الدين والسياسة بين النسبي والمطلق
- Sermon By: القس محسن منير
- Categories: دراسات متنوعة
الدين والسياسة
بين النسبي والمطلق
القس محسن منير رزق الله
قبل البدء في أي حديث أو الخوض في أية تفاصي ترتبط بموضوع البحث، لا بد من وجود تعريف واضح للكلمتين الأساسيتين اللتين تشكلان موضوع البحث، وهما “الدين”، و”السياسة”. فلم يكن الجدل حول علاقة الدين بالسياسة جديدًا، بل هو قديم قدم الدين والرسالات السماوية وأديان ما قبل التاريخ، وهذا الجدل يعود لنوعية الدور الذي جاء الدين لتجسيده على أرض الواقع، ولنوعية السلوك الذي انتهجه المتدينون استنادًا إلى انتمائهم للدين.
“السياسة” لغويًّا من مصدر هو فِعَالة. وهو مأخوذ من الفعل “ساس” ومضارع الفعل “يسوس”، وسَاسَ الناسَ أي من تولى رياستهم وقيادتهم، وساس الأمور: دبرها وقام بإصلاحها. واصطلاحًا تعني رعاية شؤون الدولة الداخلية والخارجية. وتعبر السياسة عن عملية صنع قرارات ملزمة لكل المجتمع، تتناول قيم مادية ومعنوية وترمز لمطالب وضغوط وتتم عن طريق تحقيق أهداف ضمن خطط أفراد وجماعات ومؤسسات.
“الدين” في اللغة من الفعل دَانَ: خضع وذل وأطاع- الدِّين: اسم لجميع ما يُتديِّن به والجمع أديان- وفي الاصطلاح العام هو ما يعتنقه الإنسان ويعتقده ويدين به.
والآن يمكننا أن نبدأ في دراستنا التفصيلية للموضوع وسيتم هذا تحت عنوانين رئيسيين:
(١) أفكار ومبادئ عامة.
(٢) تناول مسيحي لقضايا سياسية.
أولاً: أفكار ومبادئ عامة:
في عام ١٩٩٩، التقى في طشقند [عاصمة دولة أوزبكستان] ممثلو الديانات والثقافات الكبرى في العالم في مؤتمر دولي تحت عنوان “الدين والديمقراطية” بمشاركة نخبة من المتخصصين الذين اجتمعوا لمناقشة قضية العلاقة بين الدين والسياسة، وهي القضية الرئيسية للمؤتمر، والتي تفرعت منها قضايا تفصيلية مثل ارتباط حركات العنف السياسي بالدين، أشكال العنف الديني، أثر الدين في الممارسات السياسية. وبعد ثلاثة أيام من المناقشات المستفيضة، انتهى اللقاء ببيان تاريخي عُرف “بإعلان طشقند”.
كان هذا الإعلان يدعو إلى الفصل بين جوهر الدين وظواهر العنف باسم الدين، وكان يدعو إلى توجيه الأنظار نحو مَوَاطِن التسامح في الديانات. ومع أن الإعلان تم تعميمه على نطاق واسع وحظي بتغطيةٍ إعلاميةٍ كبيرةٍ واهتمامٍ سياسيٍّ كبيرٍ في العديد من الدول، إلا أن السنوات الثلاث التالية له شهدت استمرارًا لعمليات العنف الديني، والعنف باسم الدين، ودخل العالم في دوامات من العنف والعنف المضاد. لكن ذلك الوضع يجب ألا يحول دون مداومة النظر في تلك القضية المحورية المركزية في هذا الشأن وهي “التماس بين دائرتي الدين والسياسة”. ومع إدراكنا لهذه العلاقة الجدلية بين الدين والسياسة نرى أنه لا بد من محاولة استشراف أفق التعايش السلمي والتوازن العادل بينهما حتى نحول دون دخول الطرف الثالث المرفوض [العنف] في هذه الدائرة.
إلا أنه توجد بعض الأفكار التي يمكن أن تساهم في وجود حلٍّ للخروج من هذا المأزق. وعلى سبيل المثال، إدراك أن المرجعية “المدنية” لا تتجاهل المرجعية “الدينية” إذا تحقق الاجتهاد المستنير القادر أن يوائم بين النصوص الدينية الثابتة ومتغيرات العصر. وثانيًا يحتاج الأمر إلى فهم عميق متبادل لطبيعة ما هو ديني وما هو سياسي. ولن يأتي هذا الفهم إلا بالاعتراف المتبادل بمشروعية النظرة السياسية [النسبية] وضرورة الرؤية الدينية [المطلقة] بالنسبة لمعتنقي هذا الدين داخل كل مجتمع، ولا بد من تكريس هذا الوعي لدى أفراد المجتمع وتأكيده ببرامج تثقيفية ومناهج تربوية توضح ذلك التلازم [النسبي/ المطلق] وتكرس تكاملهما في التفاعل المجتمعي. ثم ثالثًا إدراك أن كل طرح ينفي أحدهما [السياسة، الدين] على حساب الآخر هو طرح زائف ومدمر. بمعنى أن السياسة [المُعتَرف بمشروعيتها] لا يجوز لها أن تسعى لنفي الدين [المُعتَرف بضرورته] لصالحها، وفي المقابل فإنه من الطبيعي والمشروع أن يسعى الفكرُ الديني لتأكيد ذاته بالتعمق في الخبرة الروحية لكن ليس أبدًا بمحاولة الإزاحة المستمرة لدائرة السياسة انطلاقًا من الظن أن كل الحلول الصائبة في كل الموضوعات -حتى السياسة منها- في يد الدين دون الحاجة إلى غيره.
وهذا الأمر الأخير ليس مجرد افتراض ظني وخيالي، وليس مجرد وهم، بل هو تجربة تاريخية طويلة في كلٍّ من المجتمعات المسيحية والإسلامية. فعلى البعد الإسلامي هي تجربة استمرت زهاء ثلاثة عشر قرنًا من الزمان، وما انتهى إليه هذه التجربة كان سيئًا ولم تمثل أبدًا نموذجًا يُحتَذَى أو مثالاً من المستحب تكراره. ولقد أشارت الأستاذة الكاتبة الصحفية القديرة سحر الجعاره في مقال لها بجريدة “الوطن” المصرية في ٢٩/ ٩/ ٢٠٢٠ تحت عنوان “رؤية «بحيري» تركيا بمنهج الشيطان”- أشارت إلى ما يعني أن التاريخ يشهد بوضوح أنه بدءًا من سياسات الدولة الأموية قديمًا وحتى أحلام »أردوغان» التوسعية حاليًا أن »السُّلْطة» هي كلمة السر.. فهي تجسد المحاولات التي لا تتوقف من مرتدي عباءة الدين في امتلاك السلطة السياسية.
وسأتعرض عند الحديث في »تناول مسيحي لقضايا سياسية» -وبمزيد من الاستفاضة- إلى التجربة المسيحية التاريخية في السعي لامتلاك السلطة وفرض ما تراه صحيحًا من وجهة نظرها.
لاحظ بعض منظري عصر الإصلاح مثل [زونجلي] أن السياسة والمعتقد الديني -يجتمعان ولا يجتمعان- فهما لا يجتمعان إذا لا يصح إنشاء أحزاب دينية أو التحدث في الأعمال السياسية باسم الكنيسة أو الزج بها كمؤسسة في دهاليز الصراع السياسي، لكن على الجانب الآخر فالمؤمن بمعتقد ديني معين لا يبقى حبيس داره لا يتعامل مع الآخر المختلف، بل هو ينطلق من واقع القيم التي حددتها له مفاهيمه الدينية ليتعامل مع الآخر ويشتبك مع القضايا المجتمعية المثارة.
رأى البعض، انطلاقًا من مفاهيم وتعاليم الكتاب المقدس، إن تعليم يسوع ومثاله يمكن أن يكون له تأثير في إمدادنا بمادة مرشدة وموجهة وملهمة في مجال الأخلاق الاجتماعية، فكلمات يسوع وأفعاله معًا تعلن عن شخصية متماسكة ذات اتجاه وضمير اجتماعي سياسي- وتم وضعها تحت عنوان «تلميذ يسوع وطريق المسيح» حيث يعيش التلميذ نفس السمات التي لسيده. وسنرى ذلك في بعض الأبعاد والمجالات كالآتي:
- عزيزي القارئ، ستكون الفائدة أكثر شمولاً وعمقًا إذا عدت إلى نصوص الشواهد الكتابية فيما يلي:
- التلميذ ومحبة الله:
أ- مشاركة الطبيعة الإلهية كتعريف للوجود المسيحي: ١يو ١: ٥- ٧؛ ١يو ٣: ١- ٣؛ ١يو ٤: ١٧؛ ١بط ١: ١٥- ١٦؛ كو ٣: ٩ مع أف ٤: ٢٤.
ب- اغفروا كما غفر الله لكم: مت ٦: ١٢؛ مت ٦: ١٤، ١٥؛ مت ١٩: ٢٢، ٢٣؛ كو ٣: ١٣.
ج- أحبوا بلا تمييز كما يفعل الله: مت ٥: ٤٣- ٤٨؛ لو ٦: ٣٢- ٣٦؛ يو ٤: ٧- ١٢.
- التلميذ وحياة المسيح:
أ- الوجود في المسيح كتعريف للوجود المسيحي: يو ٢: ٦.
ب- الموت مع المسيح ومشاركة حياة القيامة: رو ٦: ٦- ١١؛ رو ٨: ١١؛ غل ٢: ٢٠، مع ٥: ٢٤؛ أف ٤: ٢٠- ٢٤؛ كو ٢: ١٢- ٣: ١.
ج- يحب كما أحب المسيح وبذل نفسه: يو ١٣: ٣٤؛ يو ١٥: ١٢؛ ١يو ٣: ١١- ١٦ مع ٤: ٧- ١٠.
د- يخدم الآخرين كما خدم هو: يو ١٣: ١٤- ١٧؛ رو ١٥: ١- ٧؛ ٢كو ٥: ١٥؛ ٢كو ٨: ٧- ٩؛ أف ٥: ٢٥- ٢٨.
- التلميذ وموت المسيح:
أ- التألُّم مع المسيح كأسلوب حياة: ١كو ١٠: ٣٣؛ ١١: ١؛ ٢كو ١: ٥؛ ٢كو ٤: ١٠؛ في ٣: ١٠، ١١؛ كو ١: ٢٤؛ ١تس ١: ٦.
ب- المشاركة في التنازل: في ٢: ٣- ١٤.
ج- قدم حياتك كما قدمها هو: أف ٥: ١ مع ١يو ٣: ١٦.
د- معاناة الخدمة وليس التطلع للسيادة والسلطان: مت ٢٠: ٢٥- ٢٨؛ مر ١٠: ٤٢- ٤٥.
هـ- يقاسي عداوة العالم كالمسيح: لو ١٤: ٢٧- ٣٣؛ يو ١٥: ٢٠، ٢١؛ في ١: ٢٩؛ ٢تي ٣: ١٢؛ ١بط ٤: ١٣.
و- الموت هو انتصار: ١كو ١: ٢٢- ٢٤؛ كو ٢: ١٥؛ رؤ ١٢: ١٠، ١١ مع رؤ ٥: ٩، ١٠؛ رؤ ١٧: ١٤.
لا شك أن في حياة السيد المسيح وتعاليمه ومواقفه ما يؤكد إدراكه الصحيح لمشكلات الإنسان في كل زمان ومكان وكيفية التعامل الفعال معها. الأمر الذي يجعل المسيحية في جوهرها تعبِّر في صفائها ونقائها عن الإيمان والعقيدة، وأيضًا الممارسة العملية في مواقف الحياة اليومية في المجتمعات مجسدة رؤيتها للقضايا الدينية والدنيوية المختلفة والمتشابكة، فلم تكن المسيحية يومًا سلبيةً ومتقوقعةً في برج عالٍ تطل منه على العالم بما يعيشه من مآسٍ وويلات.
حقًّا، لقد كان قول السيد المسيح: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله» هو القاعدة الأساسية التي اعتمدتها الكنيسة منذ بواكير نشأتها. يقينًا منها أنها بذلك تنقي الكنيسة من شوائب السياسة محافظة على أصالة دورها الروحي والاجتماعي في خدمة الإنسان. ولقد تأكدت صحة هذا الموقف من خلال ما حدث تاريخيًّا عندما سعت الكنيسة في العصور الوسطى إلى فرض وجودها السياسي مع إغفال دورها الروحي، مما سمح بتسرب الفساد لدور الكنيسة؛ حيث طفى الطموحُ السياسي على قادتها الذين نزعوا إلى السيطرة على الأمم والممالك باسم الدين والحق الإلهي، حتى أصبح الاهتمام الأول للكنيسة تحقيق مكاسب سياسية، دنيوية، مادية، وأصبح دورها الروحي مجرد شعار زائف تستخدمه لتحقيق مزيد من المكاسب السياسية المقيتة، مما قاد في نهاية الأمر إلى خلق مناخ من الصراع الخفي والعلني بين الكنيسة والسلطات السياسية. وواضح بالطبع أن كل هذه النتائج المؤلمة المحزنة إنما كانت نتيجة طبيعية وحتمية للفهم الخاطئ لدور الكنيسة في الممارسة السياسية.


