مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

الإصلاح الإنجيلي والإرسالية

Watch Now

Download

الإصلاح الإنجيلي والإرسالية

 

الإصلاح الإنجيلي والإرسالية

ثروت وهيب

أثناء فترة الزخم الأولى في بواكير تاريخ الكنيسة، اهتمت الكنيسة اهتمامًا بالغًا بالعمل المرسلي؛ ففي التاريخ الكتابي نرى التنامي السريع لوصول الكنيسة برسالة الإنجيل إلى أجزاء كثيرة من العالم. بدأت بالمركز الأول، أورشليم، وانتشرت إلى اليهودية فالسامرة وسعت للوصول إلى أقصى الأرض. ينتهي التاريخ الكتابي في العهد الجديد بوصول رسالة الإنجيل إلى قلب روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية، وكثير من المدن الكبرى كأنطاكية، وأثينا، وكورنثوس، وأفسس… وغيرها. استمر هذا الزخم في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ المسيحية؛ حيث استمرت جذوة العمل المرسلي مشتعلة من خلال آباء الكنيسة في عصر ما بعد الرسل، وتوجهت الجهود المرسلية لتصل حتى الهند وأرمينيا (لوريمر ج2 ص2) وأثيوبيا وكذلك للشعوب القوطية. (لوريمر ج3 ص146). وهكذا انتشرت رسالة الإنجيل وزادت رقعة الكنيسة بالرغم من وجود معارضات واضطهادات.

استمرت هذه الروح لعدة قرون، حتى أننا يمكن أن نقول إن تاريخ الكنيسة في القرون الثلاثة الأولى هو تاريخ الإرسالية. لكن هذه الجهود المرسلية لم تستمر بنفس الكيفية؛ حيث طفت على السطح اهتمامات أخرى للكنيسة أخذت الكثير من الجهد. واجهت الكنيسة العديد من الهرطقات والتعاليم الغريبة وخاصة تلك المتعلقة بطبيعة المسيح. ساهمت هذه التحديات اللاهوتية في انقسام الكنيسة وابتعادها عن جوهر إرساليتها. وبالرغم من ضعف الجهود المرسلية المركزية، فإن هناك العديد من الاستثناءات، سواء من بعض الباباوات أو المرسلين الذين أخذوا على عاتقهم حمل رسالة الإنجيل لأماكن جديدة.

اصطدمت الكنيسة بالعديد من أحجار العثرة سواء من انحرافها عن الحق الكتابي الخاص بالخلاص بالإيمان بالمسيح يسوع، أو بسبب انحراف قادتها الذين فضَّلوا المناصب والأموال عن حياة الخدمة والاتضاع. اقتضى هذا ظهور حركة الإصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر، والتي بدأها مارتن لوثر واستكمل مسيرتها العديد من المصلحين.

علاقة الإصلاح بالعمل المرسلي

أما بخصوص علاقة الإصلاح بالعمل المرسلي فهناك رأيان قد يبدوان متناقضين عن اهتمام المصلحين الأوائل بالعمل المرسلي.

أولًا: المصلحون أهملوا العمل المرسلي

يشير عدد من المنتقدين لحركة الإصلاح إلى أن المصلحين الأوائل كانوا غير مبالين بالإرسالية. يذهب البعض منهم في نقده إلى الحدِّ الذي جعل المصلحين مُعادِين للإرسالية. ويكتب في هذا الكاثوليكيُّ روبرت كاردينال بيلارمين، في القرن السادس عشر، مشيرًا إلى إهمال المصلحين (البروتستانت) للإرسالية: “لم يُقال أبدًا عن الزنادقة (أي البروتستانت) أنهم قد حولوا الوثنيين أو اليهود إلى الإيمان، ولكن فقط حولوا مسيحيين آخرين إلى طرقهم المنحرفة”. ((Bosch, 244.

ومن الأسباب التي أيَّدت هذا الادِّعاء عن المصلحين، أن عددًا من المصلحين -وعلى رأسهم لوثر- آمنوا أن الإرسالية العُظمى قد تحققت. في هذا الصدد يقول لوثر عن الوصية المرسلية: “لم يَعُد أحدٌ لديه مثل هذه الوصية المرسليَّة العالميَّة، ولكن كل أسقف أو راعٍ له كنيسة أو رعية معينة هو المُكلَّف بهذه الإرسالية”. (Braaten, 15). كان المصلحون مشغولين بالعالم المسيحي في أيامهم، لقد قاوموا الفساد الذي كان موجودًا في الكنيسة سوء من ناحية التعليم أو من ناحية السلوك. لقد كانت مشغوليتهم داخلية في الكنيسة، خاصةً في أوروبا، لذلك لم يهتموا بالعمل المُرسلي خارج الكنيسة.

رفض المصلحون الباباوية وكلَّ ما يتعلق بها رفضًا تامًّا. لقد أنكروا الدورَ العالميَّ الذي كان يدَّعيه الباباوات، وكان من نتيجة هذا الرفض أنهم رفضوا النشاط المرسلي الكاثوليكي الروماني نفسه. لقد تبرأ المصلحون من منهجية “الإرسالية البابوية” خاصةً تلك التي رافقت القوة العسكرية التي استعمرت بعض البلاد وجعلت سكان هذه البلاد يدينون بالمسيحية تحت الضغط. وضع المصلحون الأسس النظرية والعقائدية للحركات القومية المناهضة للاستعمار، مما ساعد في تقديم دعم شعبي واسع في تلك البلاد للإصلاح الإنجيلي، الذي وقف ضد البابوية ونشرها للدين تحت ضغط القوة الاستعمارية المسلحة.  (Verkuyl, 19). انتقد المصلحون النشاط المرسلي للكنيسية الرومانية الكاثوليكيَّة لأنه كان يتم من خلال الرهبان وليس من خلال عامة الشعب من رعايا الكنيسة. لقد رفض المُصلحون الرهبنة بكل ما تشمله أو تقوم به، بما فيه العمل المرسلي. لقد عابوا على هذه الممارسات أنها تمثل معايير مزدوجة للحياة المسيحية التي تفصل بين الرعية المسيحية والراهب الذي يقوم بالأعمال الصالحة من خلال الإرسالية. (Hagg, 99-100).

واحد من أهم الأسباب التي جعلت الاهتمام بالعمل المرسلي للمصلحين محدودًا هو تفسير ما جاء في إنجيل متى 28: 16- 20 عن الإرسالية العظمى. لقد ظن المصلحون أن هذا التكليف هو خاص بالرسل فقط ولا يخص من جاءوا بعدهم. ولقد عبروا عن هذا بالإشارة إلى أن الإرسالية لجميع الأمم قد تحققت بالفعل على نطاق عالمي في عصر الرسل. لذلك فعلى الكنيسة أن تعظ بالكلمة وتمارس الأسرار المقدسة في نطاقها الجغرافي المحلي فقط. (Braaten, 15).

ساد على فكر المصلحين مثل لوثر وميناثون القناعة بأن مجيء الرب سيحدث في وقت قريب جدًّا، وأن نهاية العالم ستأتي في وقت ما خلال القرن السادس عشر، لذلك لن يكون هناك وقت للكنيسة للقيام بالكثير من العمل المرسلي. (Braaten, 16). كذلك آمن بعض المرسلين بأن موارد الكنيسة محدودة ولا تحتمل صرفها في العمل المرسلي لشعوب، في ظنهم، رفضت رسالة الإنجيل ولا فائدة من الكرازة لهم. (Verkuyl, 19).

وكان لتحول الصراع اللاهوتي بين الكاثوليك والبروتستانت في السنوات التي تلت الإصلاح إلى صراعٍ عسكريٍّ في بعض المناطق في أوروبا دور كبير في ظن المصلحين أن مواردهم محدودة ولا تحتمل صرفها في مجالات لا طائل منها كما كانوا يظنون. (Verkuyl, 19).

أدى ضعف الوعي المرسلي وطبيعة المرحلة التي كانت تمر بها الكنيسة في وقت الإصلاح وأطرها اللاهوتية الضيقة إلى أن تكون الاستجابة للعمل المرسلي محدودة جدًّا. هذا ما اقترحه ودافع عنه منتقدو حركة الإصلاح بحسب ما توفر لهم في عصرهم من حجج وبراهين. ولكن بالنظر إلى الصورة من وجهة نظر أخرى، يمكن القول إن المصلحين فهموا الإرسالية بصورة أخرى تخالف الصورة السابقة من إهمال للعمل المرسلي.