مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

قراءة في “التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس

Watch Now

Download

قراءة في “التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس

قراءة في

 “التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس”

القس سامح إبراهيم

في عام 2018 صدر المجلد الضخم “التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس” عن دار الثقافة بمصر. يتكون الكتاب من 2504 صفحة، وهو في حقيقة الأمر مكتبةٌ كاملة قائمةٌ بين غلافيْن. يحوي المجلد تفسير كل أسفار الكتاب المقدس الـ66، ومقالاتٍ عديدة تتناول قضايا لاهوتية، فكرية، علمية، نفسية، اجتماعية، وسياسيَّة، تتماسُ مع النصوص الكتابية موضوع التفسير. يصف المحرر المسؤول، الدكتور القس أندريه زكي إسطفانوس، العملَ بأنه “عملٌ مهم حيثُ شارك فيه 48 كاتبًا من ست دول عربية من الشرق الأوسط (مصر– لبنان– سوريا– فلسطين– الكويت– الأردن)، ومن خلفياتٍ ثقافية متعددة، وطوائف مختلفة”.

(1)

         أعتقدُ أنَّ هذا المجلد يمثلُ إنجازًا تاريخيًّا كبيرًا، لعدةِ أسبابٍ. أولًا، يُعتبرُ هذا العمل الأول من نوعه في اللغة العربية. لدينا مجلدات غربية كثيرة من هذا النوع الذي تُفسر فيه أسفار الكتاب المقدس كله على أيدي كثيرين من المتخصصين، في مجلدٍ واحد، أبرزها The Oxford Bible Commentary وThe New Jerome Biblical Commentary وقد استعان بهما كثيرون من مفسري “التفسير العربي المعاصر” لكن “التفسير العربي” هو المحاولة العربية الأولى من هذا النوع من الكُتب. يساعدُ هذا العملُ المسيحيين العربَ أن يكون لديهم في مجلدٍ واحدٍ تفسيرُ كلِّ أسفار الكتاب المقدس في عمقٍ وسهولة. ثانيًا، لم يمتلك المسيحيون في منطقتنا تفسيراتٍ تشمل كل أسفار الكتاب المقدس منذ زمنٍ طويل، تحديدًا منذ سلسلة “السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم”، للقس وليم مارش، و”الكنز الجليل في تفسير الإنجيل” للدكتور وليم إدي، والمنشوريْن في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وقد كتبهما مرسلان. بالطبع هناك محاولات فردية لمفسرين عرب قدموا مساهماتٍ جادة في مجال تفسير العديد من أسفار الكتاب المقدس، لكنَّ أسفارًا كثيرة لم نكن نمتلك لها أية محاولات تفسيرية. ثالثًا، أنْ يشترك في كتابة “التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس” 48 كاتبًا فهو أمرٌ يضمن الدقة والتخصص، بدلًا من أن يفسرَ شخصٌ واحدٌ كل الأسفار مما يُعرض العمل لتفاوت المستوى والعمق في الأسفار المدروسة. رابعًا، يكسر هذا العمل الفكرة المأخوذة عنا كمسيحيين عربٍ أننا لا نُحسِنُ العمل معًا، الكتاب اشترك فيه دارسون من دول عربية ومن مذاهب مسيحية مختلفة، وبه أكثر من فريق عمل، ما بين لجنة التحرير العامة، لجنة التحرير الداخلية، لجنة المراجعة اللغوية، ولجنة التنسيق الفني. خامسًا، لقد ساهمت النساء بوضوح في هذا العمل في تفسير بعض الأسفار كسفر أستير وإنجيليْ لوقا ويوحنا، وغيرها، كذلك في كتابة الكثير من المقالات. الأمرُ الذي يساعد على تأكيد دور المرأة العربية في عملية التعليم والتفسير، في تحدٍّ واضح لكلِّ الأصواتِ الأصولية التي تحرم المرأة من مثل هكذا حق.

(2)

في المقدمة العامة للتفسير، والتي فيها يشرح المحررون آلياتِ التفسير المُتَّبَعة، نقرأ أن واحدًا من الأبعاد المهمة في هذا العمل هو “توضيح رسالة النص وشرحها بحيث تتوجه إلى ثقافة المجتمعات العربية، مع الأخذ في الاعتبار، إذا أمكن، هواجسها وهمومها”. بالتالي يؤكد العمل على أمريْن مهميْن: توضيحُ النص بشكلٍ عامٍ، والأخذ في الاعتبار أن هذا التوضيح والشرح يجب أن يتناسب مع المسيحيين العرب بشكلٍ خاصٍ.

         في رأيي ينتمي “التفسير العربي المعاصر” لما يُسمى بالدراسات الثقافية Cultural Studies بامتيازٍ. في كتابه المهم Decolonizing Biblical Studies، يُحلل أستاذُ العهد الجديد Fernando F. Segovia تَطوُّرَ الدراسات الكتابية الحديثة في مجال العهد الجديد عبر أربعة مداخل رئيسة: أولًا، ساد مدخل النقد التاريخي Historical Criticism وأفرعه المختلفة (نقد المصدر، نقد الشكل… إلخ) وأحكم قبضته على حقل الدراسات الكتابية في القرن التاسع عشر وحتى سبعينيات القرن العشرين. منذ سبعينيات القرن العشرين ظهر مدخلان وهما المدخل الروائي  Narrative Criticismوالمدخل الاجتماعي Social Criticism. لكنَّ هذه المداخل الثلاثة كانت تهتم فقط بالنص الأصلي وكاتبه، وتحاول الوصول إلى المعنى الأصلي كما قصدَه الكاتب وفهمَه المُستقبِلُ الأول، تاريخيًّا ونصيًّا (النقد التاريخي)، اجتماعيًّا وسياسيًّا (النقد الاجتماعي)، أو فنيًّا وجماليًّا (النقد الروائي). بكلماتٍ أخرى، كان الاهتمام فقط بالنص وبالعالم الذي يقفُ خلفه. في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين بدأ مدخلٌ جديد يظهر في الدراسات الكتابية، وهو المدخل الحضاري/الثقافي أوCultural Studies محاولًا التركيز على قارئ النصوص الكتابية والمجتمعات الإيمانية التي تقرأ هذه النصوص وتفسرها. مثلًا القراءات ما بعد الكولونيالية/الاستعمارية، وقراءات لاهوت التحرير بأمريكا اللاتينية والتي بدأت التركيز ليس فقط على المعنى الأصلي وما كان يعنيه النص للمستقبل الأول بل أيضًا ما يعنيه النص الآن، الأمرَ الذي أكدَّه براين بلانت Brian Blount في كتابه المهم Cultural Interpretation. يعرض بلانت في هذا الكتاب كيف أن البعد الشخصي والمجتمعي مهم ويحدد خط المعنى الذي يختاره المفسر/المفسرة. طوال كتابه، يقدم بلانت أمثلةً عديدة على هذا؛ مثلًا بولتمان وتركيزه على البعد الوجودي في عملية التفسير، الفلاحون الثائرون في سولينتينام في عملهم الشهير، بتحرير إرنستو كاردينال، The Gospel of Solentiname وقراءتهم الثورية لنصوص الأناجيل، وروحانية الزنوج  The Negro Spiritualفي فترة العبودية بالولايات المتحدة. كان الاهتمام في هذه القراءات ليس فقط ما كان يعنيه النص في الأصل، بل أيضًا ما يعنيه النص للجماعة المعاصرة. مثلًا، قرأ فلاحو سولينتينام الأناجيل قراءةً ساعدتهم في ثورتهم ضد طاغية نيكاراجوا سوموزا، وأخرج الزنوج من النصوص المقدسة ما ساعدهم على الثبات في ظروفهم الرهيبة القاسية. النص هنا ليس فقط مهمًّا فيما يخص معناه التاريخي الأصلي فقط، بل أيضًا مهم في السياق الاجتماعي- السياسي المعاصر. يرى بلانت أنَّ هناك تطرفيْن يجب أن يُصالحا معًا في عملية تفسير النصوص، التطرف الأول مراعاة النص فقط، وهو ما يتضح في منهج النقد التاريخي، والتطرف الثاني هو مراعاة الواقع فقط، وهو ما يتضح أحيانًا كثيرة في لاهوت التحرير. يدعو بلانت لضرورة مصالحة الأمريْن معًا؛ مراعاة النص وتوضيح ما كان يعنيه للقارئ الأصلي وللجماعة الأولى، وكذلك ما يعنيه بالنسبة للمفسر ولجماعة الإيمان التي تقرأ النص الآن.

(3)

في هذا القسم الأخير من المقالة أحاول تقديم أمثلة من “التفسير العربي المعاصر” تؤكد على ما أقتنع به أنَّ هذا العمل ينتمي إلى حقل الدراسات الثقافية؛ من ناحية يهتم بالنص وكاتبه وقُرَّائه الأوائل، ومن ناحيةٍ أخرى يظهر صوتُ المفسر كمُعبِّرٍ ومُمثل لجماعة الإيمان، أيْ المسيحيين العرب، التي يُفسر لها وفيها النص.

         بالنسبة للنص، هناك أمانة كبيرة جدًّا في شرح النص اتبعها كلُّ مفسري “التفسير العربي”؛ حيث أعطى المفسرون أولويةً لشرح الأسفار في لغاتها الأصلية؛ العبرية للعهد القديم، واليونانية للجديد. رغم اتفاقهم على الاعتماد على نسخة فاندايك-البستاني، إلا أنَّ الأمانة للنص الأصلي، جعلتهم يستخدمون منهجية النقد النصي في كثير من الأحيان. يتعرض مفسر رسالة يوحنا الأولى بوعيٍ وأمانة للفاصلة اليوحناوية (1 يوحنا 5: 7–8). الأمثلة عديدة لهذه المنهجية العلمية الأمينة للنص الأصلي والأدق، أبرزها الإشارة الواضحة لخاتمة مرقس (مرقس 16: 9–20) كنصٍّ متأخر، مع ذلك قدم مفسر مرقس شرحًا له. الغريب هنا أن مفسر مرقس قد أعطى اهتمامًا لهذا النص المُضاف، في حين أنَّ نفس المفسر أهمل شرحَ جزءٍ أساسي في الموعظة على الجبل في تفسيره لمتى وهو متى 6: 25–34. أمّا ما كنتُ أرغب فيه هو أن يُعمل بالنقد النصي في نصوص مهمة مثل يوحنا 5: 4، الذي كنتُ أتمنى أن تلفت مُفسرة يوحنا الانتباه إلى أنَّ هذه الآية الخاصة بنزول الملاك وتحريكه لمياه البركة آية مضافة، وبالتالي كان من الممكن أن يُصبحَ النقد النصي أداةً مهمة لمواجهة الفكر الخرافي الغيبي المنتشر في كثير من مجتمعاتنا الشرقية مؤيدًا بالنصوص الكتابية.