التبني من منظور كتابي وقانوني وإنساني
- Sermon By: هايدي حنا
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
قضية التبني من القضايا الشائكة التي يحوم حولها الكثير من الأسئلة منها:
- هل يجوز أن تتبنى المسيحية مبدأ التبني في بلد يرفض هذا المبدأ شرعًا وقانونًا؟
- هل في الكتاب المقدس ما يؤيد التبني أو ينفيه؟
- ما المشاكل التي قد تعاني منها الكنيسة إن أيَّدت التبني؟
كل هذه الأسئلة وغيرها ستكون موضوع دراستي خلال السطور القادمة…
مبدئيًّا كلمة التبنِّي تعني تكوين علاقة أبوة وأمومة قانونية بين المتبنِّي والمتبنَّى، ويُمنح الطفل جميع حقوق الطفل الشرعي؛ أما الكفالة فهي تُركّز على الرعاية المادية دون تغيير النسب أو الحقوق المترتبة على التبني.
نظام القانون بمصر عن التبني
في القانون المصري لا يُسمى تبني بل “كفالة طفل”. ووفقًا للقانون المصري (وزارة التضامن الاجتماعي)، لا بد من توفر اثنين وعشرين شرطًا للموافقة على كفالة طفل، تشمل:
- تطابق ديانة الأسرة مع ديانة الطفل
- توفر النضج الأخلاقي والاجتماعي للزوجين
- الصلاحية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والصحية والمادية للأسرة
- وجود بيئة صالحة للسكن
- التعهد بتوفير كافة احتياجات الطفل
- الحفاظ على نسب الطفل، وتقديم صحيفة الحالة الجنائية دوريًّا، بالإضافة إلى شروط إدارية أخرى.
إضافة لهذه الشروط الرسمية، فإن نظام الكفالة يلزم الأسرة بحجب الطفل عنهم عند البلوغ؛ أي ابتعاده عنهم إن كان يسكن معهم في نفس البيت مع استمرار الإحسان عليه، وهذا بسبب أنه أصبح يجوز لأهل البيت وغير محرم عليهم بمعنى يمكن للولد الزواج من الأم الكفيلة أو فتيات الأسرة إن كانت لديها أطفال بنات، كذلك لو الطفل فتاة تجوز للأب الكفيل والفتيان أولادهم؛ والجدير بالذكر أنه توجد فتوى شرعية تُجيز إرضاع الأم الكفيلة للطفل ليصبح محرَّمًا عليها، كي يستطيع البقاء في الأسرة بعد البلوغ؛ ومع ذلك الشائع هو حجب الطفل وتركه المنزل عند البلوغ.
أسباب حظر التبني في الشريعة الإسلامية:
- خلط الأنساب: التبني يؤدي إلى خلط الأنساب وما يترتب عليه من تحريم للحلال وتحليل للحرام في أحكام النظر، والخلوة، والمحرمية، والميراث، والشهادة، والزواج… وغيرها.
- الميراث: نظام الإرث في الإسلام مقصور على القرابة القريبة (الدم)، والمُتبنَّى لا تربطه صلة دم بالأسرة، لذا لا يحق له الميراث. وإذا ورث المتبنَّى بوصفه ابنًا شرعيًّا، فهذا يُعد ظلمًا للورثة الشرعيين، وتعتبر الشريعة الإسلامية أن التبني بهذا المعنى يُعدُّ “أكلًا لأموال الناس بالباطل”.
- العدل الاجتماعي: يقتضي العدل نسبة الولد إلى أبيه الحقيقي، وليس لأب مزعوم أو مزور، فالتسمية والنسب في حال التبني يُعدَّان كذبًا وزورًا.
هل في الكتاب المقدس ما يؤيد التبني أو ينفيه؟
بدارسة كلمة الله، سنجد أن التبني ليس مفهومًا غريبًا عن الكتاب المقدس، بل أساس الإيمان المسيحي في علاقة الإنسان بالله.
أمثلة التبني في العهد القديم:
- موسى وابنة فرعون (خروج 2: 1-10، أعمال 7: 20-21): في تلك القصة نرى كيف وجدت ابنة فرعون موسى ورَقَّ قلبها له وقررت بأن تتَّخذه ابنًا لها وفي عدد 10 يوضح هذا القرار: “وَلَمَّا كَبِرَ الْوَلَدُ جَاءَتْ بِهِ إِلَى ابْنَةِ فِرْعَوْنَ فَصَارَ لَهَا ابْنًا، وَدَعَتِ اسْمَهُ «مُوسَى» وَقَالَتْ: إِنِّي انْتَشَلْتُهُ مِنَ الْمَاءِ”. وكذلك في سفر الأعمال 20:7 و21: “وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وُلِدَ مُوسَى وَكَانَ جَمِيلًا جِدًّا، فَرُبِّيَ هَذَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فِي بَيْتِ أَبِيهِ. وَلَمَّا نُبِذَ، اتَّخَذَتْهُ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ وَرَبَّتْهُ لِنَفْسِهَا ابْنًا فَتَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ، وَكَانَ مُقْتَدِرًا فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ”. كما نلاحظ في هذه الآيات أن اسم موسى هذا الذي دَعته هي ابنة فرعون لأنه صار ابنًا لها، كما هو مذكور في الشاهد: “وَرَبَّتْهُ لِنَفْسِهَا” أي أصبح ابنها؛ هذا الطفل الذي لا تعرف عنه شيئًا سوى أنه عبريّ: “رَأَتِ الْوَلَدَ، وَإِذَا هُوَ صَبِيٌّ يَبْكِي. فَرَقَّتْ لَهُ وَقَالَتْ: هَذَا مِنْ أَوْلَادِ الْعِبْرَانِيِّينَ”، لكنها اختارت أن تتبناه ويكون ابنًا لها، لذا فقد تعاملت معه معاملة الأم لابنها من بداية تسميته وحتى تعليمه وتربيته وتهذيبه، حيث تعاملت معه كحفيد فرعون الذي عليه أن يعرف حكمتهم -حكمة المصريين- من علوم الأدب والعلم… التي كان يتميز بها المصريون في ذلك الوقت، بل وقد تعامل معه الجميع على أنه ابن ابنة فرعون لذا كانوا حريصين على تعليمه ما يتميزون به من حكمة.
- سارة وراحيل ورغبتهما في التبني (تكوين 16: 1-2، 30: 1-3): قصة سارة مذكورة في تكوين 1:16 و2: “وَأَمَّا سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ فَلَمْ تَلِدْ لَهُ. وَكَانَتْ لَهَا جَارِيَةٌ مِصْرِيَّةٌ اسْمُهَا هَاجَرُ،فَقَالَتْ سَارَايُ لِأَبْرَامَ: هُوَذَا الرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ الْوِلَادَةِ. ادْخُلْ عَلَى جَارِيَتِي لَعَلِّي أُرْزَقُ مِنْهَا بَنِينَ”. قصة رحيل مذكورة في تكوين 30: 1-3: “فَلَمَّا رَأَتْ رَاحِيلُ أَنَّهَا لَمْ تَلِدْ لِيَعْقُوبَ، غَارَتْ رَاحِيلُ مِنْ أُخْتِهَا، وَقَالَتْ لِيَعْقُوبَ: هَبْ لِي بَنِينَ، وَإِلَا فَأَنَا أَمُوتُ! فَحَمِيَ غَضَبُ يَعْقُوبَ عَلَى رَاحِيلَ وَقَالَ: أَلَعَلِّي مَكَانَ اللهِ الَّذِي مَنَعَ عَنْكِ ثَمْرَةَ الْبَطْنِ؟ فَقَالَتْ: هُوَذَا جَارِيَتِي بِلْهَةُ، ادْخُلْ عَلَيْهَا فَتَلِدَ عَلَى رُكْبَتَيَّ، وَأُرْزَقُ أَنَا أَيْضًا مِنْهَا بَنِينَ.”. كان الحال في العهد القديم عندما تكون الزوجة عاقرًا كانت تعطي جاريتها لزوجها كي يتزوجها وعندما تجنب بنين تتبناهم سيدتها، كأنها هي اللي أنجبتهم وليست جاريتها ويكون لهم كل حقوق الطفل الطبيعي فيصبح من المحرمات وكذلك يكون له نصيبًا في الميراث.
- جنوبث الذي تبنته خالته تحفنيس: هذه القصة مذكورة في ملوك الأول 11: 15-20 “وَحَدَثَ لَمَّا كَانَ دَاوُدُ فِي أَدُومَ، عِنْدَ صُعُودِ يُوآبَ رَئِيسِ الْجَيْشِ لِدَفْنِ الْقَتْلَى، وَضَرَبَ كُلَّ ذَكَرٍ فِي أَدُومَ. لِأَنَّ يُوآبَ وَكُلَّ إِسْرَائِيلَ أَقَامُوا هُنَاكَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ حَتَّى أَفْنَوْا كُلَّ ذَكَرٍ فِي أَدُومَ. أَنَّ هَدَدَ هَرَبَ هُوَ وَرِجَالٌ أَدُومِيُّونَ مِنْ عَبِيدِ أَبِيهِ مَعَهُ لِيَأْتُوا مِصْرَ. وَكَانَ هَدَدُ غُلَامًا صَغِيرًا. وَقَامُوا مِنْ مِدْيَانَ وَأَتَوْا إِلَى فَارَانَ، وَأَخَذُوا مَعَهُمْ رِجَالًا مِنْ فَارَانَ وَأَتَوْا إِلَى مِصْرَ، إِلَى فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ، فَأَعْطَاهُ بَيْتًا وَعَيَّنَ لَهُ طَعَامًا وَأَعْطَاهُ أَرْضًا. فَوَجَدَ هَدَدُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْ فِرْعَوْنَ جِدًّا، وَزَوَّجَهُ أُخْتَ امْرَأَتِهِ، أُخْتَ تَحْفَنِيسَ الْمَلِكَةِ. فَوَلَدَتْ لَهُ أُخْتُ تَحْفَنِيسَ جَنُوبَثَ ابْنَهُ، وَفَطَمَتْهُ تَحْفَنِيسُ فِي وَسَطِ بَيْتِ فِرْعَوْنَ. وَكَانَ جَنُوبَثُ فِي بَيْتِ فِرْعَوْنَ بَيْنَ بَنِي فِرْعَوْنَ”. إن تحفنيس زوجة فرعون مصر تبنت ابن أختها جنوبث، ونشأ في بيت الفرعون بين أبنائه، ومن الواضح من هذا النص أن مَنْ اهتمت به هي خالته تحفنيس حيث لا ذكر لوالدته سوى أنه ولدت الطفل جنوبث فربما ماتت بعد الولادة لأن التي فَطَمَتْهُ هي تحفنيس، أي تبنت الطفل منذ المهد ونشأ في بيتها وسط أبناء فرعون، حيث الاهتمام بالجميع واحد دون تفرقة، لقد أصبح أخًا لهم وليس أجنبيًّا عليهم وذلك بتبني تحفنيس له.
التبني في العهد الجديد (علاقة الإنسان بالله):
- غلاطية 4: 4-7: “وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْت النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ. ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: «يَا أَبَا الْآبُ». إِذًا لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ابْنًا، وَإِنْ كُنْتَ ابْنًا فَوَارِثٌ لِلهِ بِالْمَسِيحِ”. وهنا كما ذكر الوحي في كلمته أن الله أرسل ابنه كي يفتدينا و”لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ” أي ننال حقوق البنين كاملةً وهذا يعني أن علاقتنا بالله تحولت من عبيد لأبناء له ونتعامل معاملة الأبناء، لنا حق الوراثة كما هو مذكور في الشاهد: “وَإِنْ كُنْتَ ابْنًا فَوَارِثٌ لِلهِ”؛ ولقد استخدم الوحي كلمة “التبني” فيما يخص علاقتنا بالله لأنه كان دارجًا في هذا التوقيت، ومعروف ما هو نتاج التبني، لذا استعان بها بولس لتوضيح مكانتنا بعد الإيمان بعمل السيد المسيح، صرنا بالتبني أبناء الله ولنا حق الميراث.
- رومية 8: 14-17: “لِأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: «يَا أَبَا الْآبُ». اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لِأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلَادُ اللهِ. فَإِنْ كُنَّا أَوْلَادًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ”. روح التبني هي تلك الروح التي تجعلنا أبناء لله وتجعل لنا الحق أن ندعو الله “أبانا”. والمعروف في هذا التوقيت أن الابن المتبنَّى كان يُختَار بعناية؛ لأنه يحفظ اسم أبيه الذي تبناه ويكون خليفته في طبقته الاجتماعية ويرثه، ولم يكن يقل في المكانة عن الابن الطبيعي، بل أحيانًا يحظى الابن المتبنَّى بمحبة والده أكثر من الطبيعي عندما يكون أمينًا مع أسرته التي تبنته.
- يوحنا 1: 12-13: “وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلَادَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ، بَلْ مِنَ اللهِ”.
التبني امتيازٌ يعطيه الله لكل من يؤمن به، فلقد دعانا الله أن نكون أولاده ونحن ندعوه “يا أبانا”، وهذا بسبب نعمة التبني؛ إذ أصبحنا أولاده ليس من دم ولا من مشيئة جسد أو رجل، لكنها نعمة من الله التي انتشلتنا من حياة العبودية وأعطت لنا سلطانًا أن نكون أولاده. فبالتبني الذي نلناه من الله وُلِدنا من جديد في حياة جديدة كي ننسى ما فات من حياتنا ونبدأ معه حياة جديدة حيث أصبحنا خاصته أي ملكه بالتبني.
ومن هنا نجد أن علاقتنا بالله تحولت من العبودية إلى البنوة، هذه البنوة ليست بسبب دم ولا لحم ولا نتيجة رجل بل إنها نعمة التبني التي منحها الله لنا، ونتيجة التبني أصبح لنا الحق في مناداته “يا أبي”، لنا حق الميراث والمكانة الاجتماعية؛ إذ أصحبنا ملوكًا وكهنة “وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً لِلهِ أَبِيهِ” (رؤيا 1: 6). واستخدم الوحي كلمة “تبني” لأن التبني كان متعارفًا عليه في ذلك الوقت، ولو كان الله يجد أنه خطية وغير مسموح به، أولًا كان منعه بوصية كتابية، ثانيًا -وهذا الأهم- لم يكن يستعين به لتوضيح عمق علاقتنا بالله عندما نؤمن بعمله وفدائه.
وهنا سؤال آخر يفرض نفسه إذا كان الكتاب المقدس يؤيد التبني، ما أسباب عدم تمسك البعض بقضية التبني؟
قبل أن نتطرق لهذه الأسباب دعوني أولًا أطرح موقف الكنيسة الخاص بالتبني في مصر:
- الكنيسة الأرثوذكسية: تُلزم لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس (1938 والمعدّلة في 2008) بالتبني في المواد من 110 إلى 123، والجدير بالذكر أن هذه المواد لم تُحذَف من اللائحة.
- الكنيسة الإنجيلية: تُجيز التبني أيضًا، وقدمت مشروعًا لقانون الأحوال الشخصية المُوحّد يتضمّن موادًّا خاصة بالتبني.
- الكنيسة الكاثوليكية: تتبع القانون المدني للدولة التي تتواجد فيها، لذا موقفها من التبني يختلف حسب الدولة.
لماذا لا تتخذ الكنيسة موقفًا حاسمًا بالمطالبة بتفعيل التبني الذي لا يتنافى مع المبدأ الكتابي، بل وقد كان مسموحًا به في لائحة الأحوال الشخصية الصادرة سنة 1938 للأقباط الأرثوذكس، واستمر حتى عطَّل الدستور هذا الحق سنة 1971، رغم أنها مازالت موجودة في اللائحة، حتى وقت إصدار البابا شنودة تعديلات بعض المواد من هذه اللائحة، ترك المواد الخاصة بالتبني كما هي ولم يُلغِها، فالكنيسة لا تحتاج المطالبة بإصدار قانون جديد، بل للتمسك بإعادة تفعيله، خاصة بعد دستور 2014 مادة (3) والذي يقر بأن: “يحق لغير المسلمين من أصحاب الأديان السماوية بالاحتكام لشرائعهم الخاصة”، فما السبب إذن بعدم تمسك البعض بقضية التبني؟
في السطور القادمة سأطرح آراء البعض التي تعكس لماذا الكنيسة لا تتخذ موقفًا حاسمًا في هذه القصية:
- ليست في الشريعة: التبني كان مجرد عادة في العهد القديم، وليس في الشريعة الموسوية نص صريح يُنظّمه.
وردًّا على هذا الرأي: لا يوجد أيضًا ما ينفي أو يحظر فكرة التبني، ولو كان المطلوب الحذر هذه السلوك كان الجدير أن يذكره الله ضمن الشريعة الموسوية مع السلوكيات التي يحذر منها الله في الشريعة، مثل لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد على قريبك زور… وتأكيد أن الله لا يرفض هذا المبدأ في العلاقات بل يؤيده أن علاقتنا بالله مبنية عليه.
- ليس عقيدة ولكنه نظام اجتماعي: يرى البعض أن التبني ليس عقيدة مسيحية واجبة التطبيق، بل نظام اجتماعي معمول به في بعض الدول، ولا داعي لإثارة الجدل حوله لأنه لن يضر الأقباط في شيء.
وردًّا على هذا الرأي: التبني أساسي في الديانة المسيحية؛ إذ تقوم على أساس أن المؤمنين تبناهم الله وفداهم بدم المسيح، لذا أصبحنا أولادًا لله بالتبني، لذا فكما فعل الله بنا هكذا نحن أيضًا مع الأطفال الذين يعانون من حرمانهم لوالديهم. والدليل على هذا أن لائحة 1938 وضعت هذا المبدأ في المواد من 110 إلى 123، أي أربعة عشر بندًا لتنظيم وترتيب التبني وذلك لعلم المسؤولين آنذاك أنه مبدأ مسيحي، بل وعندما عُدِّلت اللائحة عام 2008 لم يُلغَ، على العكس، عُدِّلت مادة (118) ليكون أكثر تنظيمًا وليس لإلغائه. أما الغريب حقًّا في هذا الرأي هو أن التبني من عدمه لن يؤثر في حياتهم! فمَنْ الذي يستطيع أن يحكم بهذا الحكم؟!
- حفاظًا على السلام المجتمعي: فالكنيسة تقبل التبني إذا قبلته الدولة وترفضه إذا رفضته، لضمان السلام المجتمعي، والمسيح لم يضع تشريعات في الأمور المادية.
وردًّا على هذا الرأي: هل المطالبة بالحقوق وتطبيق الدستور (المادة 3) يفقدنا السلام المجتمعي؟! أليس من حقنا كمواطنين أن نُطالب بحقوقنا التي منحتها لنا الحكومة؟! فإن كنا نسير بهذه المنهجية لكانت حياتنا توقفت وفقدنا حقوقنا كي لا يفقد المجتمع سلامه.
- ليس تشريعًا في المسيحية: إن السيد المسيح في إنجيل العهد الجديد لم يضع تشريعات في الأمور المادية للمسيحيين.
وردًّا على هذا الرأي: هذا لا يعني أننا من دون نظام ولا تشريعات كتابية تحكمنا، فكان هدف السيد المسيح الفداء والمصالحة مع الله، بالإضافة إلى أن رسالته إكمال الناموس بكل تشريعاته لا أن ينقضه. هذا بالإضافة إلى مَنْ قال إنه لم يضع تشريعات؟ لقد وضع لنا قانونًا عامًّا في التعامل مع الآخرين، منها الرحمة، الاهتمام بإخوته الأصاغر المحتاجين، حتى طرق العطاء وضع لها تشريعات. والجدير بالذكر هذه الجملة تجعلنا في تعاملاتنا نتوقف عند الأناجيل فقط مهملين باقي الرسائل التي بها تشريعات للأمور المادية، ولا أعتقد أن هذا يناسب إيماننا؛ إن الكتاب المقدس كله مُكمِّل بعضه لبعض، وعلينا أن نطيعه بكل أسفاره بدايةً من التكوين حتى الرؤيا. هذا من جانب، ومن الجانب الآخر نجد أن التبني أساس مسيحيتنا.
بعد أن ناقشنا التبني من مفهوم قانوني وكتابي دعونا نناقشه من منظور إنساني لندرك تأثير إلغاء التبني (أو عدم تفعيله) على الطفل من منظور نفسي:
أولًا نظرية إريكسون:
قَسَّمَ إريكسون المراحل العمرية عند الإنسان لثماني مراحل. لكني لن أتطرق إلا للمراحل الخمس الأولى فقط لارتباطها بقضية التبني؛ فتأثيرها أقوى على تكوين شخصيته والمفاهيم التي يتبناها بعد ذلك في حياته وعلاقاته، والتي حتى وإن حاول الإنسان تغيرها بعد ذلك ستأخذ وقتًا طويلًا ومجهودًا كبيرًا، بل ويظل متأثرًا بها وقد تظهر من حين لآخر في بعض المواقف خاصَّةً الصعبة منها، دون أن يعي الإنسان بها. وذلك لأنها انغرست بأعماق الطفل الداخلي لديه.
المرحلة الأولى مرحلة المهد (صفر- سنتين):
- الأزمة: التي من الممكن أن يعاني منها الطفل فيما بعد إذا لم يُسدد احتياجه في هذه المرحلة هي، عدم الثقة بالعالم الخارجي الذي يتعامل معه.
- التحدي في هذه المرحلة: الشعور بالأمل والثقة بالآخر.
- احتياج الطفل في هذه المرحلة: الشبع من حب والديه وحضنهم واهتمامهم به وأنهم متاحون له لتلبية احتياجاته عندما يبكي وأينما احتاج لهم؛ هذا الحب يُنمي بداخل الطفل شعور الإحساس بالأمان والطمأنينة وعلى أساسه يمنح ثقته للعالم وينمو بداخله الإحساس بالأمل في الغد، أما إذا أُهمِل تسديد احتياجه سيبدأ الطفل في الشك أنه من الممكن أن يثق بالعالم، ويفقد الأمل في الغد بأنه سيكون أفضل.
المرحلة الثانية (2- 4 سنوات):
- الأزمة: التي من الممكن أن يعاني منها إذا لم يُسدد احتياجه في هذه المرحلة هي، الخزي والشك في نفسه وأنه قادر على مواجهة الحياة بمفرده.
- التحدي في هذه المرحلة: الاستقلالية والثقة بالنفس والاعتماد على الذات لمواجهة تحديات الحياة.
- احتياج الطفل في هذه المرحلة: التشجيع وعدم استخدام الترهيب والتخويف؛ ففي هذه المرحلة يتعلم الطفل التحكم في الإخراج، لذا يحتاج الطفل من والديه طريقة التعامل الصحيحة والتوزان عند تعليمه كيف يتحكم في الإخراج دون عنف وترهيب عندما يخطئ، لكن منحه الحب والصبر حتى يتعلم تلك المهارة الجديدة مع تشجيعه عندما ينجح؛ بالإضافة أن الطفل في هذه المرحلة يبدأ بالشعور في الاستقلالية ويحاول أن يثبت نفسه بالتمرد على أوامر والديه فيبدو طفلًا عنيدًا لذا فهو يحتاج للحب غير المشروط رغم عناده مع الحسم بحب، والتأديب بحب كي تصل رسالة به بأنه محبوب رغم سلوكه المتمرد، مع تجنب العنف البدني في التأديب والعنف النفسي من إهانة لفظية. فإذا سُدِّد احتياج هذه المرحلة سينمو الطفل وهو يثق بنفسه، أما إذا لم يُسدَّد احتياجه سيشعر بالخزي من نفسه، ويشك في قدارته وأنه أضعف من أن يقوم بأي عمل.
وأوضح إريكسون أن الحب الذي يمنحه الآباء للطفل في خلال المرحلتين من المهد لأربع سنوات هو الحب الأساسي الذي لا يعوضه أي حب مهما حاول الإنسان بعدها أن يُسدد هذا الحب. لذا فإنه إن لم يشبع الطفل بهذا الحب الأساسي يظل طوال حياته يبحث عن ذلك الحب المفقود بداخله؛ حتى إن تزوج وأحب شريك حياته يظل بداخله إحساس بأن أمرًا ما ينقصه ولا يستطيع تفسيره، لكن أساسها هو الحرمان من هذا الحب الأساسي الذي لا يملأه سوى الأب والأم.
المرحلة الثالثة (4- 6 سنوات):
- الأزمة: التي من الممكن أن يعاني منها إن لم يُسدد احتياجه في هذه المرحلة هي، الشعور بالذنب.
- التحدي في هذه المرحلة: روح المبادرة وعدم الخوف من الفشل.
- احتياج الطفل في هذه المرحلة: الاستمرار في التشجيع وعدم استخدام النقد أو العقاب العنيف عندما يخطئ، فالطفل في هذه المرحلة يتميز بحب الفضول لديه، الذي يفسره البعض أنه طفل مخرب، وكذلك تتميز تلك المرحلة بكثرة الحركة غير المتقنة لأنه ما زال يتعلم مهارات التحكم في حركات جسده، كل هذا يجعل أخطاءه كثيرة، لذا في هذه المرحلة يحتاج متابعة وصبرًا ووعيًا بسيكولوجية مرحلته والتعامل معه بحكمة، وتشجيعًا وليس بعصبية أو إهمال أو قسوة سواء قسوة بدنيّة أو نفسية -كلمات سلبية وإهانات لفظية- كما يحتاج الطفل لملاحظته طوال الوقت لحمايته، إذا سُدِّد احتياج الطفل في هذه المرحلة ستكون النتيجة طفلًا لا يخاف من الفشل بل مبادر لا يخشى تجربة أمور جديدة؛ أما إذا لم يُسدد احتياجه سيقع في أزمة تلك المرحلة وهو الشعور بالذنب لأنه وصلت له رسالة من والديه بأنه طفل مخرب.
المرحلة الرابعة (6- 11 سنة):
- الأزمة: التي من الممكن أن يعاني منها إذا لم يُسدد احتياجه في هذه المرحلة هي، الشعور بالنقص.
- التحدي في هذه المرحلة: المثابرة والإنتاجية (الإنجاز) وعمل الشيء بإتقان.
- احتياج الطفل في هذه المرحلة: هذه المرحلة هي بداية التعليم والإنجاز الدراسي، وهنا يحتاج الطفل عدم تقييمه بواسطة الدرجات الدراسية ومقارنته بأقرانه، بل معرفة شخصيته وما نوع الذكاء الذي يتميز به، وكذلك ما مواهبه، مع تشجيعه بما يملك من مواهب ونوعية ذكائه وإمكانياته…، وليس فقط تقييمه بواسطة الدرجات، وبالطبع هذا يحتاج لاهتمام خاص بالطفل من الوالدين كي يُسدَّد احتياج الطفل في تلك المرحلة؛ إن سُدِّد احتياج الطفل سيتطور ويبدع أكثر من مجال موهبته والجانب الذي يتميز بالذكاء فيه فيكون أكثر إنجازًا. أما إذا لم يُسدد احتياجه سيقع في أزمة تلك المرحلة وهو الشعور بالنقص والدونية.
المرحلة الخامسة فترة المراهقة:
- الأزمة: التي من الممكن أن يعاني منها إذا لم يُسدد احتياجه في هذه المرحلة هي، اختلاط الأدوار.
- التحدي في هذه المرحلة: تحديد الهُوية.
- احتياج المراهق في هذه المرحلة: إعطاء مساحة له كي يكون مستقلًّا ويعبر عن رأيه بحرية؛ واحترام: شخصيته، خصوصياته، ارتباطه بشلته، مشاعره؛ كذلك الابتعاد عن استخدام السُّلطة والسيطرة وإجباره على القيام بأمور غير مقتنع بها، مع تحمل تقلباته المزاجية التي لا يكون لها تبرير واضح من وجهة نظر الكبار. هذه المرحلة هي من أصعب المراحل التي تحتاج لرعاية بحكمة شديدة، حيث المراهق يرفض السُّلطة وفي الوقت نفسه يحتاج إليها، كما أن هذه المرحلة من أكثر المراحل التي تحتاج لحب غير مشروط، يحتاج لوالديه كأصدقاء له وليس سُلطة مطلقة؛ يحتاج للصبر والاستماع له في وقت وتركه في وقت آخر…، إن سُدِّد احتياج هذه المرحلة له ستكون النتيجة تكوين شخصية مستقلة تعرف ذاتها، من مواهب، فكر، اهتمامات وليس هذا فقط بل أيضًا يُبنى روحيًّا وتكوين معتقداته الدينية بصورة صحيحة؛ أما إذا تم تجاهل احتياجاته هذه ستكون النتيجة أنه يتعرض لأزمة تحديد الهُويّة وهي اختلاط الأدوار إذ يصبح إنسانًا مهزوز الشخصية، ليس له وجهة نظر أو رأي خاص به، ويكون مُعرض للانغماس في الإدمانات تحت ضغط الشلة عليه، أو انضمامه لمجموعات مخربة كون أنها تعطي له الحرية التي يلتمسها ولا يجدها وسط أسرته.
بعد دراسة هذه النظرية دعونا ندرك كيف يؤثر إلغاء التبني أو يمكن القول “عدم تفعيل مواد التبني” على الطفل من خلال دراسة هذه المراحل؟
من هذه الدراسة نرى كيف يحتاج الطفل للحب والاهتمام والتشجيع وعدم استخدام العنف ووعي بسيكولوجيته… فهل هذه الاحتياجات يستطيع دور الرعاية أو الكفالة أن تسدده؟!
بالنسبة لدور الرعاية:
هل تعرف كم طفل يهتم بهم مشرف واحد؟ إن أعداد الأطفال في دار الرعاية يتأرجح ما بين 11 طفل لـ50 طفلًا، فهل من الممكن أن يتوفَّر لهم مشرف لكل طفل أو حتى مشرف لكل طفلين؟! لا أعتقد أنه في أرض الواقع هذا يحدث؛ ومن هنا تُصبح تلبية احتياجات الطفل في خلال الأربع مراحل الأولى من حياته من حب، أمان، تشجيع، اكتشاف مواهب، وصبر… شبه مستحيلة؛ مع احتمالية ترك المشرفين لدار الرعاية وعدم استقرارهم، ناهيك عن المشرفين الذين يعتبرون أن ما يقوموا به وظيفة ليس أكثر ولا أقل وبالتالي لا يستطيعون أن يعكسوا صورة الأمومة والأبوة التي يحتاج لها الطفل، وللأسف الطفل حساس لهذه المشاعر ويستطيع التمييز بين الحب الحقيقي الذي يقدمه المشرف، وبين المشرف الذي يؤدي دوره فقط بلا مشاعر؛ وبالتأكيد هذا الأمر سيؤثر على حالته النفسية وتكوين شخصيته التي لم تُسدَّد لها احتياجها في مراحله الخمس؛ هذا بالإضافة أن هناك قانونًا بنقل الطفل بعد بلوغه 18 عامًا إلى دار أخرى، مما يُفقده الاستقرار النفسي ويُساهم في تكوين شخصية مهزوزة وغير واثقة بسبب تغيير البيئة التي تعوَّد عليها وهو في هذه المرحلة الحرجة.
بالنسبة لنظام الكفالة:
رغم أنه قد يُوفر بعض الاحتياجات المادية، إلا أنه يفشل في تلبية الاحتياجات النفسية العميقة؛ فالطفل المكفول يُعاني من اختلاف اسمه عن اسم العائلة الكافلة، مما يُعرضه للتنمر والشعور بالنقص وسط أقرانه، والأكثر إيلامًا هو شرط “الحجب” عند البلوغ، حيث يُجبر الطفل على ترك الأسرة التي أحبها ونشأ فيها لأنه “أجنبي”. هذا الانفصال في مرحلة المراهقة الحرجة يُسبب أذى نفسيًّا عميقًا، ويُؤثر على قدرته على تكوين علاقات عميقة وانتماء مستقر.
فتخيل معي عزيزي القارئ بعدما يظل الطفل في البيت ترعاه الأسرة وهي بداخلها فكرة أنه غريب ويجوز بعد أن يصل للبلوغ للأم والأب كيف ستكون مشاعرهم؟ كيف ستكون مشاعرهم وموقفهم وقت احتياجه للحضن، الدخول معه للحمام… مع طفل غريب ليس بطفلهم؛ وإن قلنا إنهم سيسددون احتياج الطفل للحب في هذه المرحلة ولن يكون بداخلهم فكرة أنه من الأجانب، ماذا عندما يصل للمرحلة التي لا بد فيها أن يذهب بعيدًا لأنه أصبح غريبًا وبالغًا قادرًا على الزواج؟ أليس هذا مدمرًا له؟


