إسحق، منذر. أرض الميعاد: قراءة لاهوتية ضمن السياق الفلسطيني. بيت لحم: كلية بيت للكتاب المقدس، 2021
نادرًا ما نقرأ كتابًا لاهوتيًّا يتمتع بأسس رزينة في الكتاب المقدس وينقل فكرًا فريدًا ومتنورًا. تفتقر مكتباتنا العربية والفلسطينية لتلك النوعية من الكتب، بشكل خاص باللغة العربية وتستهدف القارئ العربي المسيحي. على الرغم أن اللاهوتيين الفلسطينيين قد كتبوا العديد من المؤلَّفات التي توضح تاريخ الوجود المسيحي الفلسطيني، وتقدم رؤية لاهوتية للقضية الفلسطينية وموقفًا رصينًا من الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن تلك الكتابات غالبًا ما كانت باللغة الإنجليزية وتستهدف القارئ الغربي. يطل علينا القس الدكتور منذر إسحق، العميد الأكاديمي لكلية بيت لحم للكتاب المقدس، وراعي كنيسة الميلاد اللوثرية في كتابٍ مهمٍّ للغاية يناقش خلاله موضوعًا ساخنًا لاهوتيًّا وسياسيًّا وهو “أرض الميعاد: قراءة لاهوتية ضمن السياق الفلسطيني.” يقدم إسحق في اثني عشر فصلًا لاهوتًا كتابيًّا لمفهوم أرض الميعاد في السياق الفلسطيني. يتضح أن الكتاب قُسِّم لجزئين: الأول، في الفصول العشر الأولى يسرد لاهوتًا كتابيًّا لمفاهيم الأرض، الوعد، النسل المختار، الهيكل وصهيون والقدس. بينما في الجزء الثاني، الفصول الحادي عشر والثاني عشر، يوجِّه نقاشه مباشرة للصهيونية المسيحية وفهمًا لاهوتيًّا وكنسيًّا فلسطينيًّا لقضية أرض الميعاد.
يتسم أسلوب إسحق ولغته بالبساطة والوضوح، كما يبدو جليًّا أن الكتاب قد وُضِع لكي يكون سهل القراءة لجمهور واسع من القراء، تحاشى فيه قدر الإمكان المصطلحات اللاهوتية المعقَّدة. هدف الكتاب ليس اكاديميًّا لاهوتيًّا خالصًا، بل إنه محاولة لإخراج المسيحي الفلسطيني والعربي من أزمة الإيمان نتيجة خبرتهم مع الاستعمار وسوء تفسير واستخدام الكتاب المقدس (ص ١٠). نجح الكتاب في تجاوز العديد من العقبات اللاهوتية والفكرية التي تشكل تحديًا للاهوتيين العرب وأهمها عقبة المصادر والمراجع وذلك لندرة الكتابات اللاهوتية العربية. في أغلب الحال، يستند اللاهوتيين العرب على لاهوتيين ومدراس لاهوتية غربية لتدعيم آرائهم اللاهوتية، إلا أن إسحق استند على مفكرين ولاهوتيين فلسطينيين وعرب لامعين أمثال البطريرك صباح، يوحنا كتناشو، متري الراهب، عيسى دياب ورياض قسيس، وغيرهم. لم يكتفِ بذلك، بل قدم فكرًا أصيلًا وشموليًّا يتجاوز فيه هفوات بعض المدارس اللاهوتية والأيديولوجيات المسيحية الغربية التي تزعم صحة أسلوب تفسيرها لنصوص الكتاب المقدس وبذلك تدعم الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين التاريخية، بشكل خاص، متذرعة بمفاهيم أرض الميعاد والوعد والاختيار. فيما يلي قراءة لبعض الأفكار التي يطرحها الكاتب في ثلاث نقاط رئيسية.