مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

النسور صيف 2026_العدد (18)

فهرس موضوعات عدد صيف 2026

  • محتويات عدد النسور رقم 18 صيف 2026م

    افتتاحية رئيس التحرير د. ق. أندريه زكي

    في هذا العدد تقرأ القس محسن منير مدير التحرير

    ملف العدد: التأصيل اللاهوتي للتنمية وخدمة الإنسان

    صورة الله في الإنسان في الكتاب المقدّس المعنى والمضامين د. نقولا أبو مراد

    لاهوت التنمية الاجتماعية في الكنيسة الأولى: ما هي التنمية؟ أ. أمجد بشارة

    صورة الله في الإنسان، بحسب الفكر الإنجيلي المصلح القس سهيل سعود

    التنمية والعدالة الاجتماعية من منظور كتابي لاهوتي د. فينيس نيقولا

    اللاهوت البيئي (الإيكوثيولوجيا) في ليتورجيا الكنيسة: نحو وعي روحي ومسؤولية تجاه الخليقة القس جرجس جورج

    التدين المُعطل للتنمية    د. سامية قدري

    التنمية وإدارة المعرفة    د. رؤف حامد

     

    فكر التنمية السياسية في المجال العام: إبراهام كايبر نموذجًا د. ق. موريس يوسف

    التنمية المستدامة… اقتراب اجتماعي        د. ســامــح فـــوزي

    الانحياز اللّاهوتيّ للمُستضعفين          جورج إسحق

    الفئات المهمشة: نحو لاهوت تنمويّ يسترد الإنسان القس بيتر عادل

    الكنيسة الكاثوليكية في مصر: من الإحسان إلى التنمية الإنسانية المستدامة د. مريان منير

    من رواد العمل المسكونيّ والتنمويّ في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية: الأنبا صموئيل (1920-1981م) د. رامي عطا

     

    اجتماعات إخوة الرب: من الإغاثة إلى التنمية ومن العزلة إلى الاندماج رؤية رعويّة أوليّة القسّ عيد صلاح

    قراءة في كتاب: المجال العام: الحداثة الليبرالية والكاثوليكية والإسلام د. سامية قدري

    حوار مع الدكتور القس يوسف سمير الحائز على جائزة صموئيل حبيب في التنمية لعام 2026م

    شذرات كتابية: الشيخ أسامة رشدي

    ملحق العدد: التنمية وقضايا المجتمع المصريّ: قراءة في وثيقة الرأي الصادرة عن الهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة بمناسبة مرور 75 عامًا على إنشائها

الإنسان... نقطة التقاء الإيمان والتنمية

اسم الكاتب: الدكتور القس أندريه زكي

 كثيرًا ما يُنظر إلى التنمية بوصفها مفهومًا اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا، تُقاس نجاحاته بمعدلات النمو، أو بحجم المشروعات، أو بما يتحقق من تحسُّن في مؤشرات الدخل والخدمات. غير أن هذه الرؤية، على أهميتها، تظل قاصرةً إذا انفصلت عن السؤال الأعمق: من هو الإنسان الذي نريد أن ننمّيه؟ وما الأساس الذي يمنح التنمية معناها وغايتها؟

لا تبدأ الإجابة عن هذا السؤال من الاقتصاد، ولا من العلوم الاجتماعية، بل تبدأ من اللاهوت؛ من فهم الإنسان في ضوء قصد الله، ومن فهم رسالة الكنيسة في العالم؛ فاللاهوت المسيحي لا يتعامل مع الإنسان بوصفه موردًا اقتصاديًّا أو عنصرًا في معادلة التنمية، بل بصفته محور اهتمام الله وغايته. ومن هنا، فإن كل عمل تنموي لا ينطلق من كرامة الإنسان، ولا يسعى إلى تحرير طاقاته، ولا يعزز قدرته على المشاركة في بناء حياته ومجتمعه، يفقد روحه، مهما بلغت إمكاناته أو تنوعت برامجه. فليست التنمية في جوهرها مشروعًا لإدارة الفقر، بل مشروعًا لاستعادة الإنسان.

هذه الرؤية هي التي تفسر التحول العميق من مفهوم الإحسان إلى مفهوم التمكين؛ فالإحسان، على قيمته الأخلاقية والإنسانية، يستجيب لاحتياج حاضر، لكنه لا يضمن بالضرورة تغيير المستقبل. أما التمكين، فهو فعل إيمان بقدرات الإنسان التي أودعها الله فيه، وإيمان بأن الإنسان يستطيع أن يشارك في تغيير واقعه متى امتلك المعرفة، والمهارة، والفرصة، والمسؤولية.

وانطلاقًا من هذا، فإن خدمة الإنسان ليست نشاطًا موازيًا لرسالة الكنيسة، بل جزءٌ أصيلٌ منها. فالكنيسة لا تُستدعى إلى العالم لكي تنعزل عنه، وإنما لتكون حاضرة في قلبه، شاهدة لمحبة الله عبر خدمة الإنسان بكل أبعاده. وهذه الرؤية تتجاوز الثنائية التقليدية التي فصلت أحيانًا بين الكرازة والعمل الاجتماعي، أو بين خلاص النفس والاهتمام بقضايا المجتمع.

وتبرز هذه الإشكالية بوضوح عند التعامل مع مفهوم ملكوت الله ورسالة الكنيسة، فالخلاص لا يجب أن يُختَزل في بعده الفردي أو الأخروي وحده، ورسالة الإنجيل تشمل الإنسان كله؛ الإنسان الذي يعيش اليوم في المجتمع، كما تشمل رجاءه الأبدي. ومن ثم، فإن العمل الاجتماعي هو أحد التعبيرات الأصيلة عن حضور ملكوت الله في الواقع الإنساني، حيث تُترجم المحبة إلى عدالة، والإيمان إلى مسؤولية، والرجاء إلى عمل يغيّر حياة الناس.

وانطلاقًا من هذا الفهم، يصبح الإنسان هو نقطة البداية في كل جهد تنموي. فالتنمية الإنسانية هي “تنمية الناس، ومن أجل الناس، وبواسطة الناس”. وهذه العبارة ليست تعريفًا إجرائيًّا للتنمية فحسب، بل تعكس رؤية أنثروبولوجية ولاهوتية عميقة؛ إذ تؤكد أن الإنسان ليس موضوعًا للتنمية، بل هو صانعها وهدفها في آن واحد. ولهذا فإن التنمية الحقيقية لا تُفرض على المجتمعات من الخارج، بل تنبع من وعي الإنسان، ومن قدرته على المشاركة، ومن إيمانه بأنه مسؤول عن مجتمعه ومستقبله.

ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن تتطور مناهج العمل التنموي تدريجيًّا من تقديم الخدمات المباشرة إلى تنمية المجتمع، ثم إلى بناء القدرات، ثم إلى التنمية المرتكزة على الحقوق، وصولًا إلى التنمية القائمة على المتانة والمرونة المجتمعية. فهذا التطور لا يعكس فقط تغيرًا في الأدوات، بل يكشف عن تطور في فهم الإنسان نفسه. فكلما تعمق الوعي بقيمة الإنسان، ازداد الابتعاد عن النظرة التي تحصره في كونه مستفيدًا من الخدمات، واتسعت الرؤية التي تعدُّه شريكًا في صنع التغيير.

وتكتسب هذه الرؤية بعدًا لاهوتيًّا أعمق عندما ندرك أن الله، في الإعلان الكتابي، لم يخلق الإنسان ليعيش في التبعية أو العجز، بل ليكون مسؤولًا، ومشاركًا، ووكيلًا أمينًا على الحياة والخليقة. ولذلك فإن كل ممارسة تنموية تعزز المشاركة، وتنمي المسؤولية، وتوقظ روح المبادرة، إنما تتسق مع هذا القصد الإلهي. وعلى العكس، فإن كل ممارسة تُرسخ الاعتمادية، أو تُضعف المبادرة، أو تحول الإنسان إلى متلقٍّ سلبي، تبتعد عن هذا المقصد، حتى وإن حملت عنوان العمل الخيري.

ومن هنا نفهم لماذا لم تتوقف خبرة الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية عند تقديم الخدمات، بل جعلت التمكين هو فلسفتها الأساسية. فالغاية لم تكن مجرد تحسين الظروف المعيشية، وإنما الارتقاء بنوعية الحياة، وبناء الإنسان، وتعزيز قيم العدل والمساواة والمواطنة، وتقديم الخدمات لجميع المواطنين دون تمييز بسبب الدين أو الجنس أو المعتقد. إن هذا الالتزام لا ينبع فقط من رؤية تنموية حديثة، بل من قناعة لاهوتية بأن الإنسان، أيًّا كان انتماؤه، هو موضوع محبة الله، وأن خدمته هي تعبير عن الإيمان نفسه.

إن الكنيسة، وهي تخدم الإنسان، لا تسأل أولًا عن هويته الدينية أو الاجتماعية، بل ترى فيه إنسانًا، مخلوقًا على صورة الله، يحتاج إلى أن تُصان كرامته، وأن تُستعاد قدرته، وأن تُتاح له فرصة المشاركة في صناعة مستقبله.

ويبدأ التأصيل اللاهوتي للتنمية من حقيقة واحدة: أن الإنسان هو خليقة الله، وأن خدمته ليست واجبًا اجتماعيًّا فحسب، بل استجابة لإرادة الله في العالم. ومن هذه الحقيقة تنطلق كل المفاهيم الأخرى: التمكين، والعدالة، والمشاركة، والمواطنة، والحقوق، وبناء المجتمع. فهذه ليست مجرد مصطلحات تنموية، بل تعبيرات مختلفة عن رؤية لاهوتية واحدة تجعل الإنسان، بكل كرامته وإمكاناته، في قلب رسالة الكنيسة ورسالة التنمية.

وإذا كانت كرامة الإنسان هي نقطة الانطلاق في الرؤية اللاهوتية للتنمية، فإن العدالة هي الإطار الذي تتحقق فيه هذه الكرامة على أرض الواقع. فالإيمان المسيحي لا يكتفي بالإعلان عن قيمة الإنسان، بل يدعو إلى إقامة علاقات ومؤسسات وسياسات تُجسِّد هذه القيمة في حياة الناس. ولهذا لا يمكن فصل التنمية عن العدالة، ولا يمكن فهم رسالة الكنيسة بمعزل عن مسؤوليتها تجاه المجتمع الذي تعيش فيه.

إن التحول الذي شهده الفكر التنموي في خلال العقود الأخيرة لم يكن مجرد انتقال من منهج إلى آخر، بل كان انتقالًا من الاهتمام باحتياجات الإنسان إلى الاهتمام بحقوقه. وهذه النقلة تعبِّر في جوهرها عن رؤية أخلاقية ولاهوتية ترى أن الإنسان لا ينبغي أن يبقى في موقع المتلقي الدائم للمعونة، بل ينبغي أن يصبح شريكًا كاملًا في صناعة مستقبله، وقادرًا على المطالبة بحقوقه، والمساهمة في اتخاذ القرارات التي تمس حياته.

وهذا الفهم يجد جذوره في اللاهوت المسيحي ذاته. فالله، في علاقته بالإنسان، لا يعامله بوصفه تابعًا فاقد الإرادة، بل شريكًا مسؤولًا. ولذلك فإن كل ممارسة تُعيد للإنسان صوته، وتُنمِّي قدرته على المشاركة، وتُخرجه من دائرة التهميش، هي ممارسة تنسجم مع المقصد الإلهي. فالتمكين ليس مجرد تقنية تنموية، بل هو تعبير عن احترام الإنسان بوصفه كائنًا حرًّا ومسؤولًا، قادرًا على اتخاذ القرار والمشاركة في صناعة الخير العام.

ويلتقي هذا الفهم بصورة عميقة مع مفهوم ملكوت الله؛ فالملكوت ليس انسحابًا من العالم، ولا انتظارًا للمستقبل فقط، بل هو حضور لقيم الله داخل التاريخ، حيث تتجسد المحبة في العلاقات الإنسانية، وتُترجم البركات الروحية إلى مسؤولية اجتماعية، ويصبح الدفاع عن الكرامة الإنسانية جزءًا من الايمان  

ولهذا فإن التنمية، في منظور الإيمان، ليست مشروعًا اقتصاديًّا فحسب، بل هي رسالة مصالحة؛ مصالحة الإنسان مع ذاته حين يستعيد ثقته بقدراته، ومصالحة الإنسان مع مجتمعه حين يصبح شريكًا في بنائه، ومصالحة المجتمع مع قيم الحق والعدل التي تجعل الحياة المشتركة ممكنة ومثمرة.

ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه الكنيسة اليوم لا يتمثل في اتساع حجم الاحتياجات، بل في قدرتها على الحفاظ على هذا الفهم اللاهوتي للتنمية. فكلما انحصر العمل الاجتماعي في تقديم المساعدات فقط، فقد جانبًا من رسالته. وكلما تحول إلى نشاط إداري أو مؤسسي مجرد، انفصل عن جذوره الإيمانية أما عندما يبقى الإنسان، بكل أبعاده الروحية والإنسانية والاجتماعية، في قلب الرؤية، فإن التنمية تتحول إلى فعل رجاء، وإلى شهادة عملية لمحبة الله في العالم.

لهذا فإن مستقبل التنمية لا يتوقف على حجم الموارد، بقدر ما يتوقف على وضوح الرؤية.  وهكذا، فإن التأصيل اللاهوتي للتنمية ليس محاولة لإضفاء لغة دينية على العمل الاجتماعي، بل هو إعادة اكتشاف الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن الكنيسة ولا عن المجتمع: أن الإنسان هو نقطة التقاء الإيمان بالتنمية، وأن خدمة الإنسان ليست مجرد واجب أخلاقي، بل مشاركة في قصد الله من أجل العالم؛ قصدٍ يرفع الإنسان، ويصون كرامته، ويؤهله ليكون شريكًا في صناعة مستقبل أكثر عدلًا، وأكثر سلامًا، وأكثر إنسانية.

في هذا العدد تقرأ

اسم الكاتب: محسن منير.

يقدم هذا العدد «التأصيل اللاهوتي للتنمية وخدمة الإنسان» في مقالاتٍ عميقة.

يفتتح العدد الفاضل الدكتور أندريه، رئيس التحرير، بشرح فكرة أن التنمية الحقيقية، في منظور الإيمان المسيحي، ليست مجرد أرقامٍ اقتصاديةٍ أو مشروعاتٍ خدمية، بل هي مشروعٌ قِيَمِيٌّ يستهدف استعادة الإنسان وصون كرامته التي أرادها الله له. ويؤكد أن التحول الجوهري من ثقافة الإحسان التقليدي إلى فلسفة التمكين والمشاركة يعكس فهمًا لاهوتيًّا عميقًا للإنسان كشريكٍ مسؤولٍ وصانعٍ للتغيير، وليس مجرد متلقٍّ سلبي. وتظل الكنيسة، من خلال مؤسساتها، كالهيئة القبطية الإنجيلية، ملتزمةً بخدمة المجتمع دون تمييز، ترجمةً عمليةً لقيم ملكوت الله المتمثلة في العدالة والمحبة. وفي النهاية، يبقى الإنسان هو الركيزة الأساسية ونقطة الالتقاء الجوهرية التي يتكامل فيها الإيمان مع العمل التنموي؛ لبناء مستقبلٍ أكثر عدلًا وإنسانية.

وتحت عنوان «صورة الله في الإنسان في الكتاب المقدس– المعنى والمضامين»، يقدم د. نقولا أبو مراد شرحًا عميقًا وتفصيليًّا وشاملًا للنص الكتابي: «لنصنعن إنسانًا على صورتنا كشبهنا» (تكوين 1: 26). والذي يعبر عن مقصد الله من خلق الانسان، موضحًا كيف أنه في إتمامه تحقق الهدف منه. وفي خاتمه المقال يقدم السند والخلفية لهذه الدعوة الإلهية.

وتحت عنوان “لاهوت التنمية الاجتماعية في الكنيسة الأولى” يقدم الأستاذ/ أمجد بشارة مقالًا غزيرًا يشرح فيه ما هو لاهوت التنمية؟ تحت العناوين التالية:

 ١) لاهوت التنمية عند الآباء

 ٢) من العهد الجديد

 ٣) تأكيد على الممارسة والعمل

 ٤) حجز أجر العامل وقداسة الضعفاء

 ٥) البنية الطبقية للمجتمع ومشيئة الله

٦) تأثير أوغسطينوس في الفكر الاجتماعي

وتحت عنوان «صورة الله في الإنسان، بحسب الفكر الإنجيلي المصلح»، يقدم القس سهيل مسعود شرحًا شاملًا لهذا الموضوع، انطلاقًا من أن صورة الله في الإنسان هي الميزة التي تميزه عن سائر المخلوقات. ويرى أن النقطة الفاصلة التي أدت إلى تكوين مفاهيم مختلفة بين الكنائس المسيحية حول حالة الإنسان تتمثل في السؤال: «ما الأثر الذي تركه سقوط آدم في الخطية على صورة الله في الإنسان؟».

تحت عنوان «التنمية والعدالة الاجتماعية من منظور كتابي لاهوتي»، تقدم د. ڤينيس نقولا بحثًا عميقًا ومختصرًا، موزعًا على ثلاثة عناوين رئيسة: ١) ما القصة؟ ٢) ما العدالة الاجتماعية؟ ٣) مسؤولية الكنيسة (في الجانب العلمي والعملي).

يقدم القس جرجس جورج بحثًا عميقًا بعنوان «اللاهوت البيئي (الإيكوثيولوجيا) في ليتورجيا الكنيسة: نحو وعي روحي ومسؤولية تجاه الخليقة». ويتناول البحث خمسة عناوين رئيسة: ١- الأهمية، ٢- الإيكوثيولوجيا والليتورجيا في الكنيسة المشيخية المصرية، ٣- الإيكوثيولوجيا: التفسير والقضايا اللاهوتية، ٤- الليتورجيا في الكنيسة الإنجيلية المشيخية، ٥- تحليل نقدي لليتورجيا الإيكوثيولوجية في الكنيسة الإنجيلية المشيخية. وفي الختام، يطرح نموذجًا لليتورجيا مستلهمًا من الرؤية الإيكوثيولوجية، يدمج بين العبادة والوعي البيئي.

وفي دراسةٍ عميقةٍ ومهمةٍ جدًّا، تناقش الدكتورة سامية قدري إشكالية تحول التدين في المجتمع من طاقةٍ روحيةٍ دافعةٍ للبناء والإنتاج إلى نمطٍ شكلي وطقوسي مفرغ من المضمون الأخلاقي والقيمي. ويتسبب هذا التدين المظهري في خلق «ضميرٍ مزيف»، يمنح الأفراد شعورًا زائفًا بالرضا النفسي والنجاح الأخلاقي بمجرد أداء الشعائر والعبادات الخارجية، حيث يؤدي هذا الانفصام السلوكي إلى ممارساتٍ سلبية، كالرشوة والفساد، والتحلل من الأمانة وإتقان العمل، مما يحول الدين إلى عائقٍ بنيوي أمام التنمية. وتنعكس تداعيات هذا النمط سلبًا على مختلف أبعاد المجتمع، من خلال تعطيل الإنتاج الاقتصادي، وتهميش دور المرأة اجتماعيًّا، وقتل روح المبادرة والابتكار نفسيًّا.

تحت عنوان «إدارة المعرفة والتنمية»، يقدم الدكتور محمد رؤوف حامد مقالًا عميقًا وغزيرًا، يعبر فيه عن تقديره لمجلة «النسور» والقائمين عليها لاهتمامهم بمسألة «إدارة المعرفة والتنمية». ثم يبدأ رحلةً طويلةً وعميقةً مع القارئ عبر أربع خطوات، هي: ١) الوصول إلى نظرية التقدم الأسمى، ٢) المعرفة… لماذا؟ والتنمية… كيف؟ ٣) الإبداع المجتمعي، وليس مجرد التعايش المشترك، ٤) الإشكاليات المتداخلة سلبًا مع دور المعرفة في التنمية.

وتحت عنوان «فكر التنمية السياسية في المجال العام: أبراهام كايبر أنموذجًا»، يقدم د. ق. موريس يوسف، راعي الكنيسة المشيخية بلاكرسانتا، لوس أنجلوس، كاليفورنيا، بحثًا عميقًا ومختصرًا. ويبدأ بتعريف القارئ بأبراهام كايبر، ثم يعلن أن السؤال الذي تجيب عنه هذه الدراسة هو: ما الذي جعل أبراهام كايبر، وهو اللاهوتي الكالفيني المجدد والأستاذ الجامعي، ينشغل بفكر التنمية السياسية في المجال العام؟ وما الأسس اللاهوتية التي بنى عليها كايبر دعوته إلى العمل السياسي؟ ويرى الكاتب أن هذه الأسس ثلاثة، ثم يشرحها، وهي: أ) عقيدة سلطان الله المطلق، ب) عقيدة النعمة العامة، ج) علاقة الإنجيل بالحضارة.

يقدم د. سامح فوزي مقالًا مركزًا وشاملًا وعميقًا. وفي البداية يوضح أن التنمية، في أبسط معانيها، تعني التغيير الاجتماعي إلى الأفضل، وأن عنوانها الأساسي هو الحد من الفقر بكل تبعاته. ويبدأ بتعريف التنمية، ثم يستعرض نظريتين للتنمية، ويقدم بعد ذلك شرحًا لفكر الاستدامة، ثم يتناول مفهوم التنمية المستدامة. ثم يقدم إجابةً عن سؤالٍ مهم: «لماذا يتصدر الفقراء التنمية؟». كما يقدم شرحًا لمفهوم «التنمية متعددة الأبعاد»، ويستعرض فيه الأهداف السبعة عشر للتنمية المستدامة، ثم يبلور أهم سمات هذه الأهداف في أربع سمات.

تحت عنوان «الانحياز اللاهوتي للمستضعفين»، يقدم جناب الشيخ جورج إجابةً شاملةً وعميقةً عن سؤالٍ لاهوتي عميق: «هل يمكن أن يوجد لاهوت تحرير عربي متجذر في واقع الظلم والاستبداد، دون أن يفقد جوهر النعمة والسيادة الإلهية كما فهمها اللاهوت الكالفيني؟». ثم ينطلق، بعد الإجابة عن هذا السؤال، إلى تطبيقٍ مُلح حول كيفية حفاظ الكنيسة العربية على ولائها للإنجيل، وفي الوقت نفسه انحيازها إلى الضعفاء، ويعرض ذلك تحت أربعة عناوين أساسية:

١) النعمة العامة وفك الاشتباك بين الخلاص والإصلاح.

٢) نطاق السيادة، بوصفه حصنًا ضد الاستبداد والتهميش.

٣) المقاومة التشريعية عبر «الوكلاء الشرعيين» وأَنسنة القوانين.

٤) أنثروبولوجيا الصورة الإلهية، بوصفها بديلًا لاهوتيًّا للصراع الطبقي.

وفي مقالٍ للقسيس بيتر وديع، يشرح لنا، بأسلوبٍ بسيطٍ وعميق، أن مفهوم «التنمية» في فكر الملكوت يتجاوز مجرد تحسين ظروف المعيشة، ليصل إلى «استرداد الكرامة» وإعادة المبعدين إلى قلب الجماعة. ويرى أن قراءة موقف المسيح من الفئات المهمشة ليست مجرد استرجاعٍ تاريخي، بل هي الأساس المعياري لأي فكرٍ تنموي مسيحي معاصر يسعى إلى تحقيق العدالة واسترداد «صورة الله» في الإنسان، التي شوهتها الهياكل الطبقية والدينية والاجتماعية.

تحت عنوان «الكنيسة الكاثوليكية في مصر: من الإحسان إلى التنمية الإنسانية المستدامة»، تكتب د. ماريان منير مقالًا عمليًّا يتناول التحول الذي شهدته الكنيسة الكاثوليكية في مصر نحو نموذج التنمية الإنسانية المستدامة. وتعرض الدراسة ذلك تحت العناوين الرئيسة التالية: «نطاق البحث»، و«إشكالية البحث»، و«أهداف البحث»، و«منهجية البحث»، و«خدمة الجميع دون تمييز»، و«الارتباط بأهداف التنمية المستدامة دون فقدان الخصوصية الكاثوليكية».

يقدم د. رامي عطا صديق، في مقاله بعنوان «من رواد التنمية والعمل المسكوني.. الأنبا صموئيل (١٩٢٠–١٩٨١)»، عرضًا غزيرًا وعميقًا للدور الفاعل والعميق الذي قام به نيافة الأنبا صموئيل. يبدأ بعرض مختصر وعميق عن نشأته ودراسته في الخارج ورسامته أسقفًا ووفاته ورحيله. ثم إنجازات نيافة الأنبا صموئيل في الأسقفية في العمل المسكوني، والدور الوطني لنيافته. ثم يعرض مجالات عمل أسقفية الخدمات في الصحة والتعليم، التنمية الاقتصادية، الاستدامة البيئية، تطوير القدرات، بناء السلام، دعم اللاجئين، وخدمة “قم وامشِ” لرعاية ذوي الإعاقة، والعمل المناخي، وخدمة أغابي، وتمكين المرأة. ثم يختم المقال بملخص يؤكد الدور الجاد والمتميز والفعال الذي قام به نيافة الأنبا صموئيل.

يقدم القس عيد صلاح رؤيةً رعويةً وعمليةً تحت عنوان «اجتماعات أخوة الرب: من الإغاثة إلى التنمية ومن العزلة إلى الاندماج»، متبعًا المنهج التحليلي القائم على الرصد والوصف والتحليل، مع الاستفادة من الخبرة الميدانية في العمل الرعوي والاجتماعي. ويطرح ذلك في ثلاثة محاور: ١) الوصف الحالي، ٢) خبرتي الرعوية مع هذه الخدمة، ٣) بعض الحلول: أ- فك الارتباط بين المجيء إلى الكنيسة والدعم المادي، ب- تحول الخدمة من فكر الإغاثة إلى منطق التنمية، ج- التحول من العزلة إلى الاندماج، د- غلق جميع الاجتماعات المسماة «أخوة الرب»، وإنشاء مكاتب للرعاية الاجتماعية.

تقدم د. سامية قدري ملخصًا لكتاب «المجال العام: الحداثة الليبرالية والكاثوليكية والإسلام» في فصوله الأربعة، كما تقدم مقالًا بعنوان «التدين المعطل للتنمية». وبعد مقدمةٍ مختصرة، تتناول الموضوع تحت ثلاثة عناوين: أ) جدل الدين والتدين، ب) أنماط التدين (خمسة أنماط)، ج) تداعيات التدين الشكلي على التنمية.

وبمناسبة حصوله على جائزة صموئيل حبيب للتميز في العمل الاجتماعي، يأخذنا ق. عيد صلاح في رحلةٍ مع الفائز، الدكتور يوسف سمير، في حوارٍ شديد الخصوصية والغنى.

يقدم الشيخ أسامة رشدي أربع شذراتٍ كتابيةٍ عميقةٍ وعمليةٍ ومختصرة، تحت أربعة عناوين: «همسة عتاب»، و«عند قدميه»، و«جاري البحث»، و«جواهر ثمينة».

في ملحق العدد، وتحت عنوان «التنمية وقضايا المجتمع المصري»، يقدم القس عيد صلاح قراءةً تحليليةً عميقةً في وثيقة الرأي الصادرة عن «الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية» بمناسبة مرور ٧٥ عامًا على إنشائها. ويبدأ بتعريف الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، ثم يستعرض الفلسفة التي انطلقت منها في عملها وخدمتها، قبل أن يعرض الخدمات التي تناولتها الوثيقة عبر مسيرة الهيئة في مصر، ويبلورها فيما يلي:

١) ملخص تحليلي ويشمل القضايا الرئيسية في الوثيقة.

٢) ما تميزت به الوثيقة ويبلورها في:

   أ. الشمولية وتعدد القضايا وتنوعها

  ب. الانسجام مع الأجندة الوطنية والدولية في إطار الفكر التنموي

٣) في التقييم العام يضع القس عيد (١٠) سمات تميزت بها الوثيقة.

صورة الله في الإنسان في الكتاب المقدَّس المعنى والمضامين

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: د. نقولا أبومراد

 
يشغل موضوع صورة الله في الإنسان حيّزًا واسعًا في الكلام اللاهوتيّ، وله في فكر الكنيسة موضعٌ مهمٌّ لا سيَّما من جهة معنى تمثّل الإنسان صورةَ الله ومفاعيلِ هذا على الحياة المسيحيّة والممارسة الكنسيّة وأيضًا على التعليم المسيحيّ الخاصّ بالإنسان. سوف أحاول، في هذه المقالة، أن أتلمّس التعليم الكتابيّ حول موضوع صورة الله في الإنسان، وذلك بواسطة البحث في ورودِ الآية التي تتحدّث عنها، في قصّة الخلق في مطلع سفر التكوين. 
 
«لنصنعنّ إنسانًا على صورتنا ومثالنا» (تكوين 1: 26)
 
بهذا القول الإلهيّ يفتتح الكاتب رواية خلق «الإنسان». وتختلفُ الفقرة التي تتحدّث عن خلق الإنسان (تكوين 1: 26-28)، في جوانب عدّة منها، عمّا نجده في الفقرات السابقة التي تتحدّث عن خلق الكائنات الأخرى. من وجوه هذا الاختلاف المهمّة غيابُ لازمة «ورأى الله أنّه حسن»، التي ترد سبع مرّات في تكوين 1: 1-2: 3؛ بعدَ إيجاد النُّور، وخروج اليابسة من البحار، وخلق النبات، والنيّرين والنجوم، وأسماك البحار، وحيوانات الأرض. 
 
والاختلاف البارز الآخر هو استعمال صيغة المتكلّم الجمع في قول الله «لنصنعنّ إنسانًا على صورتنا كمثالنا». بدايةً، تجدر الإشارة إلى أنّ هذا هو الموقع الوحيد في تكوين 1 حيث ينقل النصُّ كلامًا عن الله يشير فيه إلى نفسه، وذلك في صيغة المتكلّم الجمع. في جميع الأحاديث الأخرى التي ترد على لسان الله في قصّة الخلق، نقعُ على أوامرَ منه إلى الأشياء والكائنات لتوجد. أمّا في المقطع الخاص بخلق الإنسان، فتحضر الذات الإلهيّة بصيغة المتكلّم في فعل “لنصنعنّ”، والتي توحي بأنّ الله يتحدّث إلى ذاته، أو يحثّ نفسَه على خلق الإنسان، وكأنّه هو الآمر والمأمور في آنٍ، إذا صحّ التعبير. وبعد ذلك يحضر الله بنفسه، في الضمير المتّصل لجمع المتكلّم، في قوله “على صورتنا ومثالنا”، حيث الإشارة إلى الله بصفته أصلًا سيكون الإنسان صورةً له ومثالًا. 
 
إذًا، يتميّز الحضور الإلهيّ في هذه الفقرة عن حضوره في غيرها من الفقرات. وهذا مردّه إلى الأهمّية التي يضعها الكاتب على هذا الجزء من رواية الخلق، لا سيّما من حيث ارتباطه بالروايات اللاحقة عن سقوط الإنسان وما يليه. لماذا هذا التغيير في الأسلوب عند هذه النقطة؟ ولما لجأ الكاتب إلى صيغة المتكلّم الجمع؟ سأحاول أن أجيب عن هذين السؤالين.
 
من جهة الصيغة، كُتِب كثيرٌ في تعليل استخدام جمع المتكلّم في هذا القول؛ عند عديدٍ من آباء الكنيسة أنّه يشير إلى الثالوث. ورأى فيه مفسّرون معاصرون جمعًا للتفخيم، ومنهم مَن استند إلى تاريخ الأديان القديمة ليرى فيه صورةً عن تشاورِ الله مع مجمع إلهيّ، أو مع ذاته. واعتبر بعضُ الدارسين أنّ الله المتكلّم بصيغة الجمع يريد أن يضمّ الإنسان، كلَّ إنسانٍ، بما في ذلك القارئ، إلى المشورة بشأن الخلق، ليكون فعل “نصنعنّ” دعوةً للإنسان لكي يعي أنّه مخلوق من الله، ويتعاوَن مع الله في عمله الخالق بحيث يبلغُ هذا الخلق تمامَه.
 
في قراءتي أنّ الغنى المعنويّ الواسع لهذه الجملة يفتح أمامنا إمكانيّاتٍ أخرى للتأويل، من شأنها أن تكشف أبعادًا عميقة في النصّ. ولكنْ، قبل عرضِ تأويليْ لاستعمال الجمع هنا وتعليله أودّ أن أعلّق على بعض ما توحي به بنية هذه الفقرة، وما يرد فيها من أبعاد معنويّة (تكوين ١: ٢٦-٢٨).
 
نلاحظُ أنّ كلام الكاتب عن خلق الله للإنسان “على صورته، كمثاله (تكوين ١: ٢٦-٢٧)، متّصلٌ، في موضعَين متوازيَين (الآية 26ب والآية 28)، بتسلّط الإنسان “على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كلّ حيوانٍ يدبّ على الأرض”. ويأتي التوازي على الشكل الآتي: 
 
آ 26(أ)، وقال الله، لنصعنّ إنسانًا على صورتنا ومثالنا، 
(ب) فيتسلّطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كلّ الأرض…
آ 27، فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكرًا وأنثى خلقهم،
آ28، وباركهم الله وقال لهم… املأوا الأرض وأخضعوها، وتسلّطوا على سمك البحر…
 
نرى توازيًا واضحًا بين آ26(أ) وآ27، قائمًا على تكرار الكلام عن خلق الإنسان على صورة الله. يقابله توازٍ بين آ26(ب) وآ28، فيه تكرار لفكرة تسلّط الإنسان على الأرض وما عليها. غير أنّ هذا التوازي لا يخفي اختلافًا أساسيًّا بين ما يرد في صيغة قرار الله بشأن صنعِ الإنسان (آ26أ)، حيث نجد عبارتي “صورة” و”مثال”، وبين الصيغة الواردة في الحديث عن تنفيذ هذا القرار في آ27، حيث تتكرّر عبارة “صورة”، وتغيب عبارة “المثال”. كما نلاحظ أنّ عبارة “صورته/ صورة الله” تأتي في صيغة أدبيّة تضمينيّة تتوسّط فيها هذه العبارة التأليف، وتبدأ وتنتهي بخلق الله للإنسان في الجزأين الأوّل والثاني من الآية 27 (“فخلق الله الإنسان على صورته/ على صورة الله خلقه”). والغرض من هذه البنية التضمينيّة الشائعة جدًّا في أدب الكتاب المقدّس، التوكيدُ على العنصر التأليفيّ الأوسط وإبرازُه، وهو هنا جملة “على صورة الله”، ما يعني أنّ غائيّة خلق الإنسان في بداية نصّ التكوين، تكمن في أن يكون “على صورة الله” أو لا يكون. 
 
من جهة أخرى، نلاحظ توازيًا بين الجزء الأوسط من هذه الآية (آ 27)، وجزئها الأخير، يأتي على هذا الشكل: “(1) فخلق الله الإنسان على صورته/ (2) على صورة الله خلقه/ (3) ذكرًا وأنثى خلقهم”. الموازاة هي بين جملة “على صورة الله” في الجزء (2)، وجملة “ذكرًا وأنثى” في الجزء (3)، وبين جملة “خلقه” في الجزء (2)، وخلقهم في الجزء (3). والغاية، في العادة من البنية المتوازية في أدب الكتاب المقدّس، أن ينبه الكاتبُ القارئَ إلى علاقة بين العناصر المتوازية. والعلاقة التي ينبّهنا إليها هنا هي بين الخلق على صورة الله وكونِ الإنسان قد خُلق ذكرًا وأنثى. فما هو وجه هذه العلاقة؟ إنّ الجواب عن هذا السؤال يساعدُ في تبيان وجه من وجوه استعمال عبارة “صورة الله” ومدلولاتها. فإذا كان تعبير “الذكر والأنثى”، في العادة، متّصل بالتوالد، أي باستمرار الحياة، فإنّ التوازي مع “صورة الله” يعني أنّ جانبًا من جوانب أن يكون الإنسان على صورة الله، هو في كونه مخلوقًا ليسهر على استمرار الحياة وتنميتها. هذا من جهة. 
 
أمّا من جهة أخرى، وبالعودة إلى بنية الفقرة الأساسيّة كما أوردناها أعلاه، نرى أنّ الكلام عن خلق الإنسان يأتي متبوعًا في آ26ب وآ28 بكلام عن تسلّط الإنسان على “سمك البحر وطيور السماء والبهائم وكلّ الأرض”. وفي قراءتي أنّ هذا التكرارَ والتوازي بين آ26ب وآ28، يهدف إلى إبراز ارتباط وثيق بين الخلق على صورة الله وبين الدعوة إلى تسلّط الإنسان، تضاف إلى الارتباط بين صورة الله وكونِ الإنسان قد خُلِق ليتوالَد، أي ليكون مطرحًا ومعبرًا للحياة في آنٍ. 
 
بناءً على صوغ هذه الآيات على هذا النحو، وما سيردُ لاحقًا في كتاب التكوين، لا سيّما في تكوين 2-3، يمكن القولُ إنّ تحقّق كون الإنسان صورةً أو ظلًّا لله على الأرض، إنّما هو، بالضبط، في «إخضاع الإنسان للأرض» وفي «تسلّطه على الحيوان».
 
ولفهم عمق هذا الارتباط بين “الصورة” و”السلطة”، أرى من الضرورة أن أشير إلى معاني المفردات المستعملة. في كلامه هذا عن الإنسانِ وخلقه، يستعمل الكاتب مفرداتٍ خاصّةً بالملكيّة: الصورة،  والمثال،  وكذلك فعلَيْ “أخضع”  و”تسلّط”،  اللذين يُستعملان مرارًا في أسفار الكتاب ليفيدا سيطرةَ الملوكِ وسيادتهم على شعوبهم أو على الشعوب والأمم الأخرى.  إنّ الجمع، في هذه الفقرة، ما بين فعلين يتضمّنان مفهومَ القوّة واستعمالها في الحرب وعبارتين تدلاّن على العلاقة ما بين الملك والإله، مقصودٌ، وله دلالاتُه المهمَّة على مستوى فهم المنحى الذي سوف يتّخذه تأليف الرواية في أسفار الكتاب. فعلى المستوى المعنويّ، يفيدُ الجمع بين هذه العبارات الأربع أنّ تحقّق كون الملك هو صورة الإله، أو ظلّه، أو تمثاله، إنّما هو في فعل الحرب واستعمال القوّة لكيما يبسط الملك سيطرته وحكمه وسيادته على شعب أو شعوب. وعليه، فإنّ الكاتب لا يكتفي هنا باستعمال عبارتي “الصورة” و”المثال”، اللتين تشيران إلى الملك، ولكنّه يربط استعمالهما بتحقّق الملكيّة في الإخضاع والتسلّط بواسطة الحرب والقوّة.  غير أنّ الكاتب يعطي هنا معنًى جديدًا خاصًّا به لـمفهومَي “التسلّط” و”الإخضاع” بالعلاقة مع “الصورة” و”المثال”، يختلف عن المعنى المعروف في السياقات الملكيّة. 
 
ولاستشفاف هذا المعنى، لا بدّ من مواصلة قراءة الفقرة في آ 29–30، حيث الكلام عمّا يأمرُ الله الإنسان بأن يأكله هو والحيوان.  وفق هاتين الآيتين ينتفي قتل الإنسانِ للحيوانِ بداعي الأكل، فهو لا يأكل إلاّ البقول والثمار. كما ينتفي افتراسُ الحيوان للإنسان ولغيره من الحيوانات، ذلك لأنّه لا يأكل إلاّ عشب الأرض. وعليه، فإنّه ليس في تسلّط الإنسان على الحيوان وإخضاعه أيّ عنف أو قتل أو إراقة للدماء، كما في مدلول العبارتين في استعمالهما في السياق الملكيّ، حيث ترتبطان، كما رأينا، ارتباطًا وثيقًا بالقتل وسحق “الأعداء” في الحرب. تفسيري لهذا هو أنّ الكاتب يعبّر هنا، بتحوير معنى العبارات وتوجيهها نحو مدلولات جديدة، عن موقفٍ مناهضٍ ليس فقط للملكيّة في مفهومها التاريخيّ، بل أيضًا، وعلى نحوٍ خاصّ، لتجلّيها في القوّة والحرب. في هذه المدلولات الجديدة يتّخذ السلام بين الإنسان والحيوان مكانةً مهمَّة.  يتماشى هذا التفسير مع التوجّه العامّ لسائر الروايات اللاحقة حيث تُدانُ الحرب بصورة القتل وبذاتها، كما سوف نرى. 
 
فما الذي يعنيه إخضاعُ الحيوانات والتسلّط عليها في هذا السياق، ولماذا تشديدُ الكاتب على العلاقة ما بين هذا وبين كون الإنسان مخلوقًا على صورة الله ومثاله؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من العودة إلى ثقافات الشرق القديم ومكانة الحيوان في الحضارات. كان الحيوان في الشرق القديم، ولا يزال إلى اليوم في كثير من السياقات الحضاريّة، رمزًا للقوّة والبطش والبأس، وقد استُعملت صور حيوانات، ولا سيّما القويّة والمفترسة منها، كالنسر والثور والأسد والتنّين وغيرها، لتمثيل هذه القوّة والتعبير عنها، خصوصًا في شكلها الملكيّ والحربيّ.  بالمعنى المطلق، نجد الإنسان يصوّر بواسطة الحيوانات ما يسعى إليه من قوّة كبيرة وسلطان، ليصير ما يرمز إليه الحيوانُ المفترسُ هو المبتغى. وإنّ السعي إلى التمثّل بالحيوان المفترس يراه الإنسان سعيًا إلى بسط سيطرته، وسلطانه، وتجسيد قوّته وبأسه. يرفض كاتب التكوين هذا الأمرَ، ويعلّم أنّ الإنسان لا يكونُ إنسانًا حينَ يصير مثالاً وصورةً لحيوان، مهما كان، بل هو مثالُ الله وصورتُه متحقّقان، بالضبط، في إخضاع الحيوان والتسلّط عليه. وإذا صحّ أنّ الحيوان هنا هو ذاك الذي يسعى الإنسان إلى تحقيقه في ذاته عبر سعيه إلى القوّة بالحرب والقتل، فإنّ مفاد ما يقوله الكاتب هو أن يُخضع الإنسان ذلك المسعى، تلك الحيوانيّة أو البهيميّة التي في ذاتِ الإنسان محوّلاً إيّاها إلى سلام، ونظام، وتناغم، وحسن، على مثال خلق الله. على الإنسان أن يقتحم العدائيّة في ذاته، وينتصر عليها، ويسحقها، ويحوّلها إلى سلام. بهذا السلام، المتمثّل في تكوين 1: 29–30 في صورة اشتراك الإنسان والحيوان معًا في تناول ما أنبته الله على الأرض طعامًا، بلا قتل أو أعراق دمٍ، تتحقّق ملكيّةُ الإنسان، ويصير الإنسان أهلاً لأن يمثّل الله في الحفاظ على حسن الخليقة وخيرها. 
من هذا المنطلق أعود إلى استعمال صيغة جمع المتكلّم في الكلام الإلهيّ، في بداية هذه الفقرة. في قراءتي أنّ استعمال الجمع هنا مرتبط بهذا السياق الحضاريّ الملكيّ الذي أشرت إليه. إلى جانب رفضه للقوّة المتمثّلة في الحرب كما ذكرت، يرفض هذا النصّ المبرّرات الدينيّة لاستعمال القوّة في الحرب، وأهمّها الارتباط بين الملك والإله. عندما يضع الكاتب على لسان الله كلامًا بصيغة الجمع، فهو يُخاطِب العقلَ البشريّ التائق إلى التمثّل بالآلهة. ويقول لهذا العقل إنّ التمثّل الذي يدعوك إليه هذا الإله الخالق في تكوين ١ هو التمثّل به وحده، وذلك لأنّه يختصر في ذاته كلّ الألوهة، فهو “الآلهة” بمعنى أنّ هذه الصفة لا تليق إلاّ به، ولا إلهَ حقيقيّ إلاّ هو. وحين يقول “لنصنعنّ”، يريد أن يذكّرنا بأن الألوهة لله وحده وهو الخالق والضابط الكلّ ومحدّد الأشياء كلّها والحيوانات والإنسان بحكمته، وبهذه الحكمة أيضًا يقصي الإنسان عن أن يدّعي لنفسه الألوهة لأنّ مِلأها فيه وحده ولا شراكة للإنسان في هذه الألوهة، إلاّ بالقدر الذي يحتمله أن يكون صورة الله ومثاله على النحو الذي أوضحناه. 
 
ولهذا، ينتقل الكاتبُ من استعمال صيغة الجمع في آ26 في قوله “لنصنعنّ الإنسان على صورتنا كمثالنا”، إلى المفرد في الآية الموازية في آ٢7، “فخلق الله الإنسان على صورته”. وبموازاة الانتقال من الحديث عن الله من الجمع إلى المفرد، ينتقل النصّ من الكلام على الإنسان بصيغة المفرد إلى الكلام عليه بصيغة الجمع في قوله “على صورة الله خلقه، ذكرًا وأنثى خلقهم”. والمدلول، في اعتقادي، متّصل بكون الملكِ، فردًا واحدًا، يسعى، في الحضارات القديمة في الشرق، إلى التشبّه بالآلهة، ولكلّ ملك إلهه، أمّا الله الخالق في هذا النصّ فهو واحدٌ، ويحتكر الألوهة لذاته، وقد خلق جميع الناس على صورته وحدَه.
 
ولئن كان النصّ يوحي بكثيرٍ من الهدوء والثبات، إلا أنّه يشي أيضًا ببعض التوتّر الذي سوف يظهر لاحقًا في العلاقة بين الإنسان والألوهة، لا سيّما حين ستغدو الخطيئة الأساسيّة للإنسان سعيه إلى التشبّه بالآلهة، أو إلى أن يكون منهم. في ما يلي من روايات، سوف تُغري الحيّةُ الإنسانَ بالتشبّه بالآلهة، وسيتمرّد على الله تحقيقًا لهذا (تكوين ٣). وفي تكوين ٦: ١-4، سوف يغتصب من يدّعون أنّهم «بنو الآلهة» القوّة والسلطة والجبروت، وسيعيثون فسادًا في الأرض، يملأونها شرًّا وظلمًا. الإنسان في تكوين ١ مدعوٌّ إلى غير هذا: مدعوٌّ إلى اللطف الذي خلق الله العالم به، وإلى أن يكون مثالاً لله في قمعه لنزوعه إلى السلطة والتغلّب على العدائيّة التي فيه، ويكون وجوده على الأرض لحياته وحياتها، لا للموت. 
 
 
 
 
خاتمة
 
الإصحاح الأوّل من سفر التكوين، الذي يصوّر العالمَ كما يريدُه الله، وكما يراه حسنًا، خاليًا من الحرب والعنف، وفيه الإنسان يمثّل حضورَ الله في الكون، ولا يتحقّق هذا الحضور إلاّ إذا “تسلّط” و”أخضع” العدوانيّة التي فيه، وكلّ ميلٍ إلى اعتبار الآخرين فريسةً لكبريائه وتعظيمه لنفسه. هو صورة الله بقدر ما يحفظُ السلامَ الذي أودَعه الله في الكون في خلقه الحسن، وبقدر ما يشارِك المخلوقات الأخرى في نِعَم الحياة الممنوحة من الله، فلا يعتدي عليها، ولا تعتدي عليه. 
 
غير أنّ هذه الدعوةَ الإلهيّة ليست من غير سندٍ وخلفيّة في النصّ نفسه. فقد سبق لله، في بداية خلقِه، أن هزمَ القوى العدوانيّة التي بسببها “كانت الأرض خربة خالية” (تكوين 1: 2)، والمتمثّلة بالظلمة المياه. لا يذكرُ النصّ الكثير عن فعل هذين العنصرَين المدّمر، ولكنْ ما يمكن قوله هو أنّهما معاديان للحياة. فالظلمة المتواصلة رمزٌ للموت، والمياه السحيقة صورة للدمار، لانعدام الحياة، واستحالتها. نحنُ إذًا أمام مشهد موتٍ ودمار ينسحبان على الأرض كلّها.
 
نجدُ أوضحَ تفسير لهذا الوضعُ في سفر إرميا 4: 23-31، حيث تردُ في مطلعه عبارة “تُوهُو وَبُوهو”.  القليلة الاستعمال،  تمامًا كما ترد في تكوين 1: 2. يلفتنا في هذا المقطع من إرميا أنّه يعكسُ تمامًا رواية الخلق في تكوين 1؛ فيغيب النورُ (آ 23)، وينتفي الإنسان والطير والحيوان (آ25)، وتتحوّل الأرض النضرةُ إلى قفر (آ6)، والأرض الحسنةُ تتحوّل إلى خراب (آ27)، واللهُ الذي خلق النور في تكوين 1: 3، يأمر في نصّ إرميا بأن تنوحَ الأرضُ وتظلم السماوات (آ28). 
 
ما الذي أعاد الأرض إلى خرابها والسماوات إلى ظلمتها؟ هذا سؤال يسأله إرميا على لسان الربّ في السياق نفسه الذي يورِد فيه كلامه هذا (إرميا 5: 19 – 24)، “ويكون حين تقولون لماذا صنع الربّ إلهنا بنا كلّ هذا، تقول لهم…”، ويأتي الجواب في مقطع طويل يذكر فيه الربّ أنّ عدم خشيته وتمرّد البشر عليه، وكبرياءهم، وعصيانَهم. ثمّ يوضح أعمالهم الناتجة عن عصيانهم وعدم خشيتهم للربّ، فيقول: “آثامكم عسكت هذه، وخطاياكم منعت الخير عنكم. لأنّه وجِد في شعبي أشرار يرصدون كمنحنٍ من القانصين ينصبون أشراكًا، يمسكون الناس…، من أجل ذلك عظموا، استغنوا، سمنوا، لمعوا، أيضًا تجاوزوا في أمور الشرّ، لم يقضوا في الدعوى، دعوى اليتيم، وقد نجحوا. وفي حقّ المساكين لم يقضوا. أفلأجل هذا لا أعاقب يقول الربّ…” (إرميا 5: 25-29). واضحٌ في هذا النصّ، أنّ الكاتبَ قصَد أن يبرز الخلقَ “معكوسًا”، وقد أشار قبل ذلك مباشرةً إلى الخلقِ بصورة المياه التي جعل الله لها حدودًا حتّى لا تعودَ فتغطّي الأرض.  وواضحٌ أيضًا أنّ ما سبب هذا هو آثام وخطايا الناس، وعلى رأسها إيذاء الآخرين، والعنف، وغياب العدل، وكلّ هذا متأصّلٌ في تعاظم البشر وكبريائهم، في أنانيّتهم، ووهمهم بأنّه بقوّتهم يحيون إلى الأبد. يسمّي الكاتبُ هذا “تجاوزًا في الشرّ”، أي فعلَ الشرّ إلى أقصى الحدود. ثمّ يعود إرميا فيعطي مزيدًا من الشرح لهذا مشدّدًا على القتل والعنف، وذلك في 7: 1-16، حيث يأتي سفك الدماء والظلم والعدوانيّة والقتل في مقدّمة الآثام التي يعدّدها إرميا على لسان الله، والتي لأجلها رفض الله أن يقدّم له الناس العبادة، ورفض الهياكل المبنيّة على اسمه.  
 
إنّ الاشارات في نصوص إرميا إلى تكوين 1، وخصوصًا إلى يومَي الخلق الأوّل والثاني اللذين فيهما غلب الله الظلمة، وسيطر على عدوانية المياه، لا يمكن أن تكون من قبيل المصادفة. بل على العس، قصد الكاتب أن يدعو القارئ إلى فهم ما يقوله على أساس هذا الترابط بين كلامه وبين نصّ التكوين. وعلى هذا الأساس يمكن القول إنّ الظلمة التي غلبها الله بالنور هي عدم معرفته، وجهل كلمته، هي ما أسماه إرميا “الجهل وعدم الفهم” (إرميا 5: 21). أمّا المياه السحيقة فهي أعمال الشرّ الناتجة عن هذين الجهل وعدم الفهم، وعلى رأسها القتل وإراقة الدماء، وذلك لأنّ القتل والعنف والحرب هي التعابير الأوضح عن تعاظم الناس وكيفَ يعيشون كبرياءهم. 
 
وهكذا تكونُ الظلمة والمياه هي صورة لهذه البهيميّة التي غلبها الله في الإنسان وعلى الأرض، حتى تكونَ الأرض حسنة، ويعدَّها لاستقبال الحياة التي لا يمكن لشيء أن يفنيها. وبهذا تتحقّق صورة الله في الإنسان، إذ يصير الإنسان، كالله، غالبًا لظلام الجهل بتعلّم الكلمة الإلهيّة، وعاملًا بها أعمال الخير والحُسن. 
 
كلّ هذا يشير إلى أنّ صورة الله في الإنسان إنّما هي معرفة الله والاستعداد للإصغاء إلى كلمته والعمل بها. إذا لم تتحقّق هذه الصورة يصير الإنسان آلة موت تقضي على الحياة، ويتحوّل الأنا الذي فيه إلى مركز لكلّ قراراته، مع ما يمكن أن يصدر عن هذا  من عنف وإيذاء للآخرين. أمّا إذا تحقّقت الصورة، وبات الإنسان يعكس صورة الله في عمله في تنظيم وترتيب هذا الكون، يكون السلام الحقيقيّ والحسن الذي يريده الله لهذا العالم الذي نحيا فيه ومعه، عنوانًا لوجودنا إلى الأبد. 

 

لاهوت التنمية الاجتماعية في الكنيسة الأولى

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: أمجد بشارة

 
ما هو لاهوت التنمية؟ 
لاهوتُ التنمية هو حقلٌ لاهوتيٌّ حديثٌ نسبيًّا، نشأ في النصف الثاني من القرن العشرين، ولا سيَّما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، بوصفه استجابةً مسيحيَّةً لتحديات الفقر والظلم الاجتماعي. ويقوم جوهرُه على أنَّ التنمية ليست مجرَّد نموٍّ اقتصادي، بل هي تقدُّمٌ شاملٌ يمسُّ الإنسانَ والخليقةَ معًا، في انسجامٍ مع دعوة المسيح إلى “الحياة الفاضلة” وينطلق هذا اللاهوت من رؤيةٍ ترى الإنسانَ وكيلًا لله في استكمال الخليقة، بحيث يصبح العملُ من أجل التنمية مشاركةً في تحقيق مشيئة الله. كما يستند إلى الكتاب المقدس، الذي يبرز عدالةَ الله ورعايتَه للفقراء، وإلى التقليد الكنسي، الذي أكَّد قيمَ التضامن والمشاركة.
وقد تبلور هذا اللاهوت بوجهٍ خاصٍّ في إطار التعليم الاجتماعي الكاثوليكي، بدءًا من دستور «فرحٌ ورجاء»، ومرورًا برسالة البابا بولس السادس «تنمية الشعوب». ويتميَّز عن لاهوت التحرير بتركيزه على التنمية البشرية الشاملة، لا على الصراع الطبقي، وإن كان يشترك معه في التأكيد على أهمية العدالة الاجتماعية.
ويرى بعضُ الباحثين أنَّ لاهوتَ التنمية يمثِّل جهدًا لتجاوز مظاهر العجز لدى الإنسان والمجتمع، وصولًا إلى حياةٍ أكثرَ معنًى، تقوم على الإيمان. وفي النهاية، يقدِّم لاهوتُ التنمية رؤيةً مسيحيَّةً متكاملةً تجمع بين النمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والنمو الروحي، بحيث يكون حضورُ الكنيسة خميرةً في العالم.
 
لاهوت التنمية عند الآباء 
ضمن رؤيةٍ آبائيةٍ أوسع للازدهار الإنساني، بالنسبة للكتّاب الآبائيين (من القرن الثاني إلى القرن الخامس)، يتأسّس الازدهار الإنساني على قصد الله الخلّاق للخليقة المادية، بما في ذلك الطبيعة والخيرات المادية، التي جُعلت لتُشارَك من أجل المنفعة العامة والصالح العام، ولتكون أيضًا وسيلةً للعدالة التوزيعية. وبناءً على محبة الله للبشر ذاتها، «فيلانثروبيا» (philanthropia: محبة البشر)، أي الكرم الرحيم، عندما يمارس المسيحيون ذلك، بشكلٍ رئيسي، من خلال إعطاء الصدقة للفقراء والمشاركة، فإنهم يعكسون الصورة (eikon: أيقونة) الأصلية لله، ويبطلون جريمة عدم إنسانيتهم، ويحتفظون بالهوية والفضيلة المسيحية، وبذلك يستردّون شبهًا بقصد الله الخلّاق من أجل الصالح العام.
هذه الفضيلةُ الاجتماعيةُ الأساسيةُ، «الفيلانثروبيا»، هي في الواقع فضيلةٌ ملازمةٌ للخلاص (هدف الخليقة، بما في ذلك البشرية)، إذ تُسهم في عكس آثار السقوط واستعادة الازدهار الإنساني.
إنَّ الأشياءَ الماديةَ وُجدت لتُساعِد في الحياة؛ فهل أُعطيت، حقًّا، لتكون إمدادًا للشر؟ إنها تُشكِّل فديةً للنفس؛ فهل وُفِّرت، حقًّا، لتكون فرصةً لهلاكك؟
 
من العهد الجديد
كما هو معروفٌ، فإنَّ الكلماتَ التي أعلن بها المسيحُ نفسُه رسالتَه علنًا، بحسب إنجيل لوقا، تصف رسالةً تحريريَّةً.
“رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لِأَنَّهُ مَسَحَنِي لِأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لِأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لِأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالْإِطْلَاقِ وَلِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ” (إنجيل لوقا 4: 18-19).
وهذا الاقتباس هو الذي أصبح، منذ عقد السبعينيات، أرضيةً مشتركةً في لاهوت التنمية المعاصر. ومن المهم، على وجه الخصوص، أن ننظر إلى هذا الاقتباس في سياقه الكتابي والتاريخي. فوفقًا لإنجيل لوقا، تُعدُّ هذه الكلمات مقتطفًا من سفر إشعياء النبي (61: 1-2)، وقد تلاها المسيح ببساطة بصوتٍ عالٍ في المجمع. ولكن إذا انتبهنا، فسنرى أن في نص إنجيل لوقا إضافةً؛ إذ إن عبارة «وأرسل المنسحقين في الحرية» قد أُخذت من موضعٍ آخر في سفر إشعياء، حيث تؤدي هناك دورًا في تحديد ماهية الصوم الذي يرضي الله. وهذا الصوم الحقيقي — يقول الله نفسه على لسان إشعياء — لا يتمثل في مراعاة الطقوس، ولا في «أَنْ يُحْنِيَ كَالأَسَلَةِ رَأْسَهُ، […] وَأَنْ يَفْرِشَ تَحْتَهُ مِسْحًا وَرَمَادًا». إن الصوم الذي يرضي الله هو: «حَلُّ قُيُودِ الشَّرِّ، فَكُّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلَاقُ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعُ كُلِّ نِيرٍ» (إشعياء 58: 5-6). وبالتالي، فإن أثر هذه الإضافة في الإنجيل هو تأكيدٌ أشد على أن العصر الذي افتتحه يسوع هو، في جوهره، عصرُ تحرير.
وبعد نحو أربعة عشر قرنًا، نصادف نصًّا لغريغوريوس بالاماس، يحاول أن يوضح أيَّ صومٍ يرتضيه الله. يقتبس غريغوريوس المقتطف المذكور آنفًا من سفر إشعياء («حلُّ قيودِ الشرِّ…») ثم يتابع:
«إن الشرهين والظالمين لن يقوموا ليلتقوا بالمسيح وجهًا لوجه ويُدانوا، بل سيُحكم عليهم مباشرةً؛ لأنهم في هذه الحياة الحاضرة لم يأتوا حقًّا وجهًا لوجه مع المسيح. إن الممتلكات الضخمة هي، في الحقيقة، مشاعية؛ لأنها مستمدة من الرصيد المشترك للثروة التي توفرها الطبيعة، والتي خلقها الله. فكيف، إذن، لا يكون الذي يستأثر بهذه الثروة المشتركة طمَّاعًا في الواقع، حتى لو لم يكن كالذي يسرق خيرات الآخرين؟ وهكذا، فإن الأول — وا أسفاه — سيعاني عقابًا رهيبًا كعبدٍ رديء، أما الآخر فسيحتمل عقوباتٍ أشدَّ وأكثر فظاعة. ولا يمكن لأيٍّ منهما أن ينجو من الدينونة إذا لم يقبل الفقير في حياته. وفي الدينونة الأخيرة، سيقول الأبرار: “إن ذلك الموقف المعبَّر عنه بعبارة: «هذا لي وهذا لك» قد طُرد منذ زمنٍ طويل من هنا؛ لأننا أبغضناه في حياتنا الأرضية. ولهذا السبب ورثنا ملكوت السموات”. إن آباء الكنيسة يصفون عبارة «هذا لي، أو هذا لك» بأنها باردة، وحيثما سادت غابت رابطة المحبة، ودُفع المسيح بعيدًا».
أعتقد أنه يمكننا أن ننظر إلى هذا النص لغريغوريوس بالاماس بوصفه حالةً دراسيةً توضيحيةً. وتحديدًا، يمكننا التأكيد على النقاط الثلاث الآتية:
1- وفقًا لبالاماس، فإن الثروة، حتى تلك التي تُكتسَب بطرقٍ مشروعة، تشكل معضلةً في حد ذاتها. وهذه المعضلة، في جوهرها، تنشأ من هوس الإنسان بالتملك. وكما سنرى أدناه، فإن هذه الرؤية تشكل العمود الفقري للاهوت الكتابي والآبائي، وهو أمرٌ كان بالاماس نفسه على درايةٍ به وأشار إليه. وإن كون عبارة «لي ولك» عبارةً «باردة» بالفعل، هو أمرٌ سلَّط يوحنا ذهبي الفم الضوء عليه قبل عشرة قرون، وربما سبقه إلى ذلك أيضًا آباءٌ آخرون للكنيسة لم يلتفت إليهم المؤلف.
2- أرى أن عبارة بالاماس: «…إذا لم يقبل الفقير في حياته» عبارةٌ بالغة الأهمية. ومن الواضح أنه يقصد هنا ما هو أكثر بكثير من مجرد إحسانٍ عابر. ووفقًا لتقليدٍ عريقٍ بدأ منذ العهد القديم، فإن الأرامل والفقراء والضعفاء (أي أولئك الذين لا يستمدون هويتهم من النفوذ الاجتماعي ولا يؤسسون رجاءهم على الغنى) هم أصدقاء الله. ومن المثير للاهتمام أن هذا التقليد قد أسهم في صياغاتٍ كنسيةٍ ملموسة، أو بعبارةٍ أخرى، في قوانين مقدسة تُلزم الأساقفة بحماية الفقراء والضعفاء من طغيان الأقوياء. فعلى سبيل المثال، ينص القانون السابع لمجمع سرديقا (343م) على أن القادة الكنسيين لا يزورون الحكام السياسيين إلا لتقديم طلباتٍ ترمي إلى حماية الضعفاء. كما يحظر بحزم أيَّ زيارةٍ أخرى، منعًا للمبادلات المصلحية بين قادة الكنيسة ومسؤولي الدولة. وإذا لم يعمل الأسقف حاميًا للضعيف، كما قال المصلح الرهباني ثيؤدور الستوديتي (أواخر القرن الثامن– أوائل القرن التاسع الميلادي)، فإنه يُدان؛ لأنه لا يتصرف بصفته أسقفًا، بل تاجرًا. وكما أشار بيتر براون، فإنه بحلول نهاية القرن الرابع، كان انتخاب الأسقف يعني أن فقراء المدينة أصبحوا قادرين على إسماع أصواتهم بوصفهم جماعةً ذاتَ وضعٍ خاص.
3- وفي السياق نفسه، يمكن العثور على أحكامٍ أخرى. فعلى سبيل المثال، نصَّ القانون الثاني عشر للمجمع المسكوني السابع (787م) على أنه إذا دعت الضرورة إلى بيع حقلٍ تملكه الكنيسة، وجب على الأسقف أو رئيس الدير أن يحرص على ألا تُباع الأرض للنبلاء والأغنياء، بل للإكليروس أو صغار المزارعين. وكان الأمر يتعلق، بوضوح، بالصراع طويل الأمد بين السلطة الإمبراطورية المركزية وكبار ملاك الأراضي، الذين كانوا يمارسون الاستبداد، على نحوٍ خاص، تجاه صغار المزارعين. كما نصَّ القانون الرسولي الحادي والأربعون (الذي يرجع، على الأرجح، إلى نهاية القرن الثالث) على أن دخل الممتلكات الكنسية يجب أن يُوزع على المحتاجين. ويوضح نيقوديموس الآثوري أن عبارة «المحتاجين» تعني الأرامل والفقراء والغرباء، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في عصرنا. وبالفعل، وفقًا للقانون الخامس والعشرين لمجمع أنطاكية (341م)، إذا كان الإكليروس غير مبالين بما يتعرض له الفقراء من اضطهاد، وجب أن ينظر مجمع الأساقفة في الأمر. ويشكل هذا المنظور، في رأيي، نقطةَ التقاءٍ بين اللاهوت التقليدي ولاهوت التحرر الحديث. ويذكِّر هذا بالمفهوم الرئيس «الخيار الانحيازي للفقراء» (preferential option for the poor)، الذي صاغه غوستافو غوتيريز عام 1967، وسلَّط مؤتمرُ مديين للأساقفة الكاثوليك الضوء عليه عام 1968.
يربط بالاماس الأخرويات (الإسخاتون) بالتاريخ، والخلاص بالعمل، وتحديدًا بالتضامن. ففي لاهوته، يغدو الخلاص مستحيلًا من دون التضامن مع الضعفاء (إذ يتحدث عن إقصاء المسيح نفسه!). وهذا يذكِّرنا بكلمات جون سوبرينو:
«لا خلاص خارج الفقراء (Extra pauperes nulla salus). وبالمعنى الدقيق للكلمة، لا نقول إن الخلاص حاضرٌ تلقائيًّا مع الفقراء، بل نقول إنه من دونهم لا يمكن أن يوجد على الإطلاق».
إن الصلة بين التاريخ والأخرويات (الإسخاتون / eschaton) تعني أن عمل المسيحيين في التاريخ يتسم بسمةٍ تميزه من أي أعمال تضامن يقوم بها غير المسيحيين. وينبغي لعمل المسيحيين أن يكون نبويًّا، أو بعبارةٍ أخرى، نشاطًا يكشف للعالم طبيعة الملكوت الذي يرجوه المسيحيون. إنه شهادةٌ للعالم الآتي. وبعبارةٍ أخرى، يجب أن يُشكِّل عمل المسيحيين شهادةً حقيقيةً على رؤية موت الموت، وكلِّ نوعٍ من أنواع الموت، وكلِّ نوعٍ من أنواع السلطة التي تقاوم المحبة. ومن هذا المنظور (وعلى خلاف الأحادية الإفخارستية الحديثة (Eucharistic monism)، التي تفهم الاحتفال بالإفخارستيا بوصفه العلامة الوحيدة للملكوت الآتي، وتفصل الملكوت عن العمل الاجتماعي)، تُشكِّل المحبةُ والتضامنُ الفعلي في التاريخ علامةً على الملكوت.
لماذا، في رأيي، تكتسب هذه النقاط في نص غريغوريوس بالاماس أهميةً خاصة؟ لأن بالاماس هو، بامتياز، صوت العقيدة المتعلقة بالتأليه (ثيؤسيس / theosis)، أي قدرة الإنسان على أن يصير، في هذه الحياة نفسها، شريكًا في القوة الإلهية (الأنيرجيا/ energies)، وبالتالي شريكًا في غير المخلوق. ولكن المسألة هنا ليست الجدل حول طبيعة القوة الإلهية. إنني أورد نصَّ بالاماس المذكور أعلاه؛ لأن له أهميةً رمزيةً خاصةً في وقتنا الحاضر. فغالبًا ما يُفهم اللاهوت المتعلق بتأليه الإنسان على أنه صوفية، أو انكفاءٌ داخلي للكائن البشري على ذاته، أو مجرد محاربةٍ للأهواء، وما إلى ذلك، من دون أي صلةٍ عضوية بالعمل وبالقريب، وغالبًا من دون صلةٍ بالتجديد الأخروي للعالم بأسره. وبالفعل، فإن الانشغال بقضايا التضامن يُعد، في كثير من الأحيان، ضارًّا بالحياة الروحية؛ لأنه ــ وفقًا لهذا المنحى الفكري ــ يشتت المؤمن عن تكريسه الأساسي الهادف إلى التطهير الشخصي (كاتارسيس/ catharsis). وفي الواقع، توجد نصوصٌ آبائية، إلى جانب أعمالٍ لاهوتية أحدث، تُعبِّر عن هذا التوجه. ومع ذلك، فإن ما ينبغي الحذر منه هو أن الأدب الكنسي ليس جوهرًا مصمتًا، ولا يشكل مادةً غير تاريخية هبطت من السماء، كما يكاد يجادل أتباع «التلمودية الآبائية». إن الحضور الكنسي في التاريخ يتكون من تياراتٍ تتلاقى أو تتباعد، ومع ذلك يجب فحصها في سياقها التاريخي والحكم عليها في ضوء المعايير الجوهرية للحدث الكنسي.
بناءً على ذلك، فإن نشاط التنمية الاجتماعية له بالفعل جذورٌ في تيارات التقليد الآبائي، ولا يتعارض مع الجهاد الروحي الشخصي. ويفيدنا القديس مكسيموس المعترف (حوالي 580–662م) على نحوٍ خاص في فهم الكيفية التي تتشابك بها الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع. وإكليل الفضائل، كما يقول، هو محبةٌ ذات شقين لا ينفصمان: محبة الله، ومحبة القريب. ومع ذلك، يمتلك الإنسان القدرة المربكة على أن يسير عكس طبيعته، وأن يستبدل المحبة بنسخةٍ مشوهةٍ منها، أي بمحبة الذات. ولذلك، يسعى وراء اللذة، ويتشبث بالعالم طلبًا للإشباع الفردي. وهكذا يُسجن الإنسان في فرديته، وتتفكك شركته مع البشر الآخرين. والطمع -كما يقول مكسيموس بأسلوبه المميز- هو هوى الإنسان الذي يأخذ بفرحٍ ويعطي بحزن. وقارن هذا بما قاله كريستوفر لاش:
«إن الرأسمالية الاستهلاكية تركز تركيزًا شديدًا على الإشباع الفوري للرغبات الطفولية، ومن ثمَّ تزرع الانشغال بصورة الذات إلى حدٍّ تُنتج معه شخصياتٍ نرجسيةً عاجزةً، في الواقع، عن إقامة علاقاتٍ قائمةٍ على الرعاية والانفتاح».
إن إعلان الرسول بولس معروفٌ جيدًا: «لِأَنَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ. لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلَا يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلَا حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لِأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (غلاطية 3: 27-28). ويفسر بعض الناس هذا القول تفسيرًا روحانيًّا إلى حدٍّ ما، مفاده أن المسيح لا يميز بين أعضائه. وعلى النقيض من ذلك، فإن القديس يوحنا، بطريرك الإسكندرية (بداية القرن السابع)، الذي لُقِّب بـ«الرحيم» بسبب أعماله الخيرية الواسعة، فسر هذا القول تفسيرًا حرفيًّا. فقد أكد يوحنا أن المساواة الروحية تستلزم المساواة الاجتماعية، وقال: «إذا كنا متساوين أمام المسيح، فينبغي إذن أن نصبح متساوين فيما بيننا». وبعبارةٍ أخرى، يجب أن توجد الكنيسة بوصفها جماعةً تجعل من المحبة والمساواة والتضامن ممارسةً حية. وإذا ما اقترن هذا الموقف بالإصرار الآبائي على أن جميع الناس أبناءُ الله وأيقوناتُ المسيح، فإن المطالبة بالمساواة تتخذ أبعادًا عالمية. ولهذه المنظورات ثقلٌ فلسفي وسياسي استثنائي، إذا تذكرنا أن قناعة الفيلسوف اليوناني القديم أرسطو بأن أممًا معينةً عبيدٌ بالطبيعة استمرت عبر الزمن (على الرغم من تشكيك الرواقيين فيها)، وحظيت بالفعل بموافقة شخصياتٍ مسيحية، مثل توما الأكويني، في القرن الثالث عشر.
 
التأكيد على الممارسة-العمل (Praxis)
إن رواية العهد القديم عن خليقة العالم تذكر أنه في اليوم السابع: «فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ» (تكوين 2: 3). وقد أوضح المسيح أن هذا لا يعني أن الله ظل غير فاعل منذ تلك اللحظة، بل أظهر أن الله ليس الكائن فحسب، بل هو أيضًا العامل: «أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ» (يوحنا 5: 17). فالمحبة لا تتوقف أبدًا، تمامًا كما أن الله لا يكف عن الوجود، لأن الله محبة. والمحبة حركة، وانفتاحٌ على من هو «ليس أنا». والمحبة، باختصار، تتضمن العمل.
إن أعمال الله تأتي بالملكوت الإسخاتولوجي (الأخروي) إلى العالم. وسوف يصبح العالم ما خُلق ليكون عليه، عندما يصير عالم الله الجديد المتجدد. وفي هذه الرؤية، لا يزال العالم في مسيرته نحو كماله. فالعالم المخلوق، كما يقول القديس غريغوريوس النيصي (حوالي 335 – حوالي 394م)، لم يُخلق فحسب، بل لا يزال قيد التكوين. والتاريخ، بعبارةٍ أخرى، عمليةٌ مفتوحة، لا تكتمل تلقائيًّا بفعل تحقيق الكمال الذاتي، بل بالتآزر (السينرجيا) الحر بين الله والإنسان. وقد يذكرنا هذا المفهوم بقصيدة أنطونيو ماتشادو (1875-1939) الرائعة، إذا قرأناها، بالطبع، من دون الوقوع في اليأس: 
أيها السائر، إن خطواتك هي
الطريق، ولا شيء أكثر.
أيها السائر، ليس هناك طريق؛
فالطريق يُصنع بالسير.
وبالسير يصنع المرء الطريق،
وعند الالتفات إلى الوراء
يرى المرء الدرب
الذي لن يطأه ثانيةً أبدًا…
إن انتظار الملكوت يُعبَّر عنه في الليتورجيا الإلهية والعبادة، ولكن أيضًا بالمحبة العملية. وإلا، فإن الحياة المسيحية تواجه خطر الانزلاق إلى الطقسية. «إني أعرف كثيرين»، كما يقول القديس باسيليوس الكبير (330–379م)، «يصومون، ويصلون، ويتنسكون، ويمارسون عمومًا كلَّ عادةٍ دينيةٍ برغبة، ما دام ذلك لا يكلفهم شيئًا، لكنهم لا يهتمون مطلقًا بكل أولئك المحتاجين. فماذا تفيدهم بقيةُ فضائلهم؟ إنهم غير صالحين لملكوت الله».
إن فصل الحياة الليتورجية عن التضامن قد أشار إليه بوضوح، بوصفه تشويهًا للحياة المسيحية، رجلان بارزان من رجال الكنيسة في العصر الحديث: نيكوديموس الأثوسي وكوزماس الإيتولي. إذ يجسر نيكوديموس على القول إن كلَّ من اكتسب ممتلكاتٍ بالجشع والظلم لا يُغفر له بمجرد التوبة، حتى لو اعتمد بعد ارتكاب الظلم. بل يجب عليه أن يردَّ الحقوق إلى أصحابها، وأن يعيد إلى المظلومين كلَّ ما سلبه منهم. وفي الروح نفسها، يرى كوزماس (وهو قديس في الكنيسة الأرثوذكسية، 1714–1779م) أنه حتى لو غفر الآباء الروحيون جميعًا، والكهنة، والأساقفة، والبطاركة للمستغِل، فإن الجاني يظل غير مغفورٍ له ما لم يغفر له الشخص المظلوم، سواء أكان مسيحيًّا أرثوذكسيًّا، أم مسيحيًّا غربيًّا، أم يهوديًّا.
 
حجز أجر العامل وقداسة الضعفاء
كما هو معروف، في الكتاب المقدس قناعةٌ راسخةٌ بأن أنين المظلوم يصرخ صاعدًا إلى السماء. وهكذا صرخ ظلمُ بني إسرائيل في مصر إلى الله (خروج 2: 23)، وكذلك يفعل الأجرُ المحجوز، سواء أكان العامل يهوديًّا أم غريبًا (تثنية 24: 14-15). وفي الوقت نفسه، يُنظر إلى الحارم (أي الذي لا يدفع للعامل أجره المستحق) بوصفه قاتلًا. وهذا الفهم، كما نعلم، يمتد حتى رسالة يعقوب (5: 4-6) في العهد الجديد.
ومن المثير للاهتمام أن الرأي نفسه قد عبَّر عنه العديد من آباء الكنيسة، إذ يطالبون الكنيسة بأن تُدين روحيًّا أولئك الذين يحجزون الأجور بالعقوبة الروحية نفسها التي تُفرض على القاتل. بل إن القديس يوحنا ذهبي الفم (حوالي 349-407م) يذهب إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن حرمان شخصٍ من أجره أكثر وحشيةً وأشد وطأةً من القتل.
لقد تحدثنا بالفعل عن الفقراء بوصفهم أصدقاءَ لله. وعلاوةً على ذلك، يمكن أن نذكر هنا ما يؤكد قداسة الضعفاء: فوفقًا للقانون الكنسي، تُعدُّ أواني الكنائس (مثل الكأس المقدسة) مقدسةً، ولا يجوز بيعها. ويُستثنى من ذلك حالةٌ واحدةٌ فقط، إذ يجوز بيعها لافتداء الأسرى بالمال الناتج عن ذلك (أو، وفقًا لرأيٍ آخر، لتعزيز دفاع البلاد ضد الأعداء الذين يهاجمونها). ويقول القديس أمبروسيوس، أسقف ميلانو في القرن الرابع:
«إن ممتلكات الكنيسة هي عونُ البائسين. فليُحصِ الوثنيون كم من الأسرى افتدتهم هياكلهم، وكم من الصدقات قدموها للفقراء، وكم من اللاجئين وفروا لهم نفقات المعيشة».
لكن الموقف الأكثر تميزًا، على وجه الخصوص، هو موقف القديس أكاكيوس، أسقف مدينة آميدا الأرمنية، في بداية القرن الخامس. فخلال الحرب بين البيزنطيين والفرس، أُسر سبعةُ آلافِ أسير، وبدأوا يتضورون جوعًا. فتدخل أكاكيوس، واستدعى رجال الإكليروس، وقال لهم: 
«إن إلهنا لا يحتاج إلى صحونٍ ولا إلى كؤوس؛ لأنه لا يأكل ولا يشرب […]. وبما أن كنيستنا تمتلك العديد من الأواني الذهبية والفضية، التي جاءت من سخاء المؤمنين، فمن واجبنا أن نفتدي بها الأسرى، وأن نطعمهم».
وهكذا صُهرت الأواني، وافتُدي الأسرى (الأعداء!)، وقُدم لهم الطعام، وأُرسلوا مجددًا إلى ملكهم مع المؤن اللازمة لرحلة العودة. وقد أعرب الملك بهرام الخامس، ملك فارس، عن احترامه العميق لحكمة البيزنطيين، الذين عرفوا كيف ينتصرون بالحرب والإحسان معًا.
وبهذه الطريقة، لا تحتاج الكنيسة إلى أن تتخلى عن قداستها من أجل لقاء العالم، بل على العكس تمامًا. وفي كل الأحوال، فإن الاحتفال بالإفخارستيا، وكذلك خدمة ضحايا التاريخ، يثبت أنه «سر التنمية الاجتماعية»، كما عبَّر عن ذلك ليوناردو بوف.
 
البنية الطبقية للمجتمع ومشيئة الله
كثيرًا ما رُدِّد الرأي القائل إن المجتمع القائم على الطبقات هو مشيئة الله، وإن الله يخلق الغني ويتوقع منه أن يدير الخيرات المادية، وإن نصيب الفقير أيضًا مقدَّرٌ من الله، حتى تتاح لبعض الناس الفرصةُ الثمينة لممارسة الصبر من خلال الفقر. وصحيحٌ أنه يمكن لأي شخص أن يجد في مصنفات الآباء فيضًا من النصح، الموجَّه من ناحيةٍ إلى الأغنياء لكي يصبحوا أكثر محبةً للبشر، ومن ناحيةٍ أخرى إلى الفقراء لكي يكونوا أكثر صبرًا. وكانت مثل هذه التوصيات، بوضوح، لا مفر منها في سياق عملهم الرعوي؛ وذلك من أجل التخفيف، إلى حدٍّ ما، من البؤس الاجتماعي، ومواجهة الاحتياجات المعاصرة آنذاك. ومع ذلك، فمن غير الدقيق، بل من الخطأ، أن نستنتج أن الآباء قد اقتصروا على هذا الرأي.
فهناك حالاتٌ كثيرةٌ يقدم فيها آباء الكنيسة الأساسَ لمساءلةٍ راديكاليةٍ للمجتمع الطبقي. فهم لا يكتفون بعدم اعتباره مشيئةً لله، بل، على العكس من ذلك، ينظرون إليه بوصفه إحدى العواقب الكارثية لسقوط الإنسان من الفردوس. ويقول عددٌ من الآباء إن الفقر والغنى والعبودية قد اجتاحت البشرية، تمامًا كما تجتاح الأمراضُ الجسدَ البشري. وبناءً على ذلك، فإن الناموس الذي ينبغي للمسيحي أن يقبله ليس ناموس الأقوياء (اللامساواة القائمة على الطبقية)، بل ناموس الخالق (المساواة). وإن الصورة التي يستدعيها باسيليوس الكبير للرد على حجة الأغنياء بأنهم، في الواقع، لا يظلمون أحدًا؛ لأن ملكيتهم قانونية، هي صورةٌ ذات دلالةٍ خاصة. فالرجل الغني، كما يقول، يشبه شخصًا يدخل المسرح أولًا، فيحتل أكبر عددٍ ممكنٍ من المقاعد الفارغة، ثم يمنع الذين يدخلون لاحقًا من الجلوس فيها. ولكي نستوعب راديكالية هذه المواقف، ينبغي لنا أن نتذكر أنها صيغت في الحقبة الاستبدادية للقانون الروماني، الذي رفع حق الملكية إلى عنان السماء. ومن هذا المنظور، فإن الثروة في حد ذاتها تشكل مشكلة، حتى لو كانت قد جُمعت بوسائل قانونية. وهنا ينبغي أيضًا أن نأخذ في الاعتبار النقد الذي وجهه العديد من رجال الكنيسة إلى الربا والضرائب، اللذين كانا، بطبيعة الحال، يشملان ممارساتٍ ومؤسساتٍ قانونية.
إن الجدال حول ما إذا كان الظلم الاجتماعي هو مشيئة الله قد سُجِّل بصورةٍ مميزة فيما يتعلق بالسؤال الآتي: ففي موضعٍ من العهد القديم، يقول الله، متحدثًا على لسان حجي النبي: «لِي الْفِضَّةُ وَلِي الذَّهَبُ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ» (حجي 2: 8). ويخبرنا يوحنا ذهبي الفم أن أحدهم أضاف إلى هذه العبارة جملة: «… وأنا أُعطيه [الذهب والفضة] لمن أريد [الله]»، باغيًا، بوضوح، إضفاء شرعيةٍ ميتافيزيقيةٍ على حكم الأثرياء، أي هيمنة الأغنياء. ويدين يوحنا ذهبي الفم بشدة هذه الإضافة، التي يعدها من تدبير الشيطان. ويقول، مستهجنًا، إنه من غير المتصور الإيمان بأن إثراء الفاسدين هو مشيئة الله، وهم أناسٌ لا يستحقون رؤية الشمس ولا التنفس؛ لأنهم يثيرون الفوضى من حولهم، ويغتصبون بيوت الأرامل، ويوقعون الظلم بالأيتام، ويضطهدون من هم أضعف منهم.
 
تأثير أوغسطينوس في الفكر الاجتماعي 
لم يكن أوغسطينوس أقل تأثيرًا في الأخلاق الاجتماعية. وفي مناقشتنا لأثره في هذا المجال، سنترك جانبًا العقائد التي ورثها عن التقاليد اليونانية الرومانية واليهودية المسيحية، على الرغم من أنه أضفى عليها طابعه الشخصي. وتشمل هذه العقائد الأفكار المتعلقة بأصل السلطة وطبيعتها وأساسها، والهدف من القوانين وطبيعتها وأنواعها، ومصدر العدالة ومهامها وغايتها. وسنوجه انتباهنا فقط إلى تلك الجوانب من فكر أوغسطينوس الاجتماعي التي تميزه، وكان لها تأثيرٌ لا جدال فيه في تشكيل النظريات السياسية والاجتماعية في العصور الوسطى وما بعدها.
وهنا ينبغي إبداء كلمةِ تحذير: فالأوغسطينية ليست هي فكر أوغسطينوس نفسه؛ إذ إن الأولى تمثل تطويرًا للثاني، فتكون أمينةً له أحيانًا، وتتجاوزه أحيانًا أخرى إلى ما هو أبعد من حدوده الواضحة. ويكفي هنا مثالان: إن ما أسماه أرسيليير «الأوغسطينية السياسية» في العصور الوسطى، أي الميل إلى استيعاب القانون الطبيعي في العدالة الفائقة للطبيعة، وقانون الدولة في قانون الكنيسة، كما تبلور تدريجيًّا من جيلاسيوس الأول، مرورًا بغريغوريوس الكبير، وإيزيدور الإشبيلي، وغريغوريوس السابع، وإينوسنت الثالث، وصولًا إلى بونيفاس الثامن، يمكنه بالفعل أن يدعي بعض الأبوة الشرعية في تصور أوغسطينوس لخير الكنيسة بوصفه مبدأً سياسيًّا رئيسًا (انظر *City of God* 5.25–26)، لكن هذه النظرية تُخفق، بلا شك، في الحفاظ على إسهامه المهم في النظرية السياسية، ونعني به واقعيته السياسية القائمة على مفهوم الدولة بوصفها كيانًا زمنيًّا. وبالمثل، فإن استخدام الدولة للسلطة القسرية لقمع الهرطقات والحفاظ على الشركة الكنسية يمكن إرجاعه إلى ردود أفعال أوغسطينوس تجاه الدوناتيين المتشددين (انظر Contra epistulam Parmeniani 2  و5 Retractationes). ومع ذلك، لا يمكن لأحد أن يستند إلى سلطته لتبرير فرض عقوبة الإعدام أو اضطهاد اليهود.
 
الكنيسة والدولة
كانت العلاقة بين الكنيسة والدولة إحدى القضايا المركزية التي شغلت البابوية في العصور الوسطى. ويكفي أن نتذكر تعيين غريغوريوس الأول الحكامَ في المدن الإيطالية، وتوفيره العتاد الحربي، ونضال غريغوريوس السابع ضد هنري الرابع وقضية التقليد العِلماني، ومحاولة إينوسنت الثالث تأسيس سيادةٍ إقطاعية، ونزاعات بونيفاس الثامن مع فيليب الوسيم. وفي أتون هذه الصراعات صيغت ما يُعرف بنظرية السيفين، التي بلغت ذروة تعبيرها في البراءة البابوية Unam sanctam (1302) ووفقًا لها، فإن كلا السيفين، الروحي والزمني، يدخلان في سلطان الكنيسة، غير أن الثاني يُستخدم من أجل الكنيسة، في حين يُستخدم الأول بوساطة الكنيسة: «الأول بيد الكاهن، والأخير بيد الملوك والقادة، ولكن بمشيئة الكاهن وبإذنه». وبحسب ما قرره إينوسنت الثالث من قبل، فإن السلطة الحبرية والسلطة الملكية تشبهان الشمس والقمر، إذ يستمد الثاني نوره من الأولى، وهو أدنى منها منزلةً ونوعًا.
وكما سبقت الإشارة، فإن بذور هذا الميل إلى استيعاب السلطة الزمنية في السلطة الكنسية والبابوية قد زُرعت بالفعل في كتابات أوغسطينوس. فبينما يؤكد التمايز والاستقلال والتعاون بين الكنيسة والدولة، يصر أوغسطينوس على أن الكنيسة، بحكم طبيعتها وغايتها، تتمتع بسموٍّ قانونيٍّ معين على الدولة. وعلاوةً على ذلك، فمن المنظورين الديني والأخلاقي، يخضع الملوك، مثلهم مثل أي مواطنٍ آخر، لسلطان الكنيسة، ولذلك يجب عليهم، لا بوصفهم أشخاصًا فحسب، بل بوصفهم ملوكًا أيضًا، أن يخدموا الأخلاق والدين، وأن يعززوهما ويدافعوا عنهما (City of God 5.24؛ Letter 185.19؛ Against Cresconium 3.56). وهذا التعليم، الذي يترك في حد ذاته حقوق الدولة سليمةً في المجال السياسي البحت، صار العقيدة الشائعة في العصور الوسطى. ويذكر إيزيدور الإشبيلي:
«يشغل الأمراءُ الزمنيون أحيانًا أعلى المناصب في الكنيسة؛ ليحموا الانضباط الكنسي بسلطانهم. وحقًّا، ما كانت مثل هذه المناصب لتكون ضروريةً في الكنيسة، لولا أنهم يفرضون، بما لهم من هيبة، ذلك الانضباط الذي يعجز الكهنة عن إنفاذه بقوة تعليمهم» (Sententiae 3.48.7).
ولسوء الحظ، تحوَّل سمو الكنيسة، في الصراعات بين البابوات والأباطرة، تدريجيًّا إلى سيادةٍ مطلقة، حتى انتهى الأمر بابتلاع السلطة الروحية للسلطة الزمنية. وهكذا حرم غريغوريوس السابع هنري الرابع كنسيًّا، وعزله استنادًا إلى المبدأ القائل: «إذا كان الملوك يُحاكَمون على خطاياهم، فمن ذا الذي يحاكمهم بعدلٍ أكثر من الحبر الروماني؟» (Letters 4.2). ويعلن هوغو السانت فيكتوري أن «الكهنوت أُسِّس أولًا من الله، وبعد ذلك فقط، ومن خلال الكهنوت وبأمرٍ من الله، أُسست السلطة الملكية» (De sacramentis 2.c4). ويؤكد يوحنا السالزبوري:
«يتلقى الأمير السيف من يد الكنيسة. ومع ذلك، فإن السيف يعود إلى الكنيسة، وهي تستخدمه بيد الأمير» (Policraticus 4.3).
وبالنسبة إلى إينوسنت الثالث، فإن تعيين الإمبراطور يندرج، في الأصل (principaliter)، ضمن نطاق السلطة البابوية؛ لأن انتقال الإمبراطورية من اليونانيين إلى الرومان قد تم على يد البابا. كما يندرج، في النهاية (finaliter)، ضمن هذا النطاق أيضًا؛ لأن مباركة الإمبراطور، وتتويجه، وتقليده السلطة تقع على عاتق البابا. أما بالنسبة إلى بونيفاس الثامن، فإن الكرسي الرسولي يمتلك ملءَ السلطة (plenitudo potestatis). وإعلانه في Unam sanctam معروفٌ جيدًا: 
«نعلن، ونقرر، ونعترف، ونصرِّح بأن الخضوع للحبر الروماني أمرٌ ضروريٌّ تمامًا لخلاص كلِّ خليقةٍ بشرية».
وترد هذه العقيدة المتعلقة بملء السلطة البابوية (plenitudo potestatis) عند هنري الكريموني، وجيل الروماني، ويعقوب الفيتيربي، وبطليموس اللوقاوي. ويستند هنري إلى تفسير أوغسطينوس لآية: «أعطوا ما لقيصر»، ليستنتج أن المسيح كان له ملء السلطة السياسية، وأنه نقلها إلى بطرس بقوله: «كُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ» (متى 16: 19). أما جيل، الذي كان مؤلَّفه De summi pontificis potestate  الأساسَ للبراءة البابويةUnam sanctam  الصادرة عن بونيفاس الثامن، فيحاجج، استنادًا إلى City of God 17.19، بأن السلطة الزمنية تأتي من الله، ولكن من خلال السلطة الروحية (De Ecclesiastica potestate). ويعلن يعقوب أن هناك سلطةً واحدةً فقط لها مجالان للممارسة، أحدهما زمني والآخر روحي، وأن هذه السلطة تنتمي إلى الكنيسة:
«لا ينبغي أن يُفهم الأمر كما لو كانت هناك سلطتان متمايزتان ومختلفتان، بل إن الكنيسة تشرف بسلطانها الواحد على المجالين: الزمني والروحي» (De regimine Christiano 2.8.7).
ويدعو بطليموس إلى الثيوقراطية الكنسية استنادًا إلى City of God 5.21:
«كما أن الجسد يحيا بالنفس، كذلك تستمد السلطة الزمنية للأمراء قوتها وفاعليتها من السلطة الروحية لبطرس وخلفائه» (De regimine principum 3.7).
ولحسن الحظ، كان هناك، في خضم هذه المساجلات بين الكنيسة والدولة، لاهوتيون نجحوا في الحفاظ على تعليم أوغسطينوس الأكثر توازنًا، القائم على أن السلطتين مستقلتان، كلٌّ في مجالها الخاص، مع أن الكنيسة، بحكم طبيعتها وغايتها، تتمتع برفعتها الخاصة، ويجوز لها، بالتعاون مع الدولة، أن تمارس سموًّا أخلاقيًّا وتوجيهًا روحيًّا. ورغم أن توما كتب أن «السلطة الزمنية تخضع للسلطة الروحية، كما يخضع الجسد للنفس» (Summa theologiae, IIa IIae, q. 60, a. 6, ad 3)، وأن الحرم الكنسي يؤدي إلى سقوط السلطة (المصدر نفسه، q. 12, a. 2)، فإنه يؤكد، مع ذلك، أن الكنيسة يجب أن تقتصر على «الأسلحة الروحية» (المصدر نفسه، q. 40, a. 2, ad 1). وفي II Sentences, dist. XLIV, q. 2, a. 2، يقول توما إن السلطة الزمنية تخضع للسلطة الروحية في الأمور التي تتعلق بخلاص النفس، أما في الأمور التي تتعلق بالصالح المدني، فتجب طاعة السلطة الزمنية أكثر من السلطة الروحية («in his autem quae ad bonum civile pertinent, est magis obediendum potestati saeculari quam spirituali»). ويكتب يوحنا الباريسي، في خضم الصراع بين بونيفاس الثامن وفيليب الوسيم، محاججًا ضد جيل الروماني ويعقوب الفيتيربي: 
«هناك سلطتان متمايزتان، ولا ينبغي اختزال إحداهما في الأخرى؛ فكما أن السلطة الروحية من الله مباشرةً، كذلك السلطة الزمنية. وبناءً على ذلك، فإن الإمبراطورية من الله وحده… والبابا لا يتلقى السيف من الإمبراطور، ولا الإمبراطور يتلقى السيف من البابا… لقد قضى الله بأن تكون هاتان السلطتان متمايزتين في الجوهر وفي الأشخاص؛ لكي تُخدم المحبة وأعضاء الكنيسة من خلال الحاجة المتبادلة والتعاون… فبقدر ما يحتاج الأمير إلى الكاهن في الأمور الروحية، يحتاج الكاهن، في المقابل، إلى الأمير في الأمور الزمنية» (De potentate regia et papali 10).
وهذا هو تعليم أوغسطينوس، كلمة بكلمة تقريبًا. وهذا التعليم هو الذي صار العقيدة الشائعة للكنيسة.
 

 

صورة الله في الإنسان في الكتاب المقدَّس المعنى والمضامين

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: القس سهيل سعود .

من المفاهيم اللاهوتية الأساسية في الفكر الإنجيلي المصلح صورةُ الله في الإنسان. يذكر نصُّ خلق الله للإنسان، في سفر التكوين: «وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلَّطون على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى البهائم، وعلى كل الأرض، وعلى جميع دبَّابات الأرض كأجناسها. فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرًا وأنثى خلقهم» (تكوين 1: 26-27). إنَّ صورة الله في الإنسان هي الميزة التي تميِّزه عن سائر المخلوقات. وقد فسَّرت الكنائس المسيحية المختلفة نصَّ سفر التكوين المشار إليه بطرائق متباينة. فالكنيسة الكاثوليكية ميَّزت بين صورة الله وشبه الله في الإنسان، واعتقدت أن صورة الله تتضمَّن هبات الله الطبيعية للإنسان، مثل: الشخصية، والفكر، والإرادة. أمَّا شبه الله فهو الهبة الروحية الفائقة للطبيعة، التي أضافها الله إلى الطبيعة البشرية بعد خلق الإنسان، وقبل سقوط آدم في الخطيئة. وهي تتضمَّن المواهب الروحية، وهي: البرُّ، والقداسة، والحق. والكنيسة الأرثوذكسية، مثل الكنيسة الكاثوليكية، ميَّزت بين صورة الله وشبه الله في الإنسان، ولكن دون الاعتقاد بأن الله أضاف هبةً فائقةً إلى الطبيعة البشرية. أمَّا المصلحون الإنجيليون الأوائل، مثل: مارتن لوثر، وجون كلفن، وأولرخ زوينغلي، وغيرهم ممن صاغوا اللاهوت الإنجيلي، فإنهم في تفسيرهم لنصِّ الخلق السابق الذكر، لم يميِّزوا بين تعبيري: «صورة الله» و«شبهه»، بل اعتبروا أن التعبيرين أسلوبٌ أدبيٌّ يعبِّر عن حقيقة واحدة، ألا وهي أن الإنسان خُلق على صورة الله، وعلى مثال الله الكامل. واعتقد المصلحون الإنجيليون أن صورة الله في الإنسان تتكوَّن من ثلاث هبات روحية أساسية، هي: المعرفة الحقيقية، والبرُّ، والقداسة. 
 
وعند دراسة المصلحين لصورة الله في الإنسان في الكتاب المقدس، وجدوا أن نصوصًا عديدة تذكر تعبيرًا واحدًا، إمَّا الصورة أو الشبه، وليس التعبيرين معًا (صورة الله وشبه الله). فبعض النصوص الكتابية تذكر فقط «صورة الله»، مثل: «فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرًا وأنثى خلقهم» (تكوين 1: 27)، و«لأن الله على صورته عمل الإنسان» (تكوين 9: 6)، و«ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة، حسب صورة خالقه» (كولوسي 3: 10). وذكر نصوص أخرى تعبير «الشبه»، مثل: «يوم خلق الله الإنسان على شبه الله» (تكوين 5: 1). واعتقد المصلحون أن التفريق بين تعبيري: صورة الله وشبه الله، أخرج مفهوم صورة الله عن الإطار الذي رسمه الكتاب المقدس، أي: المعرفة، والبرُّ، والقداسة، كما ذكر الرسول بولس: «وتلبسوا الإنسان الجديد، المخلوق بحسب الله، في البرِّ وقداسة الحق» (أفسس 4: 24). ولم يرَ المصلحون في نصِّ الخلق أيَّ تلميح إلى وجود عناصر الفكر، والإرادة، والمشاعر، ضمن مكوِّنات صورة الله. 
قال مارتن لوثر: «إذا ما اعتمدنا هذه القوى، الفكر، والإرادة، والمشاعر، لتمثيل صورة الله، فإن إبليس قد يصبح صورةً عظيمةً عن الله؛ لأنه ذكيٌّ جدًا، ولديه إرادةٌ مصمَّمةٌ جدًا». وقال جون كلفن: «بما أن الله قدوس وبارٌّ، والإنسان مخلوق على صورة الله، فإن صورة الله في الإنسان مؤلَّفة من هذه السمات الروحية: المعرفة الحقيقية، والبرُّ، والقداسة. وهي صورة ديناميكية حيوية، وليست جامدةً في طبيعتها». وفي تعليقه على كتاب «وستمنستر الصغير للتعليم المسيحي»، يذكر القس توماس فينسنت قائلًا: «لا تتضمَّن صورة الله في الإنسان أيَّة مظاهر خارجية لجسد الإنسان، وكأن الله له شكل خارجي، بل إن صورة الله في الإنسان هي استقامة النفس الكاملة، والمعرفة في الفهم، والبرُّ في الإرادة، والقداسة في المشاعر».
 
إلَّا أنَّ النقطة الأساسية الفاصلة، التي أدَّت إلى تكوين مفاهيم مختلفة بين الكنائس المسيحية حول حالة الإنسان، هي سؤال: ما الأثر الذي تركه سقوط آدم في الخطيئة على صورة الله في الإنسان؟ وماذا حدث لقدرات الإنسان بعد سقوطه؟ اعتقدت الكنيسة الكاثوليكية أن سقوط آدم في الخطيئة أدَّى إلى فقدان الإنسان العطية الكبرى المضافة إلى الطبيعة البشرية، وهي «شبه الله». وهكذا، لم تفسد الطبيعة البشرية كاملةً بخطيئة السقوط، بل ضعفت فقط. وعليه، فالإنسان الساقط لا يزال يحتفظ ببعض الصلاح والإرادة الحرة، ولا يزال قادرًا على الاستجابة لنعمة الله. أمَّا الكنيسة الأرثوذكسية، فقد اعتقدت أنه، بالرغم من خطيئة السقوط، لا يزال الإنسان الساقط يحمل بعض الصلاح. ويذكر الأسقف الأرثوذكسي الإنكليزي تيموثي واير: «أن الفكر الديني الأرثوذكسي يركِّز كثيرًا على صورة الله في الإنسان… مهما كنَّا خطاةً، فنحن لم نخسر صورة الله فينا بالسقوط. فبمجرد أن الإنسان هو صورة الله، فإنَّ من الأمور التي لا يزال يمتلكها: الإرادة الحرة، والقدرة على القيام بأعمال حسنة». 
شدَّد المصلحون الإنجيليون على الدمار الكبير الذي سبَّبته خطيئة السقوط في صورة الله في الإنسان. وآمنوا أن الخطيئة محت، بشكل كامل، صورة الله في الإنسان، وأفسدت جميع قواه الفكرية، والإرادية، والعاطفية. لذلك، لم يعد يحمل في داخله أيَّ شيء صالح، وأصبح في حاجة ماسَّة إلى تدخُّل إلهي من خارج ذاته، حتى يستعيد صورة الله فيه. قال المصلح مارتن لوثر: «قبل السقوط، امتلك آدم عقلًا مستنيرًا، ومعرفةً حقيقيةً عن الله، ورغبةً صادقةً في محبة الله والقريب. لكن في السقوط، فُقدت صورة الله فيه بشكل كامل. لذلك، ليس أحد سوى الإنجيل يستطيع إعادة صورة الله إلينا، حتى نتشكَّل، بالإيمان الحقيقي والتبرير أمام الله، ثانيةً على صورة الله الخالق». 
وفي تعليقه على المعرفة التي أصبح الإنسان يمتلكها بعد السقوط، قال جون كلفن: «كل الناس لديهم معرفة فطرية بالله من خلال الأمور التي خلقها وصنعها، ولا سيما في الطبيعة. لكن هذه المعرفة لا تُخلِّص، ولا تقود الإنسان إلى المعرفة الأسمى، وهي أن الله هو المخلِّص. وذلك لأن الخطيئة أوقعت الإنسان في الخراب. فبعد السقوط، لم يعد أحد يستطيع اختبار الله أبًا متمِّمًا للخلاص، لكن الله يأتي إلينا في ابنه يسوع المسيح، الوسيط بينه وبيننا، حتى يصالحنا معه. وبالتالي، نحن بحاجة ماسَّة إلى أن تأتينا معونة أخرى من خارجنا تقودنا إلى خالق الكون نفسه. وهذا الأمر يتحقَّق من خلال نور كلمة الله، التي تقودنا إلى الإيمان بالمسيح، فنستعيد صورة الله فينا، باستعادة المعرفة الحقيقية المخلِّصة، والبرِّ، والقداسة». 
أمَّا المصلح هينريخ بولينغر، فقد قال: «إن هذا الفساد في طبيعتنا ما هو إلا محوٌ وإزالةٌ لصورة الله فينا، التي هي: المعرفة الحقيقية، والبرُّ، والقداسة». ويضيف قائلًا: «ما الذي تمكَّن من محو صورة الله فينا غير الخطيئة الأصلية، التي هي كراهيتنا لله، وأنانيتنا، ونجاستنا، وكذبنا، وشرُّنا، وجهلنا به، مما أفقدنا السعادة الأبدية معه؟ فهذا الفساد وصل إلينا جميعًا في سقوط آدم». أمَّا اللاهوتي وليم باركينز، فقد قال: «عندما أخطأ آدم، حرم نفسه أولًا من صورة الله، ثم حرم نسله منها. وبسقوطه مثَّل كل الإنسانية الساقطة والفاسدة. وهذا ما يعلنه الكتاب المقدس، فبعد سقوط آدم لم يعد نسله يولد على صورة الله، بل على صورة آدم الساقط، أبيهم، كما ذكر كاتب سفر التكوين: “وعاش آدم مئةً وثلاثين سنة، وولد ولدًا على شبهه كصورته” (تكوين 5: 3)».
في القرون اللاحقة التي تلت عصر الإصلاح الإنجيلي، ظهر بين بعض الكنائس الإنجيلية ما يُسمَّى «المفهوم الأضيق» و«المفهوم الأوسع» لصورة الله. فالمفهوم الأضيق هو مفهوم المصلحين الإنجيليين الأوائل، الذين رأوا أن صورة الله تتضمَّن الفضائل الروحية: المعرفة، والبرَّ، والقداسة، التي فُقدت بالكامل عند السقوط. أمَّا المفهوم الأوسع لصورة الله، فهو الادعاء أنها تتضمَّن أيضًا قوى الإنسان العقلية، والإرادية، والعاطفية. وادَّعى أصحاب هذا الرأي أن هذه القوى لم تتأثَّر بسقوط آدم في الخطيئة، ولم تفسد، وإنما الذي فسد هو الفضائل الروحية، أي: المعرفة، والبرُّ، والقداسة. 
وقد أوصل هذا الرأي بعض الإنجيليين إلى القناعة بأنه لا يزال لدى الإنسان الخاطئ القدرة العقلية على التفكير الصحيح، كما أنه لا يزال يملك حرية الإرادة لاتخاذ القرار الصحيح، بما في ذلك العودة إلى الله. وعليه، لا يمكن أن يكون الإنسان فاسدًا فسادًا كاملًا. يقول اللاهوتي لويس باركهوف: «ليس بين جميع الكنائس الإنجيلية إجماع على تحديد مضمون صورة الله في الإنسان. ويعترض بعض اللاهوتيين الإنجيليين على التمييز بين المفهومين: الأضيق والأوسع، ويرون في هذا التمييز خطورةً كبيرةً؛ لأنه يفتح الطريق للاعتقاد بأن بعض صفات الله لا تزال موجودة في الإنسان الساقط، فيأخذ الموضوع بُعدًا فلسفيًّا، لا بُعدًا كتابيًّا». 
كما برز إنجيليون آخرون فسَّروا صورة الله في الإنسان بأنها تظهر في منح الله الإنسان القدرة على السيادة والتسلُّط عند خلقه إياه. ولتبرير اعتقادهم اقتبسوا قول سفر التكوين: «وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلَّطون على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى البهائم، وعلى كل الأرض، وعلى جميع دبَّابات الأرض كأجناسها» (تكوين 1: 26). واعتبروا أن السيادة على الأرض من خلال الدول والحكومات المسيحية هي مظهر من مظاهر صورة الله في الإنسان السيِّد. 
وفهم لاهوتيون إنجيليون معاصرون، أمثال كارل بارت وآميل برونر، أن صورة الله في الإنسان المسيحي متضمَّنة في النفس الإنسانية، التي تخوِّل الإنسان تجاوز عالم المخلوقات الأدنى ليعيش في علاقة شخصية وفريدة مع الله، يسمُّونها علاقة «أنا وأنت»، ويعيش العلاقة نفسها مع قريبه. واعتقد آخرون أن صورة الله في الإنسان هي نعمة الله العامة لجميع البشر، دون استثناء. وذكر اللاهوتي أبراهام كويبر: «كل الناس يشتركون في النعمة العامة، لكونهم مخلوقين على صورة الله. لذا، ينبغي للجميع أن يعملوا معًا لتحسين ظروف معيشة البشر، من خلال محاربة الفقر والظلم، وإرساء العدالة في العالم». 
ووسط هذا التشتُّت الفكري حول صورة الله، دعا أحد اللاهوتيين الإنجيليين إلى العودة إلى مفهوم المصلحين الأوائل عن صورة الله، قائلًا: «لا يمكن أن نفهم صورة الله من خلال الأمور المتعلقة بالروح، كالذاكرة والعقل والإرادة، ولا من خلال السيادة والحكم، اللذين جعلا من الناس آلهةً صغيرةً، بل من خلال الفضائل الروحية»، كما قال الرسول بولس: «الإنسان المخلوق بحسب الله في البرِّ وقداسة الحق» (أفسس 4: 24).
قال أحد اللاهوتيين: «بما أن الإنسان الساقط لم يعد على صورة الله، فإن صورة الله قد ارتبطت، بشكل عضوي، بيسوع المسيح، ابن الله الحي، وصورة الله الكاملة (عبرانيين 1: 3). فآدم، قبل سقوطه في الخطيئة، كانت له صفتان، هما: كونه على صورة الله، وكونه أيضًا ابنًا لله. وبالسقوط خسر الصفتين معًا: صورة الله فيه، وبنوَّته لله. لكن عندما يختبر الإنسان الخاطئ خلاص المسيح، بالنعمة المجانية وعطية الإيمان، فإن الله يعيد إليه الصفتين معًا». وقال اللاهوتي الإنجيلي ريتشارد سايبس: «يجب أن نفهم صورة الله في ارتباطها بيسوع المسيح، آدم الثاني، كما يقول الرسول بولس: “صار آدم الإنسان الأول نفسًا حيَّة، وآدم الأخير (المسيح) نفسًا محيية. الإنسان الأول من الأرض ترابي، والإنسان الثاني، الرب، من السماء. وكما لبسنا صورة الترابي، سنلبس أيضًا صورة السماوي” (1كورنثوس 15: 45، 47، 49). فسمات المعرفة، والقداسة، والبر، كاملة في شخص يسوع المسيح. لذلك، نحن مدعوون لأن نكون على مثال يسوع المسيح، آدم الثاني، في المعرفة الحقيقية، والقداسة، وحياة البر».
ويفسِّر اللاهوتي سايبس قوله هذا، معلنًا: «أنه عندما وضع الله صورته في آدم الأول، مُحيت وفسدت وفُقدت بسبب الخطيئة، لكنه الآن يستعيدها بالإيمان الحقيقي بيسوع المسيح، آدم الثاني». إلَّا أن استعادة صورة الله في الإنسان، من خلال الإيمان بالمسيح، تتحقَّق تدريجيًّا بنمو الفضائل الروحية الثلاث فينا، التي ذكرها الرسول بولس، وهي: المعرفة الحقيقية، والبرُّ، والقداسة، إلى أن تكتمل بصورة نهائية في السماء الجديدة والأرض الجديدة، كما قال الرسول بولس: «ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف، كما في مرآة، نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها، من مجد إلى مجد» (2 كورنثوس 3: 18).
 
صورة الله في الإنسان دعوة لخدمة الإنسان
المصلح جون كلفن
في كتابه «إنسانية جان كلفن»، الصادر عام 1971، يشير الكاتب ريتشارد ستوفر إلى الروح الإنسانية الكبيرة التي تحلَّى بها كلفن، والتي تستند إلى مبادئه الإنجيلية، والكتابية، واللاهوتية؛ إذ يركِّز كلفن على حقوق الإنسان. يقول كلفن: «إن إنسانية الإنسان تعطيه الحق في المطالبة بالاحترام والكرامة». ويقول أيضًا: «على كل إنسان في المجتمع، ولا سيما الفقراء، أن يكون لديه الشعور بالاستحقاق، لكونه إنسانًا، ويجب أن ينظر إليه الآخرون في المجتمع على أنه مستحقٌّ، من خلال إنسانيته، بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، وطبيعة علاقته بالمسيح». 
وعظ كلفن سلسلةً من المواعظ بلغت مئتَي عظة، تناولت موضوع الغريب، والفقير، واليتيم، والأرملة، للتأكيد على مسؤولية مدينة جنيف تجاههم، ولا سيما أن جنيف كانت تشهد تدفُّقًا كبيرًا للاجئين الغرباء الذين أتوا إلى المدينة هربًا من الاضطهاد الديني، وكان معظمهم ممن اعتنقوا مبادئ الإصلاح الإنجيلي، فأظهر لهم تعاطفًا كبيرًا. وفي عظته على سفر التثنية (16: 11)، وعند الآية: «والغريب واليتيم والأرملة الذين عندك»، توقَّف كلفن عند عبارة «الذين عندك»، ليقول إن الاهتمام بالفقراء، ورعايتهم، ومساعدتهم، مسؤوليةٌ شخصية؛ لأنهم موجودون عندك. وفي كتابه «مبادئ الإيمان المسيحي»، يذكر كلفن قائلًا: «إن أيَّ إنسان تلتقي به، ويكون بحاجة إلى مساعدتك، ليس لك الحق في أن ترفض مساعدته. فإذا اعتبرت أنه غريب، فتذكَّر أن الله أعطاه علامةً ينبغي أن تكون معروفةً لديك، إذ منعك الله أن تتغاضى عن لحمك (كما يقول النبي إشعياء 58: 7). وإذا اعتبرت أنه محتقرٌ وبلا قيمة، فتذكَّر أن الله أراه أنه أحد الذين منحهم جمال صورته. وإذا اعتبرت أنك غير مُلزَم بتقديم أي خدمة له، فتذكَّر أن الله وضعه في حالته لكي تدرك البركات الكثيرة التي أغدقها عليك. وإذا اعتبرت أنه لا يستحق أقلَّ جهودك، فتذكَّر أن صورة الله فيه تجعله مستحقًّا لأن تبذل نفسك وكل أملاكك».
وفي تفسيره لكلمات النبي إشعياء (58: 6-7) حول ماهية الصوم الحقيقي، إذ يقول إشعياء: «أليس هذا صومًا أختاره: حلَّ قيود الشر، وفكَّ عقد النير، وإطلاق المسحوقين أحرارًا، وقطع كل نير؟ أليس أن تكسر للجائع خبزك، وأن تُدخل المساكين التائهين إلى بيتك؟ إذا رأيت عريانًا أن تكسوه، وأن لا تتغاضى عن لحمك» (إشعياء 58: 6-7)، قال كلفن: «إذا رفضت مساعدة المحتاج بكسر خبزك للجائع، وإدخال المسكين التائه إلى بيتك، وإكساء العريان، وعدم التغاضي عن لحمك، فهذا خير دليل على عدم إنسانيتك؛ لأن عدم إنسانيتك يتجسَّد في احتقار أولئك الذين نرى فيهم صورة الله وشبهه». لقد دعا كلفن إلى أن يعمل كل إنسان لأجل قريبه، لا لأجل منفعته الشخصية، لأن الله يفرح بالمجتمع الذي يسعى فيه كل إنسان إلى خير إخوته وأخواته في الإنسانية. وبتعبير آخر، أزال كلفن كل الحدود والقيود التي تفصل بين البشر، ودعا إلى الإنصاف في تعامل الناس بعضهم مع بعض، وإلى أن يحقِّق كل إنسان دوره بحسب مشيئة الله.
في مقالته حول «اهتمام جان كلفن بالفقراء»، علَّق الكاتب وودستر على عظة كلفن حول مقطع من سفر أيوب (31: 16-22)، الذي يرد فيه ما يلي: «إن كنت منعت المساكين عن مرادهم، أو أفنيت عيني الأرملة، أو أكلت لقمتي وحدي، فما أكل منها اليتيم… إن كنت رأيت هالكًا لعدم اللباس، أو فقيرًا بلا كسوة، إن لم تباركني حقواه، وقد استدفأ بجزَّة غنمي. إن كنت هززت يدي على اليتيم، لما رأيت عوني في الباب، فلتسقط عضدي من كتفي، ولتنكسر ذراعي من قصبتها». وقد توقَّف الكاتب وودستر عند قول كلفن: «يمكن أن نساعد الفقراء، ولكن إن لم يكن قلبنا مملوءًا بالرحمة والعطف، فلن يفيد ذلك. لذلك، يجب أن يكون لدينا قلب إنسان محب؛ لأنه عندما نعطي من قلب محب، عندئذٍ يقبل الله عطايانا ذبيحةً مقدسةً ورائحةً زكيةً». وفي عظته حول قول كاتب سفر التثنية (15: 11): «لأن الفقراء لا يفقدون من الأرض»، علَّق كلفن قائلًا: «يجب ألَّا نعتبر أن الفقر والفقراء أمرًا محتومًا في المجتمع، فنستعمل ذلك تبريرًا لرفض مساعدتهم، بحجة أنهم موجودون دائمًا في الأرض، بل يجب أن نمدَّ لهم يد المساعدة». وبالتالي، كان كلفن حذرًا من أن يجعل وجود الفقراء في العالم أمرًا رومانسيًّا محتومًا.
استخدم كلفن تشبيه «الأم» للكنيسة، ليس فقط ليشير إلى وحدة المؤمنين والمؤمنات في كنيسة يسوع المسيح، إذ إن الأم توحِّد أولادها وتجمعهم في شخصها، بل أيضًا لأنها ترعى أولادها، وتهتم بتأمين القوت، والغذاء، والإرشاد لهم. وقد استحوذ موضوع رفض جميع أنواع الظلم على فكر كلفن؛ إذ كان رافضًا بقوة لاستغلال الفقراء. كما رفض أن يقوم الأغنياء بدور سلبي في المجتمع، وأن يستخدموا أموالهم مصدرًا للقوة في ظلم الفقراء. فالظلم، بالنسبة إلى كلفن، هو بالدرجة الأولى تدميرٌ لخليقة الله، وبالتحديد تدميرٌ للفرح الذي يحمله الله في خليقته. وفي تفسيره للمزمور (104: 31): «يكون مجد الرب إلى الدهر، يفرح الرب بأعماله»، قال كلفن: «ما قاله المرنِّم ليس أمرًا سطحيًّا، لأن الله يرغب في أن يستمر النظام الحسن الذي أقامه منذ خلق العالم والبشر جميعًا، كما يقول كاتب سفر التكوين: “ورأى الله كل ما عمله، فإذا هو حسنٌ جدًا” (تكوين 1: 31)، وذلك من خلال العدالة بين الناس، والاستخدام الصحيح لعطاياه الصالحة التي منحها للبشرية». وقال كلفن: «على الأغنياء أن يتعلَّموا كيف يكونون فقراء في الروح، لطفاء، ومعطائين».
آمن كلفن بضرورة عدالة توزيع الثروة بين الناس، بين الأغنياء والفقراء. وقال كلفن: «بما أن الناس مخلوقون على صورة الله ومثاله، فهم مدعوون إلى أن يتمتعوا بالشركة بعضهم مع بعض، وأن يشتركوا معًا في الخيرات التي منحها الله في خليقته. كما أنهم مدعوون إلى أن يكونوا مسؤولين أمام الله، فيساعد بعضهم بعضًا، من أجل مجد الله الأعظم، وخير البشر العام». وقد أوضح هذه النظرة في تفسيره لقول الرسول بولس إلى كنيسة كورنثوس: «فإنه ليس لكي يكون للآخرين راحة، ولكم ضيق، بل بحسب المساواة، لكي تكون في هذا الوقت فضالتكم لإعوازهم، كي تصير فضالتهم لإعوازكم، حتى تحصل المساواة. كما هو مكتوب: الذي جمع كثيرًا لم يفضل، والذي جمع قليلًا لم ينقص» (1 كورنثوس 8: 13-15). 
ويذكر كلفن أن الله منحنا جزءًا من طبيعته، حتى لا يعيش بعض الناس في غنًى فاحش، ويعيش آخرون في فقر مدقع. لذلك، على كل إنسان، وبحسب قدرته، أن يساعد من لا يملك، لأن الله يرغب في أن تكون هناك مساواة بين الناس. كما دعا كلفن الأغنياء إلى تجنب الرخاء المفرط والبذخ في حياتهم ومعيشتهم، وتوجيه أموالهم إلى المواضع المناسبة. ويقول الكاتب أندريه بيليه: «إذا ما أخذنا بعين الاعتبار، ليس فقط فكر كلفن، بل أيضًا نشاطاته الاجتماعية الشخصية، فإننا نستطيع أن ندرك أن عمل هذا الإنسان يمكن أن يُعرَّف بأنه “الاجتماعية الشخصية”، لأنه أراد أن يضمن الأُخوَّة والتضامن اللذين يوحِّدان الناس في المجتمع».

 

 

"التنمية والعدالة الاجتماعية من منظور كتابي لاهوتي"

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: د. فنيس نقولا

دخل المجتمع الكنسي مجال التنمية في ظلِّ مفاهيم متنوِّعة أحيانًا، ومتغيِّراتٍ متلاحقةٍ أحيانًا أخرى، ممَّا أدَّى إلى تعدُّد الآراء، وربما تضاربها، بين ما يُعَدُّ مقبولًا كنسيًّا في مجال التنمية، وبالتالي يجوز للكنيسة ممارسته، وما لا يُعَدُّ مقبولًا، بما في ذلك فكرة «التنمية» نفسها، باعتبارها لا تتفق مع التعليم الكتابي والتطبيق اللاهوتي؛ لأنها من العلوم الإنسانية التي لا توافق التعليم الديني.
ولذلك، تجري محاولات كنسية لإضفاء مِسحةٍ دينيةٍ على المشروع التنموي، سواء من ناحية تفادي العبارات غير الدينية، أو من ناحية الإصرار على الاتكاء على نصٍّ دينيٍّ واضحٍ وصريحٍ يجيز الأخذ بما توفِّره الأبحاث في مجال التنمية.
 
ما التنمية؟ 
التنمية عنصرٌ أساسيٌّ للاستقرار والتطوُّر الإنساني والاجتماعي، وهي عمليةُ تطوُّرٍ شاملةٍ أو جزئيةٍ مستمرةٍ، تتخذ أشكالًا مختلفةً تهدف إلى الارتقاء بالوضع الإنساني نحو الرفاه والاستقرار والتطوُّر، بما يتوافق مع احتياجات الإنسان وإمكاناته الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وتُعَدُّ الإنسانَ وسيلتَها وغايتَها https://ar.wikipedia.org/wiki)). 
فالتنمية ليست لفظًا يُطلَق من باب الوجاهة على بعض الأنشطة الاجتماعية، وإنما هي مطلبٌ أفرزته الخبرات الإنسانية. فقد ساد مفهوم «التقدُّم»، أو الانتقال الاجتماعي من وضعٍ إلى وضعٍ أفضل منه، نتيجةً لاكتشاف أحد قوانين الطبيعة، مما مكَّن البشر من فرض مزيدٍ من سيطرتهم على الطبيعة وتحقيق تقدُّم المجتمع. غير أن الحروب والأزمات والانهيارات الاجتماعية وغيرها كشفت عن احتمالية انتكاس حركة التقدُّم.
من هنا كانت التنمية عنصرًا أساسيًّا لاستقرار الإنسان وتطوُّره، واستقرار المجتمع وتطوُّره، ثم أُضيف إليها مصطلح «التنمية المستدامة»؛ أي التنمية القابلة للاستمرار، وهي التي تُلبِّي احتياجات الحاضر دون أن تُهدِر قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها. (سامي خشبة، مصطلحات الفكر الحديث-ج1، ص ص230-241).
من هنا اتَّسع مفهوم التنمية ليشمل معنًى أوسع من مجرد سدِّ الاحتياجات المادية، التي تظهر في صورة شُحِّ الموارد المادية وعدم كفايتها لتلبية مطالب الفرد اليومية، والحصول على الطعام والمأوى والملبس والخدمات التعليمية والصحية، ناهيك عن الاحتياجات الطارئة. إذ يراعي مفهوم التنمية الجانب المعنوي، وهو أشدُّ وطأةً من الجانب المادي؛ فتأثُّر الفرد بالشعور بالحاجة، وما يترتب عليه من انعكاسٍ على إدراكه أهميته داخل الجماعة، يؤثِّر سلبًا في إحساسه بقيمته وتطلُّعه إلى تحسين حياته المعيشية، بل وفي استجابته للتنمية وبرامجها. وهذا ما عبَّر عنه باولو فريري بمصطلح «اختزال الصفات الإنسانية» (ويقصد به تصوير واقعٍ يُضعِف الصفات الإنسانية)،  وذلك عندما تفتقد برامج التنمية الكفاءةَ المطلوبة لتحقيق أهدافها، فلا يستفيد منها الفئات المستهدفة.
وللراحل الدكتور القس صموئيل حبيب  رؤيةٌ لاهوتيةٌ فيما يختص بلاهوت التنمية، سجَّلها عام 1979. وتقوم رؤية الدكتور صموئيل حبيب على عدة أسس، منها: أن الله خلق الإنسان على صورته، وأن دعوة الله تشمل التحرير من خطايا الفرد والمجتمع على السواء، وأنها التزامٌ مسيحيٌّ ينبع من عدم رضا الله عن مذلَّة شعبه. كما أن تجسُّد السيد المسيح دعوةٌ إلى الإنسانية الحقَّة، وإظهارٌ لاهتمام الله بالإنسان، وإعلانٌ لمحبته له ورغبته الصادقة في استرداد الإنسان إلى إنسانيته. وبالتالي، فإن شعب الله مسؤولٌ عن تفعيل التنمية الذاتية لأفراده، ليكونوا على مستوى المسؤولية في خدمة البيئة في مختلف مجالات الحياة.
من هذا المنطلق، تصبح العدالة الاجتماعية والتنمية ركيزتين متكاملتين لبناء مجتمعاتٍ مستقرةٍ ومزدهرةٍ؛ فلا تنميةَ مستدامةَ دون عدالةٍ تضمن توزيع عوائد التنمية توزيعًا عادلًا ومتكافئًا.
 
ما العدالة الاجتماعية؟
العدالة في اللغة 
• تُشكِّل العدالةُ معنى الحياد التام وعدم التحيُّز، وتقوم على إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، وعدم الاعتداء على الآخرين.
• وهي مَلَكةٌ تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة.
• العدالة الاجتماعية: (الاقتصاد) نظامٌ اقتصاديٌّ يعمل على إزالة الفروق الاقتصادية الكبيرة بين طبقات المجتمع https://www.almaany.com/ar/dict/ar-
واستخدمت هذه الكلمة في الشريعة بمعنى:
• القواعد التي تقود وترشد الذين في موضع القضاء (لاويين 19: 35) (أمثال 29: 14) 
• أوصى بها الرب (أمثال 31: 8، 9)؛ (إشعياء 1: 17). 
وكانت الحقوق الإنسانية في قمة اهتمامات يسوع المسيح، أمَّا العدالة والأخلاق فهما يمثِّلان المستوى الأخلاقي لسلوك الإنسان (إشعياء 26؛ عاموس 5: 24؛ 1كورنثوس 4: 1).
 
العدالة الاجتماعية في العهد القديم
تقدِّم أسفار العهد القديم منظورًا للعدالة الاجتماعية (مثال إشعياء- حبقوق- ملاخي– ميخا… وغيرها). 
 
إقرار العدالة الاجتماعية يعني إقرار الإنسانية: 
يرى الدكتور حبيب أن إقرار العدالة الاجتماعية أمرٌ لازمٌ لإقرار إنسانية الإنسان؛ فالكتاب المقدس يجعل العدالة أساسًا للعلاقات الإنسانية، والمسيحيون مدعوون إلى المطالبة بإعادة النظر في أوضاع النظم الاجتماعية التي تقوم على أسس الظلم الاجتماعي، وإحلال نظمٍ اجتماعيةٍ ينمو فيها البر والعدل والحق (عا 5: 10-17): “فِي الْبَابِ يُبْغِضُونَ الْمُنْذِرَ، وَيَكْرَهُونَ الْمُتَكَلِّمَ بِالصِّدْقِ.  لِذلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمْ تَدُوسُونَ الْمِسْكِينَ، وَتَأْخُذُونَ مِنْهُ هَدِية قَمْحٍ، بَنَيْتُمْ بُيُوتًا مِنْ حِجَارَةٍ مَنْحُوتَةٍ وَلاَ تَسْكُنُونَ فِيهَا، وَغَرَسْتُمْ كُرُومًا شَهِية وَلاَ تَشْرَبُونَ خَمْرَهَا. لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّ ذُنُوبَكُمْ كَثِيرَةٌ وَخَطَايَاكُمْ وَافِرَةٌ أَيُّهَا الْمُضَايِقُونَ الْبَارَّ، الآخِذُونَ الرَّشْوَةَ، الصَّادُّونَ الْبَائِسِينَ فِي الْبَابِ. لِذلِكَ يَصْمُتُ الْعَاقِلُ فِي ذلِكَ الزَّمَانِ لأَنَّهُ زَمَانٌ رَدِيءٌ.  اُطْلُبُوا الْخَيْرَ لاَ الشَّرَّ لِكَىْ تَحْيَوْا، فَعَلَى هذَا يَكُونُ الرَّبُّ إِلهُ الْجُنُودِ مَعَكُمْ كَمَا قُلْتُمْ اُبْغُضُوا الشَّرَّ، وَأَحِبُّوا الْخَيْرَ، وَثَبِّتُوا الْحَقَّ فِي الْبَابِ، لَعَلَّ الرَّبَّ إِلهَ الْجُنُودِ يَتَرَاءَفُ عَلَى بَقِية يُوسُفَ. لِذلِكَ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ إِلهُ الْجُنُودِ: «فِي جَمِيعِ الأَسْوَاقِ نَحِيبٌ، وَفِي جَمِيعِ الأَزِقَّةِ يَقُولُونَ: آهِ! آهِ! وَيَدْعُونَ الْفَلاَّحَ إِلَى النَّوْحِ، وَجَمِيعَ عَارِفِي الرِّثَاءِ لِلنَّدْبِ وَفِي جَمِيعِ الْكُرُومِ نَدْبٌ”. 
ويقول الدكتور حبيب: «يقف يسوع وراء القيم الاجتماعية والأخلاقية للتقوى الفردية والجماعية، كما أن للتاريخ المقدس جانبًا دينيًّا يقدِّم الفهم المسيحي عن الله والعالم والنفس، سواء من ناحية القيم أو من ناحية الفهم المسيحي، وكلاهما يرتبط بالفداء؛ إذ تنشأ عنهما رؤيةٌ فكريةٌ مسيحيةٌ تُسهم في تكوين المجتمع».
وعودةً إلى باولو فريري، فإنه يرى أن التنمية موجهةٌ نحو التحرير، وأن التعليم يهدف إلى أن يشعر المتعلِّم بواقعه، فيتحرك ليقف على قدميه إنسانًا حرًّا، لا أن يقتصر على مناهج تعليمية لا تدفع إلى التحرير.
ولعلَّ كلَّ من يعمل في مجال التنمية في حاجةٍ إلى استيعاب هذا المفهوم، كما أن برامج التنمية في الكنيسة المصرية في حاجةٍ إليه أيضًا؛ إذ إنها، في أغلب الأحوال، تكتفي بمفهوم «إخوة الرب»، الذي يقضي بالتعامل مع الطبقات الفقيرة من خلال سدِّ إعوازها المادي، فلا تُعلِّم الفقير الصيد، بل تعطيه السمكة وكفى. والأدهى من ذلك أن «إخوة الرب» لا يُخصَّص لهم الاسم فحسب، بل تُخصَّص لهم أيضًا أماكنُ التواجد؛ فتقتصر اجتماعاتهم عليهم، والأصعب من ذلك أن يتمدَّد هذا المفهوم ليشمل جميع الاجتماعات الفرعية، مثل: «أولاد إخوة الرب» (الإعدادي والثانوي).
 
مسئولية الكنيسة
شعب الله جماعة فاعلة
كتب الدكتور القس فايز فارس في كتابه «الأخلاق المسيحية» أن ملامح أخلاقيات الشخصية المصرية المسيحية ظلَّت، لعقودٍ طويلةٍ، تتبنَّى قيمًا توفِّر بالكاد انحصار الجماعة وتقوقعها حول نفسها؛ حمايةً لوجودها. أمَّا أن تكون جماعةً فاعلةً كما قصد الله لها، فذلك أمرٌ يحتاج إلى إعادة النظر في المنظومة القيمية والأخلاقية التي ينبغي للكنيسة أن تغرسها في وسط الجماعة. فالكنيسة، بحسب فكر الله، تشير إلى شعب الله الذي خلقه على صورته، وإلى السيد المسيح الذي كان يجول يصنع خيرًا.
فشعب الله مسؤولٌ عن التنمية الذاتية لأفراده؛ ليكونوا على مستوى المسؤولية في خدمة البيئة في مختلف المجالات (حبيب، المرجع السابق). وشعب الله يتكوَّن من جماعةٍ متحرِّكةٍ قبل أن يكون خاضعًا لنظام؛ فالكنيسة مدعوَّة إلى التحرُّك لخدمة العالم أجمع.
 
الكنيسة وتدعيم قيم تتعامل مع قضايا ومشاكل العصر
يحتاج الأمر إلى إلقاء نظرةٍ جديدةٍ في إطار إعادة التفكير في القيم الأخلاقية المسيحية المصرية، تبدأ بمراجعة مفهوم القيمة الأخلاقية في حدِّ ذاته؛ حتى تتمكَّن الكنيسة من الإسهام في صياغة قيمٍ أخلاقيةٍ مسيحيةٍ جديدةٍ تُبنى وتُؤسَّس على تفسيرٍ صحيحٍ للكتاب المقدس، وتعبِّر عن نضجٍ فكريٍّ ولاهوتيٍّ يؤمن بأن طبيعة المسيحية هي حياةُ الروح القدس المبدع الخلَّاق، والمحبةُ المسؤولة التي تتجاوب بوعيٍ ومرونةٍ مع ظروف الحياة ومواقفها المتغيِّرة.
ومازال ما كتبه الراحل د. صموئيل حبيب واجب الاتباع  حين قال إن على الكنيسة العمل على:
• قيمة احترام العمل
• احترام الفكر الخلاّق والمبتكَر والبعد عن التواكلية
• تغيير النظرة لمشروعات الخير من حيث عدم الاكتفاء بتسديد احتياج الفقراء ولكن العمل على تنمية البشرية ككل، وبمعنى فهم معنى القريب كما شرحه السيد المسيح، فهو ليس فقط المسيحي ولكن هو أي إنسان يحتاج للعون.  
التمييز بين الخدمة الاجتماعيةSocial Service  والفعل الاجتماعيSocial action  فالخدمة الاجتماعية تخدم حاجات الإنسان والفعل الاجتماعي يرفع أسباب الفقر ويتخذ القرارات السياسية والاقتصادية ويراعي العدالة وتغيير النظم والأجهزة لصالح ذلك، وهذا يحتاج أن تضيف الكنيسة لدعوتها لفكرة الخلاص الفردي من الخطية، دعوة أخرى وهي الخلاص الشامل، فلا يقتصر دور الدين على الإلهام الروحي والضبط الأخلاقي ومهاجمة بعض الظواهر ووصمها بالحرام أو ما لا يليق، والمصادقة على بعض السلوكيات ووصفها بالحلال أو ما يليق.
فدور الدين يستند إلى مركزية الحضور الإلهي في التاريخ الانساني والتفاعل في الظروف المعيشية والتطور المجتمعي.
فما الخطوات التنفيذية التي على الكنيسة أن تستفيد بها لتحقيق هذا الهدف؟
 
أولًا: الجانب العلمي
أ‌- الأخذ بمنهج التفكير العلمي، والاستفادة من العلوم الإنسانية في كل خطوةٍ تنمويةٍ؛ فلم يعد العمل غير المنظم مجديًا؛ نظرًا إلى تعقُّد مجالات الحياة وتنوُّعها.
ب‌- إيجاد توجُّهٍ كتابيٍّ ولاهوتيٍّ للكنيسة ولكليات اللاهوت؛ لإعطاء أهميةٍ جادةٍ ومؤثِّرةٍ لغرس مفهوم التنمية، ولا سيما أن الكتاب المقدس بعهديه يتميَّز بالثراء والغنى في هذا المجال، غير أن الاكتفاء بالقراءة البسيطة يُغيِّب كثيرًا من المعاني.
ج‌- تقديم قراءةٍ لاهوتيةٍ جديدةٍ، سواء بالاستعانة بما يتوافر في المكتبة العربية، أو بالاستفادة من كتابات اللاهوتيين الذين أولوا اهتمامًا بالمجال التنموي، سواء في الكتابات العربية أم الأجنبية.
د‌- إعادة النظر في التوجُّس الحذِر الشديد تجاه الأفكار الجديدة، ولا سيما في المجال الروحي، التي يمكن معالجة نواحي ضعفها، ومن ثمَّ الاستفادة منها. ومن أمثلة ذلك الدعوة إلى «الإنجيل الاجتماعي»؛ إذ رأى لاهوتيو الإنجيل الاجتماعي أن ملكوت الله قائمٌ هنا على الأرض، وليس أُخرويًّا، مما أدَّى إلى رفض الفكرة بأكملها من قِبل التيار المحافظ.
ه‌- تشغيل الطاقات الموجودة داخل الكنيسة من المتخصصين في المجالات المرتبطة بالتنمية، مثل: الأخصائيين الاجتماعيين، وأساتذة التنمية ومدربيها، والكتَّاب والمنظِّرين. ومن المفارقات أنهم يمارسون هذه التخصصات خارج الكنيسة بوصفها مهامَّهم الوظيفية، بينما لا تلتفت الكنيسة إلى أهمية دورهم داخلها.
و‌- الاستفادة من زيارات قادة الكنيسة وأفرادها إلى كنائس الغرب، والتعرُّف إلى مفهومها للتنمية، والاستفادة من نظرتها إلى العمل التطوعي والالتزام المطلوب من المتطوعين، إذ لا ينصب اهتمام تلك الكنائس على فخامة المباني أو اتساعها، إلا بالقدر اللازم لتوفير خدماتٍ تنمويةٍ مدروسةٍ ومنظمةٍ تشمل الكنيسة، وتمتد إلى المجتمع المحيط بها خارج أسوارها.
 
ثانيًا: الجانب العملي
أ‌- من هم الفقراء في العصر الحالي في ظلِّ المتغيرات التي يمكن وصفها بأنها غير محسوبة، ولا سيما في الجانب الاقتصادي؟ وماذا عن الفئات التي تغيَّرت ظروفها نتيجة الحراك الاجتماعي الصاعد والهابط غير المحسوب، تحت ضغط العوامل الاقتصادية؟ وما مدى احتياج هذه الفئات إلى ضمِّها إلى البرامج التنموية بمختلف أنواعها؟ وكيفية التعامل معها؟
ب‌- كما أن تنوُّع الجماعة وتباينها لا بد من أخذهما في الاعتبار عند التفكير في البرامج التنموية وأسلوب تنفيذها (الريف – الحضر – الأحياء الشعبية – الأحياء العشوائية).
ج‌- تتجه الكنائس إلى إعداد برامج ومناهج للاجتماعات الفرعية بالكنيسة (مثل: مجلس التربية المسيحية بالسنودس: الابتدائي – الإعدادي – الثانوي – الشباب)، ومن المفيد أن تتضمن هذه المناهج ما يغرس القيم الأخلاقية والاجتماعية والتنموية.
د‌- تضمين الوعظ في الاجتماعات الفرعية القيمَ الأخلاقية والتنموية.
ه‌- وإن كان لا بد من وجود اجتماعات «إخوة الرب»، فليُضَف إلى أنشطتها غرسُ قيم العدالة، ورفض الظلم، وترشيد الاستهلاك، واحترام الآخرين، ونبذ التفرقة العنصرية، واحترام العمل، وتعزيز مكانة المرأة، وصيانة البيئة، والتفاؤل، والعقلانية، وتعليم المرأة، وتقدير الذات، وتقدير العلم، ونبذ العنف، وإدارة الوقت، وتحقيق الذات، والاهتمام بالصالح العام، والإبداع، والانفتاح على الثقافات، والنظام والترتيب، والتخطيط، والحرية، والاعتراف بالخطأ.

 

اللاهوت البيئي (الإيكوثيولوجيا) في ليتورجيا الكنيسة: نحو وعي روحي ومسؤولية تجاه الخليقة

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: جرجس جورج 

 
تدرس الإيكوثيولوجيا العلاقة بين الإيمان والبيئة. كما يمكن وصفها بأنَّها حركةٌ اجتماعيةٌ وروحيةٌ في الوقت نفسه، إذ تستكشف تأثير المعتقدات الدينية في التفاعل البشري مع الطبيعة.  أثارت هذه الحركة انتقاداتٍ من المسيحيين للهيئات الدينية؛ بسبب إهمالها التدهور البيئي وتقصيرها في مواجهة الأزمات الإيكولوجية الراهنة. وردًّا على ذلك، عاد اللاهوتيون والفلاسفة إلى النصوص المقدسة؛ للبحث عن إشاراتٍ إيكولوجية. ووجدوا العديد من المقاطع التي تؤكد سيادة الله على الكون، وتدعو البشرية إلى الوكالة على الأرض وحماية الطبيعة. ويثير ذلك تساؤلًا عن سبب إغفال مثل هذه الرؤى الإيكولوجية في النصوص الدينية قرونًا عديدة. فهل كان الأمر حالةً من الغفلة التاريخية، أم أن هذه الآراء كانت تُعَدُّ متقدمةً جدًّا على زمانها؟ ولا أنكر وجود اهتمامٍ إيكولوجيٍّ في الماضي، لكنه لم يكن حاضرًا بقوة. ويفرض كلٌّ من العهدين القديم والجديد مسؤوليةَ البشرية تجاه الأرض. ومن الموضوعات الرئيسة في العهد القديم قصةُ الخليقة في سفر التكوين، وفي العهد الجديد تتحدث رسائل بولس عن استعادة جميع المخلوقات.
ولا يذكر الكتاب المقدس البيئة أو علومها صراحةً؛ لأنه ليس كتابًا علميًّا. وبدلًا من ذلك، يركز على الإنسان في إطار البيئة التي يعيش فيها. وعلى الرغم من عدم وجود تعليمٍ إيكولوجيٍّ مباشر أو صريح في الكتاب المقدس، فإن المرء يجد إشاراتٍ إلى اهتمام الإنسان بالبيئة. وعلى الرغم من أن كُتَّاب الأسفار المقدسة ربما لم يكونوا على درايةٍ بالمبادئ العلمية، فإن الكتاب المقدس يتناول كيفية تفاعل الإنسان مع البيئة والأرض، ويتجلى ذلك من خلال أحداثٍ ومقاطعَ مختلفة.
لقد عرفوا أهميةَ ترك الأرض بورًا في سنة السبت. وتفرقت قطعان إبراهيم ولوط، ثم لاحقًا قطعان يعقوب وعيسو؛ لأن «وَلَمْ تَحْتَمِلْهُمَا الْأَرْضُ أَنْ يَسْكُنَا مَعًا» (تكوين 13: 2–13؛ 36: 6–8). وكان العبرانيون حريصين على ألَّا تدوس الماشيةُ المناطقَ النهرية أو تلوِّثها (تكوين 29: 1–8؛ حزقيال 34: 17–19). وكان سكان المناظر الطبيعية يعيشون منغمسين في بيئتهم المحلية الأصلية. أما نحن المعاصرين، وبشهاداتنا الجامعية، فقد نسارع إلى الاعتقاد بأن العبرانيين لم يكونوا يعرفون الإيكولوجيا. 
لذلك، تنتهي الأسفار المقدسة إلى رصد التفاعلات البشرية مع الطبيعة. فهي ليست وحيًا بوجود الله بطريقةٍ مباشرة فحسب، بل هي أيضًا وحيٌ بالله في الطبيعة والخليقة والحياة البشرية. ونتيجةً لذلك، وجَّه اللاهوتيون في الآونة الأخيرة اهتمامهم نحو خلاص البشرية في سياقٍ بيئي. وأعتقد أن هذا التأخر في المناقشات اللاهوتية أو الدينية حول البعد الإيكولوجي يرجع إلى التأثير المحدود للتعاليم المسيحية المبكرة في كيفية الانخراط مع العالم الطبيعي في خلال تلك المرحلة. وفي الوقت الحاضر، تعددت النقاشات والأمثلة، مما أدى إلى تفاعلٍ مثمر بين الدين والإيكولوجيا، ولا سيما في مجال الإيكوثيولوجيا المتخصص.
المفهوم
يَتَكَوَّنُ مصطلح «الإيكوثيولوجيا» (Ecotheology) من جزأين: الجزء الأول هو «إيكو» (Eco)، وهو مشتقٌّ من الكلمة اليونانية «أويكوس» (oikos)، التي تعني «المنزل». أمّا الجزء الثاني فهو «لوغوس» (logos)، ويعني «الدراسة». ومن اجتماع الجزأين ينشأ مصطلح «الإيكولوجيا» (Ecology)، الذي يشير إلى الدراسة العلمية للبيئة. واشتقاقيًّا، يمكن فهم الإيكولوجيا ecology  على أنها دراسةُ كيفية سكن الكائنات الحية مواطنَها أو منازلَها.  وقد أُطلِقَ اسم «الإيكولوجيا» (Ecology) عامَ 1866 على يد العالِم الألماني إرنست هيكل (Ernst Haeckel) (1834–1919). ثم جرى لاحقًا ربطُه باللاهوت في مصطلحٍ واحد هو «الإيكوثيولوجيا» (Ecotheology)؛ للتعبير عن العلاقة بين العلم والدين. وقد اتخذ هذا المصطلح شكلَه النهائي نحو نهاية القرن العشرين داخل الفكر المسيحي. 
وبحسب التحليل اللغوي، فإن «الإيكوثيولوجيا» (Ecotheology) هي تأملٌ في «المنزل» الذي يضمُّ كل خليقة الله، ولا سيما العالم الطبيعي، بوصفه نظامًا مترابطًا؛ وذلك وفقًا لعالِم اللاهوت اللوثري هـ. بول سانتماير (H. Paul Santmire). وبوجهٍ عام، تُعَدُّ «الإيكوثيولوجيا» (Ecotheology) تركيبًا بين «الإيكولوجيا» (Ecology) و«اللاهوت» (Theology)، بوصفها مرحلةً من مراحل اللاهوت السياقي. 
وعلى الجانب الآخر، يقدِّم جاي ماكدانيال (Jay McDaniel)، المتأثر بفلسفة ألفرد نورث وايتهيد (Alfred North Whitehead)، طريقةً لفهم شبكة الحياة بوصفها مقاربةً فلسفيةً يمكن لعلماء البيئة من ثقافاتٍ وأديانٍ مختلفة اتباعها. ويعدُّها حركةً لقياس مدى تمتُّع الناس بالحياة، ومدى قدرة الكائنات من حولهم على التفاعل مع شبكة الحياة. ويرى أن البشر يمكنهم أن ينعموا بالحياة مع الكائنات الأخرى بمعزلٍ عن البعد الاقتصادي. وبناءً على رؤية جاي ماكدانيال (Jay McDaniel)، فإن «الإيكولوجيا» (Ecology) ليست دينًا، بل موقفٌ من الحياة وفلسفةٌ لها، يمكن التعبير عنها بمنظوراتٍ دينيةٍ مختلفة، من قِبَل أشخاصٍ يبحثون عن حلولٍ خلَّاقة لمواجهة الاستهلاكية والحكومة المركزية الضخمة. أمّا «الإيكوثيولوجيا» (Ecotheology) فهي قدرة الإنسان على الربط بين القداسة العمودية لله والانسجام الأفقي بين الكائنات الحية والبشر. 
1. الأهمية
تُعَدُّ مسألةُ ما إذا كانت «الإيكولوجيا» (Ecology) ضروريةً ومهمةً سؤالًا جوهريًّا. وبعبارةٍ أخرى: هل من الضروري ربط الدين بالبيئة، ولا سيما بالليتورجيا؟ وأرى أن هذا الربط ضروري، ولا سيما في المجتمع المصري الذي يغلب عليه الطابع الديني، في حين يفتقر إلى الوعي البيئي. لذلك، قد يكون من المفيد تفعيل الدور الإيجابي للدين، أو الاستفادة من سلطته المعنوية، في إعادة توجيه عقول المصلين المصريين وقلوبهم نحو الاهتمام بالبيئة.
إن التهديد الذي يواجه مستقبل الإنسانية يعرّض جميع أشكال الحياة للخطر، ويؤثّر في الغذاء والهواء والماء، وفي التغيّرات المناخية الحادّة والاحتباس الحراري. والسلوك البشري هو المسؤول عن هذه السموم وغيرها. 
وكما قيل: “إن الأزمة البيئية هي، في جوهرها، عَرَضٌ لمرضٍ روحيٍّ يجب مُعالجته إذا أردنا نحن وكوكبنا أن نُشفى.” 
لذلك، من الضروري أن يكون لـ ecotheology الإيكوثيولوجيا حضور داخل لاهوت الكنيسة المصرية، وأن يُطبَّق في ليتورجيا العبادة بواسطة الوعظ، والتسابيح، والصلوات، وأسرار الكنيسة. فهذه الليتورجيا ينبغي أن تُوقِظ الضمير المسيحي المصري ليُصلِح ويعتني بالبيئة.
لذلك، أطرح أولًا السؤال الآتي: لماذا «الإيكوثيولوجيا» (Ecotheology)؟ لأنها تُعَدُّ أساسًا لاهوتيًّا للتعامل مع الأبعاد الدينية والاجتماعية والسلوكية للإنسان، بحيث تجعل البيئةَ مسؤوليةً أوكلها الله إليه ليعتني بها. كما ينبغي التمييز بين «الإيكوثيولوجيا» (Ecotheology) و«عناية الخليقة» (Creation Care)، إذ يكمن الفرق بينهما في النطاق والتركيز.
فـ ecotheology الإيكوثيولوجيا مجال واسع متعدد التخصصات يستكشف العلاقة بين اللاهوت والإيكولوجيا، ويَدمِج التعاليم الكتابية والليتورجيا والرؤى الأخلاقية لمعالجة التحديات البيئية العالمية. أمّا creation care عناية الخليقة فهي مفهوم لاهوتي محدّد يُركّز على دور الإنسان كوكيل على خليقة الله، استنادًا إلى وصايا كتابية كما تُشير نصوص تكوين 1: 28–31 ومزمور 24: 1، فإن ecotheology الإيكوثيولوجيا تُقدّم إطارًا أوسع، بينما تُركّز creation care عناية الخليقة على المسؤوليات العملية والروحية، بحيث يُكمّل كل منهما الآخر في تعزيز الوكالة البيئية ecological stewardship.
ثانيًا: تُعَدُّ الليتورجيا عنصرًا أساسيًّا؛ لأنها تربط بين اللاهوت والعبادة، وتُسهِم في تعزيز الوعي البيئي والاستجابة البيئية لدى المؤمنين. ونظرًا إلى الدور الجوهري للخليقة في اللاهوت المسيحي، ينبغي أن تتفاعل الليتورجيا مع القضايا البيئية. وعلى الكنيسة المصرية أن تدرس الليتورجيا؛ لتسليط الضوء على أهمية الخليقة في العبادة، وتعزيز دور الإنسان بوصفه وكيلًا على الخليقة.
ويُشجِّع هذا التوجُّه على النظر إلى الخليقة بوصفها عطيةً إلهيةً ينبغي استخدامها بمسؤولية؛ لتحقيق خير الإنسان والبيئة معًا، من خلال دمج الوعي البيئي في الممارسة الليتورجية. 
2. الايكوثيولوجي والليتورجيا في الكنيسة المشيخية المصرية
في مجتمع الكنيسة المصرية، ولا سيما داخل الكنيسة المشيخية (Presbyterian Church)، تبرز إشكاليةٌ معقدة تتكوَّن من أربعة عناصر مترابطة: الليتورجيا، والوعي البيئي، واللاهوت، والتطبيق العملي. ويؤدي غيابُ أيٍّ من هذه المكوِّنات إلى اختلالٍ في هذه المنظومة.
إن وجود كلِّ عنصرٍ من العناصر الأربعة منفردًا غيرُ كافٍ. فبلا شك، عندما تكون الليتورجيا موجودةً بمعزلٍ عن الاعتبارات البيئية، فإن الكنيسة تفشل في معالجة هذه القضية على النحو الكافي. وكذلك، إذا وُجِد الوعي البيئي دون تمثيلٍ واضحٍ له في الليتورجيا، بقي اللاهوت غيرَ فعَّال، ومجردَ حبرٍ على ورق. ولتحقيق مقاربةٍ متكاملة، ينبغي أن تجد الليتورجيا والإيكولوجيا تطبيقًا عمليًّا في الحياة اليومية، بما يسهم في تنمية الوعي ودفع التغيير الحقيقي. وهكذا، فإن الجسر الذي يربط اللاهوت بالواقع العملي هو الليتورجيا. ومن ثم، تستطيع العبادة أن تؤثر في الأنشطة الأخرى في مختلف جوانب حياتنا، مثل السلوك في المنزل والعمل، وفي المزارع والحقول، وغيرها.
ومن وجهة نظري، تبرز في الكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر قضيتان رئيسيتان. تتعلق الأولى بليتورجيا الكنيسة: هل تمتلك الكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر ليتورجيا؟ وإن وُجدت، فهل تتضمن ليتورجيا الصلاة توجُّهًا بيئيًّا؟ أما الثانية، فتتمثل في التساؤل عمّا إذا كان بيان الإيمان (Confession of Faith) أو دستور الكنيسة (Constitution) يعالجان القضايا البيئية بأيِّ صورة.
في دستور الكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر، لا نجد مادةً واحدةً، ولا حتى بندًا، يتحدث عن علاقة الإنسان بالطبيعة المحيطة به ومسؤوليته المباشرة تجاهها. فهل يُعبِّر بيان الإيمان عن معتقد الكنيسة؟ وهل يمكن أن نتوقع أن يُشير إلى إيمان الكنيسة بمسؤولية الإنسان وشراكته مع الله في العناية بالخليقة، سواء في المادة الخامسة الخاصة بالخلق (Creation)، أم في المادة السادسة الخاصة بالعناية الإلهية (Providence)؟
وبعبارةٍ أخرى، نتيجة غياب الاهتمام بالبيئة، لا توجد في الدستور فقرةٌ واحدةٌ تتحدث صراحةً عن البيئة. ومع ذلك، نجد أساسًا لاهوتيًّا في المواد التي تتناول الخلق والعناية الإلهية، يمكن الاستناد إليه بوصفه أساسًا إيكوثيولوجيًّا داخل الليتورجيا.
تُقِرُّ هذه المواد بمسؤولية الله وتؤكدها، لكنها لا تُركِّز على مسؤولية الإنسان تجاه الطبيعة. ويحتوي الدستور على عبارتين غير مباشرتين قد تكونان متصلتين، لكنهما لا تحظيان عادةً باهتمامٍ في مناقشات الدستور أو في سياق العبادة، وهما: «قابلًا للشركة معه…» و«فهو مسؤولٌ أدبيًّا». ومن غير الملائم إخراج هاتين العبارتين من سياقهما للقول إنهما تعبِّران عن اهتمامٍ بيئيٍّ صريح، غير أنه يمكن تأويلهما بما يدعم المسؤولية اللاهوتية في العناية بالخليقة.
إذا فسَّرنا هاتين المادتين تفسيرًا سلبيًّا، وجدنا أن الله هو القائم بالرعاية، وبذلك يتقلص دور الإنسان، ولا يُسلَّط أيُّ ضوءٍ على مسؤوليته. فتُصبح المسؤولية كلُّها مُلقاةً على الله، ومن ثمَّ يُصبح الله متَّهَمًا بكل فسادٍ يحدث في الطبيعة. وعلى الرغم من أن الدستور يلامس جوانبَ مميزةً من حياة الإيمان في هذا العالم وفي الحياة الأبدية، فإنه لا يتضمن مادةً تتحدث عن تمتُّع الإنسان بامتياز كونه مخلوقًا على صورة الله، وما يترتب على هذا الامتياز من مسؤوليةٍ تتمثل في مشاركته الله في العناية بالخليقة.
الإيكولوجيا في الكنيسة الإنجيلية المشيخية
إذا اعتبرنا اللاهوت المشيخي المصري فرعًا من اللاهوت المشيخي العام، فمن المنطقي أن يكون له أساسٌ لاهوتيٌّ يربط الإنسان بوكالته على الطبيعة، بما يعكس مسؤوليته في العناية بالخليقة. ومع ذلك، وبوجهٍ عام، لم يظهر أيُّ أدبٍ لاهوتيٍّ يعالج قضية البيئة قبل النصف الثاني من القرن العشرين.  وحتى مع تزايد الوعي بالقضية البيئية العالمية وبروز التأملات الإيكوثيولوجية، فإن حالة اللامبالاة ما تزال مستمرةً حتى يومنا هذا؛ إذ لا نجد لها حضورًا في اللاهوت المشيخي المصري.
وعلاوةً على ذلك، وعلى الرغم من ظهور حركاتٍ اجتماعيةٍ تُطالِب بحماية البيئة، فإن الدور المشيخي يكاد يكون غائبًا تمامًا عن المشهد البيئي. ورغم وجود حملاتٍ فرديةٍ تهدف إلى زيادة الوعي البيئي، فإن التراث اللاهوتي للمشيخيين المصريين لم يُحرِز تقدمًا ملحوظًا في مجال الإيكولوجيا.
وبناءً على ذلك، ومن أجل معالجة البعد الليتورجي للقضية البيئية، يحتاج المشيخيون في مصر إلى لاهوتٍ ليتورجيٍّ يستكشف العلاقة بين الله والإنسان والطبيعة.
التاريخ المصري في خدمة الكنيسة
يُساعِد التاريخُ المصريُّ اللاهوتَ الكنسيَّ على تنمية الإحساس بالطبيعة؛ لأن الجذور المصرية تمنح الإنسانَ المصريَّ رابطًا إيكولوجيًّا بها. ولن يكون هذا الفكرُ غريبًا إذا استعانت به الكنيسةُ في لاهوتها؛ إذ إن التاريخَ والثقافةَ المصريَّين القديمَين قد اعتبرا النيلَ كيانًا مقدَّسًا، ووضع المصريون القدماء أسسًا للحفاظ عليه. وكان لديهم وعيٌ إيكولوجيٌّ؛ إذ كانوا يعتقدون أن من يُلوِّث النيلَ لن يدخل الفردوس. وقد صرَّح هيرودوت: «مصر هبةُ النيل».  وهنا تكمن ميزةٌ مهمَّة؛ فالإرث الإيكولوجي للثقافة المصرية القديمة حاضرٌ بالفعل في حضارتنا المصرية. وللأسف، لا تستفيد الكنيسةُ المشيخية من هذا التراث الثقافي الغني.
يمكن عزو تدهور الوضع الإيكولوجي داخل الكنيسة المشيخية إلى عوامل اجتماعية ولاهوتية في مصر؛ إذ إن انتقال المجتمع المصري من الزراعة، بوصفها مصدرًا أساسيًّا للمعيشة، إلى التصنيع قد لعب دورًا مهمًّا. فقد أُهمِلَت الأراضي الزراعية، وتحوَّل كثيرٌ منها إلى مبانٍ خرسانية. كما تراجعت الصلة بالدورات الزراعية الموسمية، وأصبحت خارج دائرة الاهتمام.
ورغم هذا التفسير، فإنه يدفعنا إلى التساؤل: ماذا تقول الكنيسة المشيخية عن البيئة؟ وكيف تُفسِّر قصة الخلق؟ وما تفسيرها لمفهوم سيادة الإنسان على المخلوقات؟
3. الإيكوثيولوجيا التفسير والقضايا اللاهوتية
أُؤكِّد على قضيتين أساسيتين: تفسير وفهم قصة الخلق، والإسخاتولوجيا (Eschatology). وقد اخترتُهما لسببين على الأقل: أولًا: لصعوبتهما وأهميتهما، بوصفهما أساسًا لاهوتيًّا محوريًّا، ليس في اللاهوت البيئي فحسب، بل أيضًا لفهم الحياة الإيمانية للإنسان بوجهٍ عام. وثانيًا: لأن الإسخاتولوجيا تتسم بالغموض؛ ولذلك ينبغي أن يكون تفسيرها، أو فهمها اللاهوتي، واضحًا.
أولًا: في العهد القديم، تُروى قصة الخلق في ضوء مسؤولية آدم بوصفه وكيلًا لله. وكانت سيادته قائمةً على العناية بالخليقة، لا على الهيمنة عليها أو استغلالها. وينبغي أن يركِّز التفسير ليس فقط على لعنة الأرض، بل أيضًا على الفداء؛ حتى تتضح الصورة الكاملة، وهي أن الأرض الملعونة لها فداءٌ في المسيح يسوع. كما يجب إعادة تفسير العداوة التي نشأت بين آدم والطبيعة بعد السقوط في ضوء التوبة. ويجب التأكيد على أن الخليقة تُعلِن الله، ولذلك لا ينبغي تشويهها؛ لأنها تُعَدُّ إحدى وسائل إعلانه. ومن ثم، تؤدي الخليقة دورًا مهمًّا في تحديد العلاقة بين الله والإنسان، بحيث يستطيع الإنسان أن يدخل في شركةٍ مع الله ويتواصل معه من خلال الخليقة؛ فالخليقة هي الحضور المنظور لله. وفي الفصل الرابع، سأشرح بمزيدٍ من التفصيل لاهوت الخلق وعلاقته بالإيكولوجيا.
ثانيًا: فيما يتعلق بتفسيرات الإسخاتولوجيا (Eschatology)، ثمة حاجةٌ إلى تنقية الأفكار المرتبطة بها، ولا سيما تلك التي تدعو إلى دمار الأرض وخرابها؛ إذ يحمل المسيحيون الإنجيليون المعاصرون رؤًى مختلفةً عن المستقبل، تؤثر في مواقفهم تجاه البيئة. فـالتدبيرية (Dispensationalism) تميل إلى اعتبار تدهور البيئة مؤشرًا على اقتراب المجيء الثاني للمسيح ونهاية الزمان. أما عقيدة ما بعد الألفية (Postmillennial Doctrine) فترى أن العالمين الطبيعي والبشري سيتحسنان تدريجيًّا حتى عودة المسيح، وتضع على عاتق المسيحيين مسؤولية الإسهام في تحقيق هذا التحسن. بينما ترى الألفية (Millennialism) والعقيدة الألفية السابقة التاريخية (Historical Premillennial Doctrine) أن إمكانات التحسن البيئي والاجتماعي تظل محدودةً في العصر الحاضر. 
ما دام أصحابُ الفكر التدبيري يتمسكون بإسخاتولوجيا تفهم العالم على أنه قائمٌ تحت حكمٍ إلهيٍّ بالموت والدمار، فلا ينبغي أن نتوقع أيَّ تغييرٍ كبيرٍ في موقفهم تجاه البيئة أو الحركة البيئية. فسيستمرون في تفسير المشكلات البيئية بوصفها من أوائل ثمار التعبير الوشيك عن غضب الله على العالم، وستُعَدُّ الدعوات إلى المشاركة في جهودٍ مستمرةٍ لمعالجة المشكلات البيئية غيرَ مجديةٍ، في أفضل الأحوال، ومعارضةً لمشيئة الله، في أسوئها. 
وفي الخطاب البيئي، يظهر نوعان عامَّان من الموضوعات الأخروية الأبوكاليبتية. أحدُ أنواع الخطاب الديني الشائع بين التدبيريين (Dispensationalists) هو الخطاب الأبوكاليبتي، الذي يُقيِّم التدهور الأخلاقي والسياسي والاقتصادي في العالم، ويرى في هذا التدهور مؤشرًا على اقتراب نهاية الزمان. ولذلك، ترى هذه المدرسة التفسيرية أن الكارثة البيئية تُجسِّد ما سبق أن تنبأ به الكتاب المقدس في تفسيرها الإسخاتولوجي، بدءًا من الكارثة الكونية في سفر الرؤيا، وانتهاءً بالنبوءة عن سقوط أورشليم في الأناجيل الإزائية. وتذهب دوائرُ أخرى أكثر تطرفًا إلى الاعتقاد بأن «الاختطاف» (Rapture) و«هرمجدون» (Armageddon) يمثلان عقابًا إلهيًّا وتعبيرًا عن غضب الله، وهما خارج نطاق سيطرة البشر. 
4. الليتورجيا في الكنيسة الإنجيلية المشيخية
يُعرَّف مفهوم الليتورجيا في الكنيسة الإنجيلية، أو بصورةٍ أوسع في العبادة المسيحية، بأنه الاستجابة الجماعية للشعب لكلمة الله. وتتضمن هذه الاستجابة قبولَهم لهذه الكلمة، التي توحِّدهم بوصفهم شعب العهد، أي الكنيسة، في كلٍّ من العهد القديم والعهد الجديد. وبناءً على ذلك، فإن الليتورجيا والكنيسة مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا، ولا يمكن الفصل بينهما. فالليتورجيا تُعَدُّ التجسيد المنظَّم والمرئي للعبادة، الذي تُعبِّر الكنيسة من خلاله عن رؤيتها للعالم.
الليتورجيا ليست مجرد جهدٍ فردي، بل هي عملُ الجماعة. وهي البعد الروحي للعبادة، متجاوزةً الأشكالَ الخارجية إلى التعمق في الجوهر. ويرى كالفن أن العبادة تبدأ داخل الكنيسة، لكنها تمتد إلى الحياة اليومية، وأن على الجميع المشاركة فيها. 
إن مفهوم الليتورجيا واسعٌ؛ إذ يشمل العالم بأسره، ويُتيح رؤيةً إيجابيةً للطبيعة وللكائنات غير البشرية. ويتوافق هذا الفهم مع رؤية الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، التي ترى الليتورجيا نشاطًا جماعيًّا يرتبط بالعالم خارج الكنيسة. ويرى كلٌّ من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الإنجيلية أن الليتورجيا ممارسةٌ عمليةٌ يومية، وليست مجرد طقوس. ويمكن لهذا الفهم المشترك أن يُسهِم في تعزيز الوحدة داخل الجماعة المسيحية، وتشجيع التعاون في القضايا المجتمعية والبيئية، ودعم المصالحة التي تعود بالنفع على الإنسان والبيئة.
الليتورجيا في الكنيسة
فيما يتعلق بشكل الليتورجيا في الكنيسة الإنجيلية في مصر، يصف إميل زاكي وفينس نيقولا ذلك في كتابهما «الكنيسة الإنجيلية في مصر»، حيث يعرضان بنية العبادة ومكوِّناتها في السياق المصري. وتتبنى الكنيسة المشيخية في مصر نظام العبادة المُصلَح، الذي يشمل صلواتٍ متنوعةً وقراءاتٍ منتظمةً من العهد القديم، والمزامير، والعهد الجديد. وتُعَدُّ العظة محورًا أساسيًّا؛ لأنها تقوم على الكلمة المكتوبة، وتقدِّم التعليم والتوجيه. كما يُعَدُّ العطاء والترانيم جزءًا لا يتجزأ من العبادة. أما العشاء الرباني، فكان يُمارَس في الماضي على فتراتٍ متباعدة؛ بهدف الفحص والتدقيق، بينما تمارسه بعض الكنائس اليوم شهريًّا أو نصفَ شهريٍّ. وتؤمن الكنيسة بأن العبادة تمتد إلى الحياة اليومية طوال الأسبوع، وليست مقصورةً على يوم الأحد أو على حضور الكنيسة. 
تمنح الكنائس مساحةً واسعةً من الحرية في شكل الليتورجيا وترتيبها، غير أن هذا التنوع الكبير في ليتورجيا العبادة داخل الكنيسة قد يؤدي إلى حالةٍ من الفوضى، وإلى غياب التأثير في عقول الناس وقلوبهم. فعلى سبيل المثال، تُترَك الصلوات التي تُرفَع من أجل الوطن والعالم لاجتهاد قائد العبادة، دون وجود نظامٍ واضحٍ يجعلها عنصرًا أساسيًّا في العبادة، ويُذكِّر المصلين باستمرار بواجباتهم تجاه وطنهم والخليقة.
ومع ذلك، لا توجد في الكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر نماذجُ ليتورجيةٌ تُعالِج القضايا البيئية بوصفها جزءًا من انخراط الكنيسة في العالم. فقد أسست الكنيسة مدارسَ ومستشفياتٍ لمواجهة الجهل والمرض، وكان ذلك دليلًا على أنها أظهرت في بداياتها وعيًا أكبر بالمشكلات المجتمعية. وبالمثل، تحتاج الكنيسة اليوم إلى مواصلة انخراطها في القضايا البيئية. فليس على الكنيسة أن تواجه الأخطار البيئية بوصفها مسؤوليةً اجتماعيةً فحسب، بل ينبغي أيضًا أن تُدرِجها في الليتورجيا بوصفها أساسًا لاهوتيًّا.
دور المزامير المنظومة في الليتورجيا
تُقدِّم المزامير للإنسان منظورًا جديدًا يتيح له أن يرى العالم والطبيعة برؤيةٍ متجددة. فهي ليست مجرد مخزنٍ للمفاهيم اللاهوتية أو استكشافٍ منهجيٍّ لله وخليقته، بل تُعَدُّ دعوةً إلى وعيٍ متعاظم، وتذكيرًا للكنيسة بفرحها بالطبيعة ومسؤوليتها تجاهها. إن هذا التكامل بين الوعي الإيكولوجي واللاهوت أمرٌ أساسيٌّ. 
المزامير، بما تتضمنه من شعرٍ وترنيم، تُشبِه ليتورجيا مقدسة؛ فهي ترانيم خُلِقَت لتُغنَّى. وفي آياتها شهادةٌ متنوعةٌ وقويةٌ عن الإيمان الحي. وتُعبِّر هذه الترانيم عن التعبد والصمود في سياقاتٍ وظروفٍ مختلفة. وبوصفها نصوصًا شعرية، تتسم المزامير بأناقةٍ أدبية، مستخدمةً صورًا حيَّةً واستعاراتٍ تُحرِّك الخيال وتُعيد تشكيل رؤيتنا. كما تؤدي المزامير دور البوابة التفسيرية، إذ تدعو القارئ إلى التفاعل مع النصوص الكتابية في انسجامٍ مع الخليقة، لا في تعارضٍ معها.
في الماضي، كانت الكنيسة المشيخية في مصر حريصةً على استخدام نظم المزامير (Metrical Psalms). وعلى الرغم من أن معظم الكنائس اليوم لم تعد تُرتِّل المزامير، واستبدلت بها، في الغالب، ترانيمَ أخرى لا تُعنى بالقضايا البيئية، فإنه لا يمكن إنكار وجود بعض الترانيم غير الموزونة التي تُسبِّح الله من أجل الطبيعة ومخلوقاته. ومع ذلك، فقد احتفظ التقليد المشيخي في مصر، تاريخيًّا، بتراثٍ غنيٍّ من نظم المزامير، يعكس ارتباطًا كتابيًّا عميقًا بالعالم الطبيعي.
فثمَّة لغةٌ كتابيةٌ متاحةٌ للكنيسة تتمحور حول الخليقة ضمن ممارستها الليتورجية، بما يُسهم في إبراز هذا البعد البيئي في الممارسة المعاصرة. فعلى سبيل المثال، يُظهِر مزمور 19: 1–6 أن شهادة الخليقة، التي تشير إلى الله، تُشكِّل جزءًا أساسيًّا من الإعلان العام، الأمر الذي يُتيح لنا تعميق فهمنا لله.
كان لهذه الترانيم أثرٌ طيبٌ في نفوسنا عندما كنا نُنشِدها في طفولتنا؛ فربما لم نكن ندرك أبعادها البيئية آنذاك، غير أنها كانت تُنمِّي في داخلنا محبةً للخليقة. إن الهدف من الليتورجيا هو إعادة تثقيف المسيحيين حول تسبيح الله بوصفه خالق الكون. ومن خلال ترنيم نظم المزامير، يستطيع المؤمنون أن يُعمِّقوا فهمهم للبيئة بصورةٍ ملحوظة.
وتُعَدُّ المزامير الثلاثة المرتبطة بالخليقة -مزامير 19 و104 و148- نماذجَ واضحةً لكيفية إسهام هذه «المزامير الخَلقيَّة» في تذكير المؤمنين بعبادة الله بالكلمة والفعل، وفي الوقت نفسه بالعناية بالطبيعة ضمن بيئتهم. فهذه المزامير تُعيد تشكيل الوعي الروحي؛ ليصبح أكثر انسجامًا مع مسؤولية الإنسان تجاه الخليقة. 
ترانيم غير نظم المزامير
إلى جانب نظم المزامير، توجد ترانيم أخرى تستحق الذكر، مثل: «أيها القدوس يا رب الحياة»، و«احفظ بلدنا يا رب واملاها من خيرك»، و«ربي، كل الخليقة بتعلن حقيقة إنك صالح». ففي إحدى هذه الترانيم، تُرفَع صلاةٌ مباشرةٌ من أجل الصلاح؛ ذلك الصلاح الذي يشمل الطبيعةَ والنهرَ وثماره، مع التماسٍ إلى الله أن يحفظ مصر من الحاجة والفقر. كما تتضمَّن الصلاةُ طلبًا بالحماية من الجفاف الذي قد يُصيب النهر. وفي اللازمة، تُرفَع صلاةٌ من أجل شفاء أرض مصر، الأمر الذي يكشف عن بُعدٍ ليتورجيٍّ واضحٍ يتعلَّق بالعلاقة بين الإنسان والأرض.
هل تُعَدُّ هذه الترنيمة مثالًا جيدًا للصلاة البيئية؟ أرى أن الإجابة نعم؛ فهي تُجسِّد نموذجًا حيًّا لكيفية إدماج البُعد البيئي في العبادة، من خلال ربط احتياجات الأرض بالصلاة الجماعية، وإدراك أن العناية بالطبيعة جزءٌ من الإيمان العملي.
5. تحليل نقدي لليتورجيا الإيكوثيولوجي في الكنيسة الإنجيلية المشيخية
بناءً على ما عُرِض حول اللاهوت البيئي في الكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر، ومن خبرتي الشخصية في الخدمة داخل الكنيسة التي تمتد لأكثر من عشرين عامًا عضوًا وراعيًا، توصّلتُ إلى نتيجتين أساسيتين: الأولى تتعلق بالليتورجيا، والثانية تتعلق بالإيكو-لاهوت ذاته.
أولاً: غياب الليتورجيا الواضحة والموحَّدة
للأسف، لا توجد في الكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر ليتورجيا واضحة أو متفقٌ عليها، ولا يوجد نظامٌ يضمن جودة الترانيم أو العظات؛ فالأمر متروكٌ لكل راعٍ أو لكل كنيسة على حدة. وقد تتشابه الليتورجيا في عناصرها العامة، مثل: الصلاة، والترانيم، والعظة الكتابية، كما هو الحال في معظم الكنائس غير التقليدية، إلا أن محتوى الصلوات، وبنيتها، وأنواع الترانيم، وموضوعات العظات تختلف اختلافًا كبيرًا من كنيسة إلى أخرى، وقد يصل هذا الاختلاف إلى حدِّ التناقض. وكأن الكنيسة الإنجيلية المشيخية أصبحت مجموعةً من الكنائس المستقلة، لكلٍّ منها أسلوبها الخاص في العبادة. ولا أريد التعميم، لكن هذا هو الواقع الغالب. 
ثانيًا: غياب العمل الإيكوثيولوجي الليتورجي
وبما أنّ الليتورجيا الرسمية غائبة، فلا يوجد -بحسب علمي- أي عمل لاهوتي مصري يتناول الليتورجيا الإيكو-لاهوتية. فالدراسات التي تتناول ليتورجيا تتمحور حول الطبيعة نادرة للغاية. فلا توجد كتب أو أبحاث أو حتى جلسات إدارية داخل سنودس النيل تناولت بشكل صريح ضرورة وجود ليتورجيا إيكو-لاهوتية في الكنيسة المشيخية.
ومع ذلك، تبرز محاولةٌ واحدةٌ لافتةٌ للنظر، تمثَّلت في عددٍ خاصٍّ من مجلة النسور خُصِّص للقضايا البيئية، حيث قدَّم القس أمير إسحق مقالةً بعنوان: «ليتورجيا العبادة في يوم البيئة العالمي ومؤتمر المناخ الدولي».  وتبدو هذه المحاولة -على حدِّ علمي- الأولى من نوعها. فالليتورجيا التي قدَّمها صُمِّمت خصيصًا لهاتين المناسبتين، وتضم صلواتٍ، وقراءاتٍ، ومزاميرَ، وترانيمَ، وعظةً، تتمحور جميعها حول البيئة. ويمكن أن يُسهم تطبيق هذه الليتورجيا في رفع الوعي البيئي داخل الكنيسة. وما أرجوه هو وجود ليتورجيا أسبوعية وموسمية تتضمن صلواتٍ، وقراءاتٍ، وترانيمَ مرتبطةً بالبيئة، بما يُسهم في الحفاظ على وعيٍ دائمٍ ويقظةٍ مستمرةٍ تجاه القضايا البيئية في العبادة.
ثالثًا: العقائد؛ الإسخاتولوجيا البيئية ecoeschatology
هناك قضيةٌ أخرى تتعلق بالإسخاتولوجيا البيئية (Ecoeschatology). فلا ينبغي أن يرتبط التفكير الإسخاتولوجي، أو الرؤى الأبوكاليبتية، بالخوف من المستقبل أو بالنهاية المأساوية للعالم أو للتاريخ. كما لا ينبغي أن ينصبَّ التركيز على فكرة الهلاك، بل على مفهوم الاستمرارية. إن تفسير هذا الفكر المتعلق بنهاية الأزمنة قد يجعل الإنسان يتقبَّل الكوارث الطبيعية، وفساد الطبيعة، وتفاقم المشكلات البيئية، بوصفها أمورًا طبيعيةً لا بد من حدوثها. لكن ينبغي لنا أن نؤمن بأن المستقبل الإسخاتولوجي يكشف عن ذاته في يسوع، بوصفه الخير الأسمى الذي يمكن للبشر أن يسعوا إليه، وبوصفه المصير الكامل للحياة الإنسانية وغايةَ الخليقة كلها.
وبحسب بولس الرسول، فإن قيامة الإنسان وتجديد النظام القائم عنصران من عناصر استعادة الخليقة. ويُعلن بولس أن الخليقة تئنُّ في انتظار ذلك، كما يرد في رومية 8: 12–25. ثم يلخِّص الرجاء الإسخاتولوجي في تحرر الخليقة كلها من عبودية الفساد (رومية 8: 19–21).
يفرض هذا الفكر أخلاقًا تدعو إلى التفاعل والسعي والعمل من أجل دفع خليقة الله نحو الانتصار المستقبلي الذي وعد به الله في يسوع المسيح، وهو ما يدفعنا إلى الانتماء إلى عالمنا والمحافظة عليه بوصفه جزءًا من عمل الفداء. وهذا يعني أن الإشارات البولسية في رومية 8 (وكذلك كولوسي 1: 15–20؛ أفسس 1: 10)، التي تتحدث عن أن الخليقة تئنُّ في مخاضٍ في سبيل استعادة كل شيء إلى الله، تتحقق من خلال عمل المسيح الكفاري على الصليب، وأن هذا الصلح يشمل الخليقة كلها، لا البشر وحدهم. إن هذا الفكر العقائدي والأخلاقي يجعل الشركة مع الطبيعة واستعادتها جزءًا من الإيمان المسيحي بالفداء. 
سوء الفهم الكتابي اللاهوتي
يمكن تلخيص بعض أوجه سوء الفهم الكتابي واللاهوتي الناتجة عن تفسيراتٍ غير صحيحة بوصفها إحدى المشكلات داخل الكنيسة؛ إذ تؤدي إلى عزل الناس عن الاهتمام بالمجتمع والعالم الأوسع. ومثل هذه الأفكار بعيدةٌ كلَّ البعد عن الرؤية البيئية، وقد تكون كارثيةً في بعض الحالات. ويمكن تلخيص هذه الأفكار فيما يلي:
1. الأديان الأبوية: التي يُشار غالبًا إلى المسيحية بوصفها أبرزها؛ تعبد إلهًا خالقًا متعاليًا ومنفصلًا تمامًا عن خليقته. 
2. المسيحية كانت متمركزة حول الإنسان بشكل مُلحّ، مهتمة فقط بعلاقة الإنسان بالله، ومؤكدة انفصال الإنسان الجذري وتفوّقه على بقية الخليقة.
3. الشيء الوحيد ذو القيمة المطلقة في الخليقة هو الإنسان، المخلوق “على صورة الله” من أجل علاقة شخصية أبدية مع الخالق.
4. التركيز المسيحي على خلاص الإنسان أدى إلى تبنّي منظور “آخر عالَمي”، أي التركيز على السماء، مع الانتقاص من قيمة الأرض وسكانها غير البشر. فالخلاص النهائي للإنسان لا يُختَبَر في الجسد أو على الأرض أو داخل الخليقة. المسيحي ملتزم بالعالم الروحي، وتُعدُّ المخلوقات مجرد خلفية لدراما روحية تنتهي في سماء سماوية. الجسد والمادة يُنظر إليهما كعوائق يجب تجاوزها والتخلص منها. 
5. كما خُلِقت الخليقة بإرادة الله، كذلك ستُدمَّر بإرادته. 
6. التعليم المسيحي الأسمى حول علاقة الإنسان بالطبيعة هو الأمر الوارد في تكوين 1: 28 بالخضوع والتسلّط. ويُفهم “التسلّط” هنا غالبًا بوصفه مرادفًا للهيمنة والسيطرة.
لقد تبنَّت بعضُ الاتجاهات المسيحية نظرةً إلى الكوكب بوصفه مادةً خامًا، لا تحمل قداسةً ولا بركةً، بل باعتباره كيانًا يعمل خارج السردية الإنسانية. ومثل هذه الرؤى تجعل مهمة الحفاظ على البيئة صعبةً؛ إذ لا تترك مجالًا للتعامل مع الطبيعة بوصفها إعلانًا حقيقيًّا عن الله.
ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه الأفكار بحذرٍ وتوازن، حتى لا ننزلق نحو تأليه الطبيعة أو رفعها إلى مرتبةٍ لاهوتيةٍ غير لائقة. ويجب التأكيد على العلاقة بين الله والإنسان والخليقة كلها. فالله سامٍ، لكنه ليس بعيدًا ولا مجردًا؛ بل يتفاعل مع التاريخ والطبيعة. ويتحقق النشاط الإلهي من خلال حدث النعمة، ولا يقع تحت تصرُّف الإنسان أو الطبيعة. وبعيدًا عن ثنائية الانفصال، فإن الله حاضرٌ معنا، ويعمل في العالم وفي التاريخ بوصفه المصدر الخلَّاق للخليقة كلها.
خاتمة
إعادة صياغة اللاهوت المُصلَح وتقديمه للمجتمع المصري بطريقة تتناسب مع الثقافة المصرية، بحيث يرتبط بسياق المجتمع الشرقي.
أولًا: يجب إعادة ترتيب ألحان الترانيم باستخدام ألحانٍ شرقية؛ لضمان استمرارية استخدامها. وأعتقد أن أحد أسباب ضعف استخدام نظم المزامير في مصر هو اعتماد الألحان الغربية التي لا تلقى قبولًا واسعًا لدى المصلين. وهناك سببٌ آخر، وهو أن ألحان المزامير في ترانيم الكنيسة المشيخية المصرية ليست غربيةً فحسب؛ فهناك ألحانٌ غربيةٌ أخرى تُستخدم دون مشكلةٍ تُذكر. لكن المشكلة، في رأيي، تكمن في أن هذه الألحان تنتمي إلى نمطٍ موسيقي يعود إلى قرنٍ مضى، ولم يعد يُعبِّر عن وجدان الناس اليوم.
ثانيًا: لا ينبغي تجاهل دراسة الإسخاتولوجيا وتأثيرها على الإيكو لاهوت. فإهمال فهم الإسخاتولوجيا وعلاقتها بالبيئة أدى إلى التركيز على العالم الروحي والتفكير بأن الأرض في كل الأحوال سائرة نحو الدمار. لذلك، نحتاج إلى إعادة قراءة لاهوت بولس الأبوكاليبتي المتعلق بالخليقة في ضوء الإسخاتولوجيا، وذلك لمواجهة الفكرة القائلة بأن الدمار البيئي والكوارث علامات على نهاية الزمن.
ثالثًا: هناك حاجة ملحّة إلى تعليم بيئي للأطفال من مختلف الأعمار. فمن الممكن تنظيم مدارس بيئية أيام الأحد لتعليم الأطفال أخلاقيًّا واجتماعيًّا وإيكو لاهوتيًّا. ويتطلب ذلك تطوير مناهجَ خاصةً لترسيخ التعليم البيئي على جميع المستويات. ويجب أن تُوجَّه التربية نحو تشكيل المواقف والسلوكيات من أجل تحقيق تنميةٍ مجتمعيةٍ مستدامة. وتشمل هذه التربية التعليمَ الدينيَّ، الذي تُدرَّس فيه القيم الدينية والروحية المتعلقة بالبيئة والكون بصورةٍ مستمرةٍ.
ختامًا: أطرح هنا نموذجًا لليتورجيا مُستلهَمَة من الرؤية الإيكوثيولوجيا، تُدمِج بين العبادة والوعي البيئي:
برنامج عبادة: “الخليقة تسبح الخالق”
عبادة شكر وتأمل في عطية الخليقة ومسؤوليتنا نحوها
 
 
أولًا: الترحيب والافتتاح (3 دقائق)
دخول القادة: يعزف فريق التسبيح مقطوعة هادئة عن الخليقة والطبيعة.
الراعـي: “هَذَا هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي صَنَعَهُ الرَّبُّ. نَبْتَهِجُ وَنَفْرَحُ فِيهِ” (مزمور 118: 24).
لنبدأ عبادتنا باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد. آمين.
الجماعة: آمين. باركنا يا رب، واملأ قلوبنا من سلامك.
ثانيًا: دعوة للتسبيح (5 دقائق)
ترنيمة افتتاحية: ترنيمة 385 من مزمور 65
أو أي ترنيمة مناسبة عن صلاح الله وعطاياه.
قراءة تمهيدية:
الراعـي: “تَعَهَّدْتَ الأَرْضَ وَجَعَلْتَهَا تَفِيضُ… سَوَاقِي اللهِ مَلآنَةٌ مَاءً” (مزمور 65: 9).
الجماعة: مجدك يملأ الأرض، ورحمتك تسقي الزروع.
ثالثًا: القراءات الكتابية (10 دقائق)
1. الخليقة عطية الله
القارئ الأول: تكوين 1: 1–12: مع التركيز على خلق النباتات والأشجار وثمر الأرض
الجماعة: نشكر إلهنا القدوس الذي خلق العالم بحكمة ومنح الأرض ثمارها.
2. الإنسان وكيل على الخليقة
القارئ الثاني: “وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا” (تكوين 2: 15).
الجماعة: يا رب، هب لنا الحكمة لنكون وكلاء أمناء على خليقتك.
3. الخليقة تسبح الخالق
ترنيمة
القارئ الثالث: “السَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ” (مزمور 19: 1).
الجماعة: باركنا يا الله، واجعلنا شركاء في جمال خليقتك وتسبيحك.
رابعًا: فقرة تأمل قصيرة (5–7 دقائق)
عنوان التأمل: “اعملها واحفظها”
المحاور:
• الخليقة إعلان عن مجد الله.
• الإنسان ليس مالكًا للأرض، بل وكيلًا عليها.
• الإيمان الحقيقي يظهر في احترام عطايا الله.
• حماية البيئة جزء من الشهادة المسيحية والمحبة العملية.
• مسؤوليتنا تجاه الأجيال القادمة.
الآية الرئيسية: “لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا” (مز 24: 1).
خامسًا: استجابة الجماعة (5 دقائق)
الراعـي: قد ائتمننا الله على خليقته، فلنتأمل مسؤوليتنا في حفظها.
الجماعة: يا رب، علّمنا أن نسلك بوداعة على الأرض ونعتني بمخلوقاتها.
الراعـي: لنتعهد أن نقلل الأذى للبيئة ونحفظ الموارد الطبيعية.
الجماعة: اغفر لنا يا رب ما ألحقناه من ضرر بخليقتك، واقُدنا لنكون وكلاء أمناء.
الراعـي: ليجدد روح الله قلوبنا ويقوِّ التزامنا بحماية خليقته.
الجماعة: آمين. لتكن أعمالنا مجدًا لك ولتجلب شفاءً للأرض.
سادسًا: ترنيمة استجابة (3 دقائق)
ترنيمة 440 مستوحاة من مزمور 104
الراعـي: “الْمُنْبِتُ عُشْبًا لِلْبَهَائِمِ، وَخُضْرَةً لِخِدْمَةِ الإِنْسَانِ” (مزمور 104: 14).
الجماعة: لربنا التسبيح، فهو الذي يعطي الزرع والحياة.
سابعًا: صلاة من أجل الزروع والمياه (5 دقائق)
الراعـي: يا رب السماء والأرض، أنت الذي ترسل المطر وتنبت النبات، بارك حقولنا وأشجارنا وكل محاصيل أرضنا.
الجماعة: يا رب، بارك المياه والهواء، واجعل الأرض مثمرة لخدمة شعبك.
الراعـي: أرسل نعمتك لتروي العطاش وتجدد الحياة في الطبيعة وفي الإنسان.
الجماعة: آمين، يا رب الذي يبارك الزرع ويعطي خبزًا في حينه.
ثامنًا: إعلان عملي
يدعو الراعـي الجماعة إلى تطبيق عملي خلال الأسبوع:
• ترشيد استهلاك المياه.
• زراعة شجرة أو نبات.
• تنظيف مكان عام.
• تعليم الأطفال احترام الخليقة.
• تقديم شكر يومي لله على عطاياه.
تاسعًا: البركة والختام (2 دقيقة)
الراعـي: “مُبَارَكٌ اسْمُ الرَّبِّ مِنَ الآنَ وَإِلَى الأَبَدِ”
الجماعة: آمين.
الراعـي: امضوا بسلام، ومجِّدوا الله في كل أعمال الخليقة.
الجماعة: آمين. ولإلهنا كل المجد إلى الأبد. آمين.
 
 

 

التدين المُعطل للتنمية

اسم الكاتب: د. سامية قدري 

  إن الأزمة الحقيقية للمجتمعات المتأخرة لا تكمُن في قلة الإمكانات المادية، بل في تحول الأفكار الدينية الحية والديناميكية إلى أفكار ميتة أو قاتلة، تفقد فاعليتها الاجتماعية وتتحول إلى طقوس تُعطل حركة الإنسان بدلًا من دفعها نحو البناء والتنمية.   مالك بن نبي

 

 

 

                                                                                            

  يؤدي التدين المظهري الخالي من المضمون الأخلاقي إلى خلق ضمير مُزيف لدى الأفراد؛ حيث يمنحهم أداء الشعائر الخارجية شعورًا زائفًا بالرضا والنجاح النفسي مما يُعطل دافعيتهم للإنتاج الفعلي والابتكار، وتحمل المسؤولية الفردية تجاه أزمات المجتمع الاقتصادية. ماهر صموئيل

مُقدمة:

يُعد مفهوم التنمية عامة، والتنمية المستدامة على وجه التحديد في العصر الحاضر حجر الزاوية في النهوض الحضاري للمجتمع. فلم تعُد التنمية، مثلما كانت في السابق، مجرد مؤشرات رقمية تقيس النمو الاقتصادي والدخل القومي، بل أصبحت عملية حضارية شاملة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية والنفسية لإطلاق طاقات الإنسان وتمكينه من السيطرة على مقدراته وتطوير بيئته. وفي قلب هذه العملية المُعقَّدة تبرز الثقافة بمكوناتها المختلفة كعامل حاسم؛ إما كقوة محفزة ودافعة للتغيير، أو ككابح يعيق التحديث. ويأتي الدين بتمظهراته السلوكية المختلفة كأحد أعمق المكونات الثقافية تأثيرًا في صياغة عقلية الأفراد وتوجيه سلوكهم اليومي والانتاجي.

ويُعَدُّ التمييزُ بين الدين في صفائه النصي وقِيَمِه العُليا، وبين التديُّن بوصفه نمطًا من الممارسة البشرية والاجتماعية، مدخلًا مهمًّا لفهم إشكالية التخلُّف الحضاري. فبينما تحثُّ الأديان على إعمار الأرض، وإتقان العمل، وتحصيل العلم، والالتزام بالعدالة والأمان، فإن أنماط التديُّن الواقعية المشوَّهة قد تنحرف بهذه المقاصد إلى مساراتٍ مخالفة. ومن هنا يبرز مصطلح «التديُّن المُعطِّل للتنمية»؛ ليفكِّك تلك البنية السلوكية والفكرية التي تُحوِّل الطاقة الروحية للإيمان من طاقةٍ إنتاجية إلى آليةٍ لتبرير العجز والركود.

إن هذا النمط من التديُّن لا ينبع من جوهر الدين، بل هو نتاج تأويلاتٍ مجتزأة، وسياقاتٍ اجتماعية وتاريخية مأزومة، أنتجت سلوكياتٍ اتكالية، وزهدًا سلبيًّا، وانشغالًا مُفرطًا بالشكليات والجزئيات الطقوسية على حساب الكليات والمقاصد التنموية الشاملة. وتتجلَّى خطورة التديُّن المُعطِّل في قدرته على صياغة «ضميرٍ مُزيَّف» لدى الفرد والمجتمع؛ إذ يمنح السلوكُ المظهري الخالي من المضمون القيمي شعورًا زائفًا بالرضا النفسي والنجاح الأخلاقي، مما يُغني الفردَ عن تحمُّل مسؤولياته الحقيقية تجاه قضايا المجتمع. وينعكس هذا التشوُّه النفسي والمعرفي مباشرةً على مجمل المؤشرات التنموية.

  • جدل الدين والتدين:

إن العلاقة بين الدين والبشر علاقةٌ أبدية؛ فالدين هو الذي يُشكِّل سلوك البشر، ويمنحهم قيمًا ومعانيَ لحياتهم وخبراتهم عبر طقوسهم التي يحافظون عليها، ويُشكِّلون من خلالها هويتهم. إذًا، فالدين حاضرٌ حضورَ الوجود نفسه، وهو يتجلَّى عبر معتقداتٍ ثابتةٍ مثاليةٍ لها طابعٌ نهائيٌّ لا مراجعة فيه، مع قابليتها للفهم والتأويل المتجددين. وبهذا الحضور، لم يُصبح الدين، كما يتجلَّى في الواقع، هو الدين بصبغته المعيارية التي توجد في النصوص المقدسة، بل أصبح تديُّنًا يخضع لتفسيراتٍ وتأويلاتٍ عديدةٍ للنصوص الدينية، ويخضع، في الوقت نفسه، لحوارٍ مع التراث الثقافي القائم في المجتمعات والمتوارث منذ القدم. وطالما أن البشر يتسمون بالتعدد والاختلاف في استعداداتهم واتجاهاتهم وميولهم ومعارفهم، فإنهم، بالضرورة، سيختلفون في طرائق تديُّنهم. وهي طرائق تتدرج على متصلٍ يمتد من التديُّن السلبي البسيط إلى التديُّن المتشدد، وتزداد تنوعًا وتشابكًا مع تقاطعات الإقليم، والطبقة، والنوع، والعمر… إلخ. ومن ثم، يُفرز هذا التنوع أشكالًا مختلفةً من الخطاب الديني، قد تكون متصارعةً في بعض الأحيان، كما يُفرز نخبًا دينيةً منتجةً لهذه الخطابات، وناشرةً لها، ومدافعةً عنها. وفي جميع الأحوال، فإن أشكال التديُّن هذه، وكذلك هذه الخطابات، تُنتَج في سياقٍ اجتماعي وتاريخي معين.

هذا، وقد شهد المجتمع المصري، منذ عقودٍ مضت، تغيراتٍ على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، نجم عنها ظهورُ ظواهرَ لم يعهدها المجتمع من قبل، على الأقل في تاريخه الحديث. ولعلَّ واحدةً من هذه الظواهر هي الحالة الدينية، أو تحديدًا: حالةٌ من التديُّن تُثير الدهشة والأسف، وتناقض الحالة التي كان عليها المصريون على مدار التاريخ؛ إذ نجد الفرد حريصًا أشدَّ الحرص على تفاصيل العبادة وشكلياتها، ممتلئًا بالغيرة على المظهر الديني، ولكنه، في الوقت ذاته، لا يجد حرجًا في تعطيل مصالح الناس، أو التحلُّل من أمانة العمل وإتقانه، أو ممارسة الغش بمختلف صوره تحت مسمى «مساعدة المحتاج»، أو الرشوة تحت مسمى «الحسنة» أو «الإكرامية»، وغيرها من السلوكيات والممارسات التي تُنتج حالةً من الانفصام الأخلاقي والعملي. وقد لا يبدو هذا الانفصام مشكلةً إذا كان مجرد سلوكٍ فرديٍّ عابر، لكن عندما يتكرر هذا السلوك ملايين المرات، يتحول إلى مشكلةٍ بنيوية، وإلى تعبيرٍ عن بيئةٍ فكريةٍ مجتمعيةٍ مأزومة، تُنتج مجتمعًا متدينًا ظاهريًّا، وشكليًّا، أو طقوسيًّا، وعاطلًا عن الإنتاج والعمل والتنمية في جوهره، أو تُحوِّل التديُّن من قوةٍ دافعةٍ إلى الإتقان وعمارة الأرض إلى تديُّنٍ شكليٍّ مدفوعٍ بأيديولوجياتٍ ثقافيةٍ وسياسية. وفي ظل هذا الوضع المأزوم، يطرح سؤالٌ جوهري: كيف يتحول التديُّن من ملجأٍ روحي إلى أكبر عائقٍ أمام التنمية؟

في مطلع الألفية الثالثة، أجريتُ بحثًا حول «الإصلاح الاجتماعي في الخطاب الديني»، حاولتُ فيه الإجابة عن هذا السؤال؛ فقمتُ بتحليل الخطاب الديني (الإسلامي والمسيحي) الموجَّه إلى الشباب، باعتباره إحدى القوى الاجتماعية التي كانت، ولا تزال، تؤدي دورًا مهمًّا ورئيسًا في عملية الإصلاح (التنمية) بمختلف أشكالها؛ إذ تُعد هذه القوى صانعةً للتاريخ المصري، انطلاقًا من الدور الذي لعبه الدين عبر التاريخ المصري. فعلى الرغم من أن الدين يتسم بالثبات والاستمرارية في أداء الوظائف المنوط بها، فإن هذه الوظائف قد تزداد كثافةً في ظل نظمٍ وأيديولوجياتٍ معينة؛ فالدين الإسلامي والمسيحية المصرية شكَّلا طرفًا رئيسًا في المناظرات والإشكاليات التي دار صداها، ولا يزال، حول التنمية منذ عهد محمد علي، مرورًا بتجربة ثورة يوليو، وصولًا إلى اللحظة الراهنة. وقد اجتاح الخطاب الديني، بمختلف أنماطه ومنتجيه، مجالات الحياة اليومية كافة، والأسواق اللغوية، والرمزية، والسياسية، والثقافية، مما أدى إلى فوضى في إنتاج الخطاب، وإلى بروز قوى دينية، فردية وجماعية، خارج إطار المؤسسة الدينية الرسمية. لقد استخدمت هذه القوى عدة مفاهيم للتعبير عن الإصلاح، والعدالة، والنهضة، والتنمية، والمجتمع المثالي… إلخ، وذلك للتعبير عن الانتقال من وضعٍ قائمٍ غير مرغوبٍ فيه إلى وضعٍ جديدٍ مستهدفٍ الوصول إليه. كما أنها أفرزت صورًا من التديُّن لم يعهدها المجتمع المصري طيلة تاريخه، رغم أنه مجتمعٌ يُشكِّل الدينُ الأساسَ الذي يقوم عليه.

  • أنماط التدين:
  • النمط الأصلي أو الجوهري: وهو النمط الذي يرى العبادة وسيلةً لتهذيب السلوك، وإتقان العمل، وعمارة الأرض. وقد عرف المصريون هذا النمط من التديُّن فتراتٍ طويلةً من الزمن، وبالرغم من التحولات التي حدثت منذ العقود الأخيرة، فإن هذا النمط لا يزال موجودًا لدى قطاعاتٍ من السكان. ويقوم السلوك الديني في هذا النمط على أداء الواجبات الدينية الأساسية (الصلاة، والصوم، والإحسان) دون وساطة، وأحيانًا دون الذهاب إلى أماكن العبادة. وينخرط الفرد الممارس لهذا النوع من التديُّن في الحياة والعمل انخراطًا كاملًا، دون أن يخلط بين عباداته الدينية والحياة العامة والعملية؛ فالتديُّن، في هذا النمط، مسؤوليةٌ فردية لا يفرضها أحدٌ على الفرد، أيًّا كانت درجةُ قربه منه. كما يُعد هذا النمط مصدرًا مهمًّا للرضا، والقناعة، والأمان؛ فهو قائمٌ على بناء الذات، ويُعد جزءًا منها، ومن ثم لا يظهر للآخرين.
  • النمط الطقوسي: يعكس التديُّن في هذا النمط رؤيةً للعالم تستمد أسسها من المعتقدات الدينية. وهنا يتحول الدين إلى مصدرٍ أساسيٍّ للأخلاق؛ ومن ثم فإن التديُّن لا ينعكس في الحرص الشديد على أداء الفرائض الدينية فحسب، بل أيضًا في السعي إلى التثقيف الديني الذاتي من خلال القراءة، أو سماع المحاضرات والمواعظ، أو مشاهدة البرامج الدينية في التلفزيون. وغالبًا ما يكون ربُّ الأسرة هو مصدر هذه الرؤية المتسقة للعالم، ويتقبل باقي أفراد الأسرة هذه الرؤية، وغالبًا ما يتحول سلوكهم إلى صورةٍ طبق الأصل من سلوك رب الأسرة، الذي يتحول، في هذه الحالة، إلى مثلٍ أعلى. وفي هذا النمط، يتحول أسلوب الحياة برمته إلى أسلوبٍ طقوسي؛ ليترك انطباعًا لدى الآخرين بأن هؤلاء الأشخاص متدينون وأخلاقيون.
  • النمط الشكلي: وهو، مثل سابقه (النمط الطقوسي)، تديُّنٌ يهدف إلى الظهور أمام الآخرين، إلا أن الفرق بينهما يكمن في درجة الاتساق بين المعتقدات الدينية والنظام الأخلاقي للفرد؛ فالمشاعر الدينية في هذا النمط ليست عميقة، إذ يهتم الفرد بأداء الفرائض أمام الناس أكثر من اهتمامه بعلاقته بذاته، بمعنى أن هذه المشاعر لا ترتبط بالنظام الأخلاقي للفرد، بالرغم من تأكيده الدائم على أهمية الأخلاق، وعلى أهمية الدين بوصفه مصدرًا لها. وغالبًا ما يبالغ الشخص الذي يتمثل هذا النمط من التديُّن في إظهار الرموز الدينية التي تؤكد التزامه بالقيم الأخلاقية والدينية، ويوجه اللوم إلى من لا يلتزمون بهذه الرموز أو الطقوس. وقد لا ينعكس كل ذلك على السلوك العملي للفرد؛ فقد يقبل الرشوة أو يمنحها للآخرين، متعللًا بأنها «حسنة»، أو وسيلةٌ لإعادة إنتاج الدخل، أو أنها حقٌّ له، طالما أن الدولة لا تمنحه ما يستحق. وقد يغش، أو يساعد على الغش، وغيرها من مظاهر الفساد التي تتدثر بالدين؛ لتبرير هذه الممارسات.
  • النمط النشط سياسيًّا: ويبدو من اسمه أن هذا النمط أكثر تفاعلًا مع المجتمع وقضاياه، ويسعى إلى تغييره، ومن ثم يبدو وكأنه يدفع التنمية إلى الأمام؛ نظرًا لتمرده على الواقع المعاش. إلا أنه، في واقع الأمر، يرفض التنمية بمعناها الحديث، ويستعيد أنماطًا سلوكيةً ما قبل حديثة (ماضوية)، ويعمل على خلق رموزٍ بديلةٍ خاصة به، ويحاول فرض سلوكيات هذا النمط على الآخرين بالقوة. ويظهر هذا النمط داخل الجماعات الدينية المُسيَّسة التي تتخذ طابعًا تنظيميًّا.
  • النمط الأبوي: ويشبه التديُّن في هذا النمط التديُّن الشكلي، إلا أنه يتميز باستخدام الدين استخدامًا سياسيًّا واقتصاديًّا. فهو يحتفظ بجميع رموز التديُّن الشكلي، ولكنه يبالغ في عمليات التراكم الرمزي من خلال المبالغة في الإحسان، والزكاة، وبناء دور العبادة، وتوزيع الأطعمة والملابس في الأعياد والمناسبات المختلفة. وغالبًا ما يصاحب هذه الممارسات قدرٌ من الإعلان الشخصي، من خلال الأحاديث وثرثرة الحياة اليومية، أو عبر وسائل الاتصال الجماهيري. وتزداد هذه الممارسات في مناسباتٍ معينة، كالانتخابات، وافتتاح المشروعات، وإبرام الصفقات… وغيرها.

والجدير بالذكر أن هذه الأنماط ليست أنماطًا جامدة، وإنما هي متحولة وقابلة للتغيير وفقًا لتغيُّر السياق؛ إذ ينتقل الأفراد من نمطٍ إلى آخر تبعًا للمناخ الاجتماعي والسياسي العام. فالحقل الديني في مصر يتسم بالمرونة من حيث تواصله مع الحقول الأخرى، السياسية والاقتصادية والثقافية، ويحتفظ بقدرةٍ على تنوع المعاني وتعددها، وتنوع الوظائف التي يؤديها. لذلك، فإن المعتقدات الدينية والرسائل الدينية المختلفة تكتسب معانيَ متعددةً عندما تدخل نطاق الحقول الأخرى؛ إذ تُفسَّر في ضوء السياق الذي تنتشر فيه. ويُفرز الحقل الديني منتجين للمعارف الدينية، كما يُنتج مستهلكين لهذه المعارف، وهم الأفراد العاديون الذين يستهلكون ما يُلقى إليهم من الخبراء، كما يستهلكون المواد الثقافية الأخرى، مُكوِّنين بذلك ما أطلق عليه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو «الهابيتوس الديني»، وهو مجموعة من الاستعدادات والميول والاتجاهات المرتبطة بنمطٍ معينٍ من التديُّن، يكون لها تأثيرها الخاص. إن هذا الهابيتوس الديني في مصر قد حوَّل الدين من ملجأٍ روحي إلى مُعطِّلٍ للتنمية.

لماذا تحول الدين من ملجأ روحي لأتباعه إلى أكبر عائق أمام التنمية؟

  • يُمثل التحول نحو الثقافة الحديثة، التي تقوم على الفردانية والعلمانية، أحد المداخل التي يمكن من خلالها فهم التحولات التي حدثت في علاقة الإنسان بالدين. فعلى الرغم من أن الثقافة الحديثة عملت على تخليص الدين من الخرافة والسحر، وجعلته أكثر تمثلًا للحياة المؤسسية الحديثة، فإن الحداثة في ثوبها الجديد (العولمة) غيَّرت علاقة الناس بالدين؛ فأصبح الدين ميدانًا خاصًّا لا تحتكره مؤسسات تفرضه على الناس، بل ميدانًا حرًّا يعتنقه الأفراد بإرادتهم، وبالطريقة التي يرونها مناسبةً لهم، فيما يُعرف بـ«شخصنة الدين» أو «خصخصته»، أي تحويله إلى نطاقٍ شخصيٍّ بحت. وتعني شخصنة الدين إيجاد حدودٍ واضحة بين ميدان التديُّن على المستوى الشخصي، وبين استخدامه في المجال العام. وهنا أصبح هناك فرقٌ بين الدين والتديُّن.
  • يمنح التديُّن الفردَ راحةً نفسيةً وشعورًا بالرضا والصلاح، ومن ناحيةٍ أخرى يجعله يتعامل بصورةٍ براجماتيةٍ نفعية، متحللًا من أي التزامٍ قيمي، ظنًّا منه أن طقوس التديُّن تكفي لمحو آثار هذا التحلل.
  • سهولةُ تكلفةِ التديُّن؛ إذ لا يتطلب جهدًا عقليًّا أو التزامًا أخلاقيًّا، في حين تتطلب جهودُ التنمية، والالتزامُ بقيمها، جهدًا حقيقيًّا ونقدًا للذات.
  • البحث عن صكِّ غفرانٍ اجتماعي؛ ففي المجتمعات التقليدية تمنح المظاهر الدينية الفردَ رأسَ مالٍ رمزيًّا (مكانةً) بصورةٍ فورية، وثقةً عمياء من الآخرين، مما يُسهِّل استخدامها قناعًا لإخفاء جوانب القصور التنموي.
  • فصلُ العبادة عن السلوك في المجال الاجتماعي؛ فقد نجد موظفًا، على سبيل المثال، يتقدم الصفوفَ الأولى في الصلاة، لكنه يرتشي، أو يُعطِّل مصالح الناس، أو يغش في مواصفات الإنتاج، أو يُدمِّر بيئة الاستثمار والعمل.
  • سيادةُ الفكر التواصلي بدلًا من التفكير الإيجابي؛ إذ تُحوَّل الأزمات التنموية، مثل الفقر والجهل والتلوث، إلى قدرٍ حتمي يُواجَه بالدعاء وحده، دون الأخذ بالتفسيرات العلمية والأسباب المادية، مما يُعطِّل حركة التغيير الإيجابي.
  • تضخيمُ الاهتمام بصغائر الأمور والشكليات على حساب كليات التنمية؛ إذ تنشغل النخب الدينية وأفراد المجتمع بتفاصيل شكلية تتعلق بالملبس والمظهر وغيرهما من الممارسات، دون الانتباه إلى القضايا المجتمعية الكبرى، مثل: الأمية، والأمن الغذائي، والتخلف التكنولوجي.
  • الارتهانُ للماضي بدلًا من التطلع إلى المستقبل؛ خوفًا من المستقبل، واحتماءً بأمجاد الماضي، وتوجسًا من كل تحديث أو فكرٍ نقدي، مع اعتبار الحداثة تهديدًا للهوية، بدلًا من النظر إليها بوصفها أدواتٍ ينبغي امتلاكها.

 

 

 

 

  • تداعيات التدين الشكلي على التنمية:
  • التداعيات الاقتصادية: في دراسته عن «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية»، يؤكد عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر أن التنمية الاقتصادية والنهوض بالإنتاج يتطلبان نمطًا من التديُّن ينظر إلى العمل الدنيوي المتقن بوصفه واجبًا دينيًّا ورسالةً مقدسة. كما يوضح أن التديُّن الإيجابي، القائم على اعتبار العمل عبادةً، كما كانت تمارسه الكالفينية، أسهم في نشوء الاقتصاد الرأسمالي. ويقارنه بالأنماط الزهدية المُعطِّلة للانطلاق؛ إذ يُرسِّخ التديُّن الشكلي مفهوم الزهد السلبي وازدراء السعي المادي، مما يؤدي إلى غياب قيم الإتقان والجودة. كما أن ثقافة التواكل والانتظار السلبي للرزق تُضعف المبادرات الفردية وريادة الأعمال. هذا، ويؤدي التديُّن الشكلي والطقوس الاستعراضية إلى إهدار الأموال بدلًا من استثمارها في مشروعات التنمية، كما يؤدي إلى رفض كل ما هو حديث، مما يُكرِّس التخلف التقني.
  • التداعيات الاجتماعية: التداعيات الاجتماعية: للتديُّن الشكلي تأثيراتٌ اجتماعيةٌ سلبيةٌ عديدة، ولعلَّ أوضح تداعياته تهميشُ دور المرأة وحرمانُها من المشاركة في مشروعات التنمية، مما يحرم المجتمع من نصف طاقته الإنتاجية والفكرية؛ فالتنمية التي لا تشارك فيها المرأة تنميةٌ مُعرَّضةٌ للخطر. هذا إلى جانب تعطيل عملية الحراك الاجتماعي للأفراد نتيجة القبول بالفقر وتبريره بوصفه قَدَرًا محتومًا يجب الرضا به. كما يؤدي التديُّن الإقصائي إلى تفاقم حالة الاستقطاب الطائفي والمذهبي، مما يُدمِّر السلم المجتمعي، الذي يُعد أساس التنمية.
  • التداعيات النفسية: التداعيات النفسية: يؤدي التديُّن الشكلي إلى تعطيل الطاقات الذاتية للأفراد؛ إذ يكتفي الفرد بأداء الشعائر الدينية التي تمنحه الشعور بالرضا النفسي، مما يُغنيه عن تأنيب الضمير تجاه تقصيره في العمل، كما يقتل لديه روح المبادرة والمسؤولية نتيجة إحالة الفشل الإنساني إلى القدر والمكتوب. هذا، وقد يجعله مضطربًا معرفيًّا، ولديه خوفٌ من المستقبل، ويعيش في قلقٍ دائمٍ ناجمٍ عن التركيز على ثقافة الترهيب والوعيد بدلًا من ثقافة التفاؤل والعمل، مما يُثبِّط الطاقات الإبداعية. بالإضافة إلى ذلك، يقود التديُّن الشكلي إلى تبعية صاحبه فكريًّا للوصاية الدينية، مما يُلغي استقلاليته النفسية.

إدارة المعرفة والتنمية

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: د. محمد رؤوف حامد

 
عندما وصلتني رسالةُ الدعوة إلى الكتابة في هذا الموضوع، «إدارة المعرفة والتنمية»، تلاحقت في ذهني أحداثٌ وتناولاتٌ عديدة، تتداخل مع بعضها بوضوح، وكأنها جميعًا قد جرت بالأمس، بينما تعود في الواقع إلى فترةٍ زمنيةٍ تمتد إلى نحو نصف قرن.
من أكبر ما جذب انتباهي من هذه التاريخيات مكالمةٌ هاتفيةٌ وصلتني في منتصف عام 2017، أثناء وجودي في مهمةٍ بيروقراطيةٍ مع أحد المديرين في مؤسسةٍ حكوميةٍ كبيرة. ولأن الرقم الذي ظهر على هاتفي المحمول كان غريبًا، لم أُجب عن الاتصال، مفضلًا التركيز في المهمة التي كنت بصددها. ومع تكرار رنين الهاتف من الرقم نفسه، اضطررت إلى الرد، فإذا بالمتحدث يفاجئني، بصوتٍ عالٍ تنطوي نبرته على حدةٍ واضحة، مستفسرًا:
• هل أنت الدكتور “فلان…”؟
– نعم، أنا “فلان…”، مَن المتحدث؟
• أنا صبري الشبراوي.
– حضرتك أستاذ الإدارة؟
• أيوه أيوه.
كان ذلك مفاجئًا لي؛ إذ أعرف هذا الاسم جيدًا، بينما لم تكن بيننا أيُّ علاقةٍ أو معرفةٍ سابقة. إنه أحد كبار أساتذة الإدارة، وكان قد عاد إلى مصر هو وأسرته الأمريكية بعد أن عمل سنواتٍ في الولايات المتحدة واليابان وغيرهما، حيث التحق، مؤخرًا، أستاذًا بالجامعة الأمريكية في القاهرة.
أيضًا، كان هذا الرجل، قبل هذه المكالمة بأيامٍ عدة، قد حاز جائزة النيل في العلوم الاجتماعية، وهي أرفع جائزةٍ تمنحها الدولة في مصر.
ومن دون مقدمات، فوجئت به يسألني، بصوتٍ عالٍ يكاد يبلغ حدَّ الصراخ:
• أنت صاحب كتاب “إدارة المعرفة.. رؤية مستقبلية”؟
– نعم يا افندم.
• قل لى .. هل قررت وزارة التعليم تدريس هذا الكتاب في أي من المرحلتين الإعدادية أو الثانوية؟
– لا يا افندم، ماحصلش.
وإذا بالدكتور الشبراوي يصيح غاضبًا، ناقدًا المسؤولين عن التعليم، بكلماتٍ يملؤها لومٌ شديدٌ وقاسٍ.
طبعًا، شكرته على فضله، وعلى أهمية رأيه بالنسبة إلى كتاب العبد لله، وعلى كريم مكالمته، وتواعدنا على اللقاء. وبالفعل، تشرفت بعد ذلك بفترةٍ بلقائه في منزله بالمعادي، حيث أمضيت وقتًا طيبًا معه في مكتبته، التي خصص لها الدور الأرضي.
بالنسبة إليَّ، كان للمكالمة الهاتفية من الدكتور الشبراوي معنًى جميل؛ باعتبارها قادمةً من أحد كبار أساتذة الإدارة، ولا سيما أنه أحد أبرز الخبراء في التنمية البشرية. وفي الوقت نفسه، جسَّد اهتمامه أحد الملامح التي تكررت، وتشرفت بها، بشأن القبول والاهتمام اللذين حظي بهما هذا الكتاب منذ صدوره عام 1998، أي قبل هذه المكالمة الطيبة بنحو عقدين من الزمان.
وبينما كانت ثورةُ الدكتور الشبراوي، في المكالمة الهاتفية، تتعلق بعدم إدراج الكتاب ضمن المقررات الدراسية في المدارس، فإن الموضوع نفسه، أي «إدارة المعرفة»، يُعد في حدِّ ذاته ثورة. ولا يتعلق هذا الاعتبار بهذا الكتاب وحده، وما تلاه من تداعيات في العديد من الجرائد والمجلات والندوات، في مصر وخارجها، وإنما يتعلق أيضًا بالعلاقات الجدلية/التكاملية بين «المعرفة» من جانب، وسائر مجالات الحياة، وفي مقدمتها التنمية، من جانبٍ آخر.
من هنا، يبزغ تقديري لدورية «النسور» وللقائمين عليها؛ لاهتمامهم بمسألة «إدارة المعرفة والتنمية». ومن منطلق هذا التقدير، أسعد بأن أخطو مع القارئ الكريم في رحلةٍ طويلة، ولكنها موجزة، بخصوص هذه المسألة.
 
أولًا: الوصول إلى نظرية “التقدم الأُسِّيُّ” 
في أثناء دراستي للدكتوراه في وارسو، كنتُ مهمومًا ببدء ظهور اتجاهٍ يُنبئ بتخلي المبعوثين عن العودة إلى الوطن بعد حصولهم على الشهادة. لقد قادني ذلك إلى عقد ندوةٍ (في 6 يونيو 1976)، تحت مظلة اتحاد الطلاب المصريين في بولندا، استهدافًا للحث على العودة إلى مصر، والمساهمة في تنميتها بواسطة المعرفة العلمية التي يكونون قد حصلوا عليها في خلال دراساتهم للدكتوراه.
نشأ هذا الجهد من خلال اتجاهٍ تلقائيٍّ للعمل بما ينبغي أن يكون، وبصدق النوايا الطيبة لدى غالبية المبعوثين.
وقتها، لم أكن قد انتبهت بعد إلى عِظَم أهمية المعرفة بالنسبة إلى التنمية. وبعدها بعدة أشهر، وبعد حصولي على الدكتوراه في النصف الأول من عام 1977، صار لديَّ من البال والوقت ما يمكن أن يساعدني في السعي إلى الإجابة عن سؤالٍ كان يشغلني من قبل، وهو: «كيف يمكن لمجتمعٍ (أو لبلدٍ) غير متقدم أن ينتقل إلى مسار التقدم، بحيث يصل، مع مرور الزمن، إلى أن يصبح مشاركًا للدول المتقدمة في التنافسية؟».
بزغ هذا التساؤل من أحاسيس متباينة بشأن مستقبل البلدان النامية، كما كانت تُسمَّى آنذاك، والتي يُطلَق عليها حاليًّا «بلدان الجنوب».
كنتُ أحسُّ بأن المعرفة العلمية لا بد أن تكون قد وصلت إلى رؤًى ومساراتٍ تحمل الإجابة عن تساؤلي، وأن عليَّ السعيَ إلى التعرُّف إلى هذه المعرفة.  
وبينما كنتُ مرافقًا لرفيقة حياتي، الدكتورة سلوى عبد الله متولي، أثناء استكمالها أبحاثَ الدكتوراه، كنتُ أسعى، من خلال تعاونٍ جميلٍ من زملائي الطلاب المصريين الذين كانوا يدرسون في «الإس جي بي آي إس (SGPiS)» (الجامعة البولندية الكبرى في الاقتصاد والمجالات ذات الصلة)، إلى التعرُّف إلى الكتب التي يمكن أن تكون ذات صلةٍ بتساؤلي، وكذلك إلى متابعة ما يُنشر في الدوريات العلمية.
استمر ذلك على مدى أكثر من عام، ولم أصل إلى إجابةٍ عن تساؤلي، لا من خلال المعرفة العلمية المتاحة، ولا من خلال المناقشات العميقة والمطولة مع الدارسين والمتخصصين.
بعد ذلك، في الربع الأخير من عام 1978، اضطرتني ظروفي إلى ترك عائلتي الصغيرة في وارسو والسفر للتدريس في جامعة الفاتح (طرابلس – ليبيا). وبينما انشغلت بإعداد المحاضرات، لم يتخلَّ ذهني عن البحث عن إجابةٍ لتساؤلي المتعلق بالطريق الذي يمكن أن تسلكه بلدان الجنوب للالتحاق بمسار التقدم، ومنافسة البلدان المتقدمة.
مع انشغالي بهذا السؤال، على مدار الساعة، وعلى مدى أكثر من عام، صار له مكانٌ رئيسيٌّ ظاهرٌ في وعي العبد لله. كنتُ أحمله معي في كل الأماكن، وفي معظم اللقاءات، الأمر الذي أظنه قد انعكس على ما في داخلي من اللاوعي.
وبينما كنت على هذا الحال، سواء أثناء قيامي بواجباتي العلمية والتعليمية في ليبيا، أو خلال سفرياتي القصيرة المتتابعة إلى وارسو لأكون مع عائلتي الصغيرة، إذ أتاني تفتُّحٌ ذهنيٌّ ذاتيٌّ داخليٌّ على «فرضية» تختص بالإجابة عن السؤال طويل الأجل، الذي جرت الإشارة إليه في السطور السابقة.
تتمثل هذه الفرضية في أن ما أصبو إليه من إجابةٍ عن هذا التساؤل لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال إحداث تقدمٍ أُسِّيٍّ (أي متسارعٍ بدرجةٍ أُسِّيَّة).
تكوَّنت لديَّ قناعةٌ بهذه الفرضية. ومن خلال البحث والتفكر في «التقدم الأُسِّي» بوصفه مفهومًا، وإمكانًا، وكيفيةً، تبلورت رؤيةٌ كانت تكتمل يومًا بعد يوم، في أبعادها وبنيتها.
وبينما كانت الفكرة تقترب، أو ربما كانت قد اقتربت، من اكتمالها التأسيسي، أي أصبحت واضحةً في أساسياتها بوصفها فرضيةً منطقيةً تصلح لأن تكون ذات جدوى تطبيقية، بمعنى أنها غدت فكرةً قادرةً على التلامس مع وقائع التقدم ومتطلباته، أصبح من الضروري أن أنقلها إلى أقرب الناس إلى العبد لله؛ ممن أثق بصدقهم الأخلاقي والمعرفي، ويحملون في داخلهم هموم الصالح الإنساني العام.
وبالفعل، نقلت فكرة «التقدم الأُسِّي» إلى شخصيتين صديقتين عزيزتين: الأستاذ الدكتور فتح الله الشيخ، أستاذ الكيمياء الفيزيائية بجامعة الفاتح آنذاك (والأستاذ المتفرغ حاليًّا بجامعة جنوب الوادي)، والدكتورة سلوى عبد الله متولي، رفيقة الحياة، وأستاذة علم الأدوية (الفارماكولوجيا)، رحمها الله. 
هذا، ويمكن تعريف التقدم الأُسِّي بأنه الاستخدام الأمثل للزمن، والجهد، والموارد، والمعارف، والمعلومات، والعلاقات… إلخ، بحيث تُركَّب هذه العناصر بعضها مع بعض بطريقةٍ تجعل الإنجاز يتحقق ويتقدم كمًّا وكيفًا بسرعةٍ أُسِّيَّة.
كانت هذه هي خلفيات نشأة «التقدم الأُسِّي» بوصفه رؤيةً نظريةً. ثم تتابع بعد ذلك عرضُه ومناقشتُه في صالوناتٍ ثقافية، كان من أبرزها صالونا الدكتور شكري عياد في المعادي، والدكتور عبد المنعم تليمة في بين السرايات، وكذلك في منتدياتٍ فكريةٍ وأكاديمية، وفي بعض الجامعات ومراكز البحوث، مثل: كلية العلوم بجامعة القاهرة، ومؤتمر الفلسفة بكلية الآداب بجامعة حلوان، ومركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط، ومركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام. هذا فضلًا عن تناول «التقدم الأُسِّي» بالكتابة في بعض الصحف والدوريات الثقافية، ومن أبرزها جريدة «الأهرام» ومجلة «العربي» الكويتية. ومع مرور الوقت، ظهرت أطروحة «التقدم الأُسِّي» في صورة فصولٍ ضمن بعض الكتب، كما تناولتها برامجٌ حواريةٌ إذاعيةٌ وتلفزيونية.
وهكذا، تواصل الطرح الثقافي والفكري لـ«التقدم الأُسِّي» بوصفه نظريةً، الأمر الذي تُوِّج بصدور كتابٍ مستقلٍّ بعنوان: «التقدم الأُسِّي: إدارة العبور من التخلف إلى التقدم» (المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 1998). 
وبالتوازي مع تقديمه بوصفه أطروحةً، جرى تطبيق «التقدم الأُسِّي» -ضمن نطاق التعاملات والمسؤوليات التي باشرها كاتب هذه السطور- في مجالين: التعليم الجامعي، والبحث العلمي.
في المجال الأول، جرى تطبيق «التقدم الأُسِّي» في العملية التعليمية أثناء العمل بكلية الصيدلة الليبية في أواخر السبعينيات. هذا، ويمكن التعرف إلى طبيعة المخرجات (التعليمية والبحثية) من خلال فصلٍ خُصِّص لها في كتابٍ صدر باللغة الإنجليزية عن دار نشر Cambridge Scholars Publishing، ثم تُرجم إلى العربية لاحقًا بعنوان: «الإسهامات العربية في الثقافة العالمية» (مكتبة الإسكندرية، 2020).
وأما في مجال البحث العلمي، فقد جرى تطبيق منهجية «التقدم الأُسِّي» في إنشاء وإدارة مركز الإتاحة الحيوية للأدوية بالهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية خلال الفترة (1988–1994)، وكان أول مركزٍ من نوعه في مصر والعالم العربي. 
وربما كان من أكثر الجوانب أهميةً وخطورةً فيما يتعلق بإمكانات «التقدم الأُسِّي»، باعتباره قادرًا على إحداث تسارعٍ في الإنجاز، ومن ثم تسارعٍ في التقدم، أنه قد لوحظ خلال تسعينيات القرن الماضي أن بعض بلدان الجنوب بدأت تُظهر تميزًا تنمويًّا. وحينئذٍ ظهر تعبير «النمور الآسيوية».
هذا، ومن الواضح حاليًّا أن الصين استطاعت، خلال نحو نصف قرن، أن تصبح ليست منافسةً فحسب، بل متقدمةً أيضًا في معظم مجالات الإنتاج، والخدمات، وبحوث التكنولوجيا، مقارنةً بالعديد من بلدان الشمال في أوروبا وأمريكا الشمالية، التي استغرق تقدمها نحو قرنين أو أكثر. أليس في ذلك تقدمٌ أُسِّيٌّ؟
 
ثانيا: المعرفة- لماذا؟ والتنمية- كيف؟ 
لقد جاء منطق «التقدم الأُسِّي»، الذي جرت الإشارة إليه أعلاه، هدفًا ومنهجًا في الوقت نفسه، إدراكًا بأن التغلب على التخلف، واللحاق بالمتقدمين ومنافستهم، أمرٌ يتطلب ما هو أكثر وأهم من مجرد صياغة السياسات، ووضع الاستراتيجيات، وخطط العمل، وإعادة الهيكلة… وغيرها. ذلك أن سلامة هذه العمليات، بمعنى قابليتها للفاعلية والتحقق، تتطلب أولًا، وقبل كل شيء، اكتشاف التعديلات المطلوبة في طريقة الحياة، وفي طريقة فهم الأشياء والتفاعل معها.
بمعنى آخر، في الطريقة، أو المنهجية (Methodology)، يكمن الأساس الحاكم لمسيرة التقدم؛ إذ إن للطريقة، أي طريقة السعي إلى التقدم، تأثيرًا مباشرًا في سلامة التصورات والرؤى، وملاءمتها، وإبداعيتها، بما تتضمنه من توجهات أو سياسات. وبالتالي، فإن لها، أي الطريقة أو المنهجية، انعكاسًا عمليًّا، لا كلاميًّا أو شعاريًّا، في نوع الإنجازات وكمِّها.
وعليه، فإن الطريقة التي تُدار بها الأمور، بدءًا من الاختيارات اليومية وتنفيذها على المستوى الفردي، وانتهاءً بالتوصل إلى الاختيارات الاستراتيجية وتطبيقها على المستوى المؤسسي أو القومي… إلخ، يمكن أن يكون لها تأثيرٌ حاسمٌ في مدى نجاح العمل، سواء أكان فرديًّا أم مؤسسيًّا أم قوميًّا… إلخ.
من هذا المنطلق، فإن الطريقة التي تُرى بها الأشياء، أو تُنفَّذ بها، تحتاج إلى تعاملٍ معرفيٍّ.
وينطبق هذا الاعتبار على الأفراد، أيًّا كان مستواهم الوظيفي داخل منظومة العمل، سواء أكانوا في قمتها أم في قاعدتها، كما ينطبق تمامًا على حركيات منظومة العمل، على اختلاف مستوياتها.
وهكذا، تكتسب المعرفة (Knowledge) أهميةً جوهريةً في مختلف التفاعلات والسياقات، وعلى كافة المستويات.
هنا يبزغ سؤالٌ ذو أهميةٍ استراتيجيةٍ وتكتيكيةٍ في آنٍ واحد، بمعنى أن له انعكاساته المباشرة على عمليات تحديد الأهداف (وصنع السياسات)، وكذلك على عمليات ترتيب الإجراءات، وهو: هل «المعرفة» شيءٌ (أو أمرٌ) ثابت، أم متغير؟
ببساطة، ما دامت الحياة قائمة، فإن المعرفة تتغير بالقدر نفسه الذي تتغير به المعلومات، والاكتشافات، والتحديات، والصراعات، والآمال… إلخ.
وفي الوقت نفسه، تمثل المعرفة في ذاتها قوةً (أو طاقةً) دافعةً إلى تحسين الاستيعابات وإحداث التحولات. وبمعنى آخر، للمعرفة «حركية»، تتمثل في عملياتٍ رئيسيةٍ تشمل: التنقيب، والتقييم، وإعادة التقييم، والتطوير (حركية المعرفة ومستقبليات الشارع العربي – المكتبة الأكاديمية، 2021).
وعليه، لو كانت المعرفة ثابتة، فإن حركيتها تنكمش وتتضاءل مع مرور الوقت حتى تصل إلى الموات. وهذا يعني تدني إمكاناتها في دعم الاستيعابات وإحداث التحولات، ومن ثم تلاشي فاعليتها.
وإذا كانت التنمية، في الأساس، إحداثَ تحولاتٍ ارتقائيةٍ تقوم على تطوير الإمكانات المعرفية واستخداماتها على المستويات الوطنية، والمؤسسية، والفردية، فإن موات المعرفة يحمل معه، تلقائيًّا، موات التنمية.
وهكذا، لا توجد تنميةٌ من دون معرفة، ولا تزدهر المعرفة، ولا مخرجاتها التنموية، إلا بتميز حركيتها.
وهنا يستدعي الأمر الإشارة إلى طبيعة العلاقة بين المعرفة والإدارة.
وفي هذا الخصوص، تبرز الحاجة إلى إدراك الفارق بين:
أ‌) معرفة الإدارة. 
ب‌) إدارة المعرفة.
وبإيجاز، تُعنى إدارة المعرفة بالعمليات التي من شأنها الحفاظ على تقدم المعرفة وتطويرها. وتشمل هذه العمليات، على سبيل المثال، التعامل مع المعلومات، وأنشطة البحث والتطوير، والمقارنات المعيارية (Benchmarking) مع الكيانات المماثلة و/أو المنافسة. وهي إدارةٌ تختص بتعظيم إمكانات المنظومة وقدراتها ومخرجاتها، سواء كانت أسرةً، أو مؤسسةً، أو وزارةً، أو دولةً… إلخ.
أما معرفة الإدارة، فتختص بالمعرفة المتعلقة بكل ما يحفظ للمنظمة جودة علاقاتها التسييرية، سواء من النواحي القانونية والهيكلية، أم من الجوانب الخاصة بالإمكانات والأداءات البشرية (كالاختيار، والتدريب، والترقية… إلخ). ويضاف إلى ذلك العلاقات البينية داخل المنظومة أو مع المنظومات الأخرى، وكذلك أنشطة الإعلام والتسويق… إلخ.
والفاعليتان معًا، أي الإدارة بالمعرفة وإدارة المعرفة، يُكمل بعضهما بعضًا في اتجاه تنمية المنظومة وتحقيق أهدافها.
 
 
ثالثًا: الإبداع المجتمعي وليس مجرد التعايش المشترك:
أيضًا، يجدر الانتباه، معرفيًّا، إلى أنه من المنظور التنموي يوجد خطأٌ كبيرٌ في استمرار المناداة بالتعايش (أو العيش المشترك)، باعتباره الحد الأقصى (أو المقصد المعقول) لما نصبو إليه مجتمعيًّا.
وفي هذا الخصوص، يجدر الانتباه إلى أن مجرد التعايش، أو العيش المشترك (Coexistence)، بمعنى قبول وجود البشر إلى جانب بعضهم بعضًا من دون إيذاء بعضهم بعضًا، يظل أمرًا سلبيًّا، وفي أفضل الأحوال لا يعدو أن يكون سلوكًا محافظًا، وليس من شأنه أن يدفع المجتمع إلى مسار التقدم.
ومن ثم، فإن التفاعلات المجتمعية (التنموية) بين الناس تحتاج إلى أن تتجاوز مجرد العيش المشترك إلى قيمٍ وفاعلياتٍ أكثر إيجابية.
ومن هذا المنظور، نجد أن ما يلي التعايش المشترك، أو يرقى عليه، هو ممارسة «التعاون» (Cooperation)، الذي يجعل الإنجاز، كمًّا و/أو نوعًا، أكبر من مجرد المجموع الجبري لإمكانات المتعاونين؛ إذ تتمثل عبقرية التعاون في الاستفادة التشغيلية الجماعية من القدرات الفردية الاستثنائية الكامنة لدى كل عنصر (أو فرد) من الكيانات المتعاونة.
وفي إطار هذه «الاستفادة التشغيلية الجماعية» تتصاعد الإمكانات والفرص المؤدية إلى الإبداع المجتمعي، الذي يعني التوصل إلى مخرجاتٍ تطويريةٍ (أو جذريةٍ) لم تكن موجودة من قبل، ولم يكن من الممكن أن تتولد من مجرد المجموع الجبري للحيز الإبداعي لكل فرد (أو وحدة عمل) على حدة.
وتلقائيًّا، يرتقي التعاون، عند تحققه، إلى «التشارك (Partnership)»، الذي يعني أن العائد يعود على جميع الشركاء في العمل (أو في الحياة)، بما يؤدي إلى تحقيق الفائدة والتقدم للجميع.
وفي قمة هذا المسار الارتقائي، من العيش المشترك إلى التعاون، ثم التشارك، يأتي الرخاء (Prosperity)، الذي يعم المجتمع بأسره، وجميع أفراده، لا جزءًا منه، ولا شريحةً أو فئةً بعينها. وعندئذٍ تتحقق التنمية المجتمعية.
وإذا اختلَّت الخطوات والموازين المؤدية إلى الرخاء، تتهدم، تباعًا، المسارات والقيم المرتبطة بالتشارك، والتعاون، والتعايش، فتتراجع التنمية المجتمعية، أو تتقلص.
 
رابعًا: الإشكاليات المتداخلة سلبيًّا مع دور المعرفة في التنمية 
يمكن تصنيف هذه الإشكاليات إلى نوعين: أحدهما يأتي من المستوى الدولي، والآخر يعيش داخل بعض المجتمعات، وعلى وجه الخصوص في بلدان الجنوب. وفي كل نوع، نكتفي بالتركيز على نموذجٍ واحدٍ بوصفه عينةً ذات دلالة.
أ) الإشكاليات الخاصة بالمستوى الدولي
نشير هنا إلى إشكاليةٍ خفيةٍ تتعلق بتحريف بعض النظريات العلمية (أو تزييفها) وتحويلها إلى مفاهيم نظرية هادمة لبلدان الجنوب، بل ومعوقة لمسارات الشعوب والبشر في مختلف أنحاء العالم. وفي هذا الخصوص، نشير إلى حالتين رئيسيتين من هذا التحريف (الثقافة العلمية بين البزنسة والتسييس والتمكين – الهلال، مارس 2016).
يتمثل التحريف الأول في نظرية «الهدم البنَّاء»، أو «الهدم الإبداعي (Creative Destruction) ». 
وفي الأصل، طرح أستاذ الاقتصاد جوزيف شومبيتر هذه النظرية عام 1942، وهي تختص بالتغير التكنولوجي، ولا تتعلق، مطلقًا، بمبادئ سياسية.
وطبقًا لنظرية شومبيتر، يؤدي بزوغ تكنولوجياتٍ جديدةٍ إلى الاستغناء عن التكنولوجيات الأقدم، ومن ثم إحداث تغير في الأسواق، مع هدم (بمعنى إلغاء) التكنولوجيات التي تقادمت.
أما توظيف هذه النظرية، والإيهام بأنها نظريةٌ تنمويةٌ إبداعيةٌ جديدة، فهو توجهٌ سياسيٌّ تبنته الإدارة الأمريكية، من دون الإشارة إلى أصل النظرية، ويُستخدم مباشرةً في بلدان الجنوب بدعوى التحول إلى الديمقراطية، بينما يؤدي، في الواقع، إلى تحطيم هذه البلدان.
أما التحريف الثاني، فيتمثل في سوء استخدام «قانون 20/80»، الذي وضعه فلفريدو باريتو (Vilfredo Pareto)  عام 1897.
وهو قانونٌ ذو صبغةٍ إحصائية، يُعرف باسم «قانون باريتو». ويقضي بأن أفراد الشريحة العليا، التي تمثل 20% في أي توزيع (Distribution) لأي شيء، مثل جودة الأفلام السينمائية، أو أجور لاعبي كرة القدم، أو شهرة الصحفيين، أو كفاءة الباحثين العلميين… إلخ، يحصلون على، أو يمثلون، 80% من العائدات، سواء كانت عائد القوة، أو الدخل، أو التأثير… إلخ.
واستنادًا إلى هذه الفكرة، ومن دون أي إشارةٍ إلى أصلها، تفاجأ العالم، مع بدايات العولمة، بطرح مفهومٍ مؤداه أن أنشطة الاقتصاد العالمي يكفي أن يضطلع بها 20% فقط من العاملين، على أن يعيش الـ80% الآخرون على ما يتساقط إليهم من دخول يتمتع بها الـ20%. 
وبعد طرح هذا التوجه، سرعان ما شهد العالم بروز توجهاتٍ مماثلةٍ تتعارض مع مصالح غالبية البشر، من أبرزها: تسارع عمليات تسريح العمالة، مع زيادةٍ حادةٍ في رواتب الإدارة العليا، وتقليص أنشطة الرفاه الاجتماعي.
ومما يبعث على الحزن، في هذا السياق، أن بعض قيادات مجتمعات بلدان الجنوب قد تبنت هذا التوجه في مجالاتٍ حرجةٍ تتعلق بتنمية الثروة البشرية الوطنية، وعلى رأسها التعليم. فقد تصاعدت رؤى تدعو إلى قصر التعليم الراقي على 20% فقط من الطلاب.
وهكذا، يمكن اعتبار ما جرى، وما يجري، من سوء استخدام نظريتي «شومبيتر» و«باريتو» نموذجين للانحراف بإمكانات الاستناد إلى الإدارة المعرفية في الشأن التنموي.
 
ب) الإشكاليات الخاصة ببعض مجتمعات بلدان الجنوب:
من المنظور المعرفي، نظن أن الإشكاليات المعرفية ذات التأثير الأعظم في التنمية ببلدان الجنوب تتعلق، إلى حدٍّ كبير، بتدني حضور ما أطلق عليه هابرماس (1929–2026) «الفعل التواصلي» (Communicative Action). 
وقد حظيت «نظرية الفعل التواصلي» باهتمامٍ عالميٍّ متزايد منذ صدورها باللغة الألمانية في كتابٍ يحمل العنوان نفسه، ويتكون من مجلدين (1981). ويُقصد بالفعل التواصلي فاعليات الناس ورؤاهم، على اختلاف مستوياتهم، بشأن أوضاعهم وشؤون حياتهم كافة. ومن منطلق هذه الفاعليات والرؤى، أي الفعل التواصلي، تنشأ التوجهات، والاحتياجات، والمساعي المتعلقة بما ينبغي أن يكون في مختلف شؤون الحياة. ويُطلق على هذا العالم، الناشئ من الفعل التواصلي، أو المُعبَّر عنه به، «العالم الحياتي (Lifeworld)».
وطبقًا لهذه النظرية، يُفترض، بل ينبغي، أن تكون لهذا العالم الحياتي هيمنةٌ على «العالم المنظومي» (أو عالم النظام) (System World)، الذي يتمثل أساسًا في السياسة، والاقتصاد، والأمن، وكذلك في أنشطة العلم والتكنولوجيا، وجميعها ذات انعكاساتٍ كبيرة، صريحةٍ وضمنية، على شؤون الناس، أي على العالم الحياتي.
وهنا، وفي هذا السياق، يبرز التساؤل المعرفي المتعلق بالتنمية: إلى أي حدٍّ يخضع العالم المنظومي (أو عالم السياسة، والاقتصاد… إلخ) للعالم الحياتي؟
وربما تكشف الممارسة الواقعية أن ما يجري في العالم بأسره يكاد يكون على العكس من ذلك؛ إذ يهيمن العالم المنظومي، ممثلًا في السياسة، والاقتصاد، والأمن، على العالم الحياتي، في حين أن العالم الحياتي هو الأشد تعبيرًا عن المصالح الإنسانية ومستقبلاتها.
إنها قضية تحتاج إلى مراجعاتٍ وتقويماتٍ معرفيةٍ من مختلف المنابر الفكرية والأكاديمية، على تنوعها، جماهيريةً كانت أم رسمية، وعلى مختلف الأصعدة، المحلية والعالمية. ومن ثم، فإن غياب هذه المراجعات والتقويمات يُبقي السياقات الجوهرية للتنمية في حالةٍ من الحرج الشديد.
وربما تكمن الأهمية النسبية الكبرى لهذا الاعتبار، بوجه خاص، في مجتمعات الجنوب، ويرجع ذلك إلى اتساع مساحة الفاعليات المجتمعية المفتوحة، أي المتمتعة بدرجةٍ معقولةٍ من الحرية، في بلدان الشمال مقارنةً ببلدان الجنوب، وذلك بفعل خلفياتٍ تاريخيةٍ أكثر رسوخًا في الممارسات الديمقراطية.
وهكذا، فإن خصوصية التراجع في ممارسات الفعل التواصلي في مجتمعات بلدان الجنوب، مقارنةً ببلدان الشمال، تقتضي الاجتهاد في رصد الأوضاع التي تحتاج إلى معالجاتٍ معرفيةٍ مكثفة، فهمًا واستيعابًا وتقويمًا، بهدف تحسين سلوكيات الفعل التواصلي ومساراته في مجتمعات الجنوب كافة.
 
– في هذا الشأن، تجدر الإشارة إلى الإشكاليات الإدارية الآتية في بلدان الجنوب:
– تفضيل أهل الثقة على أهل الخبرة.
– تدني إدراك قيمة الفكر المستقبلي.
– انخفاض مستوى الطلب والعرض المتبادل بين رسم السياسات وأنشطة البحث العلمي.
– ضعف الاهتمام بالعلاقة الجدلية/التكاملية بين الفكر النظري والخبرات العملية.
– شيوع الإدارة التحجيمية، أو القيادة بالأوامر.
– غياب، أو ضعف، وحداتٍ فاعلةٍ للبحث والتطوير (أي الممارسة المنهجية للتغيير في كيانات الإنتاج والخدمات).
– غيابٌ نسبيٌّ للاستعانة بالمنهج العلمي (Scientific Method)، مما يضعف إمكانات الاعتماد على المعرفة وفرصها في مجابهة المشكلات، ويؤدي إلى تنامي المقاربات الخارجة عن أدوات المعرفة وحركياتها، بما يقود إلى مزيدٍ من الابتعاد عن المنهج العلمي، وهكذا دواليك.
نتيجةً لهذه الإشكاليات، تعاني مجتمعات الجنوب من قصورٍ في الإمكانات والمرونات المعرفية، ولا سيما فيما يتعلق بفاعلية التغذية الراجعة (Feedback) في الإدارة، مما يضعف إمكانات مقاومة الفساد، وينعكس سلبًا على مجالات الخدمات والإنتاج، وعلى الميزان التجاري، ومن ثم ينال من تنمية المجتمعات وتقدمها.
 
ختاما، نظن أنه يجدر طرح الإطلالات التلغرافية التالية: 
• مع كافة ما يمكن من إدراكاتٍ واستيعاباتٍ لمعاني الحداثة وما بعد الحداثة، وخلفياتهما وظروفهما، فإن حداثتنا نحن، في مجتمعات (و/أو بلدان) الجنوب، تتمثل في حركياتنا المعرفية الذاتية صوب إحداث تقدمنا الخاص.
• سرُّ التنمية، بمعنى روحها، يكمن في حركية المعرفة.
• إن الوجود المتواصل، والمتصاعد في قوته، لحركية المعرفة في بلدان الجنوب، يتطلب وجودًا جادًّا ومتوازنًا لكلٍّ من المنظومية والحرية في شتى أنواع الأنشطة المجتمعية، من إنتاج، وخدمات، وبحثٍ علمي، وثقافة، وفنون… إلخ.
• في حرق المراحل ممارسةٌ للديكتاتورية تجاه الذات، أما في «التقدم الأُسِّي» فهناك ممارسةٌ للقفز بالزانة  (Pole Vault)، زانةُ المعرفة والقدرات والإمكانات، وذلك انطلاقًا من المنهج العلمي.
• وفي إنجاز المصريين لعبورهم التاريخي لخط بارليف، في السادس من أكتوبر عام 1973، تتجلى ممارسةٌ منهجيةٌ، وجماعيةٌ، ومعرفيةٌ، للقفز بالزانة.
 
 

 

فكر التنمية السياسية في المجال العام:
أبراهام كايپر أنموذجًا!

اسم الكاتب: الدكتور القس/ موريس يوسف

 
واجه الإيمان المسيحي منذ بدايته تحديات عديدة. بعض هذه التحديات تعلقت بطبيعة الإيمان المسيحي ذاتهِ؛ ما هو صلب العقيدة المسيحية؟ ما هو جوهر هذا الإيمان؟ نتجت بعض التحديات الأخرى عن كيف يمكن أن يعاش هذا الإيمان المسيحي في العالم؟ ما هي علاقة الإيمان المسيحي بالثقافة والمجتمع، بالعلوم المختلفة والفنون، بالسياسية والتعليم؟ وما بين اللاهوت العقيدي والتطبيق العملي تعيش الكنيسة دومًا هذا التوتر الخلاق.
تتعاقب الأزمنة وتتغيّر التحديات التي تواجهها الكنيسة، لكن تظل دعوتها أن تكون ملحًا للأرض ونورًا للعالم هي بوصلة كنيسة الرب يسوع للقيام برسالتها ودورها في العالم. صارعت الكنيسة مع هذه الدعوة منذ مولدها حتى يومنا هذا. كيف نعمل مع الله لخلق عالم أفضل؟ كيف تتجسّد الكنيسة، جسد المسيح، للمجتمع؟ ما هي الطريقة الأمثل للتفاعل المجتمعي؟ كيف تكون الكنيسة أمينة لدعوتها في العالم دون أن تفقد هويتها أو تساوم عليها؟ صارعت الكنيسة عبر تاريخها الطويل مع هذه الأسئلة واتخذت خدمتها أشكالًا عديدة ما بين المد والجزر، الاندماج والتقوقع، الفعل ورد الفعل، المواجهة والمهادنة، الانسحاب والمشاركة.
لكن بغض النظر عن كيفية فهم الكنيسة لدعوتها في زمانها ومكانها، وبغض النظر عن كونها أصابت أو أخطأت، لعب الفكر اللاهوتي دورًا مركزيًّا في صياغة خارطة طريق، استراتيجية، لشكل ومضمون التفاعل المجتمعي سواء كان سلبًا او إيجابًا. تناقش هذه الدراسة فكر التنمية السياسية في المجال العام مع التركيز على اللاهوتي الهولندي أبراهام كايپر كنموذجٍ لهذا التفاعل الإيجابي. سأقدم أولًا نبذة مختصرة جدًّا عن كايپر ثم أعرض لثلاث أسس لاهوتية لفكر التنمية السياسية في المجال العام.
 
من هو أبراهام كايپر؟
وصفه أعداؤه بأنه “مقاوم ذو عشرة رؤوس ومائة يد”، كما وصفه أصدقاؤه بأنه “عطية سخية من الله لزماننا.”  إنه اللاهوتي والسياسي الهولندي أبراهام كايپر (١٨٣٧-١٩٢٠م). لقد كان كايپر عبقريًّا حباه الله كثيرًا من المواهب التي استخدمها بأمانة واتضاع شديدين لخدمة الله وخير البشرية.
قبل موته عام ١٩٢٠م في سن الثالثة والثمانين، نشر أبراهام كايپر العديد من الكتابات اللاهوتية القيّمة، المقالات الأكاديمية، التحليلات الصحفية، عدة كتب تحوي عظاته، وعدة أجزاء تحتوي على مقالاته وخطبه البرلمانية. كانت مراسلاته الشخصية أيضًا كثيرة وغنية شملت الكثير من أفكاره ومشروعاته ورؤيته للكثير من الأمور. كان كايپر مخططًا رائعًا لديه القدرة على العمل على محاور عديدة في آن واحد.
في عام ١٨٦٧م، وضع كايپر اللبنة الأولى لتأسيس أول مؤسسة لدراسة تاريخ الإصلاح الإنجيلي في هولندا. في عام ١٨٦٨م وُلدت Marnix Vereeniging أول مؤسسة سلطت الضوء على تاريخ الإصلاح بهولندا. كان كايپر أيضًا ناشطًا في المسيرة التعليمية فانضم لاتحاد المدارس المسيحية القومية التي دافعت عن حرية التعليم المسيحي في المدارس الخاصة وساعدت في ارتقاء التعليم في هولندا. في عام ١٨٨٠م، أدرك أهمية التعليم المُصلَح الجامعي فأسّس جامعة مسيحية هي “جامعة أمستردام الحرة The Free University in Amsterdam”. ساعد كايپر أيضًا في ميلاد كنيسة مصلحة جديدة عام ١٨٨٦م تكونت أساسًا من كنائس محلية وأفراد ضاقوا ذرعًا بالكنيسة المصلحة التابعة للدولة والتي لم تكن إلًا بوقًا لسياسة الحكومة الهولندية. لم يغفِل كايپر الفقراء والطبقة الكادحة فنظّم عام ١٨٩١م مؤتمرًا كبيرًا ناقش فيه دور الكنيسة نحو الفقراء والمهمشين.  شملت اهتمامات وانشغالات كايپر أيضًا عالم الصحافة فعمل محررًا عامًّا لما يقرب من خمسة عقود لإحدى الجرائد القومية التي كانت تصدر يوميًّا. شغل كايپر منصب رئيس وزراء هولندا في الفترة من عام ١٩٠١م حتى عام ١٩٠٥م. ألبس كايپر الكالڤينية الكلاسيكية ثوبًا بهيًّا ومكّنها من التحدث بلغة العصر والذي عرف بـ “الكالڤينية الجديدة أو Neo Calvinism”.
السؤال الذي تجيب عنه هذه الدراسة هو: ما الذي جعل أبراهام كايپر، وهو اللاهوتي الكالفيني المُجدِّد والأستاذ الجامعي، أن ينشغل بفكر التنمية السياسية في المجال العام؟ ما الأسس اللاهوتية التي بنى عليها كايپر دعوته للمجال السياسي؟ أعرض في هذه الدراسة أنَّ نقطة انطلاق كايپر للانشغال بالشأن العام هو فكر الكالڤينية الجديدة، والتي لا تختلف في جوهرها عن الكالڤينية الكلاسيكية، بل استكمالًا لها وبعث روحٍ جديدة قادرة على مخاطبة الثقافة الهولندية والأوربية في القرن التاسع عشر. ولا سيما في أعقاب الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩، نشر كارل ماركس أجندته الشيوعية عام ١٨٤٨م، ونشر تشارلس داروين كتابه “في أصل الأنواع On the Origin of Species” عام ١٨٥٩.
لا يختلف اثنان اليوم أنَّ مصدر إلهام هذا الرجل وعطائه هي رؤية روحية عميقة وجدت جذورها في اللاهوت المصلَح بشكل عام والفكر الكالڤيني بشكلٍ خاص. ثلاثة أسس كان لهم أعظم الأثر في تشكيل الفكر اللاهوتي لكايپر بخصوص التفاعل المجتمعي وفكر التنمية السياسية في المجال العام. هذه العقائد الثلاث هي: عقيدة سلطان الله المطلق، عقيدة النعمة العامة، وعلاقة تصالحية بين الإنجيل والحضارة.
 
أولًا: عقيدة سلطان الله المطلق
شكّلت عقيدة سلطان الله المطلق العمود الفقري لفكر كايپر اللاهوتي. آمن كايپر أنَّ الله ملك، صاحب سلطان مطلق، غير محدود. لا يقتصر سلطان الله علي المجال الروحي فقط، بل يشمل أوجه الحياة كلها؛ الفكر والثقافة، الكنيسة والمجتمع، الروحي والزمني. ألهمت هذه البديهية اللاهوتية الراسخة الهدف الأسمى الذي تبناه كايپر لحياته وهو تجديد وإحياء الكنيسة والأمة الهولندية لخلق عالم أفضل. عبّر كايپر عن هذا الهدف قائلًا: “لديَّ رغبة واحدة قد امتلكت قلبي وحياتي. دافع واحد قد أصبح هو الحافز لعقلي وروحي. لتُفارقني أنفاس الحياة إن أردت أن أتخلى عن هذه الضّرورة المقدسة التي وضعها الرَّبُّ عليَّ. على الرغم من كل المقاومة التي نجدها في العالم اليوم، لتُعلن طرق الرَّبِّ في البيت، في المدرسة، وفي الدَّولة لخير كل الناس؛ لتُحفر طرق السيد الرَّبّ كما لو أنها محفورة في ضمير هذه الأمَّة كما يشهد عنها الكتاب المقدَّس والخليقة، حتَّى تعود الأمَّة لله”. 
وجد كايپر في الكالڤينيَّة الجديدة أو الـ – Neo Calvinism وهي الكالڤينيَّة بعد عصر الحداثة أو الـ Modernity أو الكالڤينيَّة في ضوء الحداثة-  منهاجًا مُتميزًا للتفاعل المجتمعيّ. تهدف الكالڤينيَّة الجديدة إلى بناء رؤية كونيَّة شموليَّة مركزها الله. تبدأ هذه الرؤية بقناعة كاملة ويقين راسخ بسلطان الله، فكل أركان هذا الكون الشَّاسع، وكل نشاط بشريّ سواء كان دينيًّا أو عالميًّا، ينبغي أن يكون خاضعًا لسلطان الله. طوّر كايپر فكرة شموليَّة مجال سلطان الله أو Sphere Sovereignty لكي يؤكد حقيقة أنَّ سلطان الرَّبِّ يسوع يشمل كل ركن وكل مجال من مجالات الحياة المختلفة سواء كانت الأسرة، الكنيسة، الدَّولة، مجالات التعليم والفلسفة والفنون، العلوم واللَّاهوت. في خطابه الافتتاحي في أثناء حفل تدشين جامعة أمستردام الحرة أو The Free University of Amsterdam عام ١٨٨٠م قال كايپر كلمته الشهيرة “لا يوجد جزء واحد من عالمنا الفكريّ في انفصال عن الباقي، ولا يوجد سنتيمتر واحد في كل الوجود الإنساني لا يعلن عليه الرَّبُّ يسوع – كُلِّيّ السُّلطان– هذا لي!”. 
بالنسبة لـكايپر، لم تكن الكالڤينيَّة مُجرد طائفة أو حتَّى نسق فكريّ وعقيديّ. الكالڤينيَّة أكبر وأشمل من هذا بكثير. في وجهة نظري، الكالڤينيَّة هي عالم في ذاتها وطريقة لرؤية الحياة تمكِّننا من فهم الواقع الإنساني بكل تناقضاته. طبقًا للكالڤينيَّة الجديدة، لكل واحد من شعب الرَّبِّ دعوة خاصَّة ومحدَّدة من الله طبقًا لوظائفهم في الحياة. عندما نقوم بوظائفنا في الحياة من هذا المنظور، فإنّ الله يسترد، ويجدِّد، ويفدي المجالات الطبيعيَّة والروحيَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة للخليقة. يعمل المؤمنون في العالم في كل هذه المجالات المختلفة، كل بحسب دعوته، لكي يحضروا العالم للمسيح الذي تخضع له كل الخليقة بحق الخلق والفداء. 
يعطي هذا النموذج المُصلَح للمسيحيين ما يحتاجون ليكونوا وكلاء حكماء في المجتمع وفي الوقت نفسه يحمي الكنيسة كمؤسسة من القيام بدور الوصاية على أعضائها وإملائهم أيَّة سياسات عامَّة. نبّر كايپر أيضًا على احتياج الدَّولة أن تمارس سلطانها في مجالها الخاصّ وفي المسؤوليات المنوطة بها. يقول كايپر: “يجب ألَّا تكون الدَّولة مثل الأخطبوط الذي يخنق كل أوجه الحياة. يجب على الدَّولة أن تؤدي رسالتها فيما أؤكل إليها، وبالتالي تحترم وتعضِّد كل أشكال الحياة التي تنمو باستقلاليّة داخل الكيان الأكبر”.  تعتبر عقيدة سلطان الله المطلق هي الركيزة الأساسيَّة للتفاعل المجتمعي والذي يمكّن تلاميذ المسيح في العالم من القيام بمسؤولياتهم وأدوارهم المختلفة في المجتمع.
 
ثانيًا: عقيدة النّعمة العامَّة
تمثِّل عقيدة النّعمة العامَّة اللَّبِنَة الثَّانية في فكر كايپر بخصوص دور الفكر اللّاهوتيّ في خلق آليَّة للتفاعل المجتمعيّ عامَّةً وفي تطور فكر التنمية السياسية خاصَّةً. على الرغم من اتساع الفجوة بين عالمين مختلفين تمامًا، العالم في صورته السَّاقطة والعالم في صورته المفديَّة، إلَّا إنّ هناك رجاء في رَتق الفجوة بينهما. هناك نقطة التقاء مُهمة بين المسيحيّ والعالم، بين عالم المؤمنين وعالم غير المؤمنين. نقطة الالتقاء هذه لا يمكن أن تكون إنكارًا أو تقليلًا من آثار الخطيَّة على عالمنا وكأن السقوط لم يحدث ولم تدخل الخطيَّة عالمنا لأنَّه وقتها سنكون أنصاف بيلاجيون [نسبة إلى بيلاجيوس] مما يتنافى مع العقيدة الكالڤينيَّة بفساد الإنسان الكامل. بالإضافة إلى مفهوم سيادة الله وسلطانه، رأى كايپر في مفهوم النّعمة العامَّة أو Common Grace الدور الإلهيّ في خلق عالمٍ أفضل. إنَّ المرض عِضال، كل الرأس مريض وكل القلب سقيم، وبالتالي هذا التناقض والتضاد بين ما هو كائن وما يجب أن يكون يحتاج فيها عالمنا إلى تدخل إلهيّ.  بالطّبع التعليم عن النّعمة العامَّة لم يكن تعليمًا جديدًا قدمه كايپر فقد نادي به المصلح چون كالڤن من قبله، لكنَّ كايپر توسّع فيه ووظّفه كآليَّة للتواصل والتفاعل المجتمعيّ. 
لكن ما المقصود بـ”النّعمة العامَّة”؟ بالإضافة إلى النّعمة المُخلِّصة، وهي عطيَّة الله الخاصة لمختاريه، هناك أيضًا نوع آخر من النّعمة التي أسبغها الله على كل البشر. بينما نجد أنَّ النّعمة الخاصة تُجدِّد قلوب المختارين وتُغيَّرها، نجد أنَّ النّعمة العامَّة تُقيِّد نتائج الخطيَّة المُدمرة في قلوب البشر عامَّةً وتمكّنهم أن يطوروا وأن يتبنّوا بعض المُبادرات الخيِّرة. من خلال النّعمة العامَّة، يمكن أن يقدم كل إنسان أشياء إيجابيَّة تُضيف للخير والصّالح العامّ كما أمرنا الله قبل السقوط. 
من هذا المنظور يمكننا أن نقول إنَّ الحضارة والتقدم في مجالات الحياة المختلفة والإبداع لا ينبع من الشرّ أو الشيطان، بل من الله الذي أعطى نعمته بغنى لخلائقه. ففي حين نَجد أنَّ الأشخاص غير المُجدِّدين عاجزون عن فعل ما هو صالح روحيًّا، لكنهم قادرون على القيام ببعض الصّلاح مدنيًّا واجتماعيًّا. “كِلتا المجموعتين شُركاء مع الله وأدوات في يد الله.”  بهذا المفهوم يتَّضح لنا كيف أنَّ كايپر لم يُعادِ حركة التنوير إذ إنها بالفعل أسقطت أنظمة قديمة وكانت السبب المباشر في ميلاد أنظمة اجتماعيَّة ديمقراطيَّة خفّفت أعباء البشر ومعاناتهم الاقتصاديَّة والسياسيَّة. ومع ذلك انتقد كايپر بعض ملامح عصر النهضة خاصَّةً معاداتها للدين ومناداتها باستقلاليَّة الإنسان كبديل لسلطان الله المطلق على حياتنا.
 
ثالثًا: علاقة الإنجيل بالحضارة
يُعدّ اللّاهوتيّ الأمريكيّ ريتشارد نيبور Richard Niebuhr (١٨٩٤م- ١٩٦٢م) واحدًا من أفضل اللّاهوتيّين الذين تناولوا قضيّة علاقة الإنجيل بالحضارة. في عام ١٩٥١م، نشر نيبور واحدًا من أهم كتبه وهو المسيح والحضارة أو Christ and Culture.  قدّم نيبور خمسة نماذج محتملة لعلاقة الإنجيل بالحضارة أو الثّقافة: أوّلًا، المسيح ضدّ الثّقافة Christ against Culture. في هذا النّموذج يُرى المسيح ضدًّا للحضارة الإنسانيّة، وخاصّة الثّقافة أو الحضارة الوثنيَّة. من يتبنون هذا النّموذج يرون أنّ الثقافة ضدّ الإيمان المسيحيّ، ولا يمكن أن تكون بينهما علاقة. ثانيًا، مسيح الحضارة Christ of Culture. في هذا النّموذج يُرى المسيح في مواءمة أو اتفاق مع الحضارة. يدعو هذا النّموذج رسالة الإنجيل الي التّكيف مع الحضارة أيًّا كانت، وتفسير إيماننا المسيحيّ في ضوء الخلفيَّة الحضاريَّة والمعطيات البيئيَّة. ثالثًا، المسيح فوق الحضارة Christ above Culture. لا يرى هذا النّموذج الحضارة كونها ضدّ المسيح، لكنه في الوقت ذاته لا يرى الحضارة مساوية للمسيح أو للإيمان المسيحيّ. يُبنى هذا النّموذج على فهم توما الأكوينيّ للنِّعمة والطبيعة (Grace and Nature) الذي يرى أنَّ الإعلان الإلهيّ أعلى وأسمى من العقل البشريّ. رابعًا، المسيح والحضارة في تضادّ أو تخالف تامّ Christ and Culture in Paradox. قدّم القديس أوغسطينوس هذا النّموذج في مفهوم المدينتين وقدّمه أيضًا المُصلِح مارتن لوثر في مفهوم المملكتين. يرى هذا النّموذج التّضاد بين مملكة الله ومملكة العالم، بين المسيح والحضارة، بين العقل والإيمان. هناك توتر دائم بين الإنجيل والحضارة هنا كون الحضارة تنتمي لهذا العالم بينما الإنجيل من فوق؛ بينما الأوّل زمنيّ، فالثّاني أبديّ. خامسًا، المسيح مُغيّر الحضارة Christ Transforming Culture. تبنّى كايپر والكالڤينيَّة الجديدة هذا النّموذج وهو نموذج يرى أن الله هو المصدر وهو الخالق للحضارة الإنسانية بكل مكوناتها. فالله هو مصدر اللُّغة والجمال والإبداع وهو من أعطى آدم وحواء ألبسةً من جلد ليستترا بها. يرى هذا النّموذج يد الله خلف كل تقدم حضاريّ. صحيح أنَّ الحضارة قد وصمتها الخطيّة وشوّهت الصورة الإلهيّة فيها، لكنَّ فداء المسيح للعالم وحضوره في العالم قادر على استعادة الخليقة وفدائها.
كما ذكرت آنفًا، تبنّت الكالڤينيَّة الجديدة هذا النّموذج الأخير، نموذج المسيح مُغيّر الحضارة، فانشغلت بهموم النّاس وأوجاعهم وفي الوقت نفسه، لم تخطُ للعالم بقوتها الذاتيّة بوصفها فلسفةً إنسانيّةً بحتة، بل بقوة سيدها، هذا الذي له القدرة على الخلق والفداء. تقدم لنا كلمة الله إله لا يؤمن بالفشل، بل يقدم لنا مرّةً تلو الأخرى محبَّة فياضة ونعمة متجدِّدة تهدف لفداء الإنسان وفداء الخليقة. في قلب رسالة الإنجيل يقين بأنّ الله يخلق من العدم، يعطي حياة لأولئك الذين دبَّ الموت في أوصالهم. 
عندما يتقابل إنجيل المسيح مع الحضارة –أيَّة حضارة– فهو لا يرفضها لأنها مختلفة ولا يكفِّرها فينزوي وينعزل بعيدًا عنها. وهو أيضًا لا يقبلها كما هي من دون نقدٍ أو تحليل. لكنَّ ما يفعله إنجيل المسيح بحق، أنّه يحضر الحضارة بكل مكوناتها تحت نور إنجيل المسيح، يتحاور معها بشجاعة وبإيمان في قدرة الرَّبِّ المُقام، بل ويُبكِّتها عندما يرى الحضارة قد ابتعدت عن غرض الله للإنسان وللخليقة. 
إنّ السعي الى خلق علاقة تصالحية بين الإنجيل والحضارة وكذا التوازن الأمين بين الدورين الكهنوتي والنبوي للكنيسة كان ركيزة هامة انطلق منها كايپر وحركة الكالڤينية الجديدة للانشغال بالشأن العام ولا سيما في فكر التنمية السياسية. كان الشغل الشاغل للكالڤينية الجديدة عامةً ولإبراهام كايپر خاصةً هو البحث عن طرق وقنوات وآليات يمكن من خلالها أن يتواصل الإنجيل مع الثقافة الأوروبية التي رفضت شكلًا وموضوعًا الإيمان المسيحي. كيف تخدم الكنيسةُ العالمَ على نحوٍ أفضل؟ كيف ترتقي بالمجتمع؟ كيف تقوم بدورها الكهنوتي كوسيط بين الله والعالم؟ لو فكرنا في هذا الأمر من منظور لاهوتي سنرى أنَّ الرغبة في خلق هذا التواصل هي في الأساس “مسؤولية كهنوتية”. للكنيسة -للمؤمنين في العالم- دور كهنوتي، كما أنَّ لها دورًا نبويًّا.
في العهد القديم نرى هذين النموذجين لكلٍّ من النبي والكاهن متمثلين في موسى وهارون. دُعي موسى أن يكون نبيًّا ودُعي هارون أن يكون كاهنًا. للنبي وللكاهن دور مهم في تعامل الله مع شعبه. يعلن النبي عن رسالة الله وأشواق قلبه لشعبه “هكذا قال الرب”، بينما يقود الكاهن الشعب إلى طاعة الوصية وإلى تحقيق الرسالة النبوية على أرض الواقع. إنَّ المشكلة والخطورة هنا أنه يمكن للكاهن والنبي أن يضلوا طريقهما. وقع هارون الكاهن في سفر الخروج إصحاح ٣٢ ضحية إرضاء الشعب والتي قادته إلى عمل العجل الذهبي، وبناء مذبح له، وقيادة الشعب في العبادة والرقص حول العجل. كيف يمكن لهارون أن يقول: “هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ”؟ كيف حدث هذا؟ إنَّ التجربة للانصياع لما يطلبه الناس، لمجاراة الثقافة، هي تجربة الكنيسة في كل العصور. يمكن للنبي أيضًا أن يقع في نفس الخطأ. ضاق موسى ذرعًا بشكوى الشعب وتذمره. ضرب الصخرة وفقد صبره. كم من الأنبياء الكذبة الذين نطقوا بكلام لم يكن من الله على الإطلاق؟ إنَّ تاريخ الكنيسة والفكر اللاهوتي يحتوي على كثير من هذه الأمثلة. ما أكثر المرات التي فيها يرتدي الكاهن والنبي عباءة العالم فيخفت نور الرسالة وتضيع فاعليتها! 
رأى كايپر أنه لسنوات عديدة لم تفهم الكنيسة الهولندية جيدًا دورها الكهنوتي بصفتها مصالِحًا بين الله والعالم كما أتها لم تقم بدورها ورسالتها النبوية. صحيح أنها انتقدت الحكومة؛ حاولت الدفاع عن الفقراء والمهمشين. لسنوات طويلة قاوم الفكر اللاهوتي ظلم الدولة وقاوم الكثير من آراء الحداثة. رأى كثيرون من الكنسيين أنَّ العالم في حالة مذرية. وماذا حدث بعدها؟ لا شيء. ذهب المتعبدون إلى بيوتهم وكأن شيئًا لم يكن. أنا لا أقلل بأي شكل من الأشكال لدور الكنيسة النبوي، لكم من وجهة نظري، الدور النبوي والدور الكهنوتي للكنيسة وجهان لعملة واحدة ويجب أن يسيرا معًا جنبًا الي جنب. إنَّ المسؤولية الأساسية لدور الكنيسة الكهنوتي هو المصالحة. على الرغم من اتساع الفجوة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، تقوم الكنيسة بخدمتها الكهنوتية دون توقف حتى يتصَالح هذان العالمان.
يبدأ الانشغال بالشأن العام عندما تدرك جماعة المؤمنين مركزية دورها الكهنوتي ودورها النبوي. عندما تدرك الكنيسة بأمانة دورها الكهنوتي، فإن هذا كفيل بأن يعبئ ويحشد شعب الرب للقيام بمسؤوليتهم في العالم والمساعدة في بناء حياة تسودها المحبة وتحكمها قيم العدل والمساواة الاجتماعية والاقتصادية. الدور الكهنوتي هو دور تصالحي يسعى لمصالحة الواقع الإلهي بالواقع البشري. لا يقف دور الكنيسة عند دورها النبوي -عند “هكذا قال الرب”- بل يتعداه ليشمل دورها الكهنوتي. هذا هو الفرق بين من يدعون النبوة ومن أرسلهم الله بالفعل.  تتبادل الكنيسة هذين الدورين باستمرار وهكذا يرتبط الدوران النبوي والكهنوتي ارتباطًا وثيقًا ببعضهما البعض فهما يحتاجان أحدهما الآخر ولا يمكن لواحد أن يحيا دون الآخر.
إنَّ رسالة الإنجيل رسالة شمولية لا تستثني وجهًا من أوجه الوجود الإنساني كونه بعيدًا عن عمل نعمة الله أو لا يخضع لسلطان الله.  يقول اللاهوتي الهولندي باڤنك: “إنَّ الإنجيل هو رسالة الأخبار السارة ليس فقط للأفراد، لكن للبشرية جمعاء؛ للأسرة، للمجتمع، للدولة، للفنون والعلوم، للكون بأكمله، لكل الخليقة التي تئن وتتمخض”.  ولهذا السبب يرفض الفكر الكالڤيني الثنائية بين ما هو روحي وجسدي، ديني ودنيوي، إذ أنَّ كل الخليقة، كل أوجه الحياة في حاجة ماسة للإنجيل. ما زالت كلمات الرب في سفر التكوين 1: 26-28 تحمل تكليفًا إلهيًّا بالإعمار والبناء، الخلق والإبداع، الحفظ والرعاية. هذا التكليف له طبيعة شمولية، فهو يشمل كل الكون وكل أوجه الحياة بلا استثناء. ما زال الله يخلق، ويخلق من العدم Ex nihlio. هذا الخلق والإبداع نراه داخل الكنيسة وخارجها، في الجسد والروح، في الثقافة والفنون، في السياسة والاقتصاد، في العلوم والفلسفة. ليتعالَ أسم فادينا ولتمتلئ الأرض -كل الأرض- من مجده. آمين.
 
 
قائمة المراجع
 
Bavinck, Herman. “The Catholicity of Christianity and the Church.” Calvin Theological Journal  27 (1992): 220-251. 
 
Bratt, James D., ed. Abraham Kuyper: A Centennial Reader. Grand Rapids, MI: Wm. B. Eerdmans-Lightning Source, 1998. 
 
de Vries, John Hendrick. Biographical note to Lectures on Calvinism by Abraham Kuyper. 1931; reprint. Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1994.
 
Kuyper, Abraham. Christianity and the Class Struggle. Grand Rapids, MI: Piet Hein, 1950. 
 
______________ . Lectures on Calvinism: Six Lectures Delivered at Princeton 
University under Auspices of the L. P. Stone Foundation. Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1931. 
 
Niebuhr, Richard H. Christ and Culture. San Francisco: Harper & Row, 1951.
 
Trueman, Carl R. “Calvinism,” in The Dictionary of Historical Theology. Edited by Trevor A. Harted. Grand Rapids: Eerdmans, 2000. 
 
Van Ekris, Cornelis Marius Adrianus. Making See: A Grounded Theory on the Prophetic Dimension of Preaching. Zürich/Berlin: LIT, 2018. 
 
 

 

التنمية المستدامة... اقتراب اجتماعي

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: د. ســامــح فـــوزي.

 
التنمية Development في أبسط معانيها تعني التغيير الاجتماعي إلى الأفضل، وعنوانها الأساسي الحد من الفقر، بكل تبعاته، ولعل ذلك هو الأساس الذي تنطلق منه كل جهود التنمية منذ نشأتها. 
تعريف التنمية
ارتبط مصطلح التنمية في تطوره زمنيًّا منذ منتصف القرن العشرين بالعديد من المعاني، والتفسيرات، والنظريات، ولاسيما أنه يمثل منطقة التقاء بين علوم مختلفة، حتى وإن كانت نشأته اقتصادية، قبل أن يكتسب أبعادًا إنسانيةً واجتماعيةً وثقافية. إذا نظرنا إلى التعريفات العديدة المقدمة لمفهوم التنمية، نجد أن معظمها يشترك إجمالًا في عدد من العناصر الأساسية أبرزها: النظر إلى التنمية بوصفها عملية تطورية، تهدف إلى تعزيز القدرات الإنسانية في بناء الهياكل المؤسسية، والتصدي للمشكلات، والتكيف مع التغيرات المستمرة في البيئة المحيطة، وتحقيق جملة من الأهداف بطريقة ابتكارية، في مقدمتها الحد من عدم المساواة، والقضاء على الفقر. وهكذا صار السؤال الأساسي للتنمية هو التصدي لقضية الفقر، مع اتساع أبعاد المفهوم، من عوز اقتصادي، وتهميش اجتماعي، وغيرها. 
نظريتان للتنمية
تصدت نظرياتٌ عديدةٌ لتفسير حالة التخلف أو غياب التنمية، وهي تتصل بالبناء الثقافي والاجتماعي للمجتمعات، نذكر منها على سبيل المثال نظريتين: الحداثة Modernity والتبعية Dependency، حيث قسمت النظرية الأولى المجتمعات إلى قسمين، تقليدية ومتقدمة، حيث يغلب على المجتمعات التقليدية ثقافة تشمل قيمًا ومعايير تعيق التنمية، وبالتالي فإن غياب التنمية في تلك المجتمعات، التي وُصفت بالنامية، يعود في الأساس إلى أسباب داخلية، ثقافية واجتماعية، تنال من قدرتها على تحقيق التنمية. أما المجتمعات المتقدمة فهي صناعية حديثة، تعمل على تراكم رأس المال بها، ولديها الثقافة الحديثة التي تعينها على تحقيق التنمية. وبالتالي، إذا أرادت المجتمعات النامية تحقيق التنمية فليس أمامها سوى المضي على النهج الغربي، والتخلي عن ثقافتها المعوقة، والأخذ بالثقافة الحديثة. من هنا لم تكن نظرية الحداثة في مجملها سوى محاولة لترويج النموذج الرأسمالي الغربي من ناحية، وتحميل دول العالم النامي مسؤولية تراجع التنمية بها، وإسقاط أي حجة لإدانة الدول الاستعمارية السابقة من ناحية أخرى. 
أما النظرية الثانية -أي التبعية- فقد تبنت رؤية عكسية، فذهبت إلى أن أزمة التنمية في الدول النامية ليست داخلها أو ناتجة عن عوامل هيكلية أو ثقافية بها، بقدر ما تعود إلى عدم العدالة في النظام الاقتصادي العالمي الذي أوجد دولًا تمثل مركز العالم، الصناعي، المتقدم، تستغل دول الأطراف، أي الدول النامية، وبالتالي فإن تحقيق التنمية يتطلب تغيير النظام الاقتصادي العالمي الذي يقوم على الاستغلال. 
 
فكر الاستدامة
تعني الاستدامة Sustainability – في رأي كثير من الأكاديميين والباحثين والممارسين للتنمية- القدرة على الحفاظ على كيان مؤسسي، العملية التنموية، والمخرجات الناجمة عنها، وذلك بهدف التوزيع العادل للموارد بين الأجيال المتعاقبة، وبين أبناء الجيل الواحد، وهو ما اصطُلح على تسميته بالإنجليزية: Intra-generationally & Inter-generationally  فالاستدامة، بقول آخر، هي نقطة توازن ديناميكية بين السكان والبيئة، إذ يحصل السكان على احتياجاتهم الإنسانية، دون تعريض البيئة إلى مخاطر مثل التآكل، والتلوث، والإنهاك الشديد، بما يؤثر سلبًا على حظوظ الأجيال اللاحقة من الموارد، ليس هذا فحسب، بل يشمل المفهوم تحقيق العدالة في التوزيع بين أبناء الجيل الواحد، بحيث لا تستأثر قلة قليلة من الموارد على حساب الغالبية من السكان. من هنا يشتبك مفهوم الاستدامة مع قضايا عديدة مثل مواجهة الفقر، والحد من التهميش، والحفاظ على البيئة، وغيرها. 
 
التنمية المستدامة 
يُقصد بمصطلح التنمية المستدامة Sustainable Development تلبية احتياجات الجيل الحالي دون الحد من قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها. ويعني ذلك مفهومين محوريين: الأول مفهوم الاحتياجات، والمراد بها احتياجات الفقراء كأولوية، والمفهوم الثاني هو القيود التي تفرض على التكنولوجيا من أجل الحفاظ على البيئة بهدف تلبية الاحتياجات الحاضرة والمستقبلية على السواء. 
وقد تبلور المفهوم في عدة محطات تاريخية مهمة: أبرزها مؤتمر الأمم المتحدة في ستوكهولم عام 1972 عن البيئة الإنسانية، واتجه إلى الربط بين القضايا البيئية والاقتصادية والاجتماعية. وقد اعتبر أهم نقاش حول التنمية بعد الحرب العالمية الثانية. وقد جاء انعقاد المؤتمر بعد عدد من الكوارث البيئية التي حدثت في دول صناعية مثل بريطانيا واليابان والولايات المتحدة، وبدأ العلماء يتحدثون عن تأثير مخلفات المصانع، والمواد الكيميائية على البشر والبيئة، واللافت أن المبادرة التي قامت بها السويد في ذلك الحين قُبلت من المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، وقد شكل ذلك نقطة تحول، ولاسيما أن ميثاق الأمم المتحدة دعا إلى تعزيز السلام والاستقرار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، لكنه صمت عن الحديث عن قضايا البيئة. وفي منتصف ثمانينيات القرن العشرين، وبالتحديد في عام 1987 صدر تقرير برونتلاند Brundtland Report، بعنوان مستقبلنا المشترك، تلاه مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية عام 1992، الذي عرف بقمة الأرض، وقدم الحاجة إلى دمج التنمية الاقتصادية مع كل حماية البيئة، والعدالة الاجتماعية، والاستيعاب Inclusion. وطرح ما عرف بأجندة 21، وهي تشمل العديد من البرامج حول التنمية الاقتصادية والاجتماعية والحفاظ على البيئة، وتدعم المشاركة في المجتمعات، والحوار، والمواطنة. وفي عام 1993 شكلت لجنة للتنمية المستدامة لمتابعة وتعزيز تطبيق أجندة 21، ثم قمة الأرض+5 عام 1997، وقمة الألفية عام 2000، التي نتج عنها أهداف الألفية، التي تضمنت الحد من الفقر المدقع، وتحقيق المساواة للمرأة، تبعها القمة العالمية للتنمية المستدامة في جوهانسبرج عام 2002، ثم قمة ريو+20، عام 2012 أي بعد عشرين عامًا من انعقاد قمة الأرض في ريو، ونتج عنه تطوير أهداف التنمية المستدامة، ووضع الأولويات التنموية بناء على أجندة 21، وما ترتبت من مخرجات عن قمة جوهانسبرج. 
أعلنت أهداف التنمية المستدامة السبعة عشرة هدفًا (2015-2030)، وتشمل القضاء على الفقر والجوع، وتعزيز الصحة الجيدة والرفاه، والتعليم الجيد والمساواة بين الجنسين والمياه النظيفة والنظافة الصحية، والعمل اللائق، والمؤسسات وتعزيز العدالة، ويلاحظ التداخل والاعتماد المتبادل بين الأهداف، إذ يقود أحدها إلى تعزيز الآخر، والعكس، وجاء الهدف العاشر بمثابة “الهدف المحوري” الذي ينص على “الحد من أوجه عدم المساواة داخل البلدان، وفيما بينها”، وترسَّخ اقتناع أساسي أن عدم تحقيق الهدف العاشر -أي الإبقاء على عدم المساواة- يجهض جهود التنمية في الأهداف الستة عشر الأخرى. 
 
لماذا يتصدر الفقر التنمية؟
يُعد الفقر Poverty مسألةً اقتصاديةً ترتبط بالحرمان، واجتماعيةً تتصل بالتهميش، وسياسيةً تقترن بالاستبعاد. وإلى جانب هذه الأبعاد المتعددة، يتسم الفقر بالتوريث. إذ كما يورث الأغنياء أبناءهم، أصولًا مادية ومالية وعلاقات نسب ومصاهرة ووضعًا اجتماعيًّا، يورث الفقراء أبناءهم العوز، والحرمان، والتهميش، والمشاعر الإنسانية المُحبطة، وهو ما يشبه الحلقة المفرغة المستمرة، حيث يتزوج الفقراء فيما بينهم، وينجبون أبناء فقراء، عادة بأعداد تفوق عدد أطفال الاسر الغنية، ولا يجد النشء الفقير فرص تعليم جيدة أو إمكانية للترقي الاجتماعي، مما يجعلهم يعيشون في عشوائيات اجتماعية وثقافية، ويتوالى الفقراء جيل وراء جيل يرث الفقر، مثلما يرث الأغنياء المال والجاه والمكانة الاجتماعية. 
بالطبع قد تتبدد الثروة والوضع الاجتماعي من جراء سوء استخدام جيل لاحق من الأغنياء لفرص الحياة التي ورثها عن جيل سابق، وقد ينتقل الفقراء من دائرة الفقر إلى عالم الأثرياء نتيجة تقلبات وتحولات المجتمع، مثل الطفرة الشديدة في العائد المادي الناجم عن بعض المهن الطفيلية التي يعمل فيها سكان العشوائيات، والتي قد تنطوي على بعض الممارسات غير القانونية. في الحالتين لا تحدث جهود منظمة لتحرير المواطنين من الفقر، بأبعاده المتعددة، أو تنمية تستوعب كل مكونات المجتمع، فضلًا عن أن القضاء على جانب من جوانب الفقر، لا يعني بالضرورة انتهاء جوانبه الأخرى. فمثلا قد يحصل للفقراء طفرة مالية، لكنهم لا يستطيعون ترجمة ذلك في تمكين سياسي واجتماعي وثقافي، وهو ما يلفت الانتباه إلى قضية مهمة، أن ليس كل سكان العشوائيات فقراء بالمعنى الكلاسيكي للفقر، فقد يكونوا أغنياء أو لديهم دخل مالي يضعهم في مصاف الطبقة الوسطى، لكنهم على الصعيد العملي فقراء في حياتهم الاجتماعية، وفرصهم السياسية، وممارساتهم الثقافية. نخلص من ذلك أن القضاء على الفقر متعدد الأبعاد يتطلب تنمية متعددة الأبعاد أو ما يطلق عليه في بعض الأحيان تنمية استيعابية. 
 
التنمية متعددة الأبعاد 
ظهر مصطلح التنمية الاستيعابية Inclusive Development في أواخر القرن العشرين، وبدأ استخدامه على نطاق واسع منذ عام 2008. وكما يتضح من المصطلح، فهو يعبر عن تنمية تستوعب كل مكونات المجتمع، وبخاصة المهمشين، والفقراء، والمستضعفين من جانب، وتنطوي على كافة أبعاد التنمية: اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا من جانب آخر. بقول آخر، فهو يتضمن التنمية التي تستوعب الفئات المستبعدة Excluded، وتحولها إلى فئات مُستوعبة Included إلى جانب ذلك فهي تتعامل مع قضية الفقر من منظور أعم وأشمل، لا يقف عند حدود الاقتصاد، لكنه يمتد ليشمل أيضا الأبعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية.  
مما سبق يتضح أن الهدف الأساسي للتنمية هو مواجهة الاستبعاد أو التهميش، وهذا هو جوهر الاقتراب الاجتماعي للتنمية، ونظرا لأن التهميش له أبعاد متعددة، فإن التنمية ينبغي أيضًا أن تتحلى بأبعاد متعددة. وهو ما سعى قادة العالم إلى تبنيه في سياق ما عرف بالتنمية المستدامة Sustainable Development، عام 2015 وهي تعبر عن أجندة كونية طموحة للتنمية المستدامة 2030، تتطلع إلى عالم يسوده العدل، والمساواة، والتسامح، ويستوعب كل سكانه. وظهر ذلك الشعار العاطفي المؤثر No one will be left behind . 
ويعني ذلك بداهة استيعاب كل واحد، أي مواجهة الاستبعاد بكافة صوره. وتمثل أجندة التنمية المستدامة 2030 التأكيد على التنمية الاقتصادية، ومواجهة التغيرات المُناخية والتأثيرات السلبية على البيئة، والتنمية البشرية سواء التعليم، والصحة، وخلافه، كل ذلك بغية تعزيز العدالة الاجتماعية، والمساواة، وخلق مجتمعات استيعابية. وذلك انطلاقًا من مبدأ أساسي: إن لم تكن التنمية استيعابية فلن تكون مستدامة. 
وهكذا تأخذ التنمية المستدامة في اعتبارها الأبعاد الاجتماعية والبيئية إلى جانب الأبعاد الاقتصادية لحسن الإفادة من الموارد المتاحة بهدف تلبية احتياجات الجيل الحالي، واحترام حقوق الأجيال القادمة، وتنطوي على سبعة عشرة هدفًا تجسد التنمية متعددة الأبعاد، ولا يمكن أن تتحقق دون الاستيعاب الاجتماعي Social Inclusion. 
إذا نظرنا إلى الأهداف الــ 17 للتنمية المستدامة نجدها:
• تحريرًا لكل المجتمعات والأفراد من الفقر والجوع. 
• ضمانًا لحياة صحية، والحصول على التعليم، والطاقة النظيفة، والصناعة والابتكار.
• التزامًا بالتنوع الطبيعي في الحياة البرية والبحرية على السواء. 
• إدراكًا بأن تحقيق هذه الأهداف ينبغي أن يشمل ترتيبات مؤسسية تحقق حكم القانون، والوصول إلى مؤسسات العدالة، والمشاركة في صنع القرار. 
ورغم كل ذلك، فإن أكثر أهداف التنمية المستدامة أهمية هو الهدف 10، والذي إن لم يتحقق يصعب تحقيق الأهداف الأخرى، ويشمل هذا الهدف مواجهة عدم المساواة، أي بقول آخر الاستبعاد، والذي إن ظل قائمًا، فلن يكون لأهداف التنمية مردود إيجابي على المجتمعات، حيث تكمن جذور المشكلات فيما يمكن تسميته بعدم المساواة Inequality، وهي من المشكلات البنيوية في المجتمعات النامية، وحتى تتحقق التنمية المستدامة يجب مواجهة جذرية لمشكلة عدم المساواة، متعددة الأبعاد، وخلق إطار استيعابي لمختلف المكونات ولاسيما المهمشين أو المستبعدين Excluded.
ويُلاحظ أنه قبل عقد من الاعلان عن أهداف التنمية المستدامة عام 2015، لم يكن مستساغًا الحديث عن عدم المساواة    Inequalityوارتباطها بالتنمية، وفي أحيان كثيرة كان يُنظر إلى ذلك بوصفه حديثًا “يساريًّا” أو تعبيرًا عن سعي الدول النامية إلى تحميل الدول الغنية، التي استعمرتها قبلًا، المسؤولية الكاملة عن حالة الفقر المذري بها، في حين ترى الدول الكبرى أن الفقر مرده في الأغلب الأعم إلى أسباب داخلية تتصل بسوء الحكم والإدارة، وعدم وجود سياسات عامة كفء، وخلافه، ويعبر ذلك عن استمرار الذهنية التي أفرزت نظرية الحداثة Modernity Theory التي رأت أن أسباب التخلف ليست خارجية بل هي في الأساس داخلية، تقبع في بنية المجتمعات النامية، وهي نظرية على النقيض من نظرية التبعية Dependency Theory  التي تحيل أزمات التنمية إلى عوامل خارجية أكثر منها داخلية. 
على أية حال مع الإعلان عن أهداف التنمية المستدامة، طرأ تحول مهم في النظر إلى التنمية من خلال الإشارة صراحة إلى أهمية الحد من عدم المساواة Reduced Inequalities – الهدف رقم 10- من الأهداف الــ 17 للتنمية المستدامة وهو ما يمثل تحولًا في نظرة المجتمع الدولي إلى قضية انعدام المساواة بين الدول، وفي داخل كل دولة. وقد يكون مرد ذلك أن مجريات الأحداث أثبتت أنه إذا ظل عدم المساواة مخيمًا على العالم سيظل الغني أكثر غِنَى، والفقير أكثر فقرًا. ويؤدي استمرار عدم المساواة إلى نتائج كارثية سواء للأغنياء والفقراء على حد سواء نتيجة استفحال الانقسام بين الدول، وهو ما يقود حتمًا إلى تحدي مفاهيم مثل الكونية، والعولمة، وتتعثر التجارة الدولية التي تُعد الشغل الشاغل للدول الرأسمالية الكبرى. ولا ننكر أن الوعي العالمي في الفترة الأخيرة أصبح أكثر إدراكًا بقضية الفقر وتداعياتها، وارتباطها بالتنمية والتغيرات المناخية والحروب والنزاعات، وهو ليس فقط وعيًا لدى الحكومات، أو السياسيين، بل يرتبط أيضا بالأفراد العاديين. 
 
ختامًا
مما سبق يتضح أن التنمية المستدامة لها توجُّه اجتماعي أساسي ينظر إلى الفقر بأبعاده المختلفة، وفي مقدمتها التهميش والاستبعاد، ويبحث عن تغيير نوعية حياة الإنسان إلى الأفضل، من خلال تشابك كل مجالات التنمية: الحد من الفقر، ومواجهة الجوع، والنهوض بالبيئة، والمشاركة، والتعليم، وبناء المؤسسات… وغيرها، مما يعني صعوبة انتزاع البعد الاجتماعي من التنمية، أو اعتبارها قضية تتعلق بالنشاط الاقتصادي فقط. 
 
 

 

موقف المسيح من الفئات المهمشة: نحو لاهوت تنمويّ يسترد الإنسان

اسم الكاتب: ق. بيتر وديع

 
لم تكن رسالة يسوع المسيح يومًا تنظيرًا فكريًّا معزولًا عن أنين الأرض، بل كانت انحيازًا إلهيًّا صارخًا لكرامة الإنسان المسحوق؛ انحيازًا تجسد في صُلب بيانه الافتتاحي في بداية خدمته الجهارية عندما قرأ في المجمع من الكتاب المقدس، ورسم آنذاك فيه ملامح ملكوتٍ يبدأ من القاع صعودًا إلى القمة “روح الرب عليَّ لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية…” (لوقا 4: 18). 
 
مقدمة: التنمية كفعل تجسد
في المشهد الثقافي المعاصر، غلبت على أدبيات التنمية الرؤية المادية القائمة على الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، مستبعدة في كثير من الأحيان الجوهر الإنساني والروحي. لكن التنمية من منظور مسيحيّ تنطلق من أرضية مغايرة تمامًا؛ أرضية تتخذ من شخص يسوع المسيح وخدمته على الأرض نموذجًا راديكاليًّا (جذريًّا) لإعادة بناء الإنسان والمجتمع. لم يكن المسيح مجرد مصلح اجتماعيّ، بل كان لاهوتيًّا ممارسًا، قرأ واقع زمانه بعين الرحمة الإلهية وسعى لتفكيك بنى التهميش والإقصاء.
إن مفهوم “التنمية” في فكر الملكوت يتجاوز مجرد تحسين ظروف المعيشة، ليصل إلى “استرداد الكرامة” وإعادة المُبعَدين إلى قلب الجماعة. إن قراءة موقف المسيح من الفئات المهمشة ليست مجرد استرجاع تاريخيّ، بل هي الأساس المعياري لأي فكر تنمويّ مسيحيّ معاصر يسعى لتحقيق العدالة واسترداد “صورة الله” في الإنسان التي شوهتها الهياكل الطبقية والدينيّة والاجتماعيّة.
أولًا: سوسيولوجيا التهميش في سياق العصر القديم
لفهم حجم الثورة التي أحدثها يسوع، لا بد أولًا من قراءة خريطة التهميش في فلسطين القرن الأول. لقد كان المجتمع محكومًا بنظام صارم من “النقاء الدينيّ” والطبقية الاقتصاديّة والاجتماعيّة. لم يكن التهميش مجرد حالة فقر ماديّ، بل كان منظومة متكاملة تقصي الأفراد بناءً على تصنيفات لاهوتيّة واجتماعيّة جامدة:
1. المرض والعلة الجسدية: كان يُنظر إلى البرص والعمى والنزف ليس بوصفها أعراضًا طبية، بل علاماتٍ على اللعنة الإلهية أو الخطيئة الموروثة. كان الأبرص، على سبيل المثال، يُجبر على العيش خارج الأسوار، صائحًا “نجس نجس”، مما يعني موتًا مدنيًّا واجتماعيًّا قبل الموت الجسدي.
2. النوع الاجتماعي (الجندر): عاشت المرأة في ظل مجتمع ذكوري أبوي، فكانت تُعامل بوصفها مِلكًا لزوجها أو أبيها، ومُستبعَدة من التعليم الدينيّ الرسمي، ولم تكن شهادتها تُقبل في المحاكم. التهميش هنا كان “بنيويًّا” يحرمها من الفاعلية في المجتمع.
3. الموقع الاقتصاديّ والسياسيّ: العشارون (جامعو الضرائب) والخطاة العلنيون كانوا منبوذين دينيًّا ووطنيًّا. اعتُبروا خونة ومتعاونين مع المستعمر الرومانيّ، وبالتالي سقطوا من حسابات “الخلاص” الدينيّ ومن الحقوق الاجتماعيّة.
في هذا المشهد، لم يكن المُهمَّش مجرد “فقير”، بل كان “غير مرئي”. ومن هنا بدأت تنمية المسيح: بجعل هؤلاء مرئيين ومقبولين ومقدَّرين.
 
ثانيًا: التفكيك الهيكلي للإقصاء 
لم يكتفِ المسيح بتقديم الوعظ للمهمشين، بل سلك نهجًا “تفكيكيًّا” للمنظومة التي أنتجت التهميش. التنمية المسيحية الحقيقية لا تكتفي بمداواة الأعراض، بل تضرب جذور المرض الاجتماعيّ.
1. كسر حاجز “النجاسة” (قصة الأبرص):
في مرقس 1: 40-42، نجد الأبرص يركع أمام المسيح قائلًا: “إن أردت تقدر أن تطهرنيّ”. الفعل الصادم هنا لم يكن الشفاء بحد ذاته، بل أن يسوع “مد يده ولمسه”. بحسب القانون السائد، كان يسوع بمجرد اللمس يصبح “نجسًا” بحسب الطقس. لكن المسيح هنا يعيد صياغة المفهوم: قداسة المسيح هي التي تُعدِي الأبرص بالطهارة، وليس نجاسة الأبرص هي التي تُعدِي المسيح. هذا الفعل هو قمة التنمية الاجتماعيّة؛ إنه كسر للعزلة النفسية والمجتمعية التي فرضها الدين “المؤسَّسيّ” على المريض.
 
2. ثورة النوع الاجتماعي (السامرية كنموذج):
في حوار المسيح مع السامرية (يوحنا 4)، كسر يسوع ثلاثة حواجز في آن واحد: الحاجز العرقي (يهودي وسامرية)، والحاجز الجندري (رجل وامرأة في العلن)، والحاجز الأخلاقي (امرأة لها ماضٍ مضطرب). المسيح هنا لم يكتفِ بالحديث معها، بل جعل منها “كارزة/خادمة” لمدينتها. التنمية هنا انتقلت من تقديم المعونة (الماء) إلى تمكين الشخص ليكون هو نفسه مصدر تغيير لمجتمعه.
 
3. إعادة تعريف القيمة (العشارون والخطاة):
دخول المسيح بيت زكا العشار لم يكن مجرد زيارة اجتماعية، بل كان اعترافًا بشرعية وجود هذا الشخص في الجماعة. رأى المسيح في زكا “ابنًا لإبراهيم” في الوقت الذي لم يرَ فيه المجتمع سوى “خائن”. هذا هو “التقدير الإيجابي” الذي يُعد حجر الزاوية في أي عملية تنموية بشرية.
 
ثالثًا: من “الإحسان” إلى “التمكين” (المنظور التنموي للمعجزات)
في العمل التنموي التقليديّ، غالبًا ما يسقط القائمون عليه في فخ “الإحسان” (Charity) الذي يخلق تبعية. أما معجزات المسيح وتعامله مع المهمشين، فقد كانت تنتمي لمدرسة “التمكين” (Empowerment).
• استرداد المكانة الاجتماعيّة: عندما شفى المسيح “نازفة الدم” (لوقا 8)، لم يتركها تمضي سرًّا. بل أصر على إظهارها ومناداتها “يا ابنة”، بهذه الكلمة أعاد لها نسبها الروحي والاجتماعي. لقد أصبحت الآن قادرة على العودة لبيتها، دخول الهيكل، والتعامل مع جيرانها دون وصمة. الشفاء الجسدي كان البوابة لاستعادة المواطنة الكاملة.
• تحويل المتلقي إلى فاعل: في معجزة إشباع الجموع، طلب المسيح من التلاميذ: “أعطوهم أنتم ليأكلوا”، فاستخدم الموارد المتاحة (خمس خبزات وسمكتين) من طفل بسيط. هذا هو جوهر التنمية: استخدام الموارد المحلية، مهما بدت ضئيلة، لتحقيق الاكتفاء من خلال البركة والتدبير الإلهي.
• الشفاء بوصفه استردادًا للعمل: شفاء المفلوج أو مريض بيت حسدا لم يكن لمجرد الراحة، بل لكي “يحمل سريره ويمشي”. السرير الذي كان يحمله صار هو يحمله. التنمية المسيحية تهدف لتحويل الإنسان من “عبء” على المجتمع إلى “عضو فاعل” قادر على الإنتاج والخدمة.
 
رابعًا: كنيسة المسيح ورسالتها التنموية المعاصرة
إن كانت الكنيسة هي “جسد المسيح” المستمر في الزمان، فإن موقفها من المُهمَّشين يجب أن يكون نسخة كربونية من موقف رأسها. التحدي في القرن الحادي والعشرين وما بعده، هو تحديد فئات التهميش الحديثة والتعامل معها بمنظور تنمويّ مسيحيّ. 
1. المُهمَّشون اقتصاديًّا ورقميًّا: في عصر الذكاء الاصطناعيّ والتكنولوجيا الفائقة، تبرز فئة جديدة من المُهمَّشين وهم الذين لا يملكون الوصول للمعرفة أو الأدوات التقنية. التنمية المسيحية اليوم يجب أن تشمل سد “الفجوة الرقمية” كجزء من رسالة العدالة.
2. اللاجئون والمُشرَّدون قسريًّا: المسيح الذي كان لاجئًا في مصر يطالب كنيسته اليوم بأن تكون صوتًا لمن لا صوت لهم، ليس فقط بالدعم المادي، بل بالدفاع عن حقوقهم في الكرامة والاندماج.
3. ذوو الإعاقات المتنوعة: الانتقال من فكرة “الشفقة” إلى فكرة “الإتاحة” (Accessibility). الكنيسة التنموية هي التي تهيئ بيئتها المعماريّة والروحيّة ليكون ذوو الإعاقة شركاء في الخدمة وليسوا مجرد متلقين لها.
4. المُهمَّشون أخلاقيًّا واجتماعيًّا: أولئك الذين يقذفهم المجتمع المعاصر بـ”أحجاره” المعنوية (مدمنو المخدرات، السجناء السابقون). دور الكنيسة هو خلق “مدن ملجأ” توفر فرصة ثانية للبدء من جديد.
 
خامسًا: نحو لاهوت “العدالة التنموية”
يُعلمنا موقف المسيح أن التنمية لا يمكن أن تنفصل عن العدالة. لم يكن المسيح يوزع الصدقات، بل كان يعلن “سنة الرّب المقبولة” (سنة اليوبيل)، وهي السنة التي تُرَدُّ فيها الأراضي لأصحابها ويُعتق فيها العبيد وتُلغى فيها الديون.
اللاهوت التنمويّ المسيحيّ هو لاهوت “قلب الموازين”: “أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين”. إنه لاهوت يرفض القبول بالأمر الواقع الذي يهمش الإنسان لصالح المادة. ليس العمل التنمويّ في الكنيسة “نشاطًا إضافيًّا” تقوم به لجنة البر، بل هو جوهر وجود الكنيسة، إننا نخدم المسيح نفسه في “أصغر هؤلاء الإخوة”. فإن التنمية المسيحيّة ليست تبرعًا فضفاضًا بل التزام أصيل بالعدالة ومن دونها يظل فكرنا اللاهوتيّ مجرد كلمات رنانة تفقد روح الإنجيل الحي.
 
خاتمة: التحدي المستقبلي
يضعنا موقفُ المسيح من الفئات المُهمَّشة أمام مرآة كاشفة. هل برامجنا التنموية الكنسية تهدف إلى تلميع صورة المؤسسة، أم إلى استرداد الإنسان؟ هل نحن “نمنُّ” على الفقراء، أم ندرك أننا مدينون لهم لأنهم يحملون لنا وجه المسيح المتألم؟
إن الهدف النهائي للتنمية من منظور مسيحيّ هو الوصول إلى “الملء”؛ أي أن يصير كل إنسان قادرًا على ممارسة إنسانيته وروحانيته وحريته كاملة. لقد بدأ المسيح الطريق بلمس الأبرص ومحاورة السامرية وتناول الطعام مع زكا، واليوم يترك لنا المهمة لنكملها، ليس بقوة الموارد المالية فحسب، بل بقوة الحب الذي يرفض أن يرى إنسانًا واحدًا “خارج المحلة” أي مُهمشًا. 
إن “مجلة النسور اللاهوتيّة”، وهي تطرح هذا الملف عن التنمية، تدعونا جميعًا لنكون “نسورًا” تحلق فوق حواجز التهميش، لترى الإنسان كما يراه الله: غاليًا، مكرمًا، ومستحقًّا لحياة أفضل.
 
 
 
 

 

الكنيسة الكاثوليكية في مصر: من الإحسان إلى التنمية الإنسانية المستدامة

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: د. ماريان منير

 
يتناول هذا البحث التحول الذي شهدته الكنيسة الكاثوليكية في مصر في مجال العمل الاجتماعي، من نموذج الإحسان المباشر إلى نموذج التنمية الإنسانية المستدامة. ويسعى إلى توضيح مفهوم التنمية في السياق الكاثوليكي، وبيان أبعاده الاجتماعية والإنسانية والروحية، مع إبراز تجلياته العملية في الواقع المصري بواسطة مؤسسات مثل كاريتاس مصر وهيئة الإغاثة الكاثوليكيةCRS . وتنطلق الدراسة من فرضية مؤداها أن العمل الخيري، على ضرورته في مواجهة الأزمات، لا يبلغ أثره الكامل إلا حين يتحول إلى مسار يقوم على التعليم والتمكين والحماية والاندماج الاجتماعي. 
وتخلص الدراسة إلى أن الكنيسة الكاثوليكية في مصر تقدم نموذجًا تنمويًّا يتجاوز منطق الإعانة الآنية إلى منطق بناء الإنسان وتمكينه. ولا تتجلى قيمة هذا النموذج في حجم الخدمات المقدَّمة فحسب، بل في الرؤية التي تؤطره، والتي تنظر إلى الإنسان بوصفه صاحب كرامة وقدرة وحق. وتستمد هذه الرؤية عمقها من التعليم الاجتماعي الكاثوليكي، ولا سيما من الرسائل البابوية التي أكدت أن التنمية لا تُقاس بالنمو الاقتصادي وحده، بل بقدرتها على تنمية «كل إنسان والإنسان كله»، وعلى تحويل المحبة إلى التزام بالعدالة والخير العام والتضامن.
المقدمة
لم يكن العمل الخيري يومًا عنصرًا هامشيًّا في رسالة الكنيسة، بل ارتبط بها منذ نشأتها بوصفه تعبيرًا عن خدمة الفقير والمريض والغريب والمُهمَّش. غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة أعادت طرح سؤال يتجاوز حدود الإغاثة المباشرة: هل تقتصر مسؤولية الكنيسة على الاستجابة للحاجة الآنية، أم تمتد إلى تمكين الإنسان من استعادة قدرته على العيش الكريم؟ في هذا السياق، تقدم خبرة الكنيسة الكاثوليكية في مصر، ولا سيما عبر مؤسسات مثل كاريتاس مصر وهيئة الإغاثة الكاثوليكية CRS، نموذجًا دالًّا على الانتقال من منطق الإحسان المباشر إلى منطق التنمية الإنسانية المستدامة.
وتقوم هذه الدراسة على فرضية مفادها أن خصوصية العمل التنموي الكاثوليكي في مصر لا تعود إلى حجم الخدمات المقدمة وحده، بل أيضًا إلى الرؤية التي تؤطر هذه الخدمات وتحدد غاياتها. فهذا العمل ينطلق من تصور للإنسان بوصفه كائنًا ذا كرامة وحقوق وقدرة على الفعل، ويتحقق ضمن أطر مؤسسية متخصصة، وينفتح على الشراكات المحلية والدولية، ويستجيب لاحتياجات الفئات الهشة بعيدًا عن أي تمييز. ومن ثمّ، تُفهم التنمية في المنظور الكاثوليكي بأنها امتداد للرحمة وليست نقيضًا لها؛ إذ تستجيب الرحمة للألم القائم، بينما تسعى التنمية إلى معالجة الشروط البنيوية التي تعيد إنتاجه.
ويرتبط هذا التحول ارتباطًا وثيقًا بما يمكن تسميته اللاهوت الاجتماعي الكاثوليكي، أي ذلك البعد من الفكر الكنسي الذي يقرأ قضايا الفقر والعدالة والعمل والكرامة الإنسانية لا بوصفها مشكلات اجتماعية محايدة فحسب، بل بوصفها أسئلة لاهوتية وأخلاقية تمسّ معنى الإنسان ودعوته ومكانه في الجماعة. فاللاهوت الاجتماعي لا يفصل بين الإيمان والعمل العام، ولا بين العبادة وخدمة الفقير، بل يرى أن محبة الله لا تكتمل إلا في محبة القريب، وأن الدفاع عن كرامة الإنسان والمشاركة في الخير العام هما من صميم شهادة الكنيسة في العالم. ومن هذا المنطلق، يصبح العمل التنموي امتدادًا عمليًّا للعقيدة المسيحية في الخلق والتجسد والخلاص: فالإنسان مخلوق على صورة الله، والمسيح اتحد بالإنسانية، والكنيسة مدعوة إلى أن تجعل هذا الإيمان حاضرًا في التاريخ عبر العدالة والرحمة وبناء المجتمع. وتؤكد خلاصة التعليم الاجتماعي للكنيسة أن الكنيسة لا تقدم حلولًا تقنية جاهزة، لكنها تقدم رؤية أخلاقية عن الإنسان والمجتمع، بينما تشدد الرسائل البابوية الاجتماعية على أن التنمية الأصيلة هي تنمية كل إنسان والإنسان كله، وأن المحبة لا تنفصل عن الحقيقة والعدالة والخير العام.
“لكي تكون التنمية أصيلة، يجب أن تكون كاملة؛ أي أن تعزز نمو كل إنسان والإنسان كله”. — رسالة البابا بولس السادس، ترقي الشعوب (Populorum Progressio) 
تساعد هذه العبارة على فهم التحول الجوهري في العمل الاجتماعي الكاثوليكي: فالمقصود ليس فقط أن يحصل الإنسان على خدمة أو مساعدة، بل أن تُصان كرامته وتُفتح أمامه إمكانات المشاركة والاختيار والمسؤولية. ولذلك يصبح العمل التنموي الكاثوليكي تعبيرًا عمليًّا عن الإيمان بالإنسان، لا مجرد إدارة لمشروعات اجتماعية.
نطاق البحث 
من الناحية الموضوعية، يقتصر هذا البحث على تحليل التحول الذي عرفه الدور الاجتماعي للكنيسة الكاثوليكية في مصر من نمط العمل الخيري التقليدي إلى مقاربة التنمية الإنسانية المستدامة، مع التركيز على الأسس الفكرية واللاهوتية والمؤسسية التي تؤطر هذا التحول، وعلى تجلياته التطبيقية في مجالات التعليم، والتمكين، والحماية، وخدمة الفئات الهشة. كما يهتم البحث ببيان الكيفية التي أعادت بها هذه المقاربة تعريف الخدمة الاجتماعية الكنسية بوصفها فعلًا يهدف إلى بناء الإنسان وتعزيز قدرته على المشاركة والاستقلال، لا مجرد الاستجابة للحاجة الآنية.
ومن الناحية التاريخية، يتتبع البحث البدايات الحديثة للحضور الاجتماعي الكاثوليكي المنظم في مصر، ولا سيما منذ منتصف القرن العشرين، بوصفها المرحلة التي بدأت فيها الملامح المؤسسية للعمل الاجتماعي الكاثوليكي تتبلور بصورة أوضح، وصولًا إلى المرحلة الراهنة التي تزايد فيها توظيف مفهوم التنمية المستدامة إطارًا مرجعيًّا لتوجيه العمل الاجتماعي والإنساني. ومن ثمّ، لا يتناول البحث التاريخ الكنسي العام للكنيسة الكاثوليكية في مصر إلا بقدر ما يخدم فهم تطور رسالتها الاجتماعية والتنموية.
أما من الناحية المكانية، فينحصر البحث في السياق المصري، من حيث الواقع الاجتماعي والمؤسسي الذي تتحرك داخله الكنيسة الكاثوليكية ومؤسساتها التنموية. غير أن هذا التحديد المكاني لا يفصل الخبرة المصرية عن بعدها الكنسي الأوسع، إذ تُفهم الكنيسة الكاثوليكية في مصر بوصفها جزءًا من الكنيسة الكاثوليكية الجامعة، بما تحمله هذه الجامعة من مرجعية فكرية وروحية ومؤسسية تتجاوز الحدود المحلية، وتمنح العمل الاجتماعي في مصر ارتباطًا بشبكة أوسع من التعليم الاجتماعي الكاثوليكي والخبرة التنموية الكنسية العالمية.
نبذة تاريخية عن الحضور الكاثوليكي في مصر 
يمكن تتبع الحضور الكاثوليكي في مصر، بمفهومه التاريخي الأوسع، عبر مسارات متعددة ومتداخلة؛ غير أن صورته المؤسسية الحديثة تبرز بوضوح منذ الزيارة الشهيرة التي قام بها القديس فرنسيس الأسيزي إلى معسكر السلطان الملك الكامل الأيوبي في دمياط سنة 1219، في سياق الحملة الصليبية الخامسة. وقد اكتسبت هذه الزيارة قيمة رمزية كبرى في الذاكرة الفرنسيسكانية والكاثوليكية بوصفها لحظة لقاء وحوار في مناخ الحرب.
وارتبطت هذه الذاكرة لاحقًا بتعزيز الحضور الفرنسيسكاني في مصر، ثم باستقراره في القاهرة منذ القرن السابع عشر، ولا سيما مع وجود دير الموسكي الذي تشير المصادر الفرنسيسكانية إلى استقراره منذ سنة 1632. ومع القرن الثامن عشر بدأت تتشكل بصورة أوضح جماعات كاثوليكية شرقية في مصر، إلى جانب الحضور اللاتيني، ثم شهد القرن التاسع عشر خطوة مؤسسية حاسمة مع إنشاء النيابة الرسولية لمصر سنة 1839، وتنامي أدوار الرهبانيات والإرساليات الكاثوليكية في مجالات الرعاية والتعليم والخدمة الاجتماعية.
وفي هذا السياق، اتسع الحضور الكاثوليكي تدريجيًّا في المجال الصحي أيضًا، من خلال إنشاء مؤسسات علاجية وخدمية متنوعة، شملت مستوصفات وعيادات ومراكز طبية اجتماعية ارتبطت بخدمة الفئات الفقيرة والمهمشة، ولا سيما في المدن الكبرى وبعض المناطق ذات الهشاشة الاجتماعية. وفي السياق القبطي الكاثوليكي، تشير المراجع الكنسية إلى تعيين نيابة رسولية للأقباط الكاثوليك سنة 1741، ثم إلى إعادة تنظيم البطريركية القبطية الكاثوليكية في أواخر القرن التاسع عشر، مع تثبيت الكرسي البطريركي سنة 1895 وتعيين البطريرك كيرلس مقار سنة 1899.
أما في القرنين العشرين والحادي والعشرين، فقد اتخذ الحضور الكاثوليكي في مصر طابعًا أكثر تنوعًا وتنظيمًا، من خلال تعدد الكنائس الكاثوليكية ذات القانون الخاص، واتساع مؤسسات التعليم والصحة والخدمة الاجتماعية، إلى جانب أدوار هيئات مثل كاريتاس مصر، المسجلة سنة 1967، وهيئة الإغاثة الكاثوليكية التي بدأ حضورها الإغاثي في مصر سنة 1956 ثم تطور لاحقًا نحو برامج التنمية المستدامة.
وتكشف المواد التعريفية الرسمية لكاريتاس مصر عن وجود مراكز طبية اجتماعية في مناطق فقيرة بالقاهرة الكبرى، تقدم خدمات صحية واجتماعية بأسعار ميسورة، إلى جانب خدمات للأشخاص ذوي الإعاقة، ومحو الأمية، وتمكين النساء، بما يدل على تداخل الخدمة الصحية مع التنمية المجتمعية. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن الدور الصحي والاجتماعي للكنيسة الكاثوليكية في مصر لا يُفهم بوصفه إضافة ثانوية إلى النشاط الكنسي، بل بوصفه ترجمة عملية لمبدأ الكرامة الإنسانية، حيث تتكامل الرعاية الطبية الأساسية مع الحماية الاجتماعية والتأهيل والخدمة الموجهة إلى الجميع دون تمييز.
إشكالية البحث
تتمثل إشكالية هذا البحث في تفسير التحول الذي شهده العمل الاجتماعي للكنيسة الكاثوليكية في مصر من نموذج الإحسان المباشر إلى نموذج التنمية الإنسانية المستدامة، مع بيان الأسس الفكرية والمؤسسية التي أسهمت في هذا التحول، وقياس انعكاسه على طبيعة الخدمة المقدمة للفئات الهشة. وينبثق عن ذلك سؤال رئيس هو: ما الذي يميز النموذج التنموي الكاثوليكي في مصر عن الممارسة الخيرية التقليدية؟
أهداف البحث
• توضيح مفهوم التنمية الإنسانية المستدامة في السياق الكاثوليكي.
• تحليل التحول من الإغاثة المباشرة إلى التمكين وبناء القدرات.
• إبراز الخصوصية المؤسسية والشراكات التي يقوم عليها العمل التنموي الكاثوليكي في مصر.
• بيان صلته بمبادئ الكرامة الإنسانية وأهداف التنمية المستدامة.
• الاستناد إلى نماذج تطبيقية من الواقع المصري لتفسير طبيعة هذا التحول. 
منهجية البحث
يتناول هذا البحث العمل التنموي في الكنيسة الكاثوليكية من زاوية اجتماعية تحليلية، مع الاستفادة من أبعاده الروحية واللاهوتية والتاريخية بوصفها خلفية مفسرة له. ولتحقيق ذلك، يعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي لملاءمته طبيعة الموضوع؛ إذ لا يقتصر على عرض الوقائع والبرامج، بل يسعى إلى تفسير دلالاتها وبيان الأطر الفكرية والمؤسسية التي وجَّهت التحول من الإحسان المباشر إلى التنمية الإنسانية المستدامة.
ويقوم هذا المنهج على تتبع تطور العمل التنموي الكاثوليكي في مصر، وقراءة بعض النماذج المؤسسية والتطبيقية في ضوء مفاهيم التعليم الاجتماعي الكاثوليكي ومبادئ التنمية المستدامة. كما يستند البحث إلى تحليل مضمون عدد من الوثائق والمصادر المرجعية الرسمية ذات الصلة، وبخاصة الرسائل البابوية الاجتماعية، بهدف تفسير طبيعة هذا التحول، وخصائصه، وأبعاده الاجتماعية والإنسانية.
الإطار المفاهيمي البابوي للتنمية في الكنيسة الكاثوليكية 
لفهم العمل التنموي الكاثوليكي فهمًا دقيقًا، ينبغي الانطلاق من التعليم الاجتماعي للكنيسة، لا الاكتفاء بوصف الأنشطة والبرامج. فالرسائل البابوية الاجتماعية لا تطرح خطابًا أخلاقيًّا عامًا فحسب، بل تقدم رؤية متكاملة للإنسان والمجتمع والعدالة والخير العام. وفيما يلي أبرز الأفكار البابوية التي تساعد على تفسير هذا العمل وتحديد أسسه الفكرية.
تُعد رسالة ترقي الشعوب (Populorum Progressio)، 26 مارس 1967، للبابا بولس السادس من النصوص المؤسسة لفهم التنمية في الفكر الكاثوليكي، إذ تؤكد أن التنمية الأصيلة لا تعني مجرد تحسين الظروف المادية، بل تعني تنمية «كل إنسان والإنسان كله». ومن ثمّ، فإن العمل التنموي في المنظور الكاثوليكي لا يُختزل في تقديم المال أو المساعدات، بل يشمل التعليم، والصحة، والكرامة، والمشاركة الاجتماعية.
أما رسالة المحبة في الحقيقة (Caritas in Veritate)، 29 يونيو 2009، للبابا بندكتس السادس عشر، فتبرز أن المحبة لا تنفصل عن العدالة والخير العام، وأن الكنيسة كلها منخرطة في تعزيز التنمية الإنسانية المتكاملة. وتكشف هذه الرؤية أن العمل التنموي ليس نشاطًا ثانويًّا أو هامشيًّا، بل جزء أصيل من رسالة الكنيسة في المجتمع.
وفي رسالة الله محبة (Deus Caritas Est)، 25 ديسمبر 2005، يؤكد البابا بندكتس السادس عشر أن المحبة الكنسية تحتاج إلى تنظيم ومهنية، ولا ينبغي أن تبقى مجرد عاطفة عابرة. وتساعد هذه الفكرة على فهم الطابع المؤسسي الذي يميز عمل هيئات مثل كاريتاس وCRS، حيث تتحول الرحمة إلى ممارسة منظمة تتسم بالاستمرارية والفاعلية.
وتضيف رسالة فرح الإنجيل (Evangelii Gaudium)، 24 نوفمبر 2013، للبابا فرنسيس بُعدًا اجتماعيًّا واضحًا، إذ تؤكد أن الإيمان لا يكتفي بمواساة الفقراء، بل يقتضي إدماجهم في المجتمع. ومن ثمّ، تصبح التنمية وسيلة لنقل المُهمَّشين من موقع التلقي والهامشية إلى موقع المشاركة الفاعلة في الحياة الاجتماعية.
أما رسالة كن مسبحًا (Laudato Si’)، 24 مايو 2015، فتربط بين العدالة الاجتماعية والعدالة البيئية، وتؤكد أن قضايا الفقر لا يمكن فصلها عن قضايا الاستدامة. وبهذا المعنى، يتسع مفهوم التنمية في الفكر الكاثوليكي ليشمل البيئة، والصحة، والعدالة، والمسؤولية تجاه الأجيال المقبلة.
وأخيرًا، تؤكد رسالة كلنا إخوة (Fratelli Tutti)، 3 أكتوبر 2020، أن الأخوة الاجتماعية تتجاوز الحدود الدينية والقومية، وتدعو إلى خدمة الإنسان بوصفه أخًا في الإنسانية. وتفسر هذه الرؤية توجه المؤسسات الكاثوليكية إلى خدمة الجميع دون تمييز، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة مثل اللاجئين والمهمشين.
وتتضافر هذه الوثائق في تأكيد أن التنمية، في المنظور الكاثوليكي، ليست إجراءً إداريًّا محايدًا، بل فعل محبة منظّم بالعدالة. فالكنيسة لا تكتفي بأن تسأل: ماذا يحتاج الإنسان الآن؟ بل تضيف: ما الشروط التي تحول دون عيشه بكرامة؟ وكيف يمكن مساعدته على أن يصبح شريكًا في بناء حياته ومجتمعه؟ ومن هذا المنطلق، يمكن الانتقال من الإطار الفكري إلى السمات العملية التي تميز الخبرة التنموية الكاثوليكية في مصر.
من إغاثة الحرب إلى بناء السلام الاجتماعي: التنمية بوصفها الاسم الجديد للسلام
لا يُفهم التحول من الإغاثة إلى التنمية في الفكر الكاثوليكي بوصفه مجرد انتقال من أداة عملية إلى أداة أخرى، بل بوصفه تحولًا في فهم السلام نفسه. ففي رسالة ترقي الشعوب صاغ البابا بولس السادس إحدى العبارات المؤسسة لهذا التصور حين أعلن أن «التنمية هي الاسم الجديد للسلام»، وهو تعبير يكشف أن السلام لا يتحقق فقط بغياب الحرب أو توقف العنف، بل بقيام أوضاع اجتماعية أكثر عدلًا تُتاح فيها للإنسان فرص العيش الكريم، والتعليم، والعمل، والحماية، والمشاركة. ومن ثمّ، تصبح التنمية في هذا المنظور بناءً لشروط السلام داخل المجتمع، لأنها تعالج الجذور التي تنتج الفقر والتهميش والهشاشة، ولا تكتفي بتخفيف آثارها الظاهرة.
وتتجسد هذه الفكرة بوضوح في خبرة هيئة الإغاثة الكاثوليكية CRS، سواء في نشأتها العالمية أو في حضورها داخل مصر. فقد وُلدت الهيئة أصلًا في سياق الحرب العالمية الثانية، حين تأسست سنة 1943 تحت اسم War Relief Services لتقديم العون للاجئين والمتضررين من الحرب، وهو ما يكشف أن بدايتها ارتبطت بمنطق النجدة الإنسانية في لحظة الانهيار والنزاع. غير أن تطورها اللاحق لم يقتصر على الاستمرار في الإغاثة، بل اتجه إلى إعادة تعريف رسالتها على نحو أوسع؛ إذ أخذت تنتقل تدريجيًّا من الاستجابة لنتائج الحرب إلى الإسهام في معالجة الشروط الاجتماعية التي تجعل المجتمعات عرضةً للتفكك والحرمان. وهكذا لم تعد الهيئة معنية فقط بتقديم المعونة عند الطوارئ، بل أصبحت منخرطة في بناء مسارات للتعليم، والصحة، وسبل العيش، والحماية، والتمكين، بما يجعل تدخلها أقرب إلى بناء سلام اجتماعي مستدام منه إلى مجرد استجابة ظرفية.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا إذا نُظر إلى المسار التاريخي للهيئة بوصفه مسارًا لتحول العمل الإنساني ذاته. فالاسم الأول للهيئة، المرتبط بالحرب والإغاثة، يعكس أولوية إنقاذ الإنسان من أخطار العنف والتشريد والجوع؛ أما تطورها المؤسسي اللاحق، واعتماد اسمها الحالي سنة 1955، فيعكسان انتقالًا من الاستجابة لنتائج الحرب إلى الاشتغال على شروط الحياة التي تمنع إعادة إنتاجها اجتماعيًّا. ومع اتساع عملها في العقود التالية إلى مجالات التنمية الريفية، والأمن الغذائي، والتعليم، والصحة، والشراكات المجتمعية، أصبحت الهيئة تمثل نموذجًا مؤسسيًّا يربط بين الإغاثة والتنمية في مسار واحد: يبدأ بحماية الإنسان المهدد، لكنه لا يتوقف عند إنقاذه، بل يمتد إلى تمكينه من استعادة مكانه في المجتمع بوصفه فاعلًا لا مجرد متلقي مساعدة. وفي هذا المعنى، يمكن القول إن تطور هيئة الإغاثة الكاثوليكية يكشف كيف يمكن لخبرة وُلدت في أزمنة الحرب أن تنضج لتصبح أداة لبناء سلام اجتماعي قائم على العدالة والكرامة والتنمية الإنسانية الشاملة.
ومن هنا تكتسب عبارة البابا بولس السادس معناها التفسيري الكامل؛ فحين يقال إن التنمية هي الاسم الجديد للسلام، فالمقصود أن السلام الحقيقي لا يُبنى فقط بالمصالحات السياسية أو بانتهاء المواجهات المسلحة، بل أيضًا بإنشاء بنية اجتماعية تسمح للإنسان بالخروج من دوائر الفقر والجهل والإقصاء. وعلى هذا الأساس، يغدو العمل التنموي الكاثوليكي في مصر، كما يظهر في خبرات مؤسسات مثل CRS، مساهمة في صنع السلام الاجتماعي بقدر ما هو مساهمة في تقديم الخدمة. فهو لا يواجه الحاجة المباشرة فقط، بل يعمل على إعادة بناء الروابط الاجتماعية، وتعزيز القدرة على الاعتماد على الذات، وفتح المجال أمام الفئات الهشة للمشاركة والاندماج، وبذلك تتحول التنمية من برنامج اجتماعي إلى رؤية للسلام المؤسس على العدالة والكرامة الإنسانية.
 
الطابع المؤسَّسي المنظم بوصفه ترجمة عملية للمحبة
من أبرز سمات العمل التنموي الكاثوليكي في مصر أنه لا يقوم على مبادرات فردية أو استجابات موسمية، بل يتحرك ضمن إطار مؤسسي منظم تقوده هيئات متخصصة تمتلك برامج واضحة وقطاعات عمل محددة وفئات مستهدفة بدقة. وتُعد كاريتاس مصر مثالًا بارزًا في هذا السياق؛ إذ تُظهر موادها التعريفية الرسمية أنها تعمل عبر برامج متعددة تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، وتشمل مجالات الإعاقة، ومحو الأمية، وتمكين المرأة، والصحة، والتمويل الصغير، وخدمة اللاجئين والمهاجرين، بما يعكس فهمًا للتنمية بوصفها عملية شاملة تتداخل فيها الأبعاد التعليمية، والاجتماعية، والاقتصادية.
وتُعد كاريتاس الدولية Caritas Internationalis واحدة من أوسع الشبكات الكاثوليكية العاملة في المجال الإنساني والاجتماعي على المستوى العالمي. وترجع جذور هذه الشبكة إلى تأسيس منظمات كاريتاس الوطنية الأولى في أوروبا منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ثم تبلور إطارها الدولي سنة 1951 مع إنشاء الكونفدرالية الدولية في روما برعاية الكرسي الرسولي. وتضم الشبكة اليوم 162 منظمة عضوًا تعمل في أكثر من 200 دولة وإقليم، وتنسق بين الاستجابة للطوارئ وسياسات التنمية والمناصرة من أجل العدالة والكرامة الإنسانية. وقد تطور دورها من تقديم الإغاثة في الأزمات إلى تبني مقاربة أشمل تشمل التنمية المستدامة، ومرافقة الفئات المهمشة، والدفاع عن الحقوق، وبناء السلام الاجتماعي، الأمر الذي يجعلها الذراع الإنسانية والاجتماعية الأبرز للكنيسة الكاثوليكية في السياق العالمي.
ويكتسب هذا الطابع المؤسسي جذره اللاهوتي من الرسالة البابوية الله محبة (Deus Caritas Est)، حيث يؤكد البابا بندكتس السادس عشر أن محبة القريب، المتجذرة في محبة الله، ليست واجبًا فرديًّا فحسب، بل هي أيضًا مسؤولية الجماعة الكنسية كلها في مختلف مستوياتها، من الجماعة المحلية إلى الكنيسة الجامعة. ويعني ذلك أن العمل الخيري الكنسي لا يجوز أن يُترك للعفوية أو للعاطفة العابرة وحدهما، بل يحتاج إلى تنظيم يضمن الاستمرارية، والفاعلية، والمهنية، واحترام كرامة المستفيدين. ومن هذا المنظور، يصبح التنظيم المؤسسي ذاته جزءًا من التعبير العملي عن المحبة، لا مجرد وسيلة إدارية لتنسيق الخدمات.
«محبة القريب المتجذرة في محبة الله هي أولًا وقبل كل شيء مسؤولية كل مؤمن، لكنها أيضًا مسؤولية الجماعة الكنسية كلها». — البابا بندكتس السادس عشر، رسالة الله محبة. 
وتشير هذه التعددية المؤسسية إلى أن العمل الكاثوليكي لا ينظر إلى الفقر بوصفه مجرد نقص في الموارد المالية، بل ظاهرة مركَّبة تتداخل فيها عناصر التعليم، والصحة، والعمل، والحماية، والتمييز، وضعف الفرص. ومن ثمّ، فإن الاستجابة للفئات الهشة لا يمكن أن تقتصر على تقديم المساعدة المباشرة، بل تتطلب منظومة متكاملة من التدخلات تتعامل مع الإنسان في أوضاعه الاجتماعية المختلفة، وتربط بين الرعاية والتمكين والاندماج داخل المجتمع.
ويظهر ذلك بوضوح في البرامج المُخصَّصة للأشخاص ذوي الإعاقة، مثل برنامج SETI، الذي يعكس انتقالًا من منطق الرعاية إلى منطق الدمج والمشاركة الاجتماعية. كما يتضح في مشروعات محو الأمية، مثل Learn to be free، التي تتعامل مع التعليم بوصفه مدخلًا إلى الوعي والاستقلال. كذلك تكشف مشروعات تمكين المرأة، ومن بينها Take a Step، عن ربط واضح بين التنمية والحقوق والحماية والقدرة على اتخاذ القرار. أما برامج التمويل الصغير الموجهة إلى النساء الأكثر هشاشة، فتُبرز التحول من تقديم العون المؤقت إلى خلق فرص إنتاج ودخل. وفي مجموعها، تكشف هذه البرامج أن المؤسسية هنا لا تعني تضخم البناء التنظيمي، بل تعني القدرة على تحويل المحبة إلى تدخلات متخصصة وممتدة، تستجيب لحاجات متداخلة وتستهدف بناء الإنسان لا مجرد سد العوز الآني.
التنمية الإنسانية الشاملة كأساس فكري 
لا يمكن فهم خصوصية العمل التنموي الكاثوليكي من دون الرجوع إلى مفهوم التنمية الإنسانية الشاملة في التعليم الاجتماعي للكنيسة. ففي رسالة ترقي الشعوب يؤكد البابا بولس السادس أن التنمية الأصيلة لا تُختزل في النمو الاقتصادي أو في تحسين الأحوال المادية وحدها، بل تشمل «كل إنسان والإنسان كله». ومن هنا يكتسب العمل الاجتماعي الكاثوليكي أساسه الفكري، لأنه يربط التنمية بالكرامة الإنسانية، والعدالة، والمسؤولية، والتضامن، ويمنحها بُعدًا يتجاوز الإدارة التقنية للمشروعات.
وقد أعاد البابا بندكتس السادس عشر في رسالة المحبة في الحقيقة (Caritas in Veritate) تأكيد هذا المعنى، حين أوضح أن «التنمية الإنسانية الأصيلة تخص الشخص كله في كل بعد من أبعاده»، وأن الكنيسة، في كيانها ورسالتها وممارستها لأعمال المحبة، تنخرط في تعزيز التنمية الإنسانية المتكاملة. وبهذا المعنى، لا يعود العمل الاجتماعي نشاطًا ثانويًّا إلى جانب الرسالة الروحية، بل يغدو جزءًا أصيلًا من شهادة الكنيسة في العالم.
وتتضح أهمية هذا الأساس الفكري في أنه يعيد تعريف التنمية من جذورها؛ فهي، في هذا المنظور، لا تُقاس بزيادة الموارد أو بتحسن المؤشرات الكمية فحسب، بل بقدرتها على توسيع الفاعلية الإنسانية نفسها، أي قدرة الإنسان على الاختيار، وتحمل المسؤولية، والدخول في علاقات اجتماعية أكثر تكافؤًا، والمشاركة في الخير العام بوصفه عضوًا كاملًا في المجتمع. لذلك تتجاوز التنمية الإنسانية الشاملة منطق «تقديم الخدمات» إلى منطق «بناء الأشخاص»، فتغدو رؤية أنثروبولوجية وأخلاقية قبل أن تكون برنامجًا إداريًّا أو اقتصاديًّا.
«الكنيسة كلها، في كيانها وعملها، حين تعلن، وحين تحتفل، وحين تمارس أعمال المحبة، تنخرط في تعزيز التنمية الإنسانية المتكاملة». — البابا بندكتس السادس عشر، المحبة في الحقيقة. 
وانطلاقًا من هذا التصور، لا يُنظر إلى الفقير بوصفه مجرد حالة احتياج، ولا إلى المرأة المعيلة بوصفها مستفيدة فحسب، ولا إلى اللاجئ على أنه عبء إنساني، بل يُنظر إلى كل منهم بوصفه شخصًا يمتلك كرامة وقدرة وحقًّا في المشاركة. ومن ثمّ، تتجه برامج كاريتاس وCRS إلى التعليم، والتأهيل، والحماية، والتمكين الاقتصادي، لا بوصفها خدمات منفصلة، بل عناصر مترابطة في عملية بناء الإنسان وتعزيز حضوره الفاعل داخل المجتمع.
وتضيف رسالة كن مسبحًا (Laudato Si’) بعدًا معاصرًا إلى هذا المنظور، إذ تربط بين الفقر، والبيئة، والعدالة الاجتماعية، وتؤكد أن «الإيكولوجيا المتكاملة لا تنفصل عن مفهوم الخير العام». ومن ثمّ، يلتقي العمل التنموي الكاثوليكي مع المفهوم الحديث للاستدامة، غير أنه ينطلق من أساس روحي وأخلاقي يجعل احترام الإنسان وكرامته نقطة البداية في أي إصلاح اجتماعي.
وعلى هذا الأساس، لا تبدو الاستدامة في الخبرة الكاثوليكية إضافة تقنية لاحقة إلى العمل الاجتماعي، بل امتدادًا مباشرًا لفكرة التنمية الإنسانية الشاملة. فحين تُربط قضايا الفقر بالبيئة، والصحة، والتعليم، والهشاشة الاقتصادية، يصبح تحسين أوضاع الإنسان مرتبطًا أيضًا بإصلاح البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها. وفي السياق المصري، تكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة، لأن الفئات الأكثر هشاشة غالبًا ما تتأثر في الوقت نفسه بتدني الخدمات، وضعف الفرص، والضغوط الاقتصادية، والمخاطر البيئية، والصحية. لذلك، لا يقتصر العمل التنموي الكاثوليكي على معالجة الحاجة المباشرة، بل يتجه إلى بناء شروط حياة أكثر استقرارًا وعدلًا، بما يجعل مفهوم التنمية الإنسانية الشاملة إطارًا جامعًا للأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية معًا.
العمل التنموي الكاثوليكي بين المحبة والعدالة
تُظهر الرسائل البابوية أن المحبة في التصور المسيحي لا يمكن اختزالها في فعل إحسان فردي أو في مبادرة خيرية عابرة، بل ينبغي فهمها ضمن علاقتها البنيوية بمفاهيم العدالة والخير العام. ففي رسالة المحبة في الحقيقة يبيّن البابا بندكتس السادس عشر أن المحبة، وإن تجاوزت العدالة من حيث كونها فعل عطاء وتجاوز للذات، فإنها لا تنفصل عنها من حيث الأساس الأخلاقي والاجتماعي؛ إذ لا يملك الإنسان أن يمنح من عنده ما لم يعترف أولًا بحق الآخر فيما يخصه على مقتضى العدل. ومن هذا المنطلق، لا تعود الخدمة الكنسية مقصورة على منطق العطاء الطوعي، بل تتجاوز ذلك لتندرج ضمن أفق أوسع قوامه صيانة الكرامة الإنسانية، والاعتراف بالحقوق، والإسهام في بناء أوضاع اجتماعية أكثر إنصافًا.
ويكشف هذا المنظور عن فرق جوهري بين منطق الإحسان ومنطق العدالة في العمل الاجتماعي. فالإحسان، في صورته التقليدية، يستجيب لنقص ظاهر أو حاجة عاجلة، لكنه قد يظل أسير العلاقة غير المتكافئة بين معطٍ يمتلك الموارد ومتلقٍّ ينتظرها. أما حين تُفهم الخدمة في ضوء العدالة والخير العام، فإن محور الفعل الاجتماعي ينتقل من مجرد سدّ العوز إلى إعادة بناء علاقة الإنسان بالمجتمع ومؤسساته وحقوقه. وبذلك لا يعود الفقير موضوعًا للرعاية فقط، بل يصبح شخصًا يُنظر إليه بوصفه صاحب استحقاق وفاعلًا محتملًا في المجال الاجتماعي، وهو ما يمنح العمل التنموي بعدًا تحويليًّا يتجاوز أثر المساعدة المباشرة.
وفي هذا السياق يقول البابا بندكتس السادس عشر: «المحبة تتجاوز العدالة، لأنها عطاء؛ لكنها لا تخلو أبدًا من العدالة، التي تدفعنا إلى أن نعطي الآخر ما هو له، وما يستحقه بحكم كونه وفعله».
وفي ضوء هذا التصور، يمكن قراءة العمل التنموي الكاثوليكي في مصر بوصفه انتقالًا من منطق الإعانة المؤقتة إلى منطق التمكين المستدام. فالتمويل الصغير، ومحو الأمية، والتدريب المهني، ودعم اللاجئين في مجالات التعليم وسبل كسب الرزق، لا تُفهم في هذا الإطار على أنها مبادرات خيرية منفصلة، بل آليات عملية للاعتراف بحق الإنسان في الفرصة، والمعرفة، والعمل، والحماية، والمشاركة الاجتماعية.
ومن هنا تكتسب المؤسسية معناها الأعمق في الخبرة الكاثوليكية؛ فهي لا تدل فقط على التنظيم والكفاءة، بل تشير أيضًا إلى الانتقال من الاستجابة الفردية إلى بناء مسارات مستقرة للاندماج والاعتراف الاجتماعي. فالبرامج التعليمية، والتدريب المهني، وآليات الحماية، والشراكات المجتمعية، لا تُنتج منفعة آنية فحسب، بل تفتح أمام الأفراد إمكانات أوسع للمشاركة في الحياة العامة واستعادة الثقة بالذات وبالمجتمع. وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى العمل التنموي الكاثوليكي بوصفه ممارسة تساهم في ترميم الروابط الاجتماعية التي يهددها الفقر والهشاشة، وفي تحويل المحبة من قيمة أخلاقية مجردة إلى بنية اجتماعية قادرة على صناعة الفرص وتوسيع مجال الكرامة الإنسانية.
ويعزز البابا بندكتس السادس عشر هذا المنظور حين يربط السعي إلى الخير العام بكل من العدالة والمحبة، ويرى أن الالتزام بالمؤسسات التي تخدم المجتمع يشكل «طريقًا مؤسسيًّا للمحبة» لا يقل شأنًا عن محبة القريب في صورتها المباشرة. ومن ثمّ، تتضح خصوصية مؤسسات مثل كاريتاس وCRS في كونها لا تترجم المحبة إلى استجابة وجدانية عابرة، بل إلى بنى مؤسسية وبرامج وشراكات وآليات متابعة، بما يجعلها ممارسة اجتماعية منظمة تستهدف خدمة الإنسان وتعزيز شروط كرامته على المدى البعيد.
خدمة الجميع دون تمييز
من السمات الجوهرية في العمل التنموي الكاثوليكي أنه يتجه إلى المجتمع بأسره، لا إلى أبناء الكنيسة وحدهم. ويتضح هذا البعد في تعريف كاريتاس لنفسها بوصفها شبكة كاثوليكية عالمية تخدم الفقراء والمستضعفين والمستبعدين من دون تمييز قائم على العرق أو الدين. كما يظهر محليًّا في برامج اللاجئين والمهاجرين، وفي خدمات التعليم وسبل كسب الرزق التي تنفذها هيئة الإغاثة الكاثوليكية CRS بالتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مصر.
وتجد هذه السمة أساسًا قويًّا في الرسالة البابوية كلنا إخوة (Fratelli Tutti)، حيث يدعو البابا فرنسيس إلى أخوة اجتماعية تتجاوز الحدود الجغرافية والدينية والثقافية، ويؤكد أن الاعتراف بكرامة كل شخص يمكن أن يفتح الطريق إلى ميلاد طموح عالمي جديد إلى الأخوة. ومن ثمّ، فإن خدمة المسلم والمسيحي، المصري واللاجئ، الرجل والمرأة، الطفل والشاب، لا تُفهم على أنها استراتيجية اجتماعية فقط، بل تجسيد لرؤية إنجيلية ترى في كل إنسان أخًا أو أختًا.
 «بالاعتراف بكرامة كل إنسان، نستطيع أن نسهم في ميلاد طموح عالمي جديد إلى الأخوّة». — البابا فرنسيس، رسالة كلنا إخوة.
وتوضح بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن CRS تقدم منحًا تعليمية للاجئين تساعدهم على الالتحاق بالمدارس العامة والخاصة والمجتمعية، إلى جانب دروس في اللغتين العربية والإنجليزية، وبرامج دعم دراسي، وتدريب مهني. كما توفر خدمات في مجال سبل كسب الرزق للقاصرين غير المصحوبين والمنفصلين عن ذويهم، من خلال التدريب المهني، وتنمية المهارات الشخصية، والتدريب على ريادة الأعمال، وتوفير مستلزمات بدء المشروعات الصغيرة.
وتكتسب هذه الخبرة أهميتها لأنها تكشف عن تداخل عدة خصائص في آن واحد؛ فهي من جهة تؤكد الطابع غير المشروط للخدمة، ومن جهة ثانية تقوم على شراكة دولية، ومن جهة ثالثة تربط بين الحماية والاعتماد على الذات. وبذلك لا يُعامل اللاجئ بوصفه موضوعًا للشفقة، بل بوصفه إنسانًا يحتاج إلى التعليم والفرصة والقدرة على بناء مستقبل أكثر استقرارًا.
ويفسر هذا الطابع تركيزنا على البعد الاجتماعي في العمل التنموي للكنيسة الكاثوليكية؛ فهذا العمل، على الرغم من استناده إلى خلفية روحية ولاهوتية وإيمانية واضحة، يملك قابلية عالية للحضور في المجال العام بوصفه خدمة موجهة إلى الإنسان والمجتمع، لا إلى الجماعة الكنسية وحدها. وهنا تتضح خصوصية الخبرة الكاثوليكية في مصر، إذ لا يُشترط لفهم أثرها الاجتماعي الدخول في بعدها الرعوي أو الكرازي، لأن كثيرًا من مؤسساتها يمارس دوره داخل فضاء مدني مُشتَرَك، حيث تُقاس القيمة بما يقدَّم من تعليم وحماية وتمكين واندماج، لا بالانتماء الديني للمستفيدين.
وتبرز المدارس الكاثوليكية في مصر مثالًا دالًّا على ذلك، إذ تستقبل طلابًا من مختلف الأديان والفئات الاجتماعية، بما يجعلها فضاءً تربويًّا يتجاوز حدود الهوية الطائفية إلى أفق أوسع من المواطنة والعيش المشترك. فالتعليم هنا لا يُفهم بوصفه خدمة تقنية لنقل المعرفة فحسب، بل بوصفه مسارًا لتكوين إنسان قادر على الإسهام في المجتمع، ومؤهلًا للتعامل مع الاختلاف داخل إطار من الاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة. ومن هذا المنظور، تصبح المؤسسة التعليمية الكاثوليكية موقعًا لإنتاج الاندماج الاجتماعي بقدر ما هي موقع للتنشئة، لأنها تسهم في بناء شخصيات قادرة على المشاركة في المجال العام دون إلغاء خصوصياتها الدينية أو الثقافية.
وعلى هذا الأساس، لا تعني خدمة الجميع دون تمييز مجرد اتساع نطاق المستفيدين، بل تعني أيضًا تبني رؤية اجتماعية تعتبر الإنسان قيمة في ذاته قبل أي تصنيف آخر. ولذلك، فإن انفتاح المؤسسات الكاثوليكية على المسلمين والمسيحيين، والمصريين واللاجئين، لا يعبر فقط عن حياد في تقديم الخدمة، بل عن تصور أخلاقي واجتماعي يرى أن الخير العام لا يتحقق إلا حين تُبنى المؤسسات على قاعدة الاعتراف المتساوي بالكرامة الإنسانية.
 الشراكة مع الدولة والمنظمات الدولية والمجتمع المدني 
لا يمكن للتنمية المستدامة أن تُفهم بوصفها جهدًا لمؤسسة منفردة، بل بوصفها عملية تقوم على الشبكات، والشراكات، وتبادل الموارد والخبرات. ومن هذا المنطلق، يتجلى تميز العمل الكاثوليكي في مصر في قدرته على الجمع بين الحضور المحلي والامتداد العالمي؛ فهو منغرس في الواقع المصري، لكنه في الوقت نفسه مرتبط بشبكات كاثوليكية دولية ومنظمات أممية وشركاء تنمويين متعددي المستويات. فإن هذه الشراكات الكاثوليكية في مصر تتجاوز كونها قنوات تمويل لتصبح آليات بنيوية لإنتاج المعرفة المؤسسية وتعزيز المهنية؛ فالتكامل بين الجذور المحلية والامتداد العالمي يتيح نقل موارد وخبرات ومعايير مهنية ترفع جودة البرامج وتوسع نطاقها.  
وتقدم هيئة الإغاثة الكاثوليكية CRS مثالًا واضحًا على هذا النمط من العمل من خلال تعاونها مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مجالي التعليم وسبل كسب الرزق. ويؤدي هذا النوع من الشراكات الدولية إلى توسيع نطاق الخدمات وتعزيز المهنية وآليات المتابعة. كذلك تمنح كاريتاس الدولية، بوصفها اتحادًا عالميًّا يضم 162 منظمة كاثوليكية تعمل في أكثر من 200 دولة ومنطقة، المؤسسات المحلية بعدًا عالميًّا قائمًا على تبادل الخبرات وربط المحلي بالعالمي.
ولا تنفصل هذه الشراكة عن فكرة «الخير العام» في التعليم الاجتماعي الكاثوليكي. فالخير العام، كما يوضحه البابا بندكتس السادس عشر، هو خير «كلنا»، أي خير الأشخاص والأسر والجماعات الوسيطة التي تكوّن المجتمع، والسعي إليه مطلب من مطالب العدالة والمحبة. لذلك تصبح الشراكات في العمل التنموي الكاثوليكي أكثر من مجرد آليات تمويل؛ إنها تعبير عن وعي بأن بناء الإنسان لا يتحقق بمعزل عن المجتمع ومؤسساته.
نماذج تطبيقية تبرز المميزات الكاثوليكية
إذا أريد تلخيص الخصائص المميزة للعمل التنموي الكاثوليكي من خلال نماذج تطبيقية، فإن برنامج SETI لدمج الأشخاص ذوي الإعاقة يشكل مثالًا بارزًا؛ إذ لا يقتصر أثره على تقديم مساعدة مباشرة، بل يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الشخص ذي الإعاقة وأسرته ومجتمعه، بحيث يصبح فاعلًا في التعلم والمشاركة والاندماج. ويعكس هذا التوجه تصورًا كاثوليكيًّا أساسيًّا مفاده أن كرامة الإنسان لا ترتبط بقدرته الجسدية أو بإنتاجيته الاقتصادية.
أما مشروع محو الأمية للكبار، مثل Learn to be free، فيبرز أن التعليم ليس خدمة تكميلية، بل أحد المداخل الأساسية إلى الحرية. فالأمية لا تعني نقصًا معرفيًّا فحسب، بل تعني كذلك ضعف القدرة على الوصول إلى العمل والمعلومات والحقوق. ولذلك، فإن محو الأمية يُفهم هنا بوصفه فعلًا تنمويًّا يعيد إلى الإنسان جزءًا من قدرته على الاختيار والمشاركة.
وتكشف مشروعات تمكين المرأة والتمويل الصغير عن بعد آخر لهذا النموذج، يتمثل في الانتقال من المساعدة المؤقتة إلى الإنتاج والاعتماد على الذات. فالنساء الأكثر هشاشة لا يحتجن إلى إعانة عابرة فحسب، بل إلى تدريب وثقة وفرصة ومورد اقتصادي مستدام. وعندما يتحول الدعم إلى مشروع صغير أو مهارة قابلة للتوظيف، يصبح العمل الكنسي مساهمة في إعادة تشكيل الحياة اليومية للأسرة والمجتمع، لا مجرد تخفيف مؤقت لأعبائهما.
وفي مجال اللاجئين، يظهر التداخل بين الإغاثة والتنمية بأوضح صورة؛ إذ قد يكون الدعم الصحي أو الغذائي ضرورة أولى، غير أن التعليم والتدريب المهني وسبل كسب الرزق هي التي تنقل اللاجئ من حالة انتظار المساعدة إلى إمكانية بناء حياة أكثر استقرارًا. وهذا ما ينسجم مع توجه CRS في مصر ومع عمل كاريتاس في خدمة الفئات الهشة والمهمشة.
الارتباط بأهداف التنمية المستدامة دون فقدان الخصوصية الكاثوليكية 
يمكن ربط مشروعات الكنيسة الكاثوليكية في مصر بأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، دون أن تفقد هذه المشروعات خصوصيتها الكنسية والروحية. فالبرامج التي تستهدف الفقر والتمويل الصغير ترتبط بالهدف الأول المتعلق بالقضاء على الفقر، ومشروعات التعليم ومحو الأمية ترتبط بالهدف الرابع الخاص بالتعليم الجيد، وبرامج تمكين المرأة ترتبط بالهدف الخامس، والتدريب المهني وسبل كسب الرزق يرتبطان بالهدف الثامن الخاص بالعمل اللائق، أما الشراكات مع المنظمات الدولية فتقع ضمن الهدف السابع عشر الخاص بالشراكات.
غير أن خصوصية العمل الكاثوليكي لا تكمن فقط في توافقه مع الأهداف العالمية، بل في أنه يضفي عليها بعدًا إنسانيًّا وروحيًّا. فالتنمية ليست مجرد مؤشرات أو أرقام، بل هي علاقة جديدة بالإنسان، وبخاصة الإنسان الهش. لذلك يمكن القول إن الكنيسة الكاثوليكية تقدم نموذجًا يجمع بين لغة التنمية الحديثة ولغة الكرامة المتجذرة في التعليم الاجتماعي الكاثوليكي.
وتساعد “كن مسبحًا” على تعميق هذا الربط، لأنها ترفض الفصل بين القضايا الاجتماعية والبيئية والاقتصادية. فالبابا فرنسيس يذكر أن الأزمة البيئية والاجتماعية في جوهرها أزمة واحدة معقدة، وأن البحث عن حلول يتطلب مقاربة متكاملة تكافح الفقر، وتعيد الكرامة للمستبعدين، وتحمي الطبيعة. ويمكن الاستفادة من هذا التصور في توسيع النظرة إلى العمل التنموي الكاثوليكي في مصر بوصفه قابلًا للتطور نحو مجالات جديدة، مثل الصحة البيئية، والتوعية المجتمعية، والاقتصاد المحلي المستدام، وحماية الفئات الأشد تأثرًا بالأزمات الاقتصادية والمناخية.
«إننا لا نواجه أزمتين منفصلتين، إحداهما بيئية والأخرى اجتماعية، بل أزمة واحدة معقدة هي في الوقت نفسه اجتماعية وبيئية». — البابا فرنسيس، في رسالة كن مسبحًا
خاتمة 
تُظهر خبرة الكنيسة الكاثوليكية في مصر أن الانتقال من الإحسان إلى التنمية لا يعني الاستعاضة عن الرحمة بالإدارة، بل يعني تحويل الرحمة من استجابة عابرة إلى ممارسة منظمة ومستدامة. فالعمل الخيري يظل ضرورة أخلاقية وإنسانية في مواجهة الألم العاجل، لكنه يبلغ مداه حين يتحول إلى تعليم وتدريب وتمكين اقتصادي وحماية ودمج وشراكة مجتمعية.
وتنبع خصوصية هذا النموذج من جمعه بين رؤية إنسانية شاملة مستمدة من التعليم الاجتماعي الكاثوليكي، وطابع مؤسسي منظم يتجلى في عمل كاريتاس مصر وهيئة الإغاثة الكاثوليكية CRS، وشبكة من الشراكات المحلية والدولية، وخدمة مفتوحة للجميع دون تمييز، وتركيز واضح على التمكين بدلًا من الاكتفاء بالإعانة. لذلك لا يمكن النظر إلى هذه الجهود بوصفها مجرد خدمات اجتماعية، بل باعتبارها مساهمة فعلية في بناء الإنسان والمجتمع.
وتمنح الرسائل البابوية هذا النموذج عمقه الفكري والروحي؛ فـترقي الشعوب تؤكد أن التنمية هي تنمية كل إنسان والإنسان كله، والمحبة في الحقيقة تربط المحبة بالعدالة والخير العام، والله محبة يوضح أن المحبة الكنسية تحتاج إلى تنظيم ومسؤولية جماعية، وفرح الإنجيل يدعو إلى إدماج الفقراء في المجتمع، وكن مسبحًا يصل التنمية بالاستدامة والعدالة البيئية، وكلنا إخوة يضع خدمة الإنسان في أفق الأخوة الاجتماعية. وبهذا المعنى، يصبح العمل التنموي الكاثوليكي في مصر امتدادًا حيًّا لتعليم الكنيسة الاجتماعي، حيث تتجسد المحبة في مؤسسات، وتتحول الرحمة إلى تمكين، وتغدو الخدمة طريقًا إلى مجتمع أكثر عدلًا وإنسانية.
إن قيمة هذا النموذج لا تُقاس فقط بعدد المستفيدين أو بحجم المساعدات المقدمة، بل بقدرته على إعادة تموضع الإنسان داخل المجتمع: من متلقٍّ للمساعدة إلى شريك في الفعل، ومن محتاج دائم إلى صاحب قدرة، ومن موقع الهامش إلى موقع الحضور والمشاركة. وهنا تتجلى الرسالة الأعمق للعمل التنموي الكاثوليكي، وهي أن خدمة الإنسان لا تكتمل بإعطائه ما يحتاجه اليوم فحسب، بل بتمكينه من امتلاك أدوات الغد.
المراجع
• Appleby, R. S. (2015). Church and society in the modern era. Cambridge University Press.
• Caritas Egypt. (n.d.). Our projects. https://caritas-egypt.org/en/ 
• Catholic Relief Services. (n.d.). Egypt. https://www.crs.org/where-we-work/middle-east-north-africa/egypt 
• Francis. (2013, November 24). Evangelii gaudium. Vatican. https://www.vatican.va/content/francesco/en/apost_exhortations/documents/papa-francesco_esortazione-ap_20131124_evangelii-gaudium.html 
• Francis. (2015, May 24). Laudato si’. Vatican. https://www.vatican.va/content/francesco/en/encyclicals/documents/papa-francesco_20150524_enciclica-laudato-si.html 
• Francis. (2020, October 3). Fratelli tutti. Vatican. https://www.vatican.va/content/francesco/en/encyclicals/documents/papa-francesco_20201003_enciclica-fratelli-tutti.html 
• O’Keefe, M. (1992). Catholic Relief Services: U.S. Catholic overseas aid in the twentieth century. Orbis Books.
• Paul VI. (1967, March 26). Populorum progressio. Vatican. https://www.vatican.va/content/paul-vi/en/encyclicals/documents/hf_p-vi_enc_26031967_populorum.html 
• Pollard, J. (2013). Catholic social action and the origins of Caritas Internationalis. Journal of Ecclesiastical History.
• United Nations. (n.d.). Sustainable Development Goals. https://sdgs.un.org/goals
• UNHCR Egypt. (n.d.). Catholic Relief Services (CRS). https://help.unhcr.org/egypt/en/partners/catholic-relief-services-crs/ 
• Vatican. (2013, November 24). Evangelii gaudium. https://www.vatican.va/content/francesco/en/apost_exhortations/documents/papa-francesco_esortazione-ap_20131124_evangelii-gaudium.html 
• Vatican. (2015, May 24). Laudato si’. https://www.vatican.va/content/francesco/en/encyclicals/documents/papa-francesco_20150524_enciclica-laudato-si.html 
• Vatican. (2020, October 3). Fratelli tutti. https://www.vatican.va/content/francesco/en/encyclicals/documents/papa-francesco_20201003_enciclica-fratelli-tutti.html 
• XVI, B. (2005, December 25). Deus caritas est. Vatican. https://www.vatican.va/content/benedict-xvi/en/encyclicals/documents/hf_ben-xvi_enc_20051225_deus-caritas-est.html 
• XVI, B. (2009, June 29). Caritas in veritate. Vatican. https://www.vatican.va/content/benedict-xvi/en/encyclicals/documents/hf_ben-xvi_enc_20090629_caritas-in-veritate.html 
• Pontifical Council for Justice and Peace – Compendium of the Social Doctrine of the Church,  https://www.vatican.va/roman_curia/pontifical_councils/justpeace/documents/rc_pc_justpeace_doc_20060526_compendio-dott-soc_en.html 
 
 
 
 
 

 

من رواد التنمية والعمل المسكوني
الأنبا صموئيل (1920-1981م)
أول أسقف للخدمات العامة والاجتماعية بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية

اسم الكاتب: د. رامي عطا 

 
يُعد نيافة الأنبا صموئيل واحدًا من رواد العمل الاجتماعي والتنموي في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، خاصة وأنه مر بكثير من الخبرات والتجارب الحياتية، ولعل الأبرز في حياته هو أنه كان أول أسقف لأسقفية الخدمات العامة والاجتماعية التي أسسها قداسة البابا كيرلس السادس في عام 1962م، وقد قدم الأنبا صموئيل من خلالها الكثير من المشروعات التنموية التي حققت نقلة نوعية في حياة كثيرين.
 
نشأته 
ولد سعد عزيز (نيافة الأنبا صموئيل فيما بعد) في 8 ديسمبر سنة 1920م. وقد نشأ في كنيسة مار مرقس بالجيزة.
التحق للدراسة بكلية الحقوق جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، ونال ليسانس الحقوق في عام 1942م، وعمل عقب تخرجه بالبنك الأهلي المصري، ولكنه ما لبث أن قدم استقالته لرغبته الشديدة في حياة التكريس. 
حصل على دبلوم الكلية الإكليريكية في عام 1944م. حيث أعد له الأستاذ الأرشيدياكون حبيب جرجس (1976-1951م) مدير المدرسة الإكليريكية آنذاك -مع زميليه وهيب زكي والمهندس يسى حنا- منهجًا خاصًا ليدرسه الطلاب الجامعيون الراغبون في الدراسة بالإكليريكية.
عمل بعدها مُدرِّسًا للإكليريكية بأديس أبابا بالحبشة “إثيوبيا” من عام 1944م وحتى عام 1946م. وكان معه في الانتداب نفسه كل من: حافظ داود (القمص مرقس داود)، وكل من سعد عزيز ووهيب زكي مدرسين. ولكن نتيجة لبعض الاضطرابات السياسية التي حدثت في إثيوبيا في تلك الفترة، عاد إلى مصر. وخدم في مدارس الأحد بالجيزة، ثم أُسْنِدَت إليه أمانة اللجنة العامة للتربية الكنسية. 
رُسِم راهبًا باسم “الراهب مكاري” وكان ذلك خلال شهر مارس 1948م، وهو بذلك يُعدُّ من أوائل الرهبان الجامعيين. ولقد ظل في كنيسة مار مينا بمصر القديمة لمدة ثلاث سنوات، وبعدها أرسله القمص مينا البرموسي المتوحد (قداسة البابا كيرلس السادس فيما بعد) إلى دير الأنبا صموئيل المُعترف بمغاغة- المنيا.
ولكن عندما رفض المجمع المقدس الاعتراف برهبنة هذا الدير، انتقل إلى دير السيدة مريم العذراء بوادي النطرون، المعروف باسم دير السريا، في عام 1950م. وبعد فترة غيَّر نيافة الأنبا ثاؤفيلس- رئيس الدير آنذاك- شكل الراهب مكاري الصموئيلي، فرسمه قسًّا باسم الراهب القس “مكاري السرياني” في عام 1950م. وفي تلك الفترة تعرَّف عليه المهندس سمير خير (لاحقًا نيافة الأنبا باخوميوس مطران البحيرة وقائم مقام البابا/ البطريرك عقب انتقال قداسة البابا شنوده الثالث في عام 2012م). 
فلما رأى الأب الأسقف، الانبا ثاؤفيلس، أن الراهب مكاري ذو ثقافة وروحانية عالية ونشاط كبير، أسند إليه الإشراف على مكتبة دير السريان العامر الاستعارية.
ثم أحضر نيافته مطبعة، وكان القس مكاري يُعِد نبذات روحية وميامر، تُطبَع وتُوزَّع مجانًا على الكنائس في أعياد الميلاد والغطاس والقيامة.
كان القس مكاري السرياني يشرف على تحرير مجلة (ميناء الخلاص) التي كان يصدرها الراهب القمص مينا البرموسي المتوحد (لاحقًا قداسة البابا كيرلس السادس)  في خلال فترة وجوده في كنيسة مار مينا بمصر القديمة، وكان يتولى توزيعها الشماس سليمان رزق (لاحقًا نيافة الأنبا مينا رئيس دير مار مينا). ويذكر أن القس مكاري السرياني رُسِمَ قمصًا في عام 1951م بيد نيافة الأنبا ثاؤفيلس رئيس دير السريان. 
وعمل القمص مكاري (لاحقًا الأنبا صموئيل) مُدرسا للإكليريكية، وعمل رئيسًا لقسم الدراسات الاجتماعية للمعهد العالي للدراسات القبطية الذي تأسس في عام 1954م. 
 
دراسته في الخارج
حصل القمص مكاري السرياني (نيافة الأنبا صموئيل فيما بعد) على منحة دراسية من جامعة برنستون Princeton University، بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث شجعه قداسة البابا يوساب الثاني- البطريرك الـ 115 من بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية (1946-1956م)، الذي اشتهر بحبه للعلم وتشجيعه له على هذه المنحة، وبالفعل تمكن الراهب مكاري السرياني من الحصول على درجة الماجستير في التربية في عام 1955م، وكان موضوع الرسالة عن “التربية المسيحية في الكنيسة القبطية”. 
 
ريادة وتأسيس 
من أبرز أعماله أنه أنشأ معهد ديديموس للمكفوفين، وجهزه بمكتبة خاصة مُعدة بطريقة “برايل” المناسبة للمكفوفين. 
كما أسس ما يُعرف بالدياكونية الريفية في صيف عام 1959م، وتوجه بكل قلبه لخدمة القرية وتنميتها روحيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا.
ولقد استدعاه قداسة البابا كيرلس السادس- البطريرك الـ 116 من بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية (1959-1971م)- ليكون ضمن سكرتاريته الخاصة، فكان هو المسؤول عن استقبال الضيوف وترتيب لقاءاتهم، ومتابعة التعاون مع كنائس العالم، والاشتراك في المؤتمرات العالمية وتمثيل الكنيسة القبطية فيها. 
 
رسامته أسقفًا
سامه قداسة البابا كيرلس السادس أسقفًا للخدمات العامة والاجتماعية، مع نيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم في نفس اليوم، في 30 سبتمبر 1962م. فكان الأنبا صموئيل بذلك مؤسسًا لأسقفية الخدمات بمصر التي امتد نشاطها شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا.
ويُذكر أنه كان يتابع بناء الكاتدرائية المرقسية الجديدة بالعباسية، حيث المقر الحالي للبابا/ البطريرك. وقد زار معظم عواصم العالم مقدمًا خدمات جليلة للكنيسة ووطنه، وكان عضوًا في اللجنة المركزية لمجلس الكنائس العالمي، ومُثَّل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في عدة مؤتمرات بالخارج.
وبعد نياحة البابا كيرلس في عام 1971م، كان ضمن الثلاثة الأسماء التي أُلْقِيَت عليها القرعة الهيكلية لاختيار البابا/ البطريرك. 
 
وفاته ورحيله 
توفي الأنبا صموئيل ورحل عن عالمنا، حيث اغتيل في حادث المنصة الشهير في يوم 6 أكتوبر 1981م، عندما كان حاضرًا العرض العسكري مع الرئيس محمد أنور السادات، وذلك خلال الحادث الإرهابي الذي وقع آنذاك، وكان يستهدف الرئيس السادات.
وفي الكاتدرائية المرقسية بالعباسية يوجد كنيستان؛ كنيسة السيدة العذراء والأنبا رويس، وكنيسة السيدة العذراء والأنبا بيشوي، ويتوسطهما مدفنة بها مثوى جسد الأنبا صموئيل أسقف الخدمات العامة والاجتماعية، إلى جانب رفات البابا أثناسيوس الرسولي، وجسد الأنبا غريغوريوس أسقف الدراسات العليا والثقافة القبطية والبحث العلمي، وجسد القمص ميخائيل إبراهيم كاهن كنيسة مار مرقس بشبرا مصر الذي اعترف المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية بقداسته مؤخرًا.
 
أسقفية الخدمات
أُنشِئَت أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية (بليس) BLESS في عام 1962م، في عصر قداسة البابا كيرلس السادس (1959-1971م)، وذلك لخدمة الفقراء والمجتمعات المحرومة، وكان أول أسقف لها هو نيافة الأنبا صموئيل أسقف الخدمات حتى حادث رحيله في عام 1981م.
 
إنجازات الأنبا صموئيل في الأسقفية
كانت قضية الخدمة الاجتماعية والعمل التنموي تشغل بال الأنبا صموئيل منذ فجر شبابه، وكان ينشغل بمشكلات الناس ويعمل على حلها، وكان هدفه دائمًا خدمة الجميع بغض النظر عن الجنس أو اللغة أو الدين، وكان يركز على البعيدين والفئات المهمشة، كما كان يهتم باحتياجات المرضى ويتابع حالاتهم بكل عطف.
وفي ضوء كل هذه الاهتمامات وضع نيافته محاور خدمة الأسقفية، وبدأ في وضع هذه الأهداف موضع التنفيذ، يرصدها الكاتب والباحث ماجد كامل في كتابه (مائة شخصية قبطية على أرض مصر- الجزء الثاني)، على النحو التالي:
1- خدمة الأحياء الشعبية: وكانت تهدف إلى تطوير قدراتهم ومساعدته على مقاومة العادات الضارة مثل (التدخين- وتعاطي المخدرات والإدمان). 
2- خدمة الحضانات: فلقد كان نيافته منذ فجر شبابه مُهتمًّا بالطفولة، وكان هدفه هو ترك الطفل في مكان آمن حتى تعود والدته من العمل، وكان يحرص على المستوى التربوي اللائق للنهوض بمستوى الطفل وأسرته صحيًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا. 
3- مراكز التدريب الريفية: كان الاهتمام بالقرية هو محور حياته منذ أن بدأ حياة التكريس. 
4- خدمة جامعي القمامة: وكان هدفه هو تحسين أحوال معيشتهم، وكان يفتخر دائمًا أنهم إخوته ولحم من لحمهم وعظم من عظامهم. 
5- مراكز التدريب المهني: وكان هدفه تنمية مهارات الشباب وقدراتهم حتى يعتمدوا على أنفسهم، تحت شعار “ساعد الناس ليساعدوا أنفسهم”، وكان يضع المثل الصيني دائمًا أمام عينيه: “لا تعطِ الجائع سمكًا، بل علِّمْه كيف يصطاد السمك”. 
6- مراكز محو الأمية: وهي الخدمة التي نمت جدًّا في عهده. 
7- الأسرة المسيحية: حيث وضع كتابات كثيرة في الاستشارات الأسرية، ووضع برامج تنمية أسرية للشباب والمقبلين على الزواج، ولقد استعان بكبار أساتذة التربية وعلم النفس في ذلك الأمر. 
8- منح دراسية للشباب لفتح آفاق العمل والرزق أمامهم.
 
إنجازاته في العمل المسكوني
كان الأنبا صموئيل رائدًا في هذا المجال، فقد مثل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في العمل المسكوني، نظرًا لإجادته التامة للغة الإنجليزية، فضلًا عن عقليته المنفتحة، حيث اختاره البابا يوساب الثاني لتمثيل الكنيسة القبطية في المؤتمر الثاني لمجلس الكنائس العالمي المنعقد في إيفانستون Evanston في أغسطس 1954م، وكان معه في الوفد نفسه كلٌّ من القمص صليب سوريال، والدكتور عزيز سوريال عطية (وهو الوفد الذي عرف في كتب التاريخ بالثلاثة S The Three). ثم جاءت فرصة عمره لإشباع رغبته في الدراسة العلمية، حين حصل على منحة لدراسة الماجستير.
وله جهود أخرى في هذا المجال منها: 
• المشاركة في دعم الحركة المسكونية: من خلال مجلس كنائس الشرق الأوسط، وانضمام الكنيسة القبطية له، وقد أصبح رئيسًا لمجلس كنائس الشرق الأوسط حتى رحيله. 
• المشاركة في تأسيس مجلس كنائس كل إفريقيا: حيث كان نائبًا لرئيسه لفترات طويلة، وفي عام 1976م اجتمع المجلس في القاهرة والإسكندرية، ومن مقر الكنيسة المرقسية بالإسكندرية اجتمع المجلس وأصدر بيانًا يعلن فيه تطلعه إلى أن تكون كنيسة الإسكندرية رائدة الكنائس الإفريقية، حيث إنها تقدم نموذجًا للتراث الإفريقي منذ فجر المسيحية. 
• شارك مراقبًا في أعمال مجمع الفاتيكان الثاني بروما، وكان عضوًا بارزًا في لجنة الحوار بين الكنيسة القبطية والفاتيكان، وفي كل من لجنتي التعاون بين الكنيسة القبطية وكل من الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الإنجيلية في مصر. 
• شارك في العديد من المؤتمرات الوطنية، كما اهتم بتأسيس كنائس قبطية في بلاد المهجر لخدمتهم هناك. 
• اهتم بوضع القانون الأساسي الذي تقوم بمقتضاه الكنائس وتلتزم به كي يظل ولاؤها الأول لمصر والوطن، وفي سبيل تفعيل تلك الخطوة اهتم بإنشاء دورية تحمل اسم “أبناؤنا في الخارج” لربطهم بالكنيسة الأم وتراثها العريق.
 
الدور الوطني لنيافته
يمكن القول إن الأنبا صموئيل كان هو صوت الكنيسة في مصر والخارج لدعم القضايا الوطنية، وعندما وقع الاعتداء الغاشم في يونيو 1967م، أوفد قداسة البابا كيرلس السادس نيافته ليقوم بجولة بين الكنائس المختلفة في سويسرا وألمانيا وإنجلترا وأمريكا وكندا، ففي سويسرا أجرى نيافته اتصالات مع هيئة الصليب الأحمر الدولية في جنيف بشأن الجرحى والأسرى، ولقد طالب نيافته بعقد اجتماع خاص لدراسة الموقف، فقرر المجلس عقد جلسة خاصة لذلك يوم 3 أغسطس 1967م تمهيدًا لاجتماع اللجنة المركزية للمجلس. 
وفي ألمانيا شرح وجهة النظر العربية، فأوضح لهم عدالة القضية الفلسطينية، كما أوضح لهم أن العرب ساميون ولا يوجد لهم عداء نحو السامية. وفي أمريكا وكندا شرح وجهة النظر المصرية نحو القضية المصرية والعربية. 
كما زار بعض أساتذة اللاهوت الذين كانت تخضعهم الدعاية الصهيونية وتجمع توقعاتهم لتأييدها، وكان من ثمار هذه الجهود أن أرسل بعض رؤساء الكنائس برقيات إلى قداسة البابا كيرلس السادس يظهرون فيها اهتمامهم بالموقف في الشرق الأوسط ويرسلون بعض الأدوية والمعونات، كما تقابل مع رئيس أساقفة كنتربري في لندن ثم البابا بولس السادس وشرح لهم القضية بالكامل. 
تابع المؤتمرات الدولية منها مؤتمر كريت في أغسطس 1967م، والمؤتمر الرابع لمجلس الكنائس العالمي الذي عُقد في مدينة أوبسالا بالسويد في يوليو 1968م. ولقد كان من نتيجة كل هذه الجهود المتواصلة أن بدأ الرأي العام يتفهم الحق العربي، وشعرت إسرائيل بهذا التغيير فتخوفت من الموقف، وأودعت وثيقة سرية نشرت صحيفة (الأهرام) جزءًا منها في 3 يوليو 1969م، حذرت فيه الصهيونية من التأثير الخطير للكنائس على الرأي العام العالمي والتغير الذي حدث بالتعاطف مع العرب. كما جاء في قرارات مجلس الكنائس العالمي في اجتماع اللجنة المركزية لمجلس الكنائس العالمي بإنجلترا في أغسطس 1969م حيث جاء في فقرتها الثالثة “يؤمن مجلس الكنائس العالمي بأن الدول الكبرى بدعمها إنشاء دولة إسرائيل دون حماية حقوق الفلسطينيين أوقعت على الفلسطينيين العرب ظلمًا يجب إزالته”. 
وفي حرب أكتوبر 1973م، عَقَد قداسة البابا شنوده (البطريرك الـ 117 من بطاركة لكنيسة القبطية الأرثوذكسية 1971-2012م) اجتماعًا مع الكهنة والجمعيات القبطية لحثهم على الإسهام في دعم المجهود الحربي، وطلب من كل كنيسة وجمعية تقديم تقرير يومي له عما تقدمه، كما شكل لجنة لجمع التبرعات ولجنة للإعلام الخارجي. 
وقدمت الكنائس والجمعيات القبطية مبلغ 15 ألف جنيه، وأوفد قداسته نيافة الأنبا صموئيل لتسليمها للدكتور عبد العزيز كامل وزير الأوقاف في ذلك الوقت. كما قدَّمت الكنيسة 100 ألف بطانية لوزارة الشئون الاجتماعية، و30 ألف جهاز نقل دم لوزارة الصحة. وكان نيافته مرافقًا دائمًا لقداسة البابا شنوده في كل اللقاءات التي كان يلقيها الرئيس السادات في مجلس الشعب، كما حضر حفل رفع العلم المصري فوق العريش في 26 مايو 1979م مع قداسة البابا شنوده الثالث. 
سافر نيافته إلى الولايات المتحدة الأمريكية في خلال فترة التوتر عام 1980م لتهدئة مشاعر الأقباط الغاضبين هناك. 
وخلال فترة الصدام بين الرئيس الراحل محمد أنور السادات (1970-1981م) وقداسة البابا شنوده الثالث (1971-2012م)، في مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، كان نيافة الأنبا صموئيل واحدًا من بين الخمسة أساقفة الذين عُيِّنوا لإدارة شؤون الكنيسة آنذاك، وعُرف بميله لتحقيق السلام والتصالح بين الكنيسة والدولة، وإزالة أسباب الخلاف وسوء الفهم.
 
مجالات عمل أسقفية الخدمات
نمت أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية منذ تأسيسها في عام 1962م، ورؤية نيافة الأنبا صموئيل، أول أسقف لها، وطيلة السنوات التالية، فتخدم حاليًا في كثير من المجالات والقطاعات يوضحها الموقع الإلكتروني الخاص بالأسقفية على النحو التالي:
 
 الصحة
تهدف أسقفية الخدمات إلى تحسين الجوانب الصحية العامة لأعضاء المجتمع المصري المهمشين، حيث يسعى برنامج الرعاية الصحية الأولية إلى تحسين الظروف الصحية لـ 5% من المشاركين المستهدفين.
 
 التعليم 
تهدف أسقفية الخدمات إلى تعزيز قدرات البالغين والأجيال القادمة من خلال تعليم المهارات والتنمية الشخصية. ويهدف برنامج تعليم الكبار إلى دعم المتعلمين البالغين في متابعة تعليمهم، وأن ينجح 75% من المتعلمين المستهدفين في اجتياز امتحان الدورة.
 
 التنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية
من خلال العمل على تعزيز سبل العيش الاقتصادية والاستدامة البيئية لأعضاء المجتمع المصري المهمشين. ويسعى برنامج التنمية الاقتصادية إلى ضمان حصول النساء والرجال على دخل دوري، لم يكن لديهم من قبل، أو زيادة دخلهم بنسبة لا تقل عن 20%. 
 
 تطوير القدرات
تسعى أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية إلى تطوير قدرات أعضاء المجتمع المحلي وموظفي الأسقفية ليكونوا قادرين على قيادة التغيير لتحقيق التنمية المستدامة. ويهدف تطوير القدرات إلى ضمان أن يتولى ما لا يقل عن 20% من الشباب المستهدفين، والمتطوعين، وقادة المجتمع، وخدام الأشخاص ذوي الإعاقة دورًا قياديًّا في العملية التنموية داخل مجتمعاتهم.
 
 بناء السلام
يهدف البرنامج إلى رفع الوعي بأهمية قبول واحترام الآخرين، بغض النظر عن دينهم أو ثقافتهم أو وضعهم الاجتماعي أو مستوى تعليمهم، من خلال إشراك المستفيدين في أنشطة تفاعلية.
 
 دعم اللاجئين
تتبع أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية نهجًا شاملًا نحو السلام. حيث تصلي الكنيسة القبطية وتسعى من أجل تحقيق سلام العالم، والسلام بين الأمم، والمجتمعات، وداخل الأسر.
وتهتم أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية بدعم اللاجئين السودانيين في مصر، حيث يوجد 800,000 لاجئ وطالب لجوء مسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر؛ والسودانيون هم أكبر مجموعة. 
ومنذ اندلاع النزاع في السودان وتدفق اللاجئين من السودان إلى مصر، قدمت أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية مساعدات فورية متعددة القطاعات للاجئين من السودان.
 
 خدمة “قم وامشِ” لرعاية ذوي الإعاقة
يهتم برنامج “قم وامشِ” بتحسين حياة الأفراد ذوي الإعاقة من خلال الدعم الشامل والخدمات المبتكرة. ومهمة فريق عمل الأسقفية هي تمكين أولئك الذين يواجهون تحديات جسدية بواسطة توفير الوصول إلى التقنيات التكيفية، وبرامج التأهيل، وموارد المجتمع التي تعزز الاستقلالية والحركة. من منطلق الإيمان بتعزيز مجتمع شامل، حيث يمكن لكل فرد تحقيق إمكاناته الكاملة. 
ومن خلال فريق عمل من المحترفين والمدافعين، يتم تقديم خدمات مخصصة تهدف إلى إلهام الثقة، وتعزيز جودة الحياة، وتسهيل المشاركة الفعّالة في جميع جوانب الحياة المجتمعية.
 
 العمل المناخي
تكرس أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية جهودها لمكافحة تغير المناخ وتعزيز الممارسات المُستدامة من أجل كوكب أكثر صحة. 
تجمع المنظومة بين الأفراد المتحمسين والمجتمعات وأصحاب المصلحة لدفع العمل الفعّال ضد أزمة المناخ. ويسعى برنامج التنمية البيئية إلى ضمان اعتماد المشاركين لأساليب لحماية البيئة.
 
 خدمة أغابي
“أغابي”، أي محبة، هي واحدة من البرامج التابعة لأسقفية الخدمات العامة والاجتماعية. حيث يهدف البرنامج إلى دعم احتياجات الأسر المحرومة من خلال تغطية التكاليف المتعلقة بزواج الفتيات، وأنواع مختلفة من العمليات الجراحية، وخدمات التعافي من الإدمان، وعلاج الأمراض المزمنة، وتوفير الأطراف الصناعية، ورعاية الأرامل.
تعطي الإدارة الأولوية للتعاون والشراكة مع الأطباء المتخصصين والمستشفيات لإجراء عمليات جراحية عالية الجودة لمن نخدمهم. بالإضافة إلى ذلك، متابعة ما بعد العلاج لضمان السلامة الكاملة والتعافي. كما ينسق البرنامج مع الإيبارشيات في الخارج للحصول على المساعدة المالية عند الحاجة.
 
 تمكين المرأة
تنفذ أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية والمسكونية برنامجًا يهدف إلى تحسين حياة الفتيات والنساء من خلال معالجة واستئصال العنف ضد المرأة.
ويوجد بيت للمؤتمرات تابع للأسقفية باسم: بيت القديسة فيرينا، ومركز مار مرقس لعلاج الإدمان.
 
وختامًا
كانت حياة الأنبا صموئيل -أسقف الخدمات العامة والاجتماعية بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية- مثالًا حيًّا للنشاط الجاد والعمل الكرازي، والإيمان بالتنمية المستدامة، وليس تقديم المساعدة الاجتماعية فحسب، وقد شعر بقيمته كل من تعامل معه أو جاء بعده ليستكمل المسيرة، حيث جاء من بعده كلٌّ من: الأنبا أثناسيوس مطران بني سويف الراحل، الأنبا سيرابيون مطران لوس أنجلوس حاليًا، الأنبا يوأنس مطران أسيوط حاليًا، الأنبا يوليوس الأسقف العام لمصر القديمة والمشرف على أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية في الوقت الراهن.. وهم يسيرون بنفس الرؤية وذات المنهج، مع اهتمام واضح بالتطوير والتحديث، حيث يجتهدون لتأكيد أهمية التنمية وفائدتها لجميع الأطراف، حيث المواطن”ة”/ الفرد والكنيسة والوطن مصر، وعالمنا الإنساني المشترك. 
 
 
 
 
 
 

 

الانحياز اللّاهوتيّ للمُستضعفين
فعلُ عبادةٍ خالصٌ وأمانةٌ مُطلقةٌ للإنجيلِ

اسم الكاتب:المهندس جورج إسحق.

يمرُّ اللَّاهوت العربيّ المسيحيّ بمنعطفٍ فائق الدِّقة والحساسيَّة؛ حيث تتلاقى فيه أبعاد الخلاص الإلهيّ مع تطلعات الانعتاق الاجتماعيّ، وتدخل النِّعمة والعدالة في حوار جدليّ يربط بين السَّماء والأرض. ورغم أنَّ نبتة هذا السِّجال تضرب بجذورها عميقًا في نصوص العهدين القديم والجديد، إلَّا أنَّ تجسّده المعاصر اتّخذ مسارًا متفرّدًا، لارتباطه الوثيق بالهزات السياسيَّة والتَّحولات المجتمعيَّة التي شهدتها المنطقة العربيَّة، ولا سيما في فضاء القضيَّة الفلسطينيَّة وسياقها الضَّاغط. يحاول هذا المقال تقديم إجابة لسؤال لاهوتيّ عميق: هل يمكن أن يوجد لاهوت تحرير عربيّ متجذِّر في واقع الظُّلم والاستبداد، دون أن يفقد جوهر النِّعمة والسِّيادة الإلهيَّة كما فهمها اللَّاهوت الكالڨينيّ؟ وينطلق منه إلى تطبيق مُلِحٍّ يطرح نفسه أيضًا سؤالًا على الكنيسة العربيَّة في سياقها الرَّاهن: كيف يمكن للكنيسة العربيَّة أن تحافظ على ولائها للإنجيل، وفي الوقت نفسه تنحاز للضّعفاء؟[1]

سياقات التَّحرير: من أمريكا اللَّاتينيَّة إلى الجغرافيا العربيَّة

نشأ لاهوت التَّحرير في الأصل في أمريكا اللَّاتينيَّة مع جوستافو جوتييريز وليوناردو بوف، بوصفه ردًّا روحيًّا ولاهوتيًّا على البؤس الاجتماعيّ والاستغلال الطَّبقيّ والاستعمار الجديد. رأى جوتييريز أنّ الله ينحاز إلى الفقراء، وأنّ الخلاص في الكتاب المقدَّس لا يقتصر على الرُّوح، بل يشمل الإنسان في جسده ومجتمعه وتاريخه.[2] غير أنّ هذا الخط اللَّاهوتيّ حين انتقل إلى العالم العربيّ، تكيّف مع بيئة تختلف في عمقها السِّياسيّ والدِّينيّ. فالتَّحرر هنا لا يرتبط فقط بالفقر الاقتصاديّ، بل بالاحتلال وفقدان الأرض وتهميش الهُويَّة وتقييد الحُرِّيات داخل منظومات تشريعيَّة واجتماعيَّة مُركّبة.

في قلب هذا السَّياق، ظهر عدد من اللَّاهوتيين العرب الذين سعوا إلى صياغة رؤية مسيحيَّة للتَّحرير متجذّرة في أرض فلسطين والعالم العربيّ. لعلّ أبرزهم نعيم عتيق في كتابه “لاهوت التَّحرير الفلسطينيّ” A Palestinian Theology of Liberation، الذي قدَّم فيه قراءة فلسطينيَّة للكتاب المقدَّس ترى المسيح مُحرِّرًا للإنسان والتَّاريخ معًا، ومؤكدًا أنّ العدل ليس خيارًا سياسيًا بل فعلًا لاهوتيًّا أصيلًا.[3] وكذلك مِتري الرَّاهب، الذي أعاد قراءة نصوص الكتاب المقدَّس بعين فلسطينيَّة، مؤكدًا أنّ التَّجسُّد الإلهيّ يقدّس الجغرافيا ويُحوّل الأرض إلى مكان للشِّهادة.[4] ومعهما برزت أصوات عربيَّة أخرى، في لبنان ومصر والأردن، حاولت أن توازن بين الالتزام الوطنيّ والعمل الكنسيّ، بين الرُّوح والواقع.

موازين الكالفينيَّة: حذر لاهوتيّ ومرجعيَّة أصيلة

لكنّ اللَّاهوت الكالڨينيّ ينظر إلى هذه المحاولات بحذر نقديّ. فالكالڨينيَّة، في عمقها، ترى أنّ الله هو السَّيّد المُطلق على التَّاريخ، وأنّ كل ما يجري في العالم لا يخرج عن دائرة العناية الإلهيَّة. السِّيادة الإلهيَّة ليست دعوة إلى السَّلبيَّة، بل تأكيد أنَّ التَّحرير الحقيقيّ يبدأ من الدَّاخل، من تحرير الإنسان من عبوديَّة الخطيَّة قبل عبوديَّة الأنظمة. يرى كالڨن أنَّ العدالة الاجتماعيَّة، مهما بلغت قوتها، تظل ثمرة لنعمة الله في القلب، لا ثمرة لصراع بشريّ. فالإنسان لا يستطيع أن يُقيم ملكوت الله على الأرض إلَّا بقدر ما يخضع هو نفسه لملكوت الله في ذاته.[5]

ما يُميّز الرُّؤية الكالڨينيَّة في هذا المجال، هو هذا التَّوازن بين النِّعمة والعمل. فالنِّعمة تسبق العمل وتُؤسِّسه، والعمل يأتي استجابة لها لا بديلًا عنها. لهذا رفض اللَّاهوت الكالڨينيّ كلَّ محاولة لتحويل الخلاص إلى مشروع سياسيّ أو اجتماعيّ مستقل عن الفداء في المسيح. فالكنيسة مدعوة إلى أن تكون خميرة في العجين، لا حزبًا سياسيًا في البرلمان. ومع ذلك، لا ينفي هذا اللَّاهوت ضرورة مواجهة الظّلم، بل يدعو إلى أن يكون الدِّفاع عن المظلومين فعل عبادةٍ، لأنّ العدالة تَجَلٍّ لإرادة الله في التَّاريخ.[6]

أصبح هذا التَّوازن أكثر تعقيدًا في السِّياق العربيّ، بسبب البنية القانونيَّة والاجتماعيَّة التي يواجهها المسيحيون. فالميراث، والأحوال الشَّخصيَّة، وحقوق المرأة، والمواطنة، كلها ميادين اختبار لمدى تفاعل الكنيسة مع قضايا العدالة الاجتماعيَّة. ففي الأردن، وافقت المجالس الكنسيَّة في عام 2023 على مشروع قانون يمنح المساواة بين الرَّجل والمرأة في الميراث ضمن الإطار المسيحيّ، خطوة عُدّت تحوّلًا في التّفكير الكنسيّ العربيّ تجاه مفهوم العدل كمطلب إيمانيّ وليس سياسيًا فحسب.[7] وفي مصر، رفعت نساء قبطيَّات قضايا للمطالبة بتطبيق قوانين الميراث المسيحيَّة بدلًا من القوانين المستندة إلى الشَّريعة الإسلاميَّة، فبرزت إشكاليَّة التَّوازن بين المُواطنة والمعتقد.[8] أمَّا في فلسطين، فإن لاهوت التَّحرير يتَّخذ بُعدًا وطنيًا؛ إذ يربط التَّحرُّر السِّياسيّ بحقّ العودة وبالكرامة الإنسانيَّة، مؤكدًا أنّ الإيمان لا يمكن فصله عن الأرض والعدالة.[9]

تبدو هذه المواقف الكنسيَّة وكأنَّها تسير في اتجاه رؤية إصلاحيَّة متدرِّجة، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات فكريَّة ولاهوتيَّة. فبعض التَّيارات في لاهوت التَّحرير العربيّ تميل إلى استخدام أدوات تحليل اجتماعيّ واقتصاديّ ذات جذور ماركسيَّة أو قوميَّة، مما يُضعف مرجعيّتها الكتابيَّة في نظر اللَّاهوت الكالڨينيّ. بينما يدعو الفكر المُصْلَح الكالڨينيّ إلى أن تُشتق العدالة من طبيعة الله وصفاته، لا من نظريات الصِّراع الطَّبقيّ أو من إملاءات السُّوق. فالكتاب المقدَّس هو المصدر الأوَّل لكلِّ فهمٍ للعدل، والنِّعمة هي البنية التي تمنح الفعل الأخلاقي شرعيَّته ومعناه.[10]

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أنَّ الدَّعوة المُصْلَحة التي حملها كالڨن في القرن السَّادس عشر كانت في جوهرها “تحريريَّة.” فقد حرّر الضَّمير من سلطة الإكليروس، وربط الإيمان بحريَّة الإنسان أمام الله، وعدَّ العمل الاجتماعيّ امتدادًا للعبادة. لهذا فإنّنا نرى أنَّ اللَّاهوت الكالڨيني قادرٌ على تجديد ذاته في السِّياق العربيّ، بحيث يتبنّى لغة العدالة من دون أن يفقد لاهوت النَّعمة. فالتَّحرير من الظّلم يمكن أن يكون ثمرة التَّبرير، والعدل الاجتماعيّ يمكن أن يُفهم بوصفه استجابة للجسد الواحد الذي يُعيد المسيح تشكيله في الكنيسة والعالم.

من هنا تبرز الحاجة إلى تطوير ما يمكن تسميته “لاهوت التَّحرير المُصْلَح العربيّ.” يُعيد هذا اللَّاهوت ترتيب العلاقة بين العقيدة والعمل، فيضع الخلاص في المركز، لكنّه يُدرك أنَّ النِّعمة التي لا تُترجم عدالةً في المجتمع تبقى عقيمة. يمكن لهذا اللَّاهوت أن ينطلق من ثلاثة محاور:

أولها، أنَّ الكتاب المقدَّس هو المرجعيَّة العُليا التي تُعيد تعريف مفهوم التَّحرير بمعناه الرُّوحيّ والإنسانيّ.

ثانيها، أنَّ الكنيسة ليست كيانًا روحيًّا منعزلًا، بل مسؤولة عن التَّعليم والمناصرة والعمل التَّشريعيّ ضمن حدود الشِّهادة الإنجيليَّة.

ثالثها، أنَّ العدالة الاجتماعيَّة ليست صراعًا ضدّ الله، بل تَجَلٍّ لحضوره في العالم، لأنَّ الرَّبَّ نفسه هو “مُجْرِي الْعَدْلِ وَالْقَضَاءِ لِجَمِيعِ الْمَظْلُومِينَ.” (سفر المزامير 103: 6).

في ضوء ذلك، يمكن النَّظر إلى التَّجارب الفلسطينيَّة واللّبنانيَّة والأردنيَّة والمصريَّة كميادين عمليَّة للاهوت التَّحرير المُصْلَح. في فلسطين، يمثل نضال الكنيسة من أجل الكرامة الوطنيَّة نموذجًا لاهوتيًّا يجمع بين الشِّهادة والرَّجاء. وفي لبنان، حيث تتقاطع الطائفيَّة مع السِّياسة، يمكن للاهوت المُصْلَح أن يُعيد تعريف الحريَّة على أساس الشِّركة لا الامتياز. وفي مصر والأردن، تشكّل قضايا الميراث والمساواة والتَّمثيل البرلمانيّ اختبارًا حقيقيًّا لمدى قدرة الكنيسة على تطبيق العدالة الإنجيليَّة في المجال القانونيّ. هذه الأمثلة لا تُعبّر فقط عن صراع اجتماعيّ، بل عن اختبار لمدى تجسد الإيمان في الفعل التَّاريخيّ.

عُقدة المِنشَار: هل يتعارض الولاء للإنجيل مع الانحياز للضّعفاء؟

يبقى السُّؤال المُلحّ والبالغ الحَرج: كيف يمكن للكنيسة العربيَّة أن تحافظ على ولائها للإنجيل، وفي الوقت نفسه تنحاز للضّعفاء؟ تُمثّل هذه التساؤليَّة “عُقدة المِنشَار” والتَّحدي الأكبر الذي يواجه أي فكرٍ إنجيليٍّ مُصلَح؛ فالخوف التَّقليديّ والمشروع من أنَّ الانحياز الاجتماعيّ والسِّياسيّ للضّعفاء قد ينزلق بالكنيسة نحو لاهوت ليبراليّ يفرغ الإنجيل من محتواه الخلاصيّ والرّوحيّ. بيد أنَّ طرح الإجابة من داخل البيت اللَّاهوتيّ المُصلَح يبرهن بصورة قاطعة على أنَّ الولاء للإنجيل والانحياز للمهمشين ليسا قطبين متنافرين يحتاجان إلى مواءمة أو تسوية أيديولوجيَّة، بل هما التزامان متكاملان ينبعان بشكل عضويّ من صُلب العقيدة المُصلَحة نفسها عبر أربعة محاور تفصيليَّة، هي:

أولًا: النِّعمة العامَّة وفك الاشتباك بين الخلاص والإصلاح

تنبع المخاوف التَّقليديَّة لدى اللَّاهوتيين الإنجيليّين من فكرة الانحياز الاجتماعيّ من هواجس مشروعة تتعلّق بـ “تسييس الخلاص” أو اختزال عمل المسيح الفدائيّ في أُطرٍ ماديَّة زمنيَّة، وهو الانزلاق الذي وقعت فيه بعض تيارات لاهوت التَّحرير الكلاسيكيّ في أمريكا اللَّاتينيَّة. بيد أنَّ الفكر المصلح يمتلك ترياقًا لاهوتيًّا يحسم هذه المعضلة دون الانكفاء على الذَّات أو التّخلي عن المظلومين، ويتمثّل هذا التّرياق في عقيدة “النِّعمة العامَّة” (Common Grace) كما صاغها أبراهام كايپر. تمثل النِّعمة العامَّة عمل الله السِّياديّ المستمر في كبح جماح الفساد الكُلي (Total Depravity) في العالم بعد السّقوط، ورعاية العدالة، ومنح البشر الفضائل المدنيّة والقوانين الصّالحة التي تحمي الخليقة من التّحلل والانهيار.[11] من خلال هذا المنظور اللَّاهوتيّ، لا تحتاج الكنيسة العربيَّة إلى دمج “الخلاص الرُّوحيّ الأخرويّ” بـ “التَّحرير السّياسيّ الماديّ” لتبرير نضالها من أجل المستضعفين، بل تميز بينهما بوضوح، واضعة الخلاص (النِّعمة الخاصَّة) كعمل فريد للمسيح في تجديد القلوب، وهو مركز رسالتها، بينما ترى في الدِّفاع عن المظلوم وتعديل القوانين الجائرة تفعيلًا أمينًا للنِّعمة العامَّة.

يمنح هذا التّمييز الدَّقيق الكنيسة في العالم العربيّ مرونة حركيَّة واسعة للعمل في الفضاء العامّ؛ إذ يرفع عنها الحرج اللّاهوتيّ في التّعاون مع الأطراف غير المسيحيَّة، أو مؤسسات المجتمع المدنيّ، أو الأنظمة التشريعيَّة القائمة، لانتزاع حقوق الفئات المهمَّشة مثل النّسوة المطالبات بالمساواة في الميراث في مصر والأردن، أو حماية العمالة المستضعفة. فالكنيسة هنا لا تدعي أنها “تبني ملكوت الله بأدوات بشريَّة”، بل تعلن أنَّ الله، في نعمته العامّة، يستخدم حتَّى البنى المدنيَّة والقوانين الوضعيَّة لإجراء عدله.[12] هكذا تحافظ الكنيسة على ولائها المُطلق لمركزيَّة الصّليب والخلاص، وفي الوقت ذاته، تنخرط بجرأة في معارك العدالة الاجتماعيَّة كوكيل إلهيّ مكلّف برعاية الأرض وحراسة الحقّ؛ فالكنيسة لا تمارس السياسة لتخليص النفوس، بل تمارس العدالة لأنّ إلهها المخلص هو نفسه رب العدالة والإنصاف.

يقودنا هذا الانخراط الواعي في الفضاء العامّ بوعاء النِّعمة العامَّة، بالضّرورة إلى إعادة ترسيم الحدود بين الكنيسة وبقيَّة مؤسسات المجتمع، لكيلا تذوب الكنيسة في اللّعبة السياسيَّة ولا تنعزل عنها، وهو ما ينظّمه الفكر المُصلَح بدقة عبر هندسة مجتمعيَّة فريدة تُعرف بنطاق السّيادة.

ثانيًا: نطاق السيادة كحصن ضدّ الاستبداد والتّهميش

إذا كانت الكنيسة مُطالبة بالانحياز للضّعفاء دون أن تفقد هويتها الإنجيليَّة، فإن نظرية “نطاق السّيادة” (Sphere Sovereignty) التي طوّرها اللَّاهوت المُصلَح تقدِّم الإطار الهيكليّ الأنسب لتحقيق هذا التَّوازن. تتلخص هذه الرّؤية في أنَّ الله هو صاحب السّيادة المطلقة والوحيدة على كلِّ التّاريخ والكون، وأنَّه قد فوَّض سلطات محدودة ومستقلة لنطاقات مجتمعيَّة مختلفة: فالدّولة لها نطاق السَّيف والعدالة المدنيَّة، والكنيسة لها نطاق الكلمة والأسرار، والعائلة لها نطاق التَّربية والرّعاية، وهكذا؛ بحيث لا يحقّ لأي نطاق أن يتغوَّل على الآخر أو يبتلعه.[13] وفي البيئة العربيَّة التي تتَّسم غالبًا بالمركزيَّة الشَّديدة وتغوّل السلطات السياسيَّة أو الأبويَّة أو حتَّى الدّينيَّة، على الفضاءات الخاصَّة بالأفراد، يصبح هذا المفهوم قوة تحريريَّة هائلة وأداة نقديَّة شرعيَّة في يدّ الكنيسة. إنَّ وَلاء الكنيسة للإنجيل يفرض عليها أن تصرخ في وجه أيَّة سلطة تحاول احتكار السّيادة التي لا تليق إلِّا بالله وحده، وهي تفعل ذلك لحماية المساحات الروحيَّة والمدنية للمهمشين.

بناءً على ذلك، فإن انحياز الكنيسة للمرأة في قضايا الأحوال الشّخصيَّة، أو مساندتها للمستضعفين الذين سحقتهم التّروس الاقتصاديَّة أو القوانين الجائرة، لا يعني تحوّل الكنيسة إلى حزبٍ سياسيٍّ يطمع في السّلطة، بل يعني ممارستها لدورها النَّبوي كـ “ضميرٍ لاهوتيٍّ” يذكِّر الدَّولة بحدودها الممنوحة لها من الله. عندما تطالب الكنيسة بتطبيق المساواة القانونيَّة في الميراث أو التَّبني، فهي لا تخترع لاهوتًا غريبًا عن النَّص، بل تعلن أنَّ نطاق الأسرة والأحوال المدنيَّة يجب أن يخضع للعدل الإلهيّ، وأنَّ الدَّولة لا تملك تفويضًا لاهوتيًا لتشريع الظلم.[14] الكنيسة هنا تحمي المهمَّش ليس عبر الانخراط في صراع هويّات، بل عبر إعادة الأوتاد اللَّاهوتيَّة إلى مواضعها الصَّحيحة؛ ترفض استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وتقف سدًا منيعًا أمام تمدّد الدّولة أو الأعراف السّائدة على حساب كرامة الفرد وصورته الإلهيَّة.

ومع ذلك، فإن هذا الرّفض للتَّغوّل والاستبداد لا يمكن أن يترجم في السّياق المُصلَح إلى فوضى أو ثورة راديكاليَّة تُطيح بالسِلم المجتمعيّ، بل يجد مساره العملي في قنوات شرعيَّة ومؤسسيَّة، رسم معالمها چون كالڨن نفسه من خلال رؤيته لـ المقاومة التَّشريعيَّة.

ثالثًا: المقاومة التَّشريعيَّة عبر “الوكلاء الشَّرعيين” وأنسنة القوانين

لطالما عاب اللَّاهوت الإنجيليّ المحافظ على لاهوت التَّحرير الكلاسيكيّ ميله الجارف نحو الثّورة العنيفة، وتبنيه لأدوات التّغيير الرّاديكاليَّة التي قد تؤدي إلى إراقة الدّماء وتفكيك المجتمعات تحت عباءة “تحرير المظلومين”. هنا يبرز الفكر المُصلَح الكالفينيّ ليقدم نموذجًا مُغايرًا ومُبهرًا في آنٍ واحد؛ إذ لم يكن چون كالڨن يومًا مُهادنًا للظّلم، لكنه قنن آليات مقاومته في كتابه العُمدة أُسس الدّين المسيحيّ، عبر مفهوم “الوكلاء الأدنى” (Magistrates) يرى كالڨن أنَّ مقاومة الطغيان والظلم الاجتماعيّ ليست فوضى شعبويَّة يقودها الأفراد بمفردهم، بل هي واجب لاهوتيّ يقع على عاتق الوكلاء والقضاة الذين أقامهم الله داخل بنيان الدّولة لكبح جماح الحُكَّام الطّغاة وحماية حقوق الشّعب المستضعف.[15] في السياق العربيَّ المعاصر، يترجم هذا الفكر إلى إستراتيجيَّة رصينة للانحياز للمهمشين عبر “المقاومة التَّشريعيَّة والقانونيَّة المستنيرة”.

لكي تحافظ الكنيسة العربية على أمانتها للإنجيل، لا تقود مظاهرات غوغائيَّة ولا تتبنى خطابات تحريضيَّة، بل تقوم بدور أعمق وأكثر استدامة: إنَّها تبني وتؤهل لاهوتيًّا وفكريًّا وقانونيًّا رعيّتها من المحامين، والقضاة، والنّشطاء، والنّواب، وتدفع بهم كـ “وكلاء شرعيين” إلى ساحات القضاء وقاعات البرلمانات ومراكز صياغة القوانين. إنّ دفاع القبطيَّات في مصر أمام المحاكم لتطبيق الدستور والمطالبة بالمساواة في الميراث، أو التّحركات المجمعيَّة الكنسيَّة في الأردن لتعديل القوانين، هي النماذج الحيَّة الممثلة للمقاومة الكالڨينيَّة الدستورية. تنحاز الكنيسة هنا للضّعيف عبر توفير الغطاء اللَّاهوتيّ والفكريّ والمعنويّ لمعارك قانونيَّة طويلة النَّفس تهدف إلى “أنسنة القوانين” وتنقيتها من شوائب التَّمييز والتَّهميش. لا يفرغ هذا المسار الإنجيل من معناه الرّوحيّ، بل يظهره كقوة دافعة للإصلاح المؤسسيّ المُستدام الذي يحمي الضّعيف لا بوعود عابرة، بل بنصوص دستوريَّة وقانونيَّة مُلزمة للجميع.

لكن هذه المعركة القانونيَّة والتَّشريعيَّة الطّويلة، لا يمكن أن تنجح أو تستمد قوّتها الروحيَّة من مجرَّد السّعي وراء مصالح فئويَّة، بل يجب أن تتأسس على نظرة أنثروبولوجيَّة خارقة للعادة، ترى في كلِّ فردٍ مظلوم بعدًا سماويًّا يتجاوز تصنيفات الاقتصاد والسياسة.

رابعًا: أنثروبولوجيا الصورة الإلهيَّة كبديلٍ لاهوتيٍّ للصِّراع الطَّبقيّ

سقط لاهوت التَّحرير التَّقليديّ في فخ الاختزال عندما اعتمد على التَّحليل الماركسيّ الذي يرى الإنسان من خلال “الطبقة الاقتصاديَّة” فقط (بروليتاريا مقابل برجوازيَّة)، مما جعل الانحياز للفقراء انحيازًا ماديًا مشحونًا بالصِّراع والكراهية الطَّبقيَّة. أمَّا لاهوت التَّحرير بالفهم المُصلَح، فيقدِّم بديلًا أنثروبولوجيًّا (علم الإنسان اللَّاهوتيّ) يتّسم بالعمق والقداسة، يرتكز على عقيدة “الإنسان كحامل لصورة الله” (Imago Dei) يشدد الفكر المُصلَح على أنَّ الإنسان، رغم سقوطه وفساد طبيعته بالكامل، لم يفقد بالكليَّة تلك الصِّبغة الإلهيَّة التي تجعل لكرامته وحياته حُرمة مطلقة أمام الله.[16] بناءً على ذلك، فإن الكنيسة العربيَّة عندما تنحاز للضّعفاء —سواء كانوا نساءً يُعانين من تهميشٍ تشريعيّ، أو لاجئين هاربين من ويلات الحروب، أو أقليات مسحوقة— فهي لا تفعل ذلك بناءً على أيديولوجيا سياسيَّة متغيّرة، بل بناءً على حقيقة عقديَّة ثابتة: إنَّ الظّلم الواقع على هذا الإنسان هو إهانة موجهة مباشرة إلى الخالق الذي وضع صورته فيه.

أستطيع أن أقول بملء فمي، إنَّ تهميش الإنسان أو سلبه حقوقه، ليس مجرَّد خللٍ اقتصاديٍّ أو أزمةٍ سياسيَّةٍ، بل هو خطيّةٌ وتطاولٌ جَسور على السّيادة الإلهيَّة. كتب كالـڨن بوضوح: “عندما نرى إنسانًا محتاجًا أو مظلومًا، لا يجب أن ننظر إلى استحقاقه الشّخصيّ، بل يجب أن نرى فيه صورة الله التي تستحق كل حب وإكرام.”[17] هذا التَّأصيل اللَّاهوتيّ يُحرِّر انحياز الكنيسة من فخ الطّائفيَّة الضّيق أو الصِّراع الطَّبقيّ؛ فالكنيسة لا تدافع عن المهمَّش لأنَّه ينتمي إلى دينها أو طبقتها، بل تدافع عنه لأنه يحمل ختم الخالق. هكذا يصبح السّعيّ نحو العدالة الاجتماعيَّة والتَّشريعيَّة في العالم العربيّ فعل عبادة خالصًا، وأمانة مطلقة للإنجيل؛ فالكنيسة التي تغلق عينيها عن أنين المظلومين، لا تخون المجتمع فحسب، بل تخون لاهوتها وعقيدتها في الخلق والفداء، بينما الكنيسة التي تنحاز للمهمش انطلاقًا من صورته الإلهيَّة، تعلن للعالم أنَّ إنجيل النِّعمة هو القوَّة الوحيدة القادرة على رد كرامة الإنسان وتحريره بالكامل.

تتجسَّد القيمة الجوهريَّة لهذه الأطروحات الأربعة في تقديم حلٍّ لاهوتيٍّ حاسمٍ للمُعضلةِ التي أسميناها “عُقدة المنشار؛” وهي التَّحدي الأكبر والخوف التّقليديّ الذي يواجه الفكر الإنجيليّ المحافظ من أنَّ الانحياز الاجتماعيّ للضّعفاء قد ينزلق بالكنيسة نحو لاهوت ليبراليٍّ يفرغ الإنجيل من محتواه الخلاصيّ والروحيّ. ويأتي اختيار هذه المحاور بالذّات ليُبرهنُ بصورةٍ قاطعةٍ على أنَّ الولاء للإنجيل والانحياز للمهمَّشين ليسا قطبين متنافرين يتطلبان مساومة أو تسويَّة أيديولوجيَّة، بل هما التزامان متكاملان ينبعان بشكل عضويّ من صلب العقيدة المصلحة وجوهرها الكالڨيني. فمن خلال تفعيل النِّعمة العامَّة، واحترام نطاق السِّيادة، وتبني المقاومة التَّشريعيَّة الدّستوريَّة، والانطلاق من قدسيّة الصّورة الإلهيَّة، يتحوّل العمل الاجتماعيّ من مجرد نشاط سياسيٍّ عابرٍ إلى فعلِ عبادةٍ أصيلٍ وأمانةٍ مطلقةٍ للنَّصِ الكتابيّ، مما يمنح الكنيسة العربيَّة نموذجًا تحريريًا متزنًا يحمي هويّتها الإنجيليّة ويشهد لسيادة الله في الوقت ذاته.

مآلات اللَّاهوت المُصْلَح العربيّ: إصلاح لا ثورة

من هذا المنطلق، يصبح لاهوت التَّحرير العربيّ دعوة مزدوجة: دعوة إلى التَّوبة قبل الثَّورة، وإلى الإصلاح قبل التَّغيير. إنَّ الإصلاح الكالڨينيّ حين يلتقي بنداء التَّحرير الفلسطينيّ، يمكن أن ينتج لاهوتًا عربيًا جديدًا يربط بين النِّعمة والحريَّة، بين الخلاص الشَّخصيّ والعدالة العامَّة. فالتَّحرير الحقيقيّ هو أن يتحرَّر الإنسان من الخطيَّة، ومن ثمّ أن يُحرِّر مجتمعه من الظُّلم. وهكذا يُصبح السَّعي إلى العدالة فعل عبادةٍ، والسِّياسة مجالًا للشِّهادة، والكنيسة ضميرًا حيًّا في قلب العالم العربيّ.

إنّ مستقبل اللَّاهوت العربيّ لن يتحدَّد فقط بقدرته على مقاومة الظُّلم، بل بقدرته على أن يظلّ أمينًا لإنجيل النِّعمة. فالإيمان الذي لا يصنع عدلًا، يخون الكلمة؛ والعدل الذي لا ينبع من النِّعمة، يتحوَّل إلى أيديولوجيا. بين هذين القطبين يعيش اللَّاهوت الكالڨينيّ العربيّ رسالته: أن يرى في التَّحرير صورة للفداء، وفي العدالة برهانًا على السِّيادة الإلهيَّة التي تعمل في التَّاريخ لخلاص الإنسان والمجتمع معًا.

[1] بذرة هذا المقال نشرت لنا سابقًا في موقع ائتلاف الإنجيل، بعنوان “قراءة كالفينية في لاهوت التَّحرير المعاصر“، وقد كان تركيزها على منصب على الجانب اللاهوتي، أما هنا فالدراسة تتوسع في إجابة السؤال التطبيقي لواقع الكنيسة، مقدمة وصفة مقترحة تمكنها من ممارسة دورها دون تفريط عقديَّ أو نظاميّ.

[2] Gustavo Gutiérrez, A Theology of Liberation: History, Politics, and Salvation (Maryknoll, NY: Orbis Books, 1973).

[3] Naim Stifan Ateek, A Palestinian Theology of Liberation: The Bible, Justice, and the Palestine-Israel Conflict (Maryknoll, NY: Orbis Books, 2017).

[4] Mitri Raheb, Faith in the Face of Empire: The Bible through Palestinian Eyes (Bethlehem: Diyar, 2014).

[5] John Calvin, Institutes of the Christian Religion, ed. John T. McNeill (Philadelphia: Westminster Press, 1960).

[6] “John Calvin’s Theology of Social Justice,” Christian Reformed Church in North America (CRCNA), accessed October 2025, crcna.org.

[7] “Christian Leaders Unanimously Approve Bill Granting Gender Equality in Inheritance Procedures,” The Jordan Times, June 2023.

[8] Egyptian Initiative for Personal Rights, “Female Share: The Inheritance of Egyptian Christian Women between the Constitutional Text and Court Doctrine,” Cairo, 2022.

[9] Kairos Palestine Document, “A Moment of Truth: A Word of Faith, Hope, and Love from the Heart of Palestinian Suffering,” Bethlehem, 2009.

[10] Abraham Kuyper, Lectures on Calvinism (Grand Rapids: Eerdmans, 1931).

[11] Ibid, 112-115.

[12] John Calvin, Institutes of the Christian Religion, Book 2, §§ 14-16.

[13] Abraham Kuyper, Lectures on Calvinism, 90-94.

[14] المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، “حظ الأنثى: إرث المسيحيات المصريات بين النص الدستوري وعقيدة المحاكم” (القاهرة، 2022)، 15-18. يمكن الاطلاع عليه في:  https://eipr.org/publications

[15] John Calvin, Institutes of the Christian Religion, Book 4, Ch.20, § 31.

[16] Ibid, book 1, Ch. 15, §§ 3-4.

[17] Ibid, book 3, Ch. 7, § 6.

اجتماعات إخوة الرب: من الإغاثة إلى التنمية ومن العزلة إلى الاندماج رؤية رعويّة أوليّة

اسم الكاتب: القسّ عيد صلاح

 
يسعدني أن أشارك بهذه الورقة ضمن هذا الملف المعني بالتنمية، والتي تأتي تحت عنوان: اجتماعات إخوة الرب: من الإغاثة إلى التنمية ومن العزلة إلى الاندماج رؤية رعوية أولية». وتسعى هذه الورقة إلى تقديم رؤية رعوية وعملية لهذا الملف من خلال ثلاثة محاور رئيسة: الأول، توصيف الواقع الحالي ورصد أبرز التحديات والإشكاليات المرتبطة به؛ والثاني، عرض رؤية مستندة إلى خبرة رعوية امتدت لما يقرب من ثلاثين عامًا في خدمة الفقراء والمحتاجين ومرافقتهم؛ والثالث، اقتراح مجموعة من الحلول والتوجهات العملية التي يمكن أن تسهم في تطوير إدارة هذا الملف وتحقيق أهدافه بصورة أكثر فاعلية واستدامة.
واعتمدت هذه الورقة على المنهج التحليلي القائم على الرصد والوصف والتحليل، مع الاستفادة من الخبرة الميدانية المتراكمة في العمل الرعوي والاجتماعي، بهدف فهم الواقع كما هو، وتشخيص مَوَاطِن القوة والقصور فيه، ثم اقتراح بدائل عملية قابلة للتطبيق. وتنطلق الورقة من قناعة راسخة بأهمية الدور الذي تضطلع به الكنيسة في خدمة الفقراء والمحتاجين، ليس فقط من خلال تقديم المساعدات والإغاثات الآنية، بل أيضًا عبر الإسهام في تمكين الإنسان وتنميته، بما يعزز كرامته وقدرته على المشاركة الفاعلة في المجتمع. ومن ثمّ، فإن التحدي المطروح لا يكمن في القيام بدور الكنيسة الاجتماعي والاقتصادي تجاه الفقراء، بل في كيفية ممارسة هذا الدور بصورة متوازنة وفعالة تحقق أهداف الخدمة والتنمية معًا.
المحور الأول: الوصف الحالي
قامت بعض الكنائس المصريّة في كافة المذاهب والطوائف بعمل اجتماعات سُمَّيت بـ “إخوة الرب”، ولاقت هذا الاجتماعات دعمًا خاصًّا لدرجة أن هذا الدعم يفوق ميزانيات بعض الكنائس المحليّة التي بها هذه الاجتماعات، وقد قَدَّمَت مساعدات مقدرة للفقراء والمحتاجين، لا أحد ينكر ذلك. 
لكن طريقة التعامل مع هذا الملف في الكنائس خلقت روحانيّة تشبع الداعم، وتسعد الموزع، دون فائدة تعود على هؤلاء غير الدعم الماديّ، فأصبح لديهم روحانيّة الاستكانة، فجل هذه الاجتماعات تركّز على الدعم الماديّ بكافة أنواعه. وعلى الرغم من هذا الدعم المقدّم إلا أن حال هؤلاء لم يتغير بل يزداد الاحتياج بطبيعة الحال عامًا بعد الآخر.
لدى هذ القطاع من الخدمة سمات مشتركة حول الحالة الاجتماعيّة، والخلفية الدراسيّة والتعليميّة والمهاريّة، والوعي الثقافيّ المحدود، والدخول المعدومة، معظمهم/ن يرفض العمل إن وجد، ويأتي للكنيسة بحثًا عن الأخذ فقط. لديهم قصص صادقة، والبعض منهم يختلق قصصًا للحصول على دعم ما.
تأتي خطورة هذه الاجتماعات في كونها تعمق روح العزلة عن الكنيسة المحليّة، والشعور والاحساس بالرفض أو التعالي عليهم، وفي الوقت نفسه تخلق طبقة طفيليّة كل هدفها هو الدعم الماديّ بكافة أشكاله، وتخلق نوعًا من العنصريّة في الكنيسة الواحدة نجد فئة منعزلة عن فئة، وفئة كل هدفها تأخذ الدعم من فئة أخرى. فهذه الخدمة تكرس العنصريّة والطبقيّة والطفيليّة وأصبح التصدي لهذه الظاهرة يشكل مشكلة كبيرة في الكنيسة المحليّة.
ملف إخوة الرب لم يؤخذ فقط على أساس طبقي في الكنيسة المحليّة وبل للتميز بين الكنائس في قرية أعرفها جيدًا، وفي شارع واحد فيها تم التميز بين الفقراء الأرثوذكس والفقراء الإنجيليين في المساعدة لبناء البيوت الخاصة بهم، حتى كان السؤال من أحد المسلمين أليسوا كلهم مسيحيين!
الكلمات الواردة في هذه المشاركة مثل: طفيليّة، وانعزاليّة، وعنصريّة، وطبقيّة، ليس المسؤول عنها فئة اجتماعات إخوة الرب فقط ولكن أيضًا الكنيسة المحليّة والعامة التي دعمت وشجعت هذا الأمر دون رغبة في التحسين، فالنقد الموجه هنا للكنيسة أولاً ولمترددي اجتماعات إخوة الرب ثانيًا. وفي عرضي في المحور الثاني أسجل بعضًا من خبرتي الشخصية في تعامل الكنيسة مع قضية الفقر والفقراء.
المحور الثاني: خبرتي الرعويّة مع هذه الخدمة
نشأت في قرية الناصرية بني مزار المنيا، تقع بين النيل والجبل، بها فقراء ولكن لم تكن هذه الظاهرة موجودة، فقد ضمت الكنيسة الفقراء والأغنياء، أصحاب الأراضي والأجراء، المتعلمين والأميين، الرجال والنساء، لم يكن في كنيستنا نوع من الطبقيّة أو الطفيليّة أو العنصريّة بأي شكل، نعم، كانت الكنيسة تساعد في بعض الحالات الحرجة من قبيل المشاركة والشركة بين أعضاء الجسد الواحد. 
وهكذا كانت الخدمة في قرية إدمو-المنيا وعبر ثماني سنوات ونصف، كن النساء الفقيرات يساعدن الكنيسة من معاش السادات، فكانت المرأة تقدم عشورها للكنيسة، يوم استلام المعاش، قبل الذهاب للمنزل. وبالمثل في الرعويّة الثانية في المنيا في الكنيسة الإنجيليّة الثالثة في المنيا لم يكن بها هذه الطبقيّة. فكان التأكيد على الكرامة الإنسانيّة مدخلاً مهمًّا في التعامل مع الحالات الحرجة الفقيرة التي يمكن للكنيسة أن تؤدي واجبها ناحية من تعرفهم ويمرون في ظروف صعبة من منطلق شركة الجسد الواحد.
بدأت المشكلة والدهشة بل الصدمة -بالنسبة لي- حين أتيت إلى القاهرة في عام 2017م، ورأيت في الرعويّة الثالثة -الكنيسة الإنجيليّة بعين شمس- التي شرفني الرب برعايتها، أنه بها كنيسة محتفلة في يوم الثلاثاء من كل أسبوع، الذي فيه تكتظ الكنيسة بهذا الاجتماع، وصل الاجتماع حاليًا إلى 500 سيدة، و200 طفل، و70 فتاة من سن ثانوي وإعدادي. وكذلك يكون يوم الثلاثاء به ثلاثة اجتماعات: السيدات، الأطفال، البنات وأجمالي العدد يصل إلى نحو 770 نفسًا.
ولاحظت أن الدعم الذي يصل لهذا الاجتماع يفوق ميزانية الكنيسة السنويّة. عبر ثماني سنوات تابعت هذه الخدمة، وحاولت أن يكون اليوم والميعاد لهذه الخدمة موحدًا في كل الكنائس، لتفادي فكرة اللف على الكنائس، ولكي تخدم كل كنيسة عددًا محدودًا من هؤلاء، وتقدم لهم خدمة متميزة، واهتمامًا رعويًّا متميزًا ومركزًا، وفكرت أن أبدأ بالكنائس الإنجيليّة في دائرة عين شمس، ولكن كانت المفاجأة أنهم رفضوا ذلك! 
وبالتالي هذه الخدمة -كما أراها- خلقت مجموعةً مختلفةً ومنعزلةً عن الكنيسة، وجدت الأمان في وجودها معًا بعيدًا عن الكنيسة، ولم تستطع كسر هذه العزلة، فأصبحت فئةً معزولةً طفيليّة، التعامل معها بهذه الصورة يكرس للعنصريّة، لم يأتِ من هؤلاء للكنيسة المحليّة ويندمجوا فيها على الرغم من التنبيه عليهم مرات كثيرة ومشاركة الخدام القائمين على الخدمة بهذه الرغبة. وأصبح الاقتراب من هذه الخدمة يمثل مشكلةً حقيقية. فلا تستطيع الكنيسة أن تغلق هذه الخدمة وفي الوقت نفسه لا تستطيع أن تلبي الاحتياجات التي تزداد يومًا بعد يوم نتيجةً للظروف الاقتصاديّة التي تواجه بلادنا. فلا بد في التفكير في بعض من الحلول للتعامل مع هذه الظاهرة، وهذا هو المحور الثالث الذي أود الحديث فيه.
المحور الثالث: بعض من الحلول
من خبرتي ومتابعتي، أحاول وضع بعضٍ من المبادئ والحلول لإدارة هذا الملف، مثل: فك الارتباط بين المجيء للكنيسة والدعم الماديّ، والانتقال من فكر الإغاثة إلى منطق التنمية، والتحول من العزلة إلى الاندماج، بالإضافة إلى ضرورة غلق كافة الاجتماعات المسمَّاة بإخوة الرب وعمل مكاتب رعاية اجتماعيّة، ثم إنشاء مرصدٍ دراسيّ. وهي بالطبع رؤيةٌ رعويّةٌ أوليّةٌ تنضج مع الآراء والأفكار التي تُقدَّم في هذا المؤتمر، لعلَّ وعسى نخرج بأفكار قابلة للتطبيق.
أولاً: فك الارتباط بين المجيء للكنيسة والدعم الماديّ
ربط الكنيسة بمكان دعمٍ ماديٍّ فقط لا يغير من هؤلاء شيئًا حتى لو حُلَّت لهم بعض المشاكل الجزئيّة. يحكي جون ستوت عن خطورة هذا الأمر في كتابه “الكرازة في العالم المعاصر” عن خبرة المرسلين في الصين حين كانوا يدعون الناس للكنيسة وفي النهاية يعطون لكل من حضر كيسًا من الأرز، وعندما ضربت السفينة في عرض البحر إبان الحرب العالمية الثانية، ذهب المرسلون كعادتهم، وحضر الصينيون أول ليلة، ولكن وهم خارجون لم يأخذوا الأرز، فلم يحضروا الليلة الثانية، فعندما ذهب المرسلون إليهم ليسألوهم عن غيابهم، فقالوا: نحن نعرف المسيحيّة أم أرز!
 هكذا هو الحال حين نربط بين المجيء إلى الكنيسة والدعم المادي فقط، ولكن الرجاء هو في التغيير الروحيّ المنشود بمفهومه الشامل، وهو تقديم رسالة الخلاص المغيرة لهم، التي من خلالها يتغير الإنسان روحيًّا وسلوكيًّا. مثل ما عبر الرسول بولس من قبل عن هذا التغيير بالقول: “لاَ يَسْرِقِ السَّارِقُ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَتْعَبُ عَامِلًا الصَّالِحَ بِيَدَيْهِ، لِيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ لَهُ احْتِيَاجٌ.” (أفسس 4: 28). التحول هنا من شخص كان يستغل الآخرين إلى عامل يساعد من له احتياج التحول هنا تحولًا جذريًّا.
ثانيًا: تحول الخدمة من فكر الإغاثة إلى منطق التنمية
الفرق بين الإغاثة التنمية كبير؛ فالأولى لحظية وقتية اعتماديّة، أما الثانية فدائمةٌ ومستقلَّةٌ وتحرُّرية. نعم تحتاج بعض الحالات إلى إغاثةٍ في تدخلٍ طارئٍ لأزمات صحيةٍ أو علاجية، فهي مثل سكب جردل ماء على حريق كبير، ربما تقدم حلًّا وقتيًّا، لكن لا يجب أن تكون الإغاثة منهج تفكير وأسلوب حياة لإدارة هذه الخدمة لا بد أن تقوم برحلة تنمية فكريّة وسلوكيّة وروحيّة، ومحاولة تغيير نمط التفكير، فالسلوك مرتبط بالأساس بطريقة التفكير، فإذا تغير التفكير تغير معه السلوك.
عَبْر هذ الرحلة يتغير الفكر وتتحول هذه الكتلة من الاستهلاك إلى الإنتاج بواسطة إعطاء سنارة لا سمكة. في هذه الرحلة يتعلّم الإنسان فكر الكرامة الإنسانية بصفته مخلوقًا على صورة الله، يكون فيها منتجًا، يقول الله في سفر التكوين: “فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.” (تكوين 1: 27).
أمام ملف الفقراء داخل الكنيسة نسير في اتجاهين: الإغاثة والتنمية، ولا بد من الانتقال من فكر الإغاثة إلى منطق وعقل التنمية المستدامة، حينها سيتغير الحال. يتحول فيها الإنسان من مستهلكٍ لمنتج، من الإحساس بالقلة إلى الإحساس بالقيمة، من البطالة إلى العمل والانتاج… وغيرها.
ثالثًا: التحول من العزلة إلى الاندماج
هذه الاجتماعات تُقَولِب ناسها ومرتاديها وتضعهم في مستوى معيَّن لا يمكن أن يتخطَّوه، يميلون إلى العزلة، وإيجاد مساحةٍ من الأمان في وجودهم معًا. التحدي أمام هذه الخدمة والقائمين عليها هو كيف يقودونهم من العزلة إلى الاندماج في الكنيسة المحليّة. 
في المقابل، يجب أن تغير الكنيسة طريقة تفكيرها في قبول هؤلاء معهم في الكنيسة في شركة الجسد الواحد. بالطبع الأمر ليس سهلاً، لأن الذي تراكم على مدار سنين لا يمكن أن يُحل في خلال أيام أو شهور.
نحتاج إلى العمل في اتجاهين: كسر الصور النمطية عنه هذه الفئة، وخلق الاستعداد لديهم أن يكونوا جزءًا مهمًّا وحيويًّا في الكنيسة المحليّة مشاركين فيها، ويُكسر معها فكر الاستكانة والاستهانة بهذه الكتلة البشرية التي يمكن أن تستثمر في خدمة الملكوت. والاتجاه الثاني أن تفسح الكنيسة المحليّة المكان لخلق الاندماج معًا في شركة وشراكة حقيقيَّتين. قد يحتاج الأمر لسنوات لكن لا بد من تنظيم برامج حول معنى الكنيسة، وكيفية التعامل مع الآخر المختلف، وأهمية وقيمة العمل، والكرامة الإنسانية… وغيرها. 
وفي صورة أكثر عمليةً يمكن للكنيسة كل سنة أن تتبنى عددًا محددًّا من هذه الاجتماعات وتدمج مرتاديها في الكنيسة، عبر برنامج تدريبي وتأهيلي نفسيًّا واجتماعيّا وروحيًّا، السيدات في الاجتماعات العامة واجتماعات المرأة في الكنيسة، والأطفال في مدارس الأحد في الكنيسة، وكذلك البنات في اجتماعات إعدادي وثانوي بالكنيسة. كل سنة عدد محدود في خلال عشر سنوات قادمة تختفي هذه الظاهرة تمامًا.
رابعًا: إلغاء كافة الاجتماعات المسمَّاة بإخوة الرب وعمل مكاتب رعاية اجتماعيّة
لتحقيق البنود السابقة يجب إلغاء كافة اجتماعات إخوة الرب في الكنائس المحليّة، ربما يكون هذا صعبًا لدى البعض (الخدام والمخدومين) ولكن يجب التمهيد له، والبحث عن بدائل تقيِّم الوضع حقيقيًّا. 
والبديل هو أنه في الوقت الذي يتم فيه ذلك تؤسس كل كنيسة مكاتب متخصصة للرعاية الاجتماعيّة تدرس الحالات، وتقيِّم الاحتياجات، وتحيل بعض الحالات إلى العلاج على نفقة الدولة، وتخلق فرصًا للتوظيف والعمل وفق الإمكانيات، وتطلق تدريبات على الحرف والمهارات، وتوفير قروض لبعض المشروعات الصغيرة… وغيرها.
خامسًا: مرصد دراسي
يتوافق مع ما سبق إنشاء مرصد دراسي للتعامل في حلحلة هذه الظاهرة في تحولاتها بنجاحاتها واخفاقاتها، والدروس الإبداعية في التعامل معها، ورسم رؤية لمستقبلها وكيفية استثمار هذه الكتلة في زيادة الوعي بذاتها. مع التأكيد على دور الكنيسة المحليّة في الاستيعاب والقدرة على الدمج. ورصد حالات النجاح في تحويل هذه الكتلة المهمشة من العزلة إلى الاندماج، ومن الإغاثة إلى التنمية. وعمل لقاءات للقائمين على هذه الخدمة لتوعيتها والاستفادة من خبرات الآخرين. كما يُعِدُّ هذا المرصد دراساتٍ ميدانيةً لمعرفة تفكير المخدومين واحتياجاتهم وأحلامهم ومشكلاتهم، والعمل على دراستها وتحليلها وإيجاد حلول لها.
ختامًا 
إن رحلة التعامل مع هذه الملف شاقة جدًّا، ولا سيما إذا انتقلنا من حالة التنظير إلى حالة الواقع. الأمر الذي لا بد وأن يبدأ من تأهيل الكنيسة والقائمين على هذه الخدمة، وتوعية المخدومين ثانيًا، والانتقال من حالة التفكير بالمشاعر إلى التفكير بالعقل والمنطق. فلا روحانيّة في الكسل، ولا روحانيّة في الاعتماديّة، أو الطبقيّة، أو العنصريّة، أو الطفيليّة. 
الكنيسة التي ألغت التمييز بين الأرامل اليونانيات والأرامل اليهوديّات (أعمال الرسل 6: 1-8). والكنيسة التي عاشت في المسيح خبرة سقوط الحواجز بين اليهود والأمم، بين المتعلمين وغير المتعلمين، بين العبيد والسادة، حسب إقرار الرسول بولس: “لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (غلاطية 3: 28). وهو ما يؤكَّده بولس في كولوسي أيضًا: “حَيْثُ لَيْسَ يُونَانِيٌّ وَيَهُودِيٌّ، خِتَانٌ وَغُرْلَةٌ، بَرْبَرِيٌّ سِكِّيثِيٌّ، عَبْدٌ حُرٌّ، بَلِ الْمَسِيحُ الْكُلُّ وَفِي الْكُلِّ” (كولوسي 3: 11). لا يمكن لهذه الكنيسة أن تصنع أو تضع حواجز بين البشر، فالعهد الجديد يخبرنا بسقوط كافة الحواجز بين البشر في المسيح يسوع، فكيف نعود بعد لنبنيها من جديد؟
والكنيسة التي حرَّرت العبيد في أمريكا، وألغت التمييز بين السود والبيض في جنوب أفريقيا، من منطلق عقيدة وفكر الخلق والفداء، يمكنها-أي الكنيسة-أن تمنع أي تمييز، أو عنصريّة، أو طبقيّة، فالكل واحد في المسيح. 
وفي مصر، الكنيسة الإنجيليّة التي لم تقبل الباشوات الذين كان لهم عبيدٌ وجوارٍ في بيوتهم في عضوية الكنيسة، وكان شرط الانضمام هو تحريرهم، لا يمكن أن ترسخ أبدًا للطبقيّة والعنصريّة بأي شكل وتحت أي مُسَمَّى. والمطلوب هو ترسيخ حياة كريمة وصحيحة في جسد واحد أكثر تشاركيّة، وبنعمة الرب يمكن أن يتم هذا. 
بعض المراجع التي تساهم في هذه القضية
إلينجنس، مارك. الحالة الحادة الكنائس وقضايا المجتمع. ترجمة بهيج يوسف. القاهرة: دار الثقافة، 1997م.
بييريس، الويزيوس. لاهوت التحرير الأسيويّ. سلسلة دراسات لاهوتيّة. عربه وليم سيدهم اليسوعيّ. بيروت: دار المشرق، 2001م.
حبيب، صموئيل. الكنيسة والتنمية. القاهرة: دار الثقافة، 1991م.
حبيب، صموئيل. لاهوت التحرير دراسة وتقييم. القاهرة: دار الثقافة، 1991م.
داس، روبين. الكنيسة والفقر شهادة الكنيسة إلى ملكوت الله. بيروت: دار منهل الحياة، 2015م.
الدومنيكاني، جوستافو جووتييرث. لاهوت التحرير التاريخ والسياسة والخلاص. ترجمة جان رزق الله وجون جبرائيل الدومينيكاني، سلسلة اللاهوت المسيحيّ 2. القاهرة: دار الأكويني، 2016م.
سرابيون، الأنبا. الكنيسة وخدمة المحتاجين. لوس أنجلوس: إيبارشية لوس أنجلوس، 1999م.
سكولسبرج، هيربرت وآخرون. المسيحية والاقتصاد قراءة لاهوتيّة لمجتمع العدالة والسلام. ترجمة نكلس نسيم. القاهرة: دار الثقافة، 1997م.
سيدهم، وليم (المحرر). لاهوت التحرير رؤية عربيّة إسلاميّة مسيحيّة. مهرجان القراءة للجميع، مكتبة الأسرة. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2008م.
سيدهم، وليم. قضية التنوير ولاهوت التحرير. القاهرة: مجاز للترجمة والنشر، 2019م.
سيدهم، وليم. لاهوت التحرير في إفريقيا ديزموند توتو واللاهوت الأسود. سلسلة دراسات لاهوتيّة. بيروت: دار المشرق، 1997م.
سيدهم، وليم. لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينيّة نشأته تطوره مضمونه. سلسلة دراسات لاهوتيّة. بيروت: دار المشرق، 2002م.
سيدهم، وليم. وثيقة الحرية المسيحيّة والتحرير. القاهرة: د. ن. 2002م.
غريغوريوس، الأنبا. الالتزام الاجتماعيّ في فكر الآباء تاريخ الكنيسة. القاهرة: لجنة النشر للثقافة القبطيّة والأرثوذكسيّة، 1992.
لوبورديه، ميشيل. لماذا لاهوت التحرير؟ القاهرة: د. ن.، 2003م.
مايرز، براينت ل. السير مع الفقراء مبادئ وممارسة التنمية التحوليّة. بيروت: دار منهل الحياة، 2010م.
ملطي، تادرس يعقوب. الخط الاجتماعيّ عند أباء الكنيسة. الإسكندرية: كنيسة الشهيد مارجرجس باسبورتنج، 2005م.
 

اسم الكاتب: الشيخ أسامة رشدي

شذرة كتابية (1)

كل شِباكك… وليست واحدة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«وَلَكِنْ عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ».

(لوقا 5: 5)

هل تَعِبت الليل كله مثل التلاميذ ولم تأخذ شيئًا؟

هل سحبت بيأسٍ شباكك كلها إلى البَرِّ؟

هل ضاعت منك فرصةٌ ولم تنجح في استردادها؟

لا تخف… الرب يسوع يُجدد الأمل والرجاء فيك،

إنه لم يُعطِك روح الفشل، بل أعطاك روحَ القوة والمحبة والنصح،

إن كانت الخبرة تقول لك: “كفاك العمق”، هو يقول “ابعد إلى العمق” (آية 4)،

إن كان العيان يقول لك: “اغسل شِباكك”، هو يقول: “ألقوا شباككم” (آية 4)،

 إن كان المنطق يقول لك: “ألقِ شبكةً واحدة”، هو يقول: “ألقوا شباككم (كلها) للصيد” (آية 4).

فاتكل على إلهك وثق بكلمته ووعده؛ لأن خيره وجوده وإكرامه لك تفوق كل التوقعات.

 

 

شذرة كتابية (2)

حُرّاس خلفك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي وَأَسْكُنُ فِي بَيْتِ الرَّبِّ إِلَى مَدَى الأَيَّامِ.»

(مزمور 23: 6)

قد لا تعلم ما تحمله أيام حياتك القادمة من أفراحٍ أو أحزانٍ، من رحبٍ أو ضيق، من صحةٍ أو مرض، من احتياجٍ أو غنًى، لكنك بإيمانٍ عميقٍ تثق بأن خيرًا ورحمةً يتبعانك، وأنه مُمسِكٌ يدك بقوة، ولن يتركك أبدًا، إيمانك إنه كما كان معك في مراعٍ خُضرٍ، فشَبعتُ بجودهِ (آية 2)، كما قادك لمياه الراحة، فارتويت بسلامه (آية 2)، كما ردَّ نفسك من الضياعِ، فاهتديت إلى سبل البر من أجل اسمه (آية 3)، كما رافقك في وادي ظل الموت، وعصاهُ كانت لحمايتك وعكازهُ لتعزيتك (آية 4)، كما حفظك بسلامٍ من أخطارٍ وأمراضٍ قد هددتكَ طوال الرحلة، ثق أيضًا بأنه سيقودك بنعمته إلى بيته للسكن فيه إلى مدى الأيام (آية 6)، فياله من افتخار بأعظم راعي! و يا له من رجاءٍ سعيدٍ بأبديةٍ ستقضيها معه!

 

شذرة كتابية (3)

هؤلاء ليس لهم… إلا  “ليس”!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قالت أرملةُ صـرفة صيدون لإيليا: «ليست عندي كعكة»،

قالت المرأة المديونة لأليشع: «ليس لجاريتك شيء»،

قالت الأم المُطوَّبة مريم للرب يسوع: «ليس لهم خمر»،

قال التلامـيذ للرب يسـوع: «ليس عندهم ما يأكلون»،

لكن عجيب ما صنع الرب مع كل هؤلاء!

فكوارُ الدقيقِ لم يفرغ، أوعيةُ الزيتِ امتلأت،

أجرانُ الخمرِ فاضت، ســلالُ الخبزِ فضلت،

عاشتُ الأرملة أيامًا، سددت المرأة كل ديونها،

 فَـِرح المتكئون، شَبِعَت الجمـوع،

فثق بأن إلهك قادرٌ أيضًا أن يملأ ويسدد احتياجك،

بحسب غناه في المجد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشواهد الكتابية: (ملوك الأول 17: 12)، (ملوك الثاني 4: 2)، (يوحنا 2: 3) (مرقس 6: 36)، (فيلبي 4: 19).

شذرة كتابية (4)

إلهك… خلف الستار

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الوقت الذي كان يعقوب يبكي بالدموعِ، نائحًا على ابنه المفقود؛

كان الله خلف الستار يرتب الأحداث بحكمة عجيبة ليقود يوسف لعرش مصر.

وفي الوقت الذي كان موسى الرضيع يبكي بالدموع داخل سفطٍ من برديٍّ على حافة النهرِ؛ كان الله خلف الستار يرتبُ الأحداث بحكمةٍ عجيبةٍ ليحفظ حياته ليكون قائدًا لخروجٍ عظيمٍ من أرض مصر.

وفي الوقتِ الذي كان داود يبكي بالدموع على مدينته المحترقة بالنار، كان الله أيضًا خلف الستار يرتبُ الأحداث بحكمةٍ عجيبةٍ ليسترد لداود كل ما ضاع منه.

هل قلبك مكسور؟ هل عيناك ممتلئتان دموعًا؟ هل تتألم من خسارة؟

اطمئن… دموعك غاليه جدًّا على قلبهِ، هو ليس ساكتًا كما تظن، هو يعمل، ويدير، ويرتب أحداث حياتك بحكمةٍ فائقة، وسترى فيها يدهُ القديرة الممدودة لك بخيرٍ، وإحسانٍ، ومراحم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشواهد الكتابية: (تكوين 37: 35)، (خروج 2: 6)

(صموئيل الأول 30: 4).

 

المجال العام: الحداثة الليبرالية والكاثوليكية والإسلام

اسم الكاتب: سامية قدري 

 
هذا الكتاب هو رسالة تقدَّم بها الباحث الإيطالي “أرماندو سالفاتوري” عام ٢٠٠٠م للحصول على درجة الأستاذية في علم الاجتماع من إحدى الجامعات الألمانية. وقد كُتبت للحوار مع رسالة أخرى للأستاذية كتبها الفيلسوف والمفكر الألماني “يورجن هبرماس” عام ١٩٦٢م، الذي صك مفهوم المجال العام Public Sphere، ترجم هذا الكتاب الهام عالم الاجتماع المصري أحمد زايد، وصدر عن المركز القومي للترجمة عام ٢٠١٢م. جاءت ترجمة الكتاب في ٤٧٠ صفحة مُقسمة إلى: فصل تمهيدي يُناقش مفهوم المجال العام من حيث جذوره، كونه مجالًا ثالثًا للمجتمع، وجذوره المتقاطعة مع التراث والحداثة وستة فصول رئيسية وخاتمة. 
يُعد هذا الكتاب واحدًا من أهم الكتب في العلوم الاجتماعية التي صدرت في أوائل الألفية الجديدة؛ لأربعة أسباب: الأول، أنه نموذج للجدل العلمي الذي يُشكل أحد الملامح الأساسية في الخطاب الأكاديمي الغربي. وثانيًا، إنه يُناقش مفهومًا ذا أهمية خاصة ومهمة في المجتمعات المعاصرة وهو مفهوم المجال العام الذي يُشير إلى كل المؤسسات والمنتديات المستقلة عن الدولة من ناحية، والقطاع الخاص من ناحية أخرى، وهو المكان الذي تتبلور فيه الأفكار وتنضج فيه الآراء التي تعين المجتمع على التفكير العقلاني والتواصل الجمعي من أجل تحقيق الصالح العام. وثالثًا، بحث الكتاب عن جذور المفهوم في التراث الفكري والفلسفي في مراحل ما قبل التنوير والحداثة الغربية، خاصةً في التراث المسيحي الكاثوليكي والإسلام السُّني؛ إذ أن الكتاب يُقدم لنا تحليلاً جينولوجيًّا للتراثات السابقة على الحداثة. وأخيرًا، تأكيد الكتاب على أهمية تأسيس خطاب ديموقراطي للدولة المدنية الحديثة قائم على التدبر والتواصل العقلي من أجل تحقيق الصالح العام للمجتمعات.
يبدأ الكتاب بفصل تمهيدي حول جذور مفهوم المجال العام كمجال ثالث للمجتمع، ذلك المفهوم الذي حظي باهتمام كبير من قبل الباحثين والمفكرين في خلال حقبة التسعينيات، التي شهدت نقاشات حول ضرورة نشر الديموقراطية في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وفقًا للأمل الذي راود البعض بعد حرب الخليج الأولى، وأيضًا بروز دور الجماعات الإسلامية وحضورها في المجال العام، ومن ثم ظهرت الحاجة إلى بروز مفهوم المجال العام للتأكيد على قيمة التواصل الشفاف ومُمارسة الفهم الاتصالي بين الفاعلين من المستوى الأصغر للحياة الاجتماعية إلى المجالات الجمعية الأكثر تنظيمًا والتي يتم فيها التباحث والنقاش. ويُركز الفصل التمهيدي على مفهوم المجال العام كما صاغه يورجن هبرماس وأيضًا جذوره في التراث، خاصةً الديني، ما قبل الحداثة والتنوير الغربي.
ينظر سالفاتوري في الفصل الأول من الكتاب إلى التراث، لاسيما الديني، بوصفه أحد أركان التراث أو الركن الركين فيه، نظرة ميكروسكوبية في علاقته بالحضارة وذلك لكي يتوصل إلى فكرة أكثر عمومية للتراث تستغرق كل مستويات الفعل الإنساني على مستوى الممارسة والفكر. وفي سبيل تحقيقه لذلك، ينطلق من مفهوم هبرماس عن الفعل التواصلي وكذلك من فكرة عالم الحياة Life World، الفكرة التي تفتح آفاق التحليل السوسيولوجي (الاجتماعي) للديناميات الاجتماعية لصور التراث، خاصةً وأن عالم الحياة يتكون من النسيج الاجتماعي الذي تتطور فيه العقلانية العملية والذي يؤسس للإحساس بالعدالة والصالح العام، كما أنه المحرك للأخلاقيات الخطابية التي لها وظيفة نهائية هي أن تضع أسّسا لشرعية مأسسة القانون.
يستمر سالفاتوري عبر الفصل الثاني في الحديث عن التراث ولكن في المُمارسة والفعل التواصلي، خاصةً في الخطابات الإبراهيمية كخطابات نبوية اجتمعت فيها أشكال من الخيال النثري والأسطوري، ومن ثم فقد شكلت هذه التراثات مصدرًا تاريخيًّا ومؤسسيًّا للرابطة الاجتماعية الأساسية بين الذات والآخر، وبوصفها أساسًا لتكوين رابطة ثلاثية مع العالم الرباني.
يحمل الفصل الثالث عنوانًا عامًّا ومبهمًا “العقل العام للإنسان العادي” ولكنه يدور حول مفهوم المصلحة العامة في العصر المحوري، العصر الذي تشكلت فيه مفاهيم التاريخ، ونماذج المجتمع والمصلحة العامة المشتركة، خاصةً مع ظهور المسيحية وبزوغ الإسلام وتكوين نظرات دينية أكثر رسوخًا وأحكامًا وثوريًّا؛ فقد سعت المسيحية، اللاتينية تحديدًا، إلى تمكين الشخص العام كفاعل في العقل العام، كما دمج الإسلام التفكير العقلاني مع التفكير العام. يذهب سلفاتوري إلى أن أحد الخصائص الأساسية للمسيحية والإسلام وللحركات والجماعات التي ظهرت داخلهما تمثلت في وجود توجه نحو التبشير الذي يختلف عن النماذج المرتبطة بجماعة معينة كما في الاختراق المحوري الذي ارتبط بالنماذج اليهودية والإغريقيّة. ويناقش الفصل قضية العلاقة بين العقلانية العملية والعدل، فقد كان العدل موضعًا محوريًّا في هذا المشروع، لكونه يُعبر عن المساواة بين جميع البشر في جماعة عالمية تُنظَّم على نحو مُقدس. وقد أظهر ذلك من خلال تراث الآباء: جريجوري، سان أوغسطين، توما الأكويني… وغيرهم. كما ناقش الفكرة من خلال الحركات الرهبانية الجديدة، الفرنسيسكان والدومينيكان، باعتبارها حركات أدائية في عملية نشر تعاليم الكنيسة الكاثوليكية إلى الطبقات الحضرية عبر الوعظ والجدل والنقاش، وساعدهم في ذلك دراسة القانون، والمنطق، وعلوم الدين وتعليمها في الجامعات الجديدة.
وفي الفصل الرابع، ناقش سلفاتوري صناعة التراث في الإسلام ودور الشريعة في تشكيل الرابطة الجمعية والتواصل في التراثات الخطابية من خلال بناء علاقة ثلاثية من الأنا والآخر والله. فقد كان ظهور الإسلام تعبيرًا عن آخر تجسيدات العصر المحوري وتأكيدًا على الرسالة التي بعث بها الله للأنبياء السابقين، خاصةً في الديانتين اليهودية والمسيحية، والتي عكست منذُ النبي ومن جاء بعده من الفقهاء القضايا التي تتصل على نحو مباشر بنظام الحياة الاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، ناقش الكتاب عبر الفصل ذاته التيار الصوفي، باعتباره أخطر التحديات لهيمنة فقهاء السنة من ناحية، ولكونه أعاد تفسير التوتر بين المستويات العملية والروحية في التراث الإسلامي؛ فقد ربطت الصوفية بين الممارسات الجمعية التي تتعلق بنشاط يربط بين ذوات الأفراد ويجمعهم في تجمعات وشبكات جنبتهم الوقوع في براثن التزمت والتحيز النخبوي.
ينقلنا سالفاتوري، عبر الفصلين الأخيرين إلى إعادة بناء مفهوم الصالح العامPublic Good  وتشكيل المجال العام الحديث من خلال التراث الفكري الحديث كما عبر عنه فلاسفة التنوير في الغرب، كانط، وفيكو وأسبينوزا وصولاً إلى هبرماس. وبعد أن قدم لنا جينولوجيا تاريخية لمفهوم المجال العام، يُقدم لنا في الفصل الختامي تصورًا لنظريةٍ تعدديةٍ للمجال العام تسهم في خلق مناخ عام من التواصل بين البشر في مختلف أنحاء الكون.
 

حوار مع الدكتور القس يوسف سمير الحاصل على جائزة صموئيل حبيب للتنمية 2026م

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

أجرى الحوار: القس عيد صلاح وجيهان عيد

تهنئ النسور الدكتور القس يوسف سمير لحصوله على جائزة صموئيل حبيب للتنمية، وبهذه المناسبة تجرى حوارًا معه، ويرتكز الحوار على أربعة محاوز محاور أساسية، وهي: الأول، الجائزة… من التنظير إلى التميز العملي. والثاني، التأصيل اللاهوتي لخدمة الإنسان وهو ملف هذا العدد. والثالث، الوعي التنموي المستنير (الكرامة والتمكين). الرابع، استشراف المستقبل ورسالة للجيل الجديد.  

المحور الأول: الجائزة… من التنظير إلى التميز العملي

كيف يعرِّف الدكتور القس يوسف سمير بنفسه؟

  • التعريف الذي أستريح له هو أنني راعي الكنيسة الإنجيليّة بمصر الجديدة، أستريح لهذا التعريف لأن قناعتي هي أن نجاح الكنيسة العامة في رسالتها إنما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بنجاح الكنيسة المحلية. كما أن تأثير القسيس في خدمته المحلية وتركيزه فيها هو الانطلاق الحقيقي له في تأثيره في دوائر أوسع وأشمل.

ما شعوركم حين تلقيتم خبر فوزكم بجائزة صموئيل حبيب؟

  • كانت مشاعري مختلطة، فقد تلقيت خبر فوزي بالجائزة بعد يوم واحد فقط من انتقال والدتي للمجد، وكنت أتمنى وجودها بجانبي لتفرح معي بهذه الجائزة الغالية. ومن جهة أخرى شعرت بصدق أن هذه الجائزة لا تخصني وحدي لكنها تخص كنيسة مصر الجديدة كلها وجميع فرق الخدمة فيها التي آمنت بقيمة الخروج خارج أسوارها ودوائر راحتها لتذهب في محبة واتضاع لتطيع إرسالية الرب يسوع. ولا أستطيع أن أنسى شعوري العميق بالامتنان للهيئة القبطية بقيادة الدكتور القس أندريه زكي على ترشيحي الكريم لهذه الجائزة. وأخيرًا فقد كان شعوري الذي امتلك على ذهني وكياني هو الشكر الجزيل لأمانة الرب ودعمه لي طوال سنوات خدمتي السابقة التي ربما لا يعرف الكثيرون تفاصيلها لكن الله كان يرى ويعمل ولا ينسى.

حصولكم على جائزة القس صموئيل حبيب للتميز في العمل الاجتماعي يُعد اعترافًا بنجاح نموذج اللاهوت المُعاش. كيف استطاع القس يوسف سمير أن ينزل باللاهوت التنموي من رفوف المكاتب الأكاديمية إلى واقع الخدمة اليومية؟

  • لا شك أن العمل الرعوي والتواجد مع شعب الرب بمختلف احتياجاته والاشتباك الحتمي مع قضايا المجتمع والانطلاق خروجًا من أسوار الكنيسة ودوائر الراحة كلها عوامل ساهمت في إدراكي أنا والكنيسة المحلية متمثلة في رعاتها ومجلسها وقادتها وخدامها أن قضايا التنمية لا يمكن اختزالها في كتاب هنا أو دراسة هناك ولا يمكن حدها في نظرية لاهوتية جميلة ومنمقة، لكنها قبل أي شيء حياة على الأرض. كان الرب يسوع يؤمن عقليًّا ووجدانيًّا وأخلاقيًّا بقضية التنمية لكننا رأينا هذا الإيمان متمثلًا ومتجسدًا في خدمته الميدانية في قرى وبيوت الجليل إذ كان “يجول يصنع خيرًا”.

الجائزة تحمل اسم الرائد الراحل الدكتور القس صموئيل حبيب، واضع اللبنات الأولى للفكر التنموي الكنسي في مصر. كيف تصفون تطور هذا الفكر بين جيل الرواد والجيل الحالي؟ وما الذي يحتاجه خدام التنمية اليوم للحفاظ على هذا الإرث وتطويره؟

  • في رأيي الشخصي أن هناك تكاملًا جميلاً ومطلوبًا بين ما كان وما نحن عليه الآن. فنحن ندين لجيل الرواد، ولا شك أن الدكتور القس صموئيل حبيب يعد من أبرز وجوهه، بالجميل من جهة إشعال شرارة العمل التنموي ووضع لبناته الأولى والتأصيل اللاهوتي/ الأكاديمي في أروقة الكنيسة الإنجيليّة بمصر. فلولا هذا الجهد الكبير لأضحت كل محاولات التنمية عبارة عن أنشطة متجذرة ومتشرذمة لا فلسفة من ورائها ولا هدف كبير يدعمها. ومن جهة أخرى نشكر الرب كثيرًا لأجل رعاة وخدام وكنائس آمنوا بقيمة التنمية وبجدواها وبنوا على الفكر عملًا وجهدًا وخططًا مدروسة تطمح لأن تصبح التنمية خدمة أصيلة من خدمات الكنيسة تحقق به رسالة السيد في أن تكون نورًا للعالم وملحًا للأرض.

التميز في العمل الاجتماعي يتطلب مرونة وابتكارًا. في رأيكم ما المعايير اللاهوتية والإنسانية التي جعلت من خدمتكم نموذجًا يستحق التميز والتكريم وسط تحديات مجتمعية واقتصادية معقدة؟

  • يمكنني تلخيص الإجابة عل هذا السؤال في عدة نقاط سريعة وتلغرافية:
  1. الإيمان بقيمة الإنسان عند الله. وهذا الإيمان يتطلب التعامل مع الناس بمحبة وقبول واحترام مع اختلاف ثقافاتهم وخلفياتهم الاجتماعية وعقائدهم الدينية وحالتهم الاقتصادية أو العلمية. في إصحاحين متتاليين في إنجيل يوحنا تعامل الرب يسوع مع نيقوديموس الذي كان على رأس الهرم المجتمعي في ذلك العصر (يوحنا ٣)، ومع المرأة السامرية التي مثلت قاع المجتمع في زمن يسوع (يوحنا ٤). وفي الموقفين تعامل الرب يسوع مع الاثنين بكل اللطف والاهتمام والاحترام والمحبة.
  2. الاقتناع الثابت بأن التنمية جزء لا يتجزأ من دور الكنيسة ورسالتها. إن قناعتي الشخصية أن التنمية ليست، كما دأب البعض على تسميتها، إنجيلًا اجتماعيًّا، بل جزء من إنجيل المسيح الشامل. فالخلاص الإلهي في الكتاب المقدس يأتي في بعض السياقات ليشير إلى الخلاص والإنقاذ من الظلم والفقر والمرض وغيرها من أزمات الحياة الكبرى.
  3. الإدراك الواعي بأن عمل التنمية ليس تفضلًا من كبير على صغير، أو من غني على فقير، أو من ممتلئ على محتاج، لكنه صورة جميلة من صور الأخوة والشركة المسيحية. ولذلك فإن العمل التنموي يتطلب التواضع الذي يقترب من المتألم لا ليتصدق أو يمن عليه بالعطايا لكن ليشاركه في ألمه ويعبر عن تعاطفه معه إحساسه به.

كثيرًا ما تُمنح الجوائز تقديرًا لمحطة مضت، لكنها في العمل التنموي تمثل تكليفًا لمستقبل قادم. كيف يرى القس يوسف سمير الخطوة التالية لخدمته بعد هذا التكريم؟

  • لا أستطيع أن أدعي أنه سيحدث اختلاف كبير بين ما قبل الحصول على الجائزة وما بعدها؛ لأن العمل التنموي في الكنيسة المحلية في مصر الجديدة له رؤية ثابتة وخطة مستمرة نمضي فيها قدمًا بنعمة المسيح. إن ما فعلته هذه الجائزة هي أنها بمثابة تشجيع إلهي على صحة وتأثير ما فعلته وتفعله خدمة التنمية في خدمة الكنيسة المحلية.

المحور الثاني: التأصيل اللاهوتي لخدمة الإنسان (ملف العدد)

نبدأ من فلسفة العدد؛ كيف يؤصل الفكر اللاهوتي المستنير لمفهوم ‘الإنسان’؟ وكيف تختلف الرؤية التنموية القائمة على دافع روحي عن تلك القائمة على مجرد العمل الإنساني أو الخيري التقليدي؟

  • كما ذكرت في الإجابة عن سؤال سابق، يُعد العمل التنموي جزءًا أصيلًا من إنجيل المسيح الشامل. فالعهد الجديد يقدم لنا الرب يسوع المسيح أولًا وقبل كل شيء مخلصًا وفاديًا للإنسان من خطاياه وآثامه ليمنحه البر الإلهي بواسطة عمله الكفاري على الصليب. لكن العهد الجديد لا يكتفي بهذه الحقيقة فقط، فهو يقدم لنا خدمة المسيح الفدائي وهي تؤثر في كل جوانب الحياة الإنسانية. فعلى مر سنوات خدمة المسيح العلنية والتي تجاوزت ثلاث سنوات تعامل المسيح مع الأمراض الجسدية؛ شفى كثيرين ممن أصابتهم أمراض عديدة: “فذاعَ خَبَرُهُ في جميعِ سوريَّةَ. فأحضَروا إليهِ جميعَ السُّقَماءِ المُصابينَ بأمراضٍ وأوجاعٍ مُختَلِفَةٍ، والمَجانينَ والمَصروعينَ والمَفلوجينَ، فشَفاهُمْ” (متى ٤: ٢٤)، والاحتياجات الإنسانية الضرورية فأجرى معجزتين كبيرتين أشبع في الأولى خمسة آلاف وفي الثانية أربعة آلاف شخص (متى ١٤: ١٣-٢١؛ ١٥: ٣٢-٣٩). وفي كل هذه المواقف والمعجزات وغيرها لم يفرق السيد بين شخص وآخر، ولم يوجّه محبته لفرقة دون الأخرى لأنه كان مهتمًّا بالإنسان بصفته إنسانًا بغض النظر عن لونه وشكله ومعتقده. أولم يكن هو الذي علَّم في الموعظة على الجبل قائلًا: “سمِعتُمْ أنَّهُ قيلَ: تُحِبُّ قريبَكَ وتُبغِضُ عَدوَّكَ. وأمّا أنا فأقولُ لكُمْ: أحِبّوا أعداءَكُمْ. بارِكوا لاعِنيكُمْ. أحسِنوا إلَى مُبغِضيكُمْ، وصَلّوا لأجلِ الّذينَ يُسيئونَ إلَيكُمْ ويَطرُدونَكُمْ، لكَيْ تكونوا أبناءَ أبيكُمُ الّذي في السماواتِ، فإنَّهُ يُشرِقُ شَمسَهُ علَى الأشرارِ والصّالِحينَ، ويُمطِرُ علَى الأبرارِ والظّالِمينَ”.

ويجب الالتفات إلى أن العمل التنموي الذي نعتبره جزءًا من إنجيل المسيح الشامل يختلف تمامََا في دافعيته عن العمل التنموي/ الاجتماعي. فالعمل القائم على لاهوت الفداء والخلاص يقتضي في أدائه بالمحبة الإلهية المضحية التي تحب دون تفرقة ودون انتظار للمكافأة أو الإشادة. فهي تنظر فقط لخير الآخر دون النظر لنفسها وتخدم باتضاع وهي تضع نفسها عند أقدام من تخدمهم لتغسلها كما فعل يسوع، وهي في ذلك تختلف عن أي عمل تنموي آخر يقوم بدوره من موقع الأعلى الذي يتفضل بعطاياه على الآخرين الأقل منه.

في الفكر اللاهوتي، يُعدُّ العمل التنموي امتدادًا لمفاهيم “الوكالة وإعمار الأرض وصون الخليقة”. كيف ينعكس هذا المفهوم على آليات المشروعات التنموية التي تشرفون عليها؟

  • في خدمة الكنيسة المحلية التنموية سواء من خلال القطاع الكرازي والمرسلي أو من خلال خدمة جمعية الأمل التابعة للكنيسة أو من خلال خدمة “قلب الآب” التي خدم الفئات الأكثر احتياجًا، يتم التركيز على أكثر من جانب نراها امتدادََا لوصية الله من نحو الوكالة وإعمار الأرض بمعنى تحسينًا للظروف المعيشية وتوفير المناخ الذي يضمن للأفراد مستوى ونوعية أفضل للحياة. ويمكن تلخيص هذه الجوانب فيما يلي:
  1. الجانب الأسري: التركيز على لم شمل الأُسَر المفكَّكة من خلال تقديم المشورة الأسرية/ دعم المرأة المعيلة في الأسر التي يغيب دور الأب بها لأي سبب من خلال توفير فرص عمل أو تدبير مسكن مناسب أو المساهمة في مصروفات المدارس أو تجهيز العرائس.
  2. الجوانب المهارية والعملية: لا شك أن واحدًا من أكثر التأثيرات السلبية للمعونات المادية للأسر الفقيرة هي خلق أجيال متواكلة وغير منتجة، ولذلك كان واحد من الجوانب التي ركزنا عليها هي المساعدة على إيجاد فرص عمل/ التدريب على بعض المهن/ خدمة القروض الصغيرة بالشراكة مع خدمة “لمسة محبة الدولية” (TOLI).
  3. الجوانب المعيشية اليومية، وخاصة تلك المتعلقة بخلق البيئة النظيفة والصحية. ويندرج تحت هذا البند إقامة ندوات متخصصة لتعليم أوليّات الاعتناء بالنظافة الشخصية/ تركيب فلاتر لتنقية مياه الشرب في بعض قرى الصعيد للحد من أمراض الكلى المتفشية فيها.
  4. الجوانب التعليمية: تحت هذا البند أسَّست الكنيسة مراكز تعليمية لتقوية تلاميذ المرحلة الابتدائية ودعم قدراتهم على التحصيل الذهني وذلك في بعض القرى في الصعيد والدلتا.

هناك صراع تقليدي قديم بين من يفصلون بين الخدمة الروحية والخدمة التنموية كيف يكسر لاهوت التنمية هذا الفصل ليعيد تقديم الإنسان ككل متكامل (جسدًا وروحًا وعقلًا)؟

– المسيح في خدمته على الأرض شَفى، وأطعم، وعَلّم، وحرّر الإنسان. كيف يمكن للكنيسة والمؤسسات التنموية اليوم أن تحاكي هذا النموذج الشامل دون أن يطغى جانب على آخر؟

* تمت الإجابة عن محتوى هذين السؤالين في أسئلة سابقة.  

المحور الثالث: الوعي التنموي المستنير (الكرامة والتمكين)

  تتبنى مجلة النسور دائمًا قضايا الوعي والفكر المستنير. برأيكم، ما أخطر المعوقات الفكرية أو الموروثات الثقافية التي ما زالت تعوق لاهوت التنمية عن تحقيق كامل أهدافه في مجتمعاتنا؟

  • يمكن تلخيص الإجابة عن هذا السؤال في النقاط التالية:
  1. التوجه المعتاد للفصل بين الديني وغير الديني، بين المقدس والعالمي، وبالتالي الفصل بين ما هو روحي وغير روحي بصورة أعطت الانطباع بأن دور الكنيسة الأهم والأوحد هو الوعظ بالإنجيل لخلاص الخطاة وبناء المؤمنين ورعاية شعب الرب وأن كل ما عدا ذلك ليس مطلوبًا أو مرغوبََا فيه. وهكذا تصبح الخدمة التنموية على هامش اهتمامات الكنيسة وتركيزها.
  2. ضعف فكرة التطوع للخدمة بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وضغوط العمل. وبما أن الخدمة التنموية في حالة الكنيسة المحلية تعتمد بصورة أساسية على فكرة التطوع، فإنها تتأثر بصورة سلبية بسبب ضعف التوجه التطوعي.
  3. اعتماد الكنيسة المحلية لوقت طويل على الأنشطة قصيرة المدى وهو أمرٌ لا يناسب الخدمة التنموية التي تتطلب الكثير من الوقت والمجهود لتأتي بثمارها، أما استعجال التأثير وعدم الصبر فهي من دواعي فشل مثل هذه النوعية من الخدمات.

يرفض التأصيل اللاهوتي فكرة الإحسان المهين ويؤكد على الكرامة الإنسانية. كيف يمكننا عمليًّا تحويل الشخص في مشروعاتنا التنموية من مجرد مستفيد أو متلقٍ سلبي للمساعدة إلى شريك وصانع تغيير في مجتمعه؟

  • الاتجاه الأول هو خلق فكرة “إليك ومنك” بمعنى ألا يتوقف الخير والبركة والاستفادة عند حدود المستفيد لكن أن يكون له هو أيضًا دور في تقديم الخير بصورة ما لشخص أو أشخاص آخرين. أما الاتجاه الثاني فيتمثل في الحرص على تقديم فرص للعمل والتدريب بدلًا من تقديم معونات مادية مباشرة. الاتجاه الثالث والأخير يختص بشعب الكنيسة المحلية الذي من المهم جدًّا تشجيعه على أن يكون له دور -أيًّا كان هذا الدور- في العمل التنموي ولا يكتفي بدور المتفرج السلبي أو الناقد الهادم للخدمة دون مشاركة إيجابية فيها.

قد يقع العمل المؤسسي أحيانًا في فخ الجفاف البيروقراطي والأرقام والإحصائيات الجافة. كيف يحافظ لاهوت التنمية على أنسنة الخدمة ويضمن أن تظل المحبة والتعاطف هما المحرك الأساسي وراء كل رقم وإنجاز؟

  • في رأيي أن أهم نقطة تحافظ على هذا التوجه هو أن تظل الكنيسة المحلية هي صاحبة الخدمة وليس أية مؤسسة أو هيئة أخرى. هذا الأمر يجنب الخدمة الوقوع في فخ التقارير والأرقام والمنح التي تسلب الكنيسة حريتها في التحرك واتخاذ القرارات بضمير صالح لخير الخدمة.

 التنمية المستنيرة لا تعرف التمييز وتتوجه للإنسان بصفته إنسانًا. كيف تساهم المشروعات التنموية القائمة على تأصيل لاهوتي صحيح في ترسيخ قيم المواطنة، قبول الآخر، والعيش المشترك في المجتمع؟

 * تمت الإجابة عن هذا السؤال من قبل في سؤال سابق.

 

المحور الرابع: استشراف المستقبل ورسالة للجيل الجديد

يواجه الجيل الجديد من الشباب تحدياتٍ وضغوطًا حياتيةً واقتصاديةً كبيرةً قد تدفعه للإحباط أو السلبية. كيف نقدم له لاهوت التنمية بوصفه أداة رجاءٍ وفعلًا إيجابيًّا، ليتحول دوره المجتمعي والوطني إلى جزء من دعوته الروحية؟

  • أوافق تمامًا على حقيقة أن الأيام الحالية تمثل تحديًا هائلاً أمام الشباب بسبب تعقيدات الحالة الاقتصادية والضغوطات الحياتية المعاصرة التي تشكل عبئًا ضخمًا على نفسية الشباب، أيًّا كانت حالتهم متزوجين أو غير متزوجين. ولا شك أن مثل تلك الضغوط تجبر الإنسان على الانكفاء والانكباب على ظروفه الخاصة والتركيز على كيفية التعامل مع أزمته الشخصية. وبالتالي تتوارى الرغبة في الخروج خارج دائرة الذات للخدمة والعطاء.

وهنا يظهر تحدي الحياة المسيحية وقوة النعمة الإلهية وفاعليتها في قلب الإنسان الذي تجددت حياته بالغفران الإلهي. وذلك لأن جزءًا من حدث الخلاص وخبرته إنما هو في كسر دائرة الأنانية والخروج خارج دائرة الذات ليحب المرء الآخرين، ويخدمهم في تجاوب مع عمل المسيح الذي ترك كل مجده ليتجسد ويرتبط بالبشرية البائسة ليخدمها في محبة خالصة، وفي النهاية يموت من أجل أحبائه. هذا جزء لا يتجزأ من خبر الإنجيل وهو ما نسميه “الإرسالية العظمى”. وليس هنالك شخص مسيحي حقيقي مُعفى من هذه الدعوة لأن الإنسان المؤمن مدعو ليكون نورًا للعالم وملحًا للأرض.

وفي هذه النقطة يلعب لاهوت التنمية دورًا مؤثرًا؛ إذ إنه في جوهره يدعو الإنسان لربط خلاصه الشخصي بدعوته لخدمة العالم. يحتاج الشباب المكرس قلبيًّا للمسيح إلى تعليم واضح وتشجيع على الخروج خارج دائرة الاحتياجات الشخصية ودوامة القلق على المستقبل ليتعلم أولاً قيمة الاتكال الحقيقي على الله في تسديد الاحتياجات، وكذلك ليتعلم كيف أن الاهتمام بغيره إنما يجعله يقدر عطايا الله له فيشكره، ويجعله يتعاطف مع احتياجات غيره فيخدمهم. لقد كانت دعوة المسيح للشاب الغني “بع كل ما لك وتعال اتبعني”، وهي نفسها دعوة المسيح للشباب في كل ضغوطهم الاقتصادية: “اخرجوا عن ذواتكم واتبعوني…”.

بناءً على خبرتكم الفائزة بالتميز، ما هي النصيحة أو الروشتة التنموية التي يوجهها القس يوسف سمير عبر صفحات النسور للمؤسسات التنموية الصغيرة والكنائس المحلية لتطوير أدائها وتأصيل خدمتها لاهوتيًّا وعمليًّا؟

-أقدم الإجابة في نقاط سريعة ورسائل تلغرافية:

  • الاهتمام بتوعية شعوب الكنائس المحلية بأهمية الانخراط في العمل التنموي،
  • توضيح أن العمل التنموي جزء من إنجيل المسيح الشامل،
  • التفكير في طرق خلاقة ومبتكرة في النهوض بالمجتمع المحيط بعيدًا عن مجرد تقديم المساعدات المالية،
  • محاولة تخصيص جزء من ميزانية الكنيسة للعمل التنموي،
  • البدء بصورة صغيرة لا مغالاة فيها والنمو شيئًا فشيئًا،
  • إدراك أن العمل التنموي لا تفرقة فيه بسبب اختلاف الجنس أو الدين أو الخلفيات الاجتماعية أو الاقتصادية.،
  • يجب أن تبدأ الرؤيا من القيادة حتى تنجح الخدمة التنموية.

 

 

شذرات كتابية عدد الصيف

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: الشيخ أسامة رشدي

شذرة كتابية (1) 

همسة عتاب

هل فقدت صبرك وقلت مع داود «إلى متى تحُجب وجَهكَ عنى»؟

هل تحيرّت وطلبت مع أيوب «فهّمني لماذا تخاصمني»؟

هل بَكيت وصرخت مع إرميا «بادت ثقتي ورجائي من الرب»؟

ما أروع الرب! فكل المشاعر الإنسانية العميقة الصادقة يُقدّرها،

هو لم يحجب وجهه كما ظن داود؛ بل «أحسن إليه»،

هو لم يخاصم أيوب كما تفكّر بذلك؛ بل «تكلّم معه»،

هو لم يترك إرميا دون رجاء؛ بل قال له «لا تخف»،

نعم، هو ليس بعيدًا عنك، قد لا تراه الآن، وقد لا تسمع صوته، قد لا تشعر به، وقد لا تفهم ماذا يفعل. اطمئن، هو شاعر بأنّاتك وأحزانك، هو قريب جدًّا من قلبك المنكسر، وروحك المنسحقة،

هو يحبك جدًّا حتى وأنت تعاتبه، فثِقْ بمحبته، وتشجع.

الشواهد الكتابية: (مزمور13: 1)، (أيوب 10: 2)، (مراثي إرميا 3: 18؛ 3: 57)، (مزمور 13: 6)، (أيوب 38: 1).

 

 

شذرة كتابية (2) 

عند قدمَيْه

في وقتِ هدوءٍ، جلست مريم عند قدمي الرب يسوع عندما زارها؛

(لتسمع كلامه)،

وفى وقتِ ألمٍ، خرّت مريم عند قدمي الرب يسوع عندما مات لعازر؛

(لتبكي أمامه)،

وفى وقتِ فرحٍ، دهنت مريم قدمي الرب يسوع بالطيب بعد قيامة لعازر؛

(لتمجيده وإكرامه)،

وهذه هي أوقات تعبر أيضًا بحياتك!

ربما أوقاتُ هدوءٍ، تجلس أمام الرب لتسمع كلامه، وتتلذذ به،

وربما أوقاتُ ألمٍ، تسكب أمامه دموعك، وتُلقي همومك عليه،

لكن أشجعك اليوم أنه ستأتي أوقات فيها تسجد عند قدميه، تمجده وتكرمه، وأنت شاكر، وفرح، بل وستقدم له كل غالٍ وثمين يستحقه، عندما ينظر  إيمانك، ويرى دموعك، ويستجيب لصلاتك، ويجُبر خاطر نفسك، ويصنع لك عجبًا…

الشواهد الكتابية: (لوقا 10: 39)، (يوحنا 11: 32، 33)،

(يوحنا 12: 3).

 

شذرة كتابية (3)   

جاري البحث…

ما أروع محبة الرب! فهي تبحث عن النفس البشرية أينما وجدت،

تبحث عن آدم الخائف وراء أشجار «الجنة»،

تبحث عن إيليا المحُبط في قلب «المغارة»،

تبحث عن السامرية الخاطئة عند «البئر»،

تبحث عن مريض بيت حسدا المُهمَل عند «الِبركة»،

تبحث عن زكا العشّار فوق «الجُميزة»،

تبحث عن أعرج الهيكل العاجز على «الباب»،

تبحث عن وزير ملكة الحبشة المسافر في «البرّية»،

تبحث عن شاول مُضطهد الكنيسة في «الطريق»،

 محبة لا تكل، ولا تتوقف، محبة قوية وملتهبة، محبة أزلية وأبدية، محبة غنية وفائضة، محبة تبحث عنك حتى ولو في أطراف الأرض وأقاصي البحر، يناجيك دائمًا «إِذْ صِرْتَ عَزِيزًا فِي عَيْنَيَّ مُكَرَّماً وَأَنَا قَدْ أَحْبَبْتُكَ.».

الشواهد الكتابية: (تكوين 3: 8، 9)، (ملوك الأول 19: 13)،

(يوحنا 4: 6، 7؛ 5: 5، 6)، (لوقا 19: 4، 5)، (أعمال 3: 2، 6؛ 8: 26، 27؛ 9: 3، 4)، (إشعياء 43: 4).

 

شذرة كتابية (4) 

                                 جواهر ثمينة

ترك إبراهيم “أرضه”، ترك موسى “خزائن مصر”،

تركت راعوث “شعبها”، ترك أليشع “أبقاره”،

 ترك بطرس “شبكته”، ترك متى “وظيفته”،

 تركت السامرية “جرّتها”، ترك بارتيماوس “رداءه”،

وزّع زكا “نصف أمواله”، كسرت مريم “قارورة الطيب”،

باع برنابا “حقله”، خسر بولس “كل شيء”.

كل هؤلاء خسروا ليربحوا! نعم،

خسروا وطنًا أرضيًّا، وربحوا وطنًا سماويًّا،

خسروا ممتلكات شخصية، وربحوا كنوزًا سماوية،

خسروا مجد الأرض، وربحوا مجد السماء،

لقد حسبوا كل شيءٍ نفاية من أجل فضل معرفه الرب…

فإن كنت ربحت المسيح في حياتك، وهو نصيبك، وكفايتك.

لا تحزن على خسارة أرضية.

 

الشواهد الكتابية: (تكوين 12: 1)، (عبرانيين 11: 26)، (راعوث 1: 16)، (ملوك الأول 19: 20) ، (لوقا5 :11)، (متى 9: 9)، (يوحنا 4: 28)، (مرقس 10: 50)، (لوقا 19: 8)، (مرقس 14: 3)، (أعمال 4: 37)، (فيلبي 3: 8).

 

 

التنمية وقضايا المجتمع المصريّ: قراءة في وثيقة الرأي الصادرة عن الهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة بمناسبة مرور 75 عامًا على إنشائها

اسم الكاتب: القسّ عيد صلاح

مُقَدِّمَةٌ:
تتناول هذه الدراسة قراءة تحليليّة في وثيقة الرأي الصادرة عن الهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة في القضايا القوميّة ، واختصارها باللغة الإنجليزيّة (CEOSS)، وهيCoptic Evangelical Organization for Social Service   وذلك في مناسبة الاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسّيسها. 
وتسعى الورقة إلى الإجابة عن عدد من التساؤلات الجوهريّة، أبرزها: ما الفلسفة التي انطلقت منها الهيئة في عملها وخدمتها؟ وما أبرز مجالات التنمية التي تساهم فيها داخل المجتمع المصريّ؟ وما هي الأسس اللاهوتيّة التي تأسَّست عليها رؤيتها وممارساتها التنمويّة؟
تعود نشأة الهيئة إلى عام 1950م داخل الكنيسة الإنجيليّة في مصر، ومنذ ذلك التاريخ قامت بدور محوري في التفاعل مع المجتمع المصريّ في المدن الصغيرة والقرى والنجوع، عبر برامج تنموية شاملة. وتوثّق الوثيقة لتسعة عشر مجالاً رئيسيًّا من مجالات العمل التنمويّ، يقف خلف كلٍّ منها إطار فكريّ وفلسفة واضحة، بما يعكس أن أنشطة الهيئة ليست مجرد مبادرات خدميّة، بل تعبّر عن رؤية متكاملة لخدمة الإنسان وتنميته دون تمييز على أساس الدين أو الجنس أو اللون. وقد اتسمت مسيرة الهيئة بانحيازها الدائم للفئات المهمّشة والفقراء وذوي الهمم.
كما تُبرز الوثيقة تجربة الهيئة في تبنّي القضايا القوميّة باعتبارها أولويات رئيسية في العمل التنمويّ والوطنيّ، مؤكدةً اتساق رؤيتها مع رسالتها المؤسّسية القائمة على تمكين الأفراد والمجتمعات. وعلى الصعيد الوطنيّ، تبيّن الوثيقة توافق جهود الهيئة مع توجهات الدولة المصريّة في مجالات التنمية المستدامة، بما يعكس انتقالها من إطار كنسيّ محدود إلى فضاء المجتمع الأوسع، حيث أصبحت فاعلاً مدنيًّا مؤثّرًا في تحقيق العدالة الاجتماعيّة والتنمية الشاملة.
في هذه الوثيقة تقدم الهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة نفسها بوصفها جزءًا من النسيج الوطنيّ المصريّ، وتؤكد على دورها الفاعل والمؤثر بناء على رؤية طموحة وفلسفة تنموية واضحة، وهذا جعلها تركِّز على قضايا مثل الأمن الغذائي، التعليم، الصحة، البيئة، المواطنة… وكلها مرتبطة مباشرة برؤية مصر 2030 وخطط التنمية القوميّة. كما أن الوثيقة نفسها تربط أنشطة الهيئة بـالمبادرات القومية مثل حياة كريمة، وبالاستراتيجيّات الوطنيّة (حقوق الإنسان، تمكين المرأة، الصحة، المناخ… وغيرها). 
 
ما هي الهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة؟
الهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة مؤسّسة مصريّة أهلية ذات صفة عامة، لا تهدف إلى الربح مسجلة بوزارة التضامن الاجتماعيّ برقم 468 القاهرة. أسَّسها الراحل الدكتور القسّ صموئيل حبيب (1927-1996م) عام 1950م، وكانت نواتها الأولى مشروعًا لمحو الأميّة في إحدى قرى محافظة المنيا في صعيد مصر، ثم تطورت عبر العقود لتصبح مؤسَّسة رائدة في العمل التنمويّ والخدميّ. 
ما الفلسفة التي انطلقت منها الهيئة القبطيّة الإنجيليّة في عملها وخدمتها؟
منذ نشأتها، تبنت الهيئة رسالة تقوم على ترسيخ قيمة الحياة الإنسانيّة والارتقاء بجودتها، وتعزيز مبادئ العدالة والمساواة ونشر ثقافة الفكر المستنير وتأكيد الأخلاقيّات والقيم الإنسانيّة المشتركة التي تدعو إليها الأديان. كما تسعى إلى ترسيخ قيم الولاء والانتماء، واحترام التعدّديّة وقبول الآخر.
كما تولي الهيئة اهتمامًا خاصًّا بتحسين نوعية الحياة للفقراء والمهمشين عن طريق العمل في المجتمعات المحليّة الأكثر احتياجًا في المناطق الريفية والحضريّة والعشوائيّة، مع التركيز بوجه خاص على المجموعات الهشة والأكثر ضعفًا، مثل النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة والأطفال المعرضين للخطر، ويتم ذلك عبر آليات ونماذج تنموية تستهدف بناء قدرات المجتمعات والمؤسّسات والأفراد الفقراء، وتعزيز تماسكهم، وزيادة جاهزيتهم، بما يمكنهم من تطوير أدوات فعالة تسهم في تحقيق الصمود والمتانة المجتمعيّة، في مواجهة المخاطر والتهديدات والتغيرات الحالية والمحتملة في مختلف المجالات، وبما يعزز قدرتهم على مكافحة الفقر والمضي نحو تحقيق تنمية عادلة وشاملة ومستدامة.
تبني الهيئة عملها على فكر لاهوتيّ يُبنى على عقيديتي: الخلق والفداء، ففي وثيقة رأي صدرت عن الهيئة عام 1993م تحت عنوان: “نحور رؤية مصرية معاصرة وثيقة فكر” ذكرت فيها: ولما كانت عقيدة الخلق، إعلانًا بأن الله خلق السماوات والأرض، ثم خلق الإنسان، فإن اهتمامات الله تمتد إلى كل الخليقة. فلم يخلق الله العالم ويتركه، بل يواصل الاهتمام به ورعايته. ومن هنا كان اهتمامنا بكل الخليقة: الإنسان والحيوان، النبات، والبيئة. فإطار عمل الهيئة يمتد لكل المجالات، لتحقيق سعادة الإنسان، والحفاظ على البيئة، ورعاية كل الكائنات.  
ولما كانت عقيدة الفداء، إعلانًا عن إرادة الله الصادقة، لاسترداد الخليقة التي تعثرت بسبب الخطيئة مما يعاون على تحقيق ملكوت الله، التي يسود فيها الحق والعدل بين كل شعوب الأرض. 
ولذلك فإن الهيئة شغلها الشاغل، هو خدمة المحرومين، والفقراء، والهامشيين من المجتمع البشري، وأولويتها، الوصول إلى المنشآت الأكثر حرمانًا، التي عانت وتعاني، لتخفف عن الإنسان معاناته، ولتسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية. فإلى جانب الاهتمامات المتنوعة، والخدمات المختلفة، فالتركيز الأول في عمل الهيئة هو صياغة شخصية الإنسان وفكره، على المستوى القاعدة، كما على مستوى المسؤولية، صياغة تعاون على بناء المجتمع لما هو أفضل. وتحقيقًا لهذه الاتجاهات، كان لا بد من تشجيع الفكر المستنير في الدين، والقيم، والاتجاهات العلميةـ فالعم الصحيح والدسين المستنير يلتقيان. 
ما الخدمات التي غطتها الوثيقة عبر مسيرة خدمة الهيئة القبطيّة الإنجيليّة في مصر؟ 
ملخص تحليلي: القضايا الرئيسية في الوثيقة
ركَّزت الوثيقة على 19 قضية اهتمت بها الهيئة القبطيّة اهتمامًا فعالاً ومؤثرًا، مثل:
• الأمن الغذائي: التركيز على دعم المزارعين الصغار، تعزيز الاكتفاء الذاتي من القمح، وتطوير تقنيات الزراعة الحديثة عبر مبادرات مثل “ازرع”. الهدف هو تحقيق أمن غذائي مستدام متسق مع رؤية مصر 2030.
• الموارد الطبيعية والتغيرات المناخيّة: مواجهة آثار التغير المناخيّ على الزراعة والمياه، وتشجيع مبادرات صديقة للبيئة. إبراز مشاركة مصر في مؤتمرات المناخ العالمية، وتوعية المجتمع بترشيد الموارد.
• البطالة والتمكين الاقتصاديّ: دعم الشباب والنساء ببرامج تدريب مهني ومشروعات صغيرة. اعتبرت الهيئة أن معالجة البطالة مفتاح لتعزيز الكرامة الإنسانيّة والعدالة الاجتماعيّة.
• الشمول الماليّ: السعي لدمج الفئات المهمشة في النظام المصرفيّ، خصوصًا النساء والمزارعين، باعتبار الشمول المالي أداة رئيسية للحد من الفقر.
• مكافحة الأمية: إطلاق برامج لمحو الأمية والحد من التسرب المدرسيّ، وربط التعليم ببناء الإنسان وتنمية المجتمع.
• الإعاقة: العمل على دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في التعليم وسوق العمل، وتوفير التسهيلات التكنولوجيّة والخدمات الصحية والاجتماعيّة لهم.
• حقوق الأطفال المعرضين للخطر: حماية الأطفال من التسرب المدرسيّ، عمالة الأطفال، والإهمال الأسريّ، مع تفعيل التشريعات الوطنيّة والدوليّة.
• مكافحة العمى الممكن تفاديه: تطوير حملات صحية للوقاية من أمراض العيون وإجراء جراحات بسيطة يمكن أن تنقذ البصر، خصوصًا في القرى والمناطق النائية.
• الصحة العامة: التركيز على الرعاية الصحية الأولية، مكافحة الأمراض المزمنة، وتحسين البنية التحتية للخدمات الصحية، مع دعم مبادرات تنظيم الأسرة.
• تنظيم الأسرة: إبراز دور تنظيم الأسرة في تحسين نوعية الحياة وضبط النمو السكاني، مع ربطه بالوعي المجتمعيّ وحقوق المرأة.
• المساواة بين الجنسين ومناهضة العنف: محاربة كافة أشكال التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعيّ، مع دعم تمكين المرأة اقتصاديّا واجتماعيّا.
• مناهضة ختان الإناث: اعتبار الختان ممارسة ضارة تنتهك حقوق الطفلة، والعمل مع الدولة والمجتمع على محاربته بالتشريع والتوعية.
• السكن الملائم: الدعوة لبرامج إسكان ملائمة للفقراء والمهمشين، وربط ذلك بكرامة الإنسان والعدالة الاجتماعيّة.
• الحماية الاجتماعيّة: تعزيز شبكات الأمان الاجتماعيّ (مثل تكافل وكرامة)، وحماية الفئات الأضعف من آثار الأزمات الاقتصاديّة.
• مواجهة خطاب الكراهية: إطلاق مبادرات لبناء ثقافة التسامح والعيش المشترك، ومناهضة خطابات العنف الدينيّ أو الطائفيّ أو الجندريّ.
• منظومة القيم الثقافيّة الداعمة للتنمية: التركيز على القيم الإيجابيّة مثل العمل الجاد، احترام القانون، والتضامن المجتمعيّ كدعامة لأي عملية تنمويّة.
• المواطنة: ترسيخ مفهوم المواطنة القائمة على الحقوق والواجبات المتساويّة، دون تمييز دينيّ أو اجتماعيّ أو جندريّ.
• العدالة الثقافيّة: الاعتراف بالتنوع الثقافيّ في مصر واحترامه، وضمان وصول الفئات المهمشة للموارد الثقافيّة.
• بناء الإنسان: اعتبار بناء الإنسان ركيزة التنمية، عبر الاستثمار في التعليم، الصحة، الوعي الثقافيّ، والمشاركة المجتمعيّة.
ما تميزت به الوثيقة:
تميزت الوثيقة بالشموليّة وتعدد القضايا وتنوعها، والانسجام مع الأجندة الوطنيّة والدوليّة في إطار الفكر التنمويّ، وبالتالي جاءت الوثيقة معبرة عن رؤية الهيئة في إطار العمل التنمويّ واحتياج المجتمع المصريّ لها. 
الشموليّة وتعدد القضايا: 
الوثيقة تغطي نطاقًا واسعًا من القضايا القوميّة (الأمن الغذائي، المناخ، البطالة، الشمول المالي، الأمية، الإعاقة، حقوق الطفل، الصحة العامة، المساواة بين الجنسين، الحماية الاجتماعيّة، المواطنة… إلخ) مما يعكس رؤية متكاملة للتنمية.
الانسجام مع الأجندة الوطنيّة والدوليّة: 
يظهر ارتباط واضح باستراتيجيات الدولة المصريّة (مثل رؤية مصر 2030، الاستراتيجية الوطنيّة لحقوق الإنسان، استراتيجية تمكين المرأة) وكذلك بالأطر العالمية (أهداف التنمية المستدامة، أجندة أفريقيا 2063). وقد ظهر هذا التميز في الآتي:
1- التركيز على الفئات المهمشة: إبراز دور الهيئة في تمكين الفئات الأكثر هشاشة (النساء، ذوي الإعاقة، الأطفال المعرضين للخطر) يعكس التزامًا عميقًا بالعدالة الاجتماعيّة.
2- التوثيق بالأمثلة العمليّة: بعض القضايا مدعومة بمبادرات واقعيّة ومراجع إعلاميّة وروابط لمصادر، مما يعطي مصداقيّة للوثيقة.
3- البعد المؤسَّسيّ والتاريخيّ: تقديم الهيئة نفسها كمؤسَّسة ذات خبرة ممتدة منذ 1950م يضيف ثقلًا تاريخيًّا ودورًا رياديًّا، ويجب أن يتوسع في هذه الفكرة بعض الشيء لأن الرؤية لم تولد من فراغ.
التقييم العام:
1- الوثيقة مهمة بوصفها إعلانَ موقفٍ تنمويٍّ يعكس التزام الهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة بالقضايا القوميّة والوطنيّة والإنسانيّة. لكنها بحاجة إلى تحرير أكاديميّ وتحليليّ أوضح، مع ترتيب أولويات القضايا وربطها بخطط عمل قابلة للتنفيذ ومؤشرات للقياس في الواقع المستقبل. 
2- يمكن اعتبارها أساسًا لرؤية شاملة، لكنها تحتاج إلى صياغة أكثر دقة واحترافية إذا أريد استخدامها في أبحاث أو مداولات سياسية/تنموية رفيعة المستوى.
3- الوثيقة في القضايا المطروحة كانت أكثر وضوحًا وموضوعية وتماسكًا، يفيض بالحب والوطنيّة، وإعلان حمل هموم الإنسان بصفة خاصة في قلب الهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة، وقد جاء معبرًا عن رؤيتها وفلسفتها واستراتيجيتها.
4- الوثيقة في جوهرها وثيقة تنمويّة اجتماعيّة، لكنها تتقاطع بشكل غير مباشر مع الدين والأخلاق والأعراف والسياسة في عدة مواضع: لم تطرح الوثيقة قضايا لاهوتيّة أو عقائديّة، لكنها استعانت بالخطاب الدينيّ كمرجعيّة قيميّة، خاصة في قضايا مثل مواجهة خطاب الكراهية، العدالة الاجتماعيّة، حماية البيئة. أشارت أيضًا إلى دور المؤسّسات الدينيّة (المسيحيّة والإسلامّية) في مبادرات التوعية المجتمعيّة، خصوصًا في قضايا المرأة والختان.
5- تناولت الوثيقة موضوعات حساسة مثل ختان الإناث والعنف القائم على النوع الاجتماعيّ، وهي مرتبطة بالأعراف الاجتماعيّة والثقافيّة. ركزت على القيم الثقافيّة الداعمة للتنمية مثل العمل الجاد، احترام القانون، التسامح… مما يجعلها وثيقة ذات بعد أخلاقيّ وقيميّ.
6- لم تتدخل الوثيقة في السياسة الحزبيّة أو القضايا الخلافية، لكنها انسجمت مع التوجهات الرسميّة للدولة المصريّة رؤية مصر 2030، مبادرة حياة كريمة، الاستراتيجية الوطنيّة لحقوق الإنسان ركزت على قضايا “قوميّة/وطنيّة” مثل المواطنة، العدالة الاجتماعيّة، الأمن الغذائي، وهي في صميم السياسات العامة للدولة.
7- الوثيقة ليست دينيّة أو سياسيّة بالمعنى الضيق، لكنها تحمل انعكاسًا للقيم الدينيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة في طرحها، وتتماهى مع السياسات التنموية الرسميّة لمصر، مع التركيز على قضايا حساسة متشابكة مع الأعراف والتقاليد.
8- استندت الوثيقة إلى لغة قيميّة قريبة من الخطاب الدينيّ (الكرامة الإنسانيّة، خليقة الله، التسامح). 
9- ومن ناحية التقاليد: ركزت الوثيقة على تغيير بعض الممارسات الاجتماعيّة الضارة مثل ختان الإناث أو العنف ضد المرأة، وهو توجه إيجابي تدعمه الدولة والقانون. 
10- الوثيقة محايدة، ذات طابع تنموي-اجتماعيّ، وهي متسقة مع خطاب الدولة والمجتمع المدني في مصر.
ختامًا:
احتفلت الهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة بطريقة مختلفة، فقد أصدرت وثيقة مهمة عبرت فيها عن رأيها وهويتها ورسالتها في خطاب تنمويّ يعزز من قيمة الإنسان ويحارب الفقر والجهل والمرض ويعمل على مجتمع أفضل في نشر قيم وثقافة السلام والتعاون والتعايش المشترك وقبول الآخر. والعمل على التنمية المستدامة لخلق عالم أفضل.