنيًّا بمناقشة أسباب الطلاق وليس المقصود منه أن الطلاق لا يكلف الرجل أكثر من إعطاء المرأة وثيقة طلاق، لكنه يركز على أمرين في حال وقوع الطلاق: أولهما: وجوب أن تُعطَى المرأة كتاب (وثيقة) طلاق، دليلًا على أنها لم تَعُد على ذمة رجل، وثانيهما: هو عدم جواز أن يعيد الرجل مطلَّقته لعصمته، بعد ارتباطها برجل آخر، حتى لو مات هذا الرجل أو طلقها، ولعل السبب في ذلك هو إرساء مبدأ قدسية الزواج وعدم التسرع بتاتًا في الطلاق على اعتبار أن الرجل يمكن أن يتزوج ثم يطلق لأي سبب، ثم يغير رأيه ويرد زوجته، وكأن الأمر هو لعبة أو تسلية تخضع للمزاج والنزوات.

وهنا يشرح السيد المسيح أن إذن موسى بإعطاء المطلَّقة وثيقة طلاق، جاء بسبب قساوة قلوب البشر، وعدم رغبتهم في طاعة الوصية الإلهية بالتمسك بقدسية الزواج، بل بسبب امتداد القساوة للحد الذي فيه لا يراعي الرجل تأمين مستقبل زوجته بعد الطلاق، بل لا يعنيه إن كانت تعيش من دون عائل، أو أن تُرجَم إذا ارتبطت بزوج دون أن يكون لديها ما يثبت أنها لم تَعُد على ذمة رجل.

وأخيرًا يخلص السيد المسيح أننا إذا رجعنا إلى القصد الأزلي من الزواج كما رسمه الله منذ بدء الخليقة، فإن السبب الوحيد الذي يمكن أن يؤدي إلى الطلاق هو زنا أحد طرفي العلاقة، لأن هنا الزاني يُعدُّ هو والميت شيئًا واحدًا. فبالزنا، أخرج هذا الطرف نفسه من رباط الزواج وارتبط قلبًا وجسدًا بطرفٍ آخر. ويكون هنا الطرف البريء في حِلٍّ أن يرتبط بآخر، كمن مات زوجها، فتزوجت، أو ماتت امرأته فتزوج ثانية (انظر رومية 7: 2-4).

أما من يطلق لأي سبب آخر ثم يتزوج، فإنه يزني “إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلَّا بِسَبَبِ الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي” (متى 12: 9). ويأتي نص تعليم السيد في إنجيل مرقس مشابهًا لما ورد في إنجيل متى: “مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي عَلَيْهَا، وَإِنْ طَلَّقَتِ امْرَأَةٌ زَوْجَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ تَزْنِي” (مرقس 10: 11). هنا يقول السيد إن زواج الطرف المُطلِّق زنا، لاحتمال شُبهةِ أن يكون هذا الطرف قد سعى للطلاق لأجل الزواج من آخر. وهذا يُعَدُّ كسرًا للعهد الإلهي، ويفرق ما جمعه الله، فيرتبط الرجل بأخرى وهو أمام الله لا يزال مرتبطًا في عقد وعهد زواج، إذ لم يكن مبرِّرًا لانفصاله عن زوجته وطلاقه لها. وهو بذلك يدفعها للزنا بالمفهوم نفسه، فهي من الممكن أن تُضطَرَّ لأن تتزوج وترتبط برجل آخر، بينما هي بمقتضى عهد الزواج لا تزال على ذمته، ومرتبطةً به.

هنا يبرز سؤال فرعي لكني أفضل أن أجيب عنه بسبب المشككين في أصالة نص مرقس، مدَّعين أنه في اليهودية، كان الطلاق من حقوق الرجل دون المرأة، فكيف ينسب النص للسيد القول: “وَإِنْ طَلَّقَتِ امْرَأَةٌ زَوْجَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ تَزْنِي” (مرقس 10: 11ب)؟

كما نعلم لقد كتب مرقس إنجيله للرومان، وعليه فمن الطبيعي أن يسجل بدقةٍ ما علمه السيد المسيح، ويكون مفهومًا وذا معنى لقُرَّائه من الأمم. بالفعل كانت الشريعة اليهودية تعطي للرجل دون المرأة الحق في أن يطلِّق. لكن القانون الروماني أيام السيد المسيح، كان يبيح للمرأة والرجل على السواء الحق في التطليق. وكان السيد وتلاميذه والفريسيون، وبالتأكيد قُرَّاء البشير مرقس، جميعهم على علم بذلك. ولا بد أن بعض اليهود كانوا يستغلون القانون الروماني المدني، إذا كان في صالحهم، حتى لو خالف الشريعة، تمامًا كما يعمل بعض المسيحيين في أيامنا وهم يطبقون أحكامًا مأخوذة من الشريعة الإسلامية، في المواريث أو الطلاق، إذا كانت تخدم أهدافهم. ويشهد التاريخ أن هيرودية قد طلقت زوجها فيلبس لترتبط بهيرودس أخيه (مرقس 6: 17). ولعل الرسول بولس في 1كورنثوس 7: 12-13 كان يشير إلى هذا القانون الروماني، غير مؤيدٍ تطبيقه، والذي كان يبيح انفصال الزوجين وطلاقهما، ولو لاختلاف الدين: “إِنْ كَانَ أَخٌ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ، وَهِيَ تَرْتَضِي أَنْ تَسْكُنَ مَعَهُ، فَلاَ يَتْرُكْهَا. وَالْمَرْأَةُ الَّتِي لَهَا رَجُلٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ، وَهُوَ يَرْتَضِي أَنْ يَسْكُنَ مَعَهَا، فَلاَ تَتْرُكْهُ”.

)H. B. Swete, The Gospel According to St. Mark, 219(

خلاصة:

لعل ما كتبه جون ستوت في تناوله لنص الطلاق بحسب ما ورد في إنجيل متى، في ضوء تفسيره للموعظة على الجبل، يصلح لأن يكون ختامًا مناسبًا يجمع بين أمانة التفسير ومسؤولية الرعاية. يقول ستوت إنه عندما يأتيه واحد من الرعية طالبًا أن يتكلم معه على رغبته وحاجته للطلاق، يجيبه ستوت بأنه مستعدٌّ أن يسمعه، بشرط أن يستمع طالب المشورة أولًا لستوت وهو يكلمه عن قصد الله الأصلي في الزواج، وأيضًا عن قصد الله لأبناء الملكوت، أن يكونوا صانعي سلام (متى 5: 9). فلا يعقل أن أبناء الملكوت يكونون صانعي سلام في العالم ويعجزون عن صنع السلام بالصورة التي تصون بيوتهم وزواجهم. يقول ستوت، عادة عندما نتكلم بعمق في هذين الأمرين، لا نحتاج أن نتكلم عن الطلاق (ستوت، الموعظة على الجبل، ص. 106).

دعونا في الختام نحاول أن نخلص إلى بعض التطبيقات العملية التي تراعي الأمانة والتمسك بتعاليم المسيح عن الطلاق من جهة، ولا تهمل الواقع العملي والمشاكل الناتجة عن “قساوة قلب” الإنسان الذي قد لا يعنيه كثيرًا التمسك بتعاليم السيد. وقد مارس السيد المسيح في هذا الموقف هذا التوازن الدقيق بالضبط. فمن جهةٍ عاد بنا إلى قصد الله المُعلَن منذ خلق الإنسان باعتبار الزواج، لا الطلاق، هو العلاقة السليمة للبشرية، ومن جهةٍ أخرى عرَّفنا كيف نواجه قساوة قلب الإنسان الساقط، شارحًا ما فعله موسى القائد الذي خدم شعبه بأمانة القاضي العادل، والراعي الأمين.

  • لا يجب أن تساوم كنيسة المسيح في الحق الكتابي، والذي يعلِّم بوضوح أن الطلاق مخالف لمشيئة الله الذي منذ خلق الإنسان وضع نظام الزواج بوصفه علاقة مقدسة أبدية بين رجل واحد وامرأة واحدة.
  • السيد المسيح وضَّح لنا أن الزنا هو الاستثناء الوحيد الذي يبيح للطرف البريء طلب الطلاق، باعتبار أن الطرف الخائن قد خرج من عهد الزواج بإرادة منفردة بممارسته للزنا. إنه والميت واحد، كلاهما طرف قد خرج من العلاقة. وعلى الرغم من ذلك، فإن كانت حدثت توبة من الطرف المخطئ، وغفران من الطرف البريء وأظهِر استعدادٌ منه لاستمرار العلاقة، فهذا أفضل. وفي هذه الحالة على الكنيسة أن تشجع وتبارك استمرار علاقة الزواج.
  • لا بد أن نعترف أن المسيحيين ليسوا كلهم مستعدين للعيش وفق تعاليم المسيح، ولا بقيم ملكوته القائمة على المحبة والعدل والرحمة والتسامح ومراعاة العفة والقداسة والالتزام بحفظ عهد الزواج المقدس… وغيرها. ولعل تعبير “قساوة القلوب” هو التعبير الدقيق لوصف هذه النوعية من البشر. وقد فهمنا من رد السيد أن قساوة القلب هي التي تدفع الإنسان للتمرد على الوصية الإلهية والانحراف عن القصد الإلهي للزواج بالسعي نحو الطلاق دون مبرِّرٍ أو الطلاق لأي سبب. هذا الانحراف عن القصد الإلهي نراه في الحياة العملية المعاصرة في أشكال عدة كالزنا والخيانة الزوجية، ويمكن أن يأخذ أشكالًا أخرى من ظلم مستمر من طرف للآخر أو إهانته أو ممارسة العنف معه وقهره.
  • لقد اتضح من إجابة السيد المسيح على أسئلة الفريسيين، أن “قساوة القلب” يجب ألا تغير الالتزام بقصد الله الصالح والأزلي بشأن الزواج، بأن يرتبط الزوجان في علاقة مقدسة بوصفهما جسدًا واحدًا مدى الحياة. هذا يدفع الكنيسة للاضطلاع بمسؤوليتها في تعليم المقبلين على الزواج وتأهيلهم بكل السبل الروحية والنفسية والعلمية والعملية ليكون ارتباطهم مؤسسًا على الصخر، الأمر الذي يسلحهم بالحكمة والفهم المتبادَل والصبر بعضهم على بعض وقت الأزمات. لهذا أحذر من التعامل مع الطلاق بوصفه اختيارًا مطروحًا عند الخلافات والغضب. قد يؤدي هذا التوجه إلى استسهال الأزواج اللجوء إلى الطلاق بدلًا من الاجتهاد في حل مشاكلهم بالطرق المختلفة، كطلب مساعدة مشيرين متخصصين.
  • إن الكنيسة وهي تتعامل مع “قساوة القلب”، وإن كان عليها كما ذكرنا ألا تنصرف أبدًا عن القصد الإلهي في قدسية الزواج ولا تتهاون في التمسك بقصد الله في أن يكون رباط الزواج أبديًّا، إلا أنه عليها أن تراعي إنصاف الطرف البريء أو المظلوم. فبعض قُساة القلوب من البشر، قد يستغلون تمسك الكنيسة بعدم الطلاق، ومطالبتهم الطرف البريء المقهور بضرورة الصبر واحتمال حياة لا تطاق، كأنه دعم لاستمرارهم في التصرفات الظالمة والممارسات الشريرة من خيانة أو قهر وعنف وإهانة للطرف الآخر. هنا لا بد أن تمارس الكنيسة دورها على مثال ما فعل موسى في أيامه لحماية الطرف المظلوم.
  • إن الإذن بإعطاء كتاب طلاق للطرف المظلوم، والذي قام به موسى، وشرح أسبابه السيد المسيح، ربما يعادل في أيامنا سنّ قوانين أحوال شخصية وشرائع مدنية عادلة، تنصف الطرف البريء حال وقوع الطلاق، أو اضطرار طرف للجوء للمحاكم المدنية، حال فشل التدخل الروحي والرعوي من الكنيسة. فالناموس المدني، والسلطات الضابطة للعدالة والمنتقمة من الظلم والشر هي أيضًا من ترتيب الله (رومية 13: 1-4). ولعل لنا مثالًا طيبًا فيما عملته كنائسنا المصرية بطوائفها المختلفة في قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين والمرفوع لمجلس الشعب لإقراره. فقد قدمت للمشرع بنودًا منضبطة لأسباب الطلاق مع مراعاة سد الثغرات التي قد يستغلها “قُساة القلب” في الاستمرار في ظلم الطرف الآخر وقهره.

في النهاية، أود أن أطلب من كنيسة المسيح أن تراعي مبدأ “الوقاية خير من العلاج“. فإن تقدم العلوم الطبية يظهر ليس فقط في توفير أدوية لعلاج الأمراض والأوبئة، بل في توفير التطعيمات والأمصال الوقائية والأدوية المقوية للمناعة. هكذا يجب على الكنيسة أن تقي أبناءها من مشاكل البيوت المنقسمة، بأن تساهم بكل السبل في تربيتهم على التمسك بتعاليم المسيح، بما فيها قدسية الزواج. ولا يجب أن تُجرَى زيجة في الكنيسة دون مشورة ما قبل الزواج التي تساعد الأزواج كثيرًا على تخطي التحديات والصعوبات التي تواجه الحياة الزوجية، والتي يؤدي الجهل في التعامل معها إلى مشاكل تقسم البيوت وتقود إلى الطلاق والخراب.

مفهوم الطلاق في العهد الجديد

اسم الكاتب: د. جون دانيال

الخلفية التاريخية

موضوع شائك وكثيرًا ما نتجنب الحديث فيه. لن أعرض أي شيء متعلق بتطبيقه أو عدمه، بل سأعرض بعض الخلفيات التاريخية عن موضوع الطلاق في زمن المسيح، ثم سأتناول بالتفصيل أهم نصوص العهد الجديد التي تناولت هذا الموضوع من حيث بنائها الأدبي مع تحليل للكلمات اليونانية ومعانيها الفنية. في هذا المقال أتكلم عن مفهوم الطلاق عند الرومان وعند اليهود في زمن المسيح.

الطلاق في العالم الروماني

كان الطلاق مسموحًا في العالم الروماني وتغيرت قوانينه وعاداته من عصر لعصر؛ ففي زمن المسيح كانوا يقولون: “الرجل الجبان هو فقط الذي لا يستطيع أن يطلق امرأة تصنع المشاكل”. بدأ يظهر أيضًا في منتصف القرن الأول إمكانية أن تطلق المرأة زوجها، وإن غياب سبب لاستمرار الزواج يبيح الطلاق، بل كان يمكن للرجل البحث عن زوج جديد لزوجته المطلَّقة. وهو ما بدأ يتبعه كثير من اليهود المتهلينين.

الطلاق في أرض فلسطين

كانت المرأة اليهودية تخشى الطلاق لأنه سيسبب لها كثيرًا من المعاناة الاقتصادية والاجتماعية، ولكن كان يباح للرجل الطلاق لأي سبب من أول عدم الطاعة إلى حرق الخبز. أما الربي فتبنى مدرسةً أخرى، وعلى الرغم من انتشار هذه المدرسة وسطوتها، لم يحبها يهود فلسطين مسألة الطلاق؛ لأنها تقول إن الزواج مبني على الإخلاص، وبالتالي غياب الإخلاص هو السبب الوحيد للطلاق. لكن وفق مدرسة شمعي كان يجب أن يكون الطلاق رسميًّا حتى تُمنح المرأة حق الزواج مرةً أخرى.

الخلفية التفسيرية

الحقيقة إن في دراسات العهد الجديد -وتحديدًا في الأمور المتعلقة بالبحث في الخلفيات- نحتاج أن نراجع الخلفيات اليهودية لأن مكان نشأة المسيحية والمسيح والتلاميذ كانوا يهودًا في الأصل. والخلفية اليونانية؛ إذ كانت الثقافة السائدة، كما إن الانتشار الأول للمسيحية كان في بيئة يونانية هيلينستية. كذلك الرومانية؛ حيث القوانين والحاكم كان رومانيًّا.

لكن في قضية الطلاق سنجد أن الموضوع متعلق في الأساس بالخلفية اليهودية سواء من حيث البناء أو الألفاظ. فإذا نظرنا لمصطلحات الطلاق اليونانية αποπέμπω -εκπέμπω apopempo – ekpempo لن نجدها إطلاقًا في العهد الجديد ولا في الترجمة السبعينية، وينطبق الشيء نفسه على المصطلح الخاص بطلب المرأة الطلاق apoleipo απολείπω. أما من حيث البناء فسنجد بعرض النصوص أن الخلفية هي يهودية بحتة، لذا فسأركز اليوم على الخلاف اليهودي في تفسير الطلاق.

ظهرت مدرستان في زمن المسيح؛ واحدة للربي شمعي والأخرى للربي هليل. وإن كانت المدارس الفريسية لم تختلف كثيرًا مسألة الزواج الثاني، ولكن الخلاف كان في مقدار الطعام والكسوة والمعاشرة، تفسيرًا لنص خروج 21: 10. لكن الخلاف كان عميقًا في مسألة الطلاق، ومحل الخلاف كان تثنية 24: 1. فمدرسة شمعي كانت ترى أن “عيب شيء” ترادف لـ”لم تجد نعمة في عينيه”، وبالتالي يكون الطلاق فقط بسبب الزنا. أما مدرسة هليل فكانت ترى أن “لم تجد نعمة” يقصد بها الزنا والثانية “عيب شيء” يقصد بها أي عيب يراه الرجل وبالتالي يكون الطلاق لأي سبب يراه الرجل. وبفهم هذا الخلاف سنستطيع بشكل كبير أن نفهم نصوص العهد الجديد في مسألة الطلاق.

في العهد الجديد 6 نصوص تتحدث عن الطلاق (متى 1: 19؛ 5: 31-32؛ 19: 1-12، مرقس 10: 1-12، لوقا 16: 18، 1كورنثوس 7: 10-15). سأعرض تحليل بناء تلك النصوص والألفاظ المستَخدَمة ومعانيها.

مصطلحات الطلاق في اليونانية

في الجزئين الماضيين تكلمنا عن الخلفية التاريخية والتفسيرية، أما هنا سنتكلم عن الخلفية اللغوية. في اللغة اليونانية لا توجد كلمة خاصة للطلاق ولكن استُعمِلت ألفاظ عدة لموضوع الطلاق، ولكل هذه الكلمات دلالاتٌ مختلفة غير الطلاق ولكن في سياق معين نفهم أنها تتكلم عن الطلاق.

في الفكر اليوناني الكلاسيكي كانوا يستعملون ألفاظ كـ εκπέμπω -αποπέμπω apopempo – ekpempo وهذه الأفعال تعني حرفيًّا يُخرج خارجًا أو يُطرَد ولكن في سياقات معينة فهمنا أنه يقصد الطلاق، فهذان المصطلحان يركزان على موضوع الطلاق في الفكر اليوناني وهو طرد أو إخراج الزوجة من بيت الزوجية لتعود لبيت ولي أمرها κύριος kyrios  الأول.

في الترجمة السبعينية استُعمِل لفظان الأول هو εξαποστέλλω exapostello (تثنية 24: 1، 3) وهو يتشابه جدًّا مع المصطلح اليوناني الكلاسيكي.

أما المصطلح الثاني فهو βιβλίον αποστασίου vivlion apostasiou (تثنية 24: 1، 3، إشعياء 50: 1، إرميا 3: 8) كترجمة للتعبير العبري “سِفِر كريتوت” وهو ما يترجمه فاندايك “كتاب طلاق”. والكلمة αποστάσιον apostasion تعني “مخالصة” وتستخدم في كل عقود البيع، فالتعبير كله يعني “ورقة مخالصة” لكن أصبح في الدوائر اليهودية مفهوم يختص بوثيقة الطلاق فقط. وقد أخذ كتاب الأناجيل التعبير كما هو (متى 5: 31، 19: 7، مرقس 10: 4).

أما في العهد الجديد فنجد ثلاثة أفعال أخرى مختلفة:

الفعل απολύω وهو حرفيًّا بمعنى يُطْلق أو يحرَّر وقد ورد في العهد الجديد بهذه المعاني لكنه ورد أيضًا في (متى 1: 19، 5: 31، 32، 19: 3، 7، 8، 9، مرقس 10: 2، 4، 11، 12، لوقا 16: 18).

رأى يوسيفوس أن هذا الفعل هو الأنسب للقارئ اليوناني في القرن الأول ليفهم معنى “كتاب طلاق” فبدلًا من عكس الترجمة السبعينية التي تستخدم βιβλίον αποστασίου vivlion apostasiou، يستخدم يوسيفوس γραμμάτιον ἀπολυομένη ghrammation apolyomeni (اليهود القدماء 15: 259). وهذا ما يدلل على أن الفعل كان يُستَخدَم تقنيًّا للطلاق وليس التسريح.

أما الفعل الثاني المستخدم للطلاق فهو الفعل χωρίζω chorizo بمعنى يفرِّق أو يفصل وله معانٍ كثيرة خارج موضوع الطلاق لكنه أشار للطلاق في تفريق ما جمعه الله (متى 19: 6، مرقس 10: 9). كما استخدمه بولس للدلالة على المفارقة بين الزوجين (1كورنثوس 7: 10، 11، 15).

الفعل الثالث هو الفعل αφηιμι aphiemi ويعني الترك، الغفران وقد ورد أيضًا عند بولس كمعنى تقني للطلاق الرسمي ويترجمه فاندايك “يترك” (1كورنثوس 7: 11، 12، 13).

الأناجيل المتفقة

“فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارًّا، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا، أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرًّا” (متى 1: 19). يتحدث هذا النص عن خطبة مريم ليوسف وهو لم يرغب في فضحها بل أراد أن يطلقها سرًّا. نفهم من هذا النص أن الخطبة في المجتمع اليهودي كانت مثل كتب الكتاب في مجتمعنا الآن ويحتاج إلى شيء رسمي لإنهائه. كان في العادة إذا اكتشف الرجل يهودي زنا الخطيبة يذهب إلى محكمة المجمع ويطلب إنهاء الخطوبة. لكن نفهم من فكرة تركها سرًّا أنه لم يرد الذهاب إلى محكمة المجمع وفضحها.

وفي إنجيل متى 5: 31-32؛ 19: 1-12 المحور الأساسي في فهم النص هو فهم قضية العهد في الزواج. يضع متى على لسان الفريسيين في سؤالهم “لكل سبب” إشارةً لرغبتهم أن يعرفوا هل ينتمي لمدرسة شمعي أم هليل. يحاول البعض حديثًا ترجمة απολύω apolyw بمعنى تسريح وليس تطليق. كأن وصية المسيح هنا تتكلم عن أن الطلاق يجب أن يكون رسميًّا، لكن واضح أن هذا غير صحيح من دراسة الكلمة في الأدب الهيلينستي ومن كتابات يوسيفوس الذي يستخدم اللفظ نفسه للطلاق الرسمي.

أما عن علة الزنا λόγος πορνείας loghos porneias فهي تعني ممارسة أي فعل جنسي وليس فقط الجماع intercourse (تخيل لو طبقنا مفهوم المسيح عن الزنا في الآيات السابقة متى 5: 27-30). لكن الفعل يزني μοιχεύω moichevo يعني أن يخون شريكه. فنفهمها كالتالي: “لا طلاق إلا لسبب الممارسات الجنسية خارج الزواج، ومن يطلِّق امرأته لسبب غير ذلك يجعلها عرضة للخيانة ومن يتزوج بمطلقة -لم تُطلَّق بسبب الزنا-كأنه يزني لأنها مازالت على ذمة الزوج الأول”.

مرقس 10: 1-12 (لوقا 16: 18)

يركز مرقس على قساوة القلب كما يركز هو ولوقا على أن العهد لا يُكسر وقدسية فكرة العهد في الزواج ما يجعل أي زواج مبني على زواج سابق باطل؛ لأن العهد الأول لم يُكسر.

صورة

رسائل بولس

يجب أن نفهم هذا الجزء في قرينته؛ فبولس يتكلم في كل الإصحاح عن الاستعداد لمجيء الرب، وإنه لا وقت للزواج وليلبث الجميع كما هو (موضوع بعيد بعض الشيء عن موضوعنا ولن أخوض فيه هنا). ثم يقدم بولس في هذه الآيات جزءًا مهمًّا عن أن ما قدمه سلفًا لا يعني أنه يبغض الزواج أو يريد أن يكون الزواج غير مكرَّم بل أن يظل المتزوجون متزوجين، وسأبدي بعض الملاحظات على النص:

  • تتصاعد نبرة بولس من الحث للأمر (الفعل أوصيكم παραγγέλλω paraggello يعني الأمر ولم يستخدمه بولس سوى في هذه الآية وفي 1كورنثوس 11: 17).
  • يقول بولس: “أقول أنا لا الرب” ويقصد بها أنه لم يقصد أن يتكلم عن الطلاق كما تكلم عنه الرب يسوع في حياته، وأنه لا يقتبس قول الرب بل إن كلامه يختص أكثر بالحديث على فكرة البقاء على الوضع الحالي لأن مجيء الرب قريب.
  • يستخدم بولس لوصف ترك المرأة للرجل مصطلحًا تقنيًّا قانونيًّا عن الطلاق χωρίζω   chorizo وهو يختص بالطلاق مع التركيز على فكرة الانفصال في الطلاق (آ 10، 11) واستخدم حول طلاق الطرفين (آ 15).
  • أما الفعل المستخدم عن طلاق الرجل فهو أيضًا فعل تقني قانوني αφηίμι aphiemi  لكنه يركز على الترك أكثر من فكرة الانفصال فالرجل يترك المرأة بينما المرأة تنفصل (طبعًا هذا بسبب طبيعة المجتمع آنذاك من حيث مسؤولية الرجل المادية). استخدم هذا الفعل عن ترك المرأة في آ 13 وهو يتحدث عن ترك غير المؤمنة للمؤمن.
  • بولس في آ 11 يركز ليس قضيته عدم الزواج الثاني بل قضيته مرة أخرى هو بقاء الوضع على هو عليه فحتى وإن حدث الطلاق لا تتزوج المرأة مرة أخرى (نفس معاملة الأرملة والعذراء في نفس الإصحاح) ولكن في هذه الحالة يشدد بولس على قدسية الزواج من خلال وجوب المصالحة والسعي لها (آ 11).

في نهاية الكلام، في خلال هذه الأجزاء قدمت مفهوم الطلاق تاريخيًّا في العهد الجديد من حيث المعنى الأدبي والخلفية التاريخية والتفسيرية. لكن بفهم أوسع وأشمل للغرض اللاهوتي للنصوص وطبيعة الخلفية الحضارية والثقافية للعهد الجديد، يجب أن تصرخ الكنيسة اليوم صرخةً نبويةً واعيةً لواقع مجتمعها ولمشكلاته.

التبني من منظور كتابي وقانوني وإنساني

اسم الكاتب: هايدي حنا

قضية التبني من القضايا الشائكة التي يحوم حولها الكثير من الأسئلة منها:

  • هل يجوز أن تتبنى المسيحية مبدأ التبني في بلد يرفض هذا المبدأ شرعًا وقانونًا؟
  • هل في الكتاب المقدس ما يؤيد التبني أو ينفيه؟
  • ما المشاكل التي قد تعاني منها الكنيسة إن أيَّدت التبني؟

كل هذه الأسئلة وغيرها ستكون موضوع دراستي خلال السطور القادمة…

مبدئيًّا كلمة التبنِّي تعني تكوين علاقة أبوة وأمومة قانونية بين المتبنِّي والمتبنَّى، ويُمنح الطفل جميع حقوق الطفل الشرعي؛ أما الكفالة فهي تُركّز على الرعاية المادية دون تغيير النسب أو الحقوق المترتبة على التبني.

نظام القانون بمصر عن التبني

في القانون المصري لا يُسمى تبني بل “كفالة طفل”. ووفقًا للقانون المصري (وزارة التضامن الاجتماعي)، لا بد من توفر اثنين وعشرين شرطًا للموافقة على كفالة طفل، تشمل:

  • تطابق ديانة الأسرة مع ديانة الطفل
  • توفر النضج الأخلاقي والاجتماعي للزوجين
  • الصلاحية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والصحية والمادية للأسرة
  • وجود بيئة صالحة للسكن
  • التعهد بتوفير كافة احتياجات الطفل
  • الحفاظ على نسب الطفل، وتقديم صحيفة الحالة الجنائية دوريًّا، بالإضافة إلى شروط إدارية أخرى.

إضافة لهذه الشروط الرسمية، فإن نظام الكفالة يلزم الأسرة بحجب الطفل عنهم عند البلوغ؛ أي ابتعاده عنهم إن كان يسكن معهم في نفس البيت مع استمرار الإحسان عليه، وهذا بسبب أنه أصبح يجوز لأهل البيت وغير محرم عليهم بمعنى يمكن للولد الزواج من الأم الكفيلة أو فتيات الأسرة إن كانت لديها أطفال بنات، كذلك لو الطفل فتاة تجوز للأب الكفيل والفتيان أولادهم؛ والجدير بالذكر أنه توجد فتوى شرعية تُجيز إرضاع الأم الكفيلة للطفل ليصبح محرَّمًا عليها، كي يستطيع البقاء في الأسرة بعد البلوغ؛ ومع ذلك الشائع هو حجب الطفل وتركه المنزل عند البلوغ.

أسباب حظر التبني في الشريعة الإسلامية:

  • خلط الأنساب: التبني يؤدي إلى خلط الأنساب وما يترتب عليه من تحريم للحلال وتحليل للحرام في أحكام النظر، والخلوة، والمحرمية، والميراث، والشهادة، والزواج… وغيرها.
  • الميراث: نظام الإرث في الإسلام مقصور على القرابة القريبة (الدم)، والمُتبنَّى لا تربطه صلة دم بالأسرة، لذا لا يحق له الميراث. وإذا ورث المتبنَّى بوصفه ابنًا شرعيًّا، فهذا يُعد ظلمًا للورثة الشرعيين، وتعتبر الشريعة الإسلامية أن التبني بهذا المعنى يُعدُّ “أكلًا لأموال الناس بالباطل”.
  • العدل الاجتماعي: يقتضي العدل نسبة الولد إلى أبيه الحقيقي، وليس لأب مزعوم أو مزور، فالتسمية والنسب في حال التبني يُعدَّان كذبًا وزورًا.

هل في الكتاب المقدس ما يؤيد التبني أو ينفيه؟

بدارسة كلمة الله، سنجد أن التبني ليس مفهومًا غريبًا عن الكتاب المقدس، بل أساس الإيمان المسيحي في علاقة الإنسان بالله.

أمثلة التبني في العهد القديم:

  • موسى وابنة فرعون (خروج 2: 1-10، أعمال 7: 20-21): في تلك القصة نرى كيف وجدت ابنة فرعون موسى ورَقَّ قلبها له وقررت بأن تتَّخذه ابنًا لها وفي عدد 10 يوضح هذا القرار: “وَلَمَّا كَبِرَ الْوَلَدُ جَاءَتْ بِهِ إِلَى ابْنَةِ فِرْعَوْنَ فَصَارَ لَهَا ابْنًا، وَدَعَتِ اسْمَهُ «مُوسَى» وَقَالَتْ: إِنِّي انْتَشَلْتُهُ مِنَ الْمَاءِ”. وكذلك في سفر الأعمال 20:7 و21: “وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وُلِدَ مُوسَى وَكَانَ جَمِيلًا جِدًّا، فَرُبِّيَ هَذَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فِي بَيْتِ أَبِيهِ. وَلَمَّا نُبِذَ، اتَّخَذَتْهُ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ وَرَبَّتْهُ لِنَفْسِهَا ابْنًا فَتَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ، وَكَانَ مُقْتَدِرًا فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ”. كما نلاحظ في هذه الآيات أن اسم موسى هذا الذي دَعته هي ابنة فرعون لأنه صار ابنًا لها، كما هو مذكور في الشاهد: “وَرَبَّتْهُ لِنَفْسِهَا” أي أصبح ابنها؛ هذا الطفل الذي لا تعرف عنه شيئًا سوى أنه عبريّ: “رَأَتِ الْوَلَدَ، وَإِذَا هُوَ صَبِيٌّ يَبْكِي. فَرَقَّتْ لَهُ وَقَالَتْ: هَذَا مِنْ أَوْلَادِ الْعِبْرَانِيِّينَ”، لكنها اختارت أن تتبناه ويكون ابنًا لها، لذا فقد تعاملت معه معاملة الأم لابنها من بداية تسميته وحتى تعليمه وتربيته وتهذيبه، حيث تعاملت معه كحفيد فرعون الذي عليه أن يعرف حكمتهم -حكمة المصريين- من علوم الأدب والعلم… التي كان يتميز بها المصريون في ذلك الوقت، بل وقد تعامل معه الجميع على أنه ابن ابنة فرعون لذا كانوا حريصين على تعليمه ما يتميزون به من حكمة.
  • سارة وراحيل ورغبتهما في التبني (تكوين 16: 1-2، 30: 1-3): قصة سارة مذكورة في تكوين 1:16 و2: “وَأَمَّا سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ فَلَمْ تَلِدْ لَهُ. وَكَانَتْ لَهَا جَارِيَةٌ مِصْرِيَّةٌ اسْمُهَا هَاجَرُ،فَقَالَتْ سَارَايُ لِأَبْرَامَ: هُوَذَا الرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ الْوِلَادَةِ. ادْخُلْ عَلَى جَارِيَتِي لَعَلِّي أُرْزَقُ مِنْهَا بَنِينَ”. قصة رحيل مذكورة في تكوين 30: 1-3: “فَلَمَّا رَأَتْ رَاحِيلُ أَنَّهَا لَمْ تَلِدْ لِيَعْقُوبَ، غَارَتْ رَاحِيلُ مِنْ أُخْتِهَا، وَقَالَتْ لِيَعْقُوبَ: هَبْ لِي بَنِينَ، وَإِلَا فَأَنَا أَمُوتُ! فَحَمِيَ غَضَبُ يَعْقُوبَ عَلَى رَاحِيلَ وَقَالَ: أَلَعَلِّي مَكَانَ اللهِ الَّذِي مَنَعَ عَنْكِ ثَمْرَةَ الْبَطْنِ؟ فَقَالَتْ: هُوَذَا جَارِيَتِي بِلْهَةُ، ادْخُلْ عَلَيْهَا فَتَلِدَ عَلَى رُكْبَتَيَّ، وَأُرْزَقُ أَنَا أَيْضًا مِنْهَا بَنِينَ.”. كان الحال في العهد القديم عندما تكون الزوجة عاقرًا كانت تعطي جاريتها لزوجها كي يتزوجها وعندما تجنب بنين تتبناهم سيدتها، كأنها هي اللي أنجبتهم وليست جاريتها ويكون لهم كل حقوق الطفل الطبيعي فيصبح من المحرمات وكذلك يكون له نصيبًا في الميراث.
  • جنوبث الذي تبنته خالته تحفنيس: هذه القصة مذكورة في ملوك الأول 11: 15-20 “وَحَدَثَ لَمَّا كَانَ دَاوُدُ فِي أَدُومَ، عِنْدَ صُعُودِ يُوآبَ رَئِيسِ الْجَيْشِ لِدَفْنِ الْقَتْلَى، وَضَرَبَ كُلَّ ذَكَرٍ فِي أَدُومَ. لِأَنَّ يُوآبَ وَكُلَّ إِسْرَائِيلَ أَقَامُوا هُنَاكَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ حَتَّى أَفْنَوْا كُلَّ ذَكَرٍ فِي أَدُومَ. أَنَّ هَدَدَ هَرَبَ هُوَ وَرِجَالٌ أَدُومِيُّونَ مِنْ عَبِيدِ أَبِيهِ مَعَهُ لِيَأْتُوا مِصْرَ. وَكَانَ هَدَدُ غُلَامًا صَغِيرًا. وَقَامُوا مِنْ مِدْيَانَ وَأَتَوْا إِلَى فَارَانَ، وَأَخَذُوا مَعَهُمْ رِجَالًا مِنْ فَارَانَ وَأَتَوْا إِلَى مِصْرَ، إِلَى فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ، فَأَعْطَاهُ بَيْتًا وَعَيَّنَ لَهُ طَعَامًا وَأَعْطَاهُ أَرْضًا. فَوَجَدَ هَدَدُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْ فِرْعَوْنَ جِدًّا، وَزَوَّجَهُ أُخْتَ امْرَأَتِهِ، أُخْتَ تَحْفَنِيسَ الْمَلِكَةِ. فَوَلَدَتْ لَهُ أُخْتُ تَحْفَنِيسَ جَنُوبَثَ ابْنَهُ، وَفَطَمَتْهُ تَحْفَنِيسُ فِي وَسَطِ بَيْتِ فِرْعَوْنَ. وَكَانَ جَنُوبَثُ فِي بَيْتِ فِرْعَوْنَ بَيْنَ بَنِي فِرْعَوْنَ”. إن تحفنيس زوجة فرعون مصر تبنت ابن أختها جنوبث، ونشأ في بيت الفرعون بين أبنائه، ومن الواضح من هذا النص أن مَنْ اهتمت به هي خالته تحفنيس حيث لا ذكر لوالدته سوى أنه ولدت الطفل جنوبث فربما ماتت بعد الولادة لأن التي فَطَمَتْهُ هي تحفنيس، أي تبنت الطفل منذ المهد ونشأ في بيتها وسط أبناء فرعون، حيث الاهتمام بالجميع واحد دون تفرقة، لقد أصبح أخًا لهم وليس أجنبيًّا عليهم وذلك بتبني تحفنيس له.

التبني في العهد الجديد (علاقة الإنسان بالله):

  • غلاطية 4: 4-7: “وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْت النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ. ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: «يَا أَبَا الْآبُ». إِذًا لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ابْنًا، وَإِنْ كُنْتَ ابْنًا فَوَارِثٌ لِلهِ بِالْمَسِيحِ”. وهنا كما ذكر الوحي في كلمته أن الله أرسل ابنه كي يفتدينا و”لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ” أي ننال حقوق البنين كاملةً وهذا يعني أن علاقتنا بالله تحولت من عبيد لأبناء له ونتعامل معاملة الأبناء، لنا حق الوراثة كما هو مذكور في الشاهد: “وَإِنْ كُنْتَ ابْنًا فَوَارِثٌ لِلهِ”؛ ولقد استخدم الوحي كلمة “التبني” فيما يخص علاقتنا بالله لأنه كان دارجًا في هذا التوقيت، ومعروف ما هو نتاج التبني، لذا استعان بها بولس لتوضيح مكانتنا بعد الإيمان بعمل السيد المسيح، صرنا بالتبني أبناء الله ولنا حق الميراث.
  • رومية 8: 14-17: “لِأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: «يَا أَبَا الْآبُ». اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لِأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلَادُ اللهِ. فَإِنْ كُنَّا أَوْلَادًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ”. روح التبني هي تلك الروح التي تجعلنا أبناء لله وتجعل لنا الحق أن ندعو الله “أبانا”. والمعروف في هذا التوقيت أن الابن المتبنَّى كان يُختَار بعناية؛ لأنه يحفظ اسم أبيه الذي تبناه ويكون خليفته في طبقته الاجتماعية ويرثه، ولم يكن يقل في المكانة عن الابن الطبيعي، بل أحيانًا يحظى الابن المتبنَّى بمحبة والده أكثر من الطبيعي عندما يكون أمينًا مع أسرته التي تبنته.
  • يوحنا 1: 12-13: “وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلَادَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ، بَلْ مِنَ اللهِ”.

التبني امتيازٌ يعطيه الله لكل من يؤمن به، فلقد دعانا الله أن نكون أولاده ونحن ندعوه “يا أبانا”، وهذا بسبب نعمة التبني؛ إذ أصبحنا أولاده ليس من دم ولا من مشيئة جسد أو رجل، لكنها نعمة من الله التي انتشلتنا من حياة العبودية وأعطت لنا سلطانًا أن نكون أولاده. فبالتبني الذي نلناه من الله وُلِدنا من جديد في حياة جديدة كي ننسى ما فات من حياتنا ونبدأ معه حياة جديدة حيث أصبحنا خاصته أي ملكه بالتبني.

ومن هنا نجد أن علاقتنا بالله تحولت من العبودية إلى البنوة، هذه البنوة ليست بسبب دم ولا لحم ولا نتيجة رجل بل إنها نعمة التبني التي منحها الله لنا، ونتيجة التبني أصبح لنا الحق في مناداته “يا أبي”، لنا حق الميراث والمكانة الاجتماعية؛ إذ أصحبنا ملوكًا وكهنة “وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً لِلهِ أَبِيهِ” (رؤيا 1: 6). واستخدم الوحي كلمة “تبني” لأن التبني كان متعارفًا عليه في ذلك الوقت، ولو كان الله يجد أنه خطية وغير مسموح به، أولًا كان منعه بوصية كتابية، ثانيًا -وهذا الأهم- لم يكن يستعين به لتوضيح عمق علاقتنا بالله عندما نؤمن بعمله وفدائه.

 

وهنا سؤال آخر يفرض نفسه إذا كان الكتاب المقدس يؤيد التبني، ما أسباب عدم تمسك البعض بقضية التبني؟

قبل أن نتطرق لهذه الأسباب دعوني أولًا أطرح موقف الكنيسة الخاص بالتبني في مصر:

  • الكنيسة الأرثوذكسية: تُلزم لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس (1938 والمعدّلة في 2008) بالتبني في المواد من 110 إلى 123، والجدير بالذكر أن هذه المواد لم تُحذَف من اللائحة.
  • الكنيسة الإنجيلية: تُجيز التبني أيضًا، وقدمت مشروعًا لقانون الأحوال الشخصية المُوحّد يتضمّن موادًّا خاصة بالتبني.
  • الكنيسة الكاثوليكية: تتبع القانون المدني للدولة التي تتواجد فيها، لذا موقفها من التبني يختلف حسب الدولة.

لماذا لا تتخذ الكنيسة موقفًا حاسمًا بالمطالبة بتفعيل التبني الذي لا يتنافى مع المبدأ الكتابي، بل وقد كان مسموحًا به في لائحة الأحوال الشخصية الصادرة سنة 1938 للأقباط الأرثوذكس، واستمر حتى عطَّل الدستور هذا الحق سنة 1971، رغم أنها مازالت موجودة في اللائحة، حتى وقت إصدار البابا شنودة تعديلات بعض المواد من هذه اللائحة، ترك المواد الخاصة بالتبني كما هي ولم يُلغِها، فالكنيسة لا تحتاج المطالبة بإصدار قانون جديد، بل للتمسك بإعادة تفعيله، خاصة بعد دستور 2014 مادة (3) والذي يقر بأن: “يحق لغير المسلمين من أصحاب الأديان السماوية بالاحتكام لشرائعهم الخاصة”، فما السبب إذن بعدم تمسك البعض بقضية التبني؟

في السطور القادمة سأطرح آراء البعض التي تعكس لماذا الكنيسة لا تتخذ موقفًا حاسمًا في هذه القصية:

  • ليست في الشريعة: التبني كان مجرد عادة في العهد القديم، وليس في الشريعة الموسوية نص صريح يُنظّمه.

وردًّا على هذا الرأي: لا يوجد أيضًا ما ينفي أو يحظر فكرة التبني، ولو كان المطلوب الحذر هذه السلوك كان الجدير أن يذكره الله ضمن الشريعة الموسوية مع السلوكيات التي يحذر منها الله في الشريعة، مثل لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد على قريبك زور… وتأكيد أن الله لا يرفض هذا المبدأ في العلاقات بل يؤيده أن علاقتنا بالله مبنية عليه.

  • ليس عقيدة ولكنه نظام اجتماعي: يرى البعض أن التبني ليس عقيدة مسيحية واجبة التطبيق، بل نظام اجتماعي معمول به في بعض الدول، ولا داعي لإثارة الجدل حوله لأنه لن يضر الأقباط في شيء.

وردًّا على هذا الرأي: التبني أساسي في الديانة المسيحية؛ إذ تقوم على أساس أن المؤمنين تبناهم الله وفداهم بدم المسيح، لذا أصبحنا أولادًا لله بالتبني، لذا فكما فعل الله بنا هكذا نحن أيضًا مع الأطفال الذين يعانون من حرمانهم لوالديهم. والدليل على هذا أن لائحة 1938 وضعت هذا المبدأ في المواد من 110 إلى 123، أي أربعة عشر بندًا لتنظيم وترتيب التبني وذلك لعلم المسؤولين آنذاك أنه مبدأ مسيحي، بل وعندما عُدِّلت اللائحة عام 2008 لم يُلغَ، على العكس، عُدِّلت مادة (118) ليكون أكثر تنظيمًا وليس لإلغائه. أما الغريب حقًّا في هذا الرأي هو أن التبني من عدمه لن يؤثر في حياتهم! فمَنْ الذي يستطيع أن يحكم بهذا الحكم؟!

  • حفاظًا على السلام المجتمعي: فالكنيسة تقبل التبني إذا قبلته الدولة وترفضه إذا رفضته، لضمان السلام المجتمعي، والمسيح لم يضع تشريعات في الأمور المادية.

وردًّا على هذا الرأي: هل المطالبة بالحقوق وتطبيق الدستور (المادة 3) يفقدنا السلام المجتمعي؟! أليس من حقنا كمواطنين أن نُطالب بحقوقنا التي منحتها لنا الحكومة؟! فإن كنا نسير بهذه المنهجية لكانت حياتنا توقفت وفقدنا حقوقنا كي لا يفقد المجتمع سلامه.

  • ليس تشريعًا في المسيحية: إن السيد المسيح في إنجيل العهد الجديد لم يضع تشريعات في الأمور المادية للمسيحيين.

وردًّا على هذا الرأي: هذا لا يعني أننا من دون نظام ولا تشريعات كتابية تحكمنا، فكان هدف السيد المسيح الفداء والمصالحة مع الله، بالإضافة إلى أن رسالته إكمال الناموس بكل تشريعاته لا أن ينقضه. هذا بالإضافة إلى مَنْ قال إنه لم يضع تشريعات؟ لقد وضع لنا قانونًا عامًّا في التعامل مع الآخرين، منها الرحمة، الاهتمام بإخوته الأصاغر المحتاجين، حتى طرق العطاء وضع لها تشريعات. والجدير بالذكر هذه الجملة تجعلنا في تعاملاتنا نتوقف عند الأناجيل فقط مهملين باقي الرسائل التي بها تشريعات للأمور المادية، ولا أعتقد أن هذا يناسب إيماننا؛ إن الكتاب المقدس كله مُكمِّل بعضه لبعض، وعلينا أن نطيعه بكل أسفاره بدايةً من التكوين حتى الرؤيا. هذا من جانب، ومن الجانب الآخر نجد أن التبني أساس مسيحيتنا.

 

بعد أن ناقشنا التبني من مفهوم قانوني وكتابي دعونا نناقشه من منظور إنساني لندرك تأثير إلغاء التبني (أو عدم تفعيله) على الطفل من منظور نفسي:

أولًا نظرية إريكسون:

قَسَّمَ إريكسون المراحل العمرية عند الإنسان لثماني مراحل. لكني لن أتطرق إلا للمراحل الخمس الأولى فقط لارتباطها بقضية التبني؛ فتأثيرها أقوى على تكوين شخصيته والمفاهيم التي يتبناها بعد ذلك في حياته وعلاقاته، والتي حتى وإن حاول الإنسان تغيرها بعد ذلك ستأخذ وقتًا طويلًا ومجهودًا كبيرًا، بل ويظل متأثرًا بها وقد تظهر من حين لآخر في بعض المواقف خاصَّةً الصعبة منها، دون أن يعي الإنسان بها. وذلك لأنها انغرست بأعماق الطفل الداخلي لديه.

المرحلة الأولى مرحلة المهد (صفر- سنتين):

  • الأزمة: التي من الممكن أن يعاني منها الطفل فيما بعد إذا لم يُسدد احتياجه في هذه المرحلة هي، عدم الثقة بالعالم الخارجي الذي يتعامل معه.
  • التحدي في هذه المرحلة: الشعور بالأمل والثقة بالآخر.
  • احتياج الطفل في هذه المرحلة: الشبع من حب والديه وحضنهم واهتمامهم به وأنهم متاحون له لتلبية احتياجاته عندما يبكي وأينما احتاج لهم؛ هذا الحب يُنمي بداخل الطفل شعور الإحساس بالأمان والطمأنينة وعلى أساسه يمنح ثقته للعالم وينمو بداخله الإحساس بالأمل في الغد، أما إذا أُهمِل تسديد احتياجه سيبدأ الطفل في الشك أنه من الممكن أن يثق بالعالم، ويفقد الأمل في الغد بأنه سيكون أفضل.

المرحلة الثانية (2- 4 سنوات):

  • الأزمة: التي من الممكن أن يعاني منها إذا لم يُسدد احتياجه في هذه المرحلة هي، الخزي والشك في نفسه وأنه قادر على مواجهة الحياة بمفرده.
  • التحدي في هذه المرحلة: الاستقلالية والثقة بالنفس والاعتماد على الذات لمواجهة تحديات الحياة.
  • احتياج الطفل في هذه المرحلة: التشجيع وعدم استخدام الترهيب والتخويف؛ ففي هذه المرحلة يتعلم الطفل التحكم في الإخراج، لذا يحتاج الطفل من والديه طريقة التعامل الصحيحة والتوزان عند تعليمه كيف يتحكم في الإخراج دون عنف وترهيب عندما يخطئ، لكن منحه الحب والصبر حتى يتعلم تلك المهارة الجديدة مع تشجيعه عندما ينجح؛ بالإضافة أن الطفل في هذه المرحلة يبدأ بالشعور في الاستقلالية ويحاول أن يثبت نفسه بالتمرد على أوامر والديه فيبدو طفلًا عنيدًا لذا فهو يحتاج للحب غير المشروط رغم عناده مع الحسم بحب، والتأديب بحب كي تصل رسالة به بأنه محبوب رغم سلوكه المتمرد، مع تجنب العنف البدني في التأديب والعنف النفسي من إهانة لفظية. فإذا سُدِّد احتياج هذه المرحلة سينمو الطفل وهو يثق بنفسه، أما إذا لم يُسدَّد احتياجه سيشعر بالخزي من نفسه، ويشك في قدارته وأنه أضعف من أن يقوم بأي عمل.

وأوضح إريكسون أن الحب الذي يمنحه الآباء للطفل في خلال المرحلتين من المهد لأربع سنوات هو الحب الأساسي الذي لا يعوضه أي حب مهما حاول الإنسان بعدها أن يُسدد هذا الحب. لذا فإنه إن لم يشبع الطفل بهذا الحب الأساسي يظل طوال حياته يبحث عن ذلك الحب المفقود بداخله؛ حتى إن تزوج وأحب شريك حياته يظل بداخله إحساس بأن أمرًا ما ينقصه ولا يستطيع تفسيره، لكن أساسها هو الحرمان من هذا الحب الأساسي الذي لا يملأه سوى الأب والأم.

المرحلة الثالثة (4- 6 سنوات):

  • الأزمة: التي من الممكن أن يعاني منها إن لم يُسدد احتياجه في هذه المرحلة هي، الشعور بالذنب.
  • التحدي في هذه المرحلة: روح المبادرة وعدم الخوف من الفشل.
  • احتياج الطفل في هذه المرحلة: الاستمرار في التشجيع وعدم استخدام النقد أو العقاب العنيف عندما يخطئ، فالطفل في هذه المرحلة يتميز بحب الفضول لديه، الذي يفسره البعض أنه طفل مخرب، وكذلك تتميز تلك المرحلة بكثرة الحركة غير المتقنة لأنه ما زال يتعلم مهارات التحكم في حركات جسده، كل هذا يجعل أخطاءه كثيرة، لذا في هذه المرحلة يحتاج متابعة وصبرًا ووعيًا بسيكولوجية مرحلته والتعامل معه بحكمة، وتشجيعًا وليس بعصبية أو إهمال أو قسوة سواء قسوة بدنيّة أو نفسية -كلمات سلبية وإهانات لفظية- كما يحتاج الطفل لملاحظته طوال الوقت لحمايته، إذا سُدِّد احتياج الطفل في هذه المرحلة ستكون النتيجة طفلًا لا يخاف من الفشل بل مبادر لا يخشى تجربة أمور جديدة؛ أما إذا لم يُسدد احتياجه سيقع في أزمة تلك المرحلة وهو الشعور بالذنب لأنه وصلت له رسالة من والديه بأنه طفل مخرب.

المرحلة الرابعة (6- 11 سنة):

  • الأزمة: التي من الممكن أن يعاني منها إذا لم يُسدد احتياجه في هذه المرحلة هي، الشعور بالنقص.
  • التحدي في هذه المرحلة: المثابرة والإنتاجية (الإنجاز) وعمل الشيء بإتقان.
  • احتياج الطفل في هذه المرحلة: هذه المرحلة هي بداية التعليم والإنجاز الدراسي، وهنا يحتاج الطفل عدم تقييمه بواسطة الدرجات الدراسية ومقارنته بأقرانه، بل معرفة شخصيته وما نوع الذكاء الذي يتميز به، وكذلك ما مواهبه، مع تشجيعه بما يملك من مواهب ونوعية ذكائه وإمكانياته…، وليس فقط تقييمه بواسطة الدرجات، وبالطبع هذا يحتاج لاهتمام خاص بالطفل من الوالدين كي يُسدَّد احتياج الطفل في تلك المرحلة؛ إن سُدِّد احتياج الطفل سيتطور ويبدع أكثر من مجال موهبته والجانب الذي يتميز بالذكاء فيه فيكون أكثر إنجازًا. أما إذا لم يُسدد احتياجه سيقع في أزمة تلك المرحلة وهو الشعور بالنقص والدونية.

المرحلة الخامسة فترة المراهقة:

  • الأزمة: التي من الممكن أن يعاني منها إذا لم يُسدد احتياجه في هذه المرحلة هي، اختلاط الأدوار.
  • التحدي في هذه المرحلة: تحديد الهُوية.
  • احتياج المراهق في هذه المرحلة: إعطاء مساحة له كي يكون مستقلًّا ويعبر عن رأيه بحرية؛ واحترام: شخصيته، خصوصياته، ارتباطه بشلته، مشاعره؛ كذلك الابتعاد عن استخدام السُّلطة والسيطرة وإجباره على القيام بأمور غير مقتنع بها، مع تحمل تقلباته المزاجية التي لا يكون لها تبرير واضح من وجهة نظر الكبار. هذه المرحلة هي من أصعب المراحل التي تحتاج لرعاية بحكمة شديدة، حيث المراهق يرفض السُّلطة وفي الوقت نفسه يحتاج إليها، كما أن هذه المرحلة من أكثر المراحل التي تحتاج لحب غير مشروط، يحتاج لوالديه كأصدقاء له وليس سُلطة مطلقة؛ يحتاج للصبر والاستماع له في وقت وتركه في وقت آخر…، إن سُدِّد احتياج هذه المرحلة له ستكون النتيجة تكوين شخصية مستقلة تعرف ذاتها، من مواهب، فكر، اهتمامات وليس هذا فقط بل أيضًا يُبنى روحيًّا وتكوين معتقداته الدينية بصورة صحيحة؛ أما إذا تم تجاهل احتياجاته هذه ستكون النتيجة أنه يتعرض لأزمة تحديد الهُويّة وهي اختلاط الأدوار إذ يصبح إنسانًا مهزوز الشخصية، ليس له وجهة نظر أو رأي خاص به، ويكون مُعرض للانغماس في الإدمانات تحت ضغط الشلة عليه، أو انضمامه لمجموعات مخربة كون أنها تعطي له الحرية التي يلتمسها ولا يجدها وسط أسرته.

بعد دراسة هذه النظرية دعونا ندرك كيف يؤثر إلغاء التبني أو يمكن القول “عدم تفعيل مواد التبني” على الطفل من خلال دراسة هذه المراحل؟

من هذه الدراسة نرى كيف يحتاج الطفل للحب والاهتمام والتشجيع وعدم استخدام العنف ووعي بسيكولوجيته… فهل هذه الاحتياجات يستطيع دور الرعاية أو الكفالة أن تسدده؟!

بالنسبة لدور الرعاية:

هل تعرف كم طفل يهتم بهم مشرف واحد؟ إن  أعداد الأطفال في دار الرعاية يتأرجح ما بين 11 طفل لـ50 طفلًا، فهل من الممكن أن يتوفَّر لهم مشرف لكل طفل أو حتى مشرف لكل طفلين؟! لا أعتقد أنه في أرض الواقع هذا يحدث؛ ومن هنا تُصبح تلبية احتياجات الطفل في خلال الأربع مراحل الأولى من حياته من حب، أمان، تشجيع، اكتشاف مواهب، وصبر… شبه مستحيلة؛ مع احتمالية ترك المشرفين لدار الرعاية وعدم استقرارهم، ناهيك عن المشرفين الذين يعتبرون أن ما يقوموا به وظيفة ليس أكثر ولا أقل وبالتالي لا يستطيعون أن يعكسوا صورة الأمومة والأبوة التي يحتاج لها الطفل، وللأسف الطفل حساس لهذه المشاعر ويستطيع التمييز بين الحب الحقيقي الذي يقدمه المشرف، وبين المشرف الذي يؤدي دوره فقط بلا مشاعر؛ وبالتأكيد هذا الأمر سيؤثر على حالته النفسية وتكوين شخصيته التي لم تُسدَّد لها احتياجها في مراحله الخمس؛ هذا بالإضافة أن هناك قانونًا بنقل الطفل بعد بلوغه 18 عامًا إلى دار أخرى، مما يُفقده الاستقرار النفسي ويُساهم في تكوين شخصية مهزوزة وغير واثقة بسبب تغيير البيئة التي تعوَّد عليها وهو في هذه المرحلة الحرجة.

بالنسبة لنظام الكفالة:

رغم أنه قد يُوفر بعض الاحتياجات المادية، إلا أنه يفشل في تلبية الاحتياجات النفسية العميقة؛ فالطفل المكفول يُعاني من اختلاف اسمه عن اسم العائلة الكافلة، مما يُعرضه للتنمر والشعور بالنقص وسط أقرانه، والأكثر إيلامًا هو شرط “الحجب” عند البلوغ، حيث يُجبر الطفل على ترك الأسرة التي أحبها ونشأ فيها لأنه “أجنبي”. هذا الانفصال في مرحلة المراهقة الحرجة يُسبب أذى نفسيًّا عميقًا، ويُؤثر على قدرته على تكوين علاقات عميقة وانتماء مستقر.

فتخيل معي عزيزي القارئ بعدما يظل الطفل في البيت ترعاه الأسرة وهي بداخلها فكرة أنه غريب ويجوز بعد أن يصل للبلوغ للأم والأب كيف ستكون مشاعرهم؟ كيف ستكون مشاعرهم وموقفهم وقت احتياجه للحضن، الدخول معه للحمام… مع طفل غريب ليس بطفلهم؛ وإن قلنا إنهم سيسددون احتياج الطفل للحب في هذه المرحلة ولن يكون بداخلهم فكرة أنه من الأجانب، ماذا عندما يصل للمرحلة التي لا بد فيها أن يذهب بعيدًا لأنه أصبح غريبًا وبالغًا قادرًا على الزواج؟ أليس هذا مدمرًا له؟

ثانيًا نظرية هرم ماسلو:

وضعها العالم “أبرهام ماسلو” ويوضح أن للإنسان خمس احتياجات أساسية وهي:

  1. الاحتياجات الفسيولوجية: التنفس، والطعام، والماء، والجنس، والنوم…
  2. الاحتياج إلى الأمان: السلامة الجسدية بعيدًا عن الاعتداء والعنف، الأمن بوجوده داخل الأسرة، الأمن الصحي، الأمان بوجود منزل له…
  3. الاحتياجات الاجتماعيّة: وجوده وسط أسرة تتسم علاقاتها بالدفء والحب؛ اكتساب أصدقاء أوفياء محبين، العلاقات العاطفية التي تشبعه بالحب…
  4. الاحتياج إلى التقدير: رغبة الشخص على تحقيق مكانة واحترام وتقدير وسط المجتمع الذي يعيش فيه.
  5. الاحتياج إلى تحقيق الذات: الشعور بأنه متفرد عن غيره من حيث المهارات والقدرات محققًا ذاته.

وأكد ماسلو أن هذه الاحتياجات ضرورية ومتداخلة، وتمثل دوافع أساسية للسلوك البشري، وعدم إشباعها يُسبب التوتر، القلق، والألم النفسي.

 

فهل تسدد دور الرعاية ونظام الكفالة احتياجات هرم ماسلو؟

للأسف تهتم دور الرعاية والكفالة بتأمين الطفل من طعام وشراب ومكان إقامته، لكن لا اهتمام باحتياجاته النفسية، من حب وأمان واحتواء ودفء ومساندة، فمثلًا:

  • الاحتياج الأمان: يفقده الطفل المكفول بعد البلوغ عند إجباره على ترك المنزل، مما يُشعره بعدم الاستقرار والغربة.
  • الاحتياجات الاجتماعية: لا يُمكن تحقيق علاقات عميقة في دور الرعاية بسبب قلة عدد المشرفين أو تغييرهم؛ أما الأسرة البديلة فمن منطلق فكر وشروط الكفالة بأنه من الأجانب وأن الأم/ الأب يجوز له… لن تكون العلاقة بنفس العمق الذي يحظى به ابن الأسرة، لذا سيظل غريبًا مهما كان.
  • الاحتياج إلى التقدير: فالطفل المكفول لا يحمل اسم الأسرة التي يعيش معها مما يجعله يعاني من نظرة زملائه له؛ ناهيك عن الأسئلة التي سوف يواجهها منهم الذين دون قصد أو بقصد يجرحوا مشاعره مثل: أين والديك؟ هل تعرفهم؟ لماذا أنت مقيم عند هؤلاء؟ لماذا اسمك مختلف عن اسم والدك…؟
  • الاحتياج إلى تحقيق الذات: غياب أسرة حقيقية وثابتة يُعيق شعور الطفل بتفرده وقدرته على تحقيق ذاته.

لذا فعلى الرغم من تسديد احتياجات الطفل الفسيولوجية، يُعاني من حرمان كبير في باقي الاحتياجات؛ جدير بالذكر أنني لست بصدد هجوم على قانون خاص بالشريعة الإسلامية، فأنا أحترم هذا التشريع رغم اختلافي معه، ولا أدين تمسك المسلمين بشريعتهم فهذا حقهم، لكن المشكلة تكمن في موقف الكنيسة بمصر: 

  • لماذا يجب عليها العمل بهذا التشريع طالما لنا حق المطالبة أن يكون لنا تشريعنا الخاص بمقتضى المادة الثالثة من الدستور المصري التي تمنحها هذا الحق؟
  • لماذا توقفت عن التعامل مع قضية التبني بموجب لائحتها، هل كانت تطبق مبدأً خاطئًا (التبني) ثم اكتشفت خطأها؟ وإن كانت مدركة أن هذا المبدأ لا يتنافى مع الكتاب المقدس لماذا توقفت عنه؟
  • لماذا لا تتخذ الكنيسة موقفًا حاسمًا من هذا الأمر وتدافع عن حقها الكتابي الذي يؤيد التبني، كما سبق وأشرت، فالحياة المسيحية أساسها تبني الله لنا؛ بالإضافة أن الكنيسة لن تطالب بتشريع جديد لكنها تطالب بتفعيل مادة موجودة بالفعل في اللائحة، تلك اللائحة التي تضع نظامًا قويًّا للتبني؟

ولضمان أن يكون الطفل المُتبنَّى مسيحيًّا، ومنعًا لخلط الأنساب، أو يكون هناك ظلم للأهل الحقيقيين بحرمانهم من طفلهم وذلك بحسب تخوف الشريعة الإسلامية، يمكن تجنب هذا من خلال:

بالإضافة إلى الشروط الموجودة باللائحة 1938 والمعدلة في 2008 وبمقترح الطائفة الإنجيلية:

  • تبني الأيتام واللقطاء: إذا كان الطفل يتيمًا أو لقيطًا، فليس هناك والدان يُعارضان منحه اسمًا جديدًا وعيش حياة أسرية كاملة تُعوضه الحرمان.
  • التبني من ملاجئ مسيحية: هذا يُعالج مشكلة الخوف من أن يكون الطفل من أصل غير مسيحي.
  • حظر التبني إذا كان للطفل أب أو أم معروفان: في هذه الحالة، يمكن اللجوء إلى نظام كفالة الطفل.

وأخيرًا أرى أن الكنيسة إن اتحدت وتمسكت بحقها في الدستور والأهم اعتبار أن هذه القضية هامة لرعيتها نفسيًّا، لذا عليها المحاربة من أجلهم، ستنجح في النهاية.

الزواج المسيحيُّ
وجهة نظرٍ مُصلَحةٌ

اسم الكاتب:أمير ثروت

يُعدُّ الزواج من أقدم الممارسات الاجتماعية لدى البشر، من بداية الحضارة الإنسانية وحتى اليوم؛ وهو ممارسةٌ عابرةٌ ومتجاوزةٌ للعِرق واللون والدين في مُختَلَف الأماكن والعصور، ويتناول هذا المقال الزواج المسيحي بصورةٍ خاصَّةٍ من وجهة نظرٍ إنجيليةٍ مُصلَحةٍ.

يرسم الكتاب المقدَّس ويحدِّد مفهوم الزواج في الإيمان المسيحيِّ وممارسته، سواء في أسفار العهد القديم أو أسفار العهد الجديد؛ فيقدِّم فكرًا كتابيًّا عن الزواج من بداية خلق الإنسان؛ حيث خلق الله لآدم حوَّاء واحدةً وجعل لحوَّاء آدم واحدًا (تكوين 2: 21-22)، وإن كانت ممارسة تعدُّد الزوجات Polygamy قد ظهرت في أسفار العهد القديم بدايةً من لامك،1 من نسل قايين (تكوين 4: 19) وصولًا إلى الملك سليمان بن داود الذي تزوَّج من سبعمئة امرأةٍ وكان له ثلاثمئة سرِّيَّةٍ (ملوك الأول 11: 3)؛ لكن تُعد هذه الممارسة انحرافًا عن القصد الإلهيِّ مثلها مثل الطلاق لكل سببٍ؛ فيقول المسيح: ” مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى… إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا” (متى 19: 4، 8). والنصوص الكتابية المؤسسة للزواج في المسيحية في أسفار العهد القديم هي: تكوين 2، 3؛ لاويين 18؛ ملاخي 2، وفي أسفار العهد الجديد: متى 5، 18؛ أفسس 5؛ 1كورنثوس 7. وتؤكِّد جميعها على أن الزواج عهدٌ بين رجلٍ واحدٍ وامرأةٍ واحدةٍ أمام الله مدى الحياة.

ومن الناحية اللاهوتية (التفكير اللاهوتيّ) فالزواج هو تدبير الله للبشر، يقول New dictionary of theology “إن الزواج هو عطيةٌ الله للبشر المؤكَّدة في كلمته والمحفوظة بسلطان شريعته”،2 وهو يعكس الطبيعة الإلهية الثالوثية في الفكر اللاهوتيِّ المسيحيّ؛ فالزواج المسيحيُّ علاقة عهدٍ بين رجلٍ واحدٍ وامرأةٍ واحدةٍ أمام الله مدى الحياة.

وكلمة “العهد” هي الكلمة الأساس في فهم الزواج المسيحيِّ؛ فهو عهدٌ يقوم على إرادة الارتباط بين رجلٍ وامرأةٍ، وهو عهدٌ أمام الله ومع الله؛ فالله شاهدٌ على هذا العهد (ملاخي 2: 14) وهذا العهد ليس سرًّا أو سريًّا، بل عهدٌ مُعلَنٌ أمام الناس والذين هم شهودٌ على هذا الزواج.

ويؤسَّس عهد الزواج في المسيحية على أمرَيْن أساسَيْن؛ الأول هو المحبة، والثاني هو الأمانة            (الإخلاص) من كل طرفٍ تجاه الطرف الآخر مدى الحياة؛ المحبَّة لا بمعنى المشاعر، بل الإرادة؛ فالمحبة في الإيمان المسيحيِّ هي فعلٌ؛ فعل أفضل شيءٍ لمن أحبُّ دون مقابلٍ ولا توقُّعاتٍ وباستمرارٍ. أما الأمانة فهي سياج هذه المحبة الذي يحميها؛ فكل طرفٍ يكون ملتزمًا بالطرف الآخر وتجاه الطرف الآخر في عهدٍ، وأيضًا ملتزمًا أمام الله الذي قُطِع هذا العهد باسمه وأمامه واستنادًا على نعمته ولهذا يركز عهد الزواج على هذا:

“يا فلان هل تقبل فلانة الممسك بيمينها الآن أن تكون زوجةً شرعيةً لك؟

وهل تَعِدُ أمام الله وأمام هؤلاء الشهود أن تكون محبًّا ومخلصًا لها مدى الحياة؛ في السعة والضيق، في الصحة والمرض، في الفرح والحزن؟

وهل تقدِّم هذا الخاتم دليلًا على تعهُّدك هذا”.3

وتنظِّم الكنيسةُ الزواجَ وفق أصولٍ وقواعدَ دقيقةٍ واضحةٍ؛ إذ تضع إقراراتُ إيمان الكنيسة بنودًا محددة بشأن الزواج؛ فيذكر إقرار إيمان وستمنسترThe Westminster Confession of faith  في الفصل الرابع والعشرين ما يلي:

“يجب أن يكون الزواج بين رجلٍ واحدٍ وامرأةٍ واحدةٍ؛ فليس شرعيًّا لأيِّ رجلٍ أن تكون له أكثر من زوجةٍ واحدةٍ، ولا لأيِّ امرأةٍ أن يكون لها أكثر من زوجٍ واحدٍ في الوقت نفسه”.4

وفي دستور الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر المادة 83 فيما يخصُّ الزواج يقول:

“الزواج ارتباطٌ وعقدٌ مقدسٌ بين رجلٍ واحدٍ وامرأةٍ واحدةٍ مدى الحياة. وضعه الله وصادقت عليه الشرائع المدنية، واعترفت به، ومع أن الزواج ليس خاصًّا بكنيسة المسيح وحدها، إلا أنه يجب على المسيحيين أن يتزوَّجوا في الربِّ. ويجب أن يتقدَّس الزواج بخدمةٍ دينيةٍ على يد خادمٍ مُرتسَمٍ”.5

كذلك يشير إقرار الإيمان الإنجيلي للكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر فيقول:

“كما أننا نؤمن أن قصة الخليقة تقدِّم لنا المفهوم الصحيح للزواج وللأسرة، فالله الذي قال: “اثمروا واكثروا واملأوا الأرض” (تكوين 1: 28) قدَّس الغرائز الجنسية، ورسم الزواج ليكون ارتباط رجلٍ واحدٍ بامرأةٍ واحدةٍ في شركةٍ دائمةٍ، وحبٍّ متبادَلٍ، وأمانةٍ كاملةٍ، تجعل من الاثنين جسدًا واحدًا، أي كيانًا واحدًا، لا يقبل النقصان ولا يقبل الزيادة (تكوين 2: 24، متى 19: 4-6، أفسس 5: 31)؛ لأن مَنْ جمعهما الله؛ أي قرنهما معًا لا يفرِّقهما الإنسان (متى 19: 6)؛ لذلك نرفض تعدُّد الزوجات أو الأزواج ليكون الزواج مُكرَّمًا، دون إهدارٍ لشخصية المرأة أو شخصية الرجل (1كورنثوس 7: 10-11؛ 11: 11، عبرانيين 13: 4).6

وعلى المستوى القانونيِّ، تشترك الكنيسة مع الدولة في صياغة القوانين التي تنظم الزواج مدنيًّا، ووفقًا للائحة الأحوال الشخصية للطائفة الإنجيلية بمصر والصادرة عن المجلس الملِّيِّ الإنجيليِّ العامِّ في عام 1902، في الباب الثاني مادة 6 تقول: “الزواج هو اقتران رجل واحد بامرأة واحدة اقترانًا شرعيًّا مدة حياة الزوجين”.7 وتقول مادة 7: “في حالة خلوِّ الشرائع الروحانية للكنيسة التابع لها الطرفان من نصٍّ صريحٍ يحدِّد درجات القرابة المحرَّمة للزواج؛ لا يحلُّ للرجل أن يتزوج (1) بأم أبيه (2) أم أمه (3) أم زوجته (4) أمه (5) أخت أبيه (عمته) (6) أخت أمه (خالته) (7) أخت زوجته (8) أخته (9) زوجة جده (10) زوجه أبيه (11) زوجة عمه (12) زوجة خاله (13) زوجة أخيه (14) زوجة ابن أخيه (15) زوجة ابن أخته (16) زوجة ابنه (17) بنت أمه (18) بنت أبيه (19) بنت أخيه (20) بنت أخته (21) بنت أخي زوجته (22) بنت أخت زوجته (23) بنته. ولا يحل للمرأة أن تتزوج (1) بأبي أبيها (2) بأبي أمها (3) بأبي زوجها (حميها) (4) بأبيها (5) بأخي أبيها (عمها) (6) بأخي أمها (خالها) (7) بأخي زوجها (8) بأخيها (9) بزوج جدتها (10) بزوج أمها (11) بزوج عمتها (12) بزوج خالتها (13) بزوج أختها (14) بزوج بنت أخيها (15) بزوج بنت أختها (16) بزوج بنتها (17) بابن أمها (18) بابن أبيها (19) بابن أخيها (20) بابن اختها (21) بابن أخي زوجها (22) بابن أخت زوجها (23) بابنها.

مع العلم أنه صدر قرار من المجلس الملِّيِّ الإنجيليِّ العامِّ بتاريخ 5 يوليو سنة 1934، بالتصريح بزواج أخت الزوجة المتوفَّاة وأيضًا بالتصريح بزواج زوج الأخت المتوفَّاة.

وجدير بالذكر أن الإيمان المسيحيَّ يرفض الزواج المثليَّ، بين رجلٍ ورجلٍ أو بين امرأةٍ وامرأةٍ حيث يدين الكتاب المقدس هذه الممارسات في نصوصٍ كتابيةٍ واضحةٍ (رومية 1: 26-27)، كما يرفض الإيمان المسيحيُّ الزواج المختلط بين المسيحيين وغير المسيحيين (2كورنثوس 6: 14-16).

فإن كان الزواج نظامًا اجتماعيًّا راسخًا إلا أنه وفقًا للإيمان المسيحيِّ له بُعدٌ روحيٌّ أيضًا؛ بوصفه علاقة عهدٍ وارتباطٍ بين رجلٍ واحدٍ وامرأةٍ واحدةٍ أمام الله مدى الحياة، من خلال الإعلان للمجتمع والتوثيق بعقدٍ قانونيٍّ وفق نظامٍ ولائحةٍ.

  • وليم وهبه بباوي- محرِّر، دائرة المعارف الكتابية- الجزء الرابع، القاهرة: دار الثقافة، 1996. ص 288.
  • Sinclair B.Ferguson & Darid f. wright, New dictionary of theology, England: Inter-varsity press, 1988. P.638
  • دكتور قس، فايز فارس، أحاديث عن الممارسات الكنسية الإنجيلية مع حضرات الزملاء القسوس، دراسة غير منشورة، د.ت.
  • إقرار إيمان وستمنيستر- مع دليل الأسئلة والأجوبة الموجز، القاهرة: خدمة الصورة، 2024. ص 94.
  • دستور الكنيسة الإنجيلية بمصر، القاهرة: دار الثقافة، 1985. ص 47.
  • إقرار الإيمان الإنجيلي للكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر، القاهرة: مجلس العمل الرعوي والكرازي- سنودس النيل الإنجيلي، 2007. ص 40.

شذرة كتابية شتاء 2026

اسم الكاتب: ش. أسامة رشدي

شذرة كتابية  (1) –                    كيف لا يفهمك؟

______________________

قال داود: «فهمت فكري من بعيد»،

وقال سليمان: «أنت وحدك تعرف قلوب بني البشر»،

وقال بطرس: «أنت تعلم كل شيء»

فإن كان الرب يفهم فكرك من بعيد،  ويعرف قلبك،  ويعلم كل شيء،

 فكيف لا يرشدك في حيرتك؟ وكيف لا يسندك في ضعفاتك؟

وكيف لا يرفع عنك أحمالك؟ وكيف لا يشعر بأنّاتك وآهاتك؟

وكيف لا يمسح دمـــــــوعك؟ وكيف لا يعزيك في ضيقاتك؟

وكيف يتركك في الهزيع الرابع،  تتخبط وسط الأمواج والرياح؟

 وكيف لا يمسك يمينك الضعيفة ليَعبُر بك من الاضطراب والخوف إلى بر الأمان والسلام؟

                                ثق بوعده العظيم،  فهو قال: «تشجعوا. أنا هو. لا تخافوا».

_______________________

الشواهد الكتابية: (مزمور 139: 1)،  (أخبار الأيام الثاني 6: 30)

(يوحنا 21: 17)،  (متى 14: 27).

 

 

شذرة كتابية  (2) –                      لا تتعجب !

_____________________

لا تتعجب… فمن جوفِ الحوت، خرجت من يونان أعمق صلاة،

ووقتَ حراسات الليلِ،  جاءت للرعاة أمجد بشارة،

وفي سفينة بطرس الفقير، كان أغنى تعليم،

وأمام قبرِ لعازرِ،  سمعت مرثا أعظم إعلان،

وفي سجن فيلبي، خرج من بولس وسيلا أروع تسبيح،

وفي جزيرة بطمس، رأى يوحنا الحبيب أمجد رؤيا،

فلا تنزعج من ضيقتك بأي شكلٍ كانت،

فوراءها خيرٌ ورحمةٌ وإحسانٌ،  وأيضًا تعليم ورؤيا وإعلان،

ولن يترك الرب أبدًا المشهد ظلامًا،  فإنه يقينًا سيشرق لك بنور.

______________________

الشواهد الكتابية: (يونان 2: 1)،  (لوقا 2: 10)،  (لوقا 5: 3)،

(يوحنا 11: 25)،  (أعمال 16: 25)،  (رؤيا 1: 17).

 

 

 

 

شذرة كتابية (3)                       نهاية أمر خيرٌ من بدايته

________________

مشوار موسى الصعب في البرّية، انتهى أخيرًا برؤية أرض الموعد،  

مشوار داود الصعب في البرّية، انتهى أخيرًا بتتويجه مَلكًا عظيمًا،

ومشوار فيلبس الصعب في البرّية، انتهى أخيرًا ببشارة فرح لوزير.

لكل مشوار طويل اجتزته نهاية، لكل برّية مؤلمة في حياتك وقت مُحدد،

 بعد كل ضيقةٍ ومشقةٍ أصابتك؛ هناك بركة وتعويض،  

بعد كل صبر وانتظار؛ هناك مواعيد عظيمة تتحقق،  

وبعد كل أنّات ودموع في عينيك؛ لك من الرب بشارة مُفرحة.

فاطمئن… فأنت لست عابرًا في البرية الصعبة وحدك، الرب عابرٌ معك،

 قائلٌ لك: «قد أيَّدتك وأعنتك وعضدتك بيمين بري».

_______________________

الشواهد الكتابية: (تثنيه 34: 1)،  (صموئيل الثاني 5: 3)،

(أعمال 8: 39)،  (تثنيه 9: 3)،  (إشعياء 41: 10).

 

 

 

 

شذرة كتابية  (4) –                           إله عجيب… 

______________________

قال التلاميذ: «اصرف الجموع»،

لكن الرب يسوع بحنانه أتكأ الجموع.

قال التلاميذ: «يبتاعوا لهم خبزًا»،

لكن الرب يسوع بنعمته وزَّع لهم مجانًا.

قال التلاميذ: «لا يكفيهم خبز»،

لكن الرب يسوع بخيره أشبعهم حتى جمعوا كِسرًا فاضلة.

قال التلاميذ: «الوقت قد مضى»،

لكن الرب يسوع بحكمتهِ لم يمضِ الوقت دون معجزات.

ما أضعف إيماننا وما أكرم سخائه!

تفكيرنا البشري محدود لكن ما أعجب أفكاره الإلهية لحلول مشاكلنا وضيقاتنا!…

 حقًّا… إله عجيب.

______________________

الشواهد الكتابية: (متى 14: 14-31).

الزواج في مرآة الشباب
قراءةٌ تحليليةٌ بين الخطاب اللاهوتيِّ والواقع المُعاش

اسم الكاتب:ق. بيتر وديع

لطالما شغل الزواج موقعًا مركزيًّا في الوعي الكنسيِّ -ويتناول هذا المقال الواقع الإنجيليَّ- بوصفه حجر الزاوية في بناء الأسرة، ونقطة ارتكازٍ للاستقرار الاجتماعيِّ والخدمة الروحية. غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحوُّلًا ملحوظًا في طريقة تعاطي الشباب مع هذا المفهوم؛ فلم يعد السؤال يدور حول توقيت الزواج بقدر ما بات يتمحور حول جدواه، ولا حول إمكانيَّته بل حول القدرة على الاستمرار فيه.لا يعكس هذا التحول تراجعًا في قيمة الزواج ذاتها، بقدر ما يكشف عن حالة قلقٍ عميقةٍ يعيشها جيلٌ يواجه واقعًا اقتصاديًّا ضاغطًا، وتغيراتٍ ثقافيةً متسارعةً، وتجارب فشلٍ زواجيٍّ باتت حاضرةً بقوَّةٍ في محيطه القريب. وفي ظل هذا المشهد، تظهر فجوةٌ متناميةٌ بين الخطاب اللاهوتيِّ المثاليِّ الذي يُقدَّم في السياقات الكنسية، وبين الواقع النفسيِّ والاجتماعيِّ الذي يعيشه الشباب يوميًّا.

من هنا تنطلق هذه الدراسة الاستكشافية، محاولةً الاقتراب من سؤالٍ جوهري:

كيف يرى الشاب المسيحيُّ-الإنجيليُّ الزواجَ اليوم؟

وما الذي ينتظره، أو يفتقده، من الكنيسة في هذه المرحلة الحسَّاسة من مسيرته الحياتية؟

أولًا: أداة الدراسة الاستكشافيّة

سعيًا لفهم هذه الرؤية من داخلها، وليس بواسطة افتراضاتٍ مُسبقةٍ، صُمِّم استبيانٌ نوعيٌّ استهدف فئة الشباب ما بين 18 و35 عامًا. وبُنيت أداة الاستبيان على ثلاثة محاور رئيسةٍ: الخلفية العامة، التصوُّر الذاتيُّ للزواج، وتقييم الدور الكنسيِّ.

وإليكم نموذج الاستبيان:

القسم الأول: بياناتٌ عامَّةٌ

  1. الفئة العمرية
  • 18-22
  • 23-27
  • 28-35
  1. الحالة الاجتماعية
  • أعزب/عزباء
  • مرتبط/مخطوب
  • متزوِّج (حديثًا)

القسم الثاني: الرؤية العامة للزواج

  1. كيف تصف نظرتك العامَّة للزواج؟
  • إيجابيةٌ ومشجِّعةٌ
  • متردِّدةٌ
  • سلبيةٌ
  • غير واضحةٍ
  1. ما أكثر ما يشغلك عند التفكير في الزواج؟ (يمكن اختيار أكثر من إجابة)
  • الاستقرار الماديُّ
  • اختيار الشريك المناسب
  • الخوف من الفشل أو الطلاق
  • التوافق الروحيُّ
  • حجم المسؤولية
  • نظرة المجتمع

القسم الثالث: الكنيسة والزواج

  1. هل تشعر أن تعليم الكنيسة عن الزواج قريبٌ من واقعك؟
  • نعم، قريبٌ جدًّا
  • قريبٌ إلى حدٍّ ما
  • غير قريبٍ
  1. هل تشعر بضغطٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ من الكنيسة تجاه الزواج؟
  • نعم
  • أحيانًا
  • لا
  1. هل تجد مساحةً آمنةً في الكنيسة للحديث بصراحةٍ عن العلاقات والزواج؟
  • نعم
  • إلى حدٍّ ما
  • لا
  1. كيف تقيِّم دور الكنيسة في إعداد الشباب للزواج؟
  • جيِّدٌ
  • متوسِّطٌ
  • ضعيفٌ

 

 

القسم الرابع: أسئلةٌ مفتوحةٌ- الإجابات نصِّيةٌ

  1. ما أكثر شيءٍ تخشاه في الزواج؟
  2. ما أكثر شيءٍ تتمنَّى أن ينجح في زواجك المستقبليِّ؟
  3. برأيك، ما الذي تحتاجه الكنيسة لتدعم الشباب بشكل أفضل في موضوع الزواج؟
  •  

ثانيًا: قراءةٌ في النتائج

رغم محدودية العيِّنة (10 شباب)، فإن الإجابات تكشف عن اتِّجاهاتٍ واضحةٍ تعكس ملامح الوعي الزواجيِّ لدى هذا الجيل.

  • بين الرغبة والرهبة: خريطة المشاعر

أظهرت النتائج أن أربعة مشاركين عبَّروا عن نظرةٍ إيجابيةٍ للزواج، مقابل أربعةٍ آخرين اتَّسم موقفهم بالتردُّد، بينما بقي اثنان في منطقةٍ ضبابيةٍ تفتقر إلى الحسم. الدلالة الأساس هنا أن الزواج لا يُرفَض بوصفه مبدأً، لكنه لم يَعُد يُستقبل بوصفه ملاذًا آمنًا تلقائيًّا. لقد تحوَّل في وعي كثيرين إلى مشروعٍ يحتاج إلى حساباتٍ دقيقةٍ، في ظلِّ تجارب محيطةٍ تُظهر أن النية الحسنة وحدها لا تضمن النجاح.

  • قلقٌ نفسيٌّ لا لاهوتيّ

عند تحليل الهواجس الأكثر تكرارًا، برزت ثلاثيةٌ واضحةٌ: الخوف من الفشل، الاستقرار الماديُّ، وسوء الاختيار.

اللافت أن هذا القلق لم يكن مرتبطًا بالتشكيك في قدسية الزواج أو قيمته الكتابية، بل في القدرة الشخصية على تحمُّل أعبائه وإنجاحه. الفشل هنا لا يُفهم فقط بوصفه طلاقًا رسميًّا، بل بصفته حياةً زوجيةً خاويةً من السلام والمعنى، تستمرُّ شكليًّا وتنهار داخليًّا.

  • فجوة الخطاب: بين المنبر والشارع

أفاد مشاركان فقط بأن التعليم الكنسيَّ قريبٌ جدًّا من واقعهم، في حين توزَّعت بقية الإجابات بين “إلى حدٍّ ما” و”غير قريبٍ”. ويشير هذا إلى شعورٍ شائعٍ بأن الكنيسة، رغم إخلاصها اللاهوتيِّ، لا تشتبك بما يكفي مع تعقيدات الحياة المعاصرة؛ فغياب الحديث الجادِّ عن الصحَّة النفسية، الذكاء العاطفيِّ، إدارة الخلاف، والاستقلال الماديِّ، يجعل الشابَّ يشعر بأن الإرشاد الروحيَّ لا يكفي وحده لمواجهة الواقع.

  • الضغط الثقافيُّ بغطاءٍ دينيٍّ

أقرَّ سبعةٌ من أصل عشرةٍ بوجود ضغطٍ كنسيٍّ (بدرجاتٍ متفاوتةٍ) نحو الزواج. وهذا الضغط لا يُمارَس غالبًا بواسطة تعليمٍ مباشرٍ، بل عَبْرَ مناخٍ ثقافيٍّ يحتفي بالمتزوِّجين، ويضع العزاب في خانة “المرحلة المؤقَّتة”. هذا الإحساس بالاستعجال قد يقود أحيانًا إلى قراراتٍ غير ناضجةٍ، تُتَّخذ هروبًا من الضغط لا استجابةً لدعوةٍ واعيةٍ.

ثالثًا: ما تقوله المساحات المفتوحة- قراءةٌ نوعيةٌ أعمق

في الأسئلة المفتوحة، عبَّر الشباب بصدقٍ لافتٍ عن مخاوفهم وتطلُّعاتهم، ما أتاح نافذةً أعمق لفهم وجدانهم.

  • هاجس الطلاق وسوء الاختيار

تكررت الإشارة إلى الطلاق بوصفه الخوف الأكبر، وفي سياقٍ إنجيليٍّ لا يتسامح اجتماعيًّا مع الفشل الزواجي، يتحوَّل سوء الاختيار إلى عبءٍ نفسيٍّ ثقيلٍ، يخشى معه الشابُّ فقدان السلام الداخليِّ، أو العيش في علاقةٍ بلا حياةٍ حقيقيةٍ.

  • شوقٌ إلى الشراكة لا التبعية

تجلَّت رغبةٌ واضحةٌ في زواجٍ يقوم على الشراكة المتكافئة، والاحتواء، والنضج الروحيِّ العمليِّ. لم يكن الحديث عن طقوسٍ أو ممارساتٍ دينيةٍ شكليةٍ، بل عن إيمانٍ يُترجم إلى سلوكٍ يوميٍّ ومسؤوليةٍ مُشتَرَكَةٍ.

 

  • مطالب واضحةٌ من الكنيسة

يمكن تلخيص ما يطلبه الشباب في ثلاث نقاط أساس:

  • حوارٌ صادقٌ يعترف بالمخاوف دون إدانة.
  • نماذج حقيقيةٌ تتحدَّث بصدقٍ عن التحدِّيات لا عن الصورة المثالية فقط.
  • إرشادٌ ممتدٌّ لا يتوقَّف عند حدود دورات ما قبل الزواج، بل يرافق الأزواج في سنواتهم الأولى الحَرِجة.

رابعًا: تأمُّلاتٌ “نحو مقاربةٍ أكثر إنسانيةً”

تكشف هذه الدراسة -رغم طابعها الاستكشافيِّ ومحدودية عيَّنِتَها- أن الشباب الإنجيليَّ لا يعيد تعريف الزواج في جوهره أو في قيمته اللاهوتية، بقدر ما يعيد تعريف الطريقة التي يريد أن يعيشه بها. فالمسألة لا تتعلَّق برفض الفكرة أو التشكيك في قدسيَّتها، بل بإعادة النظر في الشروط الإنسانية والنفسية التي تجعل فكرة الزواج قابلةً للحياة والاستمرار.

إنهم جيلٌ لم يَعُد ينجذب إلى الشعارات الكبرى بقدر ما يبحث عن الخبرة الواقعية، ولم يَعُد يكتفي بنماذج مثاليةٍ مجرَّدةٍ بقدر ما يتوق إلى مساراتٍ قابلةٍ للتطبيق وسط تعقيدات الحياة اليوميّة.

ومن هنا، يتَّضح أن الشباب لا يسعَون إلى الكمال بقدر ما يطلبون الأمان؛ أمانًا نفسيًّا يسبق الأمان العاطفيَّ، وأمانًا إنسانيًّا يساند الالتزام الروحيَّ. هم لا يهربون من فكرة الزواج ولا من ثقل المسؤولية، بل من الدخول في علاقةٍ مصيريةٍ دون أدواتٍ حقيقيةٍ للفهم، ودون مهارات لإدارة الخلاف، ودون وعيٍ كافٍ بالذات وبالآخر. الالتزام، في حدِّ ذاته، ليس مصدر الخوف، إنما الخوف يكمن في الالتزام الأعمى الذي لا يستند إلى نضجٍ داخليٍّ واستعدادٍ واقعيٍّ.

كما تكشف هذه الرؤية عن تحوُّلٍ أعمق في وعي الشباب؛ إذ لم يَعُد الزواج يُفهم بوصفه “حلًّا” لمشكلات الوحدة أو الفراغ، بل بصفته مساحة شراكةٍ تتطلَّب أشخاصًا أصحَّاء قبل أن تُنتج علاقةً صحِّيةً. يضع هذا التحوُّلُ الكنيسةَ أمام مسؤوليةٍ رعويةٍ جديدةٍ: الانتقال من تقديم الزواج بوصفه غايةً يجب الوصول إليها، إلى مرافقة الشباب في رحلة التشكُّل الإنسانيِّ والنضج الروحيِّ التي تجعل الزواج ثمرةً طبيعيةً، لا عبئًا إضافيًّا.

بهذا المعنى، فإن المقاربة الأكثر إنسانيةً لا تعني تمييع اللاهوت أو تخفيف المعايير، بل تعني تجسيدها في واقع البشر كما هم، لا كما نتمنى أن يكونوا. فكنيسةٌ تُصغي بعمقٍ لمخاوف شبابها، وتتعامل معها بجدِّيةٍ واحترامٍ، هي كنيسةٌ لا تحمي الزواج فقط، بل تحمي الإنسان الذي دُعي ليحياه.

 

الخاتمة

سيبقى الزواج أمرًا مقدَّسًا، لكنه يُعاش في نهاية المطاف بين بشرٍ محدودين، يتعلَّمون بالتجربة والخطأ. إن كنيسةً تُصغي بصدقٍ لمخاوف شبابها، هي كنيسةٌ قادرةٌ على بناء بيوتٍ ثابتةٍ، لا تقوم على المثالية، بل على النضج والمسؤولية والمحبَّة الواعية. فالحياة الزوجية ليست مجرَّد تنفيذ نصوصٍ أو اتباع تقاليدٍ، بل رحلةٌ مشتركةٌ من التفاهم والنموِّ اليوميِّ. والأهمُّ أن يدرك الشباب أن الحبَّ والشراكة مسؤوليَّتان تتطلَّبان صبرًا ومرونةً، وأن الخطأ جزءٌ طبيعيٌّ من التعلُّم والنضج. من خلال دعم الكنيسة المستمرِّ، يمكن للشباب أن يواجهوا التحدِّيات بثقةٍ، وأن يبنوا علاقاتٍ تقوم على الاحترام المتبادل والتقدير العميق لكل فردٍ. بذلك يصبح الزواج ليس مجرَّد حدثٍ اجتماعيٍّ أو لحظة احتفالٍ، بل مسار حياةٍ يتطلَّب التزامًا واعيًا وشجاعةً شخصيةً مستمرَّةً.

السياق اللاهوتي للتوريث والتبني

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب:ق. رفعت فتحي

تبدأ الأسئلة الكبرى حول الميراث والتبنّي من نظرة الله إلى الإنسان: ما قيمته؟ وكيف تترجم الكنيسة هذه القيمة في واقعٍ يتقاطع فيه النص مع الحاجة، والإيمان مع القانون؟ فالإنسان -كما يقول كارل بارث- يحمل في ذاته “الصورة التي يسقط معها كل تفاضل”.[1] ومن هذه الصورة تتأسس كرامة مشتركة لا تختزلها العادات ولا التقاليد. والعدالة في الكتاب ليست قانونًا جامدًا، بل حركة قلب جريحة، كما يصفها أبراهام هيشل بقوله: “العدل عند الأنبياء ليس نظامًا، بل احتجاج على جرح أصاب الإنسان”.[2]

    ويأتي العهد الجديد ليضع الكلمة التي تُعيد صياغة الوجود: البنوة. فحين يعلن بولس أنّ المؤمنين نالوا “روح التبنّي”؛ لا يستخدم استعارة لغوية؛ بل يقدّم هوية جديدة، تقوم على المساواة أمام أب واحد لا يعرف الامتيازات الموروثة.

تنطلق هذه الدراسة من هذا القلب اللاهوتي:

أن الميراث علاقة قبل أن يكون مالًا،

وأن التبنّي خلاص قبل أن يكون إجراءً،

وأن العدالة، في جوهرها، هي وجه الله حين يقترب من الإنسان.

أولاً- الصورة الإلهية للمساواة: البنوة والكرامة والعدالة

    يبدأ التأمل المسيحيّ في قضايا الميراث والتبنّي من جوهر السؤال:

ما الإنسان، وما قيمته في نظر الله؟

ليس هذا السؤال تنظيرًا فلسفيًّا، بل مدخل يكشف بنيان الرؤية المسيحية كلّها؛ فالإنسان مخلوق “على صورة الله” (تكوين ١: ٢٧). وصورة الله ليست مِنَحًا طبقية، ولا امتيازًا ذكوريًّا، ولا رتبة تُعطى لبعضٍ دون آخر، بل هي إعلان لكرامة مشتركة لا تقبل تفاضلًا أو انتقاصًا.[3]

ومن قلب هذه الصورة تنشأ رؤية مسيحية واضحة: الاختلاف بين الذكر والأنثى اختلاف تنوّع، لا اختلاف تفاضل. اختلاف يستدعي المشاركة لا السيطرة، التكميل لا الإلغاء، والشركة لا الامتياز. ويضع لاهوت الخلق نفسه حدًّا لأيّ هرمية جندرية تتأسّس على العرف لا على الوحي.

ثم يأتي صوت الأنبياء ليضيف طبقة أعمق إلى معنى الكرامة؛ فالعدالة عندهم ليست قانونًا جامدًا، بل “فعلٌ يُنقذ”، وفعلٌ يرفض أن تتحول الشريعة إلى أداة تبرّر ظلمًا أو تُخفي تحيّزًا. إنّها عدالة تقف مع الضعيف، لأنّ قلب الله نفسه يقف معه.[4]

وحين نصل إلى العهد الجديد، نكتشف أنّ كل هذا البناء يقود إلى كلمة واحدة تتجاوز حدود القانون: البنوّة. يقول بولس الرسول: ” إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي” (رومية 8: 15). هنا لا تبدو البنوّة استعارة، بل نقلة وجودية، ولا يعود الإنسان عبدًا، بل ابنًا، ولا يعود غريبًا، بل وارثًا. وفي هذه النقلة، يسقط كل تمييز كان يقوم على الجنس أو النسب أو الامتياز الاجتماعي.

ولهذا يقول بولس: “لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (غلاطية 3: 28). إنها ليست عبارة إصلاحية، بل لاهوت هوية؛ فمَن صار ابنًا لله لا يمكن أن يُقاس بميزانٍ يرفِّع هذا ويُنقص ذاك.

ومن البنوّة تتولّد الوراثة: “فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا” (رومية 8: 17). وهذا يعني أن الميراث ليس توزيعًا اجتماعيًّا، بل امتدادٌ للهوية الروحية. ومتى صار الميراث ابنًا للبنوّة، صار التمييز بين الذكر والأنثى غريبًا عن روح الإنجيل.[5] وهكذا يُصبح الأصل اللاهوتي للمناقشة واضحًا. كرامة الخلق، وعدالة الأنبياء، وبنوّة العهد الجديد. ومن هذا الأصل يبدأ كل حديثٍ عن الميراث والتبنّي، بوصفهما ترجمةً قانونيةً لقيمةٍ لاهوتيةٍ عميقةٍ، لا كتشريع اجتماعي معزول.

ثانيًا- الميراث بين النصّ والتاريخ: من أعراف القبيلة إلى رؤية الإنجيل

حين يقرأ بعضهم تشريعات الميراث في العهد القديم قراءة حرفية، قد يتخيّلون أنّ التمييز بين الذكر والأنثى جزءٌ من الإرادة الإلهية الثابتة. لكنّ هذه النظرة تختزل النص في ظاهرِه وتنسى حكمة تاريخِه. فالمجتمع العبري القديم كان مجتمعًا زراعيًّا–عشائريًّا، تتعلّق فيه الهويةُ بالأرض، وتُقاس فيه استمرارية العائلة بقدرتها على الحفاظ على ملكيتها. وفي هذا السياق، كان الرجل هو ممثّل الأسرة أمام القبيلة، لا لوصاية دينية، بل لبنية اجتماعية متوارثة.[6]

ومع ذلك، لا يمضي الكتاب وقتًا طويلًا، حتى يُفاجئ القارئ بحكاية تهزّ يقين العرف، حكاية بنات صلفحاد– خمس نساء يقفن أمام موسى، لا يطلبن امتيازًا، بل عدلًا. يقلن: لماذا يُمحى اسم أبينا لأنه لم يكن له ابن؟ فيستمع موسى… ويستمع الله…

ويقول الرب: “بَنَاتُ صَلْفَحَادَ مُحِقَّاتٌ” (عدد ٢٧: ٧). هكذا، في لحظة واحدة، تتحوّل الشريعة من نصّ إلى حوار، ومن عادة إلى عدالة.[7]

هذه القصة ليست استثناءً؛ بل نافذة نرى منها أنّ الشريعة ليست كتلةً صلبةً؛ بل مسارٌ يتحرَّك نحو استقامة القلب. وأنّ الوحي ليس صدى للعرف، بل تصحيحٌ له حين يعجز عن حماية الضعيف.

ومَن يتتبع خيط العدالة في الكتاب المقدّس يدرك أنّ الله لا يترك التاريخ لتوازنات القوة، بل يصنع داخل النص نفسه إمكانية لتجاوز البُنى الاجتماعية. ولهذا لم يكن غريبًا أن يجد العهد الجديد الميراثَ الحقيقي ليس فيما تُعطيه القبيلة، بل فيما يمنحه الله.

يقول بولس: “فإن كنّا أولادًا، فإننا ورثة أيضًا” (رومية 8: 17). الميراث هنا لا يُعطى للذكر لأنه ذكر، ولا يُنقص عن الأنثى لأنها أنثى؛ بل يُمنح لكل من صار ابنًا لله. إنه ميراث يُلغى فيه التفاضل لأنّ الأب واحد، والبنوّة واحدة، والكرامة واحدة.[8]

ولم يكن هذا التحوّل الروحي منفصلًا عن ممارسات الكنيسة الأولى؛ فالكنيسة، منذ القرون الأولى، لم تربط الميراث بجنس الشخص، بل تركته للقانون المدني، في حين ركّزت على ما هو أعمق: على المساواة في الكرامة، وعلى مسؤوليّة الجماعة تجاه الضعيف، وعلى خير الإنسان قبل تنظيم الممتلكات.[9]

وحين دخلت المسيحية في إطار القانون الروماني؛ لم تجد الكنيسة حرجًا في قبول أن المرأة ترث كما يرث الرجل. لأن القانون الروماني -على الرغم من عيوبه- كان قد منح النساء حقوقًا واسعة في التملك والتصرف. وهذا القبول التاريخي يكشف شيئًا مهمًّا، وهو أن الميراث لم يكن يومًا قضية عقائدية، بل مسألة اجتماعية قابلة للتغيير بحسب الزمان والمكان.[10]

وفي العصور اللاحقة، حين ظهر الإقطاع الأوروبي بمنطقه العسكري الذكوري، تراجعت حقوق النساء في الميراث، لكن ليس بقرار كنسي، بل بتأثير النظام السياسي الذي ربط الأرض بالحرب، والملكية بالسيف.[11] ومع الزمن، ومع نهضة الفقه المدني الأوروبي؛ عاد النقاش ليتجه نحو المساواة، وعادت الكنيسة -في العالم كله- لتتقبّل هذا الاتجاه باعتباره منسجمًا مع روح الإنجيل.

واليوم، حين تطالب الكنائس بالمساواة في الميراث؛ فهي لا تقلّد تيارًا عالميًّا، ولا تستورد أجندة غريبة، بل تعود إلى قلب النص، إلى الله الذي استمع لبنات صلفحاد، وإلى المسيح الذي أعلن وحدة الأبناء، وإلى إنجيلٍ فتح الباب للجميع، لا للذكور وحدهم.

 

 ثالثًا- التبنّي: حين يتحوّل الخلاص إلى بنوّة، والبنوّة إلى عدالة

إذا كان الحديث عن الميراث يقودنا إلى التساؤل عن الكرامة والمساواة، فإنّ الحديث عن التبنّي يقودنا إلى قلب السرّ المسيحي نفسه؛ فهو ليس إجراءً قانونيًّا، ولا بديلاً اجتماعيًّا عن الإنجاب، بل لغة الخلاص، وطريقة الله في كشف ذاته.

في العهد القديم، لا يظهر التبنّي بوصفه نظامًا مدنيًّا منظّمًا؛ لكنّ روحه تسري في الحكايات الكبرى. فها هو موسى، الطفل الذي عَبَر النهر، يُنتَشل من بين الأمواج إلى حضن أميرة من بيت فرعون. لم يكن ذلك إنقاذًا من موت فحسب، بل خلقًا جديدًا لهوية جديدة. طفل وُلِد مرتين؛ مرة من أمّه، ومرة من رحمة غريبة فتحت له بيتًا لا يشبه أصله.[12]

وقصة أستير ليست بعيدة عن هذا الإيقاع؛ فهي فتاة فقدت والديها، فقَبِلها مردخاي ابنةً له، لا لأن الدم يجمعهما، بل لأن القلب اتّسع. ومن هذا التبنّي خرج خلاص شعبٍ بأكمله. يُذكّرنا هذا بأنّ العائلة، في المنظور الكتابي، ليست فقط ما تصنعه البيولوجيا، بل ما يصنعه الأمان، والرحمة، والانتماء.

غير أنّ العهد الجديد هو الذي يرفع التبنّي إلى قمّته، ويحوّله من رمز اجتماعي إلى إعلان لاهوتي. فبولس لا يستخدم كلمة عابرة؛ بل يستعير مصطلحًا قانونيًّا رومانيًّا دقيقًا: “υἱοθεσία” التي تشير إلى الوضع البنوي القانوني الكامل.[13] هذا المصطلح في القانون الروماني لا يعني الرعاية أو الكفالة؛ بل يعني نقل الشخص نقلًا كاملًا إلى أسرة جديدة- اسمًا، ونسبًا، ومكانة، وميراثًا، وحقوقًا.

وحين يقول بولس إنّ المؤمنين أخذوا “روح التبنّي” (رومية 8: 15)؛ فهو لا يقدّم استعارة شعرية؛ بل يصف التحوّل الجذري الذي يحدث في الإنسان: طفلٌ بلا حماية يصير ابنًا، وتائهٌ بلا هوية يصير وارثًا، وإنسانٌ هشّ يجد أخيرًا اسمًا يليق به. وفي هذا الإعلان تكمن مساواة لا يمكن إنكارها؛ فالبنوة ليست درجات، ولا تُمنَح بحسب الجنس أو العرق أو الاستحقاق. إنّها نعمة تُعطى للجميع، ولهذا يكون ميراثها للجميع.

وهنا يتضح الرابط اللاهوتي بين الميراث والتبنّي: لا تمييز في البنوّة، ولا تمييز في الميراث.[14] لكن التبنّي في المسيحية ليس حقيقة روحية فحسب، بل دعوة أخلاقية. فالله الذي يقدّم ذاته كـ”أب اليتامى” (مزمور 68: 5)، يطلب من شعبه أن يعكس صورته، أن يفتحوا بيوتهم قبل قوانينهم، وقلوبهم قبل سجلاتهم، وأن يكونوا عائلة للهشّ والمهمش، ولمَن فقدوا السند. ولذلك يصف يعقوب “الديانة الطاهرة” بأنها افتقاد اليتامى والأرامل (يعقوب 1: 27). الافتقاد ليس شعورًا بالشفقة، بل التزام عائلي؛ أن تقول للضعيف: لك مكان في حياتي. لك اسم. لك مستقبل.

أمّا تاريخ الكنيسة؛ فإنه يقدّم طبقات من الشهادات العملية التي تُشير إلى انفتاحها على التبنّي. فالكنيسة الأولى جمعت الأطفال المتروكين على أبواب المدن، ورأت فيهم صورة المسيح نفسه. لم تسأل: “لمَن ينتمون؟”؛ بل سألت: “كيف نكون عائلة لهم؟”.[15]

والقانون الروماني -بما فيه من دقة إجرائية- سمح للكنيسة بتبنّي الأطفال دون غضاضة؛ فلم تعرف الجماعة المسيحية الأولى توترًا لاهوتيًّا تجاه التبنّي؛ بل اعتبرته امتدادًا طبيعيًّا لبنوّتها لله. وعبر القرون؛ تنوّعت الممارسات وتغيّرت القوانين؛ لكن الكنيسة لم تُصدر يومًا عقيدة تحرّم التبنّي أو ترفضه؛ بالعكس، في العصور الحديثة، أصبحت الكنائس (شرقًا وغربًا) من أقوى الداعمين لحقّ الأطفال في الانتماء إلى أسرة حقيقية، لا إلى علاقة هشّة تفتقر إلى الحماية القانونية.[16]

التبنّي، إذن، ليس قضية اجتماعية فقط؛ بل نافذة نرى من خلالها معنى الخلاص، ولغة نفهم بها عدالة الله، وصوتًا يدعونا إلى أن نكون عائلة لمن لا عائلة لهم.

رابعًا- السياق المصري، وإشكاليّة التبنّي، وإعادة اكتشاف العدالة

حين نصل إلى الواقع المصري المعاصر، يصبح الحوار حول الميراث والتبنّي أكثر حساسية، لا لأنه يعارض الإيمان، بل لأنه يكشف الفجوة بين ما تؤمن به الكنيسة وما يسمح به القانون. فالمنظومة القانونية الحالية تقبل الكفالة، لكنها لا تعترف بالتبنّي الكامل، وهو ما يجعل الطفل في موقع هشّ، والأسرة في موقع قلق، والرؤية المسيحية في موقع غير مُعبَّر عنه تشريعيًّا.[17]

١. التبنّي بين القانون والإنجيل

في اللاهوت المسيحي، ليس التبنّي خيارًا ثانويًّا؛ بل هو لغة الخلاص نفسها. الله يتبنّى الإنسان، ويعطيه اسمًا جديدًا، وميراثًا جديدًا، ومستقبلًا لا يُحدّده الماضي.

لكنّ القانون المصري، بامتناعه عن الاعتراف بالتبنّي؛ يجعل هذا البعد اللاهوتي الكبير بلا ترجمة اجتماعية واضحة، لا سيّما حين تحتاج الأسر المسيحية أن تُعطي أبناءها المتبنّين هويةً وأمانًا وبنوة قانونية، ولا تجد أداة تشريعية متاحة لذلك.[18]

وهكذا يتكوّن توتر إنساني -لاهوتي- قانوني، لا بين الكنيسة والدولة، بل بين ما يحمي كرامة الطفل، وما تسمح به التشريعات.

٢. قضية الطفل شنودة: مثال على الجرح

قضية الطفل المعروف باسم شنودة لم تكن خبرًا عابرًا؛ بل جرح ظهر للعلن. طفل عاش لسنوات في حضن أسرة أحبّته، وحين اصطدمت القصة بالفراغ التشريعي؛ انكشفت هشاشة الوضع القانوني لكل طفل في وضع مشابه. لقد كشفت القضية سؤالًا عميقًا: هل يمكن لطفل أن يعيش “ابنًا” في الحياة اليومية، لكنه يُعامل “كحالةٍ إدارية” في السجلات؟ وهل يمكن لأسرة أن تبذل الحبّ؛ لكنّ القانون يحرمها من منح اسمها لابنها؟[19]

هذا الاضطراب ليس أقلّ من صدمةٍ وجودية للطفل والأسرة. والمشكلة ليست في غياب النوايا الحسنة؛ بل في غياب إطار تشريعي يحمي البنوة المكتسَبة. تلك البنوة التي تعترف بها المسيحية، وتعتبرها امتدادًا لوجه الله الحنون.

٣. إصلاحات واقعية: بين المبدأ والتطبيق

لا يعني الدفاع المسيحي عن التبنّي المطالبة بتغيير كل القوانين دفعة واحدة، ولا الدخول في صدام مع المنظومة المدنية؛ بل يعني صياغة حلول معقولة وممكنة، تجمع بين احترام التشريعات العامة، وتمكين المسيحيين من ترجمة إيمانهم في شكل قانوني واضح.

ومن بين الحلول التي توافق روح الإنجيل وروح القانون:

  • اعتماد صيغة خاصة للتبنّي المسيحي تحفظ مصلحة الطفل،
  • أو توسيع نظام الكفالة ليقترب من البنوة القانونية،
  • أو إدراج فصل في قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، يُتيح للأسر أن تمنح أبناءها المتبنّين اسمها وحقوقها ضمن إطار منظم.

هذه الحلول ليست خروجًا على القانون؛ بل تطوير له بما يعكس التنوع الديني في مصر، ويحمي الأطفال من الوقوع في المساحات الرمادية.

٤. المساواة في الميراث: خطوة نحو استعادة روح النص

في المقابل، يمثّل إقرار المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى، داخل مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، خطوة شجاعة في الاتجاه الصحيح. فهذا المبدأ لا يخترع رؤية جديدة؛ بل يعود إلى جذور لاهوتية قديمة: إلى البنوة المشتركة، وإلى صورة الله الواحدة، وإلى صوت بولس الذي يعلن وحدة الأبناء.

إنّ الميراث -في اللاهوت المسيحي- ليس ترجمة لتراتبية اجتماعية، بل إعلان روحي. مَن هو ابن لله فهو وارث، سواء كان ذكرًا أم أنثى.[20] وهكذا يصبح القانون الجديد، جسرًا يصل بين روح النصّ واحتياجات الزمن، ويعيد للعدالة لونها الأصلي، وللكرامة رونقها الأول.

٥. خلاصة أخيرة: العدالة التي تعكس قلب الله

عندما تُطالب الكنيسة بحق التبنّي؛ فهي لا تبحث عن امتياز، بل عن حماية للضعيف، وتجسيد لصورة الأب السماوي الذي “لا يدعنا يتامى” (يوحنا 14: 18). وعندما تُطالب بالمساواة في الميراث؛ فهي لا تتبنّى خطابًا مستوردًا، بل تعود إلى بدايات الوحي، إلى اللحظة التي قال فيها الرب لبنات صلفحاد: “إنهنَّ محقّات”.

ليست العدالة المسيحية إعادة إنتاج للمألوف؛ بل استعداد دائم لسماع صوت من تمّ تهميشهم، وتصحيح المسار حيثما انحرف العرف. وعندما يمنح القانون لطفل بلا سند اسمًا وانتماءً؛ فإنّه يصنع ما هو أكثر من الحماية، إنه يعيد إلى العالم لمسة من وجه الله نفسه.

الخاتمة

يتبين في ختام المسار أن قضيتي الميراث والتبنّي ليستا شأنًا إداريًّا؛ بل نافذتان نرى عبرهما جوهر الإيمان المسيحي. فالميراث امتداد للبنوة، والتبنّي، كما يقول ن. ت. رايت، هو “الاشتراك الحقيقي في حياة المسيح”،[21] حياة لا تميّز بين ابن طبيعي وآخر بالتبنّي. وقد أظهر الأنبياء أن العدالة انحياز للضعيف لا حيادًا.

وقد جسدت الكنيسة الأولى هذا الانحياز حين احتضنت الأطفال المتروكين، وقدّمت لهم “اسمًا” كما يقول رودني ستارك،[22] لا طعامًا فقط. هكذا تصبح الكنيسة امتدادًا لأبوة الله. وحين تقول الشريعة لبنات صلفحاد “أنتنّ محقّات”، فإنها تعلن أن النص قادر على تجاوز العرف حين تُهدَّد كرامة الإنسان، وأن العدالة ليست ترفًا، بل جوهر من جوهر الله.

اليوم، حين تطالب الكنيسة بالمساواة في الميراث، فهي لا تستورد خطابًا غريبًا، بل تستعيد معنى البنوة. وحين تنادي بحق التبنّي؛ فهي لا تتحدى القانون، بل تدعوه ليكون مرآة لرحمة الله. وكما يقول أثناسيوس، خُلق الإنسان “ليحيا في محبة الله”.[23] وعندما تُصغي التشريعات لهذا الصوت، تصبح القوانين رحمة تحفظ الإنسان، لا مجرد أنظمة تنظّمه.

 

 

 

أهم المراجع

  1. Barth, Karl. Church Dogmatics, III/4. Edinburgh: T&T Clark, 1961.
  2. Basil of Caesarea. Homilies on Social Justice. Crestwood, NY: St. Vladimir’s Seminary Press,
  3. Brown, Nathan J. “Family Law in Egypt.” In Shari’a Incorporated, edited by J. S. Nielsen. Leiden: Brill, 2014.
  4. Burke, Trevor J. Adopted into God’s Family: Exploring a Pauline Metaphor. Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 2006.
  5. Duby, Georges. Medieval Marriage: Two Models from Twelfth-Century France. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1991.
  6. Dunn, James D. G. The Theology of Paul the Apostle. Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1998.
  7. Egyptian Initiative for Personal Rights (EIPR). “Statement on the Case of the Child Shenouda.” 2022.
  8. Ferguson, Everett. Backgrounds of Early Christianity. Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2003.
  9. Frymer-Kensky, Tikva. Reading the Women of the Bible. New York: Schocken Books, 2002.
  10. Heschel, Abraham J. The Prophets. New York: Harper & Row, 1962.
  11. Nicholas, Barry. An Introduction to Roman Law. Oxford: Oxford University Press, 1962.
  12. Pontifical Council for Justice and Peace. Compendium of the Social Doctrine of the Church. Vatican City: Libreria Editrice Vaticana, 2004.
  13. Stark, Rodney. The Rise of Christianity. San Francisco: HarperSanFrancisco, 1996.
  14. von Rad, Gerhard. Old Testament Theology, Vol. 1. New York: Harper & Row, 1962.
  15. Wright, N. T. Paul and the Faithfulness of God. Minneapolis: Fortress Press, 2013.
  

[1] Karl Barth, Church Dogmatics, III/4,118

[2] Abraham J. Heschel, The Prophets, 287.

[3] Karl Barth, Church Dogmatics, III/4116–120,

[4] Abraham J. Heschel, The Prophets, 285–289,

[5] James D. G. Dunn, The Theology of Paul the Apostle, 390–395,

[6] Gerhard von Rad, Old Testament Theology, vol. 1, 271–274,

[7] Tikva Frymer-Kensky, Reading the Women of the Bible, 248–252

[8] James D. G. Dunn, The Theology of Paul the Apostle, 390–395

[9] Basil of Caesarea, Homilies on Social Justice, 45–49

[10] Barry Nicholas, An Introduction to Roman Law, 88–91

[11] Georges Duby, Medieval Marriage, 66–72

[12] Everett Ferguson, Backgrounds of Early Christianity, 63–68

[13] Barry Nicholas, An Introduction to Roman Law, 134–142.

[14] N. T. Wright, Paul and the Faithfulness of God, 804–809

[15]Rodney Stark, The Rise of Christianity, 95–101.

[16] Pontifical Council for Justice and Peace, Compendium of the Social Doctrine of the Church, 244–247.

[17] Nathan J. Brown, “Family Law in Egypt,” in Shari’a Incorporated, ed. J. S. Nielsen, 134–138

[18] Trevor J. Burke, Adopted into God’s Family, 33–41

[19] Egyptian Initiative for Personal Rights, “Statement on the Case of the Child Shenouda,” 2022

[20] James D. G. Dunn, The Theology of Paul the Apostle, 390–395.

[21] N. T. Wright, Paul and the Faithfulness of God, 812.

[22] Rodney Stark, The Rise of Christianity, 97.

[23] Athanasius, On the Incarnation, Section 5.

قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين: مدخلٌ مفاهيميٌّ

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب:د. ماريان منير عبد الله 

دكتوراه في القانون العام من جامعة بوردو بفرنسا.

تمهيد

تستعرض هذه المقالة المبادئ الأساس لقانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين في مصر؛ إذ يخضع غير المسلمين عادةً لشرائعهم الدينية في ظل غياب قانونٍ مدنيٍّ موحَّدٍ. وفي حال اختلاف الطائفة أو الملة، تُطبَّق أحكام الشريعة الإسلامية، ما يزيد من تعقيد أوضاع المسيحيين. تتناول المقالة توضيحًا عامًّا لخريطة الكنائس المُعتَرَف بها من الدولة والفروق الجوهرية بين القانون المدنيِّ والكنسيِّ.

مقدِّمةٌ

يُعَدُّ قانون الأحوال الشخصية من أهم القوانين في مصر؛ إذ ينظِّم العلاقات الأسرية الحسَّاسة كعقود الزواج والطلاق. ويقوم هذا النظام القانوني على ازدواجٍ دينيٍّ يُنتج منظومةً مُركَّبةً ومُعقَّدةً؛ وتعتمد الجوانب الموضوعية للمسلمين على الشريعة الإسلامية، في حين تخضع التفاصيل الخاصة بغير المسلمين للوائح طوائفهم، أما القوانين السارية فهي مزيجٌ من تشريعاتٍ قديمةٍ وحديثةٍ يغلب عليها الطابع الإجرائيُّ لا الموضوعي.[1] وفي هذه المقالة نتحدث تحديداً عن المسيحيين. 

لم يكن النظام القانوني للأحوال الشخصية في مصر وليد اللحظة، بل نتاج تطورٍ تاريخيٍّ طويلٍ، كانت المحاكم الشرعية هي صاحبة الولاية العامَّة في نظر هذه المسائل للمسلمين، في حين احتكم غير المسلمين لمجالسهم الملِّية. ومع بداية الدولة الحديثة، بدأت الدولة في تقنين بعض الأحكام، فصدر القانون رقم 25 لسنة 1920 بشأن أحكام النفقة، تلاه القانون رقم 25 لسنة 1929 الذي نظَّم بعض مسائل الأحوال الشخصية كالطلاق والشقاق بين الزوجين.

شهد عام 1955 تحولًا جذريًّا بإصدار القانون 424 لسنة 1955 بإلغاء المحاكم الشرعية والمجالس المِلِّية ودمج اختصاصاتهما في المحاكم الوطنية، بهدف توحيد جهة القضاء. ورغم توحيد القضاء، ظلَّ القانون الموضوعيُّ متعدِّدًا. وفي خطوةٍ تنظيميةٍ لاحقةٍ، صدر القانون رقم 1 لسنة 2000 لتنظيم إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية، في محاولةٍ لتحسين إجراءات التقاضي والحفاظ على خصوصية الأسرة.

شهد القانون المصريُّ تطورًا ملحوظًا من الناحية الإجرائية بواسطة إنشاء محكمة الأسرة بموجب القانون رقم 10 لسنة 2004، والذي جاء استجابةً لحاجة المجتمع إلى جهةٍ قضائيةٍ متخصِّصةٍ تضمن حماية خصوصية الأسرة وتواكب اتفاقيات السيداو[2] الدولية، المختصَّة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. وقد منح هذا التطور لقانون الأسرة مكانةً بارزةً؛ إذ وُضِعَ إطارٌ خاصٌّ للنظر في النزاعات الأسرية بعيدًا عن المحاكم العامَّة، ما أسهم في تحسين الإجراءات وتعزيز الخصوصية الأسرية.

أما بالنسبة للجانب الموضوعي للأحوال الشخصية الخاصَّة بغير المسلمين، فلا تزال تواجه العديدٌ من التحديات والصعوبات. ويعود هذا التعقيد إلى تعدُّد المراجع الدينية والقانونية التي تحكم مسائل الأحوال الشخصية للأسر غير المسلمة، ما يؤدي إلى اختلافٍ وتباينٍ في تطبيق القوانين بين الأديان والطوائف المختلفة. فعلى سبيل المثال، قد يواجه المسيحيون صعوباتٍ في إجراءات الطلاق نتيجة اختلاف اللوائح والتشريعات بين الكنائس. من هنا، تبرز الحاجة إلى دراسة إمكانية وضع تشريعٍ موحَّدٍ للأحوال الشخصية لغير المسلمين (تحديدا للمسيحيين هنا) يراعي خصوصياتهم الدينية والاجتماعية، بما يسهم في تحقيق مزيدٍ من العدالة والمساواة أمام القضاء. وتجدر الإشارة إلى أن الأحكام الجوهرية في مسائل الأحوال الشخصية غالبًا ما تستند إلى مصادر دينيةٍ ثابتةٍ لكل طائفة، ويظل المبدأ الأساس المعمول به منذ عام 1955 هو أن أفراد الطائفة أو المِلَّة الواحدة تُطبق عليهم الشريعة التي ينتمون إليها.

قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين: مكانةٌ دستوريةٌ

من الناحية الاصطلاحية الأحوال الشخصية هي الأحكام والمبادئ والمسائل المنظمة للعلاقات داخل الأسرة، بما يشمل أحكام الخطبة والزواج، والمهر، ونفقة الزوجية وواجبات الزوجية، والطلاق وتفريق القاضي بين الزوجين والخُلع والنسب والرضاعة وحضانة الأولاد والميراث والوصية والوقف، وتتضمن مسائل الأحوال الشخصية بعض الأمور المالية كالميراث والوصية والوقف.[3] يتَّسم القانون المصري بتعدُّد قوانين الأحوال الشخصية، وقد ساهمت محكمة النقض المصرية في تحديد مجال الأحوال الشخصية؛ إذ قضت في 1934 بالتفرقة بين الأحوال الشخصية والأحوال العينية.[4] ثم جاءت المادة ٢٨ من لائحة التنظيم القضائي للمحاكم المُختَلَطة الصادرة بالقانون رقم ٤٩ لسنة 1937 م ما يلى: “تمثل الأحوال الشخصية المنازعات والمسائل المتعلقة بنظام الأسرة، وعلى الأخص الخطبة والزواج وحقوق الزوجين وواجباتهما المتبادلة والمهر ونظام الأموال بين الزوجين والطلاق والتطليق والتفريق والبنوة والإقرار بالأبوة وإنكاره والعلاقات بين الأصول والفروع، والالتزام بالنفقة للأقارب والأصهار وتصحيح النسب والتبني والوصاية والقوامة والحَجْر والإذن بالإدارة، وكذلك المنازعات والمسائل المتعلقة بالهبات والمواريث وغيرها من التصرفات المضافة إلى ما بعد الموت وبالغيبة وباعتبار المفقود ميتًا“. وجاءت القوانين الصادرة بعد إلغاء المحاكم المختلطة في مصر، الخاصة بنظام القضاء والسلطة القضائية، لتؤكد هذا التعريف. ويتميز الأحوال الشخصية في الدول العربية باستمداده من الفقه الإسلامي.[5]

ونصَّت المادة الثالثة من دستور 2014 على أن “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية وشئونهم الدينية واختيار قياداتهم الروحية“. هذه المادة من الدستور ضمانٌ قانونيٌّ للطوائف المسيحية وتمنح الكنيسة سلطة الاحتكام إلى شرائعها الخاصة في الأحوال الشخصية واختيار قياداتها الروحية.

وهنا تبرز أهمية المادة الثالثة من الدستور؛ إذ تضع توازنًا مع المادة الثانية التي تؤكد أن الإسلام دين الدولة، إلا أن المادة الثالثة تعطي المسيحيين وضعًا دستوريًّا خاصًّا يضمن لهم حقوقهم الشخصية بما يتناسب مع شريعتهم. ويجدر بنا أن نوضِّح أن هذا الضمان مشروطٌ بوحدة المِلَّة والطائفة بين الطرفين؛ ويعني ذلك أن الحقوق الشخصية التي يكفلها الدستور للمسيحيين تُطبَّق فقط إذا كان الطرفان ينتميان إلى نفس الطائفة الدينية، ممَّا قد يؤدي إلى اختلافٍ في تطبيق القوانين بين الطوائف المختلفة. ويتجلَّى هنا النظام الدينيُّ المصريُّ؛ إذ يُراعى هذا الشرط في مسائل الأحوال الشخصية، ما يعكس طبيعة التعدُّدية الدينية والتشريعية في المجتمع المصريِّ.

فتهدف هذه المقالة إلى دراسة خريطة الكنائس في مصر باعتبارها مدخلًا أساسًا لفهم التحديات التي تواجه إعداد تشريعٍ موحَّدٍ للأحوال الشخصية للمسيحيين، وتعتمد الدراسة على تحليلٍ قانونيٍّ ومقارنٍ للنصوص التشريعية واللوائح الكنسية، بالإضافة إلى مراجعة الأدبيات ذات الصلة. وتبرز أهمية هذه الدراسة في ضرورة شمول كافة الطوائف والكنائس دون استثناءٍ أو إغفالٍ، إذ يُعَدُّ احترام خصوصية كل طائفةٍ شرطًا لا يمكن تجاوزه لتحقيق العدالة التشريعية. ونظرًا لأهمية شمول كافة الطوائف، سيُخصَّص جزءٌ من المقالة لتحليل الفروق التشريعية بين الكنائس المختلفة وكيفية انعكاسها على إعداد التشريع الموحَّد.

أولًا ستُعرض خريطة الكنائس المصرية وتنوعها وعلاقتها بالدولة باعتباره جزء لا يتجزأ من الجانب الإجرائي للقانون، ثم مناقشة المفاهيم القانونية المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية.

الفصل الأول: التعريف بالكنائس في مصر وعلاقتها بالدولة المصرية

تُعد دراسة خريطة الكنائس في مصر خطوةً أساسية لفهم الإطار القانونيِّ والاجتماعيِّ المنظِّم لعلاقة الكنائس بالدولة، خاصَّةً في ضوء التنوُّع الطائفيِّ والدينيِّ الذي يميِّز المجتمع المصريَّ. وتبرز أهمية هذا الفصل في الاعتراف الدستوري بالتعددية الدينية وحق كل طائفةٍ في الاحتكام إلى شرائعها. وانطلاقًا من ذلك، يهدف هذا الفصل إلى الإجابة عن عدة تساؤلاتٍ ومحاور رئيسةٍ، مثل: ما أبرز الكنائس في مصر؟ وما أهم القوانين المنظِّمة لها؟ وما أوجه العلاقة بين الكنائس والدولة؟ رغم هذا التنوع والتباين، سنسعى إلى تقديم هذه الكنائس بإيجازٍ ووضوحٍ مع إبراز الجوانب القانونية والتنظيمية المحيطة بها.

تعريفاتٌ أساسية في القانون المصريِّ والقانون الكنسيِّ

نلاحظ أنه لا مرجع قانوني موحد للكنائس أو حتى يشير إلى تعدُّدها في مصر. كما أنه من الجانب القانوني لا نجد علاقةً واضحةً بين الدولة والكنيسة بوصفها مؤسسةً وشخصيةً اعتباريةً عامَّةً. لا يعرف القانون المصري مصطلح كنيسة إلا للدلالة على الدين أو مكان الصلاة للمسيحيين بشكل منفصل. مما يجعل القوانين المرتبطة بكل معني منفصلةً بعضها عن بعض.

فيتضح هنا أنه لكلمة كنيسة معنيان مما يؤدي إلى استخدام قانوني مختلف لكل منهم: الأول يعني المجتمع الكنسيَّ المسيحيَّ، ويندرج من هذا المعنى استخداماتٌ متعددةٌ لكلمة “كنيسة” وهذا المعني لكلمة كنيسة ليس له صفة قانونية أمام الدولة المصرية ولكن الصفة القانونية أمام القانون الكنسي لكل كنيسة[6]؛ والثاني يعني المؤسسة الكنيسة بمعناها الواسع ومن هذا المنطلق فإن الكنيسة بهذا التعريف المؤسسي تتمتع بالشخصية القانونية الاعتبارية أمام القانون المصري.[7]

 ونضيف أيضًا معني ثالث للكنيسة وهو وصفها مكان الصلاة، إذن تصبح من منظور القانون المدني “عين”، خاضعةً لقوانين الملكية أو الوقف الذي يخضع لإدارةٍ مُنظَّمةٍ وقانون مختلف. ومن هذا المنظور نجد أن الدولة المصرية الحديثة تعمل على تنسيقٍ مع الكنائس وتقنين أوضاعها من جوانب مختلفةٍ، فيمكننا ذكر أن الرئيس قد أحيا تشكيل هيئة أوقاف في 2019 التي في الأصل كانت قد تأسست في 1960.[8] ثم في 2020 تأسست هيئتا أوقاف الكنيسة الكاثوليكية والطائفة الإنجيلية.[9] وبموجب هذه القوانين والقرارات أصبحت لكلٍّ منهم الشخصية الاعتبارية، وتدير أملاكها بنفسها الشكل القانوني الذي يحقق لها الاستقلال الكامل تحت سلطة الدولة المصرية.

أما الكنيسة بمعناها الأول بوصفها مجتمعًا كنسيًّا، فإن هذا المجتمع الكنسي يندرج عنه مجموعة من المصطلحات التي يستخدمها القانون المصريُّ، علينا تعريفها وفهم علاقتهم بالكنائس الأخرى.

المِلَّة: تُعرَّف المِلَّة في معجم المعاني الجامع “الشريعةُ أو الدِّينُ، كمِلَّةِ الإِسلام والنصرانية، وهي اسمٌ لما شَرَعَ اللهُ لعباده بوساطة أَنبيائه ليتوصلوا به إِلى السعادة في الدنيا والآخِرة”.

والطائفة في المعجم ذاته “هي جماعةٌ دينيةٌ تنسلخ عن الاتِّجاه الدينيِّ السائد وتشير الكلمة أيضًا إلى مجموعةٍ من الناس لديهم فلسفةٌ واحدةٌ وقيادةٌ واحدةٌ”.

فنجد أن الملة هي الجماعة الأعمَّ والأشمل؛ إذ يُستَخدَم مصطلح “الدين” للدلالة على الديانة المسيحية، والملة للدلالة على الأرثوذكسية أو الكاثوليكية أو البروتستانتية، والطائفة للدلالة على الجماعات التي تنقسم بقيادةٍ واحدةٍ.

ويظهر هذا التعدُّد القانونيُّ والدينيُّ للكنائس في مصر في اختلاف أنظمتها الداخلية ولوائحها المنظمة للعلاقات الأسرية؛ إذ أن كل كنيسة تضع لنفسها لائحةً تحكم مسائل الأحوال الشخصية لأتباعها وفقًا لمعتقداتها وتقاليدها. كما يجب علينا أن نفهم أيٌّ منها مِلَّةٌ وأيٌّ منها طائفةٌ. ويترتَّب على ذلك تعدُّديةٌ في المرجعيات التشريعية التي تستند إليها المحاكم عند الفصل في منازعات الأحوال الشخصية للمسيحيين. كما أن علاقة هذه الكنائس بالدولة المصرية تتَّسم بالتنسيق في الأمور التي تتعلق بتنظيم شؤون رعاياها، مع مراعاة احترام السيادة القانونية للدولة ووحدة النظام القضائي.

مفهوم تعدُّد اللوائح

تتسم الخريطة الكنسية المصرية بتنوعٍ لافتٍ ينعكس على الجوانب القانونية والتنظيمية للأحوال الشخصية. ومن المعروف أن الكنائس الرئيسة في مصر هي ثلاث: الكنيسة الأرثوذكسية، والكنيسة الكاثوليكية، والكنيسة الإنجيلية. ويُشار إلى وجود كنائس أخرى غير هذه الكنائس الثلاث. هذا التنوع داخل المجتمع المسيحيِّ المصريِّ يفرض على المشرِّع دراسةً دقيقةً ومتكاملةً عند صياغة أي تشريعٍ يتعلق بالأحوال الشخصية، لضمان مراعاة خصوصية كل كنيسةٍ أو طائفةٍ دون إغفالٍ أو استثناءٍ.

وإذا بدأنا باستعراض الكنائس الأرثوذكسية في مصر، نجد في مقدمتها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية التي تُعد الأكثر انتشارًا بين المسيحيين المصريين، يرأسها بابا الإسكندرية. تليها كنيسة الروم الأرثوذكس، وكنيسة السريان الأرثوذكس. وتُعدُّ هذه الكنائس الثلاث أبرز ممثلي الطائفة الأرثوذكسية في البلاد. ويتَّسم التنظيم الداخليُّ لكل كنيسةٍ أرثوذكسيةٍ منها بوجود هيكلٍ إداريٍّ مستقلٍّ؛ إذ يرأس كلَّ كنيسةٍ “كرسيٌّ” يُعرف بالبطريركية، وهو بمثابة السلطة الدينية العليا التي تشرف على شؤون الكنيسة وأتباعها وتدير شؤونهم الدينية والشخصية وفقًا لتقاليدها الخاصة. ويعكس هذا الاستقلال الهيكليُّ والتنوُّع الإداريُّ عمق التباين داخل الطائفة الأرثوذكسية.

وكلٌّ من هذه الكنائس تعدُّ مِلَّةً وطائفةً مستقلَّةً، نتيجةً لاستقلالية كلٍّ منها إداريًّا، ويترتَّب على ذلك أن تغيير الطائفة من الأقباط الأرثوذكس مثلًا إلى السريان الأرثوذكس يُعدُّ أمام المحاكم المصرية تغيير طائفةٍ وملَّة، ويترتب على ذلك تُطبّيَق الشريعة الإسلامية.

أما الكنائس الكاثوليكية الشرقية في مصر فتُعَدُّ نموذجًا للتنوُّع ضمن إطارٍ مؤسَّسيٍّ واحدٍ، يختلف في هيكليَّته عن التنظيم السائد في الكنائس الأرثوذكسية. وتبرز الكنيسة القبطية الكاثوليكية بوصفها أكثر الكنائس الكاثوليكية انتشارًا في مصر، لكنها ليست الوحيدة الممثَّلة على الساحة الدينية؛ إذ يضم المشهد الكاثوليكيُّ المصريُّ سبع كنائس رئيسة، هي: القبطية الكاثوليكية، السريان الكاثوليك، الكلدان الكاثوليك، الأرمن الكاثوليك، الروم الكاثوليك، الكنيسة المارونية واللاتين.

يرأس كلًّا من هذه الكنائس مطرانٌ خاصٌّ بها داخل الإقليم المصريِّ، مع وجود بطريركيةٍ لكل كنيسةٍ تتبعها في إحدى الدول الشرقية خارج مصر. فنجد مثلا أن بطريرك الكنيسة الكلدانية مقره في العراق. ويجتمع ممثِّلو هذه الكنائس الكاثوليكية في مصر في مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك، الذي يُعَدُّ هيئةً تمثيليةً عليا لجميع الكنائس الكاثوليكية في مصر. ويتولى رئاسة هذا المجلس بطريرك الكنيسة القبطية الكاثوليكية، ما يعكس نوعًا من الوحدة التنظيمية بين هذه الكنائس على الرغم من خصوصية كلٍّ منها واستقلالها في بعض الجوانب الطقسية والإدارية. وتنتمي هذه الكنائس الكاثوليكية للكنيسة الكاثوليكية الجامعة بروما؛ فتتبع الكرسيَّ الرسوليَّ- بابا روما في الفاتيكان.

وعلى الرغم من تعدُّد هذه الكنائس إلا أنها تحت مِلَّةٍ واحدةٍ، وهي الكاثوليكية المعروفة بمصر، فالتغيير بين هذه الكنائس لا يؤدي إلى تطبيق الشريعة الإسلامية؛ لأن كل الكنائس الكاثوليكية تنتمي لمِلَّةٍ واحدةٍ ومؤسسةٍ دينيةٍ واحدةٍ؛ فهي لا تختلف في المِلَّة، بل تختلف فقط في الطقس. فأن كل كنيسة منهم لها لائحة داخلية خاصة بها. كما أن جميع الكنائس الكاثوليكية الشرقية تخضع لقانونٍ كنسيٍّ واحدٍ صدر في عام 1991 بعد صدور وثائق المجمع الفاتيكانيِّ الثاني، الذي أصدر مجموعةً من الوثائق تضع الإطار القانوني والعقائدي للكنيسة الكاثوليكية. ومن ثم فإنه تم تعديل لائحة الكنيسة القبطية الكاثوليكية في 1992والتي سبقها لائحة الكنيسة القبطية الكاثوليكية عام 1948.[10]

وتتميَّز الكنيسة الإنجيلية في مصر بنظامٍ إداريٍّ مختلفٍ عن الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية؛ إذ تضم الكنيسة الإنجيلية في مصر عددًا من الطوائف الفرعية،[11]  ويخضع أتباعها للوائح خاصَّةٍ تنظم شؤونهم الدينية والأسرية وفق المبادئ الإنجيلية. وعلي ما يبدو أن الدولة المصرية تصنِّف أي كنيسةٍ أخرى غير الكاثوليكية والأرثوذكسية تحت لواء الكنيسة الإنجيلية. فنلاحظ مثلًا أن الكنيسة الأسقفية بمصر لها وضعٌ قانونيٌّ غير واضحٍ،[12] على الرغم أنها كنيسة أقرب للكنيسة الكاثوليكية من حيث الطقس منها إلى الإنجيلية. كما أن المذاهب المتعدِّدة التي تُعَدُّ تحت مظلَّة الكنيسة الإنجيلية بمصر أغلبها مذاهب مستقلةٌ ومختلفةٌ عنها، مثلا المذهب البروتستانتيُّ والسبتيون والمعمدانية وغيرها من الكنائس غير المعروفة كثيرًا في المجتمع المصري عامَّةً.

يتضح لنا أن تعدُّد الكنائس في مصر وتنوُّع أنظمتها القانونية ينعكس مباشرةً على مفاهيم الأحوال الشخصية وتطبيقاتها. فكل كنيسةٍ أو طائفةٍ لها خصوصيتها من حيث التشريعات واللوائح المنظمة للعلاقات الأسرية، الأمر الذي يجعل من التشريع الموحَّد للأحوال الشخصية تحديًا كبيرًا يتطلب مراعاةً دقيقةً لهذه الفوارق الدينية والقانونية. يظهر جليًّا أن المفاهيم الموضوعية في قانون الأحوال الشخصية لا يمكن فصلها عن السياق الكنسيِّ المتعدِّد في مصر، إذ تتداخل الأحكام الدينية مع الضوابط القانونية للدولة، ما يستدعي دومًا التنسيق بين السلطات الدينية والمدنية لضمان تحقيق العدالة واحترام خصوصية الطوائف المختلفة. بهذا، تتجلى العلاقة الوثيقة بين الفصل الأول الذي تناول خريطة الكنائس وتعددها، والفصل الثاني الذي يشرح المفاهيم القانونية والموضوعية للأحوال الشخصية؛ لأن فهم واقع الكنائس هو أساسٌ لفهم وتطبيق قوانين الأحوال الشخصية في المجتمع المصريِّ.

 

 

الفصل الثاني: المفاهيم الموضوعية في قانون الأحوال الشخصية

تُعد قضايا الأحوال الشخصية، وعلى رأسها الخطبة والزواج، من أكثر المجالات القانونية والدينية تشابكًا وتأثيرًا في المجتمع المصريِّ. وغالبًا ما تُتناول هذه الموضوعات في إطارها النظريِّ من مفاهيم وتعريفاتٍ فقهيةٍ وقانونيةٍ، دون التعمُّق في كيفية تطبيقها عمليًّا في حياة الأفراد وما يترتَّب على ذلك من إشكالاتٍ واقعيةٍ تتطلب حلولًا عمليةً. ومن هنا تتجلَّى أهمية الربط بين الأسس النظرية والأمثلة التطبيقية التي توضّح تفاعل القانونين المدنيِّ والكنسيِّ مع قضايا الزواج، والبطلان، والنزاعات الأسرية.

يواجه الأزواج في المجتمع المصريِّ تحدياتٍ كبيرةً بسبب اختلاف تعريف الزواج بين القانون المدنيِّ والكنسيِّ. فعلى سبيل المثال، في حالات الطلاق بحكم من المحكمة -الذي يترتب عليه حقُّ الزواج مرة أخرى- قد ترفض الكنيسة الاعتراف بهذا الطلاق وتمنع الزواج الكنسيَّ الجديد، ما يوقع الأفراد في مأزقٍ قانونيٍّ ودينيٍّ ويؤدِّي إلى حالاتٍ من الشعور بالظلم الاجتماعيِّ أو التشتت الأسريِّ.

كذلك، قد تنشأ نزاعاتٌ حول حضانة الأطفال أو الحقوق المالية عند اختلاف تفسير القوانين واللوائح بين المحاكم المدنية والكنسية، وهو ما يتطلب تدخل لجانٍ مُشتَرَكةٍ أو وساطةٍ لضمان عدم الإخلال بحقوق أيٍّ من الأطراف. وفي حالات كثيرة، يتوقَّف مصير الأسرة على قدرة الأطراف على التنقل بين النظامين القانوني والديني، ما يبرز الحاجة إلى مزيدٍ من التنسيق والتفاهم بين السلطات المعنية.

أولًا الخطبة واختلاف المفاهيم.

تُظهر الخطبة تباينًا واضحًا في النظرة إليها بين النظام المدنيِّ المستند إلى الشريعة الإسلامية والمنظور الكنسيِّ المسيحيِّ، إذ تختلف التعريفات والأحكام المترتبة عليها اختلافًا جوهريًّا بين الجانبين.

في القانون المدنيِّ المصريِّ، المُستَمَدِّ من الشريعة الإسلامية، تُعرَّف الخطبة بأنها مجرَّد وعدٍ بالزواج بين رجلٍ وامرأةٍ، وهذا الوعد “غير مُلزِم”؛ أي أنه لا يترتَّب عليه التزامٌ قانونيٌّ بإتمام الزواج، بل هو اتفاقٌ تمهيديٌّ يمكِّن أيًّا من الطرفين من العدول عنه في أيِّ وقتٍ دون عقوبةٍ قانونيةٍ. المقصود بالوعد غير الملزِم هنا أن الخطبة ليست عقدًا رسميًّا ولا تُنشئ حقوقًا أو التزاماتٍ شبيهةً بحقوق الزوجية. في حال العدول عن الخطبة، يجوز للطرف المتضرِّر المطالبة باسترداد الهدايا المُقدَّمة في خلال فترة الخطبة، ولكن لا تعويضات مادية أو عقوبات قانونية إضافية.

مثالٌ تطبيقيٌّ: إذا فسخت امرأة خطبتها لرجل في أيِّ وقتٍ قبل الزواج، يمكن للرجل أن يطالب فقط باسترداد ما قدَّمه من هدايا، إذا لم تكن قد استُهلِكت أو تلفت، ولا يحقُّ له المطالبة بتعويضاتٍ أخرى.

أما في المنظور الكنسي، وخصوصًا في الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية، تُعد الخطبة مرحلةً رسميةً موثَّقةً في الكنيسة، وتُعدُّ مرحلةً إجباريةً قبل الزواج؛ إذ تُعرف بفترة الإعداد للزواج، ويخضع المخطوبان لبرامج تثقيفيةٍ وتدريبيةٍ روحيةٍ تنتهي غالبًا بالحصول على شهادة خطوبةٍ تُقدَّم لاحقًا لإتمام الزواج الكنسيِّ. كما أن العدول عن الزواج وفسخ الخطبة يترتب عليه فسخ عقد الخطبة الموثَّق في الكنيسة وهو مسموحٌ به. في هذا السياق، يُنظر إلى العدول عن الخطبة باعتباره أمرًا ذا وزنٍ كبيرٍ؛ إذ قد تترتب عليه مسؤوليةٌ أدبيةٌ، وأحيانًا قد يُفرض تعويضٌ أدبيٌّ أو حتى مادِّيٌّ للطرف المتضرِّر، خاصةً إذا ترتَّب على العدول أضرارٌ نفسيةٌ أو اجتماعيةٌ جسيمةٌ.

مثال: إذا انسحب أحد المخطوبين بعد فترة إعدادٍ طويلةٍ وقبل موعد الزواج بفترةٍ قصيرةٍ، قد تتدخَّل الكنيسة للنظر في ملابسات العدول، وقد تطلب من الطرف المتسبِّب في الضرر تقديم اعتذارٍ علنيٍّ أو تعويضٍ معنويٍّ للطرف الآخر كما أنه يجب فسخ عقد الخطبة الموثَّق في دفاتر الكنيسة.

ونصت لائحة الكنيسة الإنجيلية على أنه إذا عدل أحد الخطيبين عن عقد الزواج بعد إتمام الخطبة دون سببٍ كافٍ، تلتزم السلطة المختصَّة بالحكم لصالح الطرف الآخر بتعويضاتٍ مُحدَّدةٍ. كما أوضحت اللائحة الحالات التي تُعدُّ أسبابًا كافيةً للعدول.

الخلاصة: يكمن الاختلاف الجوهري بين النظامين في أن الخطبة في القانون المدنيِّ والشريعة الإسلامية التزامٌ اجتماعيٌّ غير مُلزِمٍ قانونًا، ويمكن العدول عنها دون التزاماتٍ أو تعويضاتٍ عدا الهدايا، في حين أن في المنظور الكنسي تُعدُّ الخطبة التزامًا أخلاقيًّا ذا تبعاتٍ أدبيةٍ وأحيانًا مادِّية عند العدول. تعكس هذه الفروق اختلاف فلسفة كل نظامٍ في التعامل مع الروابط الأسرية ومراحل تكوينها، وتوضِّح أن فهم مفهوم الخطبة يتطلب المعرفة بالسياق القانوني والديني لكل مجتمع.

 

 

 

ثانيًا: الزواج بين العقد الكنسيِّ والمدنيِّ والأثار المترتبة عليه

نبدأ حديثنا بالقول إنه اتفقت الطوائف المسيحية على مبدأ الزوجة الواحدة[13].  أما الاختلاف الجوهريُّ يكمن بين النظرة المدنية والنظرة الكنسية للزواج في طبيعة هذا الرباط وأبعاده. كما أنه يختلف من كنيسةٍ لأخرى. في حين أن القانون المدنيَّ المصريَّ، المُستَمَدَّ من الفقه الإسلاميِّ، يُعرِّف الزواج بأنه عقدٌ رضائيٌّ بين رجلٍ وامرأةٍ تحلُّ له شرعًا، غايته تكوين أسرةٍ ويترتب عليه حقوقٌ وواجباتٌ مُتبادَلةٌ، فإن الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية، تنظران إلى الزواج باعتباره سرًّا مُقدَّسًا من أسرار الكنيسة السبعة[14] ويُعدُّ رباطًا إلهيًّا لا ينفصل إلا بالموت. أما باقي الكنائس -كالبروتستانتية والإنجيلية- فلا تعترف بالزواج بوصفه سرًّا، ولكن التعريف الذي جاء في المادة 6 لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الإنجيليّين الوطنيين 1902 يقترب من المعنى الإسلامي للزواج؛ إذ إنه يُعرَّف بأنه “اقتران رجلٍ واحدٍ بامرأةٍ واحدةٍ اقترابًا شرعيًّا مدة حياة الزوجين”.

وفي كل الأحوال يجب توثيق عقود الزواج أولًا في الكنيسة من خلال الاحتفال الطقسي الخاص بالزواج، كذلك تسجيلها في دفاتر الكنيسة إذ يوقِّع الزوجان والشهود، ثم اعتمادها وتوثيقها لدى الجهات الرسمية المختصَّة بالدولة. يمنح التشريع المصريُّ سلطة التوثيق للموثِّقين المعتمدين بموجب قرار وزير العدل رقم 26 لسنة 1955 الصادر بتاريخ 29 ديسمبر 1955، حيث يحقُّ لهم توثيق عقود الزواج الدينية ويتمُّ ذلك في دفترٍ آخر منفصلٍ عن دفتر الكنيسة. وغالبًا ما يكون الموثِّقون من الكهنة بالكنيسة؛ إذ يتولَّون مهمَّة التوثيق بصفتهم موثِّقين كنسيين ملتزمين بالإجراءات القانونية المعتَمَدة، الأمر الذي يكفل الاعتراف الرسميَّ بالعقد أمام الجهات الحكومية ويعزز حماية حقوق الطرفين، كما يعكس الدور التنظيميَّ للكهنة في هذه العملية القانونية. فإن هذا التوثيق هو خطوةٌ شبه إلزاميةٍ سواء على الكنيسة أو على الزوجين، خاصَّةً أن عقد الزواج يترتب عليه آثارٌ قانونيةٌ متعدِّدةٌ أهمها تعديل بيانات البطاقة الشخصية، وتسجيل الأبناء، وما إلى ذلك من آثارٍ قانونيةٍ.

كما ينتج عن عقد الزواج التزاماتٌ ماديةٌ متبادلةٌ بين الزوجين، تشمل أيضًا الأبناء. فقد كرَّست لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس لسنة 1938 الباب السادس للنفقة عامَّةً، والتي لا تقتصر فقط في حالة الطلاق، بل تُعدُّ التزامًا ماديًّا مستمرًّا في أثناء الزواج وبعده. وتُعرِّف المادة 140 من اللائحة النفقةَ بأنها “كل ما يلزم للقيام بأود شخص في حالة الاحتياج من طعامٍ وكسوةٍ وسكنى”. وهي واجبةٌ بين الزوجين، والآباء، والأبناء، والأقارب كما نصَّت المادة 141 من ذات اللائحة. كما أوجبت المادة 151 من اللائحة النفقةَ على الزوجة لزوجها المعسر إذا لم يكن يستطيع الكسب وكانت هي قادرةً على الإنفاق عليه.

ثالثًا: موانع الزواج في القانون الكنسيِّ الكاثوليكيِّ والبطلان

تركِّز الكنيسة الكاثوليكية على دراسة موانع الزواج؛ إذ تعدُّ هذه الموانع حجر الأساس في صحَّة عقد الزواج من الناحية الموضوعية، بينما يمثل صحة الطقس الجانب الإجرائيَّ للعقد. ونظرًا لأن الكنيسة الكاثوليكية لا تجيز الطلاق، فإنها تعطي اهتمامًا بالغًا لتحديد الموانع التي قد تحول دون صحة الزواج من الأساس.

وفقًا للقانون الكنسيِّ الكاثوليكيِّ الجديد لعام 1983، تقتصر الموانع على تلك التي تُعَدُّ أساسًا، أي كل عائقٍ يجعل الشخص غير مؤهَّلٍ لعقد الزواج بشكل صحيح، كما جاء في المادة 1073 من القانون الكنسيِّ. تُعدُّ هذه الموانع غير قابلةٍ للتجاوز أو الاستثناء إلا بتصريحٍ خاصٍّ من الكنيسة، ما يعكس حرص الكنيسة على ضمان صحَّة الزواج منذ البداية. ففي القانون الكنسيِّ الكاثوليكيِّ نجد نوعين من موانع الزواج: موانع محرمة مثل نذر البتولية (الراهب أو الراهبة)، التبنِّي. وموانع مبطلة: مثل السن القانوني، زواج.

ويمكن تلخيص هذه الموانع في عدة أقسام رئيسة:

  • العجز الجسديُّ، مثل نقص السن القانونيِّ أو وجود عجزٍ بدنيٍّ يمنع إتمام الزواج.
  • عدم التوافق، الذي يشمل وجود رابطة زواجٍ سابقٍ غير منحلٍّ، أو تفاوتٍ في العبادة، أو الانتماء للنظام المقدس، أو وجود نذرٍ بالعفَّة.
  • ارتكاب أفعالٍ إجراميةٍ، مثل الاختطاف أو ارتكاب جريمةٍ متعلِّقةٍ بالزواج.
  • القرابة، وتشمل التزاوج الداخلي، أو وجود علاقة ألفةٍ قريبةٍ، أو علاقة التبنِّي.

وتجدر الإشارة إلى أن المانع قد يكون ظاهرًا، أي يمكن إثباته بسهولة أمام الجهات المختصة، أو خفيًّا يتطلَّب أدلةً قانونيةً لإثباته. ولهذا السبب، تولي الكنيسة الكاثوليكية وكذلك الكنائس المصرية أهمية كبيرة لفحص المستندات والأوراق المقدمة من المقبلين على الزواج، وذلك للتأكد من عدم وجود أي مانع يمنع إتمام العقد بشكل صحيح. ومن بين هذه المستندات: الشهادة الطبية التي تثبت خلو الطرفين من الأمراض المانعة، وشهادة إتمام دورة المخطوبين التي أصبحت شرطًا أساسيًّا لإتمام الزواج في كثير من الكنائس اليوم.

أمثلةٌ واقعيةٌ: بطلان الزواج في الكنيسة الكاثوليكية والحاجة للتنسيق بين السلطات

بالنظر لقدسية الزواج في الكنيسة وعدم قابليته للانفصام، لا تعترف الكنيسة الكاثوليكية بالطلاق، بل تركز على شروط انعقاد الزواج الصحيح وما يحلُّ الزواج منه. ولهذا تفتح الكنيسة الكاثوليكية الباب أمام ما يُسمَّى “إعلان البطلان”، الذي لا يعني إنهاء زواجٍ قائمٍ، بل هو إقرارٌ من المحكمة الكنسية بأن الزواج لم ينعقد أصلًا انعقادًا صحيحًا منذ البداية بسبب وجود مانعٍ جوهريٍّ- مانع مبطل.

لنفترض حالة زوجين من الطائفة الكاثوليكية في مصر، إذ عُقِدَ الزواج الكنسيُّ بعد استيفاء جميع الشروط الدينية، مثل حضور الدورات التأهيلية وتقديم الشهادات الطبِّية. بعد مضيِّ سنواتٍ على الزواج، اكتُشف أن أحد الطرفين كان يخفي عن عمدٍ مانعًا جوهريًّا (كعدم الرضا أو وجود عجزٍ دائمٍ عن الإنجاب، أو رابطة زواجٍ سابقةٍ لم تُحلَّ كنسيًّا)، الأمر الذي دفع أحد الزوجين لرفع دعوى بطلان زواج أمام المحكمة الكنسية. في مثل هذه الحالات، تقوم الكنيسة الكاثوليكية بدراسة الملف بعنايةٍ، وتستعين بشهادات الشهود والتقارير الطبِّية، وعند ثبوت المانع الأصليِّ، تصدر قرارها بإعلان بطلان الزواج من الناحية الدينية.

أما على الجانب المدنيِّ، فعند توجُّه أحد الطرفين لتسجيل البطلان لدى الجهات الرسمية، يتطلَّب الأمر تنسيقًا بين الكنيسة والسلطات المدنية. في إحدى الحالات الواقعية، رفض مكتب السجلِّ المدنيِّ تسجيل فسخ الزواج إلا بعد تقديم حكم محكمةٍ رسميٍّ يثبت البطلان، ما استدعى تواصلًا رسميًّا بين الكنيسة الكاثوليكية ووزارة العدل المصرية، ليُعترَف بالبطلان وتُحدَّث السجلَّات المدنية وفقًا للقرار الكنسيِّ. هذه العملية تعكس أهمية التعاون بين المؤسسات الدينية والمدنية في حماية حقوق الأطراف وضمان الاعتراف القانوني بالقرارات الكنسية.

آثار البطلان: حقوق الطرفين، إعادة الزواج.

يترتَّب على إعلان بطلان الزواج في الكنيسة الكاثوليكية آثارٌ قانونيةٌ ودينيةٌ عميقةٌ؛ فعلى الصعيد الدينيِّ، يُعَدُّ الزواج كأن لم يكن، أي أن الطرفين يعودان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد، ويصبح لكلٍّ منهما الحقُّ في الزواج الكنسيِّ مُجدَّدًا ما دام لا مانعٌ آخر. أما من الناحية القانونية، فتُعدَّل الحالة الاجتماعية للطرفين في السجلَّات المدنية، وتُلغى كافة الآثار المترتِّبة على الزواج، بما فيها الحقوق المالية والنفقة وحضانة الأبناء، مع مراعاة حماية مصالح الأطفال وفقًا للقانون المدني.

رابعًا: الطلاق، التطليق والخُلع: الفروق القانونية والدينية في مصر

عندما تتعثر كل محاولات الإصلاح بين الزوجين، يصبح البحث عن حلٍّ قانونيٍّ أمرًا ضروريًّا. في هذا السياق، تبرز الفروق الجوهرية بين مفاهيم الطلاق، الخلع، والتطليق ضمن المنظومة القانونية والدينية في مصر.

مفهوم الطلاق والخُلع والتطليق في القانون المدنيِّ

الطلاق في الشريعة الإسلامية هو حقٌّ أصيلٌ للزوج يمكِّنه من إنهاء الزواج بإرادته المنفردة، ويأتي في صورتين: رجعيٌّ أو بائنٌ. أما الخلع، فهو إجراءٌ تطلبه الزوجة لإنهاء الزواج مقابل تنازلها عن حقوقها المالية مثل المهر، ولا يتطلَّب إثبات الضرر ويُجرَى عبر المحكمة. أما التطليق فهو مصطلحٌ أشمل، يشمل الطلاق والخُلع والطلاق للضرر أو الشقاق؛ ويصدر غ بقرارٍ قضائيٍّ بناءً على طلب أحد الزوجين مع وجود أسبابٍ شرعيةٍ أو ضررٍ، مع الحفاظ على حقوق الزوجة في حالات الضرر أو الشقاق.

ومن كل هذه الحالات يطبق على المسيحين في مصر الخلع ويتطلب شهادة تغيير ملة التي يترتب عليها تطبيق الشريعة الإسلامية أو التطليق وهو بحكم قضائي بناء على طلب أحد الزوجين وفي هذه الحالة يطبق على الزوجين لائحة الكنيسة التابع لها وعلى الرغم من ذلك يطبق القضاة غالبا لائحة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لسنة 1938 كما سنوضح لاحقا.

الطلاق في الفكر الكنسيِّ

وفقًا لكتاب معجم المصطلحات الكنسية،[15] يُعرَّف الطلاق بأنه التحلُّل من قيد الزواج وفكُّ رباط الزوجية، ويستند إلى نصوصٍ من العهد القديم؛ إذ كان يُسمح للرجل بإعطاء زوجته كتاب طلاقٍ. بعد هذا الطلاق، لا يجوز له أن يتَّخذها زوجةً مرَّةً أخرى إذا تزوجت من آخر. أمَّا في العهد الجديد، فقد شدَّدت التعاليم على عدم جواز الطلاق إلا لعلَّة الزنا، أو إذا فارق الطرف غير المؤمن. هنا يظهر اختلافٌ جوهريٌّ في نظرة الكنيسة للعلاقة الزوجية؛ إذ تظل الزوجة حرَّةً للزواج بعد وفاة الزوج فقط، أو إذا تركها شريكها غير المؤمن.

الجهة المُختصَّة بإصدار قرار الطلاق في مصر

نلاحظ أن الفرق الرئيسي بين المسيحين والمسلمين في مصر هو توثيق الطلاق. كما تم توثيق الزواج أمام الكنيسة فإن توثيق قرار الطلاق يجب أيضا أن يتم أمام المحكمة الكنسّية. شهدت مصر تطورًا تاريخيًّا في الجهة المختصَّة بإصدار قرار الطلاق؛ إذ اتَّبعت الدولةُ العثمانيةُ نظام تعدُّد المحاكم للطوائف الدينية، ولكل طائفةٍ مجلسٌ ملِّيٌّ أو محكمةٌ شرعيةٌ خاصَّةٌ بها. وفي العهد الملكيّ، استقرَّ نظام المجالس الملِّيَّة للطوائف غير المسلمة المرخَّصة من الحكومة. وفي عام ١٩٥٥، صدر القانون رقم ٤٦٢ الذي ألغى المحاكم الشرعية والمجالس الملِّيَّة وأحال جميع القضايا إلى المحاكم المدنية، مع تطبيق شرائع الطوائف غير المسلمة فيما لا يخالف النظام العامَّ. ومن هنا بدأ تظهر الفجوة الواضحة في تطبيق القانون والمبدأ الدستوري السابق شرحه.

الفروق بين القانون المدنيِّ والقانون الكنسيِّ

يتَّضح الفرق بين الطلاق والتطليق من منظور القانون المدنيِّ والكنسيِّ؛ إذ يمنح القانون المدنيُّ للزوج حقَّ الطلاق، بينما يمكن للزوجة طلب التطليق للضرر أو الخلع. أما القانون الكنسيُّ الكاثوليكيُّ فلا يعترف بالطلاق بمفهومه المدنيِّ، بل يتيح فقط الانفصال الجسديَّ مع بقاء رباط الزوجية في الحالات التي يستحيل فيها العشرة. وعلى الرغم من أن الكنيسة الأرثوذكسية ترفض مبدأ الطلاق، إلا أنها أدخلت تعديلاتٍ أضافت أسبابًا للتطليق مثل “علَّة الزنا” و”الهجر”، ما أوجد بعض الحلول لمن يعانون من زيجاتٍ فاشلةٍ. وتؤكِّد لوائح الأقباط الأرثوذكس والإنجيليين أن الطلاق غير موجودٍ في الكنائس، بل هو تطليقٌ بحكمٍ قضائيٍّ وله أسبابٌ مُحدَّدةٌ وضيِّقةٌ، وتختلف هذه الأحكام باختلاف الطائفة؛ إذ تضع كل طائفةٍ لائحتها الخاصَّة لأسباب الطلاق ضمن إطار القانون المدنيِّ وإجراءاته.

لكن هذا الشرط من الجانب العمليِّ ليس حلًّا للطلاق، بل على العكس قد يؤدي ببعض الأزواج إلى اتهام شركائهم بالزنا من أجل التطليق، أو الزجِّ بأنفسهم في علاقاتٍ غير شرعيةٍ من أجل الحصول على الطلاق. ومن جهة أخرى، يجد الأزواج أن تغيير الملَّة حلٌّ حتى تُطبَّق عليهم الشريعة الإسلامية ويُجرَى الطلاق.

خامسًا: الميراث

من الموضوعات الشائكة أيضًا في قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين هي قواعد الميراث. تُعرِّف لائحة الأقباط الأرثوذكس الميراث بأنه انتقال تركة الشخص بعد وفاته إلى من يستحقُّونها بموجب القانون. والمقصود بالتركة جميع الأموال والممتلكات التي يتركها المتوفَّى، أما الأنصبة فهي الحصص التي يحصل عليها الورثة كما يحدِّدها القانون. وتنصُّ اللائحة في موادَّ متعدِّدةٍ على مبدأ تساوي الأنصبة بين الذكر والأنثى، إلا أن المرأة المصرية المسيحية واجهت صعوباتٍ عديدةً للحصول على حكمٍ بهذا الحق؛ فعلى سبيل المثال، صدر حكمٌ قضائيٌّ في عام 2010 لصالح امرأةٍ مسيحيةٍ طالبت بالمساواة في الميراث وفقًا للائحة الأقباط الأرثوذكس.

وفي المقابل، تنص لائحة الإنجيليين في المادة 73 على أن “للذكر ضعف نصيب الأنثى في جميع متروكات مورِّثه ثابتةً كانت أم منقولةً”، ما يعكس اختلافًا في تنظيم الميراث بين الطوائف المسيحية. جديرٌ بالذكر أيضًا أن قضية الميراث لغير المسلمين في مصر تُبرِز إشكالياتٍ قانونيةً واجتماعيةً مهمَّةً؛ إذ تتنوع اللوائح بين الطوائف في تفسير الحقوق وتوزيع الحصص. في بعض الحالات، يؤدِّي تضارب اللوائح أو عدم وضوحها إلى نزاعاتٍ طويلة الأمد بين الورثة، خاصَّةً عندما تتعارض القواعد الكنسية مع الأعراف أو القوانين المدنية. وهنا تبرز أهمية القانون الموحد.

فيما يتعلق بتوزيع التركة في حالاتٍ خاصَّةٍ، كأن يكون للمتوفَّى أبناء من ديانات مختلفة وفي هذه الحالة فقد اتَّفقت لائحة الأقباط الأرثوذكس ولائحة الإنجيليين أنه لا توريث في حالة اختلاف الدين.

وتبرز أيضًا أهمية القواعد الخاصة بالتركة في حالة التبنِّي، إذ أجمعت معظم الكنائس المسيحية في مصر على إجازة مبدأ التبنِّي، ويترتَّب على ذلك أن للمُتبَنَّى نصيبًا مساويًا للأبناء الطبيعيين في الميراث. فعلى سبيل المثال، إذا تبنَّى شخصٌ من الطائفة الأرثوذكسية أو الإنجيلية طفلًا، يرث ذلك الطفل المُتبنَّى حصَّةً تعادل حصَّة الأبناء البيولوجيين للمتبنِّي، وذلك وفقًا لما نصَّت عليه لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس لسنة 1938 في المادة 110 وتعديلاتها؛ إذ لم تفرِّق اللوائح بين الابن المُتبنَّى والابن الطبيعيِّ فيما يخصُّ الحقوق في التركة. أما في النظام الإسلاميِّ المعمول به في مصر، فلا يرث الطفل المتبنَّى من الشخص الذي تبنَّاه، استنادًا إلى القاعدة الشرعية التي تمنع الميراث بسبب التبنِّي، ويبرز من خلال هذه الأمثلة مدى تأثير الخلفية الدينية والقانونية على توزيع التركة، وأهمية الإلمام بالقوانين واللوائح الخاصة بكل طائفةٍ لضمان تحقيق العدالة والوضوح في مسائل الميراث.

خاتمةٌ: ضرورة التنسيق لتحقيق العدالة واحترام الخصوصية

يتضح من الأمثلة الواقعية والتحديات التطبيقية أن الربط بين الشروط والتعريفات النظرية للأحوال الشخصية وبين الممارسة العملية أمرٌ جوهريٌّ لفهم واقع الأسرة المصرية. ولا يمكن تحقيق العدالة وضمان احترام خصوصية الطوائف إلا باستمرار الحوار والتنسيق بين السلطات الدينية والمدنية، فضلًا عن تطوير آلياتٍ قانونيةٍ تراعي التنوع الدينيَّ والاجتماعيَّ وتستجيب لتطلُّعات الأفراد في مجتمعٍ يسعى للموازنة بين الحفاظ على القِيَم الدينية وتحقيق المصلحة العامَّة.

مراجع

– لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الإنجيليّين الوطنيين 1902

– لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس لسنة 1938 وتعديلاتها في 2008

– لائحة الكنيسة القبطية الكاثوليكية لعام 1948

– قانون الكنيسة الكاثوليكية لسنة 1983

– قوانين الكنائس الشرقية الكاثوليكية لسنة 1991

– الأحوال الشخصية للمواطنين غير المسلمين – د. أحمد سلامة.

– دراسات في أحكام الأسرة – د. محمد بلتاجي حسن.

 – موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية – المستشار الدكتور محمد عزمي البكري، رئيس محكمة استئناف بني سويف، وعضو مجلس رؤساء محاكم الاستئناف سابقًا

– الفقه الإسلامي وأدلته – د. وهبه الزحيلي البكري

– القس عيد صلاح. مقالة بعنوان نظرة على قانون الأحوال الشخصية للطائفة الإنجيلية، في مجلة الهدى. أغسطس 2010.

– في لقاء القس أندريه ذكي في قناة أكسترا نيوز في 30 ديسمبر 2018

– كتاب معجم المصطلحات الكنسية ج3 – الأب أثناسيوس المقاري

– محاضرات للأستاذ برناد كاليبا، أستاذ القانون الكنسي الكاثوليكي بجامعة ICES  بفاندي فرنسا.

[1] القانون الموضوعي: مجموعة القواعد التي تحدِّد الحقوق والالتزامات في المجتمع، مثل قانون العقوبات والقانون المدني، في حين يحدد القانون الإجرائي (أو الشكلي) كيفية تطبيق هذه القواعد وإنفاذها في المحاكم. بمعنى آخر، يُعرِّف القانون الموضوعي ما هي الحقوق والمسؤوليات، ويُعرِّف القانون الإجرائي كيفية الحصول على هذه الحقوق والمطالبة بها في المحكمة.

القانون الإجرائي: مجموعة القواعد التي تحدِّد كيفية تنفيذ القانون الموضوعي، أي أنه يبين الإجراءات والأساليب المتبعة لتطبيق الحقوق والالتزامات، ويشمل ذلك تحديد كيفية رفع الدعاوى، والتحقيق فيها، وتقديم الأدلة، والطعن في الأحكام، وتنفيذها. هدفه تحقيق العدالة بكفاءةٍ وفاعليةٍ وضمان سير العمل القضائيِّ بنظامٍ وإنصافٍ.

[2] اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو CEDAW): معاهدة دولية اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1979، دخلت حيز التنفيذ في 3 سبتمبر 1981، وتوصف بأنها “وثيقة الحقوق الدولية للمرأة”. تلتزم الدول الموقِّعة بموجبها بالقضاء على التمييز ضد النساء والفتيات في كافة المجالات، وضمان المساواة بين الجنسين. (المحرر).

[3] الصفحة الرسمية لوزارة الأوقاف.

[4] حكم محكمة النقض في تاريخ ١٩٣٤/٦/٢١م ونص الحكم على أن: (الأحوال الشخصية هي مجموع ما يتميز به الإنسان عن غيره من الصفات الطبيعية أو العائلية التي رتب القانون عليها أثرًا قانونيًّا في حياته ككونه إنسانًا ذكرًا أو أنثى وكونه زوجًا أو أرمل أو مطلقًا أو ابنًا شرعيًّا، أو كونه تامَّ الأهلية أو ناقصها لصغر سنٍّ أو عتهٍ أو جنونٍ أو كونه مُطلَق الأهلية أو مُقيَّدها بسببٍ من أسبابها القانونية، أما الأمور المتعلقة بالمسائل المالية فكلها بحسب الأصل من الأحوال العينية، وإذن فالوقف والهبة والوصية والنفقات على اختلاف أنواعه ومناشئها من الأحوال العينية لتعلقه بالمال وباستحقاقه وعدم استحقاقه، غير أن المشرِّع المصري وجد أن الوقف والهبة والوصية وكلها من عقود التبرعات تقوم غالبًا على فكرة التصدق المندوب إليه ديانةً، فألجأه هذا إلى اعتبارها من قبيل مسائل الأحوال الشخصية، فيما يخرجه عن اختصاص المحاكم المدنية التي ليس من نطاقها الظرفي المسائل التي قد تحوي عنصرًا دينيًّا ذا أثرٍ في تقرير أحكامها).

[5] الحقوق الشخصية هي الحقوق المرتبطة بالشخص وعندما نتحدث عن الأحول الشخصية، وهي رابطة قانونية بين شخصين، وهي فقط في مواجهة هذا الطرف الآخر، وتخلق التزامات بين هذين الشخصين، وقد تكون هذه الالتزامات ماديةً، ولكنها تختلف عن الحقوق العينية في أن الحق العيني في مواجهة الكافة. لذلك فإن الميراث على الرغم من أنه من الحقوق العينية إلا أنه من الحقوق الشخصية لأنها تنتقل من شخصٍ مُتوفَّى إلى آخر على قيد الحياة ويحددها شريعة الشخصين. لذلك من هنا تظهر أهمية التمييز بين هذه الحقوق العينية والشخصية وما يندرج تحت الأحوال الشخصية، فهي تحدد طرق حماية الحق أمام القضاء، ونوع الدعوى التي يمكن رفعها. وفيما يخص الضمانات فإن الحقوق العينية أقوى لأنها تتيح لصاحبها تتبع الشيء وأخذ الأفضلية، بينما الحقوق الشخصية تعتمد على ذمة المدين فقط. في العقود: التفرقة تساعد في صياغة الالتزامات بدقة، وضمان حقوق الأطراف.

[6] VALDRINI Patrick, et al., Précis de droit canonique, (2ème édition Dalloz, 1999). p. 127.

[7] D’ONORIO Joël-Benoît, Le pape et le gouvernement de l’Église, (édition Fleurus-Tardy, 1992), pp. 30-35.

[8] القانون رقم 264 لسنة 1960 بإنشاء هيئة أوقاف الأقباط الأرثوذكس، ومنحها الشخصية الاعتبارية الكاملة.

[9] القانون رقم 190 لسنة 2020 بإنشاء هيئتي أوقاف الكنيسة الكاثوليكية والطائفة الإنجيلية.

[10] وذلك بسبب عدم وجود قرار الاعتماد في الموقع الرسمي للوقائع المصرية وذلك يثير التساؤل عما إذا كانت معتمدة بالفعل. وعلى صعيد آخر نجد القانون رقم 27 لسنة 1905 بتصديق خديو مصر على القانون النظامي لطائفة الأرمن الكاثوليك.  

[11] يتراوح عدد الطوائف الفرعية من 16 إلى 18 والكنائس التابعة بين 1200 إلى 1500 كنيسة. مقالة بعنوان نظرة على قانون الأحوال الشخصية للطائفة الإنجيلية، في مجلة الهدى، أغسطس 2010. كذلك في لقاء القس أندريه ذكي في قناة إكسترا نيوز في 30 ديسمبر 2018 حيث صرح بعدد 18 طائفة فرعية و1500 كنيسة تابعة.

[12] في عام 1940، وبعد سنتين من إصدار لائحة الأحوال الشخصية الخاصة بالمسيحيين، تقدمت الكنيسة الأسقفية (الأنجليكانية) في مصر رسميًّا بطلب للانضمام إلى الطائفة الإنجيلية، من أجل تجاوز عقبةٍ قانونيةٍ كانت تمنعها من إصدار وثائق الزواج. ومنذ ذلك الحين، وحتى بعد زوال هذه العقبة مع إلغاء المحاكم المختلطة عام 1949 ثم المحاكم الشرعية والملِّيَّة عام 1955، ما زال الوضع القانونيُّ والإداريُّ لهذه الكنيسة ملتبسًا في أوراق الدولة الرسمية، ومحل نزاعٍ في أروقة المحاكم؛ فهي أحيانًا طائفةٌ مستقلةٌ، وأحيانًا أخرى كنيسة تابعة. الكنيسة الأسقفية والطائفة الإنجيلية: تبعية إجرائية ومركز قانوني ملتبس. بيتر مجدي، منشور الاثنين 5 تموز/يوليو 2021 موقع https://manassa.news/stories/5142

 

[13] يجدر الحديث هنا على حالة الجمع بين زوجتين للرجل المسيحي والتي تعد حالة جدلية، ما بين إثبات الزنا بموجب القانون الكنسي الذي يعبره أحد أسباب الطلاق، ومن جانب أخر من الجانب الجنائي الذي يطرح موقف قانوني مختلف بموجب المادة 277 من قانون العقوبات، والذي يطبق علي الزوج سواء كان مسلم أو مسيحي والتي تنص على «كل زوج زنى في منزل الزوجية وثبت عليه هذا الأمر بدعوى الزوجة يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة شهور». يمكن الرجوع إلى شرح قانون العقوبات، القسم الخاص، د. محمود نجيب حسني، دار النهضة العربية، صـ .691

[14] حبيب جرجس، كتاب أسرار الكنيسة السبعة، القاهرة: مطبعة التوفيق القبطية، الطبعة الأولى 1934. فإن السرَّ المقدس في العقيدة الكاثوليكية والأرثوذكسية يراد بها كل شيءٍ مقدسٍ غير منظورٍ وله مراجع متعددةٌ في الكتاب المقدس ووفق التعريفات المتقدمة تكون الأسرار مقدَّسةً، تمنح النعمة الإلهية فعلًا للمتقدمين إليه، وأداة يتم بواسطتها عمل هذه النعمة. تأسست الأسرار في الكنيسة بعد حوالي أربعمئة سنةٍ من المسيحية. وقد أسست الكنيسة سبعة أسرار وهي المعمودية، التثبيت، التناول، الزواج، الكهنوت، مسحة المرضى والتوبة.

[15] الأب أثناسيوس المقاري، معجم المصطلحات الكنسية الجزء 3: دار نوبار للنشر، إعادة نشر في 2003، القاهرة، مصر، ص 34.

طلاق الأقباط "بين الشريعة والواقع"

اسم الكاتب:د. ولاء اسعد

مؤلف الكتاب: سامية قدري ونيس

يُعد كتاب طلاق الأقباط بين الشريعة والواقع للدكتورة/ سامية قدري ونيس من الدراسات الرائدة التي تناولت إحدى أكثر قضايا الأحوال الشخصية حساسية في المجتمع المصري، وهي إشكالية الطلاق بين الأقباط الأرثوذكس في ظل منظومة دينية صارمة تؤكد قُدسية الزواج واستمراريته. فالكتاب لا يتعامل مع الطلاق بوصفه واقعة قانونية فحسب، بل بوصفه قضية اجتماعية ودينية مركبة، تتقاطع فيها سلطة الكنيسة مع سلطة الدولة، ويتداخل فيها النص المقدس مع واقع اجتماعي متغير.

       وتنبع أهمية الكتاب من كونه يُسلط الضوء على قطاع ظل بعيدًا نسبيًّا عن البحث السوسيولوجي المنهجي، رغم تصاعد الجدل المجتمعي حوله، خاصة منذ تسعينيات القرن الماضي، حين بدأت أزمة تصاريح الزواج الثاني، وتزايدت طلبات الطلاق، وظهر التوتر بوضوح بين الأحكام القضائية المدنية والقرارات الكنسية.

يقع الكتاب في بابين رئيسين، يضم ثمانية فصول، بالإضافة إلى مجموعة من الملاحق المهمة. الباب الأول: الإطار النظري والمنهجي للدراسة وقسم إلى ثلاثة فصول تناول الفصل الأول، الإطار النظري للدراسة اهتم بعرض الخلفية الفكرية التي تساعد في فهم الظاهرة، من خلال عرض الاتجاه النسوي ونظرية القوة واتخاذ القرار داخل الأسرة. ويهدف إلى تقديم أدوات تفسيرية لفهم علاقات النوع والسلطة داخل الحياة الزوجية، باعتبارها مدخلًا لفهم قرار الطلاق. عرض الفصل الثاني، عددًا من الدراسات التي تناولت قضية الطلاق في المجتمعات العربية الأجنبية. بينما استعرض الفصل الثالث، الإجراءات المنهجية ليوضح خطوات العمل الميداني، وأدوات جمع البيانات، مثل: دراسة الحالة، والمقابلات المتعمقة وتحليل الخطاب، مع بيان الصعوبات التي واجهت الباحثة أثناء تناول قضية شائكة تمس المجال الديني.

أما عن الباب الثاني من الكتاب، والذي يُعد القلب النابض للدراسة وموضع ثقلها الحقيقي؛ إذ تنتقل فيه مؤلفة الكتاب من الإطار النظري إلى ملامسة الواقع الفعلي لقضية الأحوال الشخصية بين الأقباط المصريين. وفي هذا الباب تتجلى أهمية القضية بوضوح، كما تتبدى الأمانة العلمية للباحثة في عرض النتائج كما هي، دون تهوين أو تهويل، ودون انحياز مسبق لأي طرف. يبداً الباب بالفصل الرابع: الأقباط المصريون “السمات السوسيوديموجرافية” الذي يعد المدخل الرئيسي لفهم القضية في سياقها الاجتماعي والديني؛ إذ تقدم قدري تعريفًا بالأقباط من حيث تعدادهم، وطوائفهم، وبنيتهم الكنسية، وموقعهم داخل الجماعة الوطنية المصرية، كما توضح مصادر التشريع في المسيحية، مؤكدة أن الكتاب المقدس يُمثل المصدر الأساسي، إلى جانب لوائح الأحوال الشخصية المنظمة للعلاقات الأسرية. وتكمن أهمية هذا الفصل في أنه يضع القارئ أمام الإطار المرجعي الذي تُفهم في ضوئه مسألة الطلاق باعتبارها مسألة تمس عقيدة وهوية دينية، لا مجرد إجراء قانوني.

      ويناقش الفصل الخامس: الزواج عند الأقباط الأرثوذكس كمحدد للعلاقات الزوجية؛ فيوضح طبيعة الزواج في العقيدة الأرثوذكسية بوصفه سرًا مقدسًا يتم من خلال طقس الإكليل، ويؤسس لاتحاد روحي دائم بين الزوجين. ومن هنا تؤكد الباحثة أن الزواج ليس عقدًا مدنيًا قابلاً للفسخ، بل رباطًا أبديًا، الأمر الذي يجعل الطلاق استثناءً نادرًا ومقيدًا بشروط صارمة. ويُبرز هذا الفصل الخلفية اللاهوتية التي تجعل من قضية الطلاق إشكالية معقدة، حيث يصطدم الواقع الإنساني المتغير بفكرة الاستمرارية الأبدية للعلاقة الزوجية.

     بينما يرصد الفصل السادس: العوامل المؤدية إلى انهيار الزواج، وتؤكد الباحثة هنا إلى تحليل الأسباب الواقعية التي تؤدي إلى تصدع الحياة الزوجية، مثل: نمط الإقامة، وسن الزواج، وسوء اختيار الزوج، وتدخل الأسرة، والخلافات حول الإنفاق، وفقدان الإشباع العاطفي أو الجنسي، والخيانة الزوجية، واختلاف نسق المعتقدات. ويكشف هذا الفصل بوضوح أن المشكلات الزوجية لدى الأقباط لا تختلف في جوهرها عن غيرها في المجتمع، إلا أنها تكتسب تعقيدًا إضافيًا بسبب القيود الدينية الصارمة على الطلاق. وهنا تتجلى أمانة الباحثة في عرضها لشهادات الحالات كما وردت، دون إدانة أخلاقية أو تبرير مسبق.

     ويمثل الفصل السابع: طلاق الأقباط (قرار- تحكم- مراسيم)، قلب القضية ومحورها الأساسي؛ إذ تعرض قدري إجراءات الطلاق داخل الكنيسة الأرثوذكسية، بدءًا من التحكيم الكنسي ومحاولات الإصلاح، وصولًا إلى القيود المفروضة على الاعتراف بالطلاق، وفي مقدمتها قاعدة “لا طلاق إلا لعلة الزنا”. كما تُناقش الإشكالية الكبرى المتمثلة في حصول بعض الأفراد على حكم طلاق مدني من المحكمة، مقابل رفض الكنيسة منح تصريح زواج ثانٍ، مما يخلق وضعًا قانونيًا ودينيًا معلقًا. وتتناول أيضًا ما تسميه الباحثة “ميكانيزمات الإفلات من قيود الزواج”، مثل تغيير الطائفة أو اللجوء إلى ثغرات قانونية. وفي هذا الفصل تتضح حساسية القضية، وتظهر قدرة الباحثة على عرض الوقائع بموضوعية، دون انحياز ضد الكنيسة أو دفاع مطلق عنها، بل بوصفها ظاهرة اجتماعية تستحق الفهم والتحليل.

      في النهاية يُقدم الفصل الثامن، خُلاصة مركزة لما انتهت إليه الدراسة، موضحًا أن ارتفاع معدلات الطلاق بين الأقباط يرتبط بتحولات اجتماعية واسعة، مثل: انتشار التعليم، وخروج المرأة للعمل، وصعود النزعة الفردية، وتغير توقعات الزواج. كما تؤكد أيضًا على أن الصراع ليس مجرد خلاف بين زوجين، بل انعكاس لتوتر أوسع بين ثبات التشريع الكنسي وتسارع التغير الاجتماعي.

      وعلى الرغم من أن الباحثة تناولت هذه القضية في تسعينيات القرن الماضي، فإن الكتاب لم ير النور، في صورته المنشورة ليكون بين العامة من القراء، إلا في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، بعد أن أصبحت أزمة طلاق الأقباط قضية شائعة ومثار نقاش مجتمعي واسع. غير أن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في أن الباحثة اقتربت من هذه القضية في وقت لم يكن كثيرون يجرؤون فيه على تناولها بحثيًا، نظرًا لحساسيتها الدينية والاجتماعية وهو ما يعكس شغفًا علميًا حقيقيًا، وجرأة أكاديمية مسؤولة، وبحثًا جادًا عن فهم الظواهر الإشكالية مهما كانت درجة الجدل المحيط بها.

     وبعد قراءة الكتاب، يشعر القارئ أنه بات أقرب إلى فهم منطقة شديدة الحساسية في بنية المجتمع المصري، منطقة قد تبدو غامضة لمن لا ينتمي إلى السياق المسيحي، لكن هذا العمل يضيئها بوعي علمي رصين، فيجعلها قابلة للفهم والتحليل، لا للالتباس وسوء التأويل.

أفكار واشتباكات... عن قانون الأسرة للمسيحيين!

اسم الكاتب: هاني لبيب

فتش عن المرأة!

هذه المقولة هي ما ينطبق مباشرةً على الحديث عن قانون الأسرة للمسيحيين، خاصةً أنه كلما ظهرت المرأة على سطح الأحداث ارتبك المجتمع، وزادت النزعة الذكورية ضد المرأة. وتُعدُّ المرأة المسيحية المصرية نموذجًا دالًّا على ذلك، لا سيَّما أنها دائمًا ما تكون الضحية التي تعاني من أحد تداعيات مشكلة الأحوال الشخصية؛ إذ تنظر العقلية الذكورية للمجتمع المصري إلى المرأة الأرملة والمطلقة على أنها حالة استثنائية، يري فيها الجبروت في الغالب الأعم، ويعتبرها مظلومة في القليل من الأحيان، ويستبيح خصوصيتها في كثير من الأحيان.   

تُعَدُّ قضية الأحوال الشخصية من أهم القضايا الخلافية التي تمس استقرار العلاقات داخل الأسر المصرية بوجهٍ عامٍّ، والأسرة المسيحية المصرية بوجهٍ خاصٍّ، وقد ترتب على فتح هذا الملف إعلاميًّا -بشكل يحمل وجهات نظر انطباعية، وليست معلوماتية دقيقة- أن تُعالَج قضية الأحوال الشخصية دون وعي كامل بالتفاصيل التي تحكم قواعد وقوانين الأحوال الشخصية، ليس فقط في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بل في الكنائس المصرية الرسمية عامَّةً؛ العائلة الأرثوذكسية (الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وكنيسة الأرمن الأرثوذكس، وكنيسة السريان الأرثوذكس، وكنيسة الروم الأرثوذكس)، والطائفة الإنجيلية، والكنيسة الكاثوليكية (والتي تشمل تحت رئاستها: الأرمن الكاثوليك والروم الكاثوليك والسريان الكاثوليك والكلدان الكاثوليك). فضلًا عن صدور بعض الأحكام القضائية التي نتج عنها المزيد من الخلط المعتاد بين الحابل والنابل، والنتيجة الطبيعية حدوث المزيد من الأزمات في مسارات مختلفة تتجاوز قضية الأحوال الشخصية إلى مشكلات المواطنين المسيحيين المصريين وهمومهم.

* * *

الكنيسة والإنسان!

ملف “الأحوال الشخصية للأسرة المسيحية” هو ملفٌ شائكٌ جدًّا، ليس فقط لتعقيد تفاصيل هذا القانون وارتباطه بالعقيدة الدينية، بل أيضًا لاختلاف مرجعية الزواج بين الكنائس المسيحية. ولذا يُعدُّ إصدار “قانون الأسرة للمسيحيين” خطوةً غير مسبوقةٍ، ولكنها ستحتاج إلى التعديل والتطوير واعادة المراجعة فيما بعد الاختبار العملي له.

يرتبط بإصدار “قانون الأسرة للمسيحيين” العديد من الأسئلة على غرار:

  • هل يمكن للكنيسة المصرية أن يكون لديها المرونة لحل قضايا الأحوال الشخصية بالشكل الذي يحد من سلطاتها على أتباعها؟
  • هل يمكن وقف استخدام الطفل والمرأة باعتبارهما الطرف الضعيف لمزيدٍ من الضغط عليهما بالقانون وتمريره تشريعيًّا؟
  • هل ستظل الكنائس المصرية الرسمية (العائلة الأرثوذكسية، والطائفة الإنجيلية، والكنيسة الكاثوليكية) لها مواقف متباينة من القانون حسب اختلاف كل كنيسة وما يترتب على ذلك بما يوحي باختلاف العقيدة المسيحية؟!
  • هل حرص الدولة على إصدار “قانون الأسرة للمسيحيين” هو نتاج طبيعة النظام السياسي؟ وهل يعني ذلك تغيير موقف الدولة حسب تغيير ملامح المرحلة السياسية؟ وهل سيترتب على إصدار “قانون الأسرة للمسيحيين” معالجة الفجوة بين قوة الأحكام القضائية وتطبيقها؛ بحيث يكون لها القوة الجبرية على الكنيسة؟ أم ستكون أحكامًا غير ملزمة للكنيسة، خاصةً أنه إلى الآن ليس ما يلزم الكنيسة بذلك؟
  • كيف سيتعامل القانون مع اختلاف موقف الكنائس المصرية التي ليس لها موقف واحد من المفاهيم المرتبطة مباشرةً بالأحوال الشخصية على غرار: انحلال الزواج وبطلان الزواج وتعريف مفهوم “الزنا”؟ وهل يمكن أن يكون الحل في إنشاء محاكم كنسية مثلما طالب البعض في تكريسٍ جديدٍ للدولة الدينية؟

ملاحظة مهمة: أيُّ محاولة لصياغة المُثُل الأخلاقية المسيحية في قوانين وضعية تخضع لسلطة الدولة وقوانينها تُفقِد هذه المُثُلَ طابعها الديني والأخلاقي؛ فمن ناحيةٍ، تعاليم الكتاب المقدس هي مبدأ أخلاقي، وليست تشريعًا قانونيًّا، ومن ناحيةٍ أخرى، لم تعد الأسرة كما كانت بشكلها التقليدي التي نعرفها بعد التطورات والتغيرات التي طرأت على مضمونها وتفاعلها الإنساني. فضلًا عن ظهور عدة مشكلاتٍ حديثةٍ على غرار تعرض بعض الأمهات الغارمات لأحكامٍ قضائيةٍ بالحبس بسبب تجهيز بناتهن.

اختلفت الكنائس المصرية في عقيدتها وطقوسها، واتفقت على الإنسان المسيحي المصري في تقنين الأحوال الشخصية، واتحدت ضده لسنوات طويلة، وآن الأوان لحل مشاكل استمرت لسنواتٍ طويلةٍ، وترتب على بعضها أزماتٌ دينيةٌ وتوتراتٌ طائفيةٌ. وتظل المشكلة الحقيقية في الاقتراب من تحقيق وإقرار الدولة المدنية، وليس الإصرار على قواعد الدولة الدينية.

* * *

مشكلة الكنيسة أم الدولة؟!

نرصد هنا بعض الملاحظات المهمة ذات الدلالة الموضوعية حول تلك القضية الشائكة وعنها، وعلى سبيل المثال:

  1. الفجوة الكبيرة بين لائحة 1938 ولائحة 1955. وبمقارنةٍ بسيطةٍ بينهما، يمكن أن نلحظ أن لائحة 1938 كانت أكثر مرونةً من لائحة 1955، التي اتسمت بالتشدد الملحوظ رغم أن شكلها العام أبسط وكلماتها قليلة عن كلمات لائحة 1938، ولكنها أكثر تعقيدًا. كما أن المادة 56 في لائحة 1938 لم تنصّ على الزنا، بل نصَّت على: (إذا ساء سلوك أحد الزوجين وفسد أخلاقه وانغمس في حياة الرذيلة ولم يُجدِ في إصلاحه توبيخ الرئيس الديني ونصائحه فللزوج الآخر أن يطلب الطلاق). كما نصت المادة 57 على أنه: (يجوز أيضًا طلب الطلاق إذا أساء أحد الزوجين معاشرة الآخر، أو أخل بواجباته نحوه إخلالًا جسيمًا مما أدى لاستحكام النفور بينهما وانتهى الأمر بافتراقهما عن بعضهما واستمرت الفرقة ثلاث سنوات متوالية).
  2. مذكرة البابا كيرلس سنة 1962، وقرار البابا شنودة الثالث سنة 1971، أكدا على أنه لا يجوز الطلاق إلا لعلة الزنا، وهو ما يصعب إثباته لأكثر من سببٍ يأتي في مقدمتها أن اللوائح والقوانين الكنسية لم تحدِّد أساليب إثبات “الزنا”، وبالتالي، اعتُمِدَ في هذه الجزئية على القوانين المدنية المستمدة مباشرةً من تطبيقات الشريعة الإسلامية في هذا الصدد.
  3. السبب الأساس لتفاقم قضايا الأحوال الشخصية للمواطنين المسيحيين المصريين هو أن السلطة القضائية تحتكم إلى لائحة 1938 في الحكم على قضايا الأحوال الشخصية، بينما تعتمد الكنيسة القرار البابوي لسنة 1971 الخاص بعدم الطلاق إلا لعلة الزنا. وبالتالي، فإن طلاق المحكمة هو الأساس، وليس العكس. كما أن طلاق المحكمة غير مُلزِمٍ للمجلس الإكليريكيّ؛ أي أنه لا يلزم المجلس بإعطاء تصريح زواجٍ لأيٍّ من الزوجين سوى لمن تنطبق عليه شروط الكنيسة في هذا الأمر.
  4. يترتب على ما سبق، أن الذي يتحمل تبعات مشكلات الأحوال الشخصية للمواطنين المصريين المسيحيين أمام المجتمع هي الكنيسة وحدها. غير أن واقع الأمر، يؤكد عكس ذلك، خاصَّة في ظل تقاعس الدولة لسنوات طويلة بشأن مناقشة مشروع “قانون الأحوال الشخصية الموحد لجميع الطوائف المسيحية” بمصر، والمقدم إلى مجلس الشعب منذ عام 1998. أي أن الدولة تشارك -مع الكنيسة- في معاناة عديدٍ من الأسر المصرية. إن كافة مشروعات القوانين واللوائح سالفة الذكر قُدِّمت لوزارة العدل، ولم تجد السبيل في الدخول لمجلس الشعب طيلة أكثر من ربع قرن. وللأسف ضلت الطريق حتى تاريخه دون أي سبب مفهوم.

وللأسف الشديد، صوَّر بعض الناس رفض الكنيسة المصرية لقرار السلطة القضائية على أنه صدامٌ جديدٌ بين الكنيسة والدولة، في محاولةٍ أخرى للخلط بين ما هو ديني وما هو قانوني. غير أن قضية الأحوال الشخصية تحمل في الوقت نفسه بعدًا إنسانيًّا واجتماعيًّا وقانونيًّا. وهو ما يتطلب اجتهادًا دينيًّا قانونيًّا في إطار الحفاظ على هيبة القضاء من جانبٍ، ودون المساس بالعقائد والشرائع الدينية من جانبٍ آخر. كما يتطلب التأكيد أيضًا على أن علاقة المواطن المسيحي المصري بالدولة هي علاقةٌ قانونيةٌ ومدنيةٌ وفق نصوصٍ تشريعيةٍ تقنن الالتزام الوطني والقانوني، بينما علاقته بالكنيسة هي علاقةٌ دينيةٌ وروحيةٌ وفق مرجعيةٍ إنجيليةٍ تقنن الالتزام الدينيَّ.

إصدار “قانون الأسرة للمسيحيين” لجميع الطوائف المسيحية بمصر سيترتب عليه انتهاء الصراع أو الصدام بين الكنيسة والدولة، وبالتالي، لن يكون احتياجٌ للمجلس الإكليريكي للأحوال الشخصية؛ لأن القانون المدني هنا سيصبح هو الفيصل، فإذا قضت المحكمة بالتطليق أو إعطاء بطلان زواج طبقًا للمبادئ المسيحية، لن يكون على الكنيسة سوي إعطاء التصريح بالزواج لمن أقرت المحكمة بأحقيته في ذلك.  

* * *

اجتهادٌ لاهوتيٌّ جديدٌ!

نتفق جميعًا أن العلاقات العاطفية هي مسألة مُعقَّدة جدًّا في تحديد ملامحها، خاصة إنسانيًّا ونفسيًّا، ولذا من الطبيعيِّ أن يتباين موقف اللاهوتيين والقادة الدينيين فيما يخص هذه العلاقة في الممارسات الحياتية بتحدياتها. ومع رصد ملاحظةٍ ربما يكون لها أهمية، وهي عدم مشاركة المرأة في التسلسل الهرمي لرجال الدين “الكهنوت”، كما أنها لم تسهم أو تشارك في صياغة ما يتعلق بالإيمان والعقيدة المسيحية التي اقتصرت على الرجال فقط.

تفرض قضية الأحوال الشخصية طرح بعض الأسئلة التي تحتاج إلى اجتهادٍ لاهوتيٍّ يراعي الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والقانونية.. على غرار:

 

  • ينص “قانون الأسرة للمسيحيين” في أحد موادِّه على أن: “يكون الزواج المسيحي الديني صحيحًا وفق الكتاب المقدس، وذلك أمام الكافة وجميع الطوائف المسيحية في مصر”. وهو ما يعني بالتبعية الاعتراف بالطوائف المسيحية التي نصَّ عليها القانون. ويبقى السؤال الذي يحتاج إلى اجتهادٍ حقيقيٍّ في كيفية الإقرار بصحة إجراءات الزواج وطقسيته (مراسمه الدينية) لهذه الطوائف على الرغم من وجود تبايناتٍ واختلافاتٍ في شكل الزواج وأسباب الطلاق من جهةٍ، وعدم وجود سر الزيجة بطقوسه ومراسيمه عند الكنيسة الإنجيلية المصرية مثلًا من جهةٍ أخرى.
  • يتزوج العديد من المواطنين المسيحيين المصريين من أبناء المهجر، خاصة الذين ولدوا في الخارج، طبقًا لقوانين الدول التي يحملوا جنسيَّاتها، وهم جميعًا يخضعوا للقانون المدني، ويقتصر عقد الزواج الكنسي باعتباره مجرد إجراءٍ شكليٍّ لا يؤثر على قانونية هذا الزواج وشرعيته. وترتب على ذلك أن العديد من الحالات انفصلوا، وطُلِّقوا مدنيًّا لأسباب غير الزنا، واستطاع بعضهم الزواج كنسيًّا مرةً أخرى داخل الكنيسة الأرثوذكسية المصرية في هذا الدول، والتي يرأسها أسقفٌ أرثوذكسيٌّ مصريٌّ خاضعٌ للكنيسة الأرثوذكسية في مصر. وذلك مع العلم أن الأسقف الأرثوذكسيَّ هناك لا يستطيع قانونيًّا منعهم من الزواج، حتى لو طُلِّق الشخص قبل ذلك. وهو ما يطرح سؤالًا أساسًا: هل تختلف قوة الأسرار ووحدتها مثل سر الزيجة في تطبيق الكنيسة الأرثوذكسية “الجامعة” المصرية بين داخل مصر وخارجها؟ مع ملاحظة أن السر هو فعلٌ رمزيٌّ بالكلمة والفعل، يدل على واقعٍ غير مرئيٍّ، يهدف إلى التقديس.
  • كيف ستتعامل الكنيسة مع المتزوِّجين مدنيًّا، خاصة من المواطنين المسيحيين المصريين من أبناء المهجر دون أن ينطبق عليهم مفهوم “الزنا”؟ وما موقف الكنيسة في حالة إذا أراد المتزوجون مدنيًّا أن يتزوَّجوا كنسيًّا؟ وهل ستقبل الكنيسة (توبتهم) أم ترفضها؟ وما موقف الكنيسة لو أراد المتزوجون مدنيًّا تعميد (طقس كنسي ينسب الإنسان إلى المسيحية) أبنائهم؟ وهل ترفض الكنيسة أم توافق؟ وكيف سترفض إذا كان هؤلاء المتزوجون مدنيًّا مسيحيين من الأصل؟ وماذا إذا كتب الأبوان (مسيحي) في شهادة ميلاد أبنائهم؟ وكيف يمكن أن نحكم على أبنائهم دون أيِّ ذنبٍ اقترفوه سوى أن نحمِّلهم ما فعله آباؤهم؟ كما أن وصف المتزوجين مدنيًّا بأنه “زنا” هو أمرٌ مهينٌ على مستوياتٍ عدَّةٍ؛ إنسانيًّا واجتماعيًّا، فهل يمكن أن يكون للكنيسة موقفٌ إيجابيٌّ منهم لكي لا نتركهم هكذا دون أيِّ مرجعيةٍ؟
  • عندما نكتب عن حاجتنا لاجتهادٍ لاهوتيٍّ جديدٍ، نقصد به ما يراعي الإنسان بالدرجة الأولى الذي يمثِّل الهدف الأسمى للأديان. ومثال ذلك أنه ليس في الكتاب المقدس نصٌّ واضحٌ مباشرٌ يمنع أو يحظر زواج رجال الكنيسة، خاصَّةً أن غالبية الرسل والتلاميذ كانوا متزوِّجين. وذلك حتى طرح بعض آباء الكنيسة في القرن الثالث الميلادي بعض الأفكار التي تشكِّك في قدرة رجل الدين المتزوج على إدارة الأسرار الكنسية المقدسة. وهو ما حدث في اجتهادات الكنائس المصرية في قانون الأسرة للمسيحيين بالحديث عن الانفصال والتفريق والتطليق والبطلان والتفسيح، تجنبًا لاستخدام الطلاق في أضيق الحدود.

لم تضع العقيدة المسيحية أحكام شريعة تطبق على أتباعها. وأعتقد أن شريعتها الوحيدة هي المحبة والغفران. وهو أمرٌ يتطلب أن نجد اجتهادًا لاهوتيًّا جديدًا للتعامل مع هذه المشكلات دون التنازل عن القيم الإنسانية ودون إهمالٍ للثوابت اللاهوتية والعقيدية، تجنبًا للصدام بين الديني والمدني خاصةً أن الزواج في أساسه علاقةٌ اجتماعيةٌ إنسانيةٌ بالدرجة الأولى.. كما أن مشكلات الأحوال الشخصية من أهم المشكلات التي تواجه المواطنين المسيحيين المصريين.

* * *

مشكلات مجتمعية!

تتَّسم قضية الأحوال الشخصية بأنها من أكثر الملفات الشائكة في ملف هموم المواطنين المسيحيين المصريين، ذلك الملف الذي يعدُّ من أكثرهم جدلًا في العلاقة بين الدين (الكنيسة) والقانون (الدولة). وهي الأزمة التي تطفو على سطح الأحداث كلما أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمًا بأحقية واحدٍ من المواطنين المسيحيين المصريين في الزواج، وإلزام الكنيسة باستخراج تصاريح زواجٍ له للمرة الثانية. وهو أمرٌ يجب النظر إليه عَبْر وجهي العملة (الكنيسة والقضاء) التي يراهما البعض مختلفين لدرجة التباين والتناقض رغم أنهما وجهان لعملةٍ واحدةٍ؛ هي الدولة الوطنية المصرية. وبمعنى آخر، فإن القاعدة الرئيسية هي أن لأحكام القضاء احترامًا كاملًا، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن مخالفة تعاليم الكتاب المقدس والقوانين الكنسية.

من المعروف، إن السبب الأساس لتفاقم قضايا الأحوال الشخصية للمواطنين المسيحيين المصريين هو أن السلطة القضائية تحتكم إلى لائحة 1938 في الحكم على قضايا الأحوال الشخصية، بينما تعتمد الكنيسة القرار البابوي لسنة 1971 الخاص بعدم الطلاق إلا لعلة الزنا. وبالتالي، فإن طلاق المحكمة هو الأساس الذي تعتمد عليه الكنيسة فيما بعد، وليس العكس. كما أن الكنيسة لا تعترض على طلاق المحكمة، ولكنه غير ملزمٍ للمجلس الإكليريكيِّ؛ أي أن حكم المحكمة بالطلاق لا يُلزِم المجلس الإكليريكيَّ بإعطاء تصريح زواجٍ لأيٍّ من الزوجين سوى لمن تنطبق عليه شروط الكنيسة في هذا الأمر. وهو موقفٌ مؤسَّسيٌّ للكنيسة التي تلتزم بتعاليم الكتاب المقدس التي تحثُّ على عدم الطلاق إلا لعلَّة الزنا وتمنع الزواج مرةً ثانيةً؛ لأن الزواج في المسيحية سرٌّ من الأسرار السبعة، وهي (الأسرار) التي يماثلها (الأركان الخمسة) في الإسلام.

إن الفرق بين حكم المحكمة وأحكام الكنيسة في الزواج هو أن الأول حكمٌ مدنيٌّ، بينما تحتكم الكنيسة إلى شرائعها الدينية؛ فالزواج إجراء مدني بحت تحكمه القواعد الدينية، كما أن من يقوم بعقد الزواج هو رجل دين سواء في المسيحية أو في الإسلام.

حينما أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمين في دعوتين منفصلتين يلزمان البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية بالتصريح لاثنين من المواطنين المسيحيين المصريين المطلقين بالزواج مرة أخرى في 29 مايو سنة 2010. قالت المحكمة في أسباب الحكم المثير للجدل: (إن تكوين الأسرة حقٌّ دستوريٌّ، يعلو فوق كل الاعتبارات، وإنها إذ تحترم المشاعر الدينية، غير أنها تحكم وفقًا لما قرره القانون، وإن القاضي لا مفر أمامه إلا تنفيذ ما نصَّ عليه القانون، ويعتبر الحكمان باتَّيْن ونهائيَّيْن وغير قابلَيْن للطعن). وهو ما أكده حينذاك المستشار محمد الحسيني، رئيس مجلس الدولة الأسبق 2010-2011، الذي أصدر الحكم؛ إذ ذكر في حيثيات الحكم: إن المحكمة تقدِّر المشاعر الدينية لدى الكنيسة وقادتها لكنها تحكم بمقتضى القانون وليس بناءً على التشريعات الدينية، وأن هناك تباينًا بين نصوص القانون واللوائح الكنسية لا يمكن حله إلا برفع هذا الأمر للجهات التشريعية المختصة لسن قانون يتغلب على هذا الاختلاف.

رفض البابا شنودة الثالث حينذاك حكم محكمة القضاء الإداري، وصرح بأن الكنيسة ستتخذ كافة الإجراءات القانونية الممكنة باللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا، مشيرًا إلى أن الحكم الصادر هو حكمٌ مدنيٌّ، في حين أن الزواج تحكمه شرائع دينيةٌ ويقوم بإتمامه رجل دينٍ وليس قاضيًا. كما فسَّر موقف رفض الحكم بأن الكنيسة لا يمكن لها أن توافق على فكرة الزواج الثاني حرصًا على الأسرة المسيحية، وعدم انهيارها وتكرار وشيوع فكرة الزواج والطلاق، ممَّا قد يؤثِّر سلبًا على تماسك الأسرة المسيحية. واعتبر العديد ممن يتحدثون باسم الكنيسة أن حكم القضاء الإداري هو بمثابة تحدٍّ للمسيحية، وقالوا إنه غير ملزِمٍ للكنيسة التي لها طقوسٌ خاصةٌ في الزواج يجب على القضاء احترامها، وعدم التدخل غير المبرَّر في أصول العقيدة المسيحية. وبالتالي، يحق للكنيسة الاعتراض على حكم المحكمة لأنه يتجاوز صلاحيات الكنيسة في إجراءات الزواج وشروطه. كل ما سبق ترتب عليه ظهور قلةٍ من أصحاب مشكلات الأحوال الشخصية مع تنفيذ حكم المحكمة، وأغلبيةٍ ترفضه على اعتبار أنه مخالف للشريعة المسيحية.

واتفقت تصريحات السواد الأعظم من القانونيين المسيحيين المصريين على أن حكم محكمة القضاء الإداري يُعدُّ مخالفةً، ولا يمكن للكنيسة مخالفة تعاليم المسيحية من أجله، فهو أمرٌ دينيٌّ بحتٌ، ولا يمكن أن يندرج هذا الحكم تحت اسم “الحرية الشخصية”.

ترى، هل يجوز أن نقول للمواطن المصري المسلم في هذا الصدد: “نفِّذ حكم المحكمة الذي يتعارض مع الشرع، ثم اعترض على الحكم بالطرق القانونية”؟ أم الأهم أن نطالب بألا تتعارض القوانين مع النصوص الدينية؟!

أعتقد أنه يجب أن نلاحظ أن تصريح البابا شنودة الثالث بخصوص عدم تنفيذه لأحكام القضاء فيما يخص الأحوال الشخصية هو تصريحٌ منقوصٌ يروِّج للإيحاء وكأن الكنيسة تتحدَّى القضاء وبالتبعية الدولة المصرية. والمتابع لتصريحات البابا شنودة الثالث في هذا الأمر يعرف أن الكنيسة تحترم أحكام الطلاق التي تمنحها المحكمة، ولكن الأحكام التي صدرت بخصوص إلزام الكنيسة بتزويج المطلقين هي التي ذكر البابا أنه لن ينفذها لارتباطها بنصٍّ من الكتاب المقدس.

لا يمكن للبابا أو غيره أن يغير ما جاء بالكتاب المقدس. كما أن حكم المحكمة بهذا الشكل لم يراع المعتقد الديني المسيحي. ولكن في الوقت نفسه، أؤكد على أهمية أن تبحث الكنيسة في زيادة حالات بطلان الزواج مع حفظ النسب بشكل قانوني لكي لا نفتح باب التشكيك والتخوين. وذلك لكي نحد من الزيادة المطردة لمشكلة الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر، وحتي لا يستغل أحد هذا الموقف للمزايدة على الكنيسة ومن قبلها على الدولة المصرية.

 

* * *

محذور القانون الموحد!

لا خلاف على اعتبار أن أزمة الزواج والطلاق التي تحدث بعد كل حكم للقضاء الإداري هو حديثٌ عن أزمة اجتماعية في الأساس الأول، ولكنها ترتبط بمظاهر وشعائر وطقوس دينية؛ بمعنى أنها علاقةٌ اجتماعيةٌ تعتمدها المؤسسة الدينية بواسطة شخص الكاهن أو المأذون الموثق الذي يملك دفتر توثيق الزواج من وزارة العدل.

يمثل الزواج والطلاق بهذا المعنى ظاهرةً اجتماعيةً يترتب عليها تكوين أسرةٍ جديدةٍ تنضم للمجتمع من خلال وجودها وتفاعلها واشتباكها مع مقتضيات الحياة اليومية. كما أنها تمثل حالة فرحٍ واحتفالٍ جماعيٍّ في الزواج، وحالة غضبٍ وحزنٍ واختلافٍ بين العائلات في الطلاق، وهو ما يصل في الحالة الثانية بين بعض العائلات لعداءٍ وخلافٍ يمتدُّ إلى حدِّ استخدام العنف في بعض الأحيان.

إن مظاهر الاحتفال بالزواج بواسطة الشكل الدينيِّ المُتَّبع سواء في الكنائس أو المساجد يحمل في جانبٍ منه إشهار للزواج، كما يحمل الجانب الآخر الالتزام بما تنص عليه العقيدة الدينية لكل طرفٍ وتحمله الالتزام بها. وهو ما يعني أهمية أن نفهم تلك العلاقة بعيدًا عن اختزالها في الشقِّ الدينيِّ فقط.

ولكن كيف يمكن التوفيق بين زوج (رجل) وزوجة (امرأة) استحالَتِ العِشرةُ بينهما؟ خاصةً أن ترك مثل تلك المشكلات دون حلٍّ يمكن أن يترتب عليه أما تفاقم المشكلات لدرجة استخدام العنف الذي يمكن أن يصل إلى حدِّ القتل أو تأزُّم المشكلة بحيث يلجأ أحد الزوجين إلى محاولة تغيير دينه، وما يتبع ذلك من أزماتٍ وتوتراتٍ طائفيةٍ بين ليلةٍ وضحاها، على غرار الأزمة الشهيرة الخاصة بوفاء قسطنطين (ديسمبر 2004)، ومن بعدها كاميليا شحاتة (يوليو 2010).

إن الوصول إلى حالة استحالة العِشرة يمكن أن يكون النتيجة الطبيعية لعددٍ من المشكلات لا يمكن لأيِّ طرفٍ من الزوجين تحمُّلها، وعلى سبيل المثال:

  • أن يكتشف أحد الزوجَيْن أن شريك حياته مثليٌّ جنسيًّا، ولم يستطِع تحمُّل هذا الاكتشاف أو التعايش معه أو مساعدته على تجاوز تلك الحالة.
  • أن يُحكَم على أحد الزوجين بالسجن لعدد من السنوات، ولم يستطع الطرف الثاني تحمل غياب شريك حياته، فهل يلجأ للخيانة الزوجية والزنا أم لتغيير الدين ليكون حرًّا في تصرفاته؟
  • أن يصاب أحد الزوجين بمرض نفسي بعد الزواج، وهي أمراض -كما نعرف- تبدأ غالبيَّتها في سنٍّ مبكِّرةٍ، وتظلُّ تتفاقم حتى تظهر على التصرفات والسلوك؛ أي أنها أمراضٌ حديثةٌ ذات جسورٍ ماضويةٍ في التاريخ الشخصيِّ لكل إنسانٍ.
  • وقبل ذلك كله، أن تتغيَّر مشاعر طرف أحد الزوجين تجاه الآخر، ليس بسبب ارتباطٍ عاطفيٍّ جديد؛ بل بسبب ضغوط الحياة اليومية وعدم القدرة على توفير حياةٍ كريمةٍ ومستقرَّةٍ، تتسبَّب أما في تذمُّر أحد الزوجين أو بفقد الثقة بالنفس والدخول في نفق تصاعد الخلافات الزوجية.

وبالطبع، لا يمكن أن نحمِّل أحد الطرفين -سواء كان الزوج أو الزوجة- “ضغط” هذه المشكلات على اعتبار أنها ظهرت بعد الزواج. وبالتالي، لا شبهة في التزوير أو الخداع، وكأنه يجب علينا أن نعيش تحت وطأة هذه المشكلات دون تذمُّر أو شكوى،  وإذا ضعف الطرف المظلوم نعتبره منحرفًا وزانيًا… وغير ذلك.

ويمكن أن أضيف أيضًا على ما سبق، الخلاف حول وضع تعريفٍ دقيقٍ للزنا، وأنواعه المتعدِّدة التي ظهرت بسبب التكنولوجيا المتقدِّمة من وسائط اتصالٍ حديثةٍ على غرار: مكالمات الموبايل ورسائله، والشات، وتطبيقات الميديا الجديدة… وغيرها.

ما شغلني كثيرًا في أمر إعداد قانون الأسرة للمسيحيين هي فكرةٌ تثير عندي الالتباس حول إذا ما اتفقت الطوائف المسيحية المصرية على هذا القانون المقترح ووافق عليه البرلمان، فهل سيحلُّ مشكلة أصحاب مشكلة الأحوال الشخصية أم سيكون مجرد تغيير عنوان من المجلس الإكليريكي إلى المحاكم؟ وبمعنى آخر: هل سيتضمن القانون الجاري إعداده الآن حلولًا جذريةً لمشاكل الأحوال الشخصية أم أنه مجرد صياغةٍ قانونيةٍ مُحكَمَةٍ لما تطبقه الكنيسة ممثَّلةً في مجلسها الإكليريكيِّ للأحوال الشخصية؟ وإنه سيمنع أي صدامٍ في المستقبل بين الكنيسة والمحاكم.

ويترتب على السؤال السابق: إذا كان هذا القانون الموحد سيكون مجرَّد شكلٍ قانونيٍّ ودستوريٍّ لما يُطبَّق في الكنيسة؛ فلن يقدم حلًّا حقيقيًّا لمشاكل الأحوال الشخصية، بل سيكون تكريسًا رسميًّا للمشكلة وارتدادًا في تطورها، بدلًا من أن يكون مرحلةً متطورةً في سبيل الحل؟! فهو سيحلُّ مشكلة الكنيسة مع القضاء، ولكن لن يحلَّ مشكلة الأحوال الشخصية للمواطنين المسيحيين المصريين.

إصدار قانون الأسرة للمسيحيين.. سيمثِّل تطوُّرًا مهمًّا في بداية وضع حلٍّ حقيقيٍّ لهذه المشكلة لآلاف الحالات. كما أن عدم إصداره -لأيِّ سببٍ- يعني مباشرةً تفاقم المشكلات لسنواتٍ طويلةٍ قادمةٍ على أقلِّ تقديرٍ.

* * *

 

سيناريوهات الحلول!

أقترح هنا بعض الحلول التي يمكن تبنِّيها لحلِّ تلك المشكلة، وعلى سبيل المثال:

  1. إصدار قانون الأسرة للمسيحيين بشكلٍ يتضمَّن اجتهادًا لاهوتيًّا واجتماعيًّا مسيحيًّا باعتباره “اجتهاد الضرورة”، تفاديًا للمحذور الذي ذكرته من قبل، وهو المشروع الذي قُدِّمت النسخة الأولى منه عام 1980، ثم أعيد تقديمه مرةً أخرى في عام 1998، وفي عام 2005، إلى وزارة العدل. ثم قرار وزير العدل في 12 يونيو سنة 2010، بتشكيل لجنةٍ خاصةٍ لتقديم الصياغة القانونية له. وأخيرًا لجنة مقترح قانون الأسرة للمسيحيين. أشير إلى أن تأخير إصدار القانون جعل الكنيسة هي التي تتحمل تبعات مشكلة الأحوال الشخصية للمواطنين المسيحيين المصريين أمام المجتمع وحدها، في ظل تقاعس الدولة بشأن مناقشته؛ أي أن الدولة تشارك الكنيسة في زيادة معاناة عديدٍ من الأسر المصرية. كما أؤكد على أنه لو أصدرته الدولة فلن ينشأ صراعٌ أو صدامٌ بين الكنيسة والمحاكم، وبالتالي، لن يكون هناك احتياج للمجلس الإكليريكي للأحوال الشخصية؛ لأن القانون المدني هنا سيصبح هو الفيصل، فإذا قضت المحكمة بالتطليق أو إعطاء بطلان زواج طبقًا للمبادئ المسيحية، لن يكون على الكنيسة سوى إعطاء التصريح بالزواج لمن أقرت المحكمة بأحقيته في ذلك. وهذا بالطبع لا ينفي عدم اتفاقنا واختلافنا مع ما جاء به قانون الأحوال الشخصية الموحد والمقترح من الكنيسة والمقدم إلى وزارة العدل من قيودٍ إضافيةٍ تحتاج إلى إعادة قراءة.
  2. أتمنى في المستقبل إصدار قانونٍ مدنيٍّ موحَّدٍ للأحوال الشخصية للأسرة المصرية؛ بحيث يؤكِّد على حقوق المواطنة، وينظم علاقات الأسرة المصرية -سواء كانت مسيحية أو إسلامية- بنصوصٍ واحدةٍ تراعي الآراء الدينية المستنيرة من جانب، واحتياجات العصر من جانبٍ آخر. وهو ما يتفق مع الرأي الجريء الذي طالب بجعل المراسيم الدينية تتم بعد الزواج المدني.
  3. لماذا لا يستفيد المواطنون المسيحيون المصريون من الحق الذي يمنحه القانون في طلب “الخلع”، والذي يمثل الحقَّ في الطلاق بالإرادة المنفردة؟ وهو ما يجعلني أتساءل أيضًا: إذا كانت هناك موافقاتٌ كنسية بالتطليق أي انطباق شروط الطلاق، فلماذا لا يُستَفاد من مبدأ “الخلع” على الجانب القانونيِّ المدنيِّ ليتطابق مع الجانب الكنسيِّ دون أن الاضطرار لتغيير الملة، الذي يلجأ إليه كثيرون؟

 

مقترح للمستقبل..

تُعدُّ قضية الأحوال الشخصية من أهم القضايا الخلافية التي تمس استقرار العلاقات داخل الأسر المصرية سواء المسيحية أو الإسلامية، لأن ثقافتنا ما زالت ترى المرأة ملكيةً خاصةً لأبيها قبل الزواج ثم لزوجها، ثم لابنها تدريجيًّا، وتصل في بعض الأحيان إلى سيطرة وتحكم زوج الابنة. وقبل ذلك كله نظرة العقلية الذكورية النفعية والاستهلاكية في التعامل مع المرأة باعتبارها سلعة للتداول.

إن إصدار “قانون الأسرة للمسيحيين” هو بداية مسيرة حلِّ مشاكل الأحوال الشخصية. وإن كنت أتمنى في المستقبل القريب إصدار قانون مدني موحد للأحوال الشخصية -كما ذكرت من قبل- يؤكد على حقوق المواطنة، وينظم لعلاقات الأسرة المصرية سواء كانت مسيحيةً أو مسلمةً بنصوصٍ واحدةٍ تراعي الآراء المدنية المستنيرة من جانب، واحتياجات العصر من جانب آخر. بمعنى أن يتضمَّن القانون أحكامًا مشتركةً لكافة المواطنين (المسيحيين والمسلمين) المصريين، مما لا خلاف عليه، وذلك على غرار: الرضا بالزواج، وواجبات الزوجين، والعلاقة بأطفالهم. ثم تفرد أحكامًا للمسيحيين تفترق عن أحكام المسلمين في مسائل على غرار: انعقاد الزواج والطلاق، وتعدُّد الزوجات والميراث والتبنِّي. وهو ما يتَّفق مع الرأي الجريء الذي طالب بجعل المراسيم الدينية تتم بعد الزواج المدني.

ويرتبط بما سبق، أن أؤكِّد على فكرةٍ طالبت بها كثيرًا، وهي أن تقوم الدولة بتسجيل الزيِّ الكهنوتيِّ قانونيًّا على غرار الزيِّ الأزهريِّ لكي تساعد أبناءها من المواطنين المسيحيين المصريين في عدم الوقوع في شرك بعض الكهنة (المشلوحين) أو (الموقوفين) من الكنيسة، والذين يقومون بالتزويج وإتمام المراسم الدينية رغم كونهم من غير المصرح لهم بذلك في مقابل مبالغ مالية تتراوح حسب الفئة الاجتماعية التي ينتمي إليها طالب الزواج.

دون شكٍّ، أنا ضد الدولة الدينية وضد السلطة الدينية، ومع الدولة المدنية التي تعلي من قيمة العقل المنهجي الذي يدعم كل ما يتعلق بحقوق المواطن المصري. كما أؤكد على أهمية أن يكون القانون هو الحاكم الفيصل. وإذا كنا نختلف على بعض التفاصيل وفق حيثيات كلٍّ منا وأسبابه. غير أننا نتَّفق على أهمية أن نخضع جميعًا للقانون المدني المصري الذي لا يخالف تعاليم دين أيٍّ منا. خاصةً أن تفسير النصوص المقدسة عملٌ بشريٌّ؛ فنصوص الكتاب المقدس لا تطبق نفسها بنفسها، بل يحاول البشر فهمها وتفسيرها وتطبيقها بمجهودٍ عقليٍّ يهدف إلى الوصول إلى المعنى الحقيقي لهذه النصوص، كما ذكرت قبل ذلك.

قطعًا.. صدور هذا القانون يرسِّخ الدولة المدنية التي تعلي من قيمة الإنسانية التي تدعم كل ما يتعلق بحقوق المواطن المصري؛ لأنه سيكون الحاكم الفيصل. وما يتاح بعد صدوره والممارسة العملية في تنفيذه من إمكانية مراجعته لتطويره وتعديله.

* * *

نقطة ومن أول السطر

في تقديري، إن إصدار “قانون الأسرة للمسيحيين” هو بداية مسيرة حل مشاكل الأحوال الشخصية للمواطنين المسيحيين المصريين. وأن كنت أتمنى في المستقبل القريب إصدار قانون مدني موحد للأحوال الشخصية -كما ذكرت كثيرًا- يؤكِّد على حقوق المواطنة، وينظم علاقات الأسرة المصرية سواء كانت مسيحيةً أو مسلمةً بنصوصٍ واحدةٍ تراعي الآراء المدنية المستنيرة من جانب، وخصوصية أتباع كل دينٍ من جانب آخر، فضلًا عن مواكبة متغيرات احتياجات العصر ومواجهة تحدياته التي ستصل في نهاية الأمر إلى الاقرار بالزواج المدني والاعتراف به ربما في المستقبل القريب.

قوانين الأحوال الشخصية: مسار تاريخي

اسم الكاتب:  د. سامية قدري

“كتابة الجديد أيسر من ترقيع القديم”

الخوارزمي

تنطبق عبارة الخوارزمي كتابة الجديد أيسر من ترقيع القديمعلى قانون الأحوال الشخصية؛ إذ لم يشهد أيٌّ من القوانين التي صدرت في مصر على مدار تاريخ تدوين القانون جدالًا مثل قانون الأحوال الشخصية، سواء القانون الخاص بالمسلمين أو المسيحيين، إلا أن أوضاع المسيحيين كانت الأكثر جدالًا نظرًا لتمسك الكنيسة عبر تاريخها الطويل بما جاء في الكتاب المقدس من إشارةٍ إلى بعض الأمور، خاصةً ما يتعلق بالزواج والطلاق. كما ارتبط هذا الجدال بطبيعة السياقات الاجتماعية والسياسية التي ظهرت فيها تلك القوانين، ومدى تسامح المجتمع والسلطات السياسية والدينية مع الأقليات عامةً ومع النساء على وجه التحديد؛ فمنذ أول تقنينٍ للأحوال الشخصية الذي صدر منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتتنازع السلطات السياسية، والدينية والقضائية حول من يتولى شؤون الأسرة؛ المؤسسة الدينية، أم السلطة السياسية مُمثَّلةً في القضاء المدني أم سلطةٌ مدنيةٌ مستقلَّةٌ تمثِّل الناس. هذا بالإضافة إلى التعديلات التي أُدخِلت على القانون دون أن يتَّفق على نصٍّ قانونيٍّ واحد من قِبَل الطوائف المختلفة.

يظن بعض الناس أن تقنين المسائل المتعلقة بالأسرة المسيحية وليد مرحلةٍ متأخرةٍ من القرن التاسع عشر، القرن الذي شهد نهايته بدايات التنوير واكتمال الحداثة المصرية وصعود الحركة النسائية، التي كان لها دورها في وجود أول قانونٍ للأحوال الشخصية للمصريين عام ١٩٢٠. والواقع أن مسائل الأحوال الشخصية للمسيحيين، وخاصةً للأقباط الأرثوذكس، يعود تاريخها إلى أبعد من ذلك؛ فقد ظلت الكنيسة، منذ بداية المسيحية، هي المنظِّمة لشؤون الزواج وما يرتبط به من مسائل بالأحكام الكنسية المُستمدَّة من الكتاب المقدس، باعتباره المصدر الرئيسَ للتشريع في المسيحية، هذا إلى جانب القوانين الكنسية التي وضعها آباء الكنيسة الأوائل والتي عُرِفَت بـ(الدسقولية) أو تلك التي وُضِعت في مجامع مسكونيةٍ وإقليميةٍ. والجدير بالذكر أن هذه القوانين هي قوانين معترفٌ بها ونافذةٌ في العالم المسيحيِّ. هذا إلى جانب بعض النصوص التي جاءت لتحديد الأمور التي لم تَرِد في الكتاب المقدس، مثل مُحرَّمات الزواج. ظل هذا الوضع في مصر وجميع الولايات التابعة للإمبراطورية البيزنطية حتى قيام الدولة العثمانية.

ويُعَدُّالمجموع الصفويُّ” أهم مجموعات القانون الكنسيِّ، وقد جمعه الشيخ “أبو الفضائل الصفي بن العسال” في القرن الثالث عشر الميلاديِّ. تضمنت هذه المجموعة جزأين: أولهما، من اثنين وعشرين بابًا عن الأحكام الكنسية، أي العبادات، وثانيهما من تسعة وعشرين بابًا عن الأحوال الشخصية والمعاملات. ويُعدُّ الصفي بن العسال في التاريخ الكنسي حجة زمانه في دراسة القانون الكنسيِّ، وكان له مركزٌ سامٍ في الكنيسة القبطية، حتى إنه انتُخِبَ ليكون كاتم أسرار المجمع الذى عُقِدَ في زمان بطريركية الأنبا “كيرلس بن لقلق” البطريرك الخامس والسبعين عام ١٢٣٩، لفض الخلاف بين هذا البطريرك من جانبٍ وبين الأساقفة والشعب من جانبٍ آخر حول سياسته في إدارة شؤون الكنيسة. وانتهى المجمع بوضع قوانين للإصلاح الكنسيِّ، وقَّعها المجتمعون والتزم بها البطريرك وقتها.

استمر الوضع إلى قيام الدولة العثمانية؛ إذ عمل السلطان محمد الغازي (الفاتح) على انتهاج سياسة التسامح الديني تجاه شعائر غير المسلمين في البلاد التي فتحها، وخصوصًا بعد فتح القسطنطينية ١٤٥٣. وضع العثمانيون منذ بداية إمبراطوريتهم قوانين أشبه بالقوانين الأوروبية أُطلِقَ عليها قوانين “نامة” وظلوا ملتزمين بها طوال عصر الإمبراطورية، مع إدخال بعض التعديلات وفقًا للمستجدَّات التي كانت تحدث آنذاك. كانت هذه النظم بمثابة دستور العثمانيين وظلُّوا ملتزمين به إلى أن جاء عصر التشريعات الكبرى التي نظمت رعاياها من غير المسلمين، أنشأ محمد الفاتح نظام المِلَل، وهو نظامٌ إداريٌّ وقانونيٌّ يسمح لكل طائفةٍ دينيةٍ (مِلَّةٍ) من غير المسلمين إدارة شؤونها الدينية والشخصية وفقًا لشريعتها الخاصة، تحت حماية الدولة العثمانية. وبعد أن أصبحت مصر ولايةً عثمانيةً، رأى السلطان الفاتح أن الكنيسة منذ العصور الوسطى لها نفوذٌ فيما يتعلَّق بشؤون رعاياها، مما جعله يقر بهذا الوضع معتبرًا ذلك نوعًا من الإصلاح العام للشؤون الإدارية والسياسية والقضائية.

وفي أيام السلطان الغازي عبد المجيد خان الأول، أعلنت الدولة العثمانية دستورًا قائمًا على المبادئ الحديثة. فكان أول دستور هو الدستور الذي عُرِف بدستور “لكخانة” نسبةً إلى المكان الذي وُضِع فيه، وقد تضمَّن هذا الدستور المبادئ العامة في الحرية والمساواة بين الرعايا وفقًا للشريعة الإسلامية. ويُعَدُّ “الخط الهمايوني”، أهم وثيقةٍ في تاريخ الدولة العثمانية، وله تأثيره في بعض جوانب التشريع، خاصةً فيما يتعلق بإنشاء دور العبادة، وهو يُعدُّ قانونًا إصلاحيًّا وضعه السلطان “عبد المجيد خان الأول” في فبراير ١٨٥٦، وقت أن كان سعيد باشا يحكم مصر، وصدر هذا القانون في أعقاب حرب القرم بين الإمبراطورية وبعض القوى الأوروبية (بريطانيا وفرنسا)؛ إذ مارست هذه القوى ضغوطًا على الباب العالي لضمان المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع رعايا الدولة، مسلمين وغير مسلمين. ومن أهم نتائج هذا المرسوم الإصلاحيِّ “الخط الهمايوني” هو إنشاء المجالس المِلِّية التي تتكون من رجال الدين والعلمانيين لإدارة الشؤون المالية والإدارية والشخصية للطوائف غير المسلمة؛ ففي المادة ١٨، من هذا الخط، إشارةٌ إلى الأحوال الشخصية وتشمل الزواج وما يتصل به من مسائل، الذي أطلق عليها الخط “الدعاوى الخاصة” من اختصاص القضاء المِلِّي الاستثنائي، وإذا اختلفت المِلَّة بين المتنازعين تدخل في قضاء الدولة العامِّ وتُطبَّق الشريعة الإسلامية.

وفي العام ١٨٧٤، في عهد الخديوي إسماعيل، صدر الأمر العالي بتشكيل أول مجلسٍ مِلِّيٍّ للأقباط الأرثوذكس، وعهد للمجلس أن يحدِّد اختصاصاته وأن يضع لنفسه لائحةً داخليةً. وبذلك يُعَدُّ هذا المجلس أول التشريعات الوطنية التي نَظَّمت أحوال الأقباط الأرثوذكس بالقضاء في مسائل الأحوال الشخصية. والجدير بالذكر، أن هذا الاختصاص تناول مسائل الأحوال الشخصية كما هي واردةٌ في كتاب “مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان” لمحمد قدري باشا، الذي وضع أول تقنينٍ للأحوال الشخصية في هذا الكتاب، وظل مرجعًا رئيسًا للمحاكم الشرعية والمِلِّية حتى صدور أول قانون في عام ١٩٢٠. كما كان كتاب “الخلاصة القانونية في الأحوال الشخصية” بمثابة وثيقة أخرى للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وقد وُضِعَ عام 1896 وجُمِعَت فيه المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية، التي تتعلق بالزواج وتحقق النسب والولاية على القُصَّر والوصية والهبة والوقف والمواريث.

وفي السياق التاريخي ذاته، كان الباب العالي قد بدأ في تقنين أوضاع الطوائف غير الأرثوذكسية؛ ففي العام ١٨٥٠، كان الباب العالي قد أصدر للطائفة الإنجيليّة الفرمان الهمايوني بجعل الإنجيليين طائفةً قائمةً بذاتها، كما نُظِّم القضاء المِلِّيُّ للطائفة الإنجيليّة بمقتضى الدكريتو الصادر في أول مارس ١٩٠٢ فيما يتصل بالأوقاف والأحوال الشخصية بما فيها الميراث. وأُصدِر لطائفة الأرمن الكاثوليك فرمان همايوني في أغسطس ١٨٧٩ لينظِّم القضاء المِلِّيَّ للأرمن الكاثوليك بمقتضى الدكريتو الصادر في ١٨ نوفمبر ١٩٠٥ بالتصديق على المجلس الملِّيِّ لهذه الطائفة. ويختصُّ المجلس، وفقًا للمادة ١٦ بسماع وفصل جميع المسائل المتعلِّقة بالأوقاف.

وظلَّت التشريعات العثمانية تحكم مسائل الأحوال الشخصية لغير المسلمين إلى أن انفصلت مصر عن تركيا عام ١٩١٥. ورغم انتهاء الحكم العثمانيِّ، استمرَّ العمل بالقضاء الدينيِّ (الشرعيِّ للمسلمين، والملِّيِّ لبقية الطوائف غير الإسلامية) في ولاية الحكم القائمة بها حتى صدور القانون ٦٤٢ لسنة ١٩٥٥ بإلغاء المحاكم الشرعية والمِلِّية.

  • المجلس المِلِّيُّ للكنيسة الأرثوذكسية:

وهو يمثل أحد أبرز المؤسسات داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وهو الذي يمثل دور العلمانيين داخل الوسط القبطيِّ المدنيِّ والكنسيِّ، ومن ثم فهو جسرٌ بين الوسط الاجتماعيِّ القبطيِّ والإكليروس.

وبدأ أول مجلسٍ ملِّيٍّ في القرن التاسع عشر، للسبب السياسيِّ الذي سبق ذكره، إلى جانب نشاط النخبة المسيحية من الإنتلجينسيا (المثقفين) الذين سافروا للدراسة بأوروبا وتأثروا بالثقافة الغربية. عندما عاد هؤلاء، حاولوا أن يُحدِثوا نوعًا من الديموقراطية في الكنيسة؛ فظهر المجلس المِلِّيُّ العامُّ بوصفه نوعًا من محاولة استرجاع السلطة من رجال الدين وتشكيلًا لقيادةٍ شعبيةٍ في الكنيسة. وتأسَّس المجلس عام ١٨٧٢، وانتُخِبَ أعضاؤه في ١٦/١١/١٨٧٤، واختير بطرس غالي باشا وكيلًا للمجلس؛ إذ كانت الرئاسة للبطريرك. بدأ المجلس يباشر مهامَّه في العام نفسه، إلا أن البطريرك وقتها رأى أن المجلس يمثل اعتداءً على سلطانه، فحلَّ المجلس عام ١٨٧٥، أي بعد عامٍ من تشكيله، إلا أن بطرس غالي سعى لدى الدولة بشأن إعادة تشكيله مرَّةً أخرى عام ١٨٨٣، وأعيد انتخابه وكيلًا له. ونصَّت لائحة المجلس الملِّيِّ على أن يُشكَّل المجلس للنظر في كافة المصالح الداخلية للأقباط، وأن يختصَّ بحصر أوقاف الكنائس والأديرة والمدارس وجمع حججها ومستنداتها وتنظيم حسابات الإيراد والمنصرف وحفظ الأرصدة، وأن يكون من اختصاصاته إدارة المدارس والمطابع ومساعدة الفقراء، وحصر الكنائس وقساوستها والأديرة ورهبانها والأمتعة والسجلَّات بهذه الجهات. هذا علاوةً على اعتبار المجلس محكمةً للأحوال الشخصية للأقباط تنظر في منازعات الزواج والطلاق وغيرها.

والجدير بالذكر، أن المجلس قد حُلَّ وأعيد تشكيله أكثر من مرَّةٍ في السنوات التالية، بسبب الصراع بين المجلس والبطريرك حول نزع بعض الاختصاصات من سلطة الكنيسة. استمر الصراع بين المجلس والإكليروس حول لائحة المجلس كلما جرى انتخابه في الفترة من ١٩٣٠ إلى ١٩٣٩. ولعلَّ أهم لائحةٍ تهمُّنا في هذه الدراسة هي لائحة ١٩٣٨، التي مازالت تعمل بها المحاكم المدنية حتى الوقت الحاليِّ وتختصُّ بالأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس وكانت أيضًا محلَّ اتفاقٍ بين الطوائف.

  • المجلس الملِّيُّ الكاثوليكيُّ:

يمثل هذا المجلس الكنائس الكاثوليكية الشرقية وهي سبع كنائس (الأقباط الكاثوليك، الروم الكاثوليك، السريان الكاثوليك، الموارنة، الأرمن، الكلدان، اللاتين) ويجتمع رؤساء الكنائس السبع ضمن مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك بمصر لتنظيم شؤون الكنيسة الكاثوليكية بمصر. ويتمثَّل دور المجلس في تصريف الشؤون الإدارية والمالية والاجتماعية للأبرشية أو الكنيسة المحلية تحت الرئاسة الروحية للمطران أو النائب البطريركي. ويتشكل المجلس من الإكليروس (رجال الدين) وأعضاء مُنتَخَبين أو مُعيَّنين من أفراد شعب الكنيسة من الذين يتمتعون بالخبرة في المسائل الدينية والاجتماعية والقانونية ذات الصلة بأعمال المجلس.

  • المجلس الملِّي للطائفة الإنجيلية بمصر:

يتمثل المجلس الملي للطائفة الإنجيليّة بمصر في “المجلس الإنجيليِّ العامِّ”، الذي يمثِّل جميع الكنائس والمذاهب الإنجيليّة، أو في “السنودس”، في الكنيسة الإنجيلية المشيخية، الجهة التي تنظِّم الأحوال الشخصية لأبناء الطائفة، كما يمثِّل المرجعية القانونية والسلطة التشريعية التي تضع اللوائح المتعلقة بمسائل الزواج والطلاق وما يرتبط بهما من أمور، وكذلك إدخال تعديلات على القانون، وفقًا للمستجدات، شريطة أن تكون متوافقةً مع الكتاب المقدس وما تتوافق عليه المذاهب الإنجيليّة المعترف بها. وقد كان المجلس، قبل إلغاء المحاكم الملِّية عام ١٩٥٥، هو الذي يمتلك الاختصاص القضائي للفصل في نزاعات الأحوال الشخصية وتطبيق اللوائح الدينية الخاصة بالطائفة. وللمجلس الآن مهام التصديق على وثائق الزواج وإتمام الإجراءات اللازمة لتوثيقها لدى الدولة، والبت في منح تصاريح الانفصال أو الطلاق وفقًا لشروط اللائحة المعتمدة من قبل الطائفة.

 

  • ملامح التغير في قوانين الأحوال الشخصية:

أوضحت فيما سبق ما يتعلق بقضايا الأحوال الشخصية ومدى ارتباطها بمصادر التشريع في المسيحية، والمستمدَّة من الكتاب المقدس بصفته مصدرًا أوليًّا أو رئيسًا للتشريع، ومن قوانين الآباء الرسل التي وُضِعت في القرون الأولى للمسيحية والمعروفة بـ”الدسقولية”، وأيضًا القوانين التي وُضِعت من قِبَل مجامع مسكونيةٍ أو إقليميةٍ، أو تلك التي وضعها بعض البطاركة الذين تعاقبوا على رئاسة الكنيسة، وكذلك القوانين التي وضعتها المجالس المِلِّية المختلفة بدءًا من القرن التاسع عشر وفي خلال القرن العشرين. وتُعَدُّ لائحة ١٩٣٨، المعمول بها في المحاكم المدنية حتى وقتنا هذا، أشهر هذه اللوائح. هذا علاوةً عن على القوانين التي وضعها فقهاء القانون الكنسيِّ وأشهرها “المجموع الصفويُّ” للشيخ أبو الفضائل صفيِّ الدين بن العسال في القرن الثالث عشر الميلاديِّ، والذي يُعَدُّ حجة زمانه في وضع القانون الكنسيِّ. على الرغم من تعدُّد مصادر التشريع في المسيحية -كما هو واضحٌ- إلا أن الكتاب المقدس ظلَّ هو المصدر الأول والرئيس للتشريع خاصةً فيما يتعلق بالزواج والطلاق.

والجدير بالذكر، أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية قد أولت قضايا الأحوال الشخصية اهتمامًا خاصًّا منذ مطلع السبعينيات، وقت بداية رئاسة البابا شنودة للكنيسة، وذلك ضمن عملية الإصلاح الكنسيِّ الذي قادها في مختلف المجالات من ناحيةٍ، ونتاجًا لحركة المدِّ الدينيِّ التي لاحت في الأفق آنذاك. ويعنينا في هذا المقام إعداد المشروع الموحد للأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر الذي بدأت الدعوة إليه في العام ١٩٧٨، الذي أعد من أجل الحفاظ على استقرار كيان الأسرة المسيحية. وقد عمد البابا في بداية رئاسته للكنيسة عام ١٩٧١ على تولي رئاسة المجلس الإكليريكي بنفسه ليرسي القواعد القانونية التي يسير عليها المجلس. هذا وقد اعتُبِرَ المجلس بمثابة المحكمة الكنسية العليا التي يخوَّل لها النظر في الأحكام التي تصدرها المحاكم المدنية ومدى اتفاقها مع نصوص الكتاب المقدس، خاصةً وأن الكنيسة ظلت هي المنظِّمة لشؤون الزواج بالأحكام الكنسية، وظل الارتباط بين الدولة والكنيسة وثيقًا، والقوانين متآلفةً في نظامٍ واحد، واستمرت الكنيسة تتمتع بقدرٍ وافرٍ من الاستقلال الذاتيِّ بتولِّيها الفصل في المنازعات المتعلقة بالزواج والطلاق والوصايا. واستمر هذا الحال حتى إلغاء المجالس الملية عام ١٩٥٥ كما سبق وذكرت.

وشهدت قضايا الاحوال الشخصية في الآونة الأخيرة تحولًا مهمًّا مع إصدار لائحة الأحوال الشخصية الموحَّدة الجديدة التي جاءت بعد رحلةٍ طويلةٍ من التباين بين لوائح طائفيةٍ متعددةٍ. وصدرت اللائحة الجديدة وفقًا لأحكام دستور 2014 الذي جعل مبادئ الشريعة المسيحية، في مادته الثالثة، المصدر الرئيسَ لهذه القوانين، مما أدى إلى صياغة قانونٍ موحدٍ توافقت عليه الطوائف بهدف سدِّ الفراغ التشريعيِّ، وتحقيق العدالة، والحدِّ من التحايل بتغيير الملة أو الديانة. وتتمثل الملامح الأساسية لهذه اللائحة في:

  • التوحيد والخصوصية، حيث يضم القانون الجديد موادَّ مشتركةً بين جميع الطوائف، وموادَّ خاصةً لكل طائفة تعكس معتقداتها وخصوصياتها.
  • الطلاق، التوسُّع في أسباب الطلاق (الزنا الحكميّ)، ومنع الزواج بعد الزنا إلا بتصريحٍ كنسيٍّ، مع إمكانية الطلاق المدنيِّ في حالة استحالة العشرة (بعد سنوات) دون إلزام الكنيسة بزواجٍ ثانٍ.
  • الحضانة، رفع سن القاصر للزواج والحضانة إلى ٢١ عامًا حفاظًا على استقرار الأسرة، ووضع الأب في المرتبة الثانية بعد الأم في الحضانة في بعض الحالات.
  • الزواج المدني، استُبعِد الزواج المدني من المسودة النهائية.

    ومازال القانون قيد المناقشة النهائية، وفي انتظار عرضه على البرلمان لحل مشكلة الطلاق وتوحيد الإجراءات.

 

 

قانون الأسرة للمصريين المسيحيين في مصر
إنجازٌ تاريخيٌّ ونقلةٌ نوعيةٌ

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: المستشار/ يوسف طلعت الشحات

إصدار قانونٍ ينظِّم مسائل الأحوال الشخصية للمصريين المسيحيين هو مطلبٌ ناضلت من أجله الكنيسة المصرية لعدَّة قرونٍ، وفى حالة صدوره وإقراره سيكون حدثًا تاريخيًّا غير مسبوقٍ في مصر في العصر الحديث؛ إذ لأول مرَّةٍ تتوافق الطوائف المسيحية على صيغةٍ موحَّدةٍ (وليست واحدةً) تنظِّم شؤون الأسرة المسيحية ومسائل الأحوال الشخصية لهم. إذ يُعدُّ هذا القانون ثمرة نضالٍ طويلٍ بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي، وننتظر أن يُكلَّل بالنجاح فور إقراره وصدوره بعد أكثر من أربعة عقودٍ من العمل والمناقشات.

لا يُعَدُّ إصدار قانونٍ للأحوال الشخصية للأسر المصرية من المسيحيين استحقاقًا تاريخيًّا فحسب، بل أيضًا مطلبٌ مهمٌّ للأسرة المسيحية. ومن الجيِّد أيضًا أن الكنيسة المصرية تبنَّت هذا المطلب في الآونة الأخيرة، وذلك لما عانته الأسر وبالتالي الكنيسة المصرية من مشكلاتٍ وتحدياتٍ كثيرةٍ، وجديرٌ بالذكر أن أي مشكلةٍ أسريةٍ تحدث بين زوجٍ وزوجةٍ داخل الأسرة المصرية المسيحية تنعكس بالضرورة على الكنيسة (وبالمفهوم الأعمِّ والأشمل تنعكس على الوطن كلِّه) وهذا ما أثبتته جميع الدراسات، فهي ليست مشكلةً خاصَّةً بفردٍ أو فردين متزوِّجين، بل مشكلةٌ مجتمعيةٌ.

ونظرًا لطبيعة منظومة الزواج الخاصَّة داخل الكنيسة المصرية، التي تراها جميع الكنائس شأنًا خاصًّا (في بعض الكنائس هي سرٌّ مقدَّسٌ وفي الباقي هي رباطٌ مقدَّسٌ) لذلك تتعامل جميع الكنائس المصرية مع مسألة الزواج بشكلٍ خاصٍّ جدًّا ومميَّزٍ (فهو السرُّ الوحيد أو الرباط الوحيد الذي يُنظَّم قانونٌ له) وبالتالي يتعامل الأفراد أيضًا (من المواطنين المصريين المسيحيين) بشأن أي مشكلةٍ متعلِّقةٍ بالزواج بأن الكنيسة طرفٌ في هذه المشكلة، وأنها يجب أن تتدخَّل لحلِّها، ليس من الناحية الدينية فقط، ولكن من الناحية المجتمعية والرعوية أيضًا.

ونظرًا لشعور الكنيسة بهذه المسؤولية بالإضافة إلى حرص الكنيسة على أن يظلَّ تنظيم عملية الزواج وما يتبعه من معاملاتٍ شخصيةٍ تحت إشراف الكنيسة ونظرها أيضًا، فقد أطلقت الكنيسة عددًا من المبادرات للعمل على تطوير منظومة اللوائح المنظِّمة لمسائل الأحوال الشخصية للمصريين المسيحيين، وبالإضافة إلى النضال بشأن إصدار قانونٍ للأحوال الشخصية لكافة المصريين المسيحيين وذلك منذ عدة سنواتٍ، سنسرد أهمَّ المحطات التي مرَّت بها منظومة التشريع للقانون على النحو التالي:

الخلفية التاريخية

  • بدأ ممثِّلو الطوائف المسيحية (الكنيسة الأرثوذكسية– الطائفة الإنجيلية) أول اجتماعٍ لهم بشأن إعداد وصياغة مسودة قانونٍ للأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر في 16 يونيو سنة 1978، وأُعِدَّت المسودة وقُدِّمت إلى د. صوفي أبو طالب في 29 يونية سنة 1980 (رئيس مجلس الشعب في ذلك الوقت). غير أنه لم يجد السبيل لدخول مجلس الشعب لمناقشته وإقراره.
  • في عام 1998 عادت الكنائس مرَّةً أخرى لفتح ملفِّ المطالبة بإصدار قانونٍ للأحوال الشخصية للمسيحيين وقُدِّم مشروع القانون إلى المستشار فاروق سيف النصر (وزير العدل آنذاك). وهو المشروع المُعدَّل من مشروع سنة 1980 بعد إدخال التعديلات اللازمة عليه وصياغته صياغةً نهائيةً بواسطة اجتماعات اللجنة المشكَّلة من ممثِّلي الطوائف المسيحية، وذلك في 20 يناير سنة 1998.
  • في 12 يونيو سنة 2010 شكَّل السيد ممدوح مرعي (وزير العدل الأسبق) لجنةً مُكوَّنةً من ممثِّلي الطوائف المسيحية الثلاث «الأرثوذكسية والإنجيلية والكاثوليكية»، بالإضافة إلى عددٍ من المستشارين والمتخصِّصين التابعين لوزارة العدل لصياغة موادِّ القانون الموحَّد للأحوال الشخصية، ولكن لم يُكتَب للقانون أن يصدر أو يُعرَض على مجلس الشعب لمناقشته.
  • في عام 2019 عادت الكنائس الثلاث مرَّةً أخرى للاجتماع والنظر في مسودة القانون الذي سبق إعداده، وذلك بعد أن أصدر رئيس مجلس الوزراء قرارًا بتشكيل لجنةٍ تضمُّ ممثِّلين عن الكنائس المصرية المُعتَرَف بها في مصر “وقد تشرفت بعضويه هذه الجنة منذ عام 2019 وحتى الآن ممثِّلًا عن رئاسة الطائفة الإنجيلية”، وعُقِد أكثر من اجتماعٍ بمقرِّ الكاتدرائية المرقسية بالعباسية وأُضِيفت بعض التعديلات على مسودة القانون وصِيغ خطابٌ، وأصدر رئيس مجلس الوزراء قرارًا بتشكيل لجنةٍ ممثَّلةٍ من وزارة العدل وممثِّلي الكنائس المصرية والأجهزة المعنية لإعداد قانون الأسرة للمسيحيين. وهي اللجنة التي قدمت مقترح القانون الحاليّ.

وجديرٌ بالذكر أنه في خلال العقود الماضية، وحتى تاريخ كتابة هذه المقالة، فإن كل كنيسةٍ تعمل وفق لوائحها الخاصة مثل:

  • الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أصدرت لائحة عام 1938، التي نظمت مسائل الزواج والطلاق والبطلان.
  • الطائفة الإنجيلية لديها لائحةٌ للأحوال الشخصية صادرة في عام 1902، وهي لوائح داخليةٌ تنظِّم الزواج والطلاق وفقًا لتقاليدها.
  • اعتمدت الكنيسة الكاثوليكية قوانينها المُستمدَّة من القانون الكنسيِّ العالميِّ ولديها لائحةٌ مُعتَمَدةٌ في عام 1990.
  • لائحة الأحوال الشخصية للروم الأرثوذكس الصادرة في 1937.
  • لائحة الأحوال الشخصية للأرمن الأرثوذكس الصادرة في 1946.
  • لائحة الأحوال الشخصية للسريان الأرثوذكس الصادرة في 2003.

بالإضافة إلى بعض القوانين الصادرة من الدولة المصرية والتي يُستعان بها وتُطبَّق في بعض مسائل الأحوال الشخصية للمصريين المسيحيين ومنها:

  • المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1920 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية.
  • القانون رقم 25 لسنة 1944 ببيان القانون الواجب التطبيق في مسائل المواريث والوصايا.
  • القانون رقم 25 لسنة 19279 بشأن مسائل الأحوال الشخصية.
  • قانون المواريث رقم 77 لسنة 1943.
  • قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية رقم 1 لسنة 2000.

 

وأمام هذه التعدُّدية في اللوائح والقوانين، التي تسبَّبت بلا شكٍّ في شعورٍ بعدم المساواة بين المصريين المسيحيين، بالإضافة إلى بعض الارتباك في مسألة تطبيق اللوائح والقوانين بواسطة محاكم الأسرة التي تُعرض عليها هذه النزاعات، التي ليست بالضرورة مُطالَبةً أو مُهيَّأةً لمعرفة الاختلاف العقائديِّ بين كل طائفةٍ والأخرى، وكذلك متى يُلتجأ إلى اللائحة ومتى إلى القانون، الأمر الذي أحدث حالةً من الارتباك داخل الأُسَر، وبالتالي الكنيسة والدولة أيضًا، وهذا هو الدافع بالتحديد لإصرار الكنيسة المصرية على إصدار قانون للأحوال الشخصية للمصريين المسيحيين ينظِّم كافة هذه المسائل ويوضِّح توضيحًا قاطعًا المرجعية القانونية للفصل في أي نزاعٍ ينشا بين الأسر المصرية المسيحية، وحتى لو حمل هذا القانون بعض الاختلافات في طيَّاته في بعض المواد الخاصَّة بكل كنيسةٍ وما يتعلَّق بإيمانها وعقيدتها، ولكن الأهم هو أن تظل الكنيسة هي المرجعية لمثل هذه الأمور ولا يخرج الأمر عن سلطان الكنيسة وتنظيمها.

لذا سعت الكنائس -منذ عام 1978 وحتى اليوم- لتحقيق هذا الأمر، وظل حلم إصدار قانونٍ موحَّدٍ حاضرًا في النقاشات الكنسية والقانونية، إلى أن صدر قرار رئيس مجلس الوزراء عام 2019 بتشكيل لجنةٍ تضمُّ في عضويَّتها ممثِّلين عن الكنائس المصرية المُعتَرَف (وتشرفت بعضوية هذه اللجنة منذ عام 2019 حتى الآن ممثِّلًا عن رئاسة الطائفة الإنجيلية) إضافة إلى عضوية ممثِّلين عن كافة الوزارات والهيئات الحكومية والجهات الرسمية المعنية بالقانون، وذلك تفعيلًا لنصِّ المادة الثالثة من دستور جمهورية مصر العربية والتي تنصُّ على أن “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشؤونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية”، وظلَّت هذه اللجنة في العمل والنقاشات الجادَّة منذ هذا التاريخ وحتى كتابة هذا المقال بتشكيلها الموسَّع الذي يضمُّ ممثِّلين عن الطوائف الستِّ المُعتَرَف بها رسميًّا في مصر وهم:

  • الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
  • الطائفة الإنجيلية (وتضم 19 مذهبًا إنجيليًّا).
  • الكنيسة الكاثوليكية (وتضم 7 مذاهب كاثوليكية).
  • كنيسة الروم الأرثوذكس.
  • كنيسة الأرمن الأرثوذكس.
  • كنيسة السريان الأرثوذكس.

بالإضافة إلى ممثِّلين عن الوزارات والجهات الحكومية ومنهم:

  • مستشارون من وزارة العدل (قطاع التشريع).
  • مستشار من مجلس الوزراء.
  • مستشارون من الهيئات القضائية.
  • ممثلون عن الجهات الأمنية.

ويجدر الإشارة أيضًا إلى أنه ليس أعضاء اللجنة والجهات المذكورة بعالية فقط هم من ناقشوا القانون وأبدوا الرأي فيه بل إن القانون أرسل إلى جميع المجالس القومية من (المجلس القومي للمرأة- المجلس القومية للطفولة…) وكافة المجالس المتخصِّصة وكذلك الوزارات والجهات الرسمية ذات الصلة بالقانون.

ولم يُكتَفَ بآراء هذه المجالس أو الهيئات الرسمية فقط، بل طُرِح القانون للحوار المجتمعيِّ عن طريق دعوة عددٍ من المهتمِّين بالقانون ورؤساء المحاكم وبعض الشخصيات المجتمعية وقيادات الفكر والرأي وعُقِدَ عدة جلسات حوارٍ مجتمعيٍّ تبنَّته وزارة العدل، وخرجت هذه الجلسات بنقاط واقتراحاتٍ مهمَّةٍ أُخِذَت في لاعتبار في أثناء استكمال مناقشة القانون.

 

أهم ملامح القانون الجديد ومميِّزاته

  • يخاطب مشروع القانون الكنائس الستَّ المُعتَرَف بها رسميًّا في مصر.
  • اتَّفقت الكنائس في مشروع القانون على حوالي 90% من موادِّه وهذه الموادُّ متطابقةٌ لكافة الكنائس ومن الموادِّ المتطابقة والمُتَّفق عليها (منقولات الزوجية- النفقات- الحضانة- الولاية التعليمية- الرؤية- الاستزارة- ثبوت النسب- المواريث عدا تركات البطاركة- أغلب موادِّ الخطبة- كثير من مواد إجراءات الزواج- بعض موادِّ بطلان الزواج وانحلاله وانتهائه وموانع الزواج) والموادُّ غير المتطابقة تنحصر في موادِّ (موانع الزواج- انحلاله- بطلان الزواج- انتهاء الزواج- الخطبة- تركات البطاركة). وتشمل هذه الموضوعات بعض النصوص تخص كل كنيسةٍ على حدة؛ لارتباط هذه المواد بإيمان كل كنيسة وعقيدتها وطقوسها. ونستطيع القول إنه لا اختلاف في هذه المواد أو تضادَّ، وهذا الأمر مهمٌّ جدًّا ويجب توضيحه، وإنما الموادُّ المختلفة الخاصَّة بكل كنيسةٍ هي موادُّ تميِّز كل كنيسةٍ عن الأخرى ومرتبطةٌ -كما قلنا- بإيمان كل كنيسة وطقوسها.
  • يُعدُّ مشروع القانون أول قانونٍ للأحوال الشخصية للأسرة المسيحية يضم كافة الكنائس، ونستطيع أن نطلق عليه القانون الموحَّد للأحوال الشخصية للأسرة المسيحية وليس قانونًا واحدًا، إذ إن مشروع القانون يجمع المواد الخاصَّة بكل كنيسةٍ وينتهي إلى قانونٍ موحَّدٍ ينظِّم الأحوال الشخصية للأسرة المصرية المسيحية.
  • بمجرد إصدار القانون تُلغى كافة اللوائح المعمول بها أو القوانين الأخرى التي كانت تُطبَّق على المصريين المسيحيين.
  • ينهي مشروع القانون حالةً من العبث المرتبطة بتطبيق قوانين مخالفةٍ للشريعة المسيحية في أمورٍ مهمَّةٍ مرتبطةٍ بالشريعة المسيحية، ومنها إجراءات الطلاق والتي كانت ومازالت حتى وقتنا هذا تطبِّق الشريعة الإسلامية في إتاحة الطلاق بالإرادة المنفردة خلعًا في حالة اختلاف الملَّة والطائفة لأحد الزوجين، وهو ما نصَّت عليه المادَّة الثالثة من القانون رقم 1 لسنة 2000 بشأن تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية، وجديرٌ بالذكر أن هذه المادَّة بالتحديد فتحت الباب على مصراعيه لكثيرٍ من حالات التلاعب والغشِّ، بل أستطيع القول إنها تسببت في حالةٍ من الفساد داخل الأسر المسيحية، نظرًا لاستغلال بعض الناس مشاكل وأوجاع الأسر، وإيهامهم بأن الحلَّ يكمن في الحصول على شهادات تغيير ملَّةٍ وطائفةٍ، وظهر هنا ما يُسمَّى بـ”تجارة الشهادات” وظهر كثيرٌ من المتاجرين بأوجاع الأسر المصرية المسيحية في إصدار شهاداتٍ مزوَّرةٍ، ومنهم من ادَّعى لنفسه صفة رجل دينٍ مسيحيٍّ على خلاف الحقيقة حتى يضفي الشرعية على مثل هذه المستندات المزوَّرة. وكان للطائفة الإنجيلية السبق في محاربة هذه الشهادات بواسطة إرسال خطابٍ إلى مساعد وزير العدل للتفتيش مفاده أن الطائفة الإنجيلية لا تُصدِر شهادات تغيير ملَّةٍ وطائفةٍ، وأنه ظهرت كياناتٌ وهميةٌ وأشخاصٌ محتالون ينتحلون صفة رجال دينٍ على خلاف الحقيقة، ويصدرون شهادات تغيير ملَّةٍ وطائفةٍ، والذي بدوره مشكورًا أرسل تعميمًا على كافة محاكم الأسرة بمضمون الخطاب المُرسَل من الطائفة الإنجيلية.

تسبَّبت هذه التجارة في حدوث حالات طلاقٍ مخالفةٍ للشريعة المسيحية، ومنهم من طلق زوجته دون علمها وتزوَّج بأخرى بعد هذا الطلاق المزيَّف، ومنهم من رفعت دعاوى بطلان لهذا الطلاق لاستناده على مستندٍ مزوَّرٍ، وحصلوا على أحكامٍ بالبطلان ووجدوا أنفسهم أمام رجال جمعوا بين زوجتين (الزيجة الأولى التي حكم ببطلان طلاقها والزيجة الثانية التي ترتبت على حكم الطلاق للخلع) بالإضافة إلى لجوء عديدٍ من الأزواج لرفع دعاوى تزوير على الطرف الآخر، الذي تقدَّم بشهادة تغيير ملَّةٍ وطائفةٍ مزوَّرةٍ، وصدرت أحكامٌ على بعض الأزواج، وللأسف على بعض المحامين أيضًا بمعاقبتهم نتيجة ارتكابهم جريمة التزوير، لذا نستطيع القول إن هذه المادة تسببت ومازالت في إحداث حالةٍ من الفساد الأسري، وكانت ومازالت تُطبَّق تطبيقًا خاطئًا.

هذا بالإضافة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في مسائل المواريث والتي تبيح للرجل الحصول على ضعف نصيب المرأة وهو الأمر المخالف للشريعة المسيحية أيضًا، ونادت به الكنيسة مرارًا وتكرارًا، إلى أن أتى مشروع القانون بنصوصٍ واضحةٍ تنهي حالة الجدل في هذا الأمر وتساوي بين الرجل والمرأة في الميراث دون أي تفرقةٍ.

  • من مميِّزات مشروع القانون أيضًا أنه مُقسَّمٌ إلى عدة أبوابٍ مُصنَّفةٍ بشكلٍ متخصِّصٍ، ومنها بابٌ ينظِّم كافة إجراءات الزواج، بدايةً من الخطبة وحتى انتهاء الزواج للأسباب الموضَّحة بالقانون، ويتحدَّث بالتفصيل عن (إجراءات وشروط الخطبة- أركان الزواج وشروطه- إجراءات الزواج- المنقولات الزوجية- موانع الزواج- بطلان الزواج- انتهاء الزواج- انحلال الزواج) وباب آخر متعلِّقٌ بالنفقات، وباب آخر متعلِّقٌ بالحضانة والوِلاية التعليمية والرؤية والاستزارة، والباب الآخر متعلِّقٌ بالنسب وثبوته، وبابٌ متعلِّقٌ بالمواريث والأخير متعلِّقٌ بالعقوبات.
  • عمل مشروع القانون على حصر أغلب أسباب الطلاق، التي تتوافق مع الشريعة المسيحية، وصِيغَت بشكلٍ متخصِّصٍ في عدَّة أبوابٍ بحسب طبيعة الأسباب التي تؤدِّي إلى انتهاء الزواج، وحُصِرَت هذه الأسباب في مسمَّياتها الصحيحة ومنها (الأسباب الخاصَّة بالانحلال وأخرى تتسبَّب في بطلان الزواج وأخرى يقع التطليق في حالة حدوثها) وبطلان الزواج يكون لأسبابٍ مخالفةٍ لشروط الزواج الصحيح وحدثت قبل إتمام الزواج واكتُشِفَت بعد الزواج وتتسبَّب في بطلانه، أما انتهاء الزواج يكون لأسبابٍ حاصلةٍ بعد الزواج وتتسبَّب في انتهائه مثل موت أحد الزوجين أو زنا أحد الزوجين أو تركه الدين المسيحي أو المثلية الجنسية… أما الانحلال المدنيُّ للزواج فيكون بسبب هجر أحد الزوجين دون علم الطرف الآخر لمدة ثلاث سنواتٍ على الاقلّ.
  • أخيرًا فإن من أهمِّ مميزات مشروع القانون هذا هو اسمه الذي اختير باحترافيةٍ وذكاء، وهو “قانون الأسرة للمسيحيين في مصر” وعلى الرغم من تفضيلي دائمًا عندما أشير إلى المسيحيين أن أذكر قبلها “المصريين”؛ إذ إن أي إنسانٍ عندما يولد يكتسب الجنسية المصرية فور ولادته وتُستَخرَج شهادة ميلادٍ له مُوضَّحٌ بها أن جنسيَّته مصريٌّ، ثم يصبح رسميًّا مسيحيًّا في وقتٍ لاحقٍ على اكتسابه الجنسية المصرية، لذا فان مُسمَّى القانون فيه شيءٌ من العبقرية؛ إذ إنه بالفعل قانونٌ يخصُّ الأسرة من كافة الجوانب وليس مسائل الأحوال الشخصية فقط.

وفيما يلي أهمُّ مواد هذه الأبواب، التي ميَّزت مشروع القانون الحاليَّ، الذي نعول عليه في حل كثيرٍ من المشكلات للأسر المصرية المسيحية، ومنها على سبيل المثال الآتي:

 

 

  1. يُحدَّد ميعاد الزواج ويُثبَت في محضر الخطبة ويجوز الاتِّفاق على تعديله وإثبات التعديل أيضًا في المحضر، وإذا فوَّت أحد الخطيبين الميعاد المحدَّد يُعدُّ عدولًا منه عن الخطبة ولا يحقُّ له في هذه الحالة استرداد الشبكة أو الهدايا.
  2. يُعلَن مُلخَّص محضر الخطبة في لوحة إعلانات الكنيسة التي ينتمي إليها الطرفان لمدة شهرٍ، ويجوز لكل ذي مصلحةٍ الاعتراض على الزواج في خلال هذه المدة.
  3. يُشتَرَط أن يكون الزواج المسيحيُّ الصحيح علنيًّا وبين رجلٍ واحدٍ وامرأةٍ واحدةٍ مسيحيَّيْن، وضرورة إتمام مراسيم الزواج الدينية على يد رجل دينٍ مسيحيٍّ مصرَّحٍ له بذلك، وعدم جواز الزواج المدنيِّ للمسيحيين.
  4. يُستَحدَث ملحقٌ لوثيقة الزواج يتَّفَق فيه على كافة الأمور مثل (ملكية منقولات الزوجية- المسكن- الحقوق المالية- رغبة أي طرف في استكمال التعليم، أو العمل، أو السفر، أو أي أمورٍ أخرى بين الزوجين).
  5. يحرِّر الزوج وثيقة تأمين تحصل الزوجة على قيمتها في حالة صدور حكمٍ نهائيٍّ بالتطليق أو البطلان أو انحلال الزواج لسببٍ يرجع للزوج، ويحقُّ للزوج استرداد قيمة الوثيقة إذا كان التطليق أو البطلان بسببٍ يرجع للزوجة.
  6. يأخذ ملحق وثيقة الزواج قوَّةَ السند التنفيذيِّ بعد تذييله بالصيغة التنفيذية (ما يقلل من عدد الدعاوى القضائية وإجراءات التقاضي).
  7. لا يكون لتغيير أحد الزوجين طائفته في أثناء قيام الزوجية أيُّ أثرٍ في حالة نشوب نزاعٍ قضائيٍّ، وتطبَّق شريعة الطائفة التي عُقِدَ الزواج بموجبها.
  8. يتعيَّن على المحكمة في دعاوى الخطبة والتطليق وبطلان وانحلال الزواج أن تطلب رأي الرئاسة الدينية المختصَّة في النزاع كتابةً، ويتعيَّن على الرئاسة الدينية إبداء الرأي في الأجل الذي تحدِّده المحكمة، وفى حالة انتهت المحكمة إلى رأيٍ مخالفٍ لرأي الكنيسة فيتعيَّن عليها تسبيب ذلك في حكمها.
  9. يُلزَم الطرف الذي وقع البطلان أو التطليق أو الانحلال بسبب خطئه بتعويض الطرف الآخر.
  10. إجازة الرؤية إلكترونيًّا.
  11. النصُّ على جواز الاستزارة (اصطحاب المحضون لمدَّةٍ محدَّدةٍ) وتحقُّ لغير الحاضن من الوالدين أيضًا ويجوز أن تشمل الاستزارة مبيتَ المحضون لمدةٍ تصل إلى شهرٍ في السنة.
  12. مساواه الرجل بالمرأة في الميراث في مشروع القانون، والنصُّ على أن تحجب الفروع باقي الورثة في استحقاق الميراث.

 

التحديات المتوقَّعة

  • التوعية المجتمعية للمواطنين بنصوص القانون.
  • إجراء دوراتٍ تدريبيةٍ لرؤساء محاكم الأسرة للتعريف بكيفية تطبيق القانون، وكيفية إنزال المواد الخاصَّة بكل طائفة على الوقائع المتعلِّقة بها.
  • تدريب المحامين على التعامل مع نصوص القانون.
  • استكمال الحوار المجتمعيِّ الذي بدأ برعاية وزارة العدل وكذلك استخدام وسائل الإعلام في نشر الوعي المجتمعي بالقانون.

 

الدور البارز للطائفة الإنجيلية:

كان للطائفة الإنجيلية دورٌ محوريٌّ في صياغة مشروع القانون وقبلها الدور الأهم في الاشتراك في إعداد القانون وصياغته منذ أول حراكٍ كنسيٍّ في هذا الشأن؛ إذ شاركت الطائفة الإنجيلية في أوَّل الاجتماعات مع ممثِّلي الكنائس واستضافت عددًا من هذه اللقاءات وكان لها الدور الفنيُّ الجيِّد بواسطة مساهمات ممثِّليها في اللجنة؛ إذ شاركوا بفاعليةٍ في النقاشات القانونية، وقدَّمت الطائفة الإنجيلية رؤًى متوازنةً تجمع بين الالتزام بالنصوص الدينية ومُتطلَّبات الواقع الاجتماعيِّ.

خاتمة:

إن قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين ليس مجرَّد نصوصٍ قانونيةٍ، بل ثمرة نضالٍ طويلٍ امتدَّ لعقود، وتجسيدٌ لإرادة الكنائس المصرية في التوافق والوحدة. يمثِّل القانون خطوةً تاريخيةً نحو تنظيم حياة الأسرة المسيحية بشكلٍ أكثر عدالة، ويضع مصر في موقعٍ رياديٍّ في احترام التنوُّع الدينيِّ وضمان حقوق مواطنيها.

المشروعية الدستورية والقانونية لأحكام الميراث في المسيحية

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب:المستشار الدكتور/چورچ سامي نقولا فهمي.

مقدمة

تقوم أحكام الميراث في المسيحية كقاعدة عامة وأساسية على مبدأ المساواة الكاملة بين الذكور والإناث في توزيع التركة؛ وفقًا لمبادئ الشريعة المسيحية والقوانين الكنسية، فلا تمييز بين الأبناء في توزيع أموال المورث، بل هم وحدة واحدة في المسيح. فلم تضع المسيحية تشريعات مالية دقيقة، بل مبادئ روحية للمحبة والتفاهم والقناعة والبُعد عن الطمع. وتكمن الإشكالية هنا في مدى اتفاق القوانين الوضعية بشأن الميراث في المسيحية لأحكام الدستور المصري والقوانين المصرية التي تنظم أحكام الميراث، وفي حالة اتفاقها بيان سبب عدم تطبيق المحاكم المصرية لأحكام الميراث على المسيحيين.

الميراث في الشريعة المسيحية

نص قانون الميراث في شريعة موسى على أحكام شاملة في توزيع الممتلكات والأرض توزيعًا دقيقًا، فأعطت الأولوية للابن الذكر؛ حيث يأخذ البكر نصيب اثنين من الإخوة الورثة من كل الممتلكات. وانتقال الإرث إلى “بنت” المورث في حالة عدم وجود “ولد” للمورث، وإن لم يكن له “بنت” انتقل الميراث إلى “أخوت” المورث، وإن لم يكن للمتوفَّى “إخوة” انتقل الميراث “لإخوة أبيه”، وان لم يكن لأبي المورث “إخوة” انتقل الميراث إلى “نسيبه الأقرب إليه من عشيرته”، فجاء في سفر العدد 27: 6-11: “فَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: بِحَقّ تَكَلَّمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ، فَتُعْطِيهِنَّ مُلْكَ نَصِيبٍ بَيْنَ إِخْوَةِ أَبِيهنَّ، وَتَنْقُلُ نَصِيبَ أَبِيهِنَّ إِلَيْهِنَّ. وَتُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: أَيُّمَا رَجُل مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ، تَنْقُلُونَ مُلْكَهُ إِلَى ابْنَتِهِ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ابْنَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لإِخْوَتِهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِخْوَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لإخوَةِ أَبِيهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لأَبِيهِ إِخْوَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لِنَسِيبِهِ الأَقْرَبِ إِلَيْهِ مِنْ عَشِيرَتِهِ فَيَرِثُهُ. فَصَارَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَرِيضَةَ قَضَاءٍ، كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى”. وذلك لضمان بقاء الأرض المورثة داخل السبط العشائري ولا تنتقل لسبط آخر.

لم يتحدث العهد الجديد “شريعة المسيح” عن المال بصفه عامة وعن الميراث بصفه خاصة، بل ركز العهد الجديد أساسًا على الميراث الروحي والأبدي وليس المادي، بحيث يُعدُّ المؤمنون ورثة الله وشركاء المسيح في ملكوت السماوات وذلك في قول بطرس الرسول في رسالته الأولى 1: 4 “لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ”. فالميراث في المسيحية هو الأبدية “الميراث السماوي”. ومن ثم، أوصانا السيد المسيح بعدم الاهتمام بالأمور المادية والمال بصفة خاصة. لقد جاء السيد المسيح له المجد ليكمل الناموس “شريعة موسى” ليصل بها إلى غايتها، وهو كمال الشريعة لا لينقضها بل ليكملها، بقوله في إنجيل متى 5: 17: “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ، فقول السيد المسيح لا يَدَع مجالًا للشك وبنصوص قاطعة الثبوت والدلالة بأن لا تسقط ليس فقط “كلمة” واحدة من الناموس بل لا تسقط “نقطة” في الناموس حتى مجيء الساعة بقوله في إنجيل متى 5: 18: “فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ”، مشيرًا بذلك إلى أن شريعة المسيح هي شريعة الكمال، بمعنى أنها جاءت لتصل بالناموس إلى ما كان يجب أن يكون منذ البدء. ومن ثم، فإن شريعة موسى تُطبق في شأن توزيع الميراث في ضوء مبادئ وتعاليم السيد المسيح ومخالفة ذلك يُعد مخالفة لمبادئ وجوهر الشريعة الإلهية.

أوجبت الشريعة الإسلامية على أهل الإنجيل الاحتكام لشريعتهم؛ التي هي مرجعهم، واستنكرت أن يحكم أهل الإنجيل بغير الإنجيل، وجاء ذلك في قوله تعالى في سورة المائدة 43: “وَكَيْفَ يحَكِّمونَكَ وَعِنْدَهم التَّوْرَاة فِيهَا حكْم اللَّهِ ثمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَا أولٰئِكَ بِالْمؤْمِنِينَ”، يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية إن ذلك إشارة إلى أنه “كيف يرضون بك اليهود حكمًا، يا محمد، وعندهم التوراةُ التي أنزلها الله على موسى، التي يقرون بها أنها حق، وأنها كتابي الذي أنزلتهُ إلى نبيي، وأن ما فيه من حكم هو حكمي”. جاء في تفسير القرطبي أنه يدلُّ قوله تعالى: “فِيهَا حكْم اللَّهِ” حسبما قال أبو علي؛ أي إنها لم تُنسخ لأنه لو نُسخ لم يُطلَق عليه بعد النسخ أنه حُكم الله. ويقول الطبري في تفسيره لهذه الآية إنه في قوله تعالى: “يَتَوَلَّوْنَ” يتركون الحكمَ به، بعد العلمِ بحكمي فيه، جراءةً عليَّ وعصيانًا لي. ويقول القرطبي في تفسيره لهذه الآية إن في قوله تعالى: “وَمَا أولٰئِكَ بِالْمؤْمِنِينَ” أي بحكمك أنه من عند الله، وقال أبو علي إن من طلب غير حكم الله من حيث لم يرضَ به فهو كافر.

ومن ذلك يتضح، أن الشريعة الإسلامية تعترف بالكتب السماوية التوراة والإنجيل وأحكامها، وأنها حق، ومن عند الله، وأن يعمل بما فيها أهلها الذين أمروا بالعمل بما فيها. ولما كان الميراث يُعد من الأمور الخاصة بالشريعة الإلهية التي أُنزلت على موسى والمبادئ المسيحية التي أرساها السيد المسيح على الأرض، ومن ثم فعلى من يتبع هذه الشرائع فليحتكم إليها.

أحكام الدستور والقانون المصري من ميراث المسيحيين

لم يكن لمصطلح الأحوال الشخصية وجود في مصر قبل القرن التاسع عشر، فبدأ الفقه والقضاء استخدام هذا المصطلح بعد أن وفد إلى اللغة القانونية مع دخول التقنيات الغربية في أواخر القرن التاسع عشر. ولم يكن له مدلول محدَّد عند استخدامه بل تُرك لاجتهاد الفقه والقضاء.

أولًا: أحكام الدستور المصري من ميراث المسيحيين

بدءًا من دستور عام 1971 وحتى دستور 2012 لم يكن في الدستور المصري نص صريح يمنح غير المسلمين الاحتكام لشرائعهم، ولكن نص المادة الثانية من الدستور بأن “مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع” تحمل في طياتها احتكام غير المسلمين لشريعتهم التي هي مرجعهم حيث استنكر القرآن أن يحكم أهل الإنجيل بغير الإنجيل، وجاء ذلك في قوله تعالى في سورة المائدة 47: “وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية: “إن الله تعالى لم ينزل كتابًا على نبي من أنبيائه إلا ليعمل بما فيه أهله الذين أُمروا بالعمل بما فيه، ولم ينزله عليهم إلا وقد أمرهم بالعمل بما فيه، فللعمل بما فيه أنزله، وأمرًا بالعمل بما فيه أنزله. فكذلك الإنجيل، إذ كان من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه، فللعمل بما فيه أنزله على عيسى، وأمرًا بالعمل به أهله أنزله عليه”. ومن ثم، فإن مبادئ وأحكام الشريعة المسيحية واجبة التطبيق في ضوء نصوص الشريعة الإسلامية.

واستحدثت الوثيقة الدستورية الصادرة عام 2012 -التي ألغيت بصدور دستور جمهورية مِصر العربية المعدل الصادر عام 2014- في مادته الثالثة على أن “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية. وشئونهم الدينية، واختيار قيادتهم الروحية”.

تقول المحكمة الدستورية العليا المصرية في بحث لها بعنوان “قراءة في نص المادة الثالثة من الدستور” منشور في مجلة المحكمة الدستورية، رقم العدد 31 العدد 60  للمستشار/ محمد عبد العزيز الشناوي. إن مبادئ الشريعة المسيحية تعني الأصول الكلية للعقيدة المسيحية، فيما تتصل بالعبادات أو المعاملات، وهي مبتدأ أحكامها، وبغيرها تفقد العقيدة الدينية هويتها وملامحها، التي تختص بها، وتميزها عما عداها من عقائد دينية أخرى.

“أن ما تآدت إليه المادة الثالثة من الدستور، باستبعادها عبارة “أحكام” شرائع المصريين المسيحيين، من أن تكون المصدر الرئيسي لتشريعات أحوالهم الشخصية، وقصر الأمر على “مبادئ” هذه التشريعات وحدها، وذلك من ناحيتين: الأولى: تحقيق التماثل في ماهية المصدر الرئيسي لتشريعات الأحوال الشخصية بين المصريين بمختلف عقائدهم الدينية. الثانية: إقالة المشرع؛ ومن بعده أحكام المحاكم؛ من التعثر في تحري واستقصاء أحكام شرائع المصريين المسيحيين بمذاهبهم الثلاثة، والطوائف التي تدخل تحت كل مذهب، وذلك فيما لو كان الدستور قد اعتد بأحكام شرائع المصريين المسيحيين، وقررها مصدرًا رئيسيًّا لتشريعات أحوالهم الشخصية، باعتبار أن هذه الأحكام هي “اجتهادات بشرية” لمعاني ودلالات آيات الإنجيل ومقاصدها، وهي اجتهادات تختلف بحسب المكان والزمان، وتقبل تطور مضامينها، في حدود “النصوص المقدسة”، ولها صور شتى، تتصدرها أقوال آباء الكنيسة الأولى الواردة في كتب “الدسقولية”، وقرارات المجامع المقدسة، المسكونية منها والمذهبية، والمراسيم البابوية الصادرة من الرئيس الأعلى للطائفة الدينية، والتقليد “العرف”، وجميع ما تقدم ذكره، يدخل ضمن “أحكام شرائع المصريين المسيحيين”، التي عرفوها خلال واحد وعشرين قرنًا، وهي مما يمكن الاعتداد بها أو بإحداها “كبديل تشريعي” في مسألة من مسائل الأحوال الشخصية للمصريين المسيحيين، مع مراعاة أن الاعتداد بهذه الأحكام أو إطراحها، لا يتحقق معه، في كلا الفرضين، مخالفة نص المادة الثالثة من الدستور”.

وينبني على الفهم السابق لعبارة “مبادئ شرائع المصريين المسيحيين” واحديتها، في مواجهة مذاهب المصريين المسيحيين الثلاثة المشار إليها، فهي المصدر الرئيسي لتشريعات أحوالهم الشخصية جميعها. ولما كان نص المادة العاشرة من الدستور على أن “الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية…”، فإنه يأتي حكم المادة الثالثة من الدستور موافقًا لهذا المؤدى، ذلك أن مبادئ شرائع المصريين المسيحيين المنظمة لأحوالهم الشخصية، إنما تتماهى مع مقاصد الدستور في مادته العاشرة من اعتبار الأسرة أساس المجتمع، فليس في تلك المبادئ ما يدعو إلى زعزعة استقرار الأسرة، أو يشي بغير الالتزام بصحيح الدين، والانضباط بمكارم الأخلاق، والاعتصام بالانتماء الوطني، وفي ذلك تشترك الأسرة المسيحية مع الأسرة المسلمة، على نحو ما قضت به المحكمة الدستورية العليا من أنه “لا يجوز في غير المسائل التي حسمتها نصوص دينية مقطوع بثبوتها ودلالتها، أن يمايز المشرع في مجال ربطها بين المصريين تبعًا لديانتهم، تقديرًا بأن الأصل هو تساويهم جميعًا في الحقوق التي يتمتعون بها، وكذلك على صعيد واجباتهم؛ وكانت الأسرة القبطية هي ذاتها الأسرة المسلمة، فيما خلا الأصول الكلية لعقيدة كل منهما، تجمعهما القيم والتقاليد عينها، وإلى مجتمعهم يفيئون تقيدًا بالأسس التي يقوم عليها في مقوماتها وخصائصها، وتعبيرًا عن انصهارهم في إطار أمتهم، ونأيهم عن اصطناع الفواصل التي تفرقهم أو الدعوة إليها، فقد صار أمرًا محتومًا ألا يمايز المشرع بينهم في مجال الولاية على النفس، التي تتحد مراكزهم بشأنها سواء في موجباتها أو حد انتهائها” (الدعوى رقم 79 لسنة 18 قضائية دستورية– جلسة 6/12/ 1997).

هذا وقد عرفت المادة 219 من دستور 2012 مبادئ الشريعة الإسلامية بأنها تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة التي تلتزم بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة المصدر الرئيسي للتشريع، ومن ثم، فإن مصادر الشريعة الإسلامية تندرج ضمن المبادئ الكلية في مفهوم نص المادة الثانية من الدستور، وقياسًا على ذلك فإن مبادئ الشريعة المسيحية المستخلصة من مصادرة المختلفة من الكتاب المقدس بعهدية القديم والجديد، وتعاليم الرسل، وقوانين المجامع المسكونية والمحلية والمكانية، وقوانين الآباء البطاركة هي المصدر الرئيس للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية والتي تشمل الزواج والطلاق والنفقة والميراث والهبة والوصية والوقف والتبني.

مما يتضح معه، أن مبادئ شريعة المسيحيين باختلاف مذاهبهم وطوائفهم والمُستَخلَصة من المصادر السابق ذكرها مصدرًا رئيسيًّا للتشريع فيما يتعلق بأحوالهم الشخصية، ويُعتد فيما تضمنته من أحكام تتعلق بالميراث في المسيحية، أسوةً بمبادئ الشريعة الإسلامية في ضوء مبدأ المساواة الدستورية.

ويثور تساؤل لدى البعض، هل الميراث من الأحوال الشخصية أم من الأحوال العينية؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب أن نوضح الفرق بينهما.

أولًا: الأحوال الشخصية  

يقصد بالأحوال الشخصية مجموعة الأحكام والمبادئ والمسائل التي تنظم علاقة الأفراد فيما بينهم من حيث أحكام الخطبة، والزواج، والمهر، والنفقة، والطلاق، والتطليق، والخلع، والنسب، والرضاع، والحضانة، والميراث، والوصية، والوقف. نصت المادة 28 من لائحة التنظيم القضائي للمحاكم المختلطة الصادرة بالقانون رقم 49 لسنة 1937، على أن تشمل الأحوال الشخصية “المنازعات والمسائل المتعلقة بحالة الأشخاص وأهليتهم أو المتعلقة بنظام الأسرة وعلى الأخص الخطبة والزواج وحقوق الزوجين وواجباتهما المتبادلة والمهر (الدوطة) ونظام الأموال بين الزوجين والطلاق والتطليق والتفريق والبنوة والإقرار بالأبوة وإنكارها والعلاقات بين الأصول والفروع والالتزام بالنفقة للأقارب والأصهار وتصحيح النسب والتبني والوصاية والقوامة والحجر والإذن بالإدارة وكذلك المنازعات والمسائل المتعلقة بالهبات والمواريث والوصايا وغيرها من التصرفات المضافة إلى ما بعد الموت وبالغيبة وباعتبار المفقود ميتًا”. ومن هنا يتضح أن الميراث من مسائل الأحوال الشخصية.

وبعد إلغاء القضاء المختلط وصدور قانون نظام القضاء رقم 147 لسنة 1949 نصت المادة 12 بأن “تختص المحاكم بالنسبة لغير المصريين بالفصل في المنازعات والمسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية” ونصت المادة 13 على أن تشمل الأحوال الشخصية “المنازعات والمسائل المتعلقة بحالة الأشخاص وأهليتهم أو المتعلقة بنظام الأسرة كالخطبة والزواج وحقوق الزوجين وواجباتهما المتبادلة والمهر والدوطة، ونظام الأموال بين الزوجين والطلاق والتطليق والتفرق والإقرار بالنفقة للأقارب والأصهار وتصحيح النسب والتبني والولاية والوصاية والقوامة والحجر والإذن بالإدارة والغيبة واعتبار المفقود ميتًا والتصرفات المضافة إلى ما بعد الموت”، وعدلت المادة 12 سالفة الذكر بالقانون رقم 461 لسنة 1955 بحيث أصبح اختصاص المحاكم بالنسبة للأحوال الشخصية يشمل المصريين والأجانب. وبصدور قانون السلطة القضائية رقم 56 لسنة 1959 لم يغيّر ما نصت عليه المادة 13 من القانون رقم 147 لسنة 1949 في شأن تحديد مسائل الأحوال الشخصية لعدم تعارضها مع أي نصوص في قانون السلطة القضائية 1959.

وفي عام 1965 صدر قانون السلطة القضائية رقم 43 الذي نص في مادته الأولى على إلغاء القانون رقم 56 لسنة 1959 في شأن السلطة القضائية، والقانون رقم 147 لسنة 1949 في شأن نظام القضاء. ويقول الدكتور حمدي عبد الرحمن إنه أصبح من مؤدَّى ذلك إلغاء المادة 13 من القانون رقم 147 لسنة 1949 وعودة مسألة تحديد ما يعد من مسائل الأحوال الشخصية مجالًا للاجتهاد في الفقه والقضاء، وأن ما ورد في المادتين المشار إليهما بقي على سبيل الاستئناس عونًا أساسيًّا في رأي بعض الفقه، وبقي الحال على هذا حتى صدور قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 حيث لم يتعرض لتحديد ما يُعد من الأحوال الشخصية.

ثانيا: الأحوال العينية

هي مجموعة القواعد القانونية التي تنظم الحقوق المالية والالتزامات المتعلقة بشيء مادي عيني عقار أو منقول. تمنح صاحبها سلطة مباشرة للتصرف فيه أو استغلاله دون وساطة. تُعرف الحقوق العينية بأنها المراكز القانونية للأموال كحق الملكية، وحق الارتفاق وتميزها عن الأحوال الشخصية المتعلقة بالأشخاص، ويوجد نوعان من الحقوق.

  • الحقوق العينية الأصلية: حق الملكية هو أبرز الحقوق العينية الأصلية، ويخول صاحبه الاستئثار بكل منافع الشيء المادي من استغلال واستعمال وتصرف. وحق الارتفاق كحق المرور، وحق الانتفاع.
  • الحقوق العينية التبعية: مثل التأمينات العينية هي حقوق لا تقوم بذاتها بل تستند إلى حق شخصي لتضمن الوفاء به، مثل الرهن الرسمي أو العقاري.

وإزاء تعلق الميراث بالمال من حيث طبيعته كسائر الحقوق العينية، لا يفقده خصائصه وما تحمله من صفات أو سمات أو خصال التي ينفرد بها دون غيرة، والتي تختلف عن الحقوق العينية التي تحكمها إرادة الطرفين، فلا دخل للمورث أو الوارث في حق الإرث لكونه يؤول لمن يستحق بقوة القانون بعد وفاة المورث. 

 

 

ثالثًا: رأي القضاء في شأن اعتبار الميراث من الأحوال الشخصية أم العينية

حاول القضاء المصري وضع تعريفًا للأحوال الشخصية، فقد استقرت محكمة النقض المصرية في حكمها الشهير بتاريخ ٢١/ ٦/ ١٩٣٤م على أن الأحوال الشخصية هي “مجموعة ما يتميز به الإنسان عن غيره من الصفات الطبيعية أو العائلية التي ترتب عليها القانون آثرا قانونيًّا في حياته الاجتماعية، ككونه ذكرًا أو أنثى وكونه زوجًا أو أرملًا أو مطلقًا أو أبًا أو ابنًا شرعيًّا، كونه تام الأهلية أو ناقصها لصغر سنه أو عته أو جنون، وكونه مطلق الأهلية أو مقيدها بسبب من أسبابها القانونية. أما الأمور المتعلقة بالمسائل المالية، فكلها بحسب الأصل من الأحوال العينية، وإذا فالوقف والهبة والوصية والنفقات على اختلاف أنواعه ومناشئها من الأحوال العينية لتعلقها بالمال واستحقاقه وعد استحقاقه. غير أن المشرِّع المصري وجد أن الوقف والهبة والوصية -وكلها من عقود التبرعات- تقوم على فكرة التصدق المندوب إليه ديانة. فألجأه هذا إلى اعتبارها من قبيل مسائل الأحوال الشخصية، فيما يخرجها من اختصاص المحاكم المدنية التي ليس من نظامها النظر في المسائل التي تحتوي عنصرًا دينيًّا ذا أثر في تقرير حكمها…”؛ فهذا الحكم قسَّم تلك المسائل إلى شخصية ومالية وألحق الوقف والوصية والهبة بمسائل الأحوال الشخصية بسبب التصدق المندوب إليه ديانة وتعني ما اقتضى الشرع فعله من غير إلزام، أي ما يتصدق به الشخص وفقًا لشريعته طواعيةً دون إلزام عليه. ومن ثم، إدخالها في اختصاص محاكم الأحوال الشخصية وليس المحاكم المدنية، وأُخذ على هذا الحكم أنه أدخل النفقات على اختلاف أنواعها في الأحوال العينية بالمخالفة لنص المادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية الصادرة بالمرسوم بقانون رقم 87 لسنة 1931 الصادر بتاريخ 12/ 5/ 1931 آنذاك والتي اعتبرت النفقات من مسائل الأحوال الشخصية. ومن ثم، يكون الاختصاص لقضاء الأحوال الشخصية.

رابعًا: رأي المحكمة الدستورية المصرية في شأن اعتبار الميراث من الأحوال الشخصية أم العينية  

انتهت المحكمة الدستورية في بحثها المشار إليه إلى أنه نشأ اصطلاح “الأحوال الشخصية”، في الحقبة الزمنية التي بدأت مع نهاية القرن التاسع عشر واستمرت خلال القرن العشرين، بسبب تعدد جهات القضاء، وتعدد القوانين واجبة التطبيق. وكان تحديد المسائل التي تُعدُّ من الأحوال الشخصية له أهمية في تحديد جهة القضاء المختصة، والقانون واجب التطبيق، سواء بالنسبة للأجانب أو للمصريين، ولقد تصدت محكمة النقض لتعريف الأحوال الشخصية بحكمها الصادر في 21 يونيو سنة 1934، الذي قررت فيه أن “الأحوال الشخصية هي مجموعة ما يتميز به الإنسان عن غيره من الصفات الطبيعية ككونه ذكرًا أو أنثى، وكونه زوجًا أو أرملًا أو مُطلقًا، أو ابنا شرعيًّا، أو كونه تام الأهلية أو ناقصها لصغر السن أو عته أو جنون، أو كونه مطلق الأهلية، أو مقيدها بسبب من أسبابها القانونية”.

ولم يبتعد المشرع في المادة 13 من قانون نظام القضاء الصادر بالقانون رقم 147 لسنة 1949 عن هذا التعريف لمصطلح الأحوال الشخصية، بنصه على أن “تشمل الأحوال الشخصية المنصوص عليها في المادة السابقة، المنازعات في المسائل المتعلقة بحالة الأشخاص وأهليتهم أو المتعلقة بنظام الأسرة، كالخطبة والزواج وحقوق الزوجين، وواجبتهما المتبادلة، والمهر والدوطة ونظام الأموال بين الزوجين، والتطليق، والتفريق، والبنوة، والإقرار بالأبوة وإنكارها، والعلاقة بين الأصول والفروع، والالتزام بالنفقة للأقارب والأصهار، وتصحيح النسب والتبني، والولاية والوصاية والقوامة والحجر والإذن بالإدارة، وبالغيبة، واعتبار المفقود ميتًا، وكذلك المنازعات والمسائل المتعلقة بالمواريث، والوصايا وغيرها من التصرفات المضافة إلى ما بعد الموت”.

وعلى الرغم من إلغاء هذا النص، فإن تعريفه للأحوال الشخصية “إجمالًا”، لا يزال قائمًا، ومن ثم فإن الأحوال الشخصية بمعناها المطلق، تشمل أربع مسائل رئيسية هي:  

  • حالة الشخص وأهليته. 
  • نظام الأسرة وما يلحقه من مسائل الولاية على النفس.
  • القوامة، والحجر، والإذن بالإدارة، والغيبة، واعتبار المفقود ميتًا.
  • المواريث والوصايا وغيرها من التصرفات المضافة إلى ما بعد الموت.
  • في ضوء ما سبق، لنا أن نتساءل هل تُعد مبادئ شرائع المسيحيين من النظام العام في مصر؟

عرفت محكمة النقض “النظام العام” بأنه يشمل القواعد التي ترمي إلى تحقيق المصلحة العامة للبلاد، سواء من الناحية السياسية، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية، والتي تتعلق بالوضع الطبيعي المادي أو المعنوي لمجتمع منظم، وتعلو فيه على مصالح الأفراد، وتقوم فكرته على أساس مذهب تدين به الجماعة بأسرها، ولا يجب ربطه البتة بأحد أحكام الشرائع الدينية، وإن كان هذا لا ينفي قيامه أحيانًا على سند مما يمت إلى العقيدة الدينية بسبب، متى أصبحت هذه العقيدة وثيقة الصلة بالنظام القانوني والاجتماعي المستقر في ضمير الجماعة بحيث يتأذى الشعور العام عند عدم الاعتداد به، مما مفاده وجوب أن تنصرف هذه القواعد إلى المواطنين جميعًا من المسلمين وغير المسلمين بصرف النظر عن دياناتهم، فلا يمكن تبعيض فكرة النظام العام، وجعل بعض قواعده مقصورة على المسيحيين وينفرد المسلمون ببعضها الآخر، إذ لا يتصور أن يكون معيار النظام العام شخصيًّا أو طائفيًّا، وإنما يتسم تقديره بالموضوعية متفقًا وما تدين به الجماعة في الأغلب الأعم من أفرادها. (الطعن رقم 16/ 26 لسنة 48 قضائية – جلسة 17/1/1979). ولتحديد معيار النظام العام يجب البحث عن القواعد التي تحقق مصلحة عامة عليا اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية، بغض النظر عن الاعتبار الديني، كون الدستور كفل حرية الاعتقاد بغير تمييز. ومن ثم، لا تندرج شريعة المسيحيين تحت مسمَّى النظام العام حتى نستطيع القول إن خصوصيتها بالنسبة لفئة معينة في المجتمع تخالف النظام العام.

نظرت محكمة استئناف طنطا في الاستئناف رقم 1170 لسنة 47 ق بجلسة 25/5/2015 الطعن في مادة إعلام وراثة قد أصدرت محكمة أول درجة حكمها فيه بتحقيق وفاة المورثة وانحصار إرثها في إخوتها الأشقاء ويستحقون جميع تركتها تعصيبًا للذَّكَر مثل حظ الأنثيين. وانتهت محكمة الاستئناف بتعديل القرار الصادر في طلب إعلام الوراثة بتحقيق وفاة المورثة وانحصار إرثها في إخوتها الأشقاء ويستحقون جميع تركتها للذكر مثل الأنثى، تأسيسًا على أن المتوفاة ليس لديها فروع أو أصول ولها حواش هم إخوتها الأشقاء وإعمالًا لنص المادة 247 من لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس 1938 “إذا لم يكن للمورث فرع ولا أب ولا أم فإن صافي تركته بعد استيفاء نصيب الزوج أو الزوجة يؤول إلى إخوته وأخواته ويقسم بينهم حصصًا متساوية متى كانوا متحدين في القوة…” إعمالًا لأحكام المادة الثالثة من مواد إصدار القانون رقم 1 لسنة 2000 في شأن تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية التي نصت أن “تصدر الأحكام في المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية بين المصريين غير المسلمين المتحدي الطائفة والملة الذين كانت لهم جهات قضائية ملية منطبقة حتى 31 ديسمبر 1955 طبقًا لشريعتهم فيما لا يخالف النظام العام”.

ولما كان ذلك، وإزاء عدم مخالفة شريعة الأقباط الأرثوذكس للنظام العام كما سلف وأن أوضحنا ولوجود نص صريح في شريعتهم يُعطي للإخوة الأشقاء إرث أختهم المتوفاة لعدم وجود فروع أو أصول وارثة. ومن ثم يكون القضاء قد أصدر حكمة فيما يتفق والقانون واعترافًا صريحًا بالباب الحادي عشر من لائحة 1938 في شأن الميراث لذا تطبيق شريعة الميراث للأقباط الأرثوذكس المنصوص عليها في هذا الباب ومن بينها المادة 245 التي نصت على أنه “إذا تعددت الفروع وكانوا من درجة واحدة قسمت التركة فيما بينهم أنصبة متساوية ولا فرق في ذلك بين ذكر والأنثى…”. هي الواجبة التطبيق دون غيرها في حالة اتحاد الملة والطائفة بين الطبقات الوارثة.  

ثانيًا: أحكام القانون المصري من ميراث المسيحيين

بداية يجب أن نوضح تدرج التشريعات الوضعية بالنسبة للميراث بصفة عامة وللمسيحيين بصفة خاصة، وذلك من خلال العرض التالي:

  • القانون رقم 25 لسنة 1944 الصادر بتاريخ 27/3/1944 بشأن بيان القانون الواجب التطبيق في مسائل المواريث والوصايا

نص على أن “قوانين الميراث والوصية وأحكام الشريعة الإسلامية فيها هي قانون البلد فيما يتعلق بالمواريث والوصايا على أنه إذا كان المورث غير مسلم جاز لورثته في حكم الشريعة الإسلامية وقوانين الميراث والوصية أن يتفقوا على أن يكون التوريث طبقًا لشريعة المتوفَّى”.

ومفاد هذه المادة هو تطبق قانون البلد فيما يتعلق بمنازعات المواريث والوصية وأحكام الشريعة الإسلامية في حالة عدم وجود نص قانوني بالنسبة للمسلمين وغير المسلمين، إلا أن المشرع أناط لغير المسلمين من المسيحيين واليهود أن تطبق شريعة المورث -المتوفَّى- المنصوص عليها في الباب الحادي عشر من لائحة 1938 للأقباط الأرثوذكس السارية آنذاك شريطة أن يكون هناك اتفاق بين الورثة على توزيع الأنصبة وفقًا لشريعتهم وذلك في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية التي أجازت بدورها لغير المسلمين الاحتكام إلى شرائعهم ومن بينها الميراث.

  • القانون رقم 131 لسنة 1948 بإصدار القانون المدني الصادر بتاريخ 29/7/1948

ظل الوضع على ما كان عليه في ظل القانون رقم 25 لسنة 1944 بشأن الميراث حتى صدور القانون المدني رقم 131 لسنة 1948 والذي نص في المادة 12 على أنه “يرجع في الشروط الموضوعية لصحة الزواج إلى قانون كل من الزوجين”. قضت محكمة النقض في الطعن رقم 62 لسنة 61 ق جلسة 25/5/1993 إلى أن “زواج المصري وقت رفع الدعوى. مؤداه. خضوع التطليق والانفصال للقانون المصري. تعلق ذلك بالنظام العام”. لتحديد القانون الواجب التطبيق لصحة الزواج ومن ثم الميراث باعتباره من الأحوال الشخصية للإنسان. وجب أن نفرق بين الشروط الشكلية والموضوعية للزواج. أن الشروط الشكلية (الإجرائية)، هي التي تتعلق بالإجراءات الواجب اتباعها في رفع الدعوى، بينما الشروط موضوعية، ترتبط بجوهر النزاع وأصل الحق المطالب به وأطراف النزاع. ولما كان الشكل مقدَّمًا عن الموضوع فإن مخالفة الشكل يؤدي لبطلان الإجراءات، بينما الموضوع يؤدي إلى رفض الدعوى. وبناء على ذلك فإن الميراث يأخذ حكم الزواج في نص هذه المادة. ومن ثم، يُرجع إلى الشروط الموضوعية للميراث عند المسيحيين وفقًا لشريعتهم بعد توفر الشروط الشكلية أو الإجرائية والتي تخضع في تطبيقها لقانون الدولة التي تُنظر فيها دعوى الميراث.

كما أن نص المادة 13 بند 1 من ذات القانون من أن “يسري قانون الدولة التي ينتمي إليها الزوج وقت انعقاد الزواج على الآثار التي يرتبها عقد الزواج، بما في ذلك من أثر بالنسبة إلى المال”. ونصت المادة 14 من القانون ذاته أيضًا عل أنه “في الأحوال المنصوص عليها في المادتين السابقتين إذا كان أحد الزوجين مصريًّا وقت انعقاد الزواج، يسري القانون المصري وحده فيما عدا شرط الأهلية للزواج”. مفاد هذين النصين في ضوء حكم محكمة النقض المشار إليه، أنه متى كان الزوج مصريًّا وقت رفع الدعوى خضع التطليق والانفصال للقانون المصري، وكان من المقرر أن نص المادة 14 المشار إليها نص أمر متعلق بالنظام العام، وكان عقد الزواج لا يُكسب أيًّا من الزوجين فيما يختص بالطلاق أو بالتطليق حقًّا مستقرًّا لا يتأثر بما قد يطرأ بعد إبرامه؛ مما يكون من شأنه سريان قانون آخر في هذا الخصوص؛ وكان البين من الأوراق أن الطاعنة والمطعون ضده من المصريين يتمتعان بالجنسية المصرية رغم حصولهما على الجنسية الأمريكية. فإنه يتعين تطبيق أحكام القانون المصري على وقائع النزاع ولو عرض الأمر على محكمة أجنبية بحكم الاختصاص الدولي للمحاكم وإذا ما صدر حكم يخالف ذلك فإنه يمتنع على القاضي المصري الأمر بتنفيذه. وقد أقرت محكمة النقض أيضًا في الطعن رقم 15 لسنة 38 ق جلسة 15/11/1972 إلى أن “النزاع حول صحة الزواج بين زوج مصري وزوجة يونانية ينتمي كلاهما لطائفة الروم الأرثوذكس. وجب تطبيق شريعة هذه الطائفة على النزاع”. ومن ثم، وقياسًا على ذلك تُطبَّق شريعة المورث في حالة اتفاق الورثة المتحدي الديانة والملّة والطائفة عند توزيع الميراث.

ونصت المادة 17 في البند 1 من القانون ذاته على أن “يسري على الميراث والوصية وسائر التصرفات المضافة إلى ما بعد الموت، قانون المورّث أو الموصي أو من صدر منه التصرف وقت موته”. وفي البند 2 إلى أن “ومع ذلك يسري على شكل الوصية، قانون الموصي وقت الإيصاء، أو قانون البلد الذي تمت فيه الوصية، وكذلك الحكم في شكل سائر التصرفات المضافة إلى ما بعد الموت”. قضت محكمة النقض في الطعن رقم 368 لسنة 33 ق جلسة 24/11/1971 إلى أنه “إذا كانت المادة 17/1 من القانون المدني تنص على أنه يسري على الميراث والوصية وسائر التصرفات المضافة إلى ما بعد الموت قانون المورث أو الموصي أو من صدر منه التصرف وقت موته وكان الثابت من الحكم المطعون فيه أن المورث يوناني الجنسية، وكانت المادة ١٤٢٦ من القانون المدني اليوناني تنص على أنه في حال انحلال الزواج ترد الدوطة إلى الزوجة أو إلى ورثتها وتنتهي كل إدارة لها وانتفاع من الزوج على أموال الدوطة فإن مفاد ذلك أن الدوطة طبقًا للقانون المدني اليوناني تظل على ملك الزوجة ولا يكون للزوج سوى حق الانتفاع ما دامت الحياة الزوجية قائمة، فإذا انحلت عقدة الزواج بالوفاة تعين رد الدوطة إلى الزوجة، مما مؤداه أن الدوطة عند وفاة الزوج لا تعتبر من تركته بل ترد إلى الزوجة التي عاد إليها حق الانتفاع”. ومن هنا يتضح أنه يسري من حيث الشكل في توزيع الميراث قانون المورث “المتوفَّى” باعتباره من التصرفات المضافة إلى ما بعد الموت، ويطبق على الميراث من الناحية الموضوع شريعة المورث لكونها شأن ديني تتعلق بجوهر العقيدة ومن ثم فهي الواجب التطبيق في شأن الميراث.

هذا وقد اعُتبر الميراث من أسباب كسب الملكية في القانون المدني المصري؛ إذ نصت المادة 875 بند 1 منه على أن “تعيين الورثة، وتحديد أنصبتهم في الإرث، وانتقال أموال التركة إليهم، تسري في شأنها أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة في شأنها”. ونُظمت أحكام الميراث الإجرائية والموضوعية بمقتضى القانون رقم 77 لسنة 1943. إلا أن القانون رقم 1 لسنة 2000 بشأن تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية نص في المادة الأولى منه على “سريان أحكام القانون المرفق على إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية والوقف ويطبق فيما لم يرد بشأنه نص خاص فيه أحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية وأحكام قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية وأحكام القانون المدني في شأن إدارة وتصفية التركات…”، ومفاد هذه المادة أن القانون رقم 1 لسنة 2000 باعتباره قانونًا خاصًّا بإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية هو الواجب التطبيق دون غيره على مسائل الأحوال الشخصية، وفي حالة عدم ورود نص فيه يطبق القوانين الوارد ذكرها، تأسيسًا على القاعدة القانونية الفقهية “الخاص يقيد العام”. وإزاء ما نصت عليه المادة الثالثة من مواد إصدار ذات القانون من أن “تصدر الأحكام في المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية بين المصريين غير المسلمين المتحدي الطائفة والملة الذين كانت لهم جهات قضائية ملية منطبقة حتى 31 ديسمبر 1955 طبقًا لشريعتهم فيما لا يخالف النظام العام”. مما لا يضع مجالًا للشك بنصوص قاطعة الثبوت والدلالة أن أحكام الشريعة المسيحية المستمدة من الكتاب المقدس والمصادر المختلفة للتشريع هي واجبة التطبيق في كل ما يتعلق بمنازعات الأحوال الشخصية لاسيما الميراث.

ويثور التساؤل عن أثر نفاذ المادة الثالثة من الدستور، على التشريعات التي أخضعت بعض مسائل الأحوال الشخصية إلى تشريعات موحدة، تسري في مواجهة المصريين، أيًّا كانت عقيدتهم الدينية؟

رأت المحكمة الدستورية في ضوء تعريف مبادئ شرائع المصريين المسيحيين، أنه كلما كانت المسألة المعروضة على المشرع أو القاضي، من خصائص الإيمان بالعقيدة الدينية، وعنصرًا جوهريًّا من عناصرها، بما يتآدى إلى اعتبارها، لبنة أساسية في هوية معتنقها، ومدخلًا أكيدًا إلى بنيان شخصيته، صارت هذه المسألة بغير شبهة من مسائل الأحوال الشخصية.

أصدرت محكمة أسرة حلوان للأحوال الشخصية ولاية على النفس حكمها في القضية رقم 3743 لسنة 2019 بإبطال أعلام الوراثة رقم (…..) لسنة 2018 وراثات حلوان الصادر بتوزيع الأنصبة وفقًا للشريعة الإسلامية، وبتحقيق وفاة المرحوم/… وانحصار إرثه الشرعي في أبنائه…،…،… يستحقون إرث المتوفَّى بالسوية بينهم، تأسيسًا على أن الثابت من أوراق الدعوى ومستنداتها التي تطمئن إليها المحكمة وتعول وبقضائها، أن إعلام الوراثة السالف قد صدر بتحقيق وفاة المرحوم/… المتوفَّى بتاريخ 1/12/2018 وذلك جاء بتوزيع الأنصبة وفقًا لمبادئ الشريعة الإسلامية والقضاء بما لم يطلبه الخصوم، كون المتوفَّى والورثة مسيحيّي الديانة متَّحِدي الملة والطائفة أقباط أرثوذكس، ومن المتعين تطبيق المادة ٢٤٥ من لائحة الأقباط الأرثوذكس الصادرة سنة ۱۹۳۸ وتعديلاتها والمساواة في توزيع الأنصبة الميراثية بين الأنثى والذكر من الورثة مستحقي الإرث، وكان المدَّعَى عليهم لم ينازعوا فيما ذهبت إليه المدعية بدفع أو دفاع وكان الثابت للمحكمة مثول المدعي عليهما بشخصية وسلموا بالطلبات، الأمر الذي تكون معه دعوى المدعية قد جاءت على صحيح من الواقع والقانون متعينًا قبولها. ومن ثم فإن شريعة الميراث للأقباط الأرثوذكس هي الواجبة التطبيق دون غيرها في حالة اتحاد الملة والطائفة بين الطبقات الوارثة.  

توزيع الميراث لدى المذاهب والطوائف المسيحية

يخضع نظام الميراث للأقباط الأرثوذكس في مِصر إلى أحكام لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس الصادرة التي أعدها المجلس الملي العام في 9 مايو سنة 1938، والتي تم العمل بها اعتبارًا من 8 يوليو سنة 1938، وقد صدر حكم محكمة النقض في الطعن رقم 4 لسنة 42 قضائية، أحوال شخصية، بجلسة 6/6/1973 بأن أحكام هذه اللائحة هي الواجبة التطبيق دون غيرها، ولا محلَّ للتحدي بأحكام مجموعة سنة 1955. ومن ثم أصبحت هذه اللائحة هي التشريع الواجب التطبيق على ميراث الأقباط الأرثوذكس حسبما تضمنه الباب الحادي عشر من تلك اللائحة. كما يخضع نظام الميراث لدى طائفة الإنجيليين الوطنيين إلى أحكام القانون رقم 1902. وطوائف الكاثوليك لقانون الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية.

عُرف الميراث بأنه “انتقال تركة شخص بعد وفاته إلى من تؤول إليهم بحكم القانون” وهو كل ما يخلفه المتوفَّى من مال أو عقار أو خلافة يكون مُستَحَقًّا لورثته الشرعيين وفقًا لأحكام تلك اللائحة وذلك بعد سداد الديون المستَحَقَّة على المورث قبل وفاته.

 

أولًا: شروط الميراث

لا خلاف بين المذاهب والطوائف المسيحية في الشروط الواجبة للميراث، وفقًا لحكام المادة 232 من لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، والمادة 209 من قانون الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية، والمادة 64 من قانون الأحوال الشخصية للإنجيليين. وهما:

  • موت المورث حقيقةً أو حكمًا. (ويقصد بالموت حكمًا: كمن صدر حكم بموته لغيبته غيبةً منقطعةً).
    • تحقق حياة الوارث بعد موت المورث أو إلحاقه بالأحياء تقديرًا كالجنين بشرط أن يولد حيًّا.

وأوضحت المادة 65 من قانون الأحوال الشخصية للإنجيليين من يُعتبر مؤقتًا في حكم الحي، هو الحمل المحقَّق وجوده قبل وفاة المورث ويقدر له نصيب ذكر حتى يولد فإن ولد حيًّا وعاش حيًّا ولو يومًا واحدًا ورث وإلا فلا.

ومن ثم، الجنين في بطن أمه يصبح وارثًا إلى أن يولد، فإن وُلِد حيًّا حتى ولو ساعة ثم مات فإنه يرث ويورث، أما إذا مات في بطن أمه وولد ميتًا فلا يرث ولا يورث. ولا ينال من ذلك عدم استخراج شهادة ميلاد ومن ثم شهادة وفاة. فإنه يمكن إثبات ذلك بكافة طرق الإثبات القانونية من بينها شهادة من المستشفى تثبت فيها ولادته حيًّا.

 

ثانيًا: أهلية الميراث

اتفقت إلى حدٍّ ما المذاهب والطوائف المسيحية في موانع الميراث أو من يفقد أهليته للميراث، فاتفقت المذاهب الثلاثة في موانع الميراث وهي:

  • من قتل أو شرع أو اشترك في قتل مورثه. فيكون غير أهلٍ للإرث، من قتل مورثه أو شرع في قتله عمدًا أو اشترك في إحدى هاتين الجنايتين بأية صورة من صور الاشتراك القانوني وثبت عليه ذلك بحكم قضائي.
  • من اعتنق دينًا غير الدين المسيحي. فيكون غير أهلٍ للإرث من اعتنق دينًا غير الدين المسيحي وظل ذلك حتى وفاة المورث.
  • من فقد أهلية الميراث، لا يرث حتى لو كانت هناك وصية من مورثه.

إلا أن طائفة الإنجيليين الوطنيين توسعت في موانع الميراث؛ ففي المادة 66 من قانون الأحوال الشخصية أقرت بعدم توريث من أمكنه إنقاذ مورثه من الهلاك وتقاعس عنه عمدًا، ومن علم بقاتل مورثه ولم يبلغ عنه المحاكم. إلا أنها جاءت في المادة 67 من القانون ذاته، ونصَّت على عدم سريان حكم المادة 66 المشار إليها على كل من أبناء المرحوم من الميراث ولا على أبناء أبنائه، وإن سلفوا، ولا على أبويه وأجداده، وإن علوا ولا على زوجته ولا على إخوته وأخواته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته وأولاد إخوته وأولاد إخوته ولا على أصهاره.

 

ثالثًا: الطبقات الوارثة

  • الورثة الذين يأخذون كل التركة، أو ما بقي منها بعد استيفاء فرض الزوج أو الزوجة، هم سبع طبقات مقدم بعضها على بعض كالترتيب الآتي: الطبقة الأولى: طبقة الفروع. الطبقة الثانية: طبقة الوالدين. الطبقة الثالثة: طبقة الإخوة. الطبقة الرابعة: طبقة الأجداد. الطبقة الخامسة: طبقة الأعمام والأخوال. الطبقة السادسة: طبقة آباء الأجداد. الطبقة السابعة: طبقة أعمام الأبوين وأخوالهما.
  • فإن لم يوجد أحد من أفراد هذه الطبقات السبع تؤول التركة كلها للزوج أو الزوجة. فإن لم يوجد أحد من هؤلاء ولا أولئك تؤول التركة إلى دار البطريركية.

واستقرت محكمة النقض في القضية رقم 9 لسنة 4 قضائية جلسة 30/5/1935 على “إن القاعدة الأساسية في مواريث المصريين غير المسلمين أنها تُجرَى وفق أحكام الشريعة الإسلامية ما لم يتفق الورثة الذين تعترف الشريعة بوراثتهم ويتراضوا على غير ذلك والقانون الصادر في 14 مايو سنة 1883 بترتيب مجالس طائفة الأقباط الأرثوذكس وبيان اختصاصاتها لا يشذ عن تلك القاعدة، بل إن المادة 16 منه وهي التي أشارت لمسألة المواريث لم تنص على أن الحكم فيها يكون حسب الشريعة المسيحية، بل كل ما في الأمر أنها نصت على ما يفيد اختصاص تلك المجالس بالحكم في الوراثة متى قبل كل الورثة اختصاصها. أما أن يكون حكمها فيها بحسب شريعة أخرى غير الشريعة الإسلامية، فإن عبارة المادة لا يفهم منها هذا، بل لابد من أن يتفق كل الورثة على ذلك فيعمل باتفاقهم الذي هم أحرار فيه ما داموا يكونون أهلًا للتصرف في حقوقهم”.

وأكدت محكمة النقض في حكمها بالطعن رقم ٣ لسنة ٧٤ قضائية -دائرة الأحوال الشخصية- جلسة 14/2/2017، “أن المقرر في قضاء محكمة النقض أن أحكام الشريعة الإسلامية والتقنينات المستمدة منها تسري على جميع المصريين مسلمين أو غير مسلمين في شأن المواريث ومنها تعيين الورثة وتحديد أنصبتهم”.

ولما كانت أحكام الشريعة الإسلامية أعطت المسيحيين واليهود الاحتكام إلى شرائعهم على النحو السابق إيضاحه. الأمر الذي يتضح معه أن لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس الصادرة عام 1938 تتفق وصحيح الدستور والقانون وأحكام الشريعة الإسلامية.

 

رابعًا: أنواع الورثة واستحقاق كل منهم في الميراث

الورثة قسمان، الأول: يأخذ سهمًا معينًا من التركة في أحوال معينة. والثاني: يأخذ كل التركة أو يأخذ ما بقي منها بعد فرض الزوج أو الزوجة، ويشمل الفروع، والوالدين، والإخوة، والأجداد، والحواشي. وسوف نقتصر هنا على بيان ميراث الزوج والفروع باعتبارهما محل هذه الدراسة، وذلك على النحو التالي:

أولًا: ميراث الزوج أو الزوجة

ميراث الزوج أو الزوجة في شريعة الأقباط الأرثوذكس يختلف حسب عدد الفروع وذلك بأن:

  • النصف: إذا لم يكن للزوج أو الزوجة فرع وارث مطلقًا، بغضِّ النظر عما إذا كان للزوج أو الزوجة أصول أو حواشٍ.
  • الربع: إذا كان للزوج أو الزوجة ثلاثة أولاد أو أقل ذكورًا أو إناثًا.
  • حصة مساوية لحصة أحد أولاد الزوج أو الزوجة: إذا كان للزوج أو الزوجة أكثر من ثلاثة أولاد.
  • كل التركة: إذا لم يكن للزوج أو الزوجة وارث من الفروع أو الأصول أو الحواشي.

          أما ميراث الكاثوليك، والإنجيليين الوطنيين، فلم يتحدثا عن نصيب معين للزوج أو الزوجة في ميراث مورثه، بل اكتفى بأنهما من مستحقي الإرث.

ثانيًا: ميراث فروع المورث

الفرع هم الطبقة الأولى من الورثة وتشمل، الابن، والبنت، وابن الابن، وبنت الابن إذا تعدَّدت الفروع وكانوا من درجة واحدة قسمت بينهم بالتساوي. بعد استيفاء نصيب الزوج أو الزوجة. فنصت المادة 245 من لائحة الأقباط الأرثوذكس 1938 بأن الأنصبة تكون على النحو التالي:

النصف: إذا ترك المورث ابنًا وبنتًا أخذ كل منهما النصف.

الثلث: إذا ترك المورث ثلاثة من أبناء الدرجة الثانية كابن ابن، وبنت بنت، وابن بنت أخذ كل منهما الثلث.

الابن الوارث: إذا مات شخص عن ابن، وابن ابن لذلك الابن، ورثه الابن وحده دون ابنه.

الابن الوارث مع فرعٍ لابن: إذا مات المورث عن ابن على قيد الحياة، وأولاد ابن مات من قبله. قسمت التركة إلى نصفين أحدهما للابن الحي يرثه بصفته هذه، والثاني لأولاد الابن المتوفَّى يرثونه بطريق النيابة عن أبيهم المتوفَّى.

الإرث بالنيابة: يتعدى من فرع إلى آخر فلا يقف عن حد. مثال: توفي إبراهيم (المورث) ولديه ولدان مرقس (على قيد الحياة) وبطرس (متوفَّى) وترك بطرس ولدين بولس (على قيد الحياة) وحنا (متوفَّى) ترك حنا ولدًا أو عدة أولاد. فإن التركة في هذه الحالة تُقسَّم إلى نصفين أحدهما يأخذه مرقس والثاني يؤول إلى فروع بطرس وهم (بولس- وحنا) ثم يُقسَّم نصيب بطرس إلى قسمين أحدهما يأخذه بولس (على قيد الحياة) والثاني يأخذه ابن أو أبناء حنا (المتوفَّى). 

      أما ميراث الكاثوليك فنَّصت المادة 213 من قانون الأحوال الشخصية أن مواريث العالميين (أهل العالم) من أبناء الطوائف الكاثوليكية تخضع في أحكامها وتقرير أنصبتها للقوانين المدنية.

ونصت شريعة الإنجيليين الوطنيين في المادة 73 من قانون الأحوال الشخصية أن للذكر مضاعف نصيب الأنثى في جميع متروكات مورثه ثابتة كانت أم منقولة.

ومن ثم، نجد أن شريعة الأرثوذكس نصت على المساواة التامة بين الذكر والأنثى في الميراث وفقًا لمبادئ الشريعة المسيحية التي نصت على المساواة التامة بين الجنسين في كل شيء، إلا أن شريعة الكاثوليك والإنجيليين الوطنيين تأثرت في توزيع الأنصبة الشرعية على أبناء طائفتهما بالتشريعات الوضعية في شأن المواريث السائدة لدى المجتمع المِصري آنذاك، باعتبارها الشريعة العامة التي تسري على كل من هو متواجد على أرض مِصر. وأن ذلك لا يغل يديهما في العدول عن ذلك وتوزيع الأنصبة في ضوء مفهوم وأحكام نص المادة الثانية من الدستور المصري 2014 السابقة إيضاحها، ونص المادة الثالثة الصريح الذي منح غير المسلمين الاحتكام إلى شرائعهم. حيث إن مبادئ شريعة المسيحيين تعني الأصول الكلية للعقيدة المسيحية، فيما تتصل بالعبادات أو المعاملات، وهي مبتدأ أحكامها، وبغيرها تفقد العقيدة الدينية هويتها وملامحها، التي تختص بها، وتميزها عما عداها من عقائد دينية أخرى.

وينبني على الفهم السابق لعبارة “مبادئ شرائع المصريين المسيحيين” واحديتها، في مواجهة مذاهب المصريين المسيحيين الثلاثة المشار إليها، فهي المصدر الرئيسي لتشريعات أحوالهم الشخصية جميعها. ولعل هذه الرؤية هي التي دعت أصحاب المذاهب الثلاثة إلى اقتراح تشريع موحد بينهم ينظم أحوالهم الشخصية، ويعكس وحدة مبادئهم في شأنها.

كما يثور تساؤل عن مدى دستورية تطبيق قوانين الأحوال الشخصية للطوائف والمذاهب المسيحية الصادرة قبل العمل بالدستور المصري 2014.

نصت المادة 224 من الدستور المصري ذاته على أن “كل ما قررته القوانين واللوائح من أحكام قبل صدور الدستور، يبقي نافذًا، ولا يجوز تعديلها، ولا إلغاؤها إلا وفقًا للقواعد، والإجراءات المقررة في الدستور. وتلتزم الدولة بإصدار القوانين المنفذة لأحكام هذا الدستور”. ومن ثم، أضحت القواعد التي تنظم شؤون غير المسلمين من مسيحيين ويهود في مصر هي الواجبة التطبيق بالنسبة لأحوالهم الشخصية ومن ثم للميراث دون الحاجة إلى إصدار تشريع جديد في ظل ما نصت عليه المادة الثالثة من دستور 2014 وما قبله. 

 

خاتمة

وفي النهاية، لا أملك إلا أن أقول إنني قد أبرزت وجهة نظري العلمية بما يحقق الغاية من البحث. لعلي أكون قد وُفِّقت في كتابته والتعبير عنه. فتصديت لأحكام الدستور المصري 2014 والقوانين المنظمة لمسائل الميراث في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية التي أوجبت جميعها على غير المسلمين من المسيحيين واليهود الاحتكام إلى شرائعهم فيما يتعلق بأحوالهم الشخصية ولاسيما الميراث. وقد انتهينا إلى عدة نتائج وتوصيات تتمثل فيما يلي:

 

 

أولًا: النتائج

– إن شريعة الموسوية تُطبق في شأن توزيع الميراث في ضوء مبادئ وتعاليم السيد المسيح ومخالفة ذلك يُعد مخالفة لمبادئ وجوهر الشريعة الإلهية.

إن الشريعة الإسلامية تعترف بالكتب السماوية التوراة والإنجيل وأحكامها، وأنها حق، ومن عند الله، وأن يعمل بما فيها أهلها الذين أُمروا بالعمل بما فيها. ومن ثم، فإن مبادئ وأحكام الشريعة المسيحية واجبة التطبيق في ضوء نصوص الشريعة الإسلامية.

إن مصادر الشريعة الإسلامية تندرج ضمن المبادئ الكلية في مفهوم نص المادة الثانية من الدستور، وقياسًا على ذلك فإن مبادئ الشريعة المسيحية المُستَخلَصة من مصادرها المختلفة من الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، وتعاليم الرسل، وقوانين المجامع المسكونية والمحلية والمكانية، وقوانين الآباء البطاركة هي المصدر الرئيس للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، ويُعتد فيما تضمنته من أحكام تتعلق بالميراث في المسيحية، أسوةً بمبادئ الشريعة الإسلامية في ضوء مبدأ المساواة الدستورية.

إن تعلُّق الميراث بالمال من حيث طبيعته كسائر الحقوق العينية، لا يفقده خصائصه وما تحمله من صفات أو سمات أو خصال التي ينفرد بها دون غيره، والتي تختلف عن الحقوق العينية التي تحكمها إرادة الطرفين، فلا دخل للمورث أو الوارث في حق الإرث لكونه يؤول لمن يستحق بقوة القانون بعد وفاة المورث.

لتحديد معيار النظام العام يجب البحث عن القواعد التي تحقق مصلحة عامة عليا اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية، بغض النظر عن الاعتبار الديني، كون الدستور كفل حرية الاعتقاد بغير تمييز. ومن ثم، لا تندرج شريعة المسيحيين تحت مُسمَّى النظام العام حتى نستطيع القول إن خصوصيتها بالنسبة لفئة معينة في المجتمع تخالف النظام العام.

إن أحكام الشريعة المسيحية المُستَمَدَّة من الكتاب المقدس والمصادر المختلفة للتشريع هي واجبة التطبيق في كل ما يتعلق بمنازعات الأحوال الشخصية، لا سيَّما الميراث.

إن شريعة الأرثوذكس نصَّت على المساواة التامة بين الذكر والأنثى في الميراث وفقًا لمبادئ الشريعة المسيحية التي نصت على المساواة التامة بين الجنسين في كل شيء، إلا أن شريعة الكاثوليك والإنجيليين الوطنيين تأثرت في توزيع الأنصبة الشرعية على أبناء طائفتهما بالتشريعات الوضعية في شأن المواريث والتي كانت سائدة في المجتمع المِصري آنذاك باعتبارها الشريعة العامة التي تسري على كل من هو متواجد على أرض مِصر. وأن ذلك لا يغل يديهما في العدول عن ذلك وتوزيع الأنصبة وفقًا لمبادئ الشريعة المسيحية، في ضوء مفهوم وأحكام نص المادتين الثانية والثالثة من الدستوري المصري 2014 ، اللتين منحتا غير المسلمين الاحتكام إلى شرائعهم.

 

 

ثانيًا: التوصيات

توصية السلطة القضائية بتطبيق أحكام لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، فيما يتعلق بالميراث، ولا سيَّما المادة رقم 245 بتوزيع الأنصبة بالتساوي للذكر مثل الأنثى، لاتفاقها وأحكام الدستور والقانون المصري وعدم تعلقها بالنظام العام.

توصية الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الإنجيلية الوطنية في مصر، بتعديل شريعة الميراث في قانون الأحوال الشخصية لهما ليتفقا وتعاليم ومبادئ الشريعة المسيحية الإلهية في شأن المساواة في توزيع الميراث بين أبناء الطائفة ذكورًا وإناثًا لتحقيق التوازن المجتمع لدى جميع المذاهب والطوائف المسيحية في مِصر.

مستقبل التشريعات المصرية
حول الميراث والتبني لدى المصريين المسيحيين

القس عيد صلاح

اسم الكاتب:القسّ عيد صلاح

مُقَدِّمَةٌ:

يتناول هذا البحث، قضيتين مركزيتين تمثلان محور الاهتمام لدى المصريين المسيحيين: الميراث والتبني، من منظور الفكر المسيحيّ ومستقبل التشريع الوطنيّ. يتناول البحث طبيعة المشكلة وموقف الإنجيل منها، من خلال استعراض الأسس اللاهوتية التي تؤكِّد على مبدأ المساواة في الميراث وأهمية حماية الأسرة والطفل من خلال التبني، إضافة إلى الدور الثوريّ الذي لعبه الإنجيل في إعادة صياغة العلاقات الإنسانية والاجتماعية. بعد ذلك، يستعرض البحث القوانين الكنسية التي تناولت الميراث والتبني، ويقف على الإطار التشريعيّ المصريّ، وصولًا إلى نصوص دستور 2014م، والأحكام القضائية التي تناولت هذه القضايا. ويهدف البحث إلى تقديم تصور مستقبليّ للتشريع في ضوء مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد للمصريين المسيحيين المزمع إقراره. تنقسم الدراسة إلى محورين: الأول يتناول مستقبل التشريعات المتعلقة بالميراث لدى المصريين المسيحيين، والثاني يتناول التبني في المسيحية بين المفهوم النظريّ والواقع العمليّ.

المحور الأول: مستقبل التشريعات حول الميراث لدى المصريين المسيحيين([1])

تُعَدُّ قضية الميراث من القضايا الهامة التي دائمًا ما تتصدر المشهد بعد غياب المورِّث لدى الأسر المسيحية، وتثور مشكلات كثيرة حولها، فقهًا وتطبيقًا، من ناحية التوزيع، والموقف من المرأة في الميراث، وذلك نتيجة للثقافة الذكورية والمجتمع البطريركيّ (الأبويّ). ولا سيما في قضية عدم التساوي بين الذكر والأنثى في الميراث، أو النظرة المتدنية للمرأة “وهي من المعيقات الاجتماعية الناجمة عن الثقافة الذكورية السائدة في المجتمع”.([2])

وبصفة خاصة تحتل قضية الميراث في الصعيد مكانة خلافية بارزة بالرغم من التحولات الاجتماعية الكبيرة وحصول المرأة على الكثير من الحقوق -وإن لم تصل بعد لدرجة المساواة- إلا أنَّ توريث المرأة في الصعيد أمر شبه مرفوض خاصة الأراضي الزراعية حيث من الممكن أن تحصل على إرثها مالًا أو شيئًا آخر لكن لا ترث أرضًا أو عقارًا مع الأخذ في الحسبان بخس الثمن عند تقاضي نصيبها في الأرض أو العقار بحسب دراسة على عينة من محافظتي: سوهاج وقنا أعددتها د. سلوى أوضحت أن حوالي 95.5% من نساء المحافظتين محرومات من الميراث لأسباب عديدة من بينها كراهة أن يحصل على الأرض الموروثة غرباء لا ينتمون للعصب. كما يمكن تفسير هذا النهج من باب تفضيل الذكر على الأنثى في الموروث الثقافيّ في صعيد مصر.”([3])

 قضية الميراث معنية في الأساس بالنظر لوضع المرأة في المجتمع، والموقف الدينيّ والأخلاقيّ منها. وقد سمَّاها المستشار لبيب حكيم: “شريعة الأقباط المحظورة”([4]). ويمكن رصد هذه المشكلة في أمرين: “الأول‏ ‏تطبيق‏ ‏قوانين‏ ‏الميراث‏ ‏طبقًا‏ ‏للشرع‏ ‏الإسلاميّ‏ ‏الذي‏ ‏يعطيها‏ ‏نصف‏ ‏نصيب‏ ‏الرجل‏، ‏والثاني‏ ‏اغتيال‏ ‏الرجل‏ ‏لحقها‏ ‏بالكامل‏ ‏واغتصاب‏ ‏نصيبها‏ ‏وتركها‏ ‏لا‏ ‏حول‏ ‏لها‏ ‏ولا‏ ‏قوة‏”([5]) وهو ما نريد أن نؤكّد عليه بأن قضية الميراث لا تقتصر على كونها مسألة قانونية، بل تعكس في عمقها وضع المرأة في المجتمع وطبيعة النظرة الدينية والأخلاقية إليها.

بدأت هذه المشكلة منذ أن تمّ التشريع بالخضوع للشريعة الإسلامية، حيث تناول الفقهاء القانونيين في كلامهم حول قضايا الأحوال الشّخصية لغير المسلمين أنَّ التشريع يجب أنْ لا يتناقض مع الشّريعة الإسلامية والنظام العام.([6]) وبالتالي وصلنا إلى هذه المحطة: مسيحيّات في البطاقة مسلمات في الإرث.([7]) وفي السياق نفسه عبَّرت إحدى السيدات بالقول: أتزوج على الشّريعة المسيحية وأطلق على الشّريعة الإسلامية. والجدير بالذكر أنَّ المساواة في الميراث لم تعد مطالبة مسيحية فقط، ولكن هناك بعض الأصوات التي تنادي بالمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة في الإسلام.([8])

ومناقشة هذا الأمر، والمطالبة بالمساواة في الميراث بين جميع المصريين، ليست جديدة، أول ما أمكن العثور عليه من تاريخ هذه الدعوة يعود إلى عام 1928، حين ألقى سلامة موسى[9]-وهو مفكر قبطيّ معروف–محاضرة له في جمعية الشبان المسيحيين بالقاهرة، دعا فيها إلى المساواة في الإرث بداعي أنَّ عدم المساواة يعدُّ تفضيلًا للرجال على النساء، وأن اللامساواة من دواعي إحجام كثير من الشبان في الشرق عن الزواج، واعتبر أنَّ في المساواة تشجيعًا على الزواج.([10]) والحكمة في تقسيم الميراث أنه ينبغي على كل والد مسيحيّ أنْ يدرك أنَّ البركات التي أعطاها له الله هي وديعة منه ينبغي أن تستخدم لصالح العائلة كلها، ويجب أن يكون الأب عادلًا في توزيع أمواله وتركته على أولاده.([11])

المشكلة الرئيسية:

تبدأ المشكلة في الأساس حول النصوص الدينية، فغابت النصوص التشريعية حول الميراث في الإنجيل، حيث ركَّز الإنجيل على المبادئ وليس التشريع النصيّ، حيث إنَّ المبادئ تصلح لتطبيقها في كل زمان ومكان. فانتقل المسيح في تعاليمه من حرفية النص إلى مرونة المبدأ. هذه المبادئ تصاغ في قوانين. وتصطدم المبادئ الإنجيلية هذه مع الرغبة في الاستحواذ وعدم إعطاء الفرصة للمساواة في الميراث نتيجة لظروف اجتماعية، وثقافية، وتفسير ضيق لبعض النصوص الدينية تسير في هوى وفَلَك تميز الذكر على الأنثى.

المشكلة الثانية: هي التضارب بين التشريعات الكنسية والشريعة الإسلامية، فبأي حكم يأخذ القاضي ولا سيما في ظل عدم وجود قانون واضح ومحدَّد يحكم في هذه القضية، قبل صدور دستور 2014 وبه المادة الثالثة منه، ونصها: “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسيّ للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية”.

المشكلة الثالثة: حتى وأن تراضى الورثة في تقسيم الميراث بينهم بالتساوي بين الرجل والمرأة يحتاج ذلك إلى إعلام وراثة وإعلام الوراثة يستخرج وفق الشريعة الإسلامية في الميراث، مما يحدث نوعًا من المشاكل في البيع والشراء للورثة.

الأسس اللاهوتية للمساواة:

قضية المساواة بدأت في الخلق حيث خلق الله الإنسان على صورته، كما وردت في سفر التكوين، “وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْض. فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ.” (تكوين 1: 26-28).

توجد بعض الإشارات في الكتاب المقدّس التي يمكن البناء عليها مثل بنات صَلُفحاد في سفر العدد 27 حيث ورد هذا النص الذي كان ردًا على طلب أو سؤال:

“1فَتَقَدَّمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ بْنِ حَافَرَ بْنِ جِلْعَادَ بْنِ مَاكِيرَ بْنِ مَنَسَّى، مِنْ عَشَائِرِ مَنَسَّى بْنِ يُوسُفَ. وَهذِهِ أَسْمَاءُ بَنَاتِهِ: مَحْلَةُ وَنُوعَةُ وَحُجْلَةُ وَمِلْكَةُ وَتِرْصَةُ. 2وَوَقَفْنَ أَمَامَ مُوسَى وَأَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ وَأَمَامَ الرُّؤَسَاءِ وَكُلِّ الْجَمَاعَةِ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ قَائِلاَتٍ: 3أَبُونَا مَاتَ فِي الْبَرِّية، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى الرَّبِّ فِي جَمَاعَةِ قُورَحَ، بَلْ بِخَطِيَّتِهِ مَاتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَنُونَ. 4لِمَاذَا يُحْذَفُ اسْمُ أَبِينَا مِنْ بَيْنِ عَشِيرَتِهِ لأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ابْنٌ؟ أَعْطِنَا مُلْكًا بَيْنَ إِخْوةِ أَبِينَا. 5فَقَدَّمَ مُوسَى دَعْوَاهُنَّ أَمَامَ الرَّبِّ. 6فَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: 7بِحَقّ تَكَلَّمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ، فَتُعْطِيهِنَّ مُلْكَ نَصِيبٍ بَيْنَ إِخْوَةِ أَبِيهنَّ، وَتَنْقُلُ نَصِيبَ أَبِيهِنَّ إِلَيْهِنَّ. 8وَتُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: أَيُّمَا رَجُل مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ، تَنْقُلُونَ مُلْكَهُ إِلَى ابْنَتِهِ.9وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ابْنَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لإِخْوَتِهِ. 10وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِخْوَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لإخوَةِ أَبِيهِ. 11وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لأَبِيهِ إِخْوَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لِنَسِيبِهِ الأَقْرَبِ إِلَيْهِ مِنْ عَشِيرَتِهِ فَيَرِثُهُ. فَصَارَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَرِيضَةَ قَضَاءٍ، كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى.” (عدد 27: 1-11). وتوجد إشارة أخرى في سفر أيوب: “وَلَمْ تُوجَدْ نِسَاءٌ جَمِيلاَتٌ كَبَنَاتِ أَيُّوبَ فِي كُلِّ الأَرْضِ. وَأَعْطَاهُنَّ أَبُوهُنَّ مِيرَاثًا بَيْنَ إِخْوَتِهِنَّ.” (أيوب 42: 15).

قصة الخلق هي القصة الملهمة، والحدث المؤسّس لكل قيمة وكرامة ومساواة للإنسان. وقصة الخلق هذه يمكن فهمها أكثر في ضوء عمل المسيح وإرساليته، وهي الخليقة الجديدة “إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا.” (2 كورنثوس 5: 17)، وهذه الخليقة الجديدة لها أخلاقيات وقيم تعلن عن ملكوت الله وسيادته على الخليقة، وهي ضد الظلم والفساد والتمييز. وستبقى قصة الخلق مع قصة الفداء الأساس لكل قيمة وكرامة إنسانية.

 وحيث عَلَّمَ الإنجيل أنَّه لا ذكر ولا أنثى في المسيح؛ فالجميع واحد حسب قول الرسول بولس: “لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلَا يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلَا حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (غلاطية 3: 28). والتأصيل اللاهوتيّ لفكرة المساواة تنطلق من خمسة أسس هامة في الكتاب المقدّس:

  1. المساواة في الخلق، يتساوى الرجل مع المرأة في الخلق: “فخلَقَ اللهُ الإنسانَ على صورَتِه، على صورةِ اللهِ خلَقَ البشَرَ، ذَكَرًا وأُنثى خلَقَهُم” (تكوين 1: 16). “هَذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ، يَوْمَ خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ. عَلَى شَبَهِ اللهِ عَمِلَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُ، وَبَارَكَهُ وَدَعَا اسْمَهُ آدَمَ يَوْمَ خُلِقَ. (تكوين 5: 1-2).
  2. المساواة في المسؤولية الحضارية، الرجل والمرأة معًا في المسؤولية الحضارية: “أُنْمُوا واَكْثُروا واَمْلأوا الأرضَ، وأَخضِعوها وتَسلَّطوا على سمَكِ البحرِ وطَيرِ السَّماءِ وجميعِ الحيوانِ الذي يَدِبُّ على الأرضِ”. (تكوين 1: 28)
  3. المساواة في الخطية، يتساوى الرجل مع المرأة في الخطية: “الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (رومية 3: 12). وأيضًا “لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هَكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ.” (1 كورنثوس 15: 22).
  4. المساواة في الخلاص، يتساوى الرجل والمرأة في الخلاص: “الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ” (2 تيموثاوس 2: 4).
  5. المساواة في الحياة الأبدية: الحياة الأبدية للرجل والمرأة معًا فلا تفضيل في نوال الحياة الأبدية ولا في الحالة التي سنكون عليها كل حين مع الرب. “وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ.” (رؤيا 5: 9).

وأصبحت هذه المبادئ ملهمة لكل التشريعات القانونية التي تناصر حقوق الإنسان في أي مكان وأي زمان، فقد رفض المسيح الاستغلال والظلم ولو تحت ستار دينيّ، ففي حادثة تطهير الهيكل الواردة في (متى 23؛ مرقس 11؛ لوقا 19، يوحنا 2) تبين رفض المسيح لكافة أشكال الاستغلال. بل أن الكتاب المقدّس يعلم بأنَّ الظالمين لا يرثون ملكوت الله: “وَيْلٌ لِلَّذِينَ يُسَنُّونَ سُنَنًا غَيْرَ عَادِلَةٍ” (إشعياء 10: 1). “أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟” (1 كورنثوس 6: 9). “وَأَمَّا الظَّالِمُ فَسَيَنَالُ مَا ظَلَمَ بِهِ، وَلَيْسَ مُحَابَاةٌ.” (كولوسي 3: 25). هذه الآيات تؤكد مبدًا أساسيًّا في الفكر الكتابي، وهو أنَّ العدل في القضاء قيمة دينية وأخلاقية، وأن الظلم أو المحاباة في الحكم يُعدّ مخالفة لإرادة الله.

وقد نادى المسيح بتحرير الإنسان من الطمع عندما سٌئِلَ: “يَا مُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ فَقَالَ لَهُ: يَا إِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟ وَقَالَ لَهُمُ: انْظُرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ” (لوقا 12: 13-15)، ودعوته أيضًا: “وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ” (يوحنا 10: 10)، وقال أيضًا: “وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ.” (يوحنا 8: 32).

ويُسَجِّل لنا التاريخ المصريّ هذا المشهد المشرف في الآتي: “قيل عن المتنيح البابا كيرلس الرابع (1816-1861م) المشهور بأبي الإصلاح أنَّ الخديوي سعيد باشا استدعاه ليفصل في قضية زوجة أسكاروس أفندي قسّيس بك المتوفى، وقال له: إنهم قد أقاموك حكمًا للفصل في هذه القضية وارتضوا بحكمك فيها، فبماذا تحكم بينهم؟ هل تحكم بأن يكون حظ الرجل مثل حظ الانثيين، أو أن يكون حظه نظير حظ أي منهما؟ فسأله البابا قائلًا: إذا صنعت المرأة خيرًا فهل يجزيها الله في السماء بأقل مما يجزي الرجل؟ فأجاب سعيد باشا على الفور حاشا أن يكون الله ظالمًا بل نصيبهما واحد، فقال البابا حينئذ: إن كان هذا فيما يتصل بالميراث الأبديّ فكيف لا يكون كذلك بالنسبة للإرث الأرضيّ، إنه كما في السماء كذلك على الأرض.”([12])

 أليس الإصرار على أنْ يأخذ الرجل نصيب امرأتين في الميراث نوعًا من الطمع أو الجشع! وتعليقًا على النص الكتابيّ سالف الذكر (لوقا 12: 13- 15) يذكر ابن المكين في موسوعته اللاهوتية الشهيرة المسماة بالحاوي في القرن الثالث عشر الميلاديّ في مصر: “إنَّ رب المجد لم يوجه حال ظهوره بين الناس إلى شيء يتعلّق بالمعاملات الدنيوية والتصرفات الحاضرات بل وجه إلى فتح الأبواب والطرق التي لم يكن في قدرة أحد من البشر إظهارها، ولا الجمع بين القول والفعل، وأما ترتيب الحسيّات وما يشاكلها ففوّض الكلام فيه والترتيب لخلفائه وخلفائهم الذين أقامهم من رسله، فالكلام في التشاريع الحاضرة من وظائف الرسل والأنبياء.”([13]) وينبر ابن المكين على أنَّ التشريع أُعطي لمن جاءوا خلفًا المسيح، واتبعوا نهجه، وساروا على طريق هداه بما يناسب  واقعهم وحياتهم.

إنّ الدعوات التي قدّمها المسيح، بحسب النصوص الكتابية سالفة الذكر، لم تكن مجرّد توجيهات روحية فردية، بل مثّلت انقلابًا أخلاقيًّا واجتماعيّا على البُنى السائدة في عصره، إذ رسّخت لمبدأ الحق والعدل والمساواة، ورفضت كل أشكال التمييز العرقيّ أو الطبقيّ أو الدينيّ. فقد أعاد المسيح تعريف الكرامة الإنسانية انطلاقًا من كون الإنسان مخلوقًا على صورة الله، لا من انتمائه الاجتماعيّ أو وضعه القانونيّ. فقبوله للمرأة في مجتمع كان يُقصيها من المجال العام لم يكن تصرفًا عابرًا، بل إعلانًا ضمنيًّا لمساواتها في القيمة والرسالة. وتعاملُه مع المهمّشين والمنبوذين والخطاة، وجلوسُه مع العشارين والسامريين، ومخاطبته لمن وُصفوا بأنهم “نجسون” أو “أدنى مرتبة”، كشف عن رؤية جديدة تُسقط الحواجز المصطنعة بين البشر.

كما أن ممارسته العملية – قبل تعليمه النظريّ – أكدت أن العدالة في المفهوم الإنجيليّ ليست مجرّد تطبيق حرفي لقانون، بل إعادة توجيه للقانون نحو الإنسان وخلاصه. فالمسيح لم يُلغِ الشريعة، لكنه أعاد قراءتها في ضوء الرحمة والحق، جاعلًا الإنسان غاية لا وسيلة. ومن هنا، فإن ثورية الإنجيل لا تكمن فقط في مضمون تعاليمه، بل في تأسيسه لمنطق أخلاقيّ يُساوي بين الجميع أمام الله، ويُدين أي بنية اجتماعية أو قانونية تقوم على الإقصاء أو التمييز.

وعليه، فإن استحضار هذه المبادئ في النقاش المعاصر حول قضايا الميراث أو التبني لا يُعدّ إسقاطًا حداثيًّا على النص، بل امتدادًا طبيعيًّا للروح الإنجيلية التي وضعت العدالة والمساواة في صميم الرسالة المسيحية، وجعلت من الكرامة الإنسانية معيارًا أعلى لتقويم التشريع والممارسة.

حركة وثورية الإنجيل:

يقول جون الدر في كتابة “قلب الإصلاح الاجتماعيّ” إنَّ: “المسيحية تضع مبادئ عامة لا خططًا مفصلة”([14]) هذه هي المبادئ الثورية التي نادى بها المسيح وتمثلت في روح إنجيله، حيث أصبحت مبادئ الإنجيل محررة للشعوب من الظلم والتمييز والفساد؛ فالدعوة إلى تحرير العبيد في الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة مارتن لوثر كينج، ومقاومة ورفض للتمييز العنصريّ وبين البيض والسود في جنوب أفريقيا بقيادة ديزموند توتو، وتأسيس حركة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية بآبائه ورواده، بل الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان 1948م وما تلاه من وثائق لحقوق الإنسان لا تتنافي مع روح الإنجيل بل مبنية عليه.

كل هذه الحركات والمواثيق انبعث من روح الإنجيل الذي يركّز على الكرامة والقيمة الإنسانية والمساواة بين جميع البشر دون تمييز من ناحية اللون، أو الدين، أو الجنس، أو العرق، أو الانتماء السياسيّ، أو المستوى الاقتصاديّ. فقد سقطت كافة الحواجز الدينية والعرقية والثقافية والجندرية. حسب قول الرسول بولس: “لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.” (غلاطية 28:3)، وأيضًا: “حَيْثُ لَيْسَ يُونَانِيٌّ وَيَهُودِيٌّ، خِتَانٌ وَغُرْلَةٌ، بَرْبَرِيٌّ سِكِّيثِيٌّ، عَبْدٌ حُرٌّ، بَلِ الْمَسِيحُ الْكُلُّ وَفِي الْكُلِّ.” (كولوسي 3: 11).

وبرغم خلوّ الإنجيل من نصوص تشريعية تفصيلية ومنظومة قانونية محدّدة على نحو ما نجده في بعض الشرائع الدينية الأخرى، فإن ذلك لا يعني غياب البعد التنظيميّ في المسيحية، بل يشير إلى طبيعة مختلفة للتشريع فيها. فالإنجيل قدّم مبادئ عامة وروحًا أخلاقية حاكمة، وترك للكنيسة – باعتبارها جماعة المؤمنين الممتدة عبر التاريخ – مهمة ترجمة هذه المبادئ إلى قواعد تنظّم الحياة الكنسية والاجتماعية. ومن هنا نشأت ما يُعرف بالقوانين الكنسية، بوصفها محاولة تاريخية لفهم النص الدينيّ وتطبيقه في سياقات زمانية ومكانية متغيرة.

لقد صاغت الكنيسة تشريعاتها انطلاقًا من ثلاثة اعتبارات متداخلة: أولًا، فهمها اللاهوتيّ للنصوص المقدّسة وروح الإنجيل؛ ثانيًا، إدراكها للواقع الاجتماعيّ والسياسيّ الذي تعيش فيه؛ وثالثًا، تأثرها بالثقافات والأنظمة القانونية المحيطة بها. ولذلك لم تكن القوانين الكنسية جامدة أو واحدة في كل العصور، بل تطورت استجابة لأسئلة المجتمعات التي وُجدت فيها الكنيسة، وتفاعلت مع تحولات التاريخ، فظهرت تشريعات مختلفة في الشرق والغرب، واختلفت تطبيقاتها بحسب السياق الحضاريّ.

وهذه الطبيعة التاريخية التراكمية للتشريع الكنسيّ تقود إلى نتيجة مهمة، وهي أن الاختلاف في التطبيق بين الكنائس لا يُعدّ خروجًا على جوهر الإيمان، بل يعكس تنوعًا في قراءة المبادئ ذاتها ضمن أطر اجتماعية وقانونية متعددة. ومن ثمّ، فإن قضية الميراث–بوصفها شأنًا يرتبط بتنظيم العلاقات المالية داخل الأسرة–شهدت بدورها اختلافًا في المعالجة بين الكنائس، تبعًا لفهم كل كنيسة لدورها، ولعلاقتها بالدولة، ولمدى انفتاحها على القوانين المدنية السائدة. وهذا يفتح المجال للبحث في إمكانية تطوير التشريع في ضوء الروح الإنجيلية ذاتها، دون الارتهان لصيغة تاريخية بعينها.

Top of Form

Bottom of Form

التشريعات الكنسية حول الميراث:

كيف فهمت الكنيسة الإنجيل في تشريعاتها؟ نتعرض فقط للماضي القريب عبر مائة وخمسين عامًا، في قراءة للتراث المصريّ القانونيّ المسيحيّ نجد المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في الميراث ففي مجموع قوانين البابا غبريال بن تريك (1131-1145م) يقول: “الميراث طبقات ومنازل، فالمنزلة الأولى في الميراث، أنَّه إنْ مات رجلٌ من غير أنْ يكتب وصية، وخلَّفَ أولادًا ذكورًا وإناثًا، فليورثوا بالسّوية.”([15]) ويعطي بن تريك تفصيلًا للأمر بالقول: “قد يرثُ بنات الرجل آبائهن َّكما يرث إخوتهن الذكور بالسّوية، إذ لم يكتب الرجل وصية. فإن كنَّ قد تزوجنَّ في حياة أبيهنَّ، وأخذنَّ جهازهنَّ، فليرددن ما أخذنَّ من جهازهنَّ، أو قيمته، ثم يرثنَّ منهن بالسَّوية. فإنْ مات أحد الأخوة بعد موت أبيه، والأم في الأحياء، من غير أنْ يوصي الأب، ولم يكن له ولد، فإنَّهنَّ يرثنَّ أباهنَّ وأخاهنَّ، مع سائر إخوتهنَّ وأمهنَّ بالسَّوية. والأم ترث ولدها بالسَّوية.([16])

وفي قوانين البابا كيرلس الثالث بن لقلق (1235-1243م) ينص على: “الأولاد الذكور والإناث المتزوجين والعُزَّاب، يرثون أباهم وأمهم بالسَّوية”([17]) وفي المجموع الصفوي للشيخ الصفي أبي الفضائل بن العسال (القرن الثالث عشر الميلاديّ) يُسَجِّل: “أولاد الميت الذكور والإناث بالسَّواء.”([18])

وصولًا في الخلاصة القانونية في الأحوال الشخصية (1896م)، التي تدون: “الأولاد الذكور والإناث المتزوجون وغيرهم يرثون بالسواء أباءهم وأمهاتهم بحيث يكونون من زيجة ناموسية (قانونية).”([19]) كان هذا الإرث التشريعيّ هو الأساس الذي بنى عليه المشرع في لائحة 1938م تشريعه بالمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة.

وقد صدرت في النصف الأول من القرن العشرين لائحة 1938م، والتي بيَّنت في مجملها فهمًا عميقًا ومتطورًا ومتحررًا والتي أقرَّت نفس المبدأ في المساواة حسب المادة 238-252. وقد سارت على هذا لنهج طائفة الروم الأرثوذكس حيث نصت المادة 108 من القانون الخاص بهم: “لا فرق في حصص الورثة ذكورًا كانوا أم إناثًا أو نسلًا لذكور أو لإناث”([20])

وجدير بالذكر أنَّ لائحة 1938م صدرت ولها قوة القانون منذ صدورها وهو ما أكدته المحكمة الدستورية العليا في حيثيات حكمها في القضية رقم 151 لسنة 20 ق. دستورية، بالنص التالي: “وحيث إنَّ قضاء هذه المحكمة قد جرى على أنَّ المشرّع وقد أحال في شأن الأحوال الشّخصية للمصريين غير المسلمين إلى شرائعهم مستلزمًا تطبيقها دون غيرها في كل ما يتصل بها. فإنَّه يكون قد أرتقى بالقواعد التي تتضمنها هذه الشرائع إلى مرتبة القواعد القانونية من حيث عموميتها وتجريدها، وتمتعها بخاصية الإلزام لينضبط بها المخاطبون بأحكامها، ويندرج تحتها في نطاق الأحوال الشّخصية للأقباط الأرثوذكس. لائحتهم التي أقرّها المجلس الملّي العام في 9 مايو سنة 1938م، وعمل بها اعتبارًا من 8 يوليه سنة 1938م، إذ تعتبر القواعد التي احتوتها هذه اللائحة شريعتهم التي تنظم أصلًا مسائل أحوالهم الشّخصية” (القضية رقم 151 لسنة 20 قضائية دستورية).([21])

في المقابل وردت بعض التشريعات الكنسية التي سارت في سياق الشّريعة الإسلامية فعلى سبيل المثال نجد في قانون الأحوال الشّخصية للطائفة الإنجيلية بمصر الصادرة 1902 وفي المادة رقم 73 “للذكر مضاعف نصيب الأنثى في جميع متروكات مورثه ثابتة كانت أم منقولة”[22]، وهي في رأينا لائحة تجاوزها الزمن في هذه الجزئية، وتحتاج إلى تعديلها أو وقف العمل بها في هذه الجزئية. وعلى عكس ذلك نجد الطائفة الإنجيلية في سورية ولبنان في المادة 15 من قانون الإرث لغير المحمدين: “أولاد المتوفي وفروعهم يرثون أباءهم وأصولهم دون تمييز بين الذكور والإناث.”([23])

الجدير بالذكر أنَّ بعض من اللاهوتيين العرب في القرن الثالث عشر، وهو أبي الفرج أبن الطيب، تأثرًا بالفكر الإسلاميّ أصَّل لفكرة الميراث من خلال مفهوم الولاية، بالقول: “إنَّ للولاية شرط التفضل، والرجل مسلط على المرأة، فهذه علل التفاضل بين الرجل والمرأة.”([24])

القوانين المصرية حول الميراث:

بداية يجدر الإشارة إلى أنَّه “في بداية عصر التقنين الحديث صدر “أمر عالي” بإصدار لائحة ترتيب واختصاصات مجلس الأقباط الأرثوذكس العموميّ بتاريخ 14 مايو 1883م، تلاه صدور عديد من اللوائح المنظِّمة للأحوال الشخصية لمتحدي الملة والطائفة، كالأقباط الإنجيليين والأقباط الكاثوليك. وكانت المجالس الملّية هي المختصة بالحكم في الوراثة وتطبق مبادئ الشريعة المسيحية”([25])

ثم بعد ذلك “قضت محكمة النقض في السنوات الأولى لنشأتها في الحكم الصادر في الطعن رقم 9 لسنة 4 قضائية أنَّ “القاعدة الأساسية في مواريث المصريين غير المسلمين أنها تُجرى وفق أحكام الشريعة الإسلامية ما لم يتفق الورثة الذين تعترف الشريعة بوراثتهم ويتراضون على غير ذلك”. والقانون الصادر في 14 مايو سنة 1883م بترتيب مجالس طائفة الأقباط الأرثوذكس، وبيان اختصاصها، لا يشذّ عن تلك القاعدة، بل إنَّ المادة 16 منه، وهي التي أشارت إلى مسألة المواريث، لم تنص على أن الحكم فيها يكون حسب الشريعة المسيحية، بل نصت على اختصاص تلك المجالس بالحكم في الوراثة متى قَبِل كل الورثة باختصاصها.([26])

وكما تمت الإشارة من قبل أنه “في غضون عام 1938م صدرت لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، التي أقرها المجلس الملّيّ العام بجلسته المنعقدة في أول بشنس سنة 1654 الموافق 9 مايو سنة 1938م، ويتضمن الفصل الحادي عشر منها أحكام الميراث، حيث ينظم كيفية توزيع الإرث وفقًا لمبادئ الشريعة المسيحية.”([27])

في هذا السياق التاريخيّ صدر قانون الميراث المصريّ الذي يطبق على المصريين كافة رقم 77 لسنة 1943م وقد نصت المادة السادسة على: “لا توارث بين مسلم وغير مسلم ويتوارث غيـر المسلمين بعضهم مـن بعض واختـلاف الـدارين لا يمنع من الإرث بين المسلمين ولا يمنع بين غيـر المسلمين إلا إذا كانـت شريعـة الـدار الأجنبية تمنـع مـن توريث الأجنبيّ منها”.

وأمام هذا النص نسأل: كيف يتوارث غير المسلمين بعضهم بعضًا، وإزاء النقص في هذا القانون، صدر القانون رقم 25 لسنة 1944م، مكون من مادة واحدة مكملة لقانون الميراث رقم 77 لسنة 1943م، ونصها: “قوانين الميراث والوصية وأحكام الشّريعة الإسلامية فيها هي قانون البلد فيما يتعلق بالمواريث والوصايا على أنَّه كان المورث غير مسلم جاز لورثته في حكم الشّريعة الإسلامية وقوانين الميراث والوصية أن يتفقوا على أن يكون التوريث طبقًا لشريعة المتوفي.”([28])

نلاحظ فكرة الاتفاق، والتراضي، والقسمة بالتراضي، وإذا أختلف الورثة يطبق عليه الشّريعة الأعم وهي الشّريعة الإسلامية، حسب قانون المواريث سالف الذكر. وقد غاب عن قانون المواريث فكرة العقوبة في حال الإخلال بحق الميراث، فأضيفت هذه العقوبات في عام 2017م، يمكن الرجوع لها.

ولما صدر القانون المدنيّ سنة 1948م، نصت المادة 875، منه على أن تعيين الورثة وتحديد أنصبتهم في الإرث، وانتقال أموال التركة إليهم تسري في شأنها أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة في شأنها ومقتضى هذا النص أن تحديد أنصبة الورثة يتم طبقًا للشريعة الإسلامية وهذا النص نص عام يخاطب جميع المصريين أيًّا كانت ديانتهم.

ولذلك قضت محكمة النقض بجلسة 28/1/1997م، في الطعن رقم 85 لسنة 63ق، بأن الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة في شأنها هي الواجبة التطبيق في مسائل المواريث المتعلقة بالمصريين مسلمين وغير مسلمين، كما قضت بأنه إذا خالفت المحكمة حكما من أحكام الشرع، كان واجبًا الأخذ به في الدعوى فإنَّ حكمها يكون مخالفا للقانون يمكن نقضه.( ([29]

وبعد صدور القانون المدنيّ 1948م صدر القانون رقم 462 لسنة 1955م واعتمد اللوائح السابقة التي كان معمول بها في المجالس الملية، الذي وحد جهة القضاء، ولكن تعددت القوانين في ظل هذا القانون. في سنة 1955م صدر القانون رقم 462 ناصًا على إلغاء المحاكم الشرعية والملّية وإحالة الدعاوى المنظورة أمامها إلى المحاكم الوطنية، وعلى أن تصدر الأحكام في المنازعات المتعلقة بالأحوال الشّخصية طبقا لما هو مقرر في المادة 280 من لائحة المحاكم الشرعية، أما بالنسبة للمنازعات المتعلقة بالأحوال الشّخصية للمصريين غير المسلمين فتصدر الأحكام في نطاق النظام العام طبقًا لشريعتهم. وكانت المادة 280 من لائحة المحاكم الشرعية تقضى بأن تصدر الأحكام طبقا للمدون في هذه اللائحة ولأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة.

ومفاد ذلك أنَّ المصريين غير المسلمين كانوا يخضعون في أحوالهم الشّخصية لقواعد شريعتهم لكن المشرّع المصريّ أصدر بعد ذلك قانون المواريث رقم 77 لسنة 1943، متضمنا أحكاما تسرى على جميع المصريين أيا كانت ديانتهم، والقواعد الموحدة للمواريث لا تقتصر على أحكام هذا القانون، وإنما يكملها القول الراجح من مذهب أبى حنيفة في حالة عدم وجود نص يحكم النزاع المطروح.(.([30]

وفي المادة الثالثة لقانون 1 لسنة 2000م وتنص على: “تصدر الأحكام طبقا لقوانين الأحوال الشّخصية والوقف المعمول بها ويعمل فيما لم يرد بشأنه نص في تلك القوانين بأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبى حنيفة ومع ذلك تصدر الأحكام في المنازعات المتعلقة بالأحوال الشّخصية بين المصريين غير المسلمين المتحدي الطائفة والملّة الذين كانت لهم جهات قضائية ملّية منظمة حتى 31 ديسمبر سنة 1955–طبقا لشريعتهم–فيما لا يخالف النظام العام” هذه المادة قُيّدَت بالنظام العام وهو مفهوم واسع ومطاط.

بات تطبيق الشريعة الإسلامية في توزيع الميراث وتوزيع الأنصبة أمرًا مفروضًا على المصريّات والمصريين المسيحيين، تطبقه المحاكم من تلقاء نفسها، حتى تناسى الأقباط أحكام شريعتهم المسيحية في استحقاق وتوزيع الإرث وتوالت أجيال من الأقباط لا تعلم عنها شيئًا. وفي محاولة للتحايل على هذا الواقع الغريب، درج المسيحيّون المصريّون على التغاضي عمَّا يرد بإعلام الوراثة، والقيام بقسمة رضائية وفقًا لمبادئ الشريعة المسيحية بالمساواة بين الذكر والأنثى في الإرث. ومع هذا لاقت أحكام الشريعة الإسلامية قبولًا لدى قطاع كبير من الذكور المسيحيين، لأنها تمنحهم نصيبًا ضعف الإناث، وحاول بعضهم تبرير ذلك بأنّ لا إرادة لهم في الأمر، إنما هو قانون الدولة الذي تفرضه المحاكم.([31])

يطرح النص السابق إشكالية مركبة تمس العلاقة بين القانون والدين والواقع الاجتماعيّ لدى المسيحيين في جمهورية مصر العربية. فهو يكشف عن حالة من الازدواج القانونيّ؛ إذ يُفرض تطبيق قواعد مستمدة من الشريعة الإسلامية على مواطنين مسيحيين، بما أدى– بحسب الطرح–إلى تآكل المعرفة العملية بأحكامهم الكنسية في الميراث عبر الأجيال. غير أن النص، وإن كان يلفت النظر إلى مفارقة حقيقية، يميل إلى التعميم؛ فقبول بعض الذكور لهذا الوضع بدافع المصلحة لا يعني بالضرورة غياب وعي جماعي أو رفض شامل. كما أن اللجوء إلى القسمة الرضائية يعكس قدرة المجتمع على إنتاج حلول توافقية، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن خلل تشريعيّ يدفع الأفراد إلى التحايل بدل الاحتكام إلى إطار قانونيّ واضح. ومن ثم، فإن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في التطبيق القضائيّ، بل في غياب تنظيم تشريعيّ صريح يرفع هذا التوتر بين الهوية الدينية ومبدأ المساواة الدستورية.

الميراث وفق دستور 2014م:

وعلى مستوى الوثيقة العليا، الضمير الأعلى، وهو الدستور فقد صدر في عام 2014م وجاءت المادة الثالثة منه لتعطي الحق في الاحتكام إلى الشّريعة المسيحية في قضايا الأحوال الشّخصية، ونص المادة، هو: “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسيّ للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشّخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية.” وقد أصبح الفقه الدستوريّ مفتوحًا أمام تعريف ما هو المقصود بمبادئ الشّريعة المسيحية في شأن المواريث، فتحديد المبادئ العامة في الأحوال الشخصية ولا سيما في قضية الميراث يحتاج إلى تأصيل للمفهوم.

ولنا ملاحظة حول دستور 2014م الذي نصَّ على المادة الثالثة فيه تخص المسيحيين واليهود والمادة الثانية تخص دين الدولة والشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع، والمادة السابعة التي تتحدث عن الأزهر، هذه المواد الثلاث أعطت الصبغة الدينية على الدولة، وصياغة هذه المواد الثلاث بهذه الصورة تعتبر ضد مدنية الدولة وضع قوانين مدنية تساوي فيها بين المواطنين. تقول كريمة كمال: “تمَّ وضع المادة الثالثة في دستور 2012 التي كانت تسيطر على أغلبية صياغته التيارات الإسلامية، وكان هناك إيهام أنَّ هذه المادة مهداة لغير المسلمين، لكي يقولو أن لا توجد حساسيات طائفية أو تمييز، وكان هناك من يردد أنَّ المادة الثالثة تحمي الأقباط، وفي حقيقة الأمر أن هذه المادة لا تضيف شيئًا لأن أحكام محكمة النقض والمحكمة الدستورية تقول بأنَّ غير المسلمين تطبق عليهم شرائع ملتهم…المشكلة الحقيقية أنَّ المادة الثالثة أغلقت الباب أمام صياغة قانون مدنيّ للأحوال الشخصية، المادة الثالثة تبدو مهداة للأقباط ولكنها في حقيقة الأمر تفرض نوعًا من الطائفية بحصر الأقباط داخل الكنيسة وتلغي حقوق الأقباط تجاه الدولة.”([32])

وعلى الجانب الأخر، يرى المستشار لبيب حليم: “لما كان ما تقدم وكان المشرّع قد نص في المادة الثالثة من الدستور على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشّخصية، وكان المقصود بمسائل الأحوال الشّخصية هي مجموعة متميزة من الصفات الطبيعية أو العائلية للشخص، والتي رتَّب القانون عليها أثرًا في حياته الاجتماعية لكونه إنسانًا ذكرًا أو أنثى وكونه زوجًا أو أرمل أو مطلقا وكونه أبًا أو ابنًا وكونه كامل الأهلية أو ناقصها لصغر سنه أو عته أو جنون، باعتبار أنها تقوم على تقرير مراكز قانونية أو حالات أو صفات معينة يرتب عليها القانون أثرًا في حياة الأشخاص الاجتماعية، وكانت مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين مصدرها الإنجيل، والإنجيل لا يفرق بين المرأة والرجل، ومن ثمّ فإن تقسيم الميراث يكون بالتساوي بين الطرفين، وهو ما أكدته لائحة سنة 1938م، التي ضمت القواعد الواجب إعمالها في شأن الميراث ولا شك أنَّه إذا خالفت أي محكمة حكمًا من أحكام الشرع المسيحيّ كان واجبًا الأخذ به فإنَّ حكمها يكون مخالفًا للدستور مما ينحدر به إلى درجة الانعدام.([33])

وفي المادة 11 ينص الدستور على المساواة بين الرجل والمرأة، بالقول: “تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقا لأحكام الدستور. وتعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلًا مناسبًا في المجالس النيابية، على النحو الذي يحدّده القانون، كما تكفل للمرأة حقها في تولي الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة والتعيين في الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدها. وتلتزم الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل. كما تلتزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة والمرأة المعيلة والمسنة والنساء الأشد احتياجًا.”

والمادة 93 من الدستور في باب الحقوق والحريات والواجبات العامة، وتنص على “تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تصدق عليها مصر، وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها وفقًا للأوضاع المقررة.”

ومنذ الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان والصدر في 10 ديسمبر 1948م، وقد جاء في مادته الأولى: “يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أنْ يعاملوا بعضهم بعضًا بروح الإخاء”.

والوثائق الحقوقية اللاحقة له تمنع التمييز الجندريّ أي النوعيّ بين الذكر والأنثى مثل: العهدان الدوليّان للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966م ودخلت حيز التنفيذ عام 1977م. الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصريّ 1965، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1967م.

تكشف هذه النصوص عن توترٍ دستوريّ عميق بين منطق “التعدّدية الدينية” ومنطق “المواطنة المتساوية” في جمهورية مصر العربية. فالمادة الثالثة من دستور 2014 تفتح المجال للاحتكام إلى مبادئ الشرائع المسيحية في الأحوال الشخصية، لكنها في الوقت نفسه تثير إشكالية تعريف “المبادئ” وحدودها، وهل تشمل قواعد تفصيلية كالميراث أم تقتصر على أصول عامة. في المقابل، يُظهر الجدل بين طرح كريمة كمال – الذي يرى في النص تكريسًا للطائفية وغلقًا لباب القانون المدنيّ الموحد – ورأي المستشار لبيب حليم – الذي يؤكِّد دستورية المساواة في الميراث استنادًا إلى روح الإنجيل ولائحة 1938م– حجم الانقسام في قراءة النص ذاته. ويزداد التعقيد بحضور المواد 2 و7 و11 و93، التي تربط بين مرجعية دينية، ومبدأ المساواة الجندرية، والالتزامات الدولية لحقوق الإنسان. ومن ثم، فإن الإشكال لا يكمن في النصوص منفردة، بل في كيفية التوفيق بينها ضمن رؤية تشريعية منسجمة تحسم التعارض الظاهري بين الخصوصية الدينية والعدالة الدستورية الشاملة.

حكم محكمة استئناف القاهرة:

وفي ضوء دستور 2014م ووفق المادة الثالثة منه وفي أول تطبيق له صدرت الحكم الذي ساوى بين الرجل والمرأة في الميراث. فقد أصدرت محكمة استئناف القاهرة الدائرة «158» أحوال شخصية، حكمًا نهائيًّا فريدًا من نوعه يقضى بالمساواة بين الذكر والأنثى في الميراث بالنسبة للمسيحيين الأرثوذكس عملا بنص المادة 3 من الدستور وكذا المادة 247 من لائحة الأقباط الأرثوذكس، وهذا تلخيص لذلك الحكم المتميز والفريد، والذي عبَّر على قراءة واعية وفهم صحيح من هيئة المحكمة:

صدر الحكم في الدعوى المُقيدة برقم 11666 لسنة 133 ق، برئاسة المستشار ماهر فريد، وعضوية المستشارين جعفر ليالي، وأحمد عزت، وبحضور وكيل النيابة محمد الشافعي، وأمانة سر ماجد سعيد عبد الملاك.

الوقائع تتمثل في استئناف الحكم الصادر بجلسة 11 مارس 2016م في الدعوى رقم 332 لسنة 2016م أسرة الزيتون، حيث إن واقعات التداعي ومستندات الخصوم وأوجه دفاعهم ودفوعهم سبق وأن أحاط بها في تفصيل وإسهاب الحكم المستأنف والذي تحيل إليه المحكمة في هذا الشأن تلافياَ لتكرار وتغيير ما ورد به متضمناَ لأسباب قضائها من أنها توجزه بالقدر اللازم لحمل هذا القضاء تربط أوصال النزاع في أن المدعى تقدم بطلب تحقيق وفاة شقيقته المتوفاة «فريال.ز» المتوفية بتاريخ 13 يونيو 2013 وانحسار إرثها في الطالب وشقيقته «وداد. ز»، وقد حضر شاهدين وأقرَّ بأن ورثة المتوفاة «فريال» هما أشقائهما كل من «سفريوس.ز» و «وداد.ز».

وبجلسة 29 مارس 2016 قضت محكمة أول درجة بتحقيق وفاة «فريال. ز» وذلك بتاريخ 13 يونيو 2013، وانحصار إرثها في أشقائها «سفريوس.ز» و «وداد.ز»، ويستحقان جميع تركتها نصيباَ للذكر مثل حظ الأنثيين، وحيث أن هذا القضاء لم يلق قبولا لدى المستأنفة فقد طعنت عليه بطريق الاستئناف الماثل بموجب صحيفة أودعت قلم كتاب هذه المحكمة بتاريخ 8 مايو، وأعلنت للمستأنف وفقا لصحيح القانون بطلب الحكم بقبول الاستئناف شكلاَ والطعن بالدستورية على المادة الأولى من القانون رقم 25 لسنة 1944م وكذا الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة من القانون رقم 1 لسنة 2000م للأحوال الشّخصية لمخالفتهما المادة الثالثة من الدستور المصريّ ومبادئ الشّريعة الإسلامية.

وفي الموضوع، إلغاء الحكم المستأنف احتياطيا وتوزيع الأنصبة ويكون الأنثى مثل حظ الذكر وهما متساويان في توزيع الأنصبة في الميراث طبقا للدستور 2014م مبادئ الشّريعة المسيحية، وذلك لأسباب حاصلها الخطأ في تطبيق القانون والدفع بعدم الدستورية، حيث تداول الاستئناف بالجلسات وبجلسة المرافعة الأخيرة فوضت النيابة العامة الرأي للمحكمة.

المحكمة في حيثيات الحكم قالت إن الاستئناف قد جاز أوضاعه القانونية ومن ثم فهو مقبول شكلاَ وحيث أنه عن موضوع الاستئناف كان الثابت بنص المادة 247 من لائحة الأقباط الأرثوذكس أنه إذا لم يكن للمورث فرع ولا أب ولا أم كان صافي تركته بعد استيفاء نصيب الزوج أو الزوجة يؤول إلى إخوته وأخواته ويقسم بينهم حصصًا متساوية متى كانوا متحدين في القوة بأن كانوا كلهم إخوة أشقاء أو إخوة لأب أو لأم لا فرق في ذلك بين الأخ والأخت.

ووفقًا لـ «المحكمة»-حيث إنه لما كان ذلك–وكان الثابت أن مستحقي إرث المتوفاة «فريال. ز» هم اشقائها «سفريوس. ز» و «وداد. ز» ومن ثم يكون حصصها الميراثية متساوية بينهما طبقا لنص المادة سالفة البيان لا فرق بين ذكر وأنثى وطبقاَ لشريعتهم ومن ثم المحكمة، وكثالث تعديل الحكم المستأنف فيما آل إليه من توزيع حصص الورثة وحسبما سبق في منطوق الحكم.([34])

صحيح‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الحكم‏ ‏يرسي‏ ‏مبدأ‏ ‏قانونيّا‏ ‏ينطبق‏ ‏علي‏ ‏حالة‏ ‏محددة‏ ‏تناولها‏ ‏الحكم‏ ‏في‏ ‏حيثياته‏, ‏ويستطيع‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏يري‏ ‏في‏ ‏حالته‏ ‏حالة‏ ‏مماثلة‏ ‏أن‏ ‏يتقدم‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏المسارات‏ ‏القانونية‏ ‏لطلب‏ ‏المساواة‏ ‏بالحكم‏, ‏لكن‏ ‏ونحن‏ ‏نرحب‏ ‏بمثل‏ ‏هذه‏ ‏الأحكام‏ ‏نتطلع‏ ‏إلى‏ ‏صدور‏ ‏لائحة‏ ‏الأحوال‏ ‏الشّخصية‏ ‏للمسيحيين‏ ‏التي‏ ‏طال‏ ‏انتظارها‏ ‏والتي‏ ‏من‏ ‏شأنها‏ ‏أن‏ ‏تطلق‏ ‏المساواة‏ ‏بين‏ ‏الرجل‏ ‏والمرأة‏-‏أو الذكر‏ ‏والأنثى‏ ‏في‏ ‏النصوص‏ ‏القانونية‏-‏في‏ ‏جميع‏ ‏الحالات‏ ‏والمراتب‏ ‏التي‏ ‏يقفان‏ ‏فيها‏ ‏أمام‏ ‏القانون‏ ‏ليقتسما‏ ‏ميراثًا.([35])

يرى دكتور حسام لطفي أنَّ أحكام قضائية عديدة قد ارتضت مبدأ إعمال لائحة الأقباط الأرثوذكس في شأن ميراث المسيحيين دون حاجة إلى تعديل تشريعيّ باعتبار أنَّ نصَّ الدستور ذاتيّ التنفيذ. فقد ورد في مادة 224 من الدستور المصريّ بأنَّ “كل ما قرَّرته القوانين واللوائح من أحكام قبل صدور الدستور، يبقى نافذًا، ولا يجوز تعديلها، أو إلغاؤها إلا وفقًا للقواعد والإجراءات المقررة في الدستور. وتلتزم الدولة بإصدار القوانين المنفذة لأحكام الدستور.” وهو نص صريح واجب الأعمال، وتنعقد مسؤولية الدولة سياسيّا عن التاريخيّ في هذا الشأن. هو تراخي غير مستحب حيث يجعل نفاذ ما نصَّ عليه دستور جديد بيد السلطة التنفيذية، وهو أمر محل نظر.([36])

يمكن قراءة ما سبق من خلال أولًا، من الناحية الدستورية، يقوم رأي د. حسام لطفي على اعتبار أن نصوص الدستور – ولا سيما ما يتعلق بحقوق المسيحيين في الاحتكام إلى شرائعهم – ذاتية التنفيذ، بحيث يجوز للقضاء إعمال لائحة الأقباط الأرثوذكس في الميراث دون انتظار تدخل تشريعيّ. غير أن الإحالة إلى المادة 224 من دستور جمهورية مصر العربية تثير إشكالية دقيقة؛ فهذه المادة تقرر استمرار القوانين واللوائح السابقة إلى حين تعديلها أو إلغائها وفقًا للإجراءات الدستورية، لكنها لا تُنشئ بذاتها قاعدة موضوعية جديدة، بل تُنظم مسألة النفاذ الزمني. ومن ثم، فإن اعتبارها سندًا مباشرًا لإعمال اللائحة قد يُعدّ توسعًا في تفسيرها، إذ يظل السؤال قائمًا حول مدى تعارض اللائحة مع قوانين عامة لاحقة، أو مع مبادئ دستورية أخرى.

ثانيًا، على المستوى القضائيّ، القول بأن الدستور “ذاتي التنفيذ” يفتح بابًا لاجتهاد القضاء في تطبيق النصوص الدستورية مباشرة عند غياب التشريع. غير أن هذا الاتجاه يثير تخوفًا من تضارب الأحكام واختلاف دوائر القضاء في تقدير مدى التعارض أو الأولوية بين النصوص، بما قد يخلّ بمبدأ الأمن القانونيّ. فالتعويل على الاجتهاد القضائيّ وحده، دون تدخل تشريعي حاسم، يُبقي المسألة في دائرة التأويل المتغير، بدلًا من إرساء قاعدة عامة مستقرة.

مستقبل التشريع المصريّ حول الميراث:

من خلال عرض ما سبق، ولضمان تشريع مناسب لدستور 2014، يجب القيام بالآتي:

  1. تأصيل لمفهوم التساوي في الميراث في التشريع والفقه الكنسيّ الذي يفهم روح الإنجيل، ورسالة المسيح، وروح ومتطلبات العصر. ومن الملاحظ غياب التأصيل اللاهوتيّ والكتابيّ حول الميراث في الكنيسة المصرية وفي الفقه القانونيّ العام.
  2. صدور قانون حول الميراث للمسيحيين المصريين ينص صراحة على التساوي بين الرجل والمرأة في الميراث، ولعل من المنتظر صدور قانون جديد للأحوال الشّخصية، وهو في طور الإعداد، يجب أنْ ينص هذا القانون على الميراث حلا لمشكلاته من ناحية المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة. وعلى حسب معرفتي بمشاركتي في إعداد هذا القانون والتصريحات الكنسية للمسؤولين ([37]) أنَّه سوف ينص على التساوي التام بين الرجل والمرأة في الميراث، وأيضًا السماح بالتبني وفق شروط وضوابط معينة. وهذا إعمالًا لنص المادة الثالثة من الدستور وتفاديًا لتضارب القوانين في هذا الأمر. حيث إن الدستور هو الوثيقة الأعلى والتي لا يجب أن تخالفه القوانين الموضوعة. فإذا خالفت القوانين نص الدستور لا يعمل بها، فالدستور يعلو ولا يعلى عليه. ووفق قضاء محكمة النقض منذ العام 1980، استقر على مبادئ مهمة تضمنت أنَّ النصوص الدستورية تتمتع بالإنفاذ الفوريّ والمباشر، منذ العمل بأحكام الدستور، وأوجبت إهدار مواد القانون التي تتعارض مع النصوص الدستورية سابقة كانت أم لاحقة على صدوره باعتبار الدستور القانون الأسمى والأعلى صاحب الصدارة على المدرج التشريعيّ.”([38])
  3. على أمل أنّ يصدر قانون مدنيّ عام لجميع المصريين يساوي بين الرجل والمرأة في الميراث، وذلك يأتي في إطار مناداة بعض الفقهاء القانونيين من وضع قانون أحوال شخصية موحد على جميع المصريين بغض النظر عن الانتماء الديني أو المذهبيّ، وإن كانت هذه رؤية بعيدة المنال فيجب تطبيق المساواة على المسيحيين المصريين في الميراث.
  4. خشية من المتاهة القانونية والتضارب بين القوانين، يرجى إصدار قانون للميراث للمصريين المسيحيين يساوى صراحة بين الذكر والأنثى في الميراث، وفقًا لنص المادة الثالثة، وإعمالًا لمواد الميراث في لائحة 1938م، ولحين ذلك يجب أنْ يعمل القاضي عقله وفق نصوص الدستور في المادة الثالثة، ويكون الحكم الذي صدر من محكمة استئناف القاهرة في المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث هو قياس يُبنى عليه. لنصل إلى مسيحيّات بالبطاقة مسيحيّات بالميراث.
  5. خلق مناخ وثقافة عامة، ونشر الوعي بقضة المساواة في الميراث، أمر هام وضروري. وقد رأيت الكثير من الأسر يقسمون بالتساوي، فينتقل الأمر من فكرة التراضي لفكرة القانون المنظم.
  6. لفظ مبادئ الشّريعة المسيحية الوارد في المادة الثالثة من الدستور، في الميراث يحتاج إلى تأصيل لمفهومها، وهي ما استقرّ في القوانين الكنسية المبنية على فهم النص الدينيّ (الكتاب المقدّس)، وقوانين وإقرارات الكنيسة، وأحكام المحكمة الدستورية، ومحكمة النقض، والإدارية العليا، والتي تميل في مجملها نصًّا وضمنًا نحو المساواة.
  7. الانتقال من دولة الملّل والنحل والطوائف إلى دولة المواطنة التي يحكمها القانون المبني على المساواة دون تمييز، في الدولة المصرية الحديثة يجب أن تسقط منها كلمة الطائفة، فالمواطنة تبنى على المفهوم الدستوريّ المبني على التساوي في لحقوق والواجبات، فنحن مواطنون لا ذميون. وبالتالي صدور قانون عام موحد على الكل أمر هام وضروري، وقد نصل إليه يومًا من الأيام.
  8. يجب إعمال العقل في النص، قد يعتقد البعض أنَّ النصوص لا يمكن تغييرها، وهذا صحيح، ولكن يمكن تأويلها، فرحلة الذهاب والعودة من النص للواقع، ومن الواقع للنص كفيلة بفهم جديد وعصريّ ومتطور، يساعد المشرّع للتصالح بين النص والواقع، فلا تكون النصوص الدينية عائقًا للمساواة، ولكن داعمة لها.
  9. المجتمع المسيحيّ في مصر متعدّد ومتنوع، ولا سيما في مجال التشريع الكنسيّ، فلدينا أربع طوائف أرثوذكسية وكل طائفة لها قانون أحوال شخصية خاص بها: الأقباط الأرثوذكس لائحة 1938م، السريان الأرثوذكس لائحة 1913م، الأرمن الأرثوذكس لائحة 1940م، الروم الأرثوذكس 1937م. وسبع طوائف كاثوليكية يحكمه كلهم قانون أحوال شخصية واحد، وهو الإرادة الرسولية الصادرة 1947م، وطائفة إنجيلية تضم 19 مذهبًا، يحكمهم كلهم قانون أحوال شخصية واحد صادر في 1 مارس 1902م. وبالتالي الاتفاق على قانون أحول شخصية موحد يطبق على كافة المسيحيين في مصر أمر ليس بالمهمة السهلة، وبالتالي سيصدر قانون واحد وليس موحدًا، سيكون بمثابة مجموعة قوانين، وبرغم الاختلاف سيكون الاتفاق على بابين هامين هما: الميراث، والتبني، وبذلك يكون هذا تطبيقًا لنص المادة الثالثة من الدستور. يقول الأستاذ يوسف طلعت: إنَّ ممثلي الطوائف المسيحية الثلاث الكبرى الإنجيلية والأرثوذكسية والكاثوليكية قد اتفقوا بالإجماع على تشريع المساواة بين الذكر والأنثى في قضايا المواريث المسيحية ولكافة الدرجات العائلية مؤكدًا أنَّ الكنائس خصَّصت بابًا للمواريث في مشروع قانون الأسرة المسيحية الجديد.”([39])

خاتمة:

في سبيل النظر في مستقبل التشريع عرضنا لهذه الرحلة التي بينت الفجوة بين ما تم تشريعه في الكنيسة المصرية والحكم بمبادئ الشّريعة الإسلامية، بل والتضارب بين القوانين المدنية، والإشكاليّات التي ظهرت في هذا الشأن، حيث لم يكن هناك تشريعًا واضحًا في الميراث لتطبيق المساواة في الميراث غير فكرة التراضي، وبالتالي المادة الثالثة أحالت أمر كل ما يخص أمر المسيحيين لمبادئ الشّريعة المسيحية، التي تكتمل بصدور قانون منظم له، وفي ظل ما صدر في ضوء هذه المادة من حكم يجب البناء عليه.

فهل آن الأوان أنْ تطبق محاكمنا شريعة السيد المسيح في كل ما يتعلق بأحوالنا الشّخصية احترامًا للمادة الثالثة من الدستور التي جعلت مبادئ هذه الشريعة هي المصدر الرئيسيّ للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشّخصية وشئونهم الدينية وإعمالًا للمادة الثانية من القانون المدنيّ التي لا تجيز إلغاء نص تشريعيّ إلا بتشريع لاحق يشتمل على نص يتعارض مع نص التشريع القديم، أو ينظم من جديد الموضوع الذي سبق أن قرر قواعده ذلك التشريع، وهذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.([40])

المحور الثاني: التبني في المسيحية بين المفهوم والواقع([41])

يشكّل التبني في مصر نقطة خلاف أساسية بين القانون المدنيّ والشريعة المسيطرة على التشريع العام؛ فبينما تؤمن الكنيسة المسيحية به كقيمة دينّية تُجسّد البنوّة الروحية وتجعل الطفل المتبنَّى في منزلة الابن الشرعيّ بكل ما يترتب على ذلك من نسب واسم وإرث، فإنَّ الدولة تحظر التبني صراحة استنادًا إلى أحكام الشريعة الإسلامية التي تُلزم المشرّع المصري، وهو ما يقيّد غير المسلمين أيضًا. وبديلًا عن التبني أقرّ القانون نظام الكفالة، الذي يتيح للأسرة رعاية الطفل اليتيم أو مجهول النسب والإنفاق عليه وتربيته، مع احتفاظه بنسبه القانونيّ دون تغيير ودون أن يرث أو يحمل اسم العائلة الكافلة. وبذلك تصبح العلاقة بين الكفالة والتبني في مصر علاقة إحلال وإقصاء؛ فالكفالة هي البديل الإلزاميّ الذي فرضه القانون لجميع المواطنين، مسلمين ومسيحيين، في حين يظل التبني ممارسة لاهوتية ورعوية داخل الكنيسة فقط دون اعتراف قانونيّ بآثاره المدنية.

تُشكّل مسألة التبني في المسيحية إحدى المعضلات القانونية والاجتماعية التي تواجه المصريين المسيحيين، إذ يظل الإطار الكنسيّ التقليديّ يحدّد بدقة شروط التبني وطرق إقراره، في حين يغيب التشريع المدنيّ الذي يضمن حماية الطفل وحقوق الأسرة بشكل متوازن. وقد ترتب على هذا الفراغ القانونيّ آثار متعددة، أبرزها حرمان الأطفال من الأسر البديلة المؤمّنة، وخلق صعوبات للأزواج الراغبين في التبني، فضلًا عن تعزيز حالة الغموض حول وضع الأطفال المتروكين أو الأيتام. كما أدّت هذه المعضلة إلى فجوة بين التطلعات المجتمعية المعاصرة، التي ترى في التبني منفذًا في حماية الطفولة وإعادة بناء الأسرة، وبين النصوص القانونية الصارمة التي تقيد تطبيقه، ما يحتم البحث عن حلول تشريعية متوازنة تحترم المرجعية المسيحية وفي الوقت ذاته تحمي مصلحة الطفل الفضلى.

قصة الطفل شنودة الذي وجد في دورة المياه بالكنيسة-حسب ما قيل- وتبنته أسرة لم يكن لديها أبناء، وقضى معهم أربع سنوات تمتع الطفل بالرعاية والعناية، وتمتعت الأسرة بالشبع من الحرمان من الأبناء والسعادة، ولكن لم يدم الحال على ما هو عليه، ولأسباب خاصة بالميراث، فقد أشتكى أحد أقارب الأبوين للنائب العام مدعيًا بأنَّ هذا الطفل ليس أبنًا لهما أو من صلبهما، وبعد تحليل DNA قد تبين أنَّ الولد بالفعل ليس ابنهما، وبالتالي فهو مجهول النسب، وكل مجهول النسب هو مسلم بالفطرة، إذًا فشنودة مسلم، فأخذ أو بالأحرى أنتزع منهما وأودع في دار رعاية، بعد أن تحول أسمه إلى يوسف. ولم تفلح المحاولات في إعادة الأمر على ما هو عليه فإنَّ الكاهن الشاهد على الحدث قد توفى، والفتاوى التي تجيز تبني من هم في حيز مكان مسيحيّ مثل الكنيسة لم يؤخذ بها.

هذه الحادثة تحولت إلى قضية رأي عام لتحيي من جديد قضية التبني في المسيحية، فهو جائز ومقبول من منطلق لاهوتي وكتابيّ، والأسس التي بنى عليها التبني في المسيحية([42])، هي: إنَّ الله الخالق هو أب: “كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ.” (مز 103: 13). “فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ. فَقُلْتُ لَكَ: أَطْلِقِ ابْنِي لِيَعْبُدَنِي، فَأَبَيْتَ أَنْ تُطْلِقَهُ. هَا أَنَا أَقْتُلُ ابْنَكَ الْبِكْرَ.” (خر 4: 22-23). وهو الثالوث القدوس: “وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ.” (مت 28: 19). والمسيح ابن الله: “ابْنِ اللهِ” (لو 3: 38). ونحن أبناء الله: “أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مت 6: 9).

تقوم البنوة بين الإنسان والله في الفكر المسيحيّ على أساس روحيّ لا بيولوجيّ، إذ تُعبِّر عن طبيعة العلاقة التي تربط الله بشعبه علاقة محبة وقرب وانتماء. فالمؤمنون يُدعون في التقليد المسيحيّ أبناءً لله لا من حيث النسب الجسديّ، بل من حيث النعمة التي تمنحهم مشاركة في الحياة الإلهية. ومن هذا المنطلق يُفهم مفهوم التبني في اللاهوت المسيحيّ بوصفه صورة رمزية لعلاقة الله بالإنسان، حيث يقبل الله الإنسان في شركة البنوة رغم عدم وجود رابطة طبيعية سابقة. ويُفضي هذا الفهم إلى بعد أخلاقيّ واجتماعيّ مهم، إذ إن اختبار الإنسان لنعمة التبني الإلهيّ يدعوه إلى تجسيد هذه القيمة في حياته العملية من خلال ممارسات الرعاية والاحتضان تجاه الآخرين، ولا سيما الأطفال المحرومين من الأسرة. ومن ثمّ يمكن النظر إلى التبني الإنسانيّ في هذا السياق بوصفه امتدادًا للقيمة الروحية للبنوة في المسيحية، إذ يعكس في مستواه الاجتماعيّ معنى المحبة والمسؤولية التي تشكل جوهر العلاقة بين الله والإنسان.

وقد شهد الكتاب على أن التبني موجود في الحضارة المصرية القديمة في موقف موسى (خر 2: 1-10؛ عب 11: 24). وفي الفكر اليهودي وقد حدث ذلك مع أستير في سفر أستير (أس 2: 5-7). وقد قيل عن المسيح أنَّه ابن يوسف: “وَقَالُوا: أَلَيْسَ هَذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؟ فَكَيْفَ يَقُولُ هَذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ؟” (يو 6: 42).

إن الشخصيات التي يوردها الكتاب المقدس في سياق التبني ليست شخصيات هامشية، بل شخصيات محورية في تاريخ الخلاص. فموسى، الذي تبنّته ابنة فرعون، أصبح قائدًا لتحرير بني إسرائيل من العبودية، وأستير التي نشأت في كنف مردخاي لعبت دورًا حاسمًا في إنقاذ شعبها، كما ارتبطت طفولة المسيح بخبرة التبني الأبوي في شخص يوسف النجار الذي اضطلع بدور الأب الحارس والمربّي. ويكشف هذا الحضور المتكرّر لنماذج التبني في السرد الكتابيّ أن التبني لم يُقدَّم بوصفه حالة اجتماعية أدنى أو وضعًا ناقصًا، بل كإطار إنسانّي يمكن أن تتحقق من خلاله أدوار تاريخية وروحية كبرى. ومن ثمّ فإن هذه النماذج الكتابية تسهم في تفكيك الصور النمطية التي قد تنظر إلى المتبنّى باعتباره أقل شأنًا أو أقل انتماءً إلى الأسرة، وتؤكّد أن القيمة الإنسانية والدور التاريخيّ لا يرتبطان بأصل النسب البيولوجيّ بقدر ما يرتبطان بالعلاقة الأسرية والرعاية والتنشئة.

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في سياق النقاشات المعاصرة حول قضايا الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر، حيث يبرز الجدل حول موقع التبني في التشريعات الكنسية والمدنية. فاستدعاء هذه النماذج الكتابية يفتح المجال لإعادة قراءة التراث الدينّي قراءة سياقية تُبرز البعد الإنسانيّ والاجتماعيّ للتبني، وتعيد النظر في بعض التصورات السلبية التي تراكمت حوله. كما يمكن لهذه القراءة أن تسهم في إثراء النقاش القانونيّ واللاهوتيّ حول إمكانات تنظيم التبنيّ أو بدائله بما يحقق مصلحة الطفل والأسرة معًا، ويعزز قيم الرعاية والمسؤولية الاجتماعية التي تشكّل في جوهرها أحد المقاصد الأخلاقية الأساسية للتشريع في المجتمعات المسيحية.Top of FormBottom of Form

وفي العهد الجديد يقول الرسول بولس في غلاطية: “وَإِنَّمَا أَقُولُ: مَا دَامَ الْوَارِثُ قَاصِرًا لاَ يَفْرِقُ شَيْئًا عَنِ الْعَبْدِ، مَعَ كَوْنِهِ صَاحِبَ الْجَمِيعِ. بَلْ هُوَ تَحْتَ أَوْصِيَاءَ وَوُكَلاَءَ إِلَى الْوَقْتِ الْمُؤَجَّلِ مِنْ أَبِيهِ هكَذَا نَحْنُ أَيْضًا: لَمَّا كُنَّا قَاصِرِينَ، كُنَّا مُسْتَعْبَدِينَ تَحْتَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ. وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ. ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: «يَا أَبَا الآبُ». إِذًا لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ابْنًا، وَإِنْ كُنْتَ ابْنًا فَوَارِثٌ للهِ بِالْمَسِيحِ. (غل 4: 1-7).

ومن خلال هذا المفهوم أخذت لائحة 1938م للأقباط الأرثوذكس بالتبني، ونظمته اللائحة في فصل كامل عن التبني في المواد 110-123 ولكن حدث تناقضًا تشريعيًّا بينها وبين قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996م والمعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008م في المادة الرابعة منه والتي التي تفيد في نهايتها: بإنَّ التبني محظور. وتنص المادة على الآتي: “للطفل الحق في نسبه إلى والديه الشرعيين والتمتع برعايتهما. وله الحق في إثبات نسبه الشرعي إليهما بكافة وسائل الإثبات بما فيها الوسائل العلمية المشروعة. وعلى الوالدين أن يوفرا الرعاية والحماية الضرورية للطفل، وعلى الدولة أن توفر رعاية بديلة لكل طفل حرم من رعاية أسرته، ويحظر التبني“.

وكذلك التناقض بين المادة الثانية في الدستور: “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.” والمادة الثالثة والتي تنص على أنَّ “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية.” وكلاهما في تناقض مع المادة الأولى من الدستور التي تؤسس الدولة على مفهوم المواطنة، تقول إنَّ: “جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة، ولا ينزل عن شيء منها، نظامها جمهوريّ ديمقراطيّ، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون. الشعب المصريّ جزء من الأمة العربية يعمل على تكاملها ووحدتها، ومصر جزء من العالم الإسلاميّ، تنتمي إلى القارة الإفريقية، وتعتز بامتدادها الآسيوي، وتسهم في بناء الحضارة الإنسانية.”، وتكتمل الصورة حين خصَّص الدستور مادة كاملة وهي المادة السابعة عن الأزهر الشريف لتكتمل الصورة حول شكل الدولة التي نعيش فيها.

إن حالة الحيرة أو الازدواج التي عرفها النظام الدستوريّ المصريّ بين منطق الدولة المدنية ومنطق الدولة ذات المرجعية الدينية أسهمت في خلق توتر مستمر في العلاقة بين الدولة والكنيسة، ويتجلى ذلك بوضوح في التفاعل بين نصوص الدستور، ولا سيما بين المادة الأولى والمادة الثانية. فالمادة الأولى تؤكّد الطبيعة المدنية للدولة المصرية القائمة على مفهوم المواطنة وسيادة القانون، في حين تنص المادة الثانية على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسيّ للتشريع. وقد أفضى هذا التداخل بين المرجعيتين إلى نوع من الإشكال الدستوريّ في القضايا التي تتعلق بالأحوال الشخصية لغير المسلمين، حيث تجد الدولة نفسها مطالبة بالموازنة بين مقتضيات الدولة المدنية التي تضمن التعدّد الدينيّ وحق الطوائف في تنظيم شؤونها الداخلية، وبين حضور المرجعية الإسلامية في النظام التشريعيّ العام.

وفي هذا السياق تحديدًا نشأت حالة من التوتر والتفاوض المستمر بين الدولة والكنيسة، خاصة في قضايا الزواج والطلاق والتبني، إذ تسعى الكنائس إلى الحفاظ على استقلاليتها التشريعية في تنظيم الأحوال الشخصية لأبنائها وفق تعاليمها الدينية، بينما تحاول الدولة في الوقت نفسه ضبط هذه المسائل داخل إطار قانوني عام ينسجم مع بنية النظام الدستوريّ. ومن ثمّ يمكن القول إن هذا التوتر لا يرجع فقط إلى خلافات قانونية جزئية، بل إلى إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الدولة ذاتها وحدود العلاقة بين الدين والقانون في المجال العام.Top of Form

Bottom of Form

وقد تناول الفقه القانونيّ في مصر التبني من حيث كونه مخالفًا للنظام العام في مصر، فمسألة القرابة وأنواعها هي من المسائل التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بكيان الأسرة والمجتمع بحيث أنه لو أراد المشرع إجازة نظام التبني لنصَّ عليه صراحة على النحو الذي فصَّلَه المشرع الفرنسيّ في القانون المدنيّ الفرنسيّ (المواد 310 وما بعدها).([43]) أما القانون المدنيّ المصريّ فأنه قد تصدى لتنظيم انواع القرابة وحدد هذه الأنواع واغفل أي إشارة الى نظام التبني. فقد حدد القانون المدنيّ المصري أنواع القرابة في نوعين على سبيل الحصر هما قرابة الدم وقرابة المصاهرة ولذلك فأننا نرى أن مسألة انواع القرابة قد نظمت بنصوص موحدة تسري على جميع المصريين طالما انها قد وردت بالقانون المدنيّ. إن القانون المدنيّ المصري قد ذكر انواع القرابة على سبيل الحصر لا على سبيل المثال.([44]) إنَّ هذا التحديد لأنواع القرابة متعلّق بالنظام العام إذ لا يمكن القول إنَّ إنشاء نوع جديد من أنواع القرابة يُعّدُّ من المسائل التي يترك تنظيمها لإرادة الأفراد فمن المسلّم به أن المسائل التي تتعلق بالنظام العام لا يجوز للأفراد تنظيمها بالاتفاق بل يرجع فيها لنص القانون.([45])

يمكن نقد الاتجاه القائل بإن التبني مخالف للنظام العام في مصر انطلاقًا من أن هذا التصور يخلط بين مفهوم النظام العام المطلق وبين النظام العام النسبيّ الذي يقبل التنوع في إطار التعدّدية الدينية التي أقرها دستور جمهورية مصر العربية، إذ نص على حق المسيحيين في الاحتكام إلى شرائعهم في مسائل الأحوال الشخصية. فكون القانون المدنيّ المصريّ قد حصر أنواع القرابة في قرابة الدم والمصاهرة لا يعني بالضرورة حظر التبني صراحة، بل يعبّر عن تنظيم للآثار المدنية العامة دون أن ينص على منع قاطع لنظام آخر إذا ورد في تشريع خاص بطائفة دينية. كما أن اعتبار التبني إنشاءً اعتباطيًّا لقرابة جديدة بإرادة الأفراد يتجاهل كونه في السياق المسيحيّ مؤسسة ذات أساس لاهوتيّ وقانونيّ داخل البناء الكنسيّ، وليست مجرد اتفاق خاص.

ومن ثم فإنَّ التوسع في إدراج التبني ضمن النظام العام الموحّد قد يفضي إلى تقييد حق دستوريّ في إدارة الشأن الأسريّ وفق العقيدة، خاصة وأن النظام القانونيّ المصريّ يقبل بالفعل تعدّدية تنظيم الزواج والطلاق وسائر عناصر البنية الأسرية، الأمر الذي يجعل استبعاد التبنيّ وحده محل تساؤل من زاوية الاتساق الدستوريّ ومبدأ المساواة في نطاق الأحوال الشخصية.

وبالرجوع إلى قضية الطفل شنودة فإنها ثلاث قضايا رئيسية تمثل أبعادًا متشابكة، وهي: تشريعيّا، وإنسانيّا، وإيمانيًّا.

أولًا: البُعد التشريعيّ

 يتمثل في التناقض الواضح بين النصوص القانونية المنظمة للتبني، سواء على مستوى القانون المدنيّ أو القوانين الكنسية، وبين ما تفرضه الشريعة المسيحية على تنظيم شؤون الأسرة والطفولة. هذا التناقض يتجلى أيضًا في التباين بين أحكام المادة الثانية والمادة الثالثة من دستور جمهورية مصر العربية، وبين لائحة 1938م وقانون الطفل، وهو ما يخلق فراغًا تشريعيّا حقيقيًّا يعقّد إمكانية تطبيق التبني بصورة قانونية واضحة، ويؤثر على حقوق الطفل وحق الأسرة في تكوين بيئة مستقرة وآمنة.

ثانيًا: البُعد الإنسانيّ

          إذ يبرز التبني كحلًا عمليًّا لمعضلة اجتماعية قائمة: هناك أسر ترغب في تربية أطفال لكنها لا تستطيع الإنجاب، وفي المقابل هناك أطفال بلا أسر أو بيئة حاضنة، ما يجعل التبني وسيلة تحقق منفعة متبادلة للطرفين وتحمي حقوق الطفل الأساسية في الرعاية والحنان، وتحقق للأسر حقها المشروع في التربية. ويعكس هذا البُعد الحاجة الملحّة لإطار قانونيّ ينظم التبني بما يراعي مصالح الطفل ويحافظ على استقرار الأسرة.

ثالثًا: البُعد الإيمانيّ

 حيث تتقاطع الهوية الدينية للكنيسة مع مسألة التبني، إذ يثار التساؤل حول مدى استعداد الكنيسة للانخراط في تنظيم هذا المجال ضمن التشريع المزمع إقراره، وهل يمكن الجمع بين التمسك بالمبادئ اللاهوتية والتجاوب مع الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية المعاصرة. ويعكس هذا البُعد أهمية صياغة تشريع يوازن بين المرجعية الدينية والمصلحة العامة، بما يعزز دور الكنيسة كمؤسّسة داعمة للأسرة والمجتمع، دون أن يُخلّ بمبادئها الإيمانية.

خبرتي الشخصية حين كنت واحدًا ممن ساعدوا في إعداد القانون الخاص بالأحوال الشخصية الموحد المُسَمَّى “قانون الأسرة المسيحية”-المزمع صدوره-ساعدت وسعيت مع زملائي لوجود فصل عن الميراث وفصل آخر عن التبني، وقد قيل لنا أثناء الإعداد والمناقشة أنه غير وارد قبول هذا الأمر من الأساس فلا نضعه في التشريع لكيلا يتعطل القانون، فكان رأيي وقتها نضعه ولو مُنِعَ يكون العبء على الدولة وليس علينا، وبالفعل صيغت مواد محكمة في هذا الأمر ولكن ما تردد في الصحف أن وزارة العدل رفضت من الأساس وضع التبني في القانون الموحد المزمع صدوره. وقد تم طرح المشروع بالفعل والمؤشرات الأولى تقول إنه تم قبول الميراث ورفض التبني الذي “تم طرحه بالفعل، لكن لم يتم إدراجه في المشروع النهائي بسبب الإشكاليّات التي كانت حوله مثل الخوف من اختلاط الأنساب، وغيرها من الأسباب الأخرى.”([46]) وهذا يؤكد على أنه بالرغم من مدنية الدولة فالدين يعتبر عنصرًا مؤثرًا في حالة الشخص ولا سيما في مسائل الأحوال الشخصية. ومن أمثلة ذلك: أنَّه لا يجوز التوريث بين المسلم وغير المسلم، وأن غير المسلمين يتوارثون بعضهم من بعض، ومن أمثلة ذلك أيضًا حق الزوج المسلم في الزواج من أكثر من زوجة وحقه أيضًا في الطلاق وهذه أمور تبيحها الشريعة الإسلامية وتجرمها الشرائع الأخرى.([47])

قد ظهرت مطالبات بضم التبني إلى قانون الأحوال الشخصية الموحد للمصريين المسيحيين المزمع صدوره المقال، وفي رصدها مقال عصام فضل([48]) حيث تناول مناقشات جارية في مصر حول إدراج التبني في مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين، وذلك بعد تقديم اقتراح قانون إلى وزارة العدل يسمح بالتبني للمسيحيين فقط وينظم آلياته وشروطه. وجاء هذا الاقتراح وسط اختلافات بين الكنائس المسيحية الثلاث: الأرثوذكسية، الكاثوليكية، الإنجيلية حول كيفية تضمين التبني في القانون، حيث يُصر الإنجيليّون والكاثوليك على إدراجه بينما يقترح رأس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تأجيل البند حتى لا يعيق تمرير القانون. وتشير المادة المقترحة إلى شروط ينظمها القانون، مثل منع تبني طفل إذا كان من ديانة مختلفة عن آبائه المتبنين، ويقترح المشروع عقوبات تصل إلى السجن لمن يخالف شروط التبني، كما يخصّص جهات حكومية لتنظيم ومراقبة العملية. وشدّد بعض ممثلي الكنائس على أن جميع الطوائف المسيحية تؤيد التبني من منطلق دينيّ لكنها تختلف على طريقة تضمينه في التشريع النهائيّ.

ويعتقد البعض أن في حال رفض قانون التبني يكون البديل المتاح هو نظام الكفالة([49]) “البديل المتاح حاليًا هو نظام “الكفالة” وفقًا لقانون التضامن الاجتماعيّ، وهو يتيح رعاية الطفل دون منحه النسب أو كامل حقوق الميراث.”([50]) وبالتالي وبديلًا عن التبني أقرّ القانون نظام الكفالة، الذي يتيح للأسرة رعاية الطفل اليتيم أو مجهول النسب والإنفاق عليه وتربيته، مع احتفاظه بنسبه القانونيّ دون تغيير ودون أن يرث أو يحمل اسم العائلة الكافلة. وبذلك تصبح العلاقة بين الكفالة والتبني في مصر علاقة إحلال وإقصاء؛ فالكفالة هي البديل الإلزامي الذي فرضه القانون لجميع المواطنين، مسلمين ومسيحيين، في حين يظل التبني ممارسة لاهوتية ورعوية داخل الكنيسة فقط دون اعتراف قانوني بآثاره المدنية.

إنَّ قصة الطفل شنودة تثير في نفسي الألم، فما ذنب طفل تقسو عليه الحياة بهذه الصورة، من أم تلقيه في دورة مياه بلا رحمة، ونظام قانونيّ وتشريعيّ ينتزعه من حضن أسرة قد تبنته وربته—وكانت محتاجة لهذه الخبرة—ليلقيه في دار رعاية دون أي اعتبار لأي مشاعر إنسانية للطفل أو للأسرة أو للإنسانية، وما زالت قضية شنودة وكل شنودة تحتاج إلى حل، والحل في تقديري الخاص هو حل تشريعيّ يسمح بالتبني للمسيحيين في مصر وفق شروط وقواعد قابلة للتنفيذ، ولعل مجلس النواب يقوم بذلك عندما يناقش مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين المصريين.

بوجه عام، يشعر كثير من المسيحيين في مصر بأن القانون لا ينصفهم في مسألة التبني، إذ إن الكنيسة المسيحية في مصر تنظر إلى التبني باعتباره قيمة إنجيلية وروحية تُجسّد معنى البنوة والمحبّة الأسرية، وتمنحه اعترافًا كنسيًّا كاملًا، بينما يحظره القانون المدني المصري التزامًا بالشريعة الإسلامية، ويقصر الرعاية على نظام الكفالة فقط. هذا التباين يولّد لدى المسيحيين إحساسًا بالقيود، حيث يُحرمون من ممارسة حق دينيّ ورعويّ له جذور في تقاليدهم الكنسية والروحية، ويضطرون قانونيًّا إلى الاكتفاء بالكفالة، التي تُوفّر الرعاية المعيشية للأطفال لكنها لا تحقق أبعاد البنوة الحقيقية كالانتماء العائلي والاسم والإرث. ومن ثم، ينظر قطاع واسع من المسيحيين إلى معالجة القانون للتبني باعتبارها غير متوافقة مع إيمانهم الكنسيّ، بل وتُشكّل موضع جدل دائم بين الكنيسة والدولة حول حقوق غير المسلمين في مسائل الأحوال الشخصية.

يقترح مسيحيّو مصر، من خلال الكنائس أو الأصوات الحقوقية، أن يُعاد النظر في مسألة التبني بما يراعي خصوصية غير المسلمين في قضايا الأحوال الشخصية. فهم يطالبون بأن يُمنحوا حقَّ تنظيم التبني داخل طوائفهم الكنسية أسوةً بما هو معمول به في بعض الدول ذات التنوع الدينيّ، بحيث يُسمح للمسيحيين بتبنّي الأطفال رسميًّا مع الاعتراف القانوني بآثاره من نسب واسم وإرث، انسجامًا مع التعليم الكنسيّ الذي يرى التبني قيمة إنجيلية تعكس محبة الله البنوية. كما يرغبون في أن يعترف القانون المصريّ بازدواجية الأنظمة، فيُطبَّق نظام الكفالة للمسلمين، بينما يُتاح التبني للمسيحيين وفقًا لشرائعهم الخاصة، تمامًا كما هو الحال في الزواج والطلاق حيث تُطبّق شرائع الطوائف. وبذلك، يتطلع المسيحيّون في مصر إلى تعديل تشريعيّ يمنحهم الحرية الدينية في ممارسة التبني، بدلًا من الاكتفاء بالكفالة التي تُعَدّ في نظرهم ناقصة ولا تحقق المعنى الروحيّ الكامل للبنوة المسيحية.

خاتمة وتوصيات:

في ضوء ما تقدّم، خلصت هذه الدراسة إلى أنّ مسألتي الميراث والتبنّي في السياق المسيحيّ المصريّ لا يمكن تناولهما بمعزل عن الإطار الدستوريّ الحاكم، ولا عن التحولات الاجتماعية التي أعادت تشكيل بنية الأسرة ووظائفها. فالمادة الثالثة من دستور جمهورية مصر العربية تمنح المسيحيين حق الاحتكام إلى شرائعهم في أحوالهم الشخصية، غير أنّ هذا الحق ينبغي أن يُقرأ في ضوء المبادئ الدستورية العامة، وفي مقدمتها مبدأ المساواة وعدم التمييز. ومن ثمّ، فإنَّ المطالبة بالمساواة في الميراث بين الذكر والأنثى داخل الإطار المسيحيّ لا تمثل خروجًا على المرجعية الدينية، بل يمكن تأسيسها لاهوتيًّا وقانونيّا على قاعدة الكرامة الإنسانية المتساوية، وعلى تطوّر الفقه الكنسيّ ذاته عبر التاريخ.

كما بيّنت الدراسة أنّ غياب تشريع مدنيّ ينظّم التبنّي للمسيحيين المصريين يخلق فراغًا قانونيّا ينعكس سلبًا على استقرار الأسرة وعلى مصلحة الطفل الفضلى، وهي مصلحة أقرّتها المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية. إنّ إقرار تشريع يتيح التبنّي وفق ضوابط واضحة، تحترم الخصوصية الدينية وتخضع لرقابة الدولة، من شأنه أن يوفّق بين حق الجماعة الدينية في تنظيم شؤونها، وواجب الدولة في حماية الطفولة وتعزيز الاستقرار الأسريّ.

توصي الدراسة بضرورة إصدار نص تشريعيّ واضح يفعّل المادة الثالثة من دستور جمهورية مصر العربية في مجال الميراث، بحيث يُحسم الجدل حول أولوية تطبيق الشريعة الخاصة بالمسيحيين حيث يكون المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة وكذلك لا يرث مع البنات لأبيهم أحدًا حين لا يكون هناك ذكور. فالنص الصريح من شأنه أن يحقق اليقين القانونيّ ويمنع تضارب التفسيرات القضائية.

توصي الدراسة بضرورة استقرار اتجاه قضائيّ موحد، سواء عبر دوائر متخصّصة أو من خلال مبادئ مستقرة لمحكمة النقض، بما يعزز الاتساق ويمنع التباين بين المحاكم. توصي الدراسة بإنشاء قاعدة بيانات رسمية متخصّصة تجمع الأحكام المتعلقة بميراث المسيحيين، بما يتيح تحليل الاتجاهات القضائية واستقراء مسارات التطور القانونيّ. ومن المهم إعادة النظر في مفهوم النظام العام بوصفه إطارًا مرنًا يسمح بالتعدّد داخل الدولة الواحدة، لا مفهومًا جامدًا يُستخدم لإقصاء الخصوصيات الدينية. وينبغي دعم التحليل القانونيّ بإطار نظري يعترف بتعايش أكثر من نظام معياري داخل الدولة، بما يعزز فهم العلاقة بين التشريع المدنيّ والمرجعية الدينية.

توصي الدراسة بضرورة قراءة تطور قواعد الميراث في ضوء التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها الأسرة المسيحية، حتى لا ينفصل التشريع عن الواقع المجتمعيّ. ومن الضروري نشر الوعي بالحقوق الدستورية المتعلقة بالأحوال الشخصية، بما يمكّن الأفراد من المطالبة بتطبيق شريعتهم بصورة واعية ومنظمة.توصي الدراسة بإطلاق حوار مجتمعيّ حول فلسفة الميراث بين مبدأ المساواة الدستورية وخصوصية المرجعية الدينية، بهدف الوصول إلى صيغة توافقية مستقرة. وينبغي دعم البحث القانونيّ بدراسات ميدانية تقيس أثر تطبيق القواعد الحالية على استقرار الأسرة المسيحية، بما يوفر بيانات واقعية تدعم الإصلاح التشريعيّ. يمكن التفكير في إصدار قانون متكامل لغير المسلمين يتضمن بابًا خاصًا بالميراث، بما يحقق الاتساق التشريعيّ ويحد من اللجوء المتكرر إلى الاجتهاد القضائيّ.

توصي الدراسة بضرورة إصدار نص قانونيّ ينظم التبني للمسيحيين تنظيمًا صريحًا، استنادًا إلى المادة الثالثة من دستور جمهورية مصر العربية، بما يرفع الالتباس القائم بشأن مدى اعتباره من مسائل النظام العام، ويؤكد حق الطوائف في تنظيم شؤونها الأسرية وفق شرائعها. وتوصي بإعادة تفسير مفهوم القرابة في ضوء التعدّدية الدينية رغم أن القانون المدنيّ المصري حصر القرابة في الدم والمصاهرة، إلا أن ذلك لا يمنع إقرار أثر قانونيّ خاص بالتبني في نطاق طائفيّ، عبر نص استثنائيّ واضح، دون المساس بالبنية العامة للتقنين المدنيّ. ويمكن تنظيم التبني للمسيحيين من خلال رقابة قضائية تضمن حماية مصلحة الطفل الفضلى، والتحقق من استيفاء الشروط الأخلاقية والاجتماعية، بما يمنع إساءة استخدام النظام. ويجب أن يكون أي تنظيم للتبني منطلقًا من معيار مصلحة الطفل الفضلى بوصفه مبدًا مستقرًا في التشريعات الحديثة، بحيث يُنظر إلى التبني كآلية حماية اجتماعية لا كمسألة شكلية. وتوصي الدراسة بإجراء بحوث ميدانية حول الآثار الاجتماعية لغياب الاعتراف بالتبني، خاصة على الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية، بما يوفر أساسًا واقعيًّا للإصلاح التشريعيّ

ختامًا، توصي الدراسة بأن يتبنّى المشرّع المصريّ رؤية إصلاحية متوازنة، تنطلق من النص الدستوريّ وتستجيب للتحوّلات المجتمعية، عبر: أولًا، إعادة النظر في تنظيم الميراث بما يكرّس المساواة بين الجنسين في الإطار المسيحيّ؛ وثانيًا، إصدار قانون ينظّم التبنّي للمسيحيين تنظيمًا صريحًا ومتكاملًا. فالإصلاح التشريعيّ في هذين المجالين لا يمثّل مجرّد تعديل قانونيّ، بل خطوة نحو ترسيخ المواطنة وتعزيز العدالة داخل البنية الأسرية، بما ينسجم مع روح الدستور ومتطلبات الدولة الحديثة.

المراجع

ابن المكين. الموسوعة اللاهوتية الشهيرة بالحاوي، تحقيق راهب من دير المحرق. أسيوط: دار المحرق، 1999م.

أحمد، عبد المقصود توفيق. مبادئ القانون. القاهرة: المعهد العالي للعلوم الإدارية بأوسيم، 2018م.

إلدر، جون. قلب الإصلاح الاجتماعيّ، ترجمة عزت زكي. بيروت: مكتبة المشعل، 1953م.

براون. الأسرة المثالية. ترجمة عزت زكي. القاهرة: مطبعة النيل المسيحية، د. ت.

بركات، إسلام. الدين المؤسّسات الدينية والدولة حوارات منتدى والحريات 2012-2016. القاهرة: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 2017م.

تاريخ تنظيم توزيع الإرث عند المسيحيين في القانون المصريّ حتى ثورة يناير. متاح على https://eipr.org/publications وتمَّ الاطلاع عليه في يوم 20 مارس 2020م.

الجذور التاريخية لدعوى المساواة في الميراث، إسلام أون لاين. متاح على https://www.ida2at.com وتم الاطلاع عليه في 10 سبتمبر 2014م.

الحق في الميراث 2: تعزيز الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للنساء الفلسطينيات من خلال تسهيل الوصول إلى حقوقهم الإرثية. ورقة مقدمة من: مركز شؤون المرأة غزة، جمعية الشبان المسيحية القدس، مركز المرأة لإرشاد القانونيّ والاجتماعيّ، د. ت.

حليم، المستشار لبيب. الميراث والتبني فريضة الأقباط المحظورة.  متاح على https://m.alwafd.news وتمَّ الاطلاع عليه في 15 سبتمبر 2019م.

حنا، هايدي. التبني من منظور كتابيّ وقانونيّ وإنسانيّ. القاهرة: مركز الكلمة للدراسات والأبحاث، 2025م.

رضوان، علاء. حكم نهائي بالمساواة بين الجنسين في ميراث المسيحيين الأرثوذكس. تعرف عليه، متاح على موقع https://www.youm7.com وتمَّ الاطلاع عليه 20 نوفمبر 2019م.

زكي، أندريه. مشروع القانون استحدث مواد تتناول المساواة بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بالميراث، وهي من الأمور الجديدة المطروحة في القانون. يمكن الاطلاع على الحوار في موقع https://www.shorouknews.com.

سلامة، أحمد. الأحوال الشخصية للمصريّن غير المسلمين وللأجانب المدخل والقواعد العامة. القاهرة: دار الفكر العربيّ، 1958م.

سيدهم، يوسف. أين‏ ‏تشريعات‏ ‏المواريث‏ ‏في‏ ‏قانون‏ ‏الأحوال‏ ‏الشّخصية‏ ‏للمسيحيين؟ متاح على https://www.wataninet.com وتم الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2019م.

سيدهم، يوسف. حكم‏ ‏قضائيّ‏ ‏بالمساواة‏ ‏بين‏ ‏الرجل‏ ‏والمرأة‏ ‏في‏ ‏الميراث. متاح على https://www.wataninet.com ويتم اطلاع عليه في 15 سبتمبر 2019م.

صادق، مجدي. أحكام الميراث والوصية والهبة في الشّريعة المسيحية. متاح على موقع https://www.copts-united.com/Article تمَّ الاطلاع عليه في 18 نوفمبر 2019م.

صبري، هاني. المساواة في الميراث بين الجنسين مبدأ كتابيّ في المسيحية… يؤيده الدستور. متاح علىhttps://www.alraimedia.com وتمَّ الاطلاع عليه في 20 نوفمبر 2019م.

صلاح، عيد. التبني في المسيحية بين المفهوم والواقع. مجلة الراعي، أكتوبر 2022م، العدد 210، السنة 19، ص 13.

_______. الميراث في المسيحية بين الفكر اللاهوتيّ والتشريعات المسيحية. القاهرة: مركز الكلمة للدراسات والأبحاث، 2024م.

عوض، جرجس فليوثاوس. المجموع الصفوي يتضمن القوانين التي العلاّمة الشيخ الصفي أبي الفضائل بن العسال، الجزء الثاني. القاهرة: المطبعة التوفيقية، 1908م.

غريغوريوس، الأنبا. مقالات وموضوعات في المجامع والقوانين الكنسية، موسوعة الأنبا غريغوريوس 35، إعداد منير عطية. القاهرة: جمعية الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلميّ، 2010م.

الفار، يعقوب. أحكام المواريث والوصايا لدى الطوائف المسيحية. مجلة رسالة المحبة العدد (218) السنة التاسعة عشر آب 2013.

فتحي، رفعت. في حوار مع البوابة نيوز أجراه مايكل عادل يوم 7 أبريل 2026م، متاح على موقع https://www.albawabhnews.com وتم الاطلاع عليه في 8 أبريل 2026م.

فرج، توفيق حسن. أحكام الأحوال الشّخصية لغير المسلمين. بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1982.

فيلكس، عماد. التبني في المسيحية والاتفاقات الدولية. القاهرة: نظرة للمستقبل، 2013م.

فيلوثاوس، الإيغامونوس. الخلاصة القانونية في الأحوال الشّخصية. القاهرة: مطبعة التوفيق، 1896م.

عوض، جرجس فيلوثاوس. القضاء الشخصيّ عند الأقباط. ملحق المجلة القبطية. القاهرة: مطبعة التوفيق 1908-1909م.

قانون الأحوال الشّخصية الاحتكام للشريعة المسيحية في تطبيق أحكام الميراث. متاح على http://www.soutalomma.com وتم الاطلاع عليه 10 سبتمبر 2019م.

مجاهد، أسامة أبو الحسن محمد. “محكمة الأسرة والتعديلات الأخيرة للائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس” جامعة الإسكندرية، كلية الحقوق، المؤتمر العلميّ الدوليّ: الاتجاهات التشريعية الحديثة في النظام القضائيّ، مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، 2010م، ص 187-237.

مجموعة نظام المجمع الأعلى وقانونيّ أصول المحاكمات والأحوال الشّخصية للطائفة الإنجيلية في سوريا ولبنان. بيروت: د. ن، د. ت.

محمود، بهاء. العائلة المصرية والموروث الثقافيّ. أحوال مصرية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العدد 74، أكتوبر 2019م.

المقاري، أثناسيوس. قوانين بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في العصور الوسطى. القاهرة: دار نوبار، 2009م.

لطفي، محمد حسام محمود. المدخل لدراسة القانون في ضوء آراء الفقه وأحكام القضاء. القاهرة: المؤلف، العام الجامعيّ 2024-2025م.

Fadl, Essam. “Differences over adoption mar discussions of unified personal status law”. In https://www.dailynewsegypt.com, cited on 1 March 2026

Vat. Arabo 169.

[1] يمكن الرجوع إلى كتاب: عيد صلاح، الميراث في المسيحية بين الفكر اللاهوتيّ والتشريعات المسيحية (القاهرة: مركز الكلمة للدراسات والأبحاث، 2024م). وتمَّ تقديمها في منتدى الدين والحريات في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تحت عنوان: “مستقبل التشريع المصريّ حول الميراث للمصريين المسيحيين في 24 سبتمبر 2019م. منح متري، اختلاف الدين وأثره على الإرث في لبنان، في كتاب: أنظمة الأحوال الشخصية الأصالة والتحديث (بيروت: مجلس كنائس الشرق الأوسط، 1994م)، 233-238. هدى نصرالله، حظ الأنثى إرث المسيحيّات المصريّات بنين النصّ الدستوريّ وعقيدة المحاكم (القاهرة: المبادرة المصرية لحقوق الإنسان، 2022م). مجدي صادق، أحكام الميراث والوصية والهبة في الشريعة المسيحية (القاهرة: د. ن.، د. ت.) محمد فتحي محمد، الوصية والميراث عند الأقباط من خلال النصّوص القبطية من القرن السابع وحتى القرن الحادي عشر، سلسلة كراسات قبطية، العدد الحادي عشر (الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية، مركز الدراسات القبطية، 2020م).

[2] الحق في الميراث 2: تعزيز الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للنساء الفلسطينيّات من خلال تسهيل الوصول إلى حقوقهم الإرثية، ورقة مُقَدَّمة من: مركز شؤون المرأة غزة، جمعية الشبان المسيحية القدس، مركز المرأة لإرشاد القانونيّ والاجتماعيّ.

[3] بهاء محمود، العائلة المصرية والموروث الثقافيّ (أحوال مصرية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العدد 74، أكتوبر 2019)، 128.

[4] لبيب حليم، الميراث والتبني… فريضة الأقباط المحظورة، متاح على https://m.alwafd.news وتمَّ الاطلاع عليه في 15 سبتمبر 2019م.

[5] يوسف سيدهم، أين‏ ‏تشريعات‏ ‏المواريث‏ ‏في‏ ‏قانون‏ ‏الأحوال‏ ‏الشّخصية‏ ‏للمسيحيين؟ متاح على https://www.wataninet.com وتمَّ الاطلاع عليه في 14 سبتمبر 2019م.

[6] يمكن الرجوع إلى: توفيق حسن فرج، أحكام الأحوال الشّخصية لغير المسلمين (بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1982م)، أحمد سلامة، الأحوال الشخصية للمصريّن غير المسلمين وللأجانب المدخل والقواعد العامة (القاهرة: دار الفكر العربيّ، 1958م).

[7] هي مبادرة صدرت عن المبادرة المصرية للحقوق الشّخصية، منتدى الدين والحريات، عنوانها: “مبادرة مسيحيّات بالبطاقة مسلمات في الإرث“، وقد شاركت فيها بهذه الورقة يوم 24 سبتمبر 2019م.

[8] يمكن الرجوع إلى بعض الدراسات والحوارات على موقع مؤمنون بلا حدود https://www.mominoun.com/articles، مثل: المساواة مطلب لتحقيق الإنسانية لهاجر المفضلي، النساء والـميراث ومدارات التـهميش مواجهة جندرية لسياسة متعدّدة الأضلاع لمحمد بكاي، ميراث المرأة في الشريعة والمجتمع لعمار بن حمودة. أومن بالمساواة مثلما أومن بالعدل القرآني للدكتور اسماء المرابط حاورها محمد معاذ شهبان.

[9] سلامة موسى (1887-1958م) هو مفكر، كاتب، وصحفي مصري بارز، يُعد أحد رواد النهضة الفكرية في مصر والوطن العربي في النصف الأول من القرن العشرين، ورائد الاشتراكية المصرية. أشتهر بنزعته العقلانية والعلمية، ودعوته للتحديث، ونبذ الخرافات، ودافع بقوة عن حقوق المرأة وحرية الفكر، متبنيًا الواقعية مذهبًا أدبيًا وفكريًا.

[10] الجذور التاريخية لدعوى المساواة في الميراث، إسلام أون لاين، متاح على https://www.ida2at.com/the-historical-roots-of-the-claim-of-equality-in-inheritance وتمَّ الاطلاع عليه في 10 سبتمبر 2014م.

[11] براون، الأسرة المثالية، ترجمة عزت زكي (القاهرة: مطبعة النيل المسيحية، د. ت.) 90.

[12] الأنبا غريغوريوس، مقالات وموضوعات في المجامع والقوانين الكنسية، موسوعة الأنبا غريغوريوس 35، إعداد منير عطية (القاهرة: جمعية الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي، 2010م)، 164-165. هذه القصة موجودة في كتاب: جرجس فيلوثاوس عوض، القضاء الشخصيّ عند الأقباط، ملحق المجلة القبطية (القاهرة: مطبعة التوفيق 1908-1909م)، 45.

[13] ابن المكين، الموسوعة اللاهوتية الشهيرة بالحاوي، تحقيق راهب من دير المحرق (أسيوط: دار المحرق، 1999)، 291-192.

[14] جون إلدر، قلب الإصلاح الاجتماعيّ، ترجمة عزت زكي (بيروت: مكتبة المشعل، 1953م)، 9.

[15] أثناسيوس المقاري، قوانين بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في العصور الوسطى (القاهرة: دار نوبار، 2009م)، 250-251.

[16] المرجع السابق، 267.

[17] المرجع السابق، 317.

[18] جرجس فليوثاوس عوض، المجموع الصفوي يتضمن القوانين التي العلاّمة الشيخ الصفي أبي الفضائل بن العسال، الجزء الثاني (القاهرة: المطبعة التوفيقية، 1908م)، 364.

[19] الإيغومانوس فليوثاوس، الخلاصة القانونية في الأحوال الشخصية (القاهرة: مطبعة التوفيق، 1896م)، 62.

[20] يعقوب الفار، أحكام المواريث والوصايا لدى الطوائف المسيحية (مجلة رسالة المحبة العدد (218) السنة التاسعة عشر آب 2013)، 10.

[21] مجدي صادق، أحكام الميراث والوصية والهبة في الشّريعة المسيحية، متاح على موقع https://www.copts-united.com/Article تمَّ الاطلاع عليه في 18 نوفمبر 2019.

[22] ذكر الشيخ جرجس ميخائيل في محاضراته عن الأحوال الشخصية لغير المسلمين بأن هذه اللائحة راجعها الإمام محمد عبده فاقتربت من النصّوص الإسلامية.

[23]مجموعة نظام المجمع الأعلى وقانونيّ أصول المحاكمات والأحوال الشّخصية للطائفة الإنجيلية في سوريا ولبنان (بيروت: د. ن، د. ت.)، 136.

[24] Vat. Arabo 169, page 3

[25] تاريخ تنظيم توزيع الإرث عند المسيحيين في القانون المصريّ حتى ثورة يناير، متاح علىhttps://eipr.org/publications  وتمَّ الاطلاع عليه في يوم 20 مارس 2020م.

[26] المرجع السابق.

[27] المرجع السابق.

[28] بالرغم من ذلك أُغفلت الشرائع الأخرى من التطبيق في مسائل الإرث، وتمسكت المحاكم بتطبيق مبتور لحكم المادة 875 من القانون المدنيّ المقررة أن تعيين الورثة وتحديد أنصبتهم في الإرث وانتقال أموال التركة إليهم تسري في شأنها أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة بشأنها. وذلك رغم أن القانون رقم 442 لسنة 1955 بإلغاء المحاكم الشرعية والملية وهو قانون لاحق على صدور القانون المدنيّ، أي ناسخ له، تضمن في الفقرة الثانية من المادة السادسة منه أن القانون الواجب التطبيق في منازعات الأحوال الشخصية لغير المسلمين متحدي الطائفة والملة ولهم مجالس ملية قبل صدور هذا القانون هو “شريعتهم”. وتطبيقًا لهذا النص تواترت أحكام محكمة النقض على أن أحكام الشريعة الإسلامية والتقنينات المستمدة منها تسري على جميع المصريين مسلمين وغير مسلمين، في شأن المواريث وذلك على ما تقضي به المادة 875 من القانون المدنيّ، وأن قواعد التوريث وأحكامه المعتبرة شرعًا، بما في ذلك تحديد أنصبة الورثة، تُعدُّ من الأمور المتعلقة بالنظام العام، وهو ما حال دون تطبيق الشرائع الأخرى على أصحابها في مسائل الإرث. يمكن الاطلاع على “تاريخ تنظيم توزيع الإرث عند المسيحيين في القانون المصريّ حتى ثورة يناير” مرجع سبق ذكره.

[29] المستشار لبيب حليم، الميراث والتبني فريضة الأقباط المحظورة، متاح على https://m.alwafd.news وتمَّ الاطلاع عليه في 15 سبتمبر 2019.

[30] المرجع السابق.

[31] تاريخ تنظيم توزيع الإرث عند المسيحيين في القانون المصريّ حتى ثورة يناير” مرجع سبق ذكره.

[32] إسلام بركات، الدين المؤسّسات الدينية والدولة حوارات منتدى والحريات 2012-2016 (القاهرة: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 2017)، 62.

[33] المستشار لبيب حليم، الميراث والتبني فريضة الأقباط المحظورة، مرجع سبق ذكره.

[34] علاء رضوان، حكم نهائي بالمساواة بين الجنسين في ميراث المسيحيين الأرثوذكس تعرف عليه، متاح على موقع https://www.youm7.com/story وتمَّ الاطلاع عليه 20 نوفمبر 2019م.

[35] يوسف سيدهم، حكم‏ ‏قضائيّ‏ ‏بالمساواة‏ ‏بين‏ ‏الرجل‏ ‏والمرأة‏ ‏في‏ ‏الميراث، متاح على https://www.wataninet.com ويتم اطلاع عليه في 15 سبتمبر 2019م.

[36] محمد حسام محمود لطفي، المدخل لدراسة القانون في ضوء آراء الفقه وأحكام القضاء (القاهرة: المؤلف، العام الجامعيّ 2024-2025م)، 108-109.

[37] صرح الدكتور القس أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر في حوار له مع جريدة الشروق بأنه: مشروع القانون استحدث مواد تتناول المساواة بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بالميراث، وهي من الأمور الجديدة المطروحة في القانون. يمكن الاطلاع على الحوار في موقع https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?

[38] هاني صبري، قانونيّ مصريّ لـ «الرأي»: المساواة في الميراث بين الجنسين مبدأ كتابيّ في المسيحية… يؤيده الدستور، متاح علىhttps://www.alraimedia.com وتمَّ الاطلاع عليه في 20 نوفمبر 2019م.

[39] قانون الأحوال الشّخصية. الاحتكام للشريعة المسيحية في تطبيق أحكام الميراث، متاح على http://www.soutalomma.com/Article وتمَّ الاطلاع عليه 10 سبتمبر 2019م.

[40] المستشار لبيب حليم، الميراث والتبني فريضة الأقباط المحظورة، مرجع سبق ذكره.

[41] عيد صلاح، التبني في المسيحية بين المفهوم والواقع. مجلة الراعي، أكتوبر 2022م، العدد 210، السنة 19، ص 13. والمقالة ملخص ندوة عن التبني في اجتماع العيلة بالكنيسة الإنجيلية بعين شمس، القاهرة، الجمعة 14 أكتوبر 2022م.

[42] يمكن الرجوع إلى: عماد فيلكس، التبني في المسيحية والاتفاقات الدولية (القاهرة: نظرة للمستقبل، 2013م). هايدي حنا، التبني من منظور كتابيّ وقانونيّ وإنسانيّ (القاهرة: مركز الكلمة للدراسات والأبحاث، 2025م). نجيب جورج عوض، البنوة والحضانة وأثرهما على الطفل، في كتاب: أنظمة الأحوال الشخصية الأصالة والتحديث (بيروت: مجلس كنائس الشرق الأوسط، 1994م)، 199-212. منير شحادة، الأوضاع القانونية التي ترعى التبني وشروطه ونتائجه، في كتاب: أنظمة الأحوال الشخصية الأصالة والتحديث (بيروت: مجلس كنائس الشرق الأوسط، 1994م)، 213-229. دانيال سعيد وأكرم حسني ياغي، ﺍﻟﺘﺒﻨﻲ ﻭﺍﻟﻜﻔﺎﻟﺔ ﻓﻲ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻷﺣﻮﺍﻝ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻟﺪﻯ ﺍﻟﻄﻮﺍﺋﻒ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴّﺔ ﺍﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻴّﺔ: ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﻭﺗﺤﻠﻴﻞ ﻗﺎﻧﻮﻧﻲّ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻲّ (بيروت: المجلة العربية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد 31، 2025م)، 1-22.

[43] أسامة أبو الحسن محمد مجاهد، “محكمة الأسرة والتعديلات الأخيرة للائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس” (جامعة الإسكندرية، كلية الحقوق، المؤتمر العلميّ الدولي: الاتجاهات التشريعية الحديثة في النظام القضائيّ، مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، 2010م، ص 187-237)، 225.

[44] المرجع السابق، 225-226.

[45] المرجع السابق، 226.

[46] رفعت فتحي في حوار مع البوابة نيوز أجراه مايكل عادل يوم 7 أبريل 2026م، متاح على موقع https://www.albawabhnews.com وتم الاطلاع عليه في 8 أبريل 2026م.

[47] عبد المقصود توفيق أحمد، مبادئ القانون (القاهرة: المعهد العالي للعلوم الإدارية بأوسيم، 2018م)، 88.

[48]  Essam Fadl, Differences over adoption mar discussions of unified personal status law, In https://www.dailynewsegypt.com, cited on 1 March 2026.

[49] نظام الكفالة في القانون المصريّ هو إطار قانونيّ واجتماعيّ لرعاية الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية، سواء كانوا أيتامًا أو مجهولي النسب، بحيث تُسند رعايتهم إلى أسرة بديلة تتولى تربيتهم والإنفاق عليهم وتوفير بيئة أسرية مستقرة لهم. تقوم الكفالة على مبدأ الرعاية دون البنوة، أي أن الطفل يظل محتفظًا باسمه ونسبه القانونيّ ولا يُنسب إلى الأسرة الكافلة، كما لا تترتب عليها آثار التبني من حيث النسب أو الإرث أو تغيير الهوية. وقد نظّم قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته بالقانون 126 لسنة 2008 هذا النظام بالتفصيل، محددًا شروط الكفالة وإجراءاتها، مع ضمان متابعة الدولة للأسرة الكافلة لحماية حقوق الطفل. وبهذا، تُعد الكفالة وسيلة لتحقيق التكافل الاجتماعيّ وفقًا للمرجعية الإسلامية، وفي الوقت نفسه إطارًا قانونيًا ملزمًا لجميع المواطنين في مصر.

[50] رفعت فتحي في حوار مع البوابة نيوز أجراه مايكل عادل يوم 7 أبريل 2026م، متاح على موقع https://www.albawabhnews.com وتم الاطلاع عليه في 8 أبريل 2026م.


null
null null

قانون الأحوال الشخصيّة للطائفة الإنجيليّة بمصر 1902م

 اسم الكاتب:القسّ عيد صلاح

مُقَدِمَةٌ

          يثور في هذه الأيام كلامًا حول قانون موحد الأحوال الشخصيّة للمسيحيين في مصر، وللإنجيليّين في مصر قانون خاص بهم للأحوال الشخصية وضع عام 1902م بقرار من الباب العالي، وبالتالي هذا القانون ساري حتى الآن أو لحين إصدار قانون للأحوال الشخصية في مصر. نشر هذا القانون في موسوعة فيليب يوسف جلاد: “القاموس العام للإدارة والقضا” الجزء الخامس، الصادرة عام 1903م، ص 4045-4064.  

ترجع قيمة هذا القانون على أساس أنَّه الأقدم في تاريخ قوانين الأحوال الشخصية حسب تقديرنا في مصر الحديثة، وسبب النشر هو نشر الوعي بالموقف الإنجيليّ بمصر حول هذا القانون للبناء عليه والتوسع فيه بما يتماشى مع التطورات الفكريّة الحديثة وما يواجه الأسرة من مشكلات كثيرة.

يذكر فيليب جلاد في موسوعته “القاموس العام للإدارة والقضا”، الصادر عام 1903م أنَّ قانون الأحوال الشخصيّة الذي صار الاتفاق عليه هو المتبع بالكنيسة المشيخيّة المتحدة ما عدا التعديلات المذكورة، وهو مأخوذ من قانون الأحوال الشخصيّة الخاص بالطائفة القبطيّة التي كان تابعًا لها في الأصل معظم متشيعي هذه الكنيسة ولكنه أقرب بعض الوجوه إلى قانون الأحوال الشخصيّة الخاصة بالمسلمين.[1]

كان التطور القانونيّ للكنيسة الإنجيليّة الوليدة في مصر حدث من خلال وعي مبكر، فصدر قانون الأحوال الشخصيّة للأقباط الإنجيليّين في 1898م عن سنودس النيل الإنجيليّ، وبعدها صدر هذا القانون عام 1902م، ويتكون من 107 مادة تتناول أحكام وقواعد: الخطبة، الزواج، المفارقة، الطلاق، الرضاعة، الحضانة، النفقة، ولاية الأبوين، تنصيب الأوصياء، واجبات الوصي، الميراث، الوصية، الحجر، القيم وواجباته.[2]

هذا القانون مع الاجتهادات والكتابات التي صدرت في موضوع الطلاق والزواج بصفة خاصة في كتب الأحوال الشخصية بكليات الحقوق بمصر، والكتابات العربيّة المصريّة المسيحيّة في هذا المجال، بالإضافة إلى الأحكام القضائيّة من المحاكم المصريّة التي صدرت حول موضوع الزواج والطلاق، هي مادة خصبة للبحث والدراسة والاستفادة منها.

***

قانون

الأحوال الشخصيّة

للطائفة الإنجيليّة بمصر

1902م

أحكام ابتدائية

انطباق القانون

مادة 1: يسري هذا القانون على الإنجيليّين الوطنيين في الديار المصريّة ويعمل به مجلس الطائفة العموميّ في كافة المسائل التى يكون فيها جميع ذوي الشأن إنجيليّين وطنيين.

يُقصد بلفظ “السُلطة المُختصة” عند استعماله في هذا القانون المجلس العموميّ أو أي لجنة مُشكلة منه خوّل لها من قبله “بموجب المادة 26 من الأمر العالي الصادر بتشكيله” حق النظر في الموضوع.

الجزء الأول

 في الخطبة والزواج والمُفارقة والطلاق

الباب الأول

في الخطبة

مادة 2: الخطبة هى طلب التزوج وتتم بحصول اتفاق بين ذكر وأنثى راشدين على عقد الزواج بينهما بالكيفية والشروط المعروفة في باب عقد الزواج كما سيأتى وتُثبت الخطبة بكتابة محضر ممضى بشهادة شاهدين على الأقل.

مادة 3: إذا عدل أحد الخطيبين عن عقد الزواج بعد الخطبة بدون سبب كافٍ حكمت عليه السُلطة المُختصة للآخر بالتعويضات ويُخصم من التعويضات المذكورة ما يكون قد دُفِعَ نقدًا من أحد الخطيبين وأما الهدايا العينية فتضيع على الناكث وتبقى للآخر.

مادة 4: السبب الكافي لفسخ الخطبة هو “أحد الأسباب الآتية”:

أولًا: إذا ظهر فساد في أخلاق أحدهما فيما يختص بالعفة ولم يكن معلومًا للآخر قبل الخطبة.

ثانيًا: إذا ظهرت بأحدهما عاهة سابقة على الخطبة ولم تكن معلومة للآخر.

ثالثًا: إذا وُجِدَ بأحدهما مرض قتال معدٍ.

رابعًا: إذا اعتنق أحدهما دينًا آخر بعد الخطبة.

خامسًا: إذا ارتكب أحدهما جريمة مُهينة للشرف مهما كان الحكم المدنيّ الذي حُكِمَ به عليه بسببها.

سادسًا: إذا ارتكب أحدهما جريمة غير مُهينة للشرف وحُكِمَ عليه بسببها بالحبس سنة فأكثر.

سابعًا: إذا غاب أحد الخطيبين إلى جهة غير معلومة للآخر أو بدون رضاه وطالت مُدة الغياب حتى بلغت سنة علاوة على الأجل المُحدّد لزواج.

مادة 5: إذا مات أحد الخطيبين وكانت الخطبة تمت بصفة رسمية فللخطيب الآخر أن يسترجع ما أعطاه للمتوفى من مهر أو هدية ما عدا ما استهلك بشرط رد ما يكون أخذه من المتوفى.

الباب الثاني

 في الزواج

مادة 6: الزواج هو اقتران رجل واحد بامرأه واحدة اقترانًا شرعيًا مدة حياة الزوجين.

مادة 7: في حالة خلو الشرائع الروحانيّة للكنيسة التابع لها الطرفان من نصّ صريح يحدّد درجات القرابة المُحرمة للزواج.

لا يحل للرجل أن يتزوج

لا يحل للمرأة أن تتزوج

1-  بأم أبيه (جدته)

2-  بأم أمه (جدته)

3-  بأم زوجته (حماته)

4-  أمه

5-  أخت أبيه (عمته)

6-  أخت أمه (خالته)

7-   أخت زوجته[3]

8-   أخته (شقيقته)

9-   زوجة جده.

10-                 زوجة أبيه.

11-                 زوجة عمه.

12-                 زوجه خاله.

13-                 زوجة أخيه.

14-                 زوجة ابن أخيه.

15-                 زوجة ابن اخته.

16-                 زوجه ابنه (كنته).

17-                 بنت أمه.

18-                 بنت أبيه.

19-                 بنت أخيه.

20-                 بنت أخته.

21-                 بنت أخي زوجته.

22-                 بنت أخت زوجته.

23-                 بنته.

24-                 ببنت بنته (حفيدته).

25-                 ببنت ابنه (حفيدته).

26-                 بنت زوجته.

27-                 بنت بنت زوجته.

28-                 بنت ابن زوجته.

29-                 بنت زوجة أبيه.

1-  بأبي أبيها (جدها)

2-  بأبي أمها (جدها)

3-  بأبي زوجها (حميها)

4-  بأبيها.

5-  بأخي أبيها (عمها)

6-  بأخي أمها (خالها).

7-   بأخي زوجها.

8-   بأخيها (شقيقها).

9-  بزوج جدتها.

10-                 بزوج أمها.

11-                 بزوج عمتها.

12-                 بزوج خالتها.

13-                 بزوج أختها.[4]

14-                 بزوج بنت أخيها.

15-                 بزوج بنت اختها.

16-                 بزوج بنتها.

17-                 بابن أمها.

18-                 بابن أبيها.

19-                 بابن أخيها.

20-                 بابن أختها.

21-                 بابن أخي زوجها.

22-                 بابن أخت زوجها.

23-                 بابنها.

24-                 بابن ابنها (حفيدها).

25-                 بابن بنتها (حفيدها).

26-                 بابن زوجها.

27-                 بابن بنت زوجها.

28-                 بابن أبن زوجها.

29-                 بابن زوج أمها.

مادة 8: لا يكون الزواج صحيحًا إلا إذا عُقِدَ بين ذكر وأنثى كاملى الأعضاء والقوة التي تؤهلهما للزواج الفعلي.

مادة 9: لا يجوز أن يُعقد الزواج إلا بعد الرضا بالإيجاب والقبول بين الزوجين.

مادة 10: لا يجوز أن يُعقد زواج الشاب إلا إذا بلغ من العمر ست عشرة سنة على الأقل والصبية أربع عشرة سنة على الأقل.

مادة 11: لأجل أن يكون الزواج صحيحًا يجب أن يكون مستوفيًا للشرائط المُقررة لدى الكنيسة التابع لها الطرفان أما إذا كان الطرفان تابعين لكنيستين مختلفتين فيجب أن يكون مستوفيًا لكامل شروط الصحة المُتبعة لكلًا من الكنيستين.

مادة 12: لا يعقد إكليل الزواج إلا القسس المرسومون قانونًا أو مرشدو الكنائس الإنجيليّة الذين يمنح لهم المجلس العموميّ الرخصة بذلك.

مادة 13: يكون لاغيًا كل زواج بين إنجيليّين وطنيين لم يكن مستوفيًا للشروط المٌقررة في هذا الباب ولا يحكم بلغوه إلا المجلس العموميّ.

الباب الثالث

 في المفارقة

مادة 14: المُفارقة هي تباعد الزوجين عن بعضهما بسبب تنافر بينهما وتزول المُفارقة بالمصالحة بينهما.

مادة 15: إذا أصبحت عيشة أحد الزوجين مُنغصة ومُرة فوق الاحتمال بسبب سوء مُعاملة الآخر المتواصلة ولم تفلح المُصالحة بينهما وطلب المُفارقة جاز للسُلطة المُختصة أن تحكم له بها إلى أن يتصالحا فإن كان الزوج سببها وجبت عليه النفقة لامرأته وأولاده الذين في رضاعتها أو حضانتها باتفاق الزوجين على تقديرها أو بتقديرها من السُلطة المُختصة. وإن كانت الزوجة سبب المُفارقة فلا تُلزمه النفقة عليها إلا إذا كانت له أولاد في رضاعتها.

مادة 16: إذا كانت علة المُفارقة في الزوجة فلها متاعها “فقط” المزودة به من بيت أبيها خاصةً. وإلا فلها متاعها ومهرها أيضًا.

الباب الرابع:

في الطلاق

مادة17 : الطلاق هو فسخ عقد الزواج بين زوجين.

مادة 18: لا يجوز الطلاق إلا بحُكم من المجلس العموميّ وفي المادتين الحاليتين:

أولًا: إذا زنى أحد الزوجين وطلب الطلاق الزوج الآخر.

ثانيًا: إذا اعتنق أحد الزوجين ديانة أخرى غير الديانة المسيحية وطلب الزوج الآخر الطلاق.

مادة 19: في الحالة الثانية المذكورة في المادة السابقة لا يحكم بالطلاق إلا لصالح الزوج الذي بقي على دينه المسيحي.

الجزء الثاني

في ما للأولاد على والديهم وما للوالدين على أولادهم

الباب الأول

في الرضاعة والحضانة ومتوليهما

مادة 20: زمن الرضاعة سنتان من يوم الولادة.

مادة 21: تتولى الأم رضاعة بنيها ذكورًا كانوا أو إناثًا مُطلقة كانت أو غير مُطلقة مُفارقة كانت أو غير مُفارقة.

مادة 22: زمن الحضانة من نهاية زمن الرضاعة إلى بلوغ الطفل سبع سنين.

مادة 23: الأم أحق بحضانة الولد وتربيته إذا كانت غير مرتبطة برجل آخر حسنة السيرة والأخلاق قادرة على تربية ولدها وصيانته.

مادة 24: إذا لم تتوفر في الأم شروط أحقية الحضانة المذكورة صارت حضانة الولد لأم الأم المسيحية ثم للأب المسيحيّ ثم للأقرب فالأقرب من أقرباء الأب المسيحيين ثم أقرباء الأم المسيحيين وإن لم يوجد أحد من هؤلاء أو أولئك فلمن تعينه السُلطة المُختصة.

مادة 25: متى انتهت مُدة الحضانة يُسلم الصبي أو الصبية لأبيه المسيحيّ وإلا فلجده المسيحيّ وإلا فللأقرب من أقرباء أبيه المسيحيين وإلا فلأقرباء الأم المسيحيين.

الباب الثانى

 في النفقة

مادة 26: نفقة الرضاعة أو الحضانة تُلزم أبا الصغير إن لم يكن لهذا الصغير مال فإن كان له مال فلا يُلزم أباه منها شيء إلا بالتبرع.

مادة 27: يجب على الفروع وأزواجهم أن ينفقوا على الأصول وأزواجهم.

مادة 28: كذلك يجب على الأصول وأزواجهم أن ينفقوا على فروعهم وأزواجهم.

مادة 29: للأب والأم النفقة من أموال أولادهما إذا كانا في عوز بحسبما تُقدره السُلطة المُختصة مع مراعاة ظروف الأولاد ووالديهم ودرجة الميسرة.

مادة 30: تُقدر النفقات المذكورة في المواد السابقة بمراعاة من تُفرض له ومُيسرة من تُفرض عليهم ويلزم دفعها شهرًا فشهرًا مُقدمًا على الأقل وثلاثة أشهر على الأكثر حسب ميسرة المفروض عليه ودواعى المفروض له.

الباب الثالث

في ولاية الأبوين

مادة 31: يكون الولد ذكرًا أو أنثى تحت ولاية أبيه حتى يبلغ سن التكليف.

مادة 32: سن التكليف للذكر والأنثى ثمانى عشرة سنة ومتى بلغه أيهما زالت عنه كل ولاية ووصاية غير أنه يجوز لأي منهما التصرف بإذن الولى متى بلغ ست عشرة سنة.

مادة 33: يجوز للسُلطة المُختصة أن تُحرم من حقوق الولاية المذكورة الأب إذا كان فاسد الآداب أو إذا أعتنق ديانة أخرى.

مادة 34: إذا مات الأب أو حُكمَ بزوال حقوق ولايته تُعين السُلطة المُختصة المذكورة من يقوم بالولاية وتُقدم الأم الغير متزوجة بزوج آخر إن كانت مُقتدرة وحسنة التصرف وإلا فالجد وإلا فالأقرب من الأقارب والأصهار.

الجزء الثالث

الباب الأول

في تنصيب الأولياء

مادة 35: القاصر من لم يبلغ من العمر ثماني عشرة سنة (انظر مادة 32).

مادة 36: لصاحب الولاية أن يُقيم قبل وفاته وصيًا مُختارًا على القاصر الذي تحت ولايته وإن لم يٌم فتُعين السُلطة المُختصة وصيًا للقاصر ويقوم بالوصاية مجانًا إذا كانت التركة لغاية مائتى جنيه وأما إذا زادت التركة عن ذلك فبالمائة واحد في السنة.

مادة 37: لا يجوز عزل الوصيّ المُختار إلا إذا ثبت تفريطه في أموال القاصر.

مادة 38: تثبت الوصاية بإقرار الموصي بخطه أو بإقراره بذلك أمام السُلطة المُختصة أو من ينوب عنها بشرط أن يكون الموصى من المشهود لهم بسلامة العقل وحُسن الآداب.

مادة 39: لا يضع الوصيّ المُختار يده على أموال القاصر إلا بعد إثبات صفته المذكورة أمام السُلطة المُختصة وصدور قرار منها بثبوت الصفة.

مادة 40: تُجرد في كل حال أموال القاصر بقائمة على ثلاث صور يوقع عليها من الوصيّ المُختار ومن تنتدبه السُلطة المُختصة وتُحفظ إحدى الصور بيد الوصيّ المُختار والثانية تُسلم للسُلطة المُختصة والثالثة تُحفظ بدفتر خانة المجلس العموميّ.

مادة 41: إذا لم يُعين صاحب الولاية قبل وفاته وصيًا مُختارًا تُعين السُلطة المُختصة وصيًا على مال القاصر وتُقدم الأم إذا كانت حسنة التصرف وغير متزوجة بزوج آخر وإلا فالجد إذا كان حسن التصرف ثم الأقرب فالأقرب من الأقارب ممن يكونون كذلك وإلا فمن غيرهم.

مادة 42: يجوز لأي شخص كان ولو من غير ذوي الشأن أن يُقدم طلبًا لتعيين الوصي.

مادة 43: إذا رأت السُلطة المُختصة خللًا في أعمال الأوصياء والأولياء مُختارين كانوا او غير مُختارين وجب عليها عزلهم وتعيين خلافهم ويجوز لها أن تنتدب مؤقتًا من يقوم بأعمال الوصايه.

الباب الثاني

في واجبات الوصي

مادة 44: يجب على الوصي أن يُدير أشغال القاصر بالذمة والنشاط والحكمة.

مادة 45: لا يجوز للوصي تشغيل أموال القاصر بأحد المتاجر حتى التى تكون ذات كسب إلا بإذن من السُلطة المُختصة.

مادة 46: لا يجوز للوصي أن يُتاجر بأموال القاصر في المتاجر ذات الأخطار وإلا كان مسؤولًا عن الحساب. وإذا لم يتجر بالمال وجب عليه أن يضعه بالفائدة في أحد البنوك التي تُعينها السُلطة المُختصة.

مادة 47: يقدم الوصي ضمانة كافية لمحل المجلس العمومي تساوى أموال القاصر مرة ونصفًا. وعلى المجلس المذكور تسجيل هذه الضمانة بإحدى المحاكم.

مادة 48: يجب على الوصي أن يُقدم للسُلطة المُحتصة كشفًا متضمنًا حساب أعمال وصايته بالبيان سنويًا وللسُلطة المذكورة الحق في مناقشته في الحساب المذكور.

مادة 49: إذا وجدت السُلطة المُختصة في الحساب المذكور ما يُخالف الذمة وجب عليها عزل الوصي وتتصيب غيره ممن تتوفر فيهم اللياقة.

مادة 50: لا يجوز للوصي أن يبيع شيئًا من عقار القاصر أو يُقايض عنه أو يرهنه إلا باذن من السُلطة المُختصة.

مادة 51: أما إذا أراد الوصي أن يبيع منقولات القاصر فيجب عليه أن يُحرر بها كشفًا ويُقدمه للسُلطة المُختصة التى تُصرح ببيع ما رئي لزوم بيعه ما عدا التُحف بشرط أن يكون البيع بالمزاد العموميّ ويُنشر عنه في الجرائد مرتين على الأقل أحدهما قبل البيع بخمسة عشر يومًا والأخرى قبله بثمانية أيام وإذا كان المُباع لا تزيد قيمته عن ألف قرش يُعلن بالمزاد عنه بموجب قائمة مزاد فقط.

مادة 52: لا يجوز للوصي أن يشترى عقارًا للقاصر إلا بعد عرض صورة العقد وشروطه على السُلطة المُختصة والإذن منها في ذلك.

مادة 53: لا يجوز بيع التُحف التى للقاصر إلا بقدر وفاء دين المتوفى وذلك بقرار يصدر من السُلطة المُختصة وبطريق المزاد العلني.

مادة 54: يجوز للوصي مدة وصايته أن يوكل غيره بكل ما يجوز له أن يُجريه بنفسه في مال القاصر ولكن يكون الوصيّ وحده مسئولًا عن أعمال الوكالة بشرط أن لا يُكلف القاصر بشيء.

مادة 55: لا يجوز للوصي رفع دعاوى أو قبول مًالحات بشأن أموال القاصر إلا بإذن من السُلطة المُختصة.

مادة 56: إذا رُفِعتَ دعوى على الوصي في شأن القاصر وجب عليه أن يبلغ السُلطة المُختصة فورًا بالكتابة ويجب عليه أن يُبلغها بجميع الأحكام التي تصدر في بحر ثمانية أيام بالأكثر من تاريخ صدورها وعن الإجراءات المنوي اتخاذها. وإلا كان مسئولًا عن الأضرار الناتجة عن ذلك التفريط.

مادة 57: على الوصي أن يتبع الأوامر والقرارات التى تصدر من السُلطة المُختصة بشأن ذلك.

مادة 58: لا يجوز للوصي أن يدفع دينًا مُدعى به في ذمة المتوفى إلا بعد ثبوت حقيقة الدين بقرار يصدر من السُلطة المُختصة أو من المحاكم المُختصة بعد ابتاع الوصيّ الأحكام المُدونة بمادة 56.

مادة 59: في حالة إقامة وصي ما يلزم تسليمه نسخة حاوية مواد الوصاية.

الجزء الرابع

الباب الأول

قواعد عموميّة

مادة 60: التركة التي ضمن وارثيها قاصرون أو غائبون أو من يستحقون الحجر يجب ضبطها حال وفاة صاحبها على يد السُلطة المُختصة أو من ينوب عنها.

مادة 61: إذا لم يكن حصر التركة وقت ضبطها يصير إجراء ذلك في أقرب وقت يتفق عليه الورثة والسُلطة المُختصة.

مادة 62: إذا مات أشخاص في حادثة واحدة بغير أن يُعلم سابقهم من لاحقهم وكان لهم حق التعاقب في الميراث يكون الحكم في ذلك بالقرائن المُرجحة.

مادة 63: إذا لم تعرف ورثة متوف ما تُسلم تركته للسُلطة المُختصة لاستعمالها والاستفادة بأرباحها مع حفظ ذوات العين أو ما يُستبدل منها قانونًا وإذا ظهر وارث فيستلم ذوات العين والأصل فقط.

الباب الثاني

في حق الإرث وموجبات الحرمان منه

مادة 64: حق الإرث لا يكون إلا لمن وجد في طبقات الوارثين حيًا حسًا أو حُكمًا بعد وفاة المُورث.

مادة 65: يُعتبر مؤقتًا في حكم الحي الحمل المُحقق وجوده قبل وفاة المُورث ويُقدر له نصيب ذكر حتى يولد فإن وُلِدَ حيًا وعاش حيًا ولو يومًا واحدًا ورث وإلا فلا.

مادة 66: يُحرم من حق الإرث المسيحي:

أولًا: من حُكِمَ عليه قضائيًا بأنه قتل أو شرع في قتل مورثه عمدًا أو اشترك فيه بأي طريقة من طرق الاشتراك المُبينة في قانون المحاكم.

ثانيًا: من أمكنه انقاذ مورثه من الهلاك وتقاعس عنه عمدًا.

ثالثًا: من علم بقاتل مورثه ولم يبلغ عنه المحاكم.

رابعًا: من تدين بغير الديانة المسيحية (والمراد بالديانة غير المذهب).

مادة 67: لا يسرى حُكم المادة السابقة على أبناء المحروم من الميراث ولا على أبناء أبنائه وأن سفلوا ولا على أبويه وأجداده وإن علوا ولا على زوجته ولا على اخوته وأخواته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته وأولاد أخوته وأولاد أخواته ولا على أصهاره.

الباب الثالث

في كيفيّة إثبات الوراثة

مادة68 : على من أراد إثبات وراثته أن يُكلف بقية شركائه في الوراثة بالحضور أمام السُلطة المُختصة.

مادة69 : إذا كان بين الورثة مفقود لا تُعلم حياته من مماته يجب اختصام من تؤول إليهم تركته ليحل محله في الخصومة. وكذا إذا كان بعضهم غائبًا عن القُطر المصرى مدة أكثر من ستة أشهر ولا يُعلم له مركز بجهات تغيبه.

الباب الرابع

في أنصبة الورثة ودرجاتهم

مبادئ عموميّة

مادة 70: مُستحقو الإرث هم الزوجة مع أقرب الأقرباء شرعًا متى كانوا أحياء. وللأولاد حق الإرث مع أعمامه وعماتهم.

مادة71 : لا تُقسم التركة بين مستحقيها إلا بعد أمرين “أولهما” خصم ما يُصرف من كفن وجنازة وغيره على الميت بحسب حالة تركته “ثانيهما” دفع ما هو مطلوب على التركة من ديون ثابتة للميري أو لغيره.

مادة72 : إذا قبل الورثة التركة كما هي بدون حصر يلتزمون بوفاء جميع ما عليها من الديون كذا إذا قبلوها بعد الحصر والتثمين وكتابة محضر بشهادة عدول وإعلان يُعطي لكل مدائن عما يستحقه منها. وفي حالة عدم قبول الورثة للتركة فلا يلزمهم قضاء الدين. وعلى المجلس العموميّ بعد أخذ الاستوثاقات اللازمة منهم كتابةً بتخليهم عن التركة أن يقسمها بين المداينين بحسبما يستحق كل منهم بالنسبة لصافيها بعد أخذ الرسوم المُقررة.

مادة 73: للذكر مضاعف نصيب الأنثى في جميع متروكات مورثه ثابتةً كانت أم منقولة.

مادة 74: الأولاد (الذكور والإناث) المتزوجون وغير المتزوجين يرثون أبائهم وأمهاتهم بموجب المادة السابقة أي مادة (73).

مادة 75: لأولاد الأولاد حق الإرث في جدهم وجدتهم مع أعمامهم وعماتهم بمقدار نصيب والدهم لو كان حيًا.

مادة 76: من ولد من الأولاد ذكورًا كانوا أو إناثًا بعد وفاة أحد والديهم أو بعد أعمال أحدهما الوصية يرث مع أخوته بموجب مادة (73) وبعد طبقة الأولاد طبقة أولاد الأولاد مهما يزلوا طبقة بعد طبقة.

مادة 77: إذا مات أحد بدون عقب من نسله فما يبقى بعد حصة الزوجة فلأبيه ولأمه كمادة (73).

مادة78 : إذا مات أحد الزوجين وترك أولادًا فللزوج الآخر الثُمن أما إذا لم يترك فالثلث.

مادة 79: من مات عن أخوة وأخوات أشقاء فقط تُقسم تركته بينهم دون غيرهم (كمادة 73).

مادة 80: من مات من أخوة وأخوات بعضهم أشقاء والآخرون ليسوا أشقاء فيكون للأشقاء نصيب الوالد وهو سهمان ونصيب الوالدة وهو سهم. ويكون لأخوة الأب نصيب الأب فقط وهو سهمان ولأخوة الأم نصيب الأم فقط وهو سهم تُقسم بين الذكور والإناث (كمادة 73).

مادة81 : إذا مات أحد الأخوة وخلف ذكرًا أو أنثي فيرث سهم أبيه مع أعمامه وعماته وسهم أمه مع أخواله وخالاته والحكم في أولادهم بعدهم كالحكم فيهم طبقة بعد طبقة مهما نزلوا وتقسم (كمادة 73).

مادة82 : من مات عن زوجة وأجداد فللأجداد من الأب ثلثا ما يبقى بعد حق الزوجة وللأجداد من الأم الثلث وإذا مات أحد الجدين من الأب والأم فينحصر نصيبه في أولاده مع باقي الأجداد والقسمة بين الورثة في كل هذه الأحوال تكون بموجب مادة 73.

مادة 83: من مات عن أعمامه وعماته وأخواله وخالاته فلأعمامه وعماته الثلثان ولأخواله وخالاته الثلث (كمادة 73) والحكم في أولادهم بعدهم كالحكم فيهم طبقة بعد طبقة مهما نزلوا.

مادة 84: من مات عن آباء وأمهات أجداده فلمن من الأب منهم الثلان ومَن مِن الأم الثلث ومن يكون قد توفى منهم يرث ولده سهمه مع الباقين بمراعاة مادة 73.

مادة 85: من مات عن أعمام وعمات وأخوال وخالات أبويه فالثلثان للأعمام والعمات والثلث للأخوال والخالات (كمادة 73). ومن يكون قد توفى منهم يرث نسله سهمه مع الباقين وكذلك حكم نسلهم من بعدهم طبقة بعد طبقة مهما نزلوا.

مادة 86: من مات بدون وارث فتضم تركته إلى صندوق الطائفة العام.

مادة 87: الأولاد والأهل الغير الشرعيّين لا يرثون بدون وصية من الموت.

مادة 88: إذا تبرع المُوصى له بما آل إليه من الوصية يقبل منه ذلك بشرط أن يكتب ويشهد على نفسه بهذا التبرع.

الباب الخامس

في الوصية

مادة 89: الوصية هي عقد يعقده المالك لبيان إرادته عن كيفية تقسيم تركته بعد وفاته.

مادة 90: يشترط أن يكون الموصي في حالة عقليّة تخوله حق التصرفات الشرعيّة.

مادة 91: لا تُعتبر الوصية إلا إذا كانت بعقد مكتوب ممضي من الوصي باسمه وفرمته أو مختومة بختمه وممضية من ثلاث شهود لا يكونون جميعهم أقرباء له.

مادة 92: يُسجل عقد الوصية قبل وفاة المُوصي في سجل المجلس العموميّ أو في سجل كنيسة إنجيليّة مُعد لذلك بتصديق من المجلس العموميّ.

مادة 93: للموصي الحق التام أنّ يوصي بما يشاء لمن يشاء بشرط أن يذكر أسماء ورثته الشرعيّين في الوصية سواء أعطاهم أو جردَّهم كلهم أو بعضهم.

الجزء الخامس

في الحجر على البالغ

الباب الأول

في أسباب الحجز

مادة94 : يحجر على البالغ في تصرفاته إذا كان المُراد الحجر عليه معتوهًا أو ذا غفلة أو سفيهًا أو مجنونًا ويُسمى هذا حجرًا قضائيًا.

(تنبيهات):

  • المعتوه: هو الذي لا يُميز تمييزًا كاملًا صريحًا بين النافع والضار من الأفعال. والعته نوعان طبيعى أى من الخلقة الأصلية وعارض أى حادث بسبب من العوارض.
  • ذو الغفلة: هو الضعيف الإرادة ضعفًا زائدًا بحيث يصير عُرضة لأقل تأثير على إرادته.
  • السفيه: هو المُبذر تبذيرًا فاحشًا يزيد عن دخله.
  • المجنون: هو المُصاب بخلل في قواه العقلية إما كاملًا مُستمرًا أو جزيئًا متقطعًا.

الباب الثانى

في أنواع الحجر

مادة 95: الحجر نوعان حجر عام وحجر خاص.

مادة 96: الحجر العام يشمل جميع التصرفات الشخصية وغير الشخصية. والحجر الخاص يشمل جميع الأمور المُعينة في حكم الحجر فقط.

مادة 97: الحجر بالنسبة للمعتوه عتهًا طبيعيًا يُعتبر موجودًا من يوم وجود المعتوه نفسه على شرط إثبات وجود العته الطبيعي في حال حياة المعتوه.

مادة 98: الحجر بسبب العته الحادث أو الغفله أو السفه أو الجنون لا يُعتبر موجودًا إلا من يوم نشر طلب الحجر ما لم تأمر السُلطة المُختصة بانه يُعتبر مُبتدئًا من تاريخ تالٍ لذلك.

مادة 99: أما الحجر بسبب السفه أو الغفلة فلا يقع إلا خاصًا وأما حكم المجنون والمعتوه فكحكم القاصر فيحجر عليهما حجرًا عامًا ويُقام لهما قيم يدبر اموالهما بالكيفية والأحكام المدونة في باب الوصاية.

مادة 100: يبين في الحكم الصادر بالحجر الخاص الأمور الممنوع تصرف المحجور عليه فيها مع مُراعاة درجة السفه والغفلة ودرجة يُسر المحجور عليه وغير ذلك من الظروف.

مادة 101: يجوز طلب الحجر من أى من أقرباء المطلوب الحجر عليه أو من زوجته أو من أى من أصهاره.

مادة102: إذا لم يكن للمطلوب الحجر عليه أقرباء أو زوجة أو أصهار فيجوز تقديم الطلب من أى شخص كان من الإنجيليّين الوطنيّين.

مادة 103: جائز للُسلطة المُختصة حال تقديم الطلب إليها أن تُعين مُديرًا مؤقتًا لأموال المطلوب الحجر عليه إذا قضت الظروف لذلك.

مادة 104: لا يجوز الطعن في تصرفات المتوفى بسبب من أسباب الحجر عليه إلا إذا كان طلب الحجر قدَّم ونشر قبل الوفاة هذا مع عدم الإخلال بحقوق ذوي الشأن في طلب فسخ العقود بسبب من الأسباب المُبينة في القانون المدنيّ المصريّ أمام الجهة المُختصة.

الباب الثالث

في تعيين القيم وواجباته

مادة 105: يُقام القيم ويُعزل بالكيفية والأحكام المُقررة لتنصيب الأولياء وعزلهم.

مادة 106: واجبات القيّم كواجبات الوصيّ ويتبع في حقه الأحكام المُقررة في حق الوصيّ وواجباته.

الباب الرابع

في فك الحجر

مادة 107: إذا زال سبب الحجر جاز للمحجور عليه أن يطلب من السُلطة المُختصة بالحجر إصدار حكم بفك الحجر منه.

[1] فيليب جلاد، القاموس العام للإدارة والقضا، المجلد الخامس (الإسكندريّة: مطبعة بني لافوداكي، 1902م)، 4035.

[2] عيد صلاح، نظرة على قانون الأحوال الشخصية للطائفة الإنجيليّة (مجلة الهدى، العدد 1117، أغسطس 2010م، ص 33-34)، 33.

[3]  صدر قرار المجلس المليّ الإنجيليّ العام في 5 يوليو 1934م بالتصريح بزواج أخت الزوجة المتوفاة وهي رقم 7 بالكشف.

[4]  إلا أنَّ قرار المجلس المليّ السابق الإشارة إليه يصرح للمرأة أن تتزوج زوج أختها المتوفاة وهي رقم 13 بالكشف.