أفكار واشتباكات… عن قانون الأسرة للمسيحيين!
- Sermon By: هاني لبيب
- Categories: دراسات متنوعة
فتش عن المرأة!
هذه المقولة هي ما ينطبق مباشرةً على الحديث عن قانون الأسرة للمسيحيين، خاصةً أنه كلما ظهرت المرأة على سطح الأحداث ارتبك المجتمع، وزادت النزعة الذكورية ضد المرأة. وتُعدُّ المرأة المسيحية المصرية نموذجًا دالًّا على ذلك، لا سيَّما أنها دائمًا ما تكون الضحية التي تعاني من أحد تداعيات مشكلة الأحوال الشخصية؛ إذ تنظر العقلية الذكورية للمجتمع المصري إلى المرأة الأرملة والمطلقة على أنها حالة استثنائية، يري فيها الجبروت في الغالب الأعم، ويعتبرها مظلومة في القليل من الأحيان، ويستبيح خصوصيتها في كثير من الأحيان.
تُعَدُّ قضية الأحوال الشخصية من أهم القضايا الخلافية التي تمس استقرار العلاقات داخل الأسر المصرية بوجهٍ عامٍّ، والأسرة المسيحية المصرية بوجهٍ خاصٍّ، وقد ترتب على فتح هذا الملف إعلاميًّا -بشكل يحمل وجهات نظر انطباعية، وليست معلوماتية دقيقة- أن تُعالَج قضية الأحوال الشخصية دون وعي كامل بالتفاصيل التي تحكم قواعد وقوانين الأحوال الشخصية، ليس فقط في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بل في الكنائس المصرية الرسمية عامَّةً؛ العائلة الأرثوذكسية (الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وكنيسة الأرمن الأرثوذكس، وكنيسة السريان الأرثوذكس، وكنيسة الروم الأرثوذكس)، والطائفة الإنجيلية، والكنيسة الكاثوليكية (والتي تشمل تحت رئاستها: الأرمن الكاثوليك والروم الكاثوليك والسريان الكاثوليك والكلدان الكاثوليك). فضلًا عن صدور بعض الأحكام القضائية التي نتج عنها المزيد من الخلط المعتاد بين الحابل والنابل، والنتيجة الطبيعية حدوث المزيد من الأزمات في مسارات مختلفة تتجاوز قضية الأحوال الشخصية إلى مشكلات المواطنين المسيحيين المصريين وهمومهم.
* * *
الكنيسة والإنسان!
ملف “الأحوال الشخصية للأسرة المسيحية” هو ملفٌ شائكٌ جدًّا، ليس فقط لتعقيد تفاصيل هذا القانون وارتباطه بالعقيدة الدينية، بل أيضًا لاختلاف مرجعية الزواج بين الكنائس المسيحية. ولذا يُعدُّ إصدار “قانون الأسرة للمسيحيين” خطوةً غير مسبوقةٍ، ولكنها ستحتاج إلى التعديل والتطوير واعادة المراجعة فيما بعد الاختبار العملي له.
يرتبط بإصدار “قانون الأسرة للمسيحيين” العديد من الأسئلة على غرار:
- هل يمكن للكنيسة المصرية أن يكون لديها المرونة لحل قضايا الأحوال الشخصية بالشكل الذي يحد من سلطاتها على أتباعها؟
- هل يمكن وقف استخدام الطفل والمرأة باعتبارهما الطرف الضعيف لمزيدٍ من الضغط عليهما بالقانون وتمريره تشريعيًّا؟
- هل ستظل الكنائس المصرية الرسمية (العائلة الأرثوذكسية، والطائفة الإنجيلية، والكنيسة الكاثوليكية) لها مواقف متباينة من القانون حسب اختلاف كل كنيسة وما يترتب على ذلك بما يوحي باختلاف العقيدة المسيحية؟!
- هل حرص الدولة على إصدار “قانون الأسرة للمسيحيين” هو نتاج طبيعة النظام السياسي؟ وهل يعني ذلك تغيير موقف الدولة حسب تغيير ملامح المرحلة السياسية؟ وهل سيترتب على إصدار “قانون الأسرة للمسيحيين” معالجة الفجوة بين قوة الأحكام القضائية وتطبيقها؛ بحيث يكون لها القوة الجبرية على الكنيسة؟ أم ستكون أحكامًا غير ملزمة للكنيسة، خاصةً أنه إلى الآن ليس ما يلزم الكنيسة بذلك؟
- كيف سيتعامل القانون مع اختلاف موقف الكنائس المصرية التي ليس لها موقف واحد من المفاهيم المرتبطة مباشرةً بالأحوال الشخصية على غرار: انحلال الزواج وبطلان الزواج وتعريف مفهوم “الزنا”؟ وهل يمكن أن يكون الحل في إنشاء محاكم كنسية مثلما طالب البعض في تكريسٍ جديدٍ للدولة الدينية؟
ملاحظة مهمة: أيُّ محاولة لصياغة المُثُل الأخلاقية المسيحية في قوانين وضعية تخضع لسلطة الدولة وقوانينها تُفقِد هذه المُثُلَ طابعها الديني والأخلاقي؛ فمن ناحيةٍ، تعاليم الكتاب المقدس هي مبدأ أخلاقي، وليست تشريعًا قانونيًّا، ومن ناحيةٍ أخرى، لم تعد الأسرة كما كانت بشكلها التقليدي التي نعرفها بعد التطورات والتغيرات التي طرأت على مضمونها وتفاعلها الإنساني. فضلًا عن ظهور عدة مشكلاتٍ حديثةٍ على غرار تعرض بعض الأمهات الغارمات لأحكامٍ قضائيةٍ بالحبس بسبب تجهيز بناتهن.
اختلفت الكنائس المصرية في عقيدتها وطقوسها، واتفقت على الإنسان المسيحي المصري في تقنين الأحوال الشخصية، واتحدت ضده لسنوات طويلة، وآن الأوان لحل مشاكل استمرت لسنواتٍ طويلةٍ، وترتب على بعضها أزماتٌ دينيةٌ وتوتراتٌ طائفيةٌ. وتظل المشكلة الحقيقية في الاقتراب من تحقيق وإقرار الدولة المدنية، وليس الإصرار على قواعد الدولة الدينية.
* * *
مشكلة الكنيسة أم الدولة؟!
نرصد هنا بعض الملاحظات المهمة ذات الدلالة الموضوعية حول تلك القضية الشائكة وعنها، وعلى سبيل المثال:
- الفجوة الكبيرة بين لائحة 1938 ولائحة 1955. وبمقارنةٍ بسيطةٍ بينهما، يمكن أن نلحظ أن لائحة 1938 كانت أكثر مرونةً من لائحة 1955، التي اتسمت بالتشدد الملحوظ رغم أن شكلها العام أبسط وكلماتها قليلة عن كلمات لائحة 1938، ولكنها أكثر تعقيدًا. كما أن المادة 56 في لائحة 1938 لم تنصّ على الزنا، بل نصَّت على: (إذا ساء سلوك أحد الزوجين وفسد أخلاقه وانغمس في حياة الرذيلة ولم يُجدِ في إصلاحه توبيخ الرئيس الديني ونصائحه فللزوج الآخر أن يطلب الطلاق). كما نصت المادة 57 على أنه: (يجوز أيضًا طلب الطلاق إذا أساء أحد الزوجين معاشرة الآخر، أو أخل بواجباته نحوه إخلالًا جسيمًا مما أدى لاستحكام النفور بينهما وانتهى الأمر بافتراقهما عن بعضهما واستمرت الفرقة ثلاث سنوات متوالية).
- مذكرة البابا كيرلس سنة 1962، وقرار البابا شنودة الثالث سنة 1971، أكدا على أنه لا يجوز الطلاق إلا لعلة الزنا، وهو ما يصعب إثباته لأكثر من سببٍ يأتي في مقدمتها أن اللوائح والقوانين الكنسية لم تحدِّد أساليب إثبات “الزنا”، وبالتالي، اعتُمِدَ في هذه الجزئية على القوانين المدنية المستمدة مباشرةً من تطبيقات الشريعة الإسلامية في هذا الصدد.
- السبب الأساس لتفاقم قضايا الأحوال الشخصية للمواطنين المسيحيين المصريين هو أن السلطة القضائية تحتكم إلى لائحة 1938 في الحكم على قضايا الأحوال الشخصية، بينما تعتمد الكنيسة القرار البابوي لسنة 1971 الخاص بعدم الطلاق إلا لعلة الزنا. وبالتالي، فإن طلاق المحكمة هو الأساس، وليس العكس. كما أن طلاق المحكمة غير مُلزِمٍ للمجلس الإكليريكيّ؛ أي أنه لا يلزم المجلس بإعطاء تصريح زواجٍ لأيٍّ من الزوجين سوى لمن تنطبق عليه شروط الكنيسة في هذا الأمر.
- يترتب على ما سبق، أن الذي يتحمل تبعات مشكلات الأحوال الشخصية للمواطنين المصريين المسيحيين أمام المجتمع هي الكنيسة وحدها. غير أن واقع الأمر، يؤكد عكس ذلك، خاصَّة في ظل تقاعس الدولة لسنوات طويلة بشأن مناقشة مشروع “قانون الأحوال الشخصية الموحد لجميع الطوائف المسيحية” بمصر، والمقدم إلى مجلس الشعب منذ عام 1998. أي أن الدولة تشارك -مع الكنيسة- في معاناة عديدٍ من الأسر المصرية. إن كافة مشروعات القوانين واللوائح سالفة الذكر قُدِّمت لوزارة العدل، ولم تجد السبيل في الدخول لمجلس الشعب طيلة أكثر من ربع قرن. وللأسف ضلت الطريق حتى تاريخه دون أي سبب مفهوم.
وللأسف الشديد، صوَّر بعض الناس رفض الكنيسة المصرية لقرار السلطة القضائية على أنه صدامٌ جديدٌ بين الكنيسة والدولة، في محاولةٍ أخرى للخلط بين ما هو ديني وما هو قانوني. غير أن قضية الأحوال الشخصية تحمل في الوقت نفسه بعدًا إنسانيًّا واجتماعيًّا وقانونيًّا. وهو ما يتطلب اجتهادًا دينيًّا قانونيًّا في إطار الحفاظ على هيبة القضاء من جانبٍ، ودون المساس بالعقائد والشرائع الدينية من جانبٍ آخر. كما يتطلب التأكيد أيضًا على أن علاقة المواطن المسيحي المصري بالدولة هي علاقةٌ قانونيةٌ ومدنيةٌ وفق نصوصٍ تشريعيةٍ تقنن الالتزام الوطني والقانوني، بينما علاقته بالكنيسة هي علاقةٌ دينيةٌ وروحيةٌ وفق مرجعيةٍ إنجيليةٍ تقنن الالتزام الدينيَّ.
إصدار “قانون الأسرة للمسيحيين” لجميع الطوائف المسيحية بمصر سيترتب عليه انتهاء الصراع أو الصدام بين الكنيسة والدولة، وبالتالي، لن يكون احتياجٌ للمجلس الإكليريكي للأحوال الشخصية؛ لأن القانون المدني هنا سيصبح هو الفيصل، فإذا قضت المحكمة بالتطليق أو إعطاء بطلان زواج طبقًا للمبادئ المسيحية، لن يكون على الكنيسة سوي إعطاء التصريح بالزواج لمن أقرت المحكمة بأحقيته في ذلك.
* * *
اجتهادٌ لاهوتيٌّ جديدٌ!
نتفق جميعًا أن العلاقات العاطفية هي مسألة مُعقَّدة جدًّا في تحديد ملامحها، خاصة إنسانيًّا ونفسيًّا، ولذا من الطبيعيِّ أن يتباين موقف اللاهوتيين والقادة الدينيين فيما يخص هذه العلاقة في الممارسات الحياتية بتحدياتها. ومع رصد ملاحظةٍ ربما يكون لها أهمية، وهي عدم مشاركة المرأة في التسلسل الهرمي لرجال الدين “الكهنوت”، كما أنها لم تسهم أو تشارك في صياغة ما يتعلق بالإيمان والعقيدة المسيحية التي اقتصرت على الرجال فقط.
تفرض قضية الأحوال الشخصية طرح بعض الأسئلة التي تحتاج إلى اجتهادٍ لاهوتيٍّ يراعي الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والقانونية.. على غرار:
- ينص “قانون الأسرة للمسيحيين” في أحد موادِّه على أن: “يكون الزواج المسيحي الديني صحيحًا وفق الكتاب المقدس، وذلك أمام الكافة وجميع الطوائف المسيحية في مصر”. وهو ما يعني بالتبعية الاعتراف بالطوائف المسيحية التي نصَّ عليها القانون. ويبقى السؤال الذي يحتاج إلى اجتهادٍ حقيقيٍّ في كيفية الإقرار بصحة إجراءات الزواج وطقسيته (مراسمه الدينية) لهذه الطوائف على الرغم من وجود تبايناتٍ واختلافاتٍ في شكل الزواج وأسباب الطلاق من جهةٍ، وعدم وجود سر الزيجة بطقوسه ومراسيمه عند الكنيسة الإنجيلية المصرية مثلًا من جهةٍ أخرى.
- يتزوج العديد من المواطنين المسيحيين المصريين من أبناء المهجر، خاصة الذين ولدوا في الخارج، طبقًا لقوانين الدول التي يحملوا جنسيَّاتها، وهم جميعًا يخضعوا للقانون المدني، ويقتصر عقد الزواج الكنسي باعتباره مجرد إجراءٍ شكليٍّ لا يؤثر على قانونية هذا الزواج وشرعيته. وترتب على ذلك أن العديد من الحالات انفصلوا، وطُلِّقوا مدنيًّا لأسباب غير الزنا، واستطاع بعضهم الزواج كنسيًّا مرةً أخرى داخل الكنيسة الأرثوذكسية المصرية في هذا الدول، والتي يرأسها أسقفٌ أرثوذكسيٌّ مصريٌّ خاضعٌ للكنيسة الأرثوذكسية في مصر. وذلك مع العلم أن الأسقف الأرثوذكسيَّ هناك لا يستطيع قانونيًّا منعهم من الزواج، حتى لو طُلِّق الشخص قبل ذلك. وهو ما يطرح سؤالًا أساسًا: هل تختلف قوة الأسرار ووحدتها مثل سر الزيجة في تطبيق الكنيسة الأرثوذكسية “الجامعة” المصرية بين داخل مصر وخارجها؟ مع ملاحظة أن السر هو فعلٌ رمزيٌّ بالكلمة والفعل، يدل على واقعٍ غير مرئيٍّ، يهدف إلى التقديس.
- كيف ستتعامل الكنيسة مع المتزوِّجين مدنيًّا، خاصة من المواطنين المسيحيين المصريين من أبناء المهجر دون أن ينطبق عليهم مفهوم “الزنا”؟ وما موقف الكنيسة في حالة إذا أراد المتزوجون مدنيًّا أن يتزوَّجوا كنسيًّا؟ وهل ستقبل الكنيسة (توبتهم) أم ترفضها؟ وما موقف الكنيسة لو أراد المتزوجون مدنيًّا تعميد (طقس كنسي ينسب الإنسان إلى المسيحية) أبنائهم؟ وهل ترفض الكنيسة أم توافق؟ وكيف سترفض إذا كان هؤلاء المتزوجون مدنيًّا مسيحيين من الأصل؟ وماذا إذا كتب الأبوان (مسيحي) في شهادة ميلاد أبنائهم؟ وكيف يمكن أن نحكم على أبنائهم دون أيِّ ذنبٍ اقترفوه سوى أن نحمِّلهم ما فعله آباؤهم؟ كما أن وصف المتزوجين مدنيًّا بأنه “زنا” هو أمرٌ مهينٌ على مستوياتٍ عدَّةٍ؛ إنسانيًّا واجتماعيًّا، فهل يمكن أن يكون للكنيسة موقفٌ إيجابيٌّ منهم لكي لا نتركهم هكذا دون أيِّ مرجعيةٍ؟
- عندما نكتب عن حاجتنا لاجتهادٍ لاهوتيٍّ جديدٍ، نقصد به ما يراعي الإنسان بالدرجة الأولى الذي يمثِّل الهدف الأسمى للأديان. ومثال ذلك أنه ليس في الكتاب المقدس نصٌّ واضحٌ مباشرٌ يمنع أو يحظر زواج رجال الكنيسة، خاصَّةً أن غالبية الرسل والتلاميذ كانوا متزوِّجين. وذلك حتى طرح بعض آباء الكنيسة في القرن الثالث الميلادي بعض الأفكار التي تشكِّك في قدرة رجل الدين المتزوج على إدارة الأسرار الكنسية المقدسة. وهو ما حدث في اجتهادات الكنائس المصرية في قانون الأسرة للمسيحيين بالحديث عن الانفصال والتفريق والتطليق والبطلان والتفسيح، تجنبًا لاستخدام الطلاق في أضيق الحدود.
لم تضع العقيدة المسيحية أحكام شريعة تطبق على أتباعها. وأعتقد أن شريعتها الوحيدة هي المحبة والغفران. وهو أمرٌ يتطلب أن نجد اجتهادًا لاهوتيًّا جديدًا للتعامل مع هذه المشكلات دون التنازل عن القيم الإنسانية ودون إهمالٍ للثوابت اللاهوتية والعقيدية، تجنبًا للصدام بين الديني والمدني خاصةً أن الزواج في أساسه علاقةٌ اجتماعيةٌ إنسانيةٌ بالدرجة الأولى.. كما أن مشكلات الأحوال الشخصية من أهم المشكلات التي تواجه المواطنين المسيحيين المصريين.
* * *
مشكلات مجتمعية!
تتَّسم قضية الأحوال الشخصية بأنها من أكثر الملفات الشائكة في ملف هموم المواطنين المسيحيين المصريين، ذلك الملف الذي يعدُّ من أكثرهم جدلًا في العلاقة بين الدين (الكنيسة) والقانون (الدولة). وهي الأزمة التي تطفو على سطح الأحداث كلما أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمًا بأحقية واحدٍ من المواطنين المسيحيين المصريين في الزواج، وإلزام الكنيسة باستخراج تصاريح زواجٍ له للمرة الثانية. وهو أمرٌ يجب النظر إليه عَبْر وجهي العملة (الكنيسة والقضاء) التي يراهما البعض مختلفين لدرجة التباين والتناقض رغم أنهما وجهان لعملةٍ واحدةٍ؛ هي الدولة الوطنية المصرية. وبمعنى آخر، فإن القاعدة الرئيسية هي أن لأحكام القضاء احترامًا كاملًا، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن مخالفة تعاليم الكتاب المقدس والقوانين الكنسية.
من المعروف، إن السبب الأساس لتفاقم قضايا الأحوال الشخصية للمواطنين المسيحيين المصريين هو أن السلطة القضائية تحتكم إلى لائحة 1938 في الحكم على قضايا الأحوال الشخصية، بينما تعتمد الكنيسة القرار البابوي لسنة 1971 الخاص بعدم الطلاق إلا لعلة الزنا. وبالتالي، فإن طلاق المحكمة هو الأساس الذي تعتمد عليه الكنيسة فيما بعد، وليس العكس. كما أن الكنيسة لا تعترض على طلاق المحكمة، ولكنه غير ملزمٍ للمجلس الإكليريكيِّ؛ أي أن حكم المحكمة بالطلاق لا يُلزِم المجلس الإكليريكيَّ بإعطاء تصريح زواجٍ لأيٍّ من الزوجين سوى لمن تنطبق عليه شروط الكنيسة في هذا الأمر. وهو موقفٌ مؤسَّسيٌّ للكنيسة التي تلتزم بتعاليم الكتاب المقدس التي تحثُّ على عدم الطلاق إلا لعلَّة الزنا وتمنع الزواج مرةً ثانيةً؛ لأن الزواج في المسيحية سرٌّ من الأسرار السبعة، وهي (الأسرار) التي يماثلها (الأركان الخمسة) في الإسلام.
إن الفرق بين حكم المحكمة وأحكام الكنيسة في الزواج هو أن الأول حكمٌ مدنيٌّ، بينما تحتكم الكنيسة إلى شرائعها الدينية؛ فالزواج إجراء مدني بحت تحكمه القواعد الدينية، كما أن من يقوم بعقد الزواج هو رجل دين سواء في المسيحية أو في الإسلام.
حينما أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمين في دعوتين منفصلتين يلزمان البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية بالتصريح لاثنين من المواطنين المسيحيين المصريين المطلقين بالزواج مرة أخرى في 29 مايو سنة 2010. قالت المحكمة في أسباب الحكم المثير للجدل: (إن تكوين الأسرة حقٌّ دستوريٌّ، يعلو فوق كل الاعتبارات، وإنها إذ تحترم المشاعر الدينية، غير أنها تحكم وفقًا لما قرره القانون، وإن القاضي لا مفر أمامه إلا تنفيذ ما نصَّ عليه القانون، ويعتبر الحكمان باتَّيْن ونهائيَّيْن وغير قابلَيْن للطعن). وهو ما أكده حينذاك المستشار محمد الحسيني، رئيس مجلس الدولة الأسبق 2010-2011، الذي أصدر الحكم؛ إذ ذكر في حيثيات الحكم: إن المحكمة تقدِّر المشاعر الدينية لدى الكنيسة وقادتها لكنها تحكم بمقتضى القانون وليس بناءً على التشريعات الدينية، وأن هناك تباينًا بين نصوص القانون واللوائح الكنسية لا يمكن حله إلا برفع هذا الأمر للجهات التشريعية المختصة لسن قانون يتغلب على هذا الاختلاف.
رفض البابا شنودة الثالث حينذاك حكم محكمة القضاء الإداري، وصرح بأن الكنيسة ستتخذ كافة الإجراءات القانونية الممكنة باللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا، مشيرًا إلى أن الحكم الصادر هو حكمٌ مدنيٌّ، في حين أن الزواج تحكمه شرائع دينيةٌ ويقوم بإتمامه رجل دينٍ وليس قاضيًا. كما فسَّر موقف رفض الحكم بأن الكنيسة لا يمكن لها أن توافق على فكرة الزواج الثاني حرصًا على الأسرة المسيحية، وعدم انهيارها وتكرار وشيوع فكرة الزواج والطلاق، ممَّا قد يؤثِّر سلبًا على تماسك الأسرة المسيحية. واعتبر العديد ممن يتحدثون باسم الكنيسة أن حكم القضاء الإداري هو بمثابة تحدٍّ للمسيحية، وقالوا إنه غير ملزِمٍ للكنيسة التي لها طقوسٌ خاصةٌ في الزواج يجب على القضاء احترامها، وعدم التدخل غير المبرَّر في أصول العقيدة المسيحية. وبالتالي، يحق للكنيسة الاعتراض على حكم المحكمة لأنه يتجاوز صلاحيات الكنيسة في إجراءات الزواج وشروطه. كل ما سبق ترتب عليه ظهور قلةٍ من أصحاب مشكلات الأحوال الشخصية مع تنفيذ حكم المحكمة، وأغلبيةٍ ترفضه على اعتبار أنه مخالف للشريعة المسيحية.
واتفقت تصريحات السواد الأعظم من القانونيين المسيحيين المصريين على أن حكم محكمة القضاء الإداري يُعدُّ مخالفةً، ولا يمكن للكنيسة مخالفة تعاليم المسيحية من أجله، فهو أمرٌ دينيٌّ بحتٌ، ولا يمكن أن يندرج هذا الحكم تحت اسم “الحرية الشخصية”.
ترى، هل يجوز أن نقول للمواطن المصري المسلم في هذا الصدد: “نفِّذ حكم المحكمة الذي يتعارض مع الشرع، ثم اعترض على الحكم بالطرق القانونية”؟ أم الأهم أن نطالب بألا تتعارض القوانين مع النصوص الدينية؟!
أعتقد أنه يجب أن نلاحظ أن تصريح البابا شنودة الثالث بخصوص عدم تنفيذه لأحكام القضاء فيما يخص الأحوال الشخصية هو تصريحٌ منقوصٌ يروِّج للإيحاء وكأن الكنيسة تتحدَّى القضاء وبالتبعية الدولة المصرية. والمتابع لتصريحات البابا شنودة الثالث في هذا الأمر يعرف أن الكنيسة تحترم أحكام الطلاق التي تمنحها المحكمة، ولكن الأحكام التي صدرت بخصوص إلزام الكنيسة بتزويج المطلقين هي التي ذكر البابا أنه لن ينفذها لارتباطها بنصٍّ من الكتاب المقدس.
لا يمكن للبابا أو غيره أن يغير ما جاء بالكتاب المقدس. كما أن حكم المحكمة بهذا الشكل لم يراع المعتقد الديني المسيحي. ولكن في الوقت نفسه، أؤكد على أهمية أن تبحث الكنيسة في زيادة حالات بطلان الزواج مع حفظ النسب بشكل قانوني لكي لا نفتح باب التشكيك والتخوين. وذلك لكي نحد من الزيادة المطردة لمشكلة الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر، وحتي لا يستغل أحد هذا الموقف للمزايدة على الكنيسة ومن قبلها على الدولة المصرية.


