الشباب المسيحي بين العلم والإيمان
- Sermon By: القس الدكتور رياض قسيس
- Categories: دراسات متنوعة
الشباب المسيحي بين العلم والإيمان[1]
القس الدكتور رياض قسيس
“لا تخافوا لكونكم مفكرين أحرارًا. إذا فكرتم بقوة كافية ستجبركم العلوم على الإيمان بالله!”[2]
The Lord Kelvin (1824-1907)
عالِم فيزياء، ومهندس تليغراف، اكتشف الصفر المطلق المعروف بصفر Kelvin
في استطلاع للرأي أجريناه حديثًا سألنا الشباب الجامعي المسيحي وطلاب بعض المعاهد اللاهوتية في العالم العربي السؤال التالي: ما هو عدد المرات التقريبي في العام الواحد الذي يتم فيه تناول موضوع الخلق ومتعلقاته في كنيستك أو اجتماع الشبيبة؟ وكانت الإجابة كالآتي:
٢٥.٤٧٪ لا يتم تناول هذا الموضوع مطلقًا
٩.٩٤٪ يتم تناول هذا الموضوع مرة في السنة
١٨.٠١٪ يتم تناول هذا الموضوع مرتين في السنة
١٣.٠٤٪ يتم تناول هذا الموضوع ٤ مرات في السنة
٦.٣٨٪ يتم تناول هذا الموضوع ١٠ مرات في السنة
١.٢٤٪ يتم تناول هذا الموضوع ٦ مرات في السنة
إنّ نتائج هذا الاستطلاع لا تختلف كثيرًا عن استطلاعٍ للرأي أجري في الولايات المتحدة الأمريكية بين مراهقين مسيحيين بين ١٣ – ١٧ من العمر عندما سئلوا ماذا يودّون أن يتعلّموا في المستقبل، ٢٣٪ منهم يرغبون بدراسة الطب والعلوم المتعلقة بالصحة، ١١٪ منهم يفضّلون دراسة الهندسة والهندسة المعمارية، ٨٪ يطمحون القيام بالبحث العلمي، ٥٪ يرغبون بالتكنولوجيا و٥٪ بالطب البيطري. هذا يعني أنّ ٥٢٪ من هؤلاء يرغبون بدراسة العلوم ومشتقاتها. وعندما سئل ١٠٠ قائد للشبيبة عمّا إذا كانوا يتناولون موضوع العلم في اجتماعاتهم ولقاءاتهم لم يجب إلا ١٪ أنّه يفعل ذلك![3] لا شكّ أنّ ثمّة هوّة كبيرة بين احتياجات الشباب وبين ما تقدّمه لهم الكنيسة بخصوص الأمور المتعلقة بالعلم والخليقة. هل المسيحية تجافي العلم؟ ما هي علاقة العلم بالإيمان؟ وهل يستطيع المرء التوفيق بين علمه وإيمانه؟
هل أعاقت المسيحية تطوّر العلوم؟
ثمة اعتقاد شائع أن المسيحية في بداياتها -كما في العصور الوسطى المعروفة أيضًا باسم العصور المظلمة- كانت حجر عثرة في تطور العلوم.[4]
لا شك أن الرسول بولس الذي كان له الأثر الفعال في صياغة الإيمان المسيحي يبدو أنّه تحدّث عن موقف مضاد للفلسفة والحكمة، فها هو يحذّر أهل الإيمان في مدينة كولوسي قائلًا: “اُنْظُرُوا أَنْ لاَ يَكُونَ أَحَدٌ يَسْبِيكُمْ بِالْفَلْسَفَةِ وَبِغُرُورٍ بَاطِل، حَسَبَ تَقْلِيدِ النَّاسِ، حَسَبَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ، وَلَيْسَ حَسَبَ الْمَسِيحِ” (كو ٢: ٨). وفي رسالته لأهل الإيمان في مدينة كورنثوس يكتب: لاَ يَخْدَعَنَّ أَحَدٌ نَفْسَهُ. إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَظُنُّ أَنَّهُ حَكِيمٌ بَيْنَكُمْ فِي هذَا الدَّهْرِ، فَلْيَصِرْ جَاهِلًا لِكَيْ يَصِيرَ حَكِيمًا! لأَنَّ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ هِيَ جَهَالَةٌ عِنْدَ اللهِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «الآخِذُ الْحُكَمَاءَ بِمَكْرِهِمْ». وَأَيْضًا: «الرَّبُّ يَعْلَمُ أَفْكَارَ الْحُكَمَاءِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ» (١ كو ٣: ١٨ – ٢٠). إن تعبيري “الفلسفة” و”الحكمة” زمن الرسول بولس كانا يصفان كلّ ما له علاقة بما يعرف “بالعلوم الكلاسيكية”. ولكن ما يقصده الرسول بولس هنا ليس الحط من قيمة العلوم بل يقوم بعقد مقاربة بين الإيمان المسيحي والعلوم الأخرى بهدف التأكيد على كلّ ما يُبعد الناس عن الإيمان المسيحي. أمّا الكتاب المقدس فيدعو الإنسان إلى الاكتشاف وسبر أغوار الكون. فها هو الله تعالى يدعو النبي أيوب (٣٨: ١٦ – ٣٠) للقيام بذلك:
16«هَلِ انْتَهَيْتَ إِلَى يَنَابِيعِ الْبَحْرِ، أَوْ فِي مَقْصُورَةِ الْغَمْرِ تَمَشَّيْتَ؟ 17هَلِ انْكَشَفَتْ لَكَ أَبْوَابُ الْمَوْتِ، أَوْ عَايَنْتَ أَبْوَابَ ظِلِّ الْمَوْتِ؟ 18هَلْ أَدْرَكْتَ عَرْضَ الأَرْضِ؟ أَخْبِرْ إِنْ عَرَفْتَهُ كُلَّهُ.
19«أَيْنَ الطَّرِيقُ إِلَى حَيْثُ يَسْكُنُ النُّورُ؟ وَالظُّلْمَةُ أَيْنَ مَقَامُهَا، 20حَتَّى تَأْخُذَهَا إِلَى تُخُومِهَا وَتَعْرِفَ سُبُلَ بَيْتِهَا؟ 21تَعْلَمُ، لأَنَّكَ حِينَئِذٍ كُنْتَ قَدْ وُلِدْتَ، وَعَدَدُ أَيَّامِكَ كَثِيرٌ!
22«أَدَخَلْتَ إِلَى خَزَائِنِ الثَّلْجِ، أَمْ أَبْصَرْتَ مَخَازِنَ الْبَرَدِ، 23الَّتِي أَبْقَيْتَهَا لِوَقْتِ الضَّرِّ، لِيَوْمِ الْقِتَالِ وَالْحَرْبِ؟ 24فِي أَيِّ طَرِيق يَتَوَزَّعُ النُّورُ، وَتَتَفَرَّقُ الشَّرْقِيَّةُ عَلَى الأَرْضِ؟ 25مَنْ فَرَّعَ قَنَوَاتٍ لِلْهَطْلِ، وَطَرِيقًا لِلصَّوَاعِقِ، 26لِيَمْطُرَ عَلَى أَرْضٍ حَيْثُ لاَ إِنْسَانَ، عَلَى قَفْرٍ لاَ أَحَدَ فِيهِ، 27لِيُرْوِيَ الْبَلْقَعَ وَالْخَلاَءَ وَيُنْبِتَ مَخْرَجَ الْعُشْبِ؟
28«هَلْ لِلْمَطَرِ أَبٌ؟ وَمَنْ وَلَدَ مَآجِلَ الطَّلِّ؟ 29مِنْ بَطْنِ مَنْ خَرَجَ الْجَمَدُ؟ صَقِيعُ السَّمَاءِ، مَنْ وَلَدَهُ؟ 30كَحَجَرٍ صَارَتِ الْمِيَاهُ. اخْتَبَأَتْ. وَتَلَكَّدَ وَجْهُ الْغَمْرِ.
كما أنّ سفر الأمثال (٨: ١ – ١١) يحثُّ المؤمن على التمسك بالحكمة والسعي نحو الفهم والمعرفة:
1أَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ لاَ تُنَادِي؟ وَالْفَهْمَ أَلاَ يُعْطِي صَوْتَهُ؟ 2عِنْدَ رُؤُوسِ الشَّوَاهِقِ، عِنْدَ الطَّرِيقِ بَيْنَ الْمَسَالِكِ تَقِفُ. 3بِجَانِبِ الأَبْوَابِ، عِنْدَ ثَغْرِ الْمَدِينَةِ، عِنْدَ مَدْخَلِ الأَبْوَابِ تُصَرِّحُ: 4«لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أُنَادِي، وَصَوْتِي إِلَى بَنِي آدَمَ. 5أَيُّهَا الْحَمْقَى تَعَلَّمُوا ذَكَاءً، وَيَا جُهَّالُ تَعَلَّمُوا فَهْمًا. 6اِسْمَعُوا فَإِنِّي أَتَكَلَّمُ بِأُمُورٍ شَرِيفَةٍ، وَافْتِتَاحُ شَفَتَيَّ اسْتِقَامَةٌ. 7لأَنَّ حَنَكِي يَلْهَجُ بِالصِّدْقِ، وَمَكْرَهَةُ شَفَتَيَّ الْكَذِبُ. 8كُلُّ كَلِمَاتِ فَمِي بِالْحَقِّ. لَيْسَ فِيهَا عِوَجٌ وَلاَ الْتِوَاءٌ. 9كُلُّهَا وَاضِحَةٌ لَدَى الْفَهِيمِ، وَمُسْتَقِيمَةٌ لَدَى الَّذِينَ يَجِدُونَ الْمَعْرِفَةَ. 10خُذُوا تَأْدِيبِي لاَ الْفِضَّةَ، وَالْمَعْرِفَةَ أَكْثَرَ مِنَ الذَّهَبِ الْمُخْتَارِ. 11لأَنَّ الْحِكْمَةَ خَيْرٌ مِنَ الَّلآلِئِ، وَكُلُّ الْجَوَاهِرِ لاَ تُسَاوِيهَا».
أما العلَّامة المسيحي ترتليان (١٦٠ – ٢٤٠م.)، الذي سكن قرطاج وكان من أهم المدافعين عن الإيمان المسيحي، فقد كتب: “ما علاقة أثينا [إشارة إلى الفكر الوثني] بأورشليم [إشارة إلى الكنيسة]؟ أي اتفاق بين الأكاديمية [إشارة إلى تعليم أرسطو] وبين الكنيسة؟ أو بين الهراطقة والمسيحيين؟”[5] أما تاتيان السرياني (١٢٠- ١٨٠م.) الذي عاصر ترتليان فخاطب الفلاسفة قائلًا: “ما هو الأمر المشرّف الذي استطعتم إنتاجه جراء سعيكم للفلسفة؟ أي من كبار رجالاتكم استطاع أن يتحرر من الافتخار الباطل؟ إنني أضحك في يومنا الحاضر على أولئك الذين يتبعون مبادئ [أرسطو].”[6]
مع كل هذا فإن ترتليان يُعبّر في عمله عن اللاهوت الطبيعي والإعلاني، لأنه يقرُّ بقوة ما في الوعي البشري تستطيع أن تُشكِّل فكرة عن الله وإن كانت غير واضحة ويستطيع أن يقول: anima maturaliter Christiana مسيحية إنسانية طبيعية. وهذا الفكر ينحدر من الفلاسفة الرواقيين وأخذه ترتليان من سينيكا الفيلسوف الذي كان يُقدّره كثيرًا. كما أنه أخذ مفهوم الطبيعة من الفلسفة الرواقية وتأثر أيضًا بالأفلاطونية.[7]
أمّا إذا انتقلنا إلى القرون الوسطى فلا شكّ أنّ موقف الكنيسة آنذاك من غاليليو ومحاكمته قد أعاق تقدّم العلوم؛ فاليسوعيون المعروفون بدراساتهم وأبحاثهم العلميّة أصبحوا يتردّدون في سبر غور العلوم خشية اعتبارهم من الخارجين عن طاعة الكنيسة.[8]
العلاقة بين العلم والإيمان
احتوى شعار جامعة هارفرد ثلاثة كتب مفتوحة كُتب عليها كلمة veritas اللاتينية ومعناها “الحقّ”، لقد كان أحد هذه الكتب مغلقًا في إشارة إلى أنّ جزءًا من المعرفة والحق لا يُمكن أن يكتشفه الإنسان بمعزل عن إعلان الله. بالطبع نتيجة للفكر الإنساني الذي سيطر على الجامعة بعد سنين من تأسيسها فقد تمّ فتح الكتاب الثالث في إشارة إلى أنّه نستطيع الحصول المعرفة كاملةً بواسطة العقل والمنطق.[9]
هل يتنافى العلم مع إعلان الله؟ وما هي علاقة العلم بالإيمان؟ أعتقد أنه من أفضل التصنيفات لعلاقة العلم بالإيمان هو ما قدّمه الفيزيائي واللاهوتي Ian G. Barbour (1923-2013) موضّحًا التفاعلات المتنوعة التي تحدث بين العلم والإيمان:[10]
- الصراع
يحدث الصراع بين العلم والإيمان عنما يهدد أحدُهُما الآخر بأن يسيطر على شرعية الآخر. فعلى سبيل المثال، عندما يعتقد العالِم أن الأسئلة التي ينبغي طرحها هي فقط تلك المتعلقة بالمواضيع العلمية فيرفض أي دور للإيمان، أو عندما يعتقد دارس الكتاب المقدس أن الفصلين ١و٢ من كتاب التكوين يقدمان تفسيرًا كافيًا لكل ما يتعلق بالخلق وأصل الحياة.
مع ظهور نظرية داروين (وسوف نتحدث عن هذه النظرية بأكثر تفصيل لاحقًا) وما تلاها من اكتشافات وأبحاث علمية ليس أقلها نظرية “الانفجار الكبير” (Big Bang) اعتمد كثيرٌ من المسيحيين أسلوب الهجوم على هذه الأبحاث والاكتشافات وفي هجومهم (المخلص في أحيان كثيرة دفاعًا عن مصداقية الكتاب المقدس كما اعتقدوا) أصروا على أن الكتاب المقدس هو وحده المخوّل بتقديم الإجابات النهائية والصحيحة عن الأمور المتعلقة بالعلم وبالخليقة. لقد رأوا أن نتائج هذه الاكتشافات تستبعد إمكانية وجود الخالق. وبالطبع أدّى مثل هذا الموقف إلى اعتبار العلم مضادًّا للإيمان المسيحي، وذلك أدّى إلى هوة بين ما يتعلّمه جيل الشباب في المدارس والجامعات من علوم تتعلق بالخليقة وبين ما يعلِّمه القائلون بهذا التطابق التام بين العلم والكتاب المقدس. لقد اختبر العديد من الشباب اختبار التواجد بين نارين، نار الكتاب المقدس ونار العلم فوقعوا في حيرة وارتباك. هل من ضرورة للوقوف بين نارين، بين كتابين، بين خيارين؟
ومن الجدير بالذكر أنّ موقف الصراع هذا لا يقتصر على المؤمنين بل يتواجد لدى الملحدين أيضًا. وعلى سبيل المثال، يقول العالِم الملحد Richard Dawkins: “أنا ضدّ الدّين لأنّه يعلّمنا أن نكتفي بعدم معرفة العالم.”[11]
من الطريف والملاحظ، أنّه في خضم هذا الصّراع بين العلم والدين، كيفية التقاء مَنْ يعتقد بالماديّة العلميّة مع مَنْ يتبنّى التّفسير الحرفي الجامد للكتاب المقدس بإنكارهما استحالة الجمع بين الإيمان بالله وبين الاعتقاد بالتّطور، حيث الفكر الماديّ العلمي طوّر “التزامًا فلسفيًّا محددًا واعتبره نتيجة علميّة غير قابلة للنقاش، بينما طوّر الحَرْفيُّون في فهم الكتاب المقدس فهمًا غير علمي للكون، واعتبروه عنصرًا أساسيًّا في الإيمان المسيحي.”[12]
- الاستقلالية
تفيد الاستقلالية أن العلم يختص بالإجابة على السؤال “كيف”، والإيمان يختص بالإجابة على السؤال “لماذا”. وحيث إن هدف الكتاب المقدس هو التركيز على إخبارنا بما نحتاج لمعرفته عن الله تعالى وعن خلاصنا وسلوكنا، وأن العلم هو دليلنا الوحيد لمعرفة حقيقة الخلق من أسباب ونتائج، فوفق هذه الطريقة فإن العلم يتناول الأمور الفيزيائية كالمادة والطاقة والحركة، أما الأمور الفائقة للطبيعة المادية كالله والمعجزات والصلاة والاعلان الإلهي والإيمان فهي مسائل خارج حدود ما يتناوله العلم، وأمام هذه الأمور نتوقع “لا تعليق” من قبل العلماء على قضايا الإيمان، و”لا تعليق” أيضًا من قبل أهل الإيمان على قضايا العلم.
من المدافعين عن هذا الموقف البروفسور Stephen Jay Gouldعالم الحفريات في جامعة هارفرد الذي اعتقد أن العلم والإيمان مختلفان كليًّا وبالتالي ينبغي التعامل معهما على أنهما مجمعان منفصلان للمعرفة ولا علاقة تجمعهما مطلقًا. وصاغ Gould العبارة الشهيرة “نطاقان غير متداخلين” (“non-overlapping magisteria- NOMA).[13]
للوهلة الأولى يبدو لنا أن مثل هذا الفصل يحلّ الإشكالية القائمة بين الكتاب المقدس والعلم، ولكن تكمن المعضلة هنا في أمرين أساسيين:
أولًا، الاعتقاد بأن العلم يتعامل فقط مع الحقائق المثبتة وأن الإيمان يتعامل فقط مع القيم هو اعتقاد غير عملي وليس قابلًا للتطبيق. فعلى سبيل المثال، يعتقد الكثير من علماء الفلك بوجود عوالم كونية أخرى، ولكن هذا الاعتقاد لا يمكن اعتباره مرتكزًا على حقائق علمية ثابتة ونهائية كحقيقة وجود الكواكب. من ناحية أخرى، إذا كنا نعتقد أن عبارات مثل “الله موجود”، و”العنف المنزلي مرفوض” هي حقائق فعلية، فبحسب مبدأ الفصل التام بين العلم والإيمان لا يمكننا اعتبارها عبارات إيمانية، لأن العبارات الإيمانية لا تعبّر عن حقائق واقعية.[14]
ثانيًا، إن مثل هذا التفكير في الفصل القاطع بين العلم والإيمان قد يتضمن وبشكل مبطّن مبدأ مفاده أن الحكم على كل الأمور في هذا العالم يتحدد بناءً على قوانين الطبيعة، مما يؤدي بالتالي إلى إنكار أي عمل معجزي أو فوق طبيعي أو مخالف لقوانين الطبيعة التي يقرّها العلم. بينما الإيمان المسيحي مبنيٌّ في كثير من الأحيان على حقائق مادية لا تتوافق مع قوانين الطبيعة مثل تجسد المسيح وقيامته من الموت. وبناءً عليه فإن الفصل التام والقاطع بين الكتاب المقدس والعلم يبدو لنا أنه لا يؤدي فقط إلى معضلة إمكانية قبول التوجه العلمي برفض كل ما هو مخالف لقوانين الطبيعة بأنه “حقيقي”، وحصر كل ما هو “حقيقي” بما هو “علمي” فقط وحسب، بل أيضًا إلى دفع الكتاب المقدس إلى موقف السكوت والصمت في التعبير عما يحدث في عالم العلم وكأنّ الله محدود فقط في الكتاب الأول (الكتاب المقدس) وليس من شأن له في الكتاب الثاني (الخليقة)، وبذلك نضع ليس أنفسنا فقط بين نارين بل نقحم الله تعالى بين نارين أيضًا!
ثمة بعض الصواب في هذا الفصل بين العلم والإيمان، ولكن الاستقلالية الكاملة بينهما غير واقعية. لا شك أن السؤالين: “كيف” و”لماذا” هما سؤالان مختلفان، ولكن في الإجابة عليهما لا يمكننا إلا أن نرى ثمة علاقة بينهما. فمثلًا، عندما أهدف إلى إنجاز حديقة جميلة (كإجابة على السؤال “لماذا”) لا يمكنني الإجابة على السؤال “كيف” بالقول إنني أود تغطية أرض الحديقة بالإسمنت الأخضر! وبالتالي هناك علاقة لا يمكن تجاهلها بين السؤالين وبين الإجابة عليهما.
من ناحية ثانية، فإنّ التشديد على الاستقلالية قد تدفع البعض باتجاه ما يُعرف باسم “اسكاتولوجيا الهروب”[15] حيث يبتعد المؤمن عن العلم واكتشافاته بحجة تعلّقه بالأمور الآتية الفضلى، وهكذا ينعزل عن الاهتمام بالعالم الذي نحيا فيه سواء أكان هذا الاهتمام بيئيًّا أم اجتماعيًّا أم إنسانيًّا أم اقتصاديًّا أم سياسيًّا.
يُعتبر اللاهوتي السويسري الشهير كارل بارت أحد المؤيدين لهذا الموقف الاستقلالي بين العلم والإيمان؛ حيث يرى أنّ الإيمان المسيحي يعتمد بكليّته على المبادرة الإلهيّة وعلى عمل الله الفاعل في التاريخ، وليس على الطبيعة واكتشافاتها.[16]
- الحوار
شاركتُ مؤخرًا بلقاء نظّمته جامعة أوكسفورد وبرعاية مؤسسة Templeton جمع لاهوتيين، وعلماء في الفيزياء والبيولوجي وفيزياء الكاونتوم وفلاسفة، لمناقشة قضايا مشتركة ولمعرفة مدى مساهمة العلم واللاهوت والفلسفة في العمل معًا لتحقيق خير البشرية. هذا مثال بسيط عن الحوار الذي يمكن أن يتحقق بين العلم والإيمان.
ينطلق موقفُ الحوار من المبدأ أنّ العلم والإيمان لهما ما يقولانه للآخر، وفي الوقت ذاته الإدراك أنّ “الدين لا يمكن أن يتظاهر بكونه علمًا، ولا العلم أنْ يتمّ التّعامل معه وكأنّه دينٌ”.[17] فقضايا مثل تاريخ الكون، وأصل الحياة، وطبيعة الإنسان، والعلاقة بين الفكر والجسد بإمكانها أن تخضع للحوار بين العلم والإيمان. لقد عبّرت الدكتورة فنيس نقولا بولس عن علاقة الحوار هذه عندما كتبت:
إنّ التفكير العلمي والديني ليسا منقطعي الصلة ببعضهما، وبالتالي فإن العلاقة بين الدين والعلم ليست مرفوضة، بل على العكس تمامًا، فهناك ما للدين في العلم وما للعلم في الدين، أي أنّ الدين يمكنه الاستفادة من كل ما يتوصل إليه العلم… كما أنّ العلم بحاجة “إلى نظرة خُلقية وقيمية يحل فيها الاحترام لخير الإنسان، وإلا فإن العلم والمنهج العلمي يكون خطرًا حيث يختفي هذا الاحترام… إن العالم في حاجة إلى القيم الكبرى التي تضفي القيمة على الحياة.”[18]
يتوافق مثل هذا الحوار مع القول الشهير لأينشتاين: “الدين بلا علم ضرير، والعلم بلا دين أعرج.” ومع ما قاله قداسة البابا يوحنا بولس الثاني: “يستطيع العلم تنقية الدين من الخطأ والخزعبلات، ويستطيع الدين تنقية العلم من الروح الوثنية والأمور “المطلقة” الخاطئة. كلاهما يستطيعان جذب الآخر إلى عالمٍ أوسع حيث يتمكنان معًا من النمو والتقدّم.”[19]
- الاندماج
الاندماج هو محاولة دمج العلم والإيمان في إطار واحد كما فعل Teilhard de Chardin الذي حاول دمج التطور البيولوجي بالنمو الروحي اللذين يبلغان ذروتهما في العملية الفيزيائية ومجيء المسيح الكوني.
- التوافق
يشير التوافق إلى أن كلًّا من العلم والإيمان يستطيعان الحفاظ على خصوصيتهما واستقلالهما، كلٌّ في نطاق حدوده، ولكن ينبغي أن تكون البيانات والاعترافات الصادرة عن كلٍّ منهما قابلةً للمصالحة والتوافق المناسبين. وبالتالي فإن إجابة كليهما عن السؤالين “كيف” و”لماذا” ينبغي أن تحظى بالتوافق.
- الاستيعاب
ليس القصد من الاستيعاب ذوبان العلم بالإيمان أو العكس، بل الوصول إلى أقصى حدود التقارب بين الاثنين.
أما من ناحية التّطبيق العملي للمصالحة بين العلم والإيمان فيبدو أنّ هناك أربعة نماذج رئيسة:[20]
- نموذج المصالحة المحافِظ. وفق هذا النموذج يُطلب من العلم أن يغيّر مضمونه ليتوافق مع الإيمان. يمثّل هذا النموذج العالِمان William A. Dembski وPhillip E. Johnson وإلى حدٍّ ما الفيلسوف Alvin Plantinga، على الرغم من أنّ الأخير لا يرفض نظرية التطور رفضًا مطلقًا، إلا أنّه يعتقد بعدم حياديتها إيمانيًّا.
- نموذج المصالحة التقليدي. في هذا النموذج يُطلب من كلٍّ من العلم والدين تغيير بعض من مضمونهما، ولكن لا يُطلب من الإيمان التخلّي عن ثوابته. يمثّل هذا النموذج العلماء Francis Collins و Deborah B. Haarsma و Loren D. Haarsma والفيلسوفة واللاهوتية Nancy Murphy واللاهوتي Alister McGrath.
- نموذج المصالحة الليبرالي. في هذا النموذج يُطلب من العلم أن يستمر كما هو، ويُطلب من الإيمان أن يتغيّر حتّى في ثوابته. يمثّل هذا النموذج العالِم واللاهوتي Arthur Peacocke والعالِم Ian G. Barbour واللاهوتي Gordon D. Kaufman.
- نموذج ما بعد الحداثة للمصالحة. بموجب هذا النموذج فإنّ المصالحة بين العلم والإيمان لا يمكن أنْ تتحقق إلا بتغيّر كلٍّ من العلم والإيمان. يمثّل هذا النموذج الفيزيائيُّ والمؤرخ والفيلسوف Thomas S. Kuhn والفيلسوف Friedrich Wilhelm Nietzsche.


