شذرات كتابيه عدد يوليو 2023
- Categories: تأملات
متى تعزِّيني يا ربُّ؟
“كَلَّتْ عَيْنَايَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى قَوْلِكَ فَأَقُولُ: مَتَى تُعَزِّينِي؟”
(مزمور 119: 82)
هل هذه هي صلاتك لإلهك؟ هل تنتظر استجابةً بعد طول انتظار؟ هل أمام عينيك (كلمة) قالها لك ولم يتحقَّق الوعدُ بها بعدُ؟ هل أنت مُنتظر تعزيةً وفرحةً منه لقلبك المكسور ولم تَعرف وقتَها؟ لقد توقَعْتَ وصَبِرت؛ امتلأتَ بأملٍ، ورجاءٍ، ثم فجأةً بإحباط ويأس! هل عبرْتَ بكل هذا؟ لا تقلق؛ ففي كل هذه الأوقات الصعبة ينمو إيمانُكَ بعمقٍ ويكتمل، تشكيلُ الربِّ عجيب وإصبعه إصبع فخاريٍّ ماهر، هو يُصيغ إناءَكَ الخزفيَّ الهشَّ ليُصبح إناءً للكرامة، تعبر في نارٍ، وتعبر في ماءٍ، لكن كل هذا لخيرك (مزمور 66: 12)، هو حنونٌ جدًّا ولن يتركك بدون تعزية، هو يرجع فيُعزيك فتهتف مع المرنم: “لأَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبُّ أَعَنْتَنِي وَعَزَّيْتَنِي” (مزمور 86: 17).
أنهارُ تعزياتٍ غامرةٌ
“أقَلِيلَةٌ عِنْدَكَ تَعْزِيَاتُ اللهِ وَالْكَلاَمُ مَعَكَ بِالرِّفْقِ!”
(أيوب 15: 11)
ما أروع “تعزيات الله”!
فعند كثرة همومك تعزياته مُشبعة “عِنْدَ كَثْرَةِ هُمُومِي فِي دَاخِلِي تَعْزِيَاتُكَ تُلَذِّذُ نَفْسِي.” (مزمور 94: 19). وأنت أمام أزمةٍ، متضعٌ وصابرٌ ومنتظرٌ؛ تعزياته كثيرةٌ وغامرةٌ، يعزِّيك وأنت صامت بوداعةٍ أمام تجريح الناس وُظلمهم، يعزِّيك وأنت وحيدٌ وحائرٌ بعدما خاب استنادُك على حبيب أو صديق، يعزيك وأنت أمام خسارةٍ لا تعرف كيف تعوِّضها، ولا تعلم من أين أتت. وأنت أمام تجارب وضيقات وشدائد وضرورات واضطهادات وآلام. كلامه يعزيك، وعده يعزيك، روحه يعزيك، وإذا سرت في وادي ظل الموت هو معك، بعصاه وعكازه يعزيك. “عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي.” (مزمور 23: 4)، نعم، لا يترك ضيقة إلا ويعزيك فيها، وتعزياته في حياتك ليست قليلة… هللويا.
استغاثه من مؤمن صامت
“يَا سَامِعَ الصَّلاَةِ إِلَيْكَ يَأْتِي كُلُّ بَشَرٍ”
(مزمور 65: 2)
سامعُ الصلاةِ. حتى لو كانت صلاتُك صامتةً (كحَنَّة)، تتكلم في قلبك وتسكب نفسَك، وصوتك لا يسمعه إنسانٌ، ثق بأن إلهك يسمع، حتى لو كنت في عمقِ الضيقةِ من جوفِ الحُوتِ (كيونان)، مطروحًا في العمقِ، ونفسك تصرخ في إعياء، وصليت باستغاثةٍ (يونان 2: 1) ثق بأن إلهك يسمع، حتى لو كنت في مواجهه العدو الخطير (كيهوشافاط)، تصرخ “لا نعلم ماذا نفعل لكن نحوك أعيننا” (أخبار الأيام الثاني 20: 12) ثق بأن إلهك يسمع، حتى لو كنت في مواجهة المستحيل (كأليشع)، وصبي الشونمية أمامك، لا حياة ولا أمل، وأغلقت باب العُلِّيَّة خلفَك، وصَلَّيت بإيمان (ملوك الثاني 4: 33)؛ ثق بأنَّ إلهك يسمع، صلاتك موضوع اهتمامه، هو يُميل أذنيه ليسمعك، قد يتأنَّى، وقد يصمت، لكنه يستجيب في الوقت المناسب.
هدوء فطيم
“يَا رَبُّ لَمْ يَرْتَفِعْ قَلْبِي وَلَمْ تَسْتَعْلِ عَيْنَايَ وَلَمْ أَسْلُكْ فِي الْعَظَائِمِ وَلاَ فِي عَجَائِبَ فَوْقِي. 2بَلْ هَدَّأْتُ وَسَكَّتُّ نَفْسِي كَفَطِيمٍ نَحْوَ أُمِّهِ. نَفْسِي نَحْوِي كَفَطِيمٍ. 3لِيَرْجُ إِسْرَائِيلُ الرَّبَّ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْرِ.”
(مزمور 131)
(ترجمة كتاب الحياة: يا رب لم يشمخ قلبي ولا استعلت عيناي ولا حفلت بالعظائم وما يفوق إدراكي. ولكني سكَّنتُ نفسي وهدَّأتُها، فصار قلبي مطمئنًّا كطفل مفطوم مستسلم بين ذراعي أمه)
نعم، لتهدأ نفوسنا. فالطموحات حولنا عاليةٌ، والتحديات قويَّةٌ، والرغبات فوق الاستطاعة، العظائم تنادينا، والسباق عنيفٌ، وبين ما نحصل عليه وما لا نستطيع الحصول عليه حرمانٌ شديدٌ، كحرمانِ الفطيم من أُمِّهِ، نفسهُ مكسورةٌ، وصراخهُ لا يتوقف. نحن مثلهُ، نرغب في الكثير، ونحصل على القليل، لا نكتفي ولا نقنع بما لدينا، نطلب المزيد ولا نشكر على ما وُهب لنا. في كلِّ هذا نحتاج للسكينة والهدوء، نحتاج أن نُفطم عن الرغبات والشهوات، نحتاج إلى القناعة والاتضاع الحقيقي للنفس، نحتاج أن ندرك أن الطريق الوحيد لسلام النفس العميق هو في الرجاء بالرَّبِّ وحده، فلنرجو الربَّ مِنَ الآنَ وكل أيام حياتنا القادمة؛ لأنه فيه كل الكفاية والشبع والسلام. “مَنْ لِي فِي السَّمَاءِ؟ وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئاً فِي الأَرْضِ.” (مزمور 73: 25).


