المطلق والنسبي.. قليل من العلم كثير من الخرافة!
- Sermon By: هاني لبيب
- Categories: دراسات متنوعة
المطلق والنسبي.. قليل من العلم كثير من الخرافة !
هاني لبيب
أحد أهم مرتك ا زت الثقافة العربية هو الت ا رث في مجمله “الفكري والثقافي والديني والفولكلوري”،
وقد ارتبط دائ م ا في العقل العربي بثنائية. ثنائية “الماضي والحاضر”، “الأصالة والمعاصرة”،
وكذلك “العلم والدين”. وقد رفض البعض إعمال العقل في نقد هذا الت ا رث، وهو موقف متطرف
قابله تطرف آخر، إذ ظهر من يدعون للتمرد على الت ا رث، وكل ما هو قديم، بل والشك فيما
جاء به وعنه، وبالتالي، ترسيخ فكرة النسبي المتغير في مقابل المطلق الثابت.
في تقديري ، وحسب التجربة الإنسانية، يمكن تحديد أبسط تعريف ل”المطلق” بأنه التام الكامل
المتجاوز للزمان والمكان، ولا يرتبط بأرض أو شعب ولا بظروف ويتسم بالثبات والعالمية، أما
تعريف “النسبي” فهو كل تفسير لأي ظاهرة طبيعية أو علمية أو اجتماعية… ارتبا ط ا بالزمان
والمكان، والتغير بتغيرهما وتطورهما حسب السياق.
ملاحظات وتصو ا رت
* في حياة الإنسان العديد من الثوابت المطلقة والمتغي ا رت النسبية، وما يندرج تحت النسبية
أضعاف الأمور المطلقة، خاص ة في ظل التطور الصناعي والتقني والتكنولوجي. إن فهم الواقع
مع ق د ، وفهم الماضي أكثر تعقي د ا، بل ويحمل العديد من الروايات التي يشوبها التناقض والنقص
تارة، وصياغتها بشكل يصل إلى حد التزوير المتعمد تارة أخرى… تأكي د ا على مقولة خطيرة
منتشرة تقول إن “التاريخ دائ م ا يكتبه المنتصرون”، لا المؤرخ ون الذين يقعون أسرى للصورة
الذهنية التي ص د رها لنا المنتصرون. إن المرجعيات ومعنى الأخلاق وسؤال المبادئ والقيم…
أصبحت لها تفسي ا رت نسبية يتعامل معها كل إنسان بشكل مختلف عن غيره.
* على مدار التاريخ، تحمل المعرفة في طياتها عل م ا مستق ا ر وجه لا مستم ا ر بكل ما هو غامض
وغير معروف، وهو ما يحفز دائ م ا على البحث ويدفع إلى الم ا رجعة والتقييم؛ فالمعرفة تعني
نظريات وحقائق وب ا رهين وتجارب حسب أحدث ما تم التوصل إليه العلم، وتتغير تلك المعرفة
إذا ما تغيرت تلك الحقائق حسب التطور العلمي للنظريات مثلما حدث مع نظرية النسبية.
أما على المستوى ال ق ي م ي والإنساني، فإنه يمكن الاتفاق على أن حياتنا تحكمها ثنائيا ت نسبي ة :
الجمال والقبح، الذكاء والغباء، القوة والضعف، المعرفة والجهل، السعادة والحزن. كما يختلف
تطبيق بعض المفاهيم، مثل قيمة النجاح التي ي ا رها فريق في الجانب التعليمي والأكاديمي،
وي ا رها فري ق ثا ن في العمل وتولي مناصب مرموقة وقيادية، وي ا رها فريق ثالث في الحب، بينما
ي ا رها فري ق ا ربع في تكوين الأسرة، كما ي ا رها فري ق خامس في جمع الثروات واقتناء المال…
وهكذا.
* استنا د ا إلى ما سبق، نميل إلى فكرة أنه إذا كانت القيم ثابت ة ومطلق ة ، فإن تطبيقها نسب ي
حسب الزمان والمكان والأشخاص؛ أي أن سياق تطبيق هذه القيم هو الذي يجعلها نسبية.
فالعدل والمساواة والحرية مفاهيم يطالب بها الإنسان منذ بداية الحضا ا رت… لكن اختلف
تطبيقها حسب التطور الحضاري وحسب الأيديولوجيات، وهو ما يؤكد على أنه على مر التاريخ
لم نجد حيا د ا حقيق يا أو حرية مطلقة. الأمور جميعها نسبية تختلف من ثقافة إلى ثقافة ومن
حضارة إلى حضارة، وهو ما يجعل أحكامنا ونظرتنا للظواهر والأفكار تختلف بين قبولها
واعتناقها في فترة ما وبين رفضها واستهجانها في فترة أخرى.
* لا خلاف حول فكرة أن منطلقات الإنسان الفكرية والثقافية والدينية مختلفة ومتعددة ومتنوعة،
فمعايير الأحكام ومقاييسها غير متشابهة. الاختلاف هو سيد الموقف، فلا نجد مث لا تعري فا
واح د ا متف قا عليه ل”الحقيقة”، وليس من السهل تعريفها، لتعدد تعريفاتها بين الفلسفات وبين
الثقافات وبين العلوم القانونية والاجتماعية. وهكذا فإن الثوابت الدينية واحدة عند أتباعها، ولكن
أساليب تفسيرها متعددة حسب السياق التاريخي والاجتماعي ومستويات الإد ا رك العقلي لمحت و اها
ومضمونها. وربما يكون أفضل نموذج على ذلك هي قاعة المحكمة التي يجلس فيها الجميع
منتظرين حكم القاضي في قضية قتل، عائلة القتيل تنتظر القصاص بغ ض النظر عن السبب
الذي تسبب في مقتله، وتنتظر عائلة القاتل دفاع المحامين استنا د ا إلى أي ثغ ا رت في القضية
للحصول على أفضل حكم، بغ ض النظر عن كونه مجر م ا قات لا . يرى كل طرف أن الحق معه
وحده والصواب حليفه، وأن غيره على خطأ، بل وليس له أي حق من الأصل.
تجديد الفكر


