الأخْلاق والحَرْب
- Sermon By: د. ق. هاني يوسف قُسْطَنْدِي حَنَّا
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
الأخْلاق والحَرْب
د. ق. هاني يوسف قُسْطَنْدِي حَنَّا
في لَيْلَةِ عِيدِ المِيلادِ، حِينَ يُغَنِّي المَسيحيُّون “حَلَّ في الأرْضِ سَلامٌ … واتِّحادٌ ووئامٌ” (نَظْم المَزَامِير، تَرْنِيمَة ٢ في المُلْحَق)، انْدَلَعَتْ في عام ١٩١٤ حَرْبٌ عالميةٌ بين مَسِيحِيِّي أوروپا مُقَسِّمَةً إياها وقاتلةً أبناءَها، لَكِنَّ الجُّنُودَ لِتَدَيُّنِهِم حَرِصُوا على الاشْتِرَاكِ في عَشَاءِ الرَّبِ وسط الحَرْبِ (Weintraub, Silent Night, 2001, 4). وفي لَيلةِ ميلادٍ أُخْرَى في شِيلي في ثَمَانِينِيَّات القَّرْن العِشْرِين، بَعْد أنْ اشْتَرَكَ سِيَاسِيُّون مَسِيحِيُّون في عَشَاءِ الرَّبِ مُتعهدِين بإنهاء عَهْدِ الصِّراعات والعُنْفِ، انْقَلَبَ بعضُهم على بعضٍ خَائِنِينَ عَهْدَهُم الَّذي قَطَعُوه حَوْلَ مائدةِ الرَّبِ. وتقريبًا عِنْدَ بِدَايَةِ الصَّوْمِ الكَّبير في عام ٢٠٢٢، اقْتَحَمَ ڤْلادِيمِير پُوتِن المَسِيحِيُّ أُوكْرانْيا المَسِيحِيَّةَ هادِمًا إيَّاها وطارِدًا أهْلَهَا مِنْ بَيْتِهِم. ويبدو أنَّ پُوتِن سَيَحْتَفِلُ بِخَمِيسِ العهد في أثناء قَصْفِهِ لأُوكْرَانْيا.
من الواضح أنَّ المسيحيين عندما يجتمعون حَوْلَ مائدةِ رَبِّهِم، هناك أشياء كثيرة هُمْ لا يُدْرِكُونَها. ففي كل حالة من الحالات الثلاث السابقة، واضح أنَّ هناك شيئًا غَرِيبًا يَصِلُ إلى حَدِّ التَّنَاقُضِ بين العقيدة والأخلاق. إنَّ عَشَاءَ الرَّبِّ يُخَاطِبُ الضَّمِيرَ المَسِيحِيَّ. وعلى الرَّغْمِ مِنَ الجَدَلِ الطَّويل حَوْلَ مَدَى مُلاءمَةِ الاشتراك في الحرب، ما زال يَشُوبُ الشَّكُّ الضَّمِيرَ المسيحيَّ حول هذا الأمْرِ. وذلك حَتَّى فيما يَتعلق بما يُسَمَّى “الحَرْب العادلة”.
إنَّ كلَّ تاريخ الخلاص يَتقارب حَوْل مَائِدَةِ عَشَاءِ الرَّبِّ الَّتِي يُعْلَنُ فيها هذا الخَلاصُ. ففي كَسْرِ الخُبز والشُّرْب مِنَ الكَّأسِ نفسِهِ، يَتَذَكَّرُ المسيحيُّون ويَشتركون في الحَدَثِ المَرْكَزيّ لإيمانهم. فالمسيحُ يَسوعُ تألَّمَ ومَاتَ في نهايةِ حياةٍ وخدمةٍ نادَى فيها بمَلَكوتِ اللهِ، مُعْطِيًا حياةَ اللهِ للآخَرين وفاضحًا مَظَالِمَ القوَى والسُّلُطَات الَّتِي تَتَحَالَفُ حَوْلَ ظنٍّ وَاهِمٍ بأنَّهُ يُمْكِنُ للإنسان تأمين حياتِهِ بِطَرِيقٍ آخَر سِوَى المسيح يسوع. لكنَّ اللهَ قد أقَرَّ طريقَ المَسيح يسوع إذْ أقَامَهُ مِنَ المَوْتِ، والمسيحُ الآن حاضرٌ في الكنيسةِ وفي العالم. فَبِالنَّظَرِ إلى الماضي، يَرَى المسيحيون أنَّ حياةَ المَسيحِ ومَوْتَهُ كانا تحقيقًا لأمانةِ اللهِ لِعَهْدِهِ مع شَعْبِهِ، ومِنْ خِلالِ هذا الشَّعْبِ مَعَ كُلِّ البَشَرِ. وبالنَّظَرِ إلى المُسْتَقْبَل، يَرَى المَسيحيون كلَّ ما فَعَلَهُ يسوعُ بِاعْتِبَارِهِ تَوَقُّعًا لِوَلِيمَةٍ مَسِيحَانِيَّةٍ عظيمةٍ في نهايةِ التَّاريخ حين يَجْمَعُ اللهُ البَشَرِيَّةَ السَّاقطة ويَشْفِي الخليقةَ الكَّسِيرَةَ من خلال شركة وحدة ملكوت الله الأبديّ (رو ٨: ٢١-٢٣؛ رؤ ١٩: ١-١٠؛ رؤ ٢١: ١). وبالنَّظَرِ إلى الحاضر، يَرى المسيحيون ضَعْفَ العالم وانكساره. لَكِنَّهُم يَرَوْنَهُ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ والرَّجَاءِ. فَكَمَا يَنْكَسِرُ الخُبْزُ أمَامَنَا في مَائِدَةِ عَشَاءِ الرَّبِّ، اشْتَرَكَ اللهُ في الانْكِسَارِ البَشَرِيّ مُفْسِحًا مكانًا في الزَّمَنِ كي نَتَّحِدَ بالله وبِبَعْضِنَا البَعْض في شَرِكَةٍ شَافِيَةٍ. (Cavanaugh, Torture and Eucharist, 1998 222-34)
والاشتراكُ في مَائِدَةِ عَشَاءِ الرَّبِّ لَهُ تَضْمِينَاتٌ جَادَّةٌ؛ فَمَنْ يَشترك فيها هو مُتَضَمَّنٌ في دِينامِيكِيَّتِها، أيْ في كَيْفِيَّةِ مُنَادَاةِ يَسوع بملكوتِ اللهِ (Spohn, Go and Do Likewise, 1999, 166). فعندما جَمَعَ يسوعُ تلاميذَه حَوْل المَائِدَةِ، لَمْ يَكُنْ ذلك بِهَدَفِ تَحقيق العَدْل عَن طريقِ تَشْكيلِ هُوِيَّتهم بِكَيْفِيَّةٍ تَتَّسِمُ بتأمين الذَّات الَّتي نَراها في مُعْظَمِ التَّحَالُفَات. فَعِوَضًا عن وَضْعِ حَوَاجِزَ تُبْعِدُ المَنْبُوذِين والأعداء، قد دَعَاهُم لِيَتَعَشَّوا مَعَهُ. وبَدَلًا مِن إنْجَازِ رِسَالَتِهِ عَنْ طَرِيقِ تَهْدِيدِ الآخرين بِأَخْذِ حياتهم، أرانا طريقَ اللهِ بتقديمِهِ حَيَاتَهُ للآخَرين. وخلافًا لِتَوَجُّهِ شَيْطَنَةِ الغُرَبَاءِ، قد أَحَبَّ الأعداءَ. لقد حَقَّقَ يسوعُ الأمانَ عَن طريق كَرَمِ الضِّيافةِ لا عن طريق الاستبعاد، وعن طريق المخاطرة لا عن طريق الخوف. فهو لم يَقتل أحدًا، بل قد ماتَ. وهو الآن حيٌّ. هذا هو إقرارُ المسيحيين. ولكن عندما يَشترك المسيحيون في مَائِدَةِ المَسيحِ يَسُوعَ ويَجِدون حياةً في حَيَاتِهِ الَّتي هي حَيَاةُ اللهِ الوَاحِدِ الثَّالُوثِ، فَهُمْ بِالتَّبَعِيَّةِ مُتَضَمَّنُون في طريق اللهِ الَّذِي هو طَرِيقُ الحُبِّ واللَّاعُنْفِ.
حاليًّا هناك نَظَرِيَّتان مَسِيحِيَّتَان أسَاسِيَّتَان فِيما يَتَعَلَّقُ بموضوع الحَرْبِ: النَّظريةُ الأُولى هي “السَّلامِيَّة أو السِّلْمِيَّة pacifism،” والنَّظَرِيَّةُ الثَّانيةُ هي “الحَرْب العادلة just war.” و تَتَّفِقُ النَّظريتان على أنَّ الحَرْبَ ليست خِيَارًا مَحْمُودًا مِنَ المَنْظُورِ المَسِيحيّ، لَكِنَّهُما تَختلفان حَوْلَ عَمَّا إذَا كانت هُناك ظُروف أو شُروط يُمْكِنُ معها اتِّخاذُ قَرَارِ الاشْتِراكِ في حَرْبٍ.
فَالسَّلامِيَّةُ بصفةٍ عامَّةٍ تَرْفُضُ اختيارَ الحَرْب رفضًا تامًّا تَحْتَ أيِّ ظَرْفٍ. وعلى الرَّغْمِ من أن مَسِيحِيِّي القُّرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولَى لَم يَكونوا سَلامِيِّين بالمَعْنَى الحَدِيثِ، قَدْ اعْتَبَرُوا أيَّ سَفْكٍ للدِّمَاءِ خَطَيَّةً. ولذا رَفَضُوا الانضمامَ للخِدْمَةِ العَسْكَرِيَّةِ واعْتَقَدُوا أنَّ نُّبُوَّات إش ٢ ومي ٤، الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ عَصْرٍ تَكُفُّ فِيهِ الأُممُ عن الحُرُوبِ، هي نُبُوَّاتٌ كانَتْ تَتَحَقَّقُ في حَيَاةِ الكَّنِيسَةِ آنَذَاك (Kreider, The Change of Conversion and the Origin of Christendom, 1999, 27). ويَلْجَأ السَّلامِيُّون في إثبات وجْهَةِ نَظَرِهِمْ إلى أمْثِلَةٍ تاريخيَّةٍ نَجَحَتْ فيها السَّلامِيَّةُ في تَحقيق النَّصْرِ في صراعات هامَّةٍ—مثل حُصُولِ الهند على اسْتِقْلالِها بَعْدَ نِّضَالِ لاعُنْفِيٍّ بقيادة غَانْدِي، وحُصُول الأمْرِيكان مِنْ أصْلٍ أفْرِيقيّ على حُقُوقِهِم المَدَنِيَّة بقيادة مارْتِن لُوثَر كِينْج، والتَّخَلُّص مِنَ التَّفْرِقَةِ العُنْصُرِيَّة في جنوب أفريقيا بقيادة نِيلْسُون مَانْدِيلا، وتَحَوُّل الفِيلِپِّين إلى الدِّيمُوقْرَاطِيَّة، والتَّخَلُّص مِنَ الحُكم الشّيُوعِيّ في الاتِّحاد السُّوڤْيِيتِّي. وكلُّ هذه الأمثلةِ وغَيْرُها تُثْبِتُ أنَّ السَّلامِيَّةَ اسْتْراتِيجِيَّةٌ سياسيةٌ قويةٌ ولَيْسَتْ مُجَرَّدَ أخلاقٍ فَرْدِيَّةٍ مِثَالِيَّةٍ. كما يُحَاجِجُ السَّلامِيُّون بأنَّ العُنْفَ يُوَلِّدُ عُنْفًا، الأمْرُ الَّذي حَتْمًا يَدْفعُ أطرافَ الصِّراعِ إلى الدُّخُولِ في دائرةٍ مُفْرَغَةٍ تُسَبِّبُ دَمَارًا أشْمَلَ حَتَّى لو كانَتْ وراء هذه الحَرْبِ تبريراتٌ عادلةٌ أو نَوَايَا حَسَنَةٌ. كما إنَّ تَكْلِفَةَ الاستعداد للحَرْبِ، حتَّى مِنْ دُونِ الدُّخُول فيها، تُمَثِّلُ في حَدِّ ذَاتِهَا نَزِيفًا اقتصاديًّا لِتَأثِيرِها السَّلْبِيّ على الأنْشِطَة الإنتاجيَّةِ للبِلاد. فإنَّ اختيارات الحَرْبِ تُمَثِّلُ حُلولًا قَصِيرَةَ الأمَدِ، وتَنْتُجُ عَنْها مُشْكِلاتٌ اجتماعيةٌ مُعَقَّدَة يَطُول أمَدُها (بندلي، نِضَال عُنْفِيّ أو لاعُنْفِيّ؟ لإحقاق العدالة، ١٩٨٨، ٢٧-٣٥، ١٢٣-٦٧). لَكِنَّ السَّلامِيِّين لا يَبْنُونَ رَفْضَهُم للحَرْبِ بِشَكْلٍ رَئِيسِيٍّ على هذه الأسباب. فالموقفُ السَّلامِيُّ مُؤَسَّسٌ على حياة وموت وقيامة يسوع المسيح الذي فيه بَيَّنَ اللهُ أنَّ تَصْحِيحَ الأوْضَاعِ لا يَنْبُعُ من مَنْطِقِ الأسْبَابِ والنَّتائج، بَل مِنَ المَنْطِقِ اللَّامُتَوَقَّع للصَّلِيبِ والقِّيَامَةِ (Yoder, When War is Unjust, 1996, 204). والسَّلامِيُّون المسيحيون لَيْسُوا جَمَاعَةً مِنَ السُّذَّجِ الَّذين يَعتقدون أنَّ كلَّ الصِّراعاتِ سَتُحَلُّ بسهولةٍ بِوَسَائِلَ لاعُنْفِيَّة. فَهُمْ يَثِقُون في المسيح الَّذي يَتَعَلَّمُونَهُ في الإنجيل ويُقَابِلُونَهُ بالنِّعْمَةِ في مَائِدَةِ عَشَاءِ الرَّبِّ، والذي يُدَرِّبُهُم على تَوَقُّعِ اللَّامُتَوَقَّع. وبِمُقْتَضَى أنهم مُتَضَمَّنُون في الطَّرِيقِ اللَّامُتَوَقَّع الَّذي أَعْلَنَ بِهِ المسيحُ ملكوتَ اللهِ، قد حُرِّرُوا لكي يُخاطِرُوا بالحياةِ هُنَا والآن طِبْقًا لِهَذا المَلَكُوتِ.


