أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام: الفرص والتحديات
- Sermon By: مهندس عماد توماس
- Categories: دراسات متنوعة
أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام: الفرص والتحديات
المهندس: عماد توماس
يشهد عالم الإعلام تحولًا جذريًّا بفضل التطور المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي، وتثير هذه التقنيات الجديدة مجموعة من التساؤلات حول الأخلاقيات والقيم التي يجب أن تحكم استخدامَها في هذا المجال الحيويِّ. فقد اكتسبت مسألة أخلاقيات الإعلام في السنوات الأخيرة أهميةً قصوى، سواء أكان ذلك في المؤسسات الإعلامية أو في معاهد وكليات الإعلام أو لدى منظمات المجتمع المدني، وأخذ موضوع أخلاقيَّات الإعلام أحجامًا لم يعرفها من قبل حتى في الدول الغربية التي تنعم أساسًا بقسطٍ كبيرٍ من الحريات الإعلامية، وحيث تحظى وسائل الإعلام بجمهورٍ واسعٍ وسلطةٍ حقيقيةٍ؛ إذ ظهرت الحاجة الملحَّة لتنزيه المهنة وتشجيع ممارستها على أساس قِيَم أخلاقية، بعدما تبين أن تطبيق هذه القِيَم هو عنصر أساسي لنجاح وسائل الإعلام في أداء دورها وللحفاظ على مستواها المهني. وقد ظهر بوضوح أن غياب القِيَم الأخلاقية قد فتح الأبواب أمام كل أنواع الفساد الممكنة، وأضعف ثقة الجماهير بوسائل الإعلام. (جورج صدقه، الأخلاق الإعلامية بين المبادئ والواقع، ۲۰۰۸، ص ٨).
وتُطرَح قضية أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام اليوم في علاقتها مع مبدأ ومفهوم المهنية في ممارسة العمل الإعلامي، على اعتبار أن الالتزام بأخلاقيات المهنة هو الذي يمكن أن يؤسس لإعلامٍ نزيهٍ قادرٍ على لعب دوره ومسؤوليته الاجتماعية تجاه الفرد والمجتمع. وترتبط مسألة أخلاقيات الإعلام في أغلبية الدول العربية بالتقاليد والأعراف والقوانين المشرعة والمتداولة فيها، وصدر في بعض الدول ما يسمى بمواثيق شرف إعلامية، في محاولة للجمع بين هذه الأعراف والتقاليد، ومع ما يتماشى مع مبادئ هذه الدول وأفكارها، وذلك في محاولة لتكوين ضوابط وقيود عامة للممارسة الإعلامية، خصوصًا في ظلِّ تطوُّر وتعقُّد الظاهرة الإعلامية بشكل عام. (حبيب بن بلقاسم وآخرون، أخلاقيات الإعلام في الزمن الرقمي، ٢٠٢٠، 11).
واذا كان اليوم يوجد العديد من المواثيق والمدوَّنات الأخلاقية التي تضع الخطوط العريضة للعلاقة بين الإعلاميين وممارسة مهنة الإعلام والمجتمع، لكن حتى الآن مازالت الحاجة ماسَّةً لوضع دليلٍ أخلاقيٍّ لاستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الإعلام.
مفهوم الأخلاق
يرى عبد العزيز الشريف أن الأخلاق هي مجموعة من المبادئ والقِيَم والقواعد العامة، لتوجيه السلوك البشري داخل المجتمع، نحو تحقيق ما يُعتَقَد أنه الخير، حيث تتمثل غاية الأخلاق، في نهاية المطاف بتحسين العلاقات بين البشر وإعطاء الحياة البشرية معنى يساعد على الحفاظ على قدر من التماسك الاجتماعي، على الرغم من وجود الفوارق والتناقضات داخل المجتمعات البشرية وبينها، والقِيَم، والمُثُل الأخلاقية العليا، والتي وُجِدت في جميع المجتمعات البشرية، حتى في تلك التي تُوصَف أحيانًا بالبدائية (عبد العزيز الشريف، أخلاقيات الإعلام، 2013، ص50).
المبادئ الأخلاقية
تعني دمج المبادئ الأخلاقية مثل: الإنصاف والشفافية والمساءلة، في تصميم وتنفيذ أنظمة الذكاء الاصطناعي، من أجل ضمان تطوير تلك الأنظمة واستخدامها بشكلٍ أخلاقيٍّ ومسؤولٍ، وذلك بوضع إرشاداتٍ أخلاقيَّةٍ واضحةٍ لاستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعيِّ، ومراجعة هذه الإرشادات بانتظام وتحديثها عند الضرورة. (بدون مؤلف، الذكاء الاصطناعي، 2023، ص 303).
المبادئ الرئيسية لأخلاقيات العمل الإعلامي
تُعرِّف ليلى عبد المجيد، المبادئ الرئيسية لأخلاقيات العمل المهنيِّ، بأن الإعلام مسألة مقدَّسة، ينبغي أن يكون دقيقًا غير مُحرَّف أو مخادع أو مكبوت، وضرورة الفصل بين المعلومات أو وظيفة الأخبار والتعليق، أو وظيفة التعليق وإبداء الرأي، وأن يخدم النقدُ والتعليقُ المصلحةَ العامة، لا أن يكون هدفه مجرد الافتراء أو تشويه السمعة، وأن تتضمَّن كلُّ المواثيق الأخلاقية فقرةً تتصل بالحفاظ على سر المهنة. (ليلى عبد المجيد، التشريعات الإعلامية، 2006، ص 234).
أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (Al Ethics)
تشير أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى المبادئ والقِيَم والمعايير الأخلاقية التي تنظم تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وانتشارها واستخدامها. (مرجع سابق، الذكاء الاصطناعي، 2023، ص 301).
نظرة عامة على أخلاقيات الذكاء الاصطناعي
مع استمرار تقدُّم الذكاء الاصطناعي تزايدت أهمية التفكير في الآثار الأخلاقية المترتبة على استخدام هذه التقنية، ومن المهم أن يفهم المواطن في عالمنا الحديث الدور المهم لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي إذا أردنا تطوير أنظمة ذكاء اصطناعيٍّ مسؤولة.
أمثلة من العالم الواقعيِّ على المخاوف الأخلاقية في مجال الذكاء الاصطناعيِّ
الخوارزميات التمييزية: هناك مواقف تدل على أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تميل إلى التحيُّز والتمييز ضد فئاتٍ معيَّنةٍ من البشر. على سبيل المثال، وجدت دراسة أجراها المعهد الوطني للمعايير والتقنية أن نسب الخطأ في تقنية التعرف على الوجه تكون أعلى عند التعرف على وجوه الأشخاص ذوي البشرة الداكنة؛ مما قد يؤدي إلى تحديد هويات خاطئة واعتقالات خاطئة، ومن الأمثلة الأخرى على ذلك استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي في نظام العدالة الجنائية، إذ أظهرت الدراسات أن هذه الخوارزميات يمكن أن تكون متحيّزة ضد الأقليات مما يؤدي إلى عقوبات أقسى.
انتهاك الخصوصية: يمكن أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع البيانات وتحلّلها مصدر تهديد للخصوصية الشخصية، على سبيل المثال: جمعت شركة استشارات سياسية في عام 2018 م بيانات الملايين من مستخدمي فيسبوك (Facebook) دون موافقتهم واستخدمتها للتأثير على الحملات السياسية، وأثار هذا الحادث المخاوف بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات في التلاعب بالرأي العام، وانتهاك حقوق خصوصية الأفراد.
فقدان الوظائف: أثار الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي والأتمتة (Automation) في مختلف الصناعات المخاوف بشأن تسريح البشر من وظائفهم وتأثيره على سُبل عيش العاملين، فعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يؤدي إلى تحسين الكفاءة والإنتاجية، إلا أنه يمكن أن يُؤدي أيضًا إلى فقدان البشر لوظائفهم وتزايد عدم المساواة في الدخل؛ مما قد يكون له عواقب اجتماعية واقتصادية سلبية. (مرجع سابق، الذكاء الاصطناعي، 2023، ص 301).
التحيز والإنصاف : يدل التحيز على ميل خوارزميات التعلم الآلي إلى إنتاج نتائج تُحابي بدائل أو فئات معينة، أو تظلمها بأسلوب منهجي؛ مما يؤدي إلى القيام بتنبؤات خاطئة وإلى احتمالية التمييز ضد منتجات معينة أو فئات بشرية محددة. يمكن أن يظهر التحيز (Bias) في أنظمة الذكاء الاصطناعي عندما تكون البيانات المستخدمة لتدريب الخوارزمية ناقصة التمثيل أو تحتوي على تحيزات أساسية، ويمكن أن يظهر في أية بيانات تمثلها مخرجات النظام، فعلى سبيل المثال لا الحصر: المنتجات والآراء والمجتمعات والاتجاهات كلها يمكن أن يظهر فيها التحيز.
يعد نظام التوظيف الآلي الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لفحص المرشحين للوظائف من أبرز الأمثلة على الخوارزمية المتحيزة. فاذا افترضنا أن الخوارزمية مُدرَّبة على بيانات متحيزة، مثل أنماط التوظيف التاريخية التي تفضّل مجموعات ديموغرافية معينة، ففي هذه الحالة قد يعمل الذكاء الاصطناعي على استمرار تلك التحيزات ويستبعد المرشحين المؤهَّلين بشكل غير عادل من بين المجموعات متجاهلًا الفئات غير الممثَّلة جيدًا في مجموعة البيانات.


