مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

نظامُنا المشيخيُّ

ملحق العدد

 

[الدور التنظيميُّ للكنيسة الإنجيليَّة في مصر: أسلوب إدارة مختلف]

نظامُنا المشيخيُّ

بقلم

الدكتور القسّ صموئيل حبيب

تحرير القسّ عيد صلاح

 

في ملحق العدد الذي يتحدث فيه عن الدور الوطنيّ للكنيسة الإنجيليّة في مصر يقتربُ من الموقف التنظيميّ وما تميَّزت به في أسلوب إدارة مختلف، يقترب منه الطيب الذكر الدكتور القسّ صموئيل حبيب (1928-1997م) حول “النظام المشيخيّ”، وهذه المقالات كتبها في الهدى وهي كالتالي: المقالة الأولى: “نظامنا المشيخيّ والفرص المتاحة للعمل” (الهدى 853 السنة 72 أغسطس وسبتمبر 1982م، ص 14-15). المقالة الثانية: “الكالفينيّة أساسًا أسلوب عمل جماعيّ واجتماعيّ نجاح أي نظام مشيخيّ يعتمد على مجالس الكنائس” (الهدى 854 السنة 72 أكتوبر ونوفمبر 1982م، ص 10-11). المقالة الثالثة: “المشيخية تتطلب قدرًا وفيرًا من الفهم الإداريِّ وتعتمد في أسلوب عملها على قياداتٍ واعية مسؤولة على كافة المستويات” (الهدى، العدد 855، السنة 72، ديسمبر 1982م، ص 5-6). المقالة الرابعة: “الديمقراطيّة واتجاه الريح” (الهدى، العدد 860، أغسطس وسبتمبر 1983م، ص 9-10). المقالة الخامسة: “رسالة مارتن لوثر للعصر الحاضر” (الهدى، العدد 863، السنة 74، يناير 1984م، ص 24-25)، وهو نص الخطاب الذي ألقاه الدكتور القسّ صموئيل حبيب بالكنيسة الإنجيلية الأولى بأسيوط في 25 أكتوبر 1983م.

في هذه المقالات يُقدِّم الدكتور القسّ صموئيل حبيب رؤية واضحة عن النظام الإداريّ المشيخيّ للكنيسة الإنجيلية في مصر وأسسه اللاهوتيّة مع تقديم نقد وتقييم لهذا النظام بما يتناسب مع البيئة المصرية. مرّ ما يقرب من 50 عامًا على هذه المقالات ولكن ما زالت مفيدة وتدعو للتفكير، وهذه هي ميزة كتابات الدكتور القسّ صموئيل حبيب حيث أنها تسبق زمانها. 

المحرر

القسّ عيد صلاح

 

أولًا:

نظامنا المشيخيُّ والفرص المتاحة للعمل

الهدى 853 السنة 72 أغسطس وسبتمبر 1982م، ص 14-15))

يعتمد النظامُ المشيخيُّ أساسًا على أنَّ روح الله القدوس يعمل في الكنيسة عن طريق “الجماعات”، ولعلَّه يعيد إلى ذهننا أنَّ الله عندما دعا إبراهيم، لم يَدعُه لوحده، بل دعاه “كجماعة” وكوَّن منه “شعب الرب”. ينتظم الفكر -خلال العهد القديم- عن معاملات الله عن طريق “جماعة الرب” المتحركة في البريّة، ثم الثابتة في موقع جغرافيٍّ محدَّد. ومن ثم يأتي السيد المسيح -في الجسد- ويقيم بنفسه بين “جماعة الرب” واحدًا منها، متفاعلًا معها، ثم فاديًا لها. وبقدر اهتمام السيد المسيح، باجتذاب الأفراد للإيمان به، بقدر اهتمامه بتكوين “جماعة التلاميذ” أو “جماعة الرسل” أو تشكيل “أبناء الملكوت”.

الرأيُ الجماعيُّ:

وقد اهتمت الكنيسة الأولى برأي الجماعة، مجتمعةً معًا، لإصدار القرارات المختلفة، فلو أخذنا على سبيل المثال “مجمع أورشليم” (أع 15)، نرى أنه من هذا المجمع صدرت قرارات خطيرة بشأن قضايا لاهوتيَّة وإدارية: عدم فرض الختان في الممارسات المسيحيّة، ودخول الأمم إلى شعب الرب، واختيار رسولين هما بولس وبرنابا وإرسالهما إلى أنطاكيّة للعمل. فإنَّه منذ البداية كان أسلوب العمل المسيحيّ يتوقف على هذا الأساس: “رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ” (أع 15: 28).

اختلافُنا معًا:

ولا شك أنَّ العملَ الجماعيَّ يظهر فيه اختلاف رأي، اختلف بولس وبرنابا مع المتهودين وحدثت بينهم منازعة (أع 15: 2)، وحدثت مباحثة كثيرة في أورشليم بين الرسل وجماعة الرب (15: 7). وحدثت مشاجرة افترق بعدها بولس وبرنابا بسبب يوحنا مرقس (15: 39). إنَّ اختلاف الرأي أو اتفاقه، دليل عمل الجماعة بحرية كاملة، لا سيطرة فيها لفرد، أيًّا كان ذلك الفرد. وليس معنى ذلك أن جماعة الرب معصومة من الخطأ. لكن الجماعة عندما تخطئ تحمل مسؤولية الخطأ معًا. وخطأ الجماعة أقل وقوعًا من خطأ الفرد.

المساواةُ في الفُرَصِ المتاحة:

إنَّ ميزةَ العملِ الجماعيِّ، هي أن لكلِّ فردٍ داخل الجماعة “قيمة” متساوية. فلقد كلَّل الله “الإنسان” بمجد، وأعطاه سلطاتٍ على خليقة الله. فبولس رسول يسوع المسيح يتساوى داخل الجماعة مع أصغر عضو فيها. وإن ْكان هذا لا ينفي أنَّ الله يستخدم كل فرد داخل الجماعة بقدر المواهب والوزنات التي له، وبقدر سماح كل فرد لروح الله أن يستخدمه. ومن هذا المنطلق نجد أنَّ كلَّ فرد داخل الجماعة “لا” يتساوى مع غيره. وعلى هذا الأساس يختلف كلُّ “نجم” عن أي “نجم” آخر سواء في المجد أو داخل الجماعة. إلا أنَّ الحرية داخل الجماعة مكفولةٌ للكل على حدٍّ سواء، والفرص مكفولة للجميع على حدٍّ سواء؛ فالمساواةُ داخل جماعة الرب مساواةٌ في الحرية للتعبير عن النفس، والحرية في إبداء الرأي، والحرية في العمل بالمواهب والوزنات مما يعلن للجماعة كلِّها شخصيَّةَ كلِّ فردٍ على حدة، وبالتالي فهي حريَّةُ المساواة في الفرص المتاحة لإبراز عمل الله داخل الفرد، في الأماكن التي يمكن أن يعمل فيها.

الفرص المتاحة داخل النظام المشيخيِّ:

إنَّ الضابط الذي يضيِّق الخناق على الفرص هو النظام الدكتاتوريُّ. لكن النظامَ المشيخيَّ، هو نظامٌ يُطلِق الحريَّات، ويسمح بالفرص. فإَّن سلطة المجمع على الكنيسة المحليّة محدودة جدًّا. مما يسمح للكنيسة المحليّة أنْ تخطط برامجها وتنطلق لعملها بحريَّاتٍ لا حصرَ لها. ومن هذا الموقع تظهر مواهبُ وكفاءات الراعي والقيادات المحليّة دون أي قيود من سلطة أعلى. ولذلك، فإنَّ حريات العمل داخل الكنيسة المحليّة تكشف “كفاءات” و”قدرات” من هم بداخلها. ورغم سلطة المجمع على الراعي في انتقاله من موقعٍ لموقعٍ، فإنَّ هذه السلطة يحدُّها “بيروقراطيَّة الإجراءات”، ولم تكن هذه السلطة يومًا عائقًا لتحرُّكٍ ما، أو لانتقال الراعي إلى مكان آخر، يجد فيه نجاحًا أكثر لمواهبه.

ولو أننا تطلَّعْنا إلى علاقة السنودس بالمجمع، فإنَّها علاقةٌ نقابيَّةٌ، ممارسة السلطة فيها هي على “أقل مستوى إداريٍّ ممكن”. بل إنَّ النظام المشيخيّ يترك سلطات المجمع حرةً في نطاق عمله الداخليّ سواء في الرسامات، أو الشئون الماليّة أو العمل الرعويّ إلى غير ذلك، وليس للسنودس حقُّ ممارسة أي سلطان عليه سوى في مجالات تنسيق العمل العام بين المجامع. وبالتالي، فإنَّ الرعاة أو القسّوس، الذين يعملون داخل مجمعٍ ما، لا سلطان للسنودس عليهم. كما أنَّ انتقال راعٍ من مجمع إلى مجمع يتمُّ بحريَّةٍ كاملةٍ بين المجمعَيْن. إن سُلطة المكافآت التي تُمنَح للرعاة، سلطةٌ مطلقةٌ للكنائس، لا تتداخل فيها أي سلطات أعلى. فإنَّ مجالس الكنائس لها الحريّات الكاملة في التصرف الماليّ. لذلك، فإنَّ النظام المشيخيّ، هو أفضل النظم الكنسيّة، التي تسمح لكل فرد بانطلاقته الحرة. والتي تسمح للتنظيمات الكنسيَّة، بالتصرف، بإرشاد روح الله، دون قيودٍ من سلطاتٍ أعلى، كما أنَّ النظام المشيخيَّ -وقد سمح للمجامع بانتخاب رؤساء أو أمناء- لم يسمحْ لأحد منهم “بسلطات مُطلَقة” دون العمل عن طريق اللجان المعيَّنة. إننا نفخر بالعمل المشترك ونشعر بأنَّ عمل “روح الله” مع الجماعات المنظمة داخل شعب الرب، هو الأسلوب الحقيقي السليم في تعليم العهد الجديد.

الأساس: الثقة في المنظَّمات الكنسيَّة

إنَّ أساس العمل “المشيخيّ” هو العملُ المشتَرَكُ للجماعة التي تمَّ “انتخابُها” أو “تعيينُها” حسب النظم الكنسيَّة الموضوعة. وعلى السُّلطات الكنسيَّة الأخرى أنْ تضع ثقتها في الأجهزة المنتَخَبة أو المعيَّنة، وأن تترك لها حريَّةَ العمل.

إنَّنا نعطي “مجلس الكنيسة” سلطاته وحريَّاته الكاملة. ولمجلس الكنيسة أنْ يعيِّنَ اللجان التي يراها مناسبةً، وينوط بكل لجنة عملَها الذي يُحدَّد لها، ويتركها تعمل. له الحق أن يحاسبَها إنْ أخطأتْ. إلا أنه ليس له الحق أنْ يوقفَها عن العمل، حتى يعطيها تعليمات خطوة بعد خطوة. إنَّه لا بد لمجلس الكنيسة أن يتعامل مع لجان تتعلَّم من الممارسة الصواب والخطأ. ولا بد له أنْ يعتبر أنَّ اللجان التي عيَّنها، ليست على مستوى “طفل” تمسك بيده في كل خطوة، بل على مستوى “النُّضجِ” والمسؤوليَّةِ في الاختصاصات التي نيطت بها. على مجلس الكنيسة أن “يثق” في لجانه ويخولها سلطات محدَّدة للعمل بحريَّةٍ.

وعلى “المجمع” أو “السنودس” أنْ يثق كلٌّ منهما في “لجانه” و”مجالسه” وأن يخوِّل كلًّا منها اختصاصاتٍ معيَّنةً، تكون لها حرياتها وانطلاقاتها للتحرك في دائرة هذه الاختصاصات.

ليس من المعقول أنَّ “مجلسًا” سنودسيًّا، لا يتحرك، حتى يمسك السنودس بيده خطوةً بعد خطوةٍ. فإنَّ “اللجان” و”المجالس” المنتَخَبة أو المعيَّنة، كلها تُشكَّل من أشخاص ملتزمين مسؤولين، ينبغي أن نثق بهم. فهم أشخاص يحملون المسؤوليّة أمام الله، وأمام الهيئة الكنسيَّة التي انتخبتْهم أو عيَّنتْهم. يعملون بإرشاد روح الله. وإلى جانب ذلك لهم أخطاؤهم كبَشَر.

دعونا نحمد الله لأجل نظامنا المشيخيِّ. لنفتخر بأنَّ “المشيخيَّة” أسلوبُ عمل، يتَّفق مع تعليم العهد الجديد. إنَّها الأسلوبُ الذي يتيح للجماعات العاملة، أنْ تشتغل بحريَّةٍ، وأنْ تحاط بثقةٍ من الهيئات التي انتخبتها أو عيَّنتها. إنَّ النظام المشيخيَّ هو أروع نظام يُبرز المواهبَ والوزنات، وبالتالي يعطي أكبر قدر من الفرص المتاحة، بمساواةٍ عادلةٍ للجميع. لنثبت “المشيخيَّة” أساسًا للخط الإداريِّ لعملِنا، ولنعطِ منظَّماتنا الكنسيّة أكبر قدر من الثقة والحرية للعمل دون قيود ودون عقبات.