محتويات عدد النسور رقم 18 صيف 2026م
افتتاحية رئيس التحرير د. ق. أندريه زكي
في هذا العدد تقرأ القس محسن منير مدير التحرير
ملف العدد: التأصيل اللاهوتي للتنمية وخدمة الإنسان
صورة الله في الإنسان في الكتاب المقدّس المعنى والمضامين د. نقولا أبو مراد
لاهوت التنمية الاجتماعية في الكنيسة الأولى: ما هي التنمية؟ أ. أمجد بشارة
صورة الله في الإنسان، بحسب الفكر الإنجيلي المصلح القس سهيل سعود
التنمية والعدالة الاجتماعية من منظور كتابي لاهوتي د. فينيس نيقولا
اللاهوت البيئي (الإيكوثيولوجيا) في ليتورجيا الكنيسة: نحو وعي روحي ومسؤولية تجاه الخليقة القس جرجس جورج
التدين المُعطل للتنمية د. سامية قدري
التنمية وإدارة المعرفة د. رؤف حامد
فكر التنمية السياسية في المجال العام: إبراهام كايبر نموذجًا د. ق. موريس يوسف
التنمية المستدامة… اقتراب اجتماعي د. ســامــح فـــوزي
الانحياز اللّاهوتيّ للمُستضعفين جورج إسحق
الفئات المهمشة: نحو لاهوت تنمويّ يسترد الإنسان القس بيتر عادل
الكنيسة الكاثوليكية في مصر: من الإحسان إلى التنمية الإنسانية المستدامة د. مريان منير
من رواد العمل المسكونيّ والتنمويّ في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية: الأنبا صموئيل (1920-1981م) د. رامي عطا
اجتماعات إخوة الرب: من الإغاثة إلى التنمية ومن العزلة إلى الاندماج رؤية رعويّة أوليّة القسّ عيد صلاح
قراءة في كتاب: المجال العام: الحداثة الليبرالية والكاثوليكية والإسلام د. سامية قدري
حوار مع الدكتور القس يوسف سمير الحائز على جائزة صموئيل حبيب في التنمية لعام 2026م
شذرات كتابية: الشيخ أسامة رشدي
ملحق العدد: التنمية وقضايا المجتمع المصريّ: قراءة في وثيقة الرأي الصادرة عن الهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة بمناسبة مرور 75 عامًا على إنشائها
اسم الكاتب: الدكتور القس أندريه زكي
كثيرًا ما يُنظر إلى التنمية بوصفها مفهومًا اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا، تُقاس نجاحاته بمعدلات النمو، أو بحجم المشروعات، أو بما يتحقق من تحسُّن في مؤشرات الدخل والخدمات. غير أن هذه الرؤية، على أهميتها، تظل قاصرةً إذا انفصلت عن السؤال الأعمق: من هو الإنسان الذي نريد أن ننمّيه؟ وما الأساس الذي يمنح التنمية معناها وغايتها؟
لا تبدأ الإجابة عن هذا السؤال من الاقتصاد، ولا من العلوم الاجتماعية، بل تبدأ من اللاهوت؛ من فهم الإنسان في ضوء قصد الله، ومن فهم رسالة الكنيسة في العالم؛ فاللاهوت المسيحي لا يتعامل مع الإنسان بوصفه موردًا اقتصاديًّا أو عنصرًا في معادلة التنمية، بل بصفته محور اهتمام الله وغايته. ومن هنا، فإن كل عمل تنموي لا ينطلق من كرامة الإنسان، ولا يسعى إلى تحرير طاقاته، ولا يعزز قدرته على المشاركة في بناء حياته ومجتمعه، يفقد روحه، مهما بلغت إمكاناته أو تنوعت برامجه. فليست التنمية في جوهرها مشروعًا لإدارة الفقر، بل مشروعًا لاستعادة الإنسان.
هذه الرؤية هي التي تفسر التحول العميق من مفهوم الإحسان إلى مفهوم التمكين؛ فالإحسان، على قيمته الأخلاقية والإنسانية، يستجيب لاحتياج حاضر، لكنه لا يضمن بالضرورة تغيير المستقبل. أما التمكين، فهو فعل إيمان بقدرات الإنسان التي أودعها الله فيه، وإيمان بأن الإنسان يستطيع أن يشارك في تغيير واقعه متى امتلك المعرفة، والمهارة، والفرصة، والمسؤولية.
وانطلاقًا من هذا، فإن خدمة الإنسان ليست نشاطًا موازيًا لرسالة الكنيسة، بل جزءٌ أصيلٌ منها. فالكنيسة لا تُستدعى إلى العالم لكي تنعزل عنه، وإنما لتكون حاضرة في قلبه، شاهدة لمحبة الله عبر خدمة الإنسان بكل أبعاده. وهذه الرؤية تتجاوز الثنائية التقليدية التي فصلت أحيانًا بين الكرازة والعمل الاجتماعي، أو بين خلاص النفس والاهتمام بقضايا المجتمع.
وتبرز هذه الإشكالية بوضوح عند التعامل مع مفهوم ملكوت الله ورسالة الكنيسة، فالخلاص لا يجب أن يُختَزل في بعده الفردي أو الأخروي وحده، ورسالة الإنجيل تشمل الإنسان كله؛ الإنسان الذي يعيش اليوم في المجتمع، كما تشمل رجاءه الأبدي. ومن ثم، فإن العمل الاجتماعي هو أحد التعبيرات الأصيلة عن حضور ملكوت الله في الواقع الإنساني، حيث تُترجم المحبة إلى عدالة، والإيمان إلى مسؤولية، والرجاء إلى عمل يغيّر حياة الناس.
وانطلاقًا من هذا الفهم، يصبح الإنسان هو نقطة البداية في كل جهد تنموي. فالتنمية الإنسانية هي “تنمية الناس، ومن أجل الناس، وبواسطة الناس”. وهذه العبارة ليست تعريفًا إجرائيًّا للتنمية فحسب، بل تعكس رؤية أنثروبولوجية ولاهوتية عميقة؛ إذ تؤكد أن الإنسان ليس موضوعًا للتنمية، بل هو صانعها وهدفها في آن واحد. ولهذا فإن التنمية الحقيقية لا تُفرض على المجتمعات من الخارج، بل تنبع من وعي الإنسان، ومن قدرته على المشاركة، ومن إيمانه بأنه مسؤول عن مجتمعه ومستقبله.
ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن تتطور مناهج العمل التنموي تدريجيًّا من تقديم الخدمات المباشرة إلى تنمية المجتمع، ثم إلى بناء القدرات، ثم إلى التنمية المرتكزة على الحقوق، وصولًا إلى التنمية القائمة على المتانة والمرونة المجتمعية. فهذا التطور لا يعكس فقط تغيرًا في الأدوات، بل يكشف عن تطور في فهم الإنسان نفسه. فكلما تعمق الوعي بقيمة الإنسان، ازداد الابتعاد عن النظرة التي تحصره في كونه مستفيدًا من الخدمات، واتسعت الرؤية التي تعدُّه شريكًا في صنع التغيير.
وتكتسب هذه الرؤية بعدًا لاهوتيًّا أعمق عندما ندرك أن الله، في الإعلان الكتابي، لم يخلق الإنسان ليعيش في التبعية أو العجز، بل ليكون مسؤولًا، ومشاركًا، ووكيلًا أمينًا على الحياة والخليقة. ولذلك فإن كل ممارسة تنموية تعزز المشاركة، وتنمي المسؤولية، وتوقظ روح المبادرة، إنما تتسق مع هذا القصد الإلهي. وعلى العكس، فإن كل ممارسة تُرسخ الاعتمادية، أو تُضعف المبادرة، أو تحول الإنسان إلى متلقٍّ سلبي، تبتعد عن هذا المقصد، حتى وإن حملت عنوان العمل الخيري.
ومن هنا نفهم لماذا لم تتوقف خبرة الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية عند تقديم الخدمات، بل جعلت التمكين هو فلسفتها الأساسية. فالغاية لم تكن مجرد تحسين الظروف المعيشية، وإنما الارتقاء بنوعية الحياة، وبناء الإنسان، وتعزيز قيم العدل والمساواة والمواطنة، وتقديم الخدمات لجميع المواطنين دون تمييز بسبب الدين أو الجنس أو المعتقد. إن هذا الالتزام لا ينبع فقط من رؤية تنموية حديثة، بل من قناعة لاهوتية بأن الإنسان، أيًّا كان انتماؤه، هو موضوع محبة الله، وأن خدمته هي تعبير عن الإيمان نفسه.
إن الكنيسة، وهي تخدم الإنسان، لا تسأل أولًا عن هويته الدينية أو الاجتماعية، بل ترى فيه إنسانًا، مخلوقًا على صورة الله، يحتاج إلى أن تُصان كرامته، وأن تُستعاد قدرته، وأن تُتاح له فرصة المشاركة في صناعة مستقبله.
ويبدأ التأصيل اللاهوتي للتنمية من حقيقة واحدة: أن الإنسان هو خليقة الله، وأن خدمته ليست واجبًا اجتماعيًّا فحسب، بل استجابة لإرادة الله في العالم. ومن هذه الحقيقة تنطلق كل المفاهيم الأخرى: التمكين، والعدالة، والمشاركة، والمواطنة، والحقوق، وبناء المجتمع. فهذه ليست مجرد مصطلحات تنموية، بل تعبيرات مختلفة عن رؤية لاهوتية واحدة تجعل الإنسان، بكل كرامته وإمكاناته، في قلب رسالة الكنيسة ورسالة التنمية.
وإذا كانت كرامة الإنسان هي نقطة الانطلاق في الرؤية اللاهوتية للتنمية، فإن العدالة هي الإطار الذي تتحقق فيه هذه الكرامة على أرض الواقع. فالإيمان المسيحي لا يكتفي بالإعلان عن قيمة الإنسان، بل يدعو إلى إقامة علاقات ومؤسسات وسياسات تُجسِّد هذه القيمة في حياة الناس. ولهذا لا يمكن فصل التنمية عن العدالة، ولا يمكن فهم رسالة الكنيسة بمعزل عن مسؤوليتها تجاه المجتمع الذي تعيش فيه.
إن التحول الذي شهده الفكر التنموي في خلال العقود الأخيرة لم يكن مجرد انتقال من منهج إلى آخر، بل كان انتقالًا من الاهتمام باحتياجات الإنسان إلى الاهتمام بحقوقه. وهذه النقلة تعبِّر في جوهرها عن رؤية أخلاقية ولاهوتية ترى أن الإنسان لا ينبغي أن يبقى في موقع المتلقي الدائم للمعونة، بل ينبغي أن يصبح شريكًا كاملًا في صناعة مستقبله، وقادرًا على المطالبة بحقوقه، والمساهمة في اتخاذ القرارات التي تمس حياته.
وهذا الفهم يجد جذوره في اللاهوت المسيحي ذاته. فالله، في علاقته بالإنسان، لا يعامله بوصفه تابعًا فاقد الإرادة، بل شريكًا مسؤولًا. ولذلك فإن كل ممارسة تُعيد للإنسان صوته، وتُنمِّي قدرته على المشاركة، وتُخرجه من دائرة التهميش، هي ممارسة تنسجم مع المقصد الإلهي. فالتمكين ليس مجرد تقنية تنموية، بل هو تعبير عن احترام الإنسان بوصفه كائنًا حرًّا ومسؤولًا، قادرًا على اتخاذ القرار والمشاركة في صناعة الخير العام.
ويلتقي هذا الفهم بصورة عميقة مع مفهوم ملكوت الله؛ فالملكوت ليس انسحابًا من العالم، ولا انتظارًا للمستقبل فقط، بل هو حضور لقيم الله داخل التاريخ، حيث تتجسد المحبة في العلاقات الإنسانية، وتُترجم البركات الروحية إلى مسؤولية اجتماعية، ويصبح الدفاع عن الكرامة الإنسانية جزءًا من الايمان
ولهذا فإن التنمية، في منظور الإيمان، ليست مشروعًا اقتصاديًّا فحسب، بل هي رسالة مصالحة؛ مصالحة الإنسان مع ذاته حين يستعيد ثقته بقدراته، ومصالحة الإنسان مع مجتمعه حين يصبح شريكًا في بنائه، ومصالحة المجتمع مع قيم الحق والعدل التي تجعل الحياة المشتركة ممكنة ومثمرة.
ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه الكنيسة اليوم لا يتمثل في اتساع حجم الاحتياجات، بل في قدرتها على الحفاظ على هذا الفهم اللاهوتي للتنمية. فكلما انحصر العمل الاجتماعي في تقديم المساعدات فقط، فقد جانبًا من رسالته. وكلما تحول إلى نشاط إداري أو مؤسسي مجرد، انفصل عن جذوره الإيمانية أما عندما يبقى الإنسان، بكل أبعاده الروحية والإنسانية والاجتماعية، في قلب الرؤية، فإن التنمية تتحول إلى فعل رجاء، وإلى شهادة عملية لمحبة الله في العالم.
لهذا فإن مستقبل التنمية لا يتوقف على حجم الموارد، بقدر ما يتوقف على وضوح الرؤية. وهكذا، فإن التأصيل اللاهوتي للتنمية ليس محاولة لإضفاء لغة دينية على العمل الاجتماعي، بل هو إعادة اكتشاف الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن الكنيسة ولا عن المجتمع: أن الإنسان هو نقطة التقاء الإيمان بالتنمية، وأن خدمة الإنسان ليست مجرد واجب أخلاقي، بل مشاركة في قصد الله من أجل العالم؛ قصدٍ يرفع الإنسان، ويصون كرامته، ويؤهله ليكون شريكًا في صناعة مستقبل أكثر عدلًا، وأكثر سلامًا، وأكثر إنسانية.
اسم الكاتب: محسن منير.
يقدم هذا العدد «التأصيل اللاهوتي للتنمية وخدمة الإنسان» في مقالاتٍ عميقة.
يفتتح العدد الفاضل الدكتور أندريه، رئيس التحرير، بشرح فكرة أن التنمية الحقيقية، في منظور الإيمان المسيحي، ليست مجرد أرقامٍ اقتصاديةٍ أو مشروعاتٍ خدمية، بل هي مشروعٌ قِيَمِيٌّ يستهدف استعادة الإنسان وصون كرامته التي أرادها الله له. ويؤكد أن التحول الجوهري من ثقافة الإحسان التقليدي إلى فلسفة التمكين والمشاركة يعكس فهمًا لاهوتيًّا عميقًا للإنسان كشريكٍ مسؤولٍ وصانعٍ للتغيير، وليس مجرد متلقٍّ سلبي. وتظل الكنيسة، من خلال مؤسساتها، كالهيئة القبطية الإنجيلية، ملتزمةً بخدمة المجتمع دون تمييز، ترجمةً عمليةً لقيم ملكوت الله المتمثلة في العدالة والمحبة. وفي النهاية، يبقى الإنسان هو الركيزة الأساسية ونقطة الالتقاء الجوهرية التي يتكامل فيها الإيمان مع العمل التنموي؛ لبناء مستقبلٍ أكثر عدلًا وإنسانية.
وتحت عنوان «صورة الله في الإنسان في الكتاب المقدس– المعنى والمضامين»، يقدم د. نقولا أبو مراد شرحًا عميقًا وتفصيليًّا وشاملًا للنص الكتابي: «لنصنعن إنسانًا على صورتنا كشبهنا» (تكوين 1: 26). والذي يعبر عن مقصد الله من خلق الانسان، موضحًا كيف أنه في إتمامه تحقق الهدف منه. وفي خاتمه المقال يقدم السند والخلفية لهذه الدعوة الإلهية.
وتحت عنوان “لاهوت التنمية الاجتماعية في الكنيسة الأولى” يقدم الأستاذ/ أمجد بشارة مقالًا غزيرًا يشرح فيه ما هو لاهوت التنمية؟ تحت العناوين التالية:
١) لاهوت التنمية عند الآباء
٢) من العهد الجديد
٣) تأكيد على الممارسة والعمل
٤) حجز أجر العامل وقداسة الضعفاء
٥) البنية الطبقية للمجتمع ومشيئة الله
٦) تأثير أوغسطينوس في الفكر الاجتماعي
وتحت عنوان «صورة الله في الإنسان، بحسب الفكر الإنجيلي المصلح»، يقدم القس سهيل مسعود شرحًا شاملًا لهذا الموضوع، انطلاقًا من أن صورة الله في الإنسان هي الميزة التي تميزه عن سائر المخلوقات. ويرى أن النقطة الفاصلة التي أدت إلى تكوين مفاهيم مختلفة بين الكنائس المسيحية حول حالة الإنسان تتمثل في السؤال: «ما الأثر الذي تركه سقوط آدم في الخطية على صورة الله في الإنسان؟».
تحت عنوان «التنمية والعدالة الاجتماعية من منظور كتابي لاهوتي»، تقدم د. ڤينيس نقولا بحثًا عميقًا ومختصرًا، موزعًا على ثلاثة عناوين رئيسة: ١) ما القصة؟ ٢) ما العدالة الاجتماعية؟ ٣) مسؤولية الكنيسة (في الجانب العلمي والعملي).
يقدم القس جرجس جورج بحثًا عميقًا بعنوان «اللاهوت البيئي (الإيكوثيولوجيا) في ليتورجيا الكنيسة: نحو وعي روحي ومسؤولية تجاه الخليقة». ويتناول البحث خمسة عناوين رئيسة: ١- الأهمية، ٢- الإيكوثيولوجيا والليتورجيا في الكنيسة المشيخية المصرية، ٣- الإيكوثيولوجيا: التفسير والقضايا اللاهوتية، ٤- الليتورجيا في الكنيسة الإنجيلية المشيخية، ٥- تحليل نقدي لليتورجيا الإيكوثيولوجية في الكنيسة الإنجيلية المشيخية. وفي الختام، يطرح نموذجًا لليتورجيا مستلهمًا من الرؤية الإيكوثيولوجية، يدمج بين العبادة والوعي البيئي.
وفي دراسةٍ عميقةٍ ومهمةٍ جدًّا، تناقش الدكتورة سامية قدري إشكالية تحول التدين في المجتمع من طاقةٍ روحيةٍ دافعةٍ للبناء والإنتاج إلى نمطٍ شكلي وطقوسي مفرغ من المضمون الأخلاقي والقيمي. ويتسبب هذا التدين المظهري في خلق «ضميرٍ مزيف»، يمنح الأفراد شعورًا زائفًا بالرضا النفسي والنجاح الأخلاقي بمجرد أداء الشعائر والعبادات الخارجية، حيث يؤدي هذا الانفصام السلوكي إلى ممارساتٍ سلبية، كالرشوة والفساد، والتحلل من الأمانة وإتقان العمل، مما يحول الدين إلى عائقٍ بنيوي أمام التنمية. وتنعكس تداعيات هذا النمط سلبًا على مختلف أبعاد المجتمع، من خلال تعطيل الإنتاج الاقتصادي، وتهميش دور المرأة اجتماعيًّا، وقتل روح المبادرة والابتكار نفسيًّا.
تحت عنوان «إدارة المعرفة والتنمية»، يقدم الدكتور محمد رؤوف حامد مقالًا عميقًا وغزيرًا، يعبر فيه عن تقديره لمجلة «النسور» والقائمين عليها لاهتمامهم بمسألة «إدارة المعرفة والتنمية». ثم يبدأ رحلةً طويلةً وعميقةً مع القارئ عبر أربع خطوات، هي: ١) الوصول إلى نظرية التقدم الأسمى، ٢) المعرفة… لماذا؟ والتنمية… كيف؟ ٣) الإبداع المجتمعي، وليس مجرد التعايش المشترك، ٤) الإشكاليات المتداخلة سلبًا مع دور المعرفة في التنمية.
وتحت عنوان «فكر التنمية السياسية في المجال العام: أبراهام كايبر أنموذجًا»، يقدم د. ق. موريس يوسف، راعي الكنيسة المشيخية بلاكرسانتا، لوس أنجلوس، كاليفورنيا، بحثًا عميقًا ومختصرًا. ويبدأ بتعريف القارئ بأبراهام كايبر، ثم يعلن أن السؤال الذي تجيب عنه هذه الدراسة هو: ما الذي جعل أبراهام كايبر، وهو اللاهوتي الكالفيني المجدد والأستاذ الجامعي، ينشغل بفكر التنمية السياسية في المجال العام؟ وما الأسس اللاهوتية التي بنى عليها كايبر دعوته إلى العمل السياسي؟ ويرى الكاتب أن هذه الأسس ثلاثة، ثم يشرحها، وهي: أ) عقيدة سلطان الله المطلق، ب) عقيدة النعمة العامة، ج) علاقة الإنجيل بالحضارة.
يقدم د. سامح فوزي مقالًا مركزًا وشاملًا وعميقًا. وفي البداية يوضح أن التنمية، في أبسط معانيها، تعني التغيير الاجتماعي إلى الأفضل، وأن عنوانها الأساسي هو الحد من الفقر بكل تبعاته. ويبدأ بتعريف التنمية، ثم يستعرض نظريتين للتنمية، ويقدم بعد ذلك شرحًا لفكر الاستدامة، ثم يتناول مفهوم التنمية المستدامة. ثم يقدم إجابةً عن سؤالٍ مهم: «لماذا يتصدر الفقراء التنمية؟». كما يقدم شرحًا لمفهوم «التنمية متعددة الأبعاد»، ويستعرض فيه الأهداف السبعة عشر للتنمية المستدامة، ثم يبلور أهم سمات هذه الأهداف في أربع سمات.
تحت عنوان «الانحياز اللاهوتي للمستضعفين»، يقدم جناب الشيخ جورج إجابةً شاملةً وعميقةً عن سؤالٍ لاهوتي عميق: «هل يمكن أن يوجد لاهوت تحرير عربي متجذر في واقع الظلم والاستبداد، دون أن يفقد جوهر النعمة والسيادة الإلهية كما فهمها اللاهوت الكالفيني؟». ثم ينطلق، بعد الإجابة عن هذا السؤال، إلى تطبيقٍ مُلح حول كيفية حفاظ الكنيسة العربية على ولائها للإنجيل، وفي الوقت نفسه انحيازها إلى الضعفاء، ويعرض ذلك تحت أربعة عناوين أساسية:
١) النعمة العامة وفك الاشتباك بين الخلاص والإصلاح.
٢) نطاق السيادة، بوصفه حصنًا ضد الاستبداد والتهميش.
٣) المقاومة التشريعية عبر «الوكلاء الشرعيين» وأَنسنة القوانين.
٤) أنثروبولوجيا الصورة الإلهية، بوصفها بديلًا لاهوتيًّا للصراع الطبقي.
وفي مقالٍ للقسيس بيتر وديع، يشرح لنا، بأسلوبٍ بسيطٍ وعميق، أن مفهوم «التنمية» في فكر الملكوت يتجاوز مجرد تحسين ظروف المعيشة، ليصل إلى «استرداد الكرامة» وإعادة المبعدين إلى قلب الجماعة. ويرى أن قراءة موقف المسيح من الفئات المهمشة ليست مجرد استرجاعٍ تاريخي، بل هي الأساس المعياري لأي فكرٍ تنموي مسيحي معاصر يسعى إلى تحقيق العدالة واسترداد «صورة الله» في الإنسان، التي شوهتها الهياكل الطبقية والدينية والاجتماعية.
تحت عنوان «الكنيسة الكاثوليكية في مصر: من الإحسان إلى التنمية الإنسانية المستدامة»، تكتب د. ماريان منير مقالًا عمليًّا يتناول التحول الذي شهدته الكنيسة الكاثوليكية في مصر نحو نموذج التنمية الإنسانية المستدامة. وتعرض الدراسة ذلك تحت العناوين الرئيسة التالية: «نطاق البحث»، و«إشكالية البحث»، و«أهداف البحث»، و«منهجية البحث»، و«خدمة الجميع دون تمييز»، و«الارتباط بأهداف التنمية المستدامة دون فقدان الخصوصية الكاثوليكية».
يقدم د. رامي عطا صديق، في مقاله بعنوان «من رواد التنمية والعمل المسكوني.. الأنبا صموئيل (١٩٢٠–١٩٨١)»، عرضًا غزيرًا وعميقًا للدور الفاعل والعميق الذي قام به نيافة الأنبا صموئيل. يبدأ بعرض مختصر وعميق عن نشأته ودراسته في الخارج ورسامته أسقفًا ووفاته ورحيله. ثم إنجازات نيافة الأنبا صموئيل في الأسقفية في العمل المسكوني، والدور الوطني لنيافته. ثم يعرض مجالات عمل أسقفية الخدمات في الصحة والتعليم، التنمية الاقتصادية، الاستدامة البيئية، تطوير القدرات، بناء السلام، دعم اللاجئين، وخدمة “قم وامشِ” لرعاية ذوي الإعاقة، والعمل المناخي، وخدمة أغابي، وتمكين المرأة. ثم يختم المقال بملخص يؤكد الدور الجاد والمتميز والفعال الذي قام به نيافة الأنبا صموئيل.
يقدم القس عيد صلاح رؤيةً رعويةً وعمليةً تحت عنوان «اجتماعات أخوة الرب: من الإغاثة إلى التنمية ومن العزلة إلى الاندماج»، متبعًا المنهج التحليلي القائم على الرصد والوصف والتحليل، مع الاستفادة من الخبرة الميدانية في العمل الرعوي والاجتماعي. ويطرح ذلك في ثلاثة محاور: ١) الوصف الحالي، ٢) خبرتي الرعوية مع هذه الخدمة، ٣) بعض الحلول: أ- فك الارتباط بين المجيء إلى الكنيسة والدعم المادي، ب- تحول الخدمة من فكر الإغاثة إلى منطق التنمية، ج- التحول من العزلة إلى الاندماج، د- غلق جميع الاجتماعات المسماة «أخوة الرب»، وإنشاء مكاتب للرعاية الاجتماعية.
تقدم د. سامية قدري ملخصًا لكتاب «المجال العام: الحداثة الليبرالية والكاثوليكية والإسلام» في فصوله الأربعة، كما تقدم مقالًا بعنوان «التدين المعطل للتنمية». وبعد مقدمةٍ مختصرة، تتناول الموضوع تحت ثلاثة عناوين: أ) جدل الدين والتدين، ب) أنماط التدين (خمسة أنماط)، ج) تداعيات التدين الشكلي على التنمية.
وبمناسبة حصوله على جائزة صموئيل حبيب للتميز في العمل الاجتماعي، يأخذنا ق. عيد صلاح في رحلةٍ مع الفائز، الدكتور يوسف سمير، في حوارٍ شديد الخصوصية والغنى.
يقدم الشيخ أسامة رشدي أربع شذراتٍ كتابيةٍ عميقةٍ وعمليةٍ ومختصرة، تحت أربعة عناوين: «همسة عتاب»، و«عند قدميه»، و«جاري البحث»، و«جواهر ثمينة».
في ملحق العدد، وتحت عنوان «التنمية وقضايا المجتمع المصري»، يقدم القس عيد صلاح قراءةً تحليليةً عميقةً في وثيقة الرأي الصادرة عن «الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية» بمناسبة مرور ٧٥ عامًا على إنشائها. ويبدأ بتعريف الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، ثم يستعرض الفلسفة التي انطلقت منها في عملها وخدمتها، قبل أن يعرض الخدمات التي تناولتها الوثيقة عبر مسيرة الهيئة في مصر، ويبلورها فيما يلي:
١) ملخص تحليلي ويشمل القضايا الرئيسية في الوثيقة.
٢) ما تميزت به الوثيقة ويبلورها في:
أ. الشمولية وتعدد القضايا وتنوعها
ب. الانسجام مع الأجندة الوطنية والدولية في إطار الفكر التنموي
٣) في التقييم العام يضع القس عيد (١٠) سمات تميزت بها الوثيقة.
اسم الكاتب: د. نقولا أبومراد
اسم الكاتب: أمجد بشارة
اسم الكاتب: القس سهيل سعود .
اسم الكاتب: د. فنيس نقولا
اسم الكاتب: جرجس جورج
اسم الكاتب: د. سامية قدري
| إن الأزمة الحقيقية للمجتمعات المتأخرة لا تكمُن في قلة الإمكانات المادية، بل في تحول الأفكار الدينية الحية والديناميكية إلى أفكار ميتة أو قاتلة، تفقد فاعليتها الاجتماعية وتتحول إلى طقوس تُعطل حركة الإنسان بدلًا من دفعها نحو البناء والتنمية. مالك بن نبي |
| يؤدي التدين المظهري الخالي من المضمون الأخلاقي إلى خلق ضمير مُزيف لدى الأفراد؛ حيث يمنحهم أداء الشعائر الخارجية شعورًا زائفًا بالرضا والنجاح النفسي مما يُعطل دافعيتهم للإنتاج الفعلي والابتكار، وتحمل المسؤولية الفردية تجاه أزمات المجتمع الاقتصادية. ماهر صموئيل |
مُقدمة:
يُعد مفهوم التنمية عامة، والتنمية المستدامة على وجه التحديد في العصر الحاضر حجر الزاوية في النهوض الحضاري للمجتمع. فلم تعُد التنمية، مثلما كانت في السابق، مجرد مؤشرات رقمية تقيس النمو الاقتصادي والدخل القومي، بل أصبحت عملية حضارية شاملة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية والنفسية لإطلاق طاقات الإنسان وتمكينه من السيطرة على مقدراته وتطوير بيئته. وفي قلب هذه العملية المُعقَّدة تبرز الثقافة بمكوناتها المختلفة كعامل حاسم؛ إما كقوة محفزة ودافعة للتغيير، أو ككابح يعيق التحديث. ويأتي الدين بتمظهراته السلوكية المختلفة كأحد أعمق المكونات الثقافية تأثيرًا في صياغة عقلية الأفراد وتوجيه سلوكهم اليومي والانتاجي.
ويُعَدُّ التمييزُ بين الدين في صفائه النصي وقِيَمِه العُليا، وبين التديُّن بوصفه نمطًا من الممارسة البشرية والاجتماعية، مدخلًا مهمًّا لفهم إشكالية التخلُّف الحضاري. فبينما تحثُّ الأديان على إعمار الأرض، وإتقان العمل، وتحصيل العلم، والالتزام بالعدالة والأمان، فإن أنماط التديُّن الواقعية المشوَّهة قد تنحرف بهذه المقاصد إلى مساراتٍ مخالفة. ومن هنا يبرز مصطلح «التديُّن المُعطِّل للتنمية»؛ ليفكِّك تلك البنية السلوكية والفكرية التي تُحوِّل الطاقة الروحية للإيمان من طاقةٍ إنتاجية إلى آليةٍ لتبرير العجز والركود.
إن هذا النمط من التديُّن لا ينبع من جوهر الدين، بل هو نتاج تأويلاتٍ مجتزأة، وسياقاتٍ اجتماعية وتاريخية مأزومة، أنتجت سلوكياتٍ اتكالية، وزهدًا سلبيًّا، وانشغالًا مُفرطًا بالشكليات والجزئيات الطقوسية على حساب الكليات والمقاصد التنموية الشاملة. وتتجلَّى خطورة التديُّن المُعطِّل في قدرته على صياغة «ضميرٍ مُزيَّف» لدى الفرد والمجتمع؛ إذ يمنح السلوكُ المظهري الخالي من المضمون القيمي شعورًا زائفًا بالرضا النفسي والنجاح الأخلاقي، مما يُغني الفردَ عن تحمُّل مسؤولياته الحقيقية تجاه قضايا المجتمع. وينعكس هذا التشوُّه النفسي والمعرفي مباشرةً على مجمل المؤشرات التنموية.
إن العلاقة بين الدين والبشر علاقةٌ أبدية؛ فالدين هو الذي يُشكِّل سلوك البشر، ويمنحهم قيمًا ومعانيَ لحياتهم وخبراتهم عبر طقوسهم التي يحافظون عليها، ويُشكِّلون من خلالها هويتهم. إذًا، فالدين حاضرٌ حضورَ الوجود نفسه، وهو يتجلَّى عبر معتقداتٍ ثابتةٍ مثاليةٍ لها طابعٌ نهائيٌّ لا مراجعة فيه، مع قابليتها للفهم والتأويل المتجددين. وبهذا الحضور، لم يُصبح الدين، كما يتجلَّى في الواقع، هو الدين بصبغته المعيارية التي توجد في النصوص المقدسة، بل أصبح تديُّنًا يخضع لتفسيراتٍ وتأويلاتٍ عديدةٍ للنصوص الدينية، ويخضع، في الوقت نفسه، لحوارٍ مع التراث الثقافي القائم في المجتمعات والمتوارث منذ القدم. وطالما أن البشر يتسمون بالتعدد والاختلاف في استعداداتهم واتجاهاتهم وميولهم ومعارفهم، فإنهم، بالضرورة، سيختلفون في طرائق تديُّنهم. وهي طرائق تتدرج على متصلٍ يمتد من التديُّن السلبي البسيط إلى التديُّن المتشدد، وتزداد تنوعًا وتشابكًا مع تقاطعات الإقليم، والطبقة، والنوع، والعمر… إلخ. ومن ثم، يُفرز هذا التنوع أشكالًا مختلفةً من الخطاب الديني، قد تكون متصارعةً في بعض الأحيان، كما يُفرز نخبًا دينيةً منتجةً لهذه الخطابات، وناشرةً لها، ومدافعةً عنها. وفي جميع الأحوال، فإن أشكال التديُّن هذه، وكذلك هذه الخطابات، تُنتَج في سياقٍ اجتماعي وتاريخي معين.
هذا، وقد شهد المجتمع المصري، منذ عقودٍ مضت، تغيراتٍ على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، نجم عنها ظهورُ ظواهرَ لم يعهدها المجتمع من قبل، على الأقل في تاريخه الحديث. ولعلَّ واحدةً من هذه الظواهر هي الحالة الدينية، أو تحديدًا: حالةٌ من التديُّن تُثير الدهشة والأسف، وتناقض الحالة التي كان عليها المصريون على مدار التاريخ؛ إذ نجد الفرد حريصًا أشدَّ الحرص على تفاصيل العبادة وشكلياتها، ممتلئًا بالغيرة على المظهر الديني، ولكنه، في الوقت ذاته، لا يجد حرجًا في تعطيل مصالح الناس، أو التحلُّل من أمانة العمل وإتقانه، أو ممارسة الغش بمختلف صوره تحت مسمى «مساعدة المحتاج»، أو الرشوة تحت مسمى «الحسنة» أو «الإكرامية»، وغيرها من السلوكيات والممارسات التي تُنتج حالةً من الانفصام الأخلاقي والعملي. وقد لا يبدو هذا الانفصام مشكلةً إذا كان مجرد سلوكٍ فرديٍّ عابر، لكن عندما يتكرر هذا السلوك ملايين المرات، يتحول إلى مشكلةٍ بنيوية، وإلى تعبيرٍ عن بيئةٍ فكريةٍ مجتمعيةٍ مأزومة، تُنتج مجتمعًا متدينًا ظاهريًّا، وشكليًّا، أو طقوسيًّا، وعاطلًا عن الإنتاج والعمل والتنمية في جوهره، أو تُحوِّل التديُّن من قوةٍ دافعةٍ إلى الإتقان وعمارة الأرض إلى تديُّنٍ شكليٍّ مدفوعٍ بأيديولوجياتٍ ثقافيةٍ وسياسية. وفي ظل هذا الوضع المأزوم، يطرح سؤالٌ جوهري: كيف يتحول التديُّن من ملجأٍ روحي إلى أكبر عائقٍ أمام التنمية؟
في مطلع الألفية الثالثة، أجريتُ بحثًا حول «الإصلاح الاجتماعي في الخطاب الديني»، حاولتُ فيه الإجابة عن هذا السؤال؛ فقمتُ بتحليل الخطاب الديني (الإسلامي والمسيحي) الموجَّه إلى الشباب، باعتباره إحدى القوى الاجتماعية التي كانت، ولا تزال، تؤدي دورًا مهمًّا ورئيسًا في عملية الإصلاح (التنمية) بمختلف أشكالها؛ إذ تُعد هذه القوى صانعةً للتاريخ المصري، انطلاقًا من الدور الذي لعبه الدين عبر التاريخ المصري. فعلى الرغم من أن الدين يتسم بالثبات والاستمرارية في أداء الوظائف المنوط بها، فإن هذه الوظائف قد تزداد كثافةً في ظل نظمٍ وأيديولوجياتٍ معينة؛ فالدين الإسلامي والمسيحية المصرية شكَّلا طرفًا رئيسًا في المناظرات والإشكاليات التي دار صداها، ولا يزال، حول التنمية منذ عهد محمد علي، مرورًا بتجربة ثورة يوليو، وصولًا إلى اللحظة الراهنة. وقد اجتاح الخطاب الديني، بمختلف أنماطه ومنتجيه، مجالات الحياة اليومية كافة، والأسواق اللغوية، والرمزية، والسياسية، والثقافية، مما أدى إلى فوضى في إنتاج الخطاب، وإلى بروز قوى دينية، فردية وجماعية، خارج إطار المؤسسة الدينية الرسمية. لقد استخدمت هذه القوى عدة مفاهيم للتعبير عن الإصلاح، والعدالة، والنهضة، والتنمية، والمجتمع المثالي… إلخ، وذلك للتعبير عن الانتقال من وضعٍ قائمٍ غير مرغوبٍ فيه إلى وضعٍ جديدٍ مستهدفٍ الوصول إليه. كما أنها أفرزت صورًا من التديُّن لم يعهدها المجتمع المصري طيلة تاريخه، رغم أنه مجتمعٌ يُشكِّل الدينُ الأساسَ الذي يقوم عليه.
والجدير بالذكر أن هذه الأنماط ليست أنماطًا جامدة، وإنما هي متحولة وقابلة للتغيير وفقًا لتغيُّر السياق؛ إذ ينتقل الأفراد من نمطٍ إلى آخر تبعًا للمناخ الاجتماعي والسياسي العام. فالحقل الديني في مصر يتسم بالمرونة من حيث تواصله مع الحقول الأخرى، السياسية والاقتصادية والثقافية، ويحتفظ بقدرةٍ على تنوع المعاني وتعددها، وتنوع الوظائف التي يؤديها. لذلك، فإن المعتقدات الدينية والرسائل الدينية المختلفة تكتسب معانيَ متعددةً عندما تدخل نطاق الحقول الأخرى؛ إذ تُفسَّر في ضوء السياق الذي تنتشر فيه. ويُفرز الحقل الديني منتجين للمعارف الدينية، كما يُنتج مستهلكين لهذه المعارف، وهم الأفراد العاديون الذين يستهلكون ما يُلقى إليهم من الخبراء، كما يستهلكون المواد الثقافية الأخرى، مُكوِّنين بذلك ما أطلق عليه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو «الهابيتوس الديني»، وهو مجموعة من الاستعدادات والميول والاتجاهات المرتبطة بنمطٍ معينٍ من التديُّن، يكون لها تأثيرها الخاص. إن هذا الهابيتوس الديني في مصر قد حوَّل الدين من ملجأٍ روحي إلى مُعطِّلٍ للتنمية.
لماذا تحول الدين من ملجأ روحي لأتباعه إلى أكبر عائق أمام التنمية؟
اسم الكاتب: د. محمد رؤوف حامد
اسم الكاتب: الدكتور القس/ موريس يوسف
اسم الكاتب: د. ســامــح فـــوزي.
اسم الكاتب: ق. بيتر وديع
اسم الكاتب: د. ماريان منير
اسم الكاتب: د. رامي عطا
اسم الكاتب:المهندس جورج إسحق.
يمرُّ اللَّاهوت العربيّ المسيحيّ بمنعطفٍ فائق الدِّقة والحساسيَّة؛ حيث تتلاقى فيه أبعاد الخلاص الإلهيّ مع تطلعات الانعتاق الاجتماعيّ، وتدخل النِّعمة والعدالة في حوار جدليّ يربط بين السَّماء والأرض. ورغم أنَّ نبتة هذا السِّجال تضرب بجذورها عميقًا في نصوص العهدين القديم والجديد، إلَّا أنَّ تجسّده المعاصر اتّخذ مسارًا متفرّدًا، لارتباطه الوثيق بالهزات السياسيَّة والتَّحولات المجتمعيَّة التي شهدتها المنطقة العربيَّة، ولا سيما في فضاء القضيَّة الفلسطينيَّة وسياقها الضَّاغط. يحاول هذا المقال تقديم إجابة لسؤال لاهوتيّ عميق: هل يمكن أن يوجد لاهوت تحرير عربيّ متجذِّر في واقع الظُّلم والاستبداد، دون أن يفقد جوهر النِّعمة والسِّيادة الإلهيَّة كما فهمها اللَّاهوت الكالڨينيّ؟ وينطلق منه إلى تطبيق مُلِحٍّ يطرح نفسه أيضًا سؤالًا على الكنيسة العربيَّة في سياقها الرَّاهن: كيف يمكن للكنيسة العربيَّة أن تحافظ على ولائها للإنجيل، وفي الوقت نفسه تنحاز للضّعفاء؟[1]
سياقات التَّحرير: من أمريكا اللَّاتينيَّة إلى الجغرافيا العربيَّة
نشأ لاهوت التَّحرير في الأصل في أمريكا اللَّاتينيَّة مع جوستافو جوتييريز وليوناردو بوف، بوصفه ردًّا روحيًّا ولاهوتيًّا على البؤس الاجتماعيّ والاستغلال الطَّبقيّ والاستعمار الجديد. رأى جوتييريز أنّ الله ينحاز إلى الفقراء، وأنّ الخلاص في الكتاب المقدَّس لا يقتصر على الرُّوح، بل يشمل الإنسان في جسده ومجتمعه وتاريخه.[2] غير أنّ هذا الخط اللَّاهوتيّ حين انتقل إلى العالم العربيّ، تكيّف مع بيئة تختلف في عمقها السِّياسيّ والدِّينيّ. فالتَّحرر هنا لا يرتبط فقط بالفقر الاقتصاديّ، بل بالاحتلال وفقدان الأرض وتهميش الهُويَّة وتقييد الحُرِّيات داخل منظومات تشريعيَّة واجتماعيَّة مُركّبة.
في قلب هذا السَّياق، ظهر عدد من اللَّاهوتيين العرب الذين سعوا إلى صياغة رؤية مسيحيَّة للتَّحرير متجذّرة في أرض فلسطين والعالم العربيّ. لعلّ أبرزهم نعيم عتيق في كتابه “لاهوت التَّحرير الفلسطينيّ” A Palestinian Theology of Liberation، الذي قدَّم فيه قراءة فلسطينيَّة للكتاب المقدَّس ترى المسيح مُحرِّرًا للإنسان والتَّاريخ معًا، ومؤكدًا أنّ العدل ليس خيارًا سياسيًا بل فعلًا لاهوتيًّا أصيلًا.[3] وكذلك مِتري الرَّاهب، الذي أعاد قراءة نصوص الكتاب المقدَّس بعين فلسطينيَّة، مؤكدًا أنّ التَّجسُّد الإلهيّ يقدّس الجغرافيا ويُحوّل الأرض إلى مكان للشِّهادة.[4] ومعهما برزت أصوات عربيَّة أخرى، في لبنان ومصر والأردن، حاولت أن توازن بين الالتزام الوطنيّ والعمل الكنسيّ، بين الرُّوح والواقع.
موازين الكالفينيَّة: حذر لاهوتيّ ومرجعيَّة أصيلة
لكنّ اللَّاهوت الكالڨينيّ ينظر إلى هذه المحاولات بحذر نقديّ. فالكالڨينيَّة، في عمقها، ترى أنّ الله هو السَّيّد المُطلق على التَّاريخ، وأنّ كل ما يجري في العالم لا يخرج عن دائرة العناية الإلهيَّة. السِّيادة الإلهيَّة ليست دعوة إلى السَّلبيَّة، بل تأكيد أنَّ التَّحرير الحقيقيّ يبدأ من الدَّاخل، من تحرير الإنسان من عبوديَّة الخطيَّة قبل عبوديَّة الأنظمة. يرى كالڨن أنَّ العدالة الاجتماعيَّة، مهما بلغت قوتها، تظل ثمرة لنعمة الله في القلب، لا ثمرة لصراع بشريّ. فالإنسان لا يستطيع أن يُقيم ملكوت الله على الأرض إلَّا بقدر ما يخضع هو نفسه لملكوت الله في ذاته.[5]
ما يُميّز الرُّؤية الكالڨينيَّة في هذا المجال، هو هذا التَّوازن بين النِّعمة والعمل. فالنِّعمة تسبق العمل وتُؤسِّسه، والعمل يأتي استجابة لها لا بديلًا عنها. لهذا رفض اللَّاهوت الكالڨينيّ كلَّ محاولة لتحويل الخلاص إلى مشروع سياسيّ أو اجتماعيّ مستقل عن الفداء في المسيح. فالكنيسة مدعوة إلى أن تكون خميرة في العجين، لا حزبًا سياسيًا في البرلمان. ومع ذلك، لا ينفي هذا اللَّاهوت ضرورة مواجهة الظّلم، بل يدعو إلى أن يكون الدِّفاع عن المظلومين فعل عبادةٍ، لأنّ العدالة تَجَلٍّ لإرادة الله في التَّاريخ.[6]
أصبح هذا التَّوازن أكثر تعقيدًا في السِّياق العربيّ، بسبب البنية القانونيَّة والاجتماعيَّة التي يواجهها المسيحيون. فالميراث، والأحوال الشَّخصيَّة، وحقوق المرأة، والمواطنة، كلها ميادين اختبار لمدى تفاعل الكنيسة مع قضايا العدالة الاجتماعيَّة. ففي الأردن، وافقت المجالس الكنسيَّة في عام 2023 على مشروع قانون يمنح المساواة بين الرَّجل والمرأة في الميراث ضمن الإطار المسيحيّ، خطوة عُدّت تحوّلًا في التّفكير الكنسيّ العربيّ تجاه مفهوم العدل كمطلب إيمانيّ وليس سياسيًا فحسب.[7] وفي مصر، رفعت نساء قبطيَّات قضايا للمطالبة بتطبيق قوانين الميراث المسيحيَّة بدلًا من القوانين المستندة إلى الشَّريعة الإسلاميَّة، فبرزت إشكاليَّة التَّوازن بين المُواطنة والمعتقد.[8] أمَّا في فلسطين، فإن لاهوت التَّحرير يتَّخذ بُعدًا وطنيًا؛ إذ يربط التَّحرُّر السِّياسيّ بحقّ العودة وبالكرامة الإنسانيَّة، مؤكدًا أنّ الإيمان لا يمكن فصله عن الأرض والعدالة.[9]
تبدو هذه المواقف الكنسيَّة وكأنَّها تسير في اتجاه رؤية إصلاحيَّة متدرِّجة، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات فكريَّة ولاهوتيَّة. فبعض التَّيارات في لاهوت التَّحرير العربيّ تميل إلى استخدام أدوات تحليل اجتماعيّ واقتصاديّ ذات جذور ماركسيَّة أو قوميَّة، مما يُضعف مرجعيّتها الكتابيَّة في نظر اللَّاهوت الكالڨينيّ. بينما يدعو الفكر المُصْلَح الكالڨينيّ إلى أن تُشتق العدالة من طبيعة الله وصفاته، لا من نظريات الصِّراع الطَّبقيّ أو من إملاءات السُّوق. فالكتاب المقدَّس هو المصدر الأوَّل لكلِّ فهمٍ للعدل، والنِّعمة هي البنية التي تمنح الفعل الأخلاقي شرعيَّته ومعناه.[10]
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أنَّ الدَّعوة المُصْلَحة التي حملها كالڨن في القرن السَّادس عشر كانت في جوهرها “تحريريَّة.” فقد حرّر الضَّمير من سلطة الإكليروس، وربط الإيمان بحريَّة الإنسان أمام الله، وعدَّ العمل الاجتماعيّ امتدادًا للعبادة. لهذا فإنّنا نرى أنَّ اللَّاهوت الكالڨيني قادرٌ على تجديد ذاته في السِّياق العربيّ، بحيث يتبنّى لغة العدالة من دون أن يفقد لاهوت النَّعمة. فالتَّحرير من الظّلم يمكن أن يكون ثمرة التَّبرير، والعدل الاجتماعيّ يمكن أن يُفهم بوصفه استجابة للجسد الواحد الذي يُعيد المسيح تشكيله في الكنيسة والعالم.
من هنا تبرز الحاجة إلى تطوير ما يمكن تسميته “لاهوت التَّحرير المُصْلَح العربيّ.” يُعيد هذا اللَّاهوت ترتيب العلاقة بين العقيدة والعمل، فيضع الخلاص في المركز، لكنّه يُدرك أنَّ النِّعمة التي لا تُترجم عدالةً في المجتمع تبقى عقيمة. يمكن لهذا اللَّاهوت أن ينطلق من ثلاثة محاور:
أولها، أنَّ الكتاب المقدَّس هو المرجعيَّة العُليا التي تُعيد تعريف مفهوم التَّحرير بمعناه الرُّوحيّ والإنسانيّ.
ثانيها، أنَّ الكنيسة ليست كيانًا روحيًّا منعزلًا، بل مسؤولة عن التَّعليم والمناصرة والعمل التَّشريعيّ ضمن حدود الشِّهادة الإنجيليَّة.
ثالثها، أنَّ العدالة الاجتماعيَّة ليست صراعًا ضدّ الله، بل تَجَلٍّ لحضوره في العالم، لأنَّ الرَّبَّ نفسه هو “مُجْرِي الْعَدْلِ وَالْقَضَاءِ لِجَمِيعِ الْمَظْلُومِينَ.” (سفر المزامير 103: 6).
في ضوء ذلك، يمكن النَّظر إلى التَّجارب الفلسطينيَّة واللّبنانيَّة والأردنيَّة والمصريَّة كميادين عمليَّة للاهوت التَّحرير المُصْلَح. في فلسطين، يمثل نضال الكنيسة من أجل الكرامة الوطنيَّة نموذجًا لاهوتيًّا يجمع بين الشِّهادة والرَّجاء. وفي لبنان، حيث تتقاطع الطائفيَّة مع السِّياسة، يمكن للاهوت المُصْلَح أن يُعيد تعريف الحريَّة على أساس الشِّركة لا الامتياز. وفي مصر والأردن، تشكّل قضايا الميراث والمساواة والتَّمثيل البرلمانيّ اختبارًا حقيقيًّا لمدى قدرة الكنيسة على تطبيق العدالة الإنجيليَّة في المجال القانونيّ. هذه الأمثلة لا تُعبّر فقط عن صراع اجتماعيّ، بل عن اختبار لمدى تجسد الإيمان في الفعل التَّاريخيّ.
عُقدة المِنشَار: هل يتعارض الولاء للإنجيل مع الانحياز للضّعفاء؟
يبقى السُّؤال المُلحّ والبالغ الحَرج: كيف يمكن للكنيسة العربيَّة أن تحافظ على ولائها للإنجيل، وفي الوقت نفسه تنحاز للضّعفاء؟ تُمثّل هذه التساؤليَّة “عُقدة المِنشَار” والتَّحدي الأكبر الذي يواجه أي فكرٍ إنجيليٍّ مُصلَح؛ فالخوف التَّقليديّ والمشروع من أنَّ الانحياز الاجتماعيّ والسِّياسيّ للضّعفاء قد ينزلق بالكنيسة نحو لاهوت ليبراليّ يفرغ الإنجيل من محتواه الخلاصيّ والرّوحيّ. بيد أنَّ طرح الإجابة من داخل البيت اللَّاهوتيّ المُصلَح يبرهن بصورة قاطعة على أنَّ الولاء للإنجيل والانحياز للمهمشين ليسا قطبين متنافرين يحتاجان إلى مواءمة أو تسوية أيديولوجيَّة، بل هما التزامان متكاملان ينبعان بشكل عضويّ من صُلب العقيدة المُصلَحة نفسها عبر أربعة محاور تفصيليَّة، هي:
أولًا: النِّعمة العامَّة وفك الاشتباك بين الخلاص والإصلاح
تنبع المخاوف التَّقليديَّة لدى اللَّاهوتيين الإنجيليّين من فكرة الانحياز الاجتماعيّ من هواجس مشروعة تتعلّق بـ “تسييس الخلاص” أو اختزال عمل المسيح الفدائيّ في أُطرٍ ماديَّة زمنيَّة، وهو الانزلاق الذي وقعت فيه بعض تيارات لاهوت التَّحرير الكلاسيكيّ في أمريكا اللَّاتينيَّة. بيد أنَّ الفكر المصلح يمتلك ترياقًا لاهوتيًّا يحسم هذه المعضلة دون الانكفاء على الذَّات أو التّخلي عن المظلومين، ويتمثّل هذا التّرياق في عقيدة “النِّعمة العامَّة” (Common Grace) كما صاغها أبراهام كايپر. تمثل النِّعمة العامَّة عمل الله السِّياديّ المستمر في كبح جماح الفساد الكُلي (Total Depravity) في العالم بعد السّقوط، ورعاية العدالة، ومنح البشر الفضائل المدنيّة والقوانين الصّالحة التي تحمي الخليقة من التّحلل والانهيار.[11] من خلال هذا المنظور اللَّاهوتيّ، لا تحتاج الكنيسة العربيَّة إلى دمج “الخلاص الرُّوحيّ الأخرويّ” بـ “التَّحرير السّياسيّ الماديّ” لتبرير نضالها من أجل المستضعفين، بل تميز بينهما بوضوح، واضعة الخلاص (النِّعمة الخاصَّة) كعمل فريد للمسيح في تجديد القلوب، وهو مركز رسالتها، بينما ترى في الدِّفاع عن المظلوم وتعديل القوانين الجائرة تفعيلًا أمينًا للنِّعمة العامَّة.
يمنح هذا التّمييز الدَّقيق الكنيسة في العالم العربيّ مرونة حركيَّة واسعة للعمل في الفضاء العامّ؛ إذ يرفع عنها الحرج اللّاهوتيّ في التّعاون مع الأطراف غير المسيحيَّة، أو مؤسسات المجتمع المدنيّ، أو الأنظمة التشريعيَّة القائمة، لانتزاع حقوق الفئات المهمَّشة مثل النّسوة المطالبات بالمساواة في الميراث في مصر والأردن، أو حماية العمالة المستضعفة. فالكنيسة هنا لا تدعي أنها “تبني ملكوت الله بأدوات بشريَّة”، بل تعلن أنَّ الله، في نعمته العامّة، يستخدم حتَّى البنى المدنيَّة والقوانين الوضعيَّة لإجراء عدله.[12] هكذا تحافظ الكنيسة على ولائها المُطلق لمركزيَّة الصّليب والخلاص، وفي الوقت ذاته، تنخرط بجرأة في معارك العدالة الاجتماعيَّة كوكيل إلهيّ مكلّف برعاية الأرض وحراسة الحقّ؛ فالكنيسة لا تمارس السياسة لتخليص النفوس، بل تمارس العدالة لأنّ إلهها المخلص هو نفسه رب العدالة والإنصاف.
يقودنا هذا الانخراط الواعي في الفضاء العامّ بوعاء النِّعمة العامَّة، بالضّرورة إلى إعادة ترسيم الحدود بين الكنيسة وبقيَّة مؤسسات المجتمع، لكيلا تذوب الكنيسة في اللّعبة السياسيَّة ولا تنعزل عنها، وهو ما ينظّمه الفكر المُصلَح بدقة عبر هندسة مجتمعيَّة فريدة تُعرف بنطاق السّيادة.
ثانيًا: نطاق السيادة كحصن ضدّ الاستبداد والتّهميش
إذا كانت الكنيسة مُطالبة بالانحياز للضّعفاء دون أن تفقد هويتها الإنجيليَّة، فإن نظرية “نطاق السّيادة” (Sphere Sovereignty) التي طوّرها اللَّاهوت المُصلَح تقدِّم الإطار الهيكليّ الأنسب لتحقيق هذا التَّوازن. تتلخص هذه الرّؤية في أنَّ الله هو صاحب السّيادة المطلقة والوحيدة على كلِّ التّاريخ والكون، وأنَّه قد فوَّض سلطات محدودة ومستقلة لنطاقات مجتمعيَّة مختلفة: فالدّولة لها نطاق السَّيف والعدالة المدنيَّة، والكنيسة لها نطاق الكلمة والأسرار، والعائلة لها نطاق التَّربية والرّعاية، وهكذا؛ بحيث لا يحقّ لأي نطاق أن يتغوَّل على الآخر أو يبتلعه.[13] وفي البيئة العربيَّة التي تتَّسم غالبًا بالمركزيَّة الشَّديدة وتغوّل السلطات السياسيَّة أو الأبويَّة أو حتَّى الدّينيَّة، على الفضاءات الخاصَّة بالأفراد، يصبح هذا المفهوم قوة تحريريَّة هائلة وأداة نقديَّة شرعيَّة في يدّ الكنيسة. إنَّ وَلاء الكنيسة للإنجيل يفرض عليها أن تصرخ في وجه أيَّة سلطة تحاول احتكار السّيادة التي لا تليق إلِّا بالله وحده، وهي تفعل ذلك لحماية المساحات الروحيَّة والمدنية للمهمشين.
بناءً على ذلك، فإن انحياز الكنيسة للمرأة في قضايا الأحوال الشّخصيَّة، أو مساندتها للمستضعفين الذين سحقتهم التّروس الاقتصاديَّة أو القوانين الجائرة، لا يعني تحوّل الكنيسة إلى حزبٍ سياسيٍّ يطمع في السّلطة، بل يعني ممارستها لدورها النَّبوي كـ “ضميرٍ لاهوتيٍّ” يذكِّر الدَّولة بحدودها الممنوحة لها من الله. عندما تطالب الكنيسة بتطبيق المساواة القانونيَّة في الميراث أو التَّبني، فهي لا تخترع لاهوتًا غريبًا عن النَّص، بل تعلن أنَّ نطاق الأسرة والأحوال المدنيَّة يجب أن يخضع للعدل الإلهيّ، وأنَّ الدَّولة لا تملك تفويضًا لاهوتيًا لتشريع الظلم.[14] الكنيسة هنا تحمي المهمَّش ليس عبر الانخراط في صراع هويّات، بل عبر إعادة الأوتاد اللَّاهوتيَّة إلى مواضعها الصَّحيحة؛ ترفض استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وتقف سدًا منيعًا أمام تمدّد الدّولة أو الأعراف السّائدة على حساب كرامة الفرد وصورته الإلهيَّة.
ومع ذلك، فإن هذا الرّفض للتَّغوّل والاستبداد لا يمكن أن يترجم في السّياق المُصلَح إلى فوضى أو ثورة راديكاليَّة تُطيح بالسِلم المجتمعيّ، بل يجد مساره العملي في قنوات شرعيَّة ومؤسسيَّة، رسم معالمها چون كالڨن نفسه من خلال رؤيته لـ المقاومة التَّشريعيَّة.
ثالثًا: المقاومة التَّشريعيَّة عبر “الوكلاء الشَّرعيين” وأنسنة القوانين
لطالما عاب اللَّاهوت الإنجيليّ المحافظ على لاهوت التَّحرير الكلاسيكيّ ميله الجارف نحو الثّورة العنيفة، وتبنيه لأدوات التّغيير الرّاديكاليَّة التي قد تؤدي إلى إراقة الدّماء وتفكيك المجتمعات تحت عباءة “تحرير المظلومين”. هنا يبرز الفكر المُصلَح الكالفينيّ ليقدم نموذجًا مُغايرًا ومُبهرًا في آنٍ واحد؛ إذ لم يكن چون كالڨن يومًا مُهادنًا للظّلم، لكنه قنن آليات مقاومته في كتابه العُمدة أُسس الدّين المسيحيّ، عبر مفهوم “الوكلاء الأدنى” (Magistrates) يرى كالڨن أنَّ مقاومة الطغيان والظلم الاجتماعيّ ليست فوضى شعبويَّة يقودها الأفراد بمفردهم، بل هي واجب لاهوتيّ يقع على عاتق الوكلاء والقضاة الذين أقامهم الله داخل بنيان الدّولة لكبح جماح الحُكَّام الطّغاة وحماية حقوق الشّعب المستضعف.[15] في السياق العربيَّ المعاصر، يترجم هذا الفكر إلى إستراتيجيَّة رصينة للانحياز للمهمشين عبر “المقاومة التَّشريعيَّة والقانونيَّة المستنيرة”.
لكي تحافظ الكنيسة العربية على أمانتها للإنجيل، لا تقود مظاهرات غوغائيَّة ولا تتبنى خطابات تحريضيَّة، بل تقوم بدور أعمق وأكثر استدامة: إنَّها تبني وتؤهل لاهوتيًّا وفكريًّا وقانونيًّا رعيّتها من المحامين، والقضاة، والنّشطاء، والنّواب، وتدفع بهم كـ “وكلاء شرعيين” إلى ساحات القضاء وقاعات البرلمانات ومراكز صياغة القوانين. إنّ دفاع القبطيَّات في مصر أمام المحاكم لتطبيق الدستور والمطالبة بالمساواة في الميراث، أو التّحركات المجمعيَّة الكنسيَّة في الأردن لتعديل القوانين، هي النماذج الحيَّة الممثلة للمقاومة الكالڨينيَّة الدستورية. تنحاز الكنيسة هنا للضّعيف عبر توفير الغطاء اللَّاهوتيّ والفكريّ والمعنويّ لمعارك قانونيَّة طويلة النَّفس تهدف إلى “أنسنة القوانين” وتنقيتها من شوائب التَّمييز والتَّهميش. لا يفرغ هذا المسار الإنجيل من معناه الرّوحيّ، بل يظهره كقوة دافعة للإصلاح المؤسسيّ المُستدام الذي يحمي الضّعيف لا بوعود عابرة، بل بنصوص دستوريَّة وقانونيَّة مُلزمة للجميع.
لكن هذه المعركة القانونيَّة والتَّشريعيَّة الطّويلة، لا يمكن أن تنجح أو تستمد قوّتها الروحيَّة من مجرَّد السّعي وراء مصالح فئويَّة، بل يجب أن تتأسس على نظرة أنثروبولوجيَّة خارقة للعادة، ترى في كلِّ فردٍ مظلوم بعدًا سماويًّا يتجاوز تصنيفات الاقتصاد والسياسة.
رابعًا: أنثروبولوجيا الصورة الإلهيَّة كبديلٍ لاهوتيٍّ للصِّراع الطَّبقيّ
سقط لاهوت التَّحرير التَّقليديّ في فخ الاختزال عندما اعتمد على التَّحليل الماركسيّ الذي يرى الإنسان من خلال “الطبقة الاقتصاديَّة” فقط (بروليتاريا مقابل برجوازيَّة)، مما جعل الانحياز للفقراء انحيازًا ماديًا مشحونًا بالصِّراع والكراهية الطَّبقيَّة. أمَّا لاهوت التَّحرير بالفهم المُصلَح، فيقدِّم بديلًا أنثروبولوجيًّا (علم الإنسان اللَّاهوتيّ) يتّسم بالعمق والقداسة، يرتكز على عقيدة “الإنسان كحامل لصورة الله” (Imago Dei) يشدد الفكر المُصلَح على أنَّ الإنسان، رغم سقوطه وفساد طبيعته بالكامل، لم يفقد بالكليَّة تلك الصِّبغة الإلهيَّة التي تجعل لكرامته وحياته حُرمة مطلقة أمام الله.[16] بناءً على ذلك، فإن الكنيسة العربيَّة عندما تنحاز للضّعفاء —سواء كانوا نساءً يُعانين من تهميشٍ تشريعيّ، أو لاجئين هاربين من ويلات الحروب، أو أقليات مسحوقة— فهي لا تفعل ذلك بناءً على أيديولوجيا سياسيَّة متغيّرة، بل بناءً على حقيقة عقديَّة ثابتة: إنَّ الظّلم الواقع على هذا الإنسان هو إهانة موجهة مباشرة إلى الخالق الذي وضع صورته فيه.
أستطيع أن أقول بملء فمي، إنَّ تهميش الإنسان أو سلبه حقوقه، ليس مجرَّد خللٍ اقتصاديٍّ أو أزمةٍ سياسيَّةٍ، بل هو خطيّةٌ وتطاولٌ جَسور على السّيادة الإلهيَّة. كتب كالـڨن بوضوح: “عندما نرى إنسانًا محتاجًا أو مظلومًا، لا يجب أن ننظر إلى استحقاقه الشّخصيّ، بل يجب أن نرى فيه صورة الله التي تستحق كل حب وإكرام.”[17] هذا التَّأصيل اللَّاهوتيّ يُحرِّر انحياز الكنيسة من فخ الطّائفيَّة الضّيق أو الصِّراع الطَّبقيّ؛ فالكنيسة لا تدافع عن المهمَّش لأنَّه ينتمي إلى دينها أو طبقتها، بل تدافع عنه لأنه يحمل ختم الخالق. هكذا يصبح السّعيّ نحو العدالة الاجتماعيَّة والتَّشريعيَّة في العالم العربيّ فعل عبادة خالصًا، وأمانة مطلقة للإنجيل؛ فالكنيسة التي تغلق عينيها عن أنين المظلومين، لا تخون المجتمع فحسب، بل تخون لاهوتها وعقيدتها في الخلق والفداء، بينما الكنيسة التي تنحاز للمهمش انطلاقًا من صورته الإلهيَّة، تعلن للعالم أنَّ إنجيل النِّعمة هو القوَّة الوحيدة القادرة على رد كرامة الإنسان وتحريره بالكامل.
تتجسَّد القيمة الجوهريَّة لهذه الأطروحات الأربعة في تقديم حلٍّ لاهوتيٍّ حاسمٍ للمُعضلةِ التي أسميناها “عُقدة المنشار؛” وهي التَّحدي الأكبر والخوف التّقليديّ الذي يواجه الفكر الإنجيليّ المحافظ من أنَّ الانحياز الاجتماعيّ للضّعفاء قد ينزلق بالكنيسة نحو لاهوت ليبراليٍّ يفرغ الإنجيل من محتواه الخلاصيّ والروحيّ. ويأتي اختيار هذه المحاور بالذّات ليُبرهنُ بصورةٍ قاطعةٍ على أنَّ الولاء للإنجيل والانحياز للمهمَّشين ليسا قطبين متنافرين يتطلبان مساومة أو تسويَّة أيديولوجيَّة، بل هما التزامان متكاملان ينبعان بشكل عضويّ من صلب العقيدة المصلحة وجوهرها الكالڨيني. فمن خلال تفعيل النِّعمة العامَّة، واحترام نطاق السِّيادة، وتبني المقاومة التَّشريعيَّة الدّستوريَّة، والانطلاق من قدسيّة الصّورة الإلهيَّة، يتحوّل العمل الاجتماعيّ من مجرد نشاط سياسيٍّ عابرٍ إلى فعلِ عبادةٍ أصيلٍ وأمانةٍ مطلقةٍ للنَّصِ الكتابيّ، مما يمنح الكنيسة العربيَّة نموذجًا تحريريًا متزنًا يحمي هويّتها الإنجيليّة ويشهد لسيادة الله في الوقت ذاته.
مآلات اللَّاهوت المُصْلَح العربيّ: إصلاح لا ثورة
من هذا المنطلق، يصبح لاهوت التَّحرير العربيّ دعوة مزدوجة: دعوة إلى التَّوبة قبل الثَّورة، وإلى الإصلاح قبل التَّغيير. إنَّ الإصلاح الكالڨينيّ حين يلتقي بنداء التَّحرير الفلسطينيّ، يمكن أن ينتج لاهوتًا عربيًا جديدًا يربط بين النِّعمة والحريَّة، بين الخلاص الشَّخصيّ والعدالة العامَّة. فالتَّحرير الحقيقيّ هو أن يتحرَّر الإنسان من الخطيَّة، ومن ثمّ أن يُحرِّر مجتمعه من الظُّلم. وهكذا يُصبح السَّعي إلى العدالة فعل عبادةٍ، والسِّياسة مجالًا للشِّهادة، والكنيسة ضميرًا حيًّا في قلب العالم العربيّ.
إنّ مستقبل اللَّاهوت العربيّ لن يتحدَّد فقط بقدرته على مقاومة الظُّلم، بل بقدرته على أن يظلّ أمينًا لإنجيل النِّعمة. فالإيمان الذي لا يصنع عدلًا، يخون الكلمة؛ والعدل الذي لا ينبع من النِّعمة، يتحوَّل إلى أيديولوجيا. بين هذين القطبين يعيش اللَّاهوت الكالڨينيّ العربيّ رسالته: أن يرى في التَّحرير صورة للفداء، وفي العدالة برهانًا على السِّيادة الإلهيَّة التي تعمل في التَّاريخ لخلاص الإنسان والمجتمع معًا.
[1] بذرة هذا المقال نشرت لنا سابقًا في موقع ائتلاف الإنجيل، بعنوان “قراءة كالفينية في لاهوت التَّحرير المعاصر“، وقد كان تركيزها على منصب على الجانب اللاهوتي، أما هنا فالدراسة تتوسع في إجابة السؤال التطبيقي لواقع الكنيسة، مقدمة وصفة مقترحة تمكنها من ممارسة دورها دون تفريط عقديَّ أو نظاميّ.
[2] Gustavo Gutiérrez, A Theology of Liberation: History, Politics, and Salvation (Maryknoll, NY: Orbis Books, 1973).
[3] Naim Stifan Ateek, A Palestinian Theology of Liberation: The Bible, Justice, and the Palestine-Israel Conflict (Maryknoll, NY: Orbis Books, 2017).
[4] Mitri Raheb, Faith in the Face of Empire: The Bible through Palestinian Eyes (Bethlehem: Diyar, 2014).
[5] John Calvin, Institutes of the Christian Religion, ed. John T. McNeill (Philadelphia: Westminster Press, 1960).
[6] “John Calvin’s Theology of Social Justice,” Christian Reformed Church in North America (CRCNA), accessed October 2025, crcna.org.
[7] “Christian Leaders Unanimously Approve Bill Granting Gender Equality in Inheritance Procedures,” The Jordan Times, June 2023.
[8] Egyptian Initiative for Personal Rights, “Female Share: The Inheritance of Egyptian Christian Women between the Constitutional Text and Court Doctrine,” Cairo, 2022.
[9] Kairos Palestine Document, “A Moment of Truth: A Word of Faith, Hope, and Love from the Heart of Palestinian Suffering,” Bethlehem, 2009.
[10] Abraham Kuyper, Lectures on Calvinism (Grand Rapids: Eerdmans, 1931).
[11] Ibid, 112-115.
[12] John Calvin, Institutes of the Christian Religion, Book 2, §§ 14-16.
[13] Abraham Kuyper, Lectures on Calvinism, 90-94.
[14] المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، “حظ الأنثى: إرث المسيحيات المصريات بين النص الدستوري وعقيدة المحاكم” (القاهرة، 2022)، 15-18. يمكن الاطلاع عليه في: https://eipr.org/publications
[15] John Calvin, Institutes of the Christian Religion, Book 4, Ch.20, § 31.
[16] Ibid, book 1, Ch. 15, §§ 3-4.
[17] Ibid, book 3, Ch. 7, § 6.
اسم الكاتب: القسّ عيد صلاح
اسم الكاتب: الشيخ أسامة رشدي
شذرة كتابية (1)
كل شِباكك… وليست واحدة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«وَلَكِنْ عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ».
(لوقا 5: 5)
هل تَعِبت الليل كله مثل التلاميذ ولم تأخذ شيئًا؟
هل سحبت بيأسٍ شباكك كلها إلى البَرِّ؟
هل ضاعت منك فرصةٌ ولم تنجح في استردادها؟
لا تخف… الرب يسوع يُجدد الأمل والرجاء فيك،
إنه لم يُعطِك روح الفشل، بل أعطاك روحَ القوة والمحبة والنصح،
إن كانت الخبرة تقول لك: “كفاك العمق”، هو يقول “ابعد إلى العمق” (آية 4)،
إن كان العيان يقول لك: “اغسل شِباكك”، هو يقول: “ألقوا شباككم” (آية 4)،
إن كان المنطق يقول لك: “ألقِ شبكةً واحدة”، هو يقول: “ألقوا شباككم (كلها) للصيد” (آية 4).
فاتكل على إلهك وثق بكلمته ووعده؛ لأن خيره وجوده وإكرامه لك تفوق كل التوقعات.
شذرة كتابية (2)
حُرّاس خلفك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي وَأَسْكُنُ فِي بَيْتِ الرَّبِّ إِلَى مَدَى الأَيَّامِ.»
(مزمور 23: 6)
قد لا تعلم ما تحمله أيام حياتك القادمة من أفراحٍ أو أحزانٍ، من رحبٍ أو ضيق، من صحةٍ أو مرض، من احتياجٍ أو غنًى، لكنك بإيمانٍ عميقٍ تثق بأن خيرًا ورحمةً يتبعانك، وأنه مُمسِكٌ يدك بقوة، ولن يتركك أبدًا، إيمانك إنه كما كان معك في مراعٍ خُضرٍ، فشَبعتُ بجودهِ (آية 2)، كما قادك لمياه الراحة، فارتويت بسلامه (آية 2)، كما ردَّ نفسك من الضياعِ، فاهتديت إلى سبل البر من أجل اسمه (آية 3)، كما رافقك في وادي ظل الموت، وعصاهُ كانت لحمايتك وعكازهُ لتعزيتك (آية 4)، كما حفظك بسلامٍ من أخطارٍ وأمراضٍ قد هددتكَ طوال الرحلة، ثق أيضًا بأنه سيقودك بنعمته إلى بيته للسكن فيه إلى مدى الأيام (آية 6)، فياله من افتخار بأعظم راعي! و يا له من رجاءٍ سعيدٍ بأبديةٍ ستقضيها معه!
شذرة كتابية (3)
هؤلاء ليس لهم… إلا “ليس”!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قالت أرملةُ صـرفة صيدون لإيليا: «ليست عندي كعكة»،
قالت المرأة المديونة لأليشع: «ليس لجاريتك شيء»،
قالت الأم المُطوَّبة مريم للرب يسوع: «ليس لهم خمر»،
قال التلامـيذ للرب يسـوع: «ليس عندهم ما يأكلون»،
لكن عجيب ما صنع الرب مع كل هؤلاء!
فكوارُ الدقيقِ لم يفرغ، أوعيةُ الزيتِ امتلأت،
أجرانُ الخمرِ فاضت، ســلالُ الخبزِ فضلت،
عاشتُ الأرملة أيامًا، سددت المرأة كل ديونها،
فَـِرح المتكئون، شَبِعَت الجمـوع،
فثق بأن إلهك قادرٌ أيضًا أن يملأ ويسدد احتياجك،
بحسب غناه في المجد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (ملوك الأول 17: 12)، (ملوك الثاني 4: 2)، (يوحنا 2: 3) (مرقس 6: 36)، (فيلبي 4: 19).
شذرة كتابية (4)
إلهك… خلف الستار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الوقت الذي كان يعقوب يبكي بالدموعِ، نائحًا على ابنه المفقود؛
كان الله خلف الستار يرتب الأحداث بحكمة عجيبة ليقود يوسف لعرش مصر.
وفي الوقت الذي كان موسى الرضيع يبكي بالدموع داخل سفطٍ من برديٍّ على حافة النهرِ؛ كان الله خلف الستار يرتبُ الأحداث بحكمةٍ عجيبةٍ ليحفظ حياته ليكون قائدًا لخروجٍ عظيمٍ من أرض مصر.
وفي الوقتِ الذي كان داود يبكي بالدموع على مدينته المحترقة بالنار، كان الله أيضًا خلف الستار يرتبُ الأحداث بحكمةٍ عجيبةٍ ليسترد لداود كل ما ضاع منه.
هل قلبك مكسور؟ هل عيناك ممتلئتان دموعًا؟ هل تتألم من خسارة؟
اطمئن… دموعك غاليه جدًّا على قلبهِ، هو ليس ساكتًا كما تظن، هو يعمل، ويدير، ويرتب أحداث حياتك بحكمةٍ فائقة، وسترى فيها يدهُ القديرة الممدودة لك بخيرٍ، وإحسانٍ، ومراحم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواهد الكتابية: (تكوين 37: 35)، (خروج 2: 6)
(صموئيل الأول 30: 4).
اسم الكاتب: سامية قدري
أجرى الحوار: القس عيد صلاح وجيهان عيد
تهنئ النسور الدكتور القس يوسف سمير لحصوله على جائزة صموئيل حبيب للتنمية، وبهذه المناسبة تجرى حوارًا معه، ويرتكز الحوار على أربعة محاوز محاور أساسية، وهي: الأول، الجائزة… من التنظير إلى التميز العملي. والثاني، التأصيل اللاهوتي لخدمة الإنسان وهو ملف هذا العدد. والثالث، الوعي التنموي المستنير (الكرامة والتمكين). الرابع، استشراف المستقبل ورسالة للجيل الجديد.
المحور الأول: الجائزة… من التنظير إلى التميز العملي
كيف يعرِّف الدكتور القس يوسف سمير بنفسه؟
ما شعوركم حين تلقيتم خبر فوزكم بجائزة صموئيل حبيب؟
حصولكم على جائزة القس صموئيل حبيب للتميز في العمل الاجتماعي يُعد اعترافًا بنجاح نموذج اللاهوت المُعاش. كيف استطاع القس يوسف سمير أن ينزل باللاهوت التنموي من رفوف المكاتب الأكاديمية إلى واقع الخدمة اليومية؟
الجائزة تحمل اسم الرائد الراحل الدكتور القس صموئيل حبيب، واضع اللبنات الأولى للفكر التنموي الكنسي في مصر. كيف تصفون تطور هذا الفكر بين جيل الرواد والجيل الحالي؟ وما الذي يحتاجه خدام التنمية اليوم للحفاظ على هذا الإرث وتطويره؟
التميز في العمل الاجتماعي يتطلب مرونة وابتكارًا. في رأيكم ما المعايير اللاهوتية والإنسانية التي جعلت من خدمتكم نموذجًا يستحق التميز والتكريم وسط تحديات مجتمعية واقتصادية معقدة؟
كثيرًا ما تُمنح الجوائز تقديرًا لمحطة مضت، لكنها في العمل التنموي تمثل تكليفًا لمستقبل قادم. كيف يرى القس يوسف سمير الخطوة التالية لخدمته بعد هذا التكريم؟
المحور الثاني: التأصيل اللاهوتي لخدمة الإنسان (ملف العدد)
نبدأ من فلسفة العدد؛ كيف يؤصل الفكر اللاهوتي المستنير لمفهوم ‘الإنسان’؟ وكيف تختلف الرؤية التنموية القائمة على دافع روحي عن تلك القائمة على مجرد العمل الإنساني أو الخيري التقليدي؟
ويجب الالتفات إلى أن العمل التنموي الذي نعتبره جزءًا من إنجيل المسيح الشامل يختلف تمامََا في دافعيته عن العمل التنموي/ الاجتماعي. فالعمل القائم على لاهوت الفداء والخلاص يقتضي في أدائه بالمحبة الإلهية المضحية التي تحب دون تفرقة ودون انتظار للمكافأة أو الإشادة. فهي تنظر فقط لخير الآخر دون النظر لنفسها وتخدم باتضاع وهي تضع نفسها عند أقدام من تخدمهم لتغسلها كما فعل يسوع، وهي في ذلك تختلف عن أي عمل تنموي آخر يقوم بدوره من موقع الأعلى الذي يتفضل بعطاياه على الآخرين الأقل منه.
في الفكر اللاهوتي، يُعدُّ العمل التنموي امتدادًا لمفاهيم “الوكالة وإعمار الأرض وصون الخليقة”. كيف ينعكس هذا المفهوم على آليات المشروعات التنموية التي تشرفون عليها؟
هناك صراع تقليدي قديم بين من يفصلون بين الخدمة الروحية والخدمة التنموية كيف يكسر لاهوت التنمية هذا الفصل ليعيد تقديم الإنسان ككل متكامل (جسدًا وروحًا وعقلًا)؟
– المسيح في خدمته على الأرض شَفى، وأطعم، وعَلّم، وحرّر الإنسان. كيف يمكن للكنيسة والمؤسسات التنموية اليوم أن تحاكي هذا النموذج الشامل دون أن يطغى جانب على آخر؟
* تمت الإجابة عن محتوى هذين السؤالين في أسئلة سابقة.
المحور الثالث: الوعي التنموي المستنير (الكرامة والتمكين)
تتبنى مجلة النسور دائمًا قضايا الوعي والفكر المستنير. برأيكم، ما أخطر المعوقات الفكرية أو الموروثات الثقافية التي ما زالت تعوق لاهوت التنمية عن تحقيق كامل أهدافه في مجتمعاتنا؟
يرفض التأصيل اللاهوتي فكرة الإحسان المهين ويؤكد على الكرامة الإنسانية. كيف يمكننا عمليًّا تحويل الشخص في مشروعاتنا التنموية من مجرد مستفيد أو متلقٍ سلبي للمساعدة إلى شريك وصانع تغيير في مجتمعه؟
قد يقع العمل المؤسسي أحيانًا في فخ الجفاف البيروقراطي والأرقام والإحصائيات الجافة. كيف يحافظ لاهوت التنمية على أنسنة الخدمة ويضمن أن تظل المحبة والتعاطف هما المحرك الأساسي وراء كل رقم وإنجاز؟
التنمية المستنيرة لا تعرف التمييز وتتوجه للإنسان بصفته إنسانًا. كيف تساهم المشروعات التنموية القائمة على تأصيل لاهوتي صحيح في ترسيخ قيم المواطنة، قبول الآخر، والعيش المشترك في المجتمع؟
* تمت الإجابة عن هذا السؤال من قبل في سؤال سابق.
المحور الرابع: استشراف المستقبل ورسالة للجيل الجديد
يواجه الجيل الجديد من الشباب تحدياتٍ وضغوطًا حياتيةً واقتصاديةً كبيرةً قد تدفعه للإحباط أو السلبية. كيف نقدم له لاهوت التنمية بوصفه أداة رجاءٍ وفعلًا إيجابيًّا، ليتحول دوره المجتمعي والوطني إلى جزء من دعوته الروحية؟
وهنا يظهر تحدي الحياة المسيحية وقوة النعمة الإلهية وفاعليتها في قلب الإنسان الذي تجددت حياته بالغفران الإلهي. وذلك لأن جزءًا من حدث الخلاص وخبرته إنما هو في كسر دائرة الأنانية والخروج خارج دائرة الذات ليحب المرء الآخرين، ويخدمهم في تجاوب مع عمل المسيح الذي ترك كل مجده ليتجسد ويرتبط بالبشرية البائسة ليخدمها في محبة خالصة، وفي النهاية يموت من أجل أحبائه. هذا جزء لا يتجزأ من خبر الإنجيل وهو ما نسميه “الإرسالية العظمى”. وليس هنالك شخص مسيحي حقيقي مُعفى من هذه الدعوة لأن الإنسان المؤمن مدعو ليكون نورًا للعالم وملحًا للأرض.
وفي هذه النقطة يلعب لاهوت التنمية دورًا مؤثرًا؛ إذ إنه في جوهره يدعو الإنسان لربط خلاصه الشخصي بدعوته لخدمة العالم. يحتاج الشباب المكرس قلبيًّا للمسيح إلى تعليم واضح وتشجيع على الخروج خارج دائرة الاحتياجات الشخصية ودوامة القلق على المستقبل ليتعلم أولاً قيمة الاتكال الحقيقي على الله في تسديد الاحتياجات، وكذلك ليتعلم كيف أن الاهتمام بغيره إنما يجعله يقدر عطايا الله له فيشكره، ويجعله يتعاطف مع احتياجات غيره فيخدمهم. لقد كانت دعوة المسيح للشاب الغني “بع كل ما لك وتعال اتبعني”، وهي نفسها دعوة المسيح للشباب في كل ضغوطهم الاقتصادية: “اخرجوا عن ذواتكم واتبعوني…”.
بناءً على خبرتكم الفائزة بالتميز، ما هي النصيحة أو الروشتة التنموية التي يوجهها القس يوسف سمير عبر صفحات النسور للمؤسسات التنموية الصغيرة والكنائس المحلية لتطوير أدائها وتأصيل خدمتها لاهوتيًّا وعمليًّا؟
-أقدم الإجابة في نقاط سريعة ورسائل تلغرافية:
اسم الكاتب: الشيخ أسامة رشدي
شذرة كتابية (1)
همسة عتاب
هل فقدت صبرك وقلت مع داود «إلى متى تحُجب وجَهكَ عنى»؟
هل تحيرّت وطلبت مع أيوب «فهّمني لماذا تخاصمني»؟
هل بَكيت وصرخت مع إرميا «بادت ثقتي ورجائي من الرب»؟
ما أروع الرب! فكل المشاعر الإنسانية العميقة الصادقة يُقدّرها،
هو لم يحجب وجهه كما ظن داود؛ بل «أحسن إليه»،
هو لم يخاصم أيوب كما تفكّر بذلك؛ بل «تكلّم معه»،
هو لم يترك إرميا دون رجاء؛ بل قال له «لا تخف»،
نعم، هو ليس بعيدًا عنك، قد لا تراه الآن، وقد لا تسمع صوته، قد لا تشعر به، وقد لا تفهم ماذا يفعل. اطمئن، هو شاعر بأنّاتك وأحزانك، هو قريب جدًّا من قلبك المنكسر، وروحك المنسحقة،
هو يحبك جدًّا حتى وأنت تعاتبه، فثِقْ بمحبته، وتشجع.
الشواهد الكتابية: (مزمور13: 1)، (أيوب 10: 2)، (مراثي إرميا 3: 18؛ 3: 57)، (مزمور 13: 6)، (أيوب 38: 1).
شذرة كتابية (2)
عند قدمَيْه
في وقتِ هدوءٍ، جلست مريم عند قدمي الرب يسوع عندما زارها؛
(لتسمع كلامه)،
وفى وقتِ ألمٍ، خرّت مريم عند قدمي الرب يسوع عندما مات لعازر؛
(لتبكي أمامه)،
وفى وقتِ فرحٍ، دهنت مريم قدمي الرب يسوع بالطيب بعد قيامة لعازر؛
(لتمجيده وإكرامه)،
وهذه هي أوقات تعبر أيضًا بحياتك!
ربما أوقاتُ هدوءٍ، تجلس أمام الرب لتسمع كلامه، وتتلذذ به،
وربما أوقاتُ ألمٍ، تسكب أمامه دموعك، وتُلقي همومك عليه،
لكن أشجعك اليوم أنه ستأتي أوقات فيها تسجد عند قدميه، تمجده وتكرمه، وأنت شاكر، وفرح، بل وستقدم له كل غالٍ وثمين يستحقه، عندما ينظر إيمانك، ويرى دموعك، ويستجيب لصلاتك، ويجُبر خاطر نفسك، ويصنع لك عجبًا…
الشواهد الكتابية: (لوقا 10: 39)، (يوحنا 11: 32، 33)،
(يوحنا 12: 3).
شذرة كتابية (3)
جاري البحث…
ما أروع محبة الرب! فهي تبحث عن النفس البشرية أينما وجدت،
تبحث عن آدم الخائف وراء أشجار «الجنة»،
تبحث عن إيليا المحُبط في قلب «المغارة»،
تبحث عن السامرية الخاطئة عند «البئر»،
تبحث عن مريض بيت حسدا المُهمَل عند «الِبركة»،
تبحث عن زكا العشّار فوق «الجُميزة»،
تبحث عن أعرج الهيكل العاجز على «الباب»،
تبحث عن وزير ملكة الحبشة المسافر في «البرّية»،
تبحث عن شاول مُضطهد الكنيسة في «الطريق»،
محبة لا تكل، ولا تتوقف، محبة قوية وملتهبة، محبة أزلية وأبدية، محبة غنية وفائضة، محبة تبحث عنك حتى ولو في أطراف الأرض وأقاصي البحر، يناجيك دائمًا «إِذْ صِرْتَ عَزِيزًا فِي عَيْنَيَّ مُكَرَّماً وَأَنَا قَدْ أَحْبَبْتُكَ.».
الشواهد الكتابية: (تكوين 3: 8، 9)، (ملوك الأول 19: 13)،
(يوحنا 4: 6، 7؛ 5: 5، 6)، (لوقا 19: 4، 5)، (أعمال 3: 2، 6؛ 8: 26، 27؛ 9: 3، 4)، (إشعياء 43: 4).
شذرة كتابية (4)
جواهر ثمينة
ترك إبراهيم “أرضه”، ترك موسى “خزائن مصر”،
تركت راعوث “شعبها”، ترك أليشع “أبقاره”،
ترك بطرس “شبكته”، ترك متى “وظيفته”،
تركت السامرية “جرّتها”، ترك بارتيماوس “رداءه”،
وزّع زكا “نصف أمواله”، كسرت مريم “قارورة الطيب”،
باع برنابا “حقله”، خسر بولس “كل شيء”.
كل هؤلاء خسروا ليربحوا! نعم،
خسروا وطنًا أرضيًّا، وربحوا وطنًا سماويًّا،
خسروا ممتلكات شخصية، وربحوا كنوزًا سماوية،
خسروا مجد الأرض، وربحوا مجد السماء،
لقد حسبوا كل شيءٍ نفاية من أجل فضل معرفه الرب…
فإن كنت ربحت المسيح في حياتك، وهو نصيبك، وكفايتك.
لا تحزن على خسارة أرضية.
الشواهد الكتابية: (تكوين 12: 1)، (عبرانيين 11: 26)، (راعوث 1: 16)، (ملوك الأول 19: 20) ، (لوقا5 :11)، (متى 9: 9)، (يوحنا 4: 28)، (مرقس 10: 50)، (لوقا 19: 8)، (مرقس 14: 3)، (أعمال 4: 37)، (فيلبي 3: 8).
اسم الكاتب: القسّ عيد صلاح