حوار بنَّاء لأسرة أفضل
- Sermon By: القس إميل نبيل
- Categories: درسات نفسية وأجتماعية
الزواج الناجح ليس فقط رغبة كل زوجين، ولكنه أحد أهم المكونات المهمة لتماسك المجتمع واستقراره؛ فالأزواج الملتزمون بعهود الزواج لهم تأثير إيجابي ليس فقط على حياتهم الشخصية وعلى أبنائهم وأسرتهم الصغيرة، بل على مستقبل المجتمع ككل. فالأسرة السوية تفرز أفراد أسوياء، وهذا ما يجعل من الأهمية دراسة ما يدعم استقرار الزواج ونجاحه.
الجميع بالتأكيد يريدون الحصول على زواج متماسك وبيت سعيد، لكن الكثيرين لا يعرفون ما الأساسات اللازمة لبناء الأسرة السعيدة. في إحدى الدراسات وجد الباحثون أن من بين كل عشر زيجات فإن زيجة ناجحةً أو اثنتين فقط هي التي تحقق ما يُسمَّى “الألفة” في الزواج، وهو ذلك الرباط الخفي من الصداقة والتفاهم والالتزام. (جيمس دوبسون، زواج يدوم، 2013، ص6).
بالتأكيد لا توجد أسرة مثالية، ورغم تركيز وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة على حالات الانفصال وانهيار الزواج، لكن هناك أخبارًا مفرحةً أيضًا، فآلاف الأسر حول العالم تتمتع بالسعادة والاستقرار، هذا بالتأكيد لا يعني كونها خالية من المشاكل والتحديات، لكن يعني أنها تعمل بجهد وصبر لمواجهة كل ما يواجهها من مشاكل وتحديات.
كن من الأربعمائة السعداء
الأربعمائة السعداء هو اسم لمجموعة بحثية من 486 أسرة من خلفيات متنوعة جدًّا، ثقافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، متوسط عمر الزواج لهم 43 سنة، مضى على زواجهم ما بين عشر سنوات إلى 68 سنة، وغالبيتهم مضى على زواجهم 25 سنة، والعامل المشترك بينهم جميعًا هو أنهم يتمتعون بالسعادة في زواجهم. وبسؤالهم عن أهم الأمور التي ساعدتهم في الاحتفاظ بزواجهم والاستمرار سعداء، كان على رأس القائمة التي ذكروها التواصل الدائم والجيد والفعال. (كاريل كروجر، 222 فكرة مدهشة لكل زوجين، 2000، ص13).
يلعب التواصل دور الجسر الذي يربط بين حياتَيْ شخصَيْن ويخلق قدرةً وحريةً على الوصول الفعَّال لقلب الآخر وعقله. (جيمي ايفانز، زواج على الصخر، 2010، ص207). وهو الزيت الذي يجعل ماكينة الزواج تدور في سهولة ويسر، وكلما كان التواصل فعالًا كانت الأسرة سويةً. من المشكلات الرئيسة في أية أسرة غير سويةٍ غياب أو نقص التواصل والحوار الجيد. (جيم برونز، الأسرة السعيدة، 2012، ص145).
يقولون إن التواصل بالنسبة للعلاقات هو مثل الدم بالنسبة للجسم، فإذا غاب الدم يموت الجسم، وبالمثل إن غاب التواصل والحوار تموت العلاقة.
إننا بحاجة إلى فهم أهمية التواصل والحوار ودوره في الترابط الذي يحدث في الزواج. وبغض النظر عن طول مدة الزواج أو أي شيء آخر فكما يقول جيمي إيفانز: “لا يمكن لأي زوجين أن يدخلا في علاقة حقيقيةٍ حميمةٍ كزوجين دون تواصل صحيح” (جيمي إيفانز، ص208). فبعض الأزواج تزوجوا منذ أكثر من 40 سنة، لكنهم مازالوا لا يعرفون بعضهم جيدًا، ولا يزالون مبتعدين عن بعضهم البعض في علاقاتهم ولا يعرف أحدهما الآخر، ربما يتشاركان نفس البيت ونفس الغرفة، ولكنهما لا يتشاركان بأفكارهما ومشاعرهما بفاعلية؛ فهم لا يزالون غرباء. من المستحيل أن نبني زواجًا قويًّا من دون تواصل فعال وصحيح ومتدفق في الاتجاهين. إن التواصل والحوار الفعَّال هو ما يحقق الوحدة الحقيقية بين الزوجين عاطفيًّا ونفسيًّا وفكريًّا.
تُظهِر الأبحاث أن عدم تبادل الآراء والحديث يُعد سببًا رئيسًا لعدد كبير من حالات الانفصال؛ فالمشاكل التي لا تُناقَش بهدف الوصول لحلٍّ بشأنها هي أهم معاول هدم الزواج، بينما تبادل الحوار يقوِّي الرابطة الزوجية، فبدون تواصل يصل الزواج إلى نقطة تكون فيها حياة كل طرف لغزًا غامضًا لدى الطرف الآخر. يقول الأربعمائة السعداء عن التواصل: “نحن نشعر بالارتياح عند التحدث في أي موضوع، ويتدخل الأطفال في حديثنا عندما يكون الموضوع متعلقًا بالأسرة ككل، وبهذه الطريقة يتعلمون التواصل والحوار أيضًا، نحن نتبادل حديثًا عميقًا كل يوم، وأحيانًا نضطر أن نقاتل بحثًا عن الوقت ولكننا ننجح في النهاية”. (كاريل كروجر، ص16-17).
تكلم معي
يُعتَبَر الخرس الزوجي أحد أشهر أمراض الزواج شيوعًا، وهو العدوُّ الأول المدمِّر للزواج، وكثيرًا ما تكون الصرخة المكتومة داخل الصدور هي: تكلم معي!
في منطقة خط الاستواء هناك منطقة تُسمَّى حزام الركود الاستوائي، وهي منطقة كان يخشاها البحارة قديمًا بشدة؛ فهي منطقة تنعدم فيها الرياح وبالتالي فهي تهدد بغرق السفن حيث كانت السفن قديمًا تعتمد على الشراع وحركة الرياح في سيرها، إن انعدام الحديث والتواصل والحوار يقود إلى الركود العاطفي ويهدد بغرق الزواج.
نحتاج أن نتعلم فنَّ الحوار وكيفية التواصل، وليس ذلك فقط، بل أن ندرب أبناءنا أيضًا على ذلك إن أردنا لهم زواجًا ناجحًا في المستقبل، ربما نظن أن التواصل أمرٌ فطريٌّ، ولكن الواقع يقول إننا نحتاج لتعلُّم التواصل الجيد والحوار. إن فن التواصل لا يأتي بالفطرة عند معظمنا؛ فبعض الناس لا يحبون الكلام كثيرًا، والبعض الآخر يتكلمون باستمرار لكن دون أن يكون لكلامهم معنى حقيقي. وعندما نأتي للزواج، فهؤلاء الذين يتقنون هذه المهارة يكونون مؤهَّلين للتمتُّع بعلاقةٍ دافئةٍ مشبعةٍ ومثمرةٍ. أما الذين يفشلون في فهم بعضهم البعض فإنهم عادة ما يشعرون بالعزلة والوحدة وهذا يساهم بقوة في حدوث الطلاق. (جيمس دوبسون، ص51).


