اسم الكاتب :د. ماجد عزمى
منذ أيامٍ، استضاف برنامجٌ تلفزيوني شهير أحدَ الخبراء ليتحدث عن الآثار المترتبة على جائحة كورونا، فبدأ الضيف حديثه بالتشبيه التالي:
“في عام 2008 تعرض العالمُ لأزمةٍ مالية ضخمة سبَّبت نتائجَ سيئةً لكل البلدان، وكانت الأزمة المالية شبيهة بتعرُّض إنسانٍ لأزمة قلبية، جلطة سدت الشرايين، فتوقف الدم عن التدفق، ولزم الكثير من العلاج لإذابة الجلطة، وإرسال مزيد من الدم (المال) للأماكن المتضررة. ولكن بشيء من التعاون تجاوز العالم هذه الأزمة، أما الأزمة الحالية، المتعلقة بتأثير جائحة كورونا على العالم، فهي ليست كسابقتها، انسداد، وتعطل لسريان الدم بعدها تعود الأمور لسابق عهدها، لكن الأزمة الحالية تشبه سيارةً ضخمةً صَدَمت هذا الإنسان المسكين الذي تعرض للجلطة في 2008، السيارة هشمت عظامه، وأحدثت جروحًا في أماكن متعددة، وسال دمه على قارعة الطريق وفقد الوعي، لذلك يلزم الكثير من التدخل بصورة تفوق التوقعات لعلاج هذا الحادث الذي سيستمر أثره لسنين طويلة”.
أعجبني هذا التشبيه لأنه يصف بدقة تشعب الآثار المترتبة على أزمة جائحة الكورونا؛ فالأزمة بدأت في القطاع الصحي، لكنها انتشرت لتطال بقية القطاعات: القطاع الاقتصادي والمجتمعي والديني والأخلاقي والثقافي.
اكتسح طوفان الوباء الهادر كل أودية العالم، مغيِّرًا شكل العالم الذي اعتدناه لسنين طويلة. ولفترة طويلة قادمة ستظل سفينة البشرية طافيةً بغير هدى فوق تيارات ولجج الوباء باحثةً لها عن مُستَقَرٍّ ترسو عليه، لتعيد البشريةُ من بعده صياغةَ الحياة فوق الأرض بمعادلاتٍ أخرى تختلف -جملةً وتفصيلًا- عن تلك التي سبقت الوباء. هذا الوباء الذي يشبه الطوفان في أن معظم الآثار المدمرة التي حدثت منه ما كانت لتحدث لو استجاب البشر لتحذيرات واضحة أهملوها، مثلما أهملوا في القديم تحذيرات الطوفان وإن كان الاختلاف هنا هو أن مصدر الطوفان هو الإنسان بسلوكياته الخاطئة عبر السنين.
في السطور التالية سنتناول بالبحث خمس مساحات طالتها مياه طوفان الكورونا بقسوة، فغيَّرت شكلها القديم، وحتى كتابة هذه السطور لا تزال المياه تغمر الكثير منها بصورة تجعل رؤية الوضع النهائي غير متاحة حتى الآن.
كان البشر قبل الجائحة يسيرون بأجندات متخمة بالمواعيد، اجتماعات، لقاءات، سفر، مؤتمرات، حتى العطلات والإجازات كانت تتم بالحجز باليوم والساعة. كان تغيير أحد المواعيد يُعَدُّ من الأمور المستحيلة، الجميع يعملون بدون توقف، والأسرة تدفع الثمن؛ وقت قليل غير كافٍ يقضيه الجميعُ مع أسرهم. الجميع مارسوا التباعد الاجتماعي قبل أن يفرضه الوباء؛ فالتباعد الاجتماعي لا يعني أن أترك مترًا ونصف المتر بيني وبين من يليني في صف السوبر ماركت، وإنما يعني أن أترك أبنائي دون أن أتحدث معهم يوميًّا عن أحلامهم وآمالهم، أن أهمل أهلي الذين باتوا في أمس الاحتياج إليَّ بعد أن طعنوا في السن، التباعد الاجتماعي هو ألا أتواصل مع القريبين مني الذين يشكِّلون الأولوية في حياتي، وأقضي حياتي متواصلًا مع آخرين لا يتذكرون اسمي بعد أن أغيب عن أعينهم. حظر التجوال وحظر السفر وتوقف العمل أثبت للجميع أننا كنا نحيا في وهمٍ صنعناه بأنفسنا عن مشغولية كاذبة وأمور كنا نظن أنها إذا توقفت سيتوقف العالم عن الدوران، ولكنها توقفت واستمرَّ العالم في الدوران، واكتشفنا كم كان مفهوم الأسرة مشوَّشًا في الأذهان، وكم كانت الأولويات معكوسةً في حياتنا، جاءتنا الفرصة لنقضي وقتًا مع الأشخاص الجديرين بذلك، واكتشفنا صدق مقولة “زيج زيجلر”: “إن كلمة “حب” يتم كتابتها هكذا “و ق ت” وقت”. أن أفضل أسلوب للتعبير عن محبتي لأطفالي أن أقضي وقتًا معهم لا أن أسافر إلى آخر الكرة الأرضية لأحضر لهم لعبة غالية يلعبون بها في الليالي الباردة التي يقضونها بمفردهم في وحدة مفتقدين فيها دفء حضن الأهل.
إن إعادة ترتيب الأولويات ستكون من أولويات البشرية في إعادة تقييم حياتهم التي ستشهد اختلافًا جذريًّا في الوقت القادم، بالذات بعد أثبتت الجائحة أن الكثير من الأمور التي كنا نغادر المنزل لأجلها يمكن أن تُنجَز من المنزل، وأن كل من كنا نتركهم لمقابلة آخرين هم الأجدر بالوقت والمحبة والتكريس.
قبل الجائحة كان العالم يعيش في إطار من الاستهلاك الشديد لكلِّ ما هو مادي، سلع كثيرة يتم خلق احتياج لها في نفوس البشر، ثم يتم دفع البشر لشراء السلع التي تبلى أو تتغير موضتها، لتظل المصانع تعمل على مدار الساعة لتشبع هذا النهم الشديد للاستهلاك المادي.
إن كلمة استهلاك تأتي في الأصل اللغوي من المصدر “هلك” (هـ ل ك)، هذا النمط من الحياة لا يؤدي فقط الى هلاك الإنسان، وإنما هلاك البيئة، وهلاك موارد الأرض. لقد كشفت الجائحة عن نمطٍ غير متوازن كان سيؤدي -إذا استمر بنفس الوتيرة الشرهة للاستهلاك- إلى هلاك الإنسان والطبيعة وموارد وخيرات الأرض.
بعد أيام من الحظر وتوقف المصانع، بدأت سماوات المدن الكبيرة في التخلص من التلوث العالق بها؛ فظهرت السماء صافيةً، وأصبحت جداول المياه أكثر نقاءً، وتنفس البشر هواءً نقيًّا في مدن كان مستوى التلوث فيها وصل إلى نسب قياسية، لم تكن المشكلة الوحيدة التي تكشفت في المادية والاستهلاك هي حجم التلوث، لكن أيضًا في ماذا يصنع البشر في المصانع على مدار السنين؟ وكانت الإجابة المذهلة هي أن ما يصنعه البشر من السلاح وأدوات التدمير والموت يفوق ما يصنعونه من أجهزة أو منتجات تساعد على البقاء على قيد الحياة، وكأن كلمة الاستهلاك هي بالفعل الباب الرحب للهلاك وليس للحياة. سيتعين في المستقبل أن يجلس الساسةُ والقادة ليعيدوا توزيع الميزانيات، وتحويل مسارها من الذهاب إلى مصانع الصواريخ والدبابات لتذهب الى مصانع الأدوية واللقاحات، وسيتعين على البشر إيقاف هذا النمط الاستهلاكي المتنامي ليجعل الحياة أكثر جودة بمنتجات كلما قل عددها زادت السعادة في القلوب وليس العكس.
يسير تاريخ البشرية كله في دوائر تعود بالإنسان دائمًا الى نفس النقطة، المعرفة، تلك النقطة التي شهدت غواية الحية لحواء وآدم والدعوة لهما أن يصيرا كالله عارفين الخير والشر. كانت شهوة المعرفة المحرِّكَ الأول الذي أسقط الإنسان الأول، ولا يزال حتى الآن هو المحرك الأعظم لخطوات الإنسان ونشاطه اليومي، حتى وإن اختلفت الملابسات، فآدم وحواء طلبا المعرفة بدافع الكبرياء وربما الاستقلال. أما إنسان اليوم فهو يطلب المعرفة بحثًا عن السلام واليقين، فالجهل وعدم المعرفة دائمًا ما يثيران الخوف والرعب في داخل كل إنسان. ربما لهذا السبب رسمت شركة آبل شعارها تفاحة مقضومة للتذكرة بالحلم القديم وللوعد بأنها ستمنح المعرفة لمستهلكي منتجاتها، وللسبب نفسه تحرص وكالات الأنباء على التنافس لنقل المعلومة وقت حدوثها ويتندر البعض بنقل المعلومة قبل حدوثها.
المعلومات تعطي معرفة، والمعرفة تمنح سلامًا للقلوب الحائرة التي لا تعلم من أمر الغد شيئًا. مع الثورة المعرفية والتكنولوجية أصبح تبادل المعلومات أسهل في العصر الحديث، وصارت المعرفة قريبة جدًّا من كل إنسان، حتى صارت مشكلة العقود الأخيرة هي تزاحم المعلومات وتخمة المعارف، وانتقل البشر من مرحلة البحث عن المعرفة والمعلومات إلى مرحلة ماذا نفعل بكل هذه المعلومات المتاحة لدينا. ومثلما شهدت الثورة الصناعية انقلابًا في الإنتاج والاستهلاك وصار الإنسان ينتج أكثر مما يحتاج ويصارع لأجل استهلاك كل ما أنتجه، بالمثل بعد ثورة المعلومات أصبح الإنسان يعرف أكثر مما يستطيع أن يستوعب ويفهم، وصار يصارع للتعامل مع كل هذه المعلومات المتاحة.
حتى أتي طوفان الوباء ومعه أمواج كاسحة من عدم اليقين، الإجابات المسيطرة على كل المسؤولين هي: “لا نعلم، لا نعلم…” طوفان من الأسئلة الحائرة بلا إجابات غمرَ قلوبَ البشرية: من أين جاء الوباء؟ كم سيستمر؟ كيف نتعامل معه؟ متى ينتهي؟
وإلى الآن لا يزال طوفان الأسئلة يملأ العقول. سادت حالة من الهستيريا في مواقع التواصل الاجتماعي، إجابات مفتعلة وتخمينات مبنية على خبرات سابقة لا تتشابه مع الموقف الحالي، واقتراحات لحلول وتناقل إحصائيات عن موعد النهاية. الجميع يفكر بالأمنياتWISHFULL THINKING ؛ أي يطرح ما يتمنى أن يكون كأنه حقائق مؤكدة وذلك في محاولة لاستعادة السلام المفقود.
لقد حطم الوباء وهم المعرفة لدى كل إنسان ونزع اليقين من القلوب، ومع اليقين المفقود تسلل السلام والهدوء ليحل الخوف من المجهول، الجائحة لمست النفوس مع الأجساد، وإذا كان تعداد من أصابهم الفيروس في العالم يقترب حتى كتابة هذه السطور من 17 مليونًا، فإن من أصابه الخوف المرضي من الوباء يقترب من عشرة أضعاف هذا الرقم، أدوية الاكتئاب والقلق زادت مبيعاتها لأرقام فلكية، الوجوه المثبتة على شاشات الهواتف بحثًا عن معلومة تمنح سلامًا لا تجد إلا إحصائيات مبهمة وأخبارًا متضاربةً.
وسط مياه الحيرة المثلجة، يقف العالم الآن يرتعش من القلق والخوف، يراقب تراجع التأثير الجسدي للجائحة، لكنه لا يجد تراجعًا في التأثير النفسي؛ فكل الدلائل تشير إلى معاناة الكثيرين حول العالم في المستقبل من اضطراب ما بعد الصدمةP.T.S.D. ، ذلك الاضطراب الذي يعلن أنه حتى وإن جفت مياه الطوفان من على أجساد البشر ستظل قلوبهم الباردة ترتعش وهي تبكي يقينها المكسور الذي حطمته الجائحة ودفنته تحت أكوام من أسئلة حائرة بلا إجابات شافية.
الدين هو المعتقد الذي ينظم علاقة الإنسان بالله، وفي العصور الأولى للبشرية عبد البشر آلهة متعددة، وكانت عبادتهم للآلهة تستمر ما دامت حياتهم بخير وسلام، ولكن حين تحل الكارثة يصرخ البشر للآلهة التي لم تكن تستجيب بالطبع، فيتحول الإنسان عنها ويغير الإله ويقول لنفسه: “لا بأس لقد كنت أعبد الإله الخطأ”. حتى جاءت الأديان ومعها إعلان عن الإله الواحد، خالق الكون، العظيم القادر على كل شيء، واستراح البشر لاكتشاف الله وعبدوه من خلال الأديان المختلفة، حتى جاءت الجائحة لتضرب سلام البشر الداخلي وإحساسهم بالحماية من قِبَل الله. لقد كانت البلاد المتضررة بصورة كبيرة من الوباء في البدايات هي بلاد لها طابع استضافة أحداث دينية؛ إيطاليا مثلًا ولقاءات ساحة القديس بطرس في الفاتيكان، إيران واحتفالات الشيعة، كوريا الجنوبية وامتناع بعض الكناس عن الإغلاق، الأمر الذي اعتذر عنه راعي الكنيسة لاحقًا. كل هذه الأماكن كان الناس فيها يزدحمون في شعائرهم الدينية وهم يعتقدون أنهم -بحسب إيمانهم- محاطون بحماية تامة من الله، حتى في عيد القيامة ورمضان وعيد الفطر لاقت تعليمات إغلاق الكنائس والمساجد رفضًا عنيفًا، وحاول البعض تجاوز التعليمات وهو مقتنع تمام الاقتناع بأن الله يحمي المخلصين من أتباعه وبالطبع كان يفعل ذلك بكل إخلاص.
منذ ثلاثة عقود تقريبًا، بالتحديد منذ ظهور علم النفس والمشورة والعلاج النفسي بقوة على سطح المجتمعات الإنسانية كطريقة لتقديم الراحة للبشر المتألمين والمحتاجين للمشورة، أو المحتاجين لعلاج بعض الأمراض النفسية، منذ ذلك الحين، دخل الدين منافسًا للعلوم الإنسانية والطبية في تقديم الراحة على الأرض من المشاكل المختلفة، وبدأ البعض ليس فقط في تقديم الدين كمصدر للراحة -وهو بالفعل مصدر للراحة والسلام إذا استطاع أن يصل بالإنسان إلى الله في مصالحة واعية- ولكن بعض رجال الدين هاجموا أيضًا علم النفس والمشورة والطب النفسي ليجعلوا من الدين السبيل الوحيد للراحة. وكان لزامًا على مقدمي هذا الفكر أن يضعوا شروطًا للوصول إلى الراحة فقالوا للبشر بأنك إذا كنت شخصًا مطيعًا للوصايا، محبًّا لله، ستنال البركة والصحة، وإذا كنت متعديًا وشريرًا، أو في حياتك خطية، ستنال العقاب والضعف والمرض. واستمر هذا النمط من التعليم حتى أتت الجائحة، ورأينا أشخاصًا أتقياءَ صالحين يمرضون، ورأينا أشخاصًا نعلم عنهم عدم التقوى لا يمرضون، وهنا ثار السؤال الشبيه بما سأله رجل الله في القديم: “أخبرني يا سيدي إن كان الله معنا فلماذا أصابتنا الكورونا؟!”
ومع تكرار السؤال اختلفت الإجابات غير المتيقنة، لذلك سيكون لزاما على المجتمعات أن تجتمع لتناقش أركان إيمانها بالله، وهل هي حقًّا تؤمن بالله، أم تؤمن بالدين والطائفة (والفارق كبير)؟ هل الدين هو للراحة أم للإصلاح؟ هل تفسيراتنا للدين تخرج من قناعاتنا وأهوائنا التي نضيف إليها بعض الآيات المقطوعة من سياقها لنروج لراحة وهمية للأتباع على الأرض؟ وان كنا موعودين بالراحة على الأرض فلماذا نتطلع للسماء؟ أو لعلنا -بالحقيقة- لا نتطلع للسماء!
حين ظهر لفظ العولمة كان يعني عولمةً اقتصاديةً، وجَعْل الشركات الكبيرة عابرةً للحدود، مما يتيح توزيعًا أكبر للمنتجات واستهلاكًا أكثر، وعولمة ثقافية تسمح بانفتاح الشعوب على الثقافات المختلفة وتبنِّي ما تريده منها، مما يغير عادات الشعوب ونمط الحياة بها. لكن كذلك صار هناك عولمة صحية وبائية؛ فالمرض يمكن أن يبدأ في الصين ثم يسافر إلى كل العالم ليصبح وباءً عالميًّا، وصار تعبير “العالم قرية صغيرة” تعبيرًا شديد الواقعية. ومع انتشار المرض في جميع البلدان، انتشرت الأزمة الاقتصادية بنفس القوة والعنف، الملايين تركوا وظائفهم، أو انخفض دخلهم وتآكلت مدخراتهم، الأمر الذي دعا الدول المختلفة إلى التفكير في اتجاه مغاير للعولمة ومعاكس للتعاون -بعكس أزمة 2008- فبدلًا من أن تتكاتف الدول لتخفيف آثار الجائحة على العالم، أغلقت كل دولة حدودها عليها بالمعنى الحرفي والمجازي، فصارت الدول تفكر في حلول مختلفة للأزمة، كل دولة تفكر في لقاح خاص بها، بعض الدول كالولايات المتحدة احتكرت دواءً بعينه شرعت في تخزينه ليكون خاصًّا بمرضاها، وقبلها حولت دول مسارات سفن كانت تحمل كمامات لدول أخرى لتستولي هي عليها في مشهد من الأنانية الدولية لم يسبق له مثيل.
ومثلما فعلت الدول فعل الأفراد داخل الدول، فاهتم التجار برفع أسعار السلع التي تشهد إقبالًا، وأخفوا سلعًا أخرى ليرتفع سعرها، وعلى غرار أنانية الدول والتجار أدلت الشعوب بدلوها في بئر الأنانية ومارس المشترون كل مظاهر العنف الأناني في الهجوم على الحوانيت لاقتناص السلع بكميات كبيرة للتخزين ولم يسلم من هذا الهجوم الأناني حتى ورق التواليت، الذي صار شاهدًا على حقبة قادمة سيحيا فيها الكل بمنطق “أنا بعدي الطوفان”. وعندما نتحدث عن الكل فإننا نقصد شعوبًا وبلدانًا، سياسات جماعية وفردية، سيشهد العالم في المستقبل القريب أزمة من الأنانية الشديدة التي يغذيها الخوف، وستسود المجتمعات الصغيرة والكبيرة توترات الحفاظ على الحياة، حتى ولو على حساب حياة الآخرين. لقد بدأ التعاون الدولي يتلاشى ليحل محله سياسة براجماتية نشهد في مقدمة مظاهرها انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من منظمة الصحة العالمية، وسينسحب هذا التيار الأناني ليشمل الأفراد والعلاقات، وسينتج عن هذا تضاعف للفقر والعنف، ليس بسبب ما فعلته الجائحة في العالم وإنما بسبب ما فعلته البشرية والحكومات بنفسها أثناء معالجة أزمة الجائحة.
إن إعادة ترتيب الأولويات ومفهوم أهمية العلاقات، جنبًا إلى جنب مع إعادة التفكير في نمط الاستهلاك والإهلاك المادي، وتغيُّر لغة الإيمان ومعطياته، مع التوجُّه الأناني للأفراد والمجتمعات سيشكلون الأساس الأكبر للتغيُّرات المجتمعية التي سيشهدها العالم في الوقت القادم.
ربما سيكون كل هذا محاطًا بثورة في استخدام الإنترنت والتطبيقات أون لاين، لكن دائمًا ستخضع التعاملات الإنسانية لهذه المحددات الأربعة، التي ستغير كثيرًا في سلوك البشر وتوجهاتهم.
وأخيرًا كما أسلفت في البداية لا تزال سفينة البشرية تترنح بغير هدى فوق تيارات ولجج الجائحة، والبشر بداخلها منقسمون على أنفسهم، يحلمون باليابسة لكن لا يفعلون ما يذهب بهم الي هناك، ولكنهم في كل صباح يفتحون طاقة وسائل التواصل الاجتماعي لعلهم يجدون الخبر المُنتَظَر، خبر عودة الحمامة حاملةً غصن الزيتون الذي يعلن ظهور اليابسة وانتهاء الطوفان، لكن السفينة لا تزال تائهة، والحمامة لا تزال تطير تحت الشمس الحارقة دون أن تجد مُستقَرًّا لقدميها المتعبتين أو دفئًا لقلبها المرتعش.
اسم الكاتب :الدكتور إيهاب الخراط
يمكننا أن نضع التحديات التي تشكِّلها جائحة الكورونا لنا تحت ثلاثة عناوين كبيرة:
أولًا العزلة: فرضت الكورونا علينا جميعًا عزلة في بيوتنا وعزلة بعيدًا عن كنائسنا وأصدقائنا. عزلة في تأدية أعمالنا في كثير من الحالات وعزلة بعيدًا عن مباريات كرة القدم أو حفلات الزفاف أو حتى الجنازات وسرادقات التعزية.
ثانيًا: تشكل الكورونا خطرًا مبهمًا؛ أي أنها ليست كأخطار الحريق مثلًا أو الزلازل أو حتى أمراض مثل البلهارسيا أو الكبدي الوبائي أو الإيدز. فهي، من جهة، مرضٌ سريع العدوى، يحدث في سياق الحياة اليومية العادية، ولا نراه ولا تحتاج العدوى به إلى مشاركة أدوات حادة أو جنس غير آمن كالكبدي الوبائي أو الإيدز، ولا سلوك معقد كالبلهارسيا. بل قد يصيبنا في مسار حياتنا اليومية وممارساتنا العادية. من جهة أخرى احتمال إصابتي لا يزيد عن 1% ثم ممن يصابون 5% تتطور حالتهم إلى وضع خطر، و1% فقط يموتون. لكن مع ذلك احتمال الخطر قائم فعلًا مع أنه غير منظور. هذا الموقف غير الواضح، المبهم والخفي، يشكل ضغطًا نفسيًّا خاصًّا.
أخيرًا: وليس آخرًا تضعنا الكورونا أمام الموت، وأمام المرض المؤلم القاسي في مواجهة حادة وشديدة ومفاجئة. صور المرضى ومعارفنا الذين رحلوا وأهاليهم المتألمين كلها تطرح علينا سؤال الموت وسؤال المرض بشراسة وقسوة، الموت، أي موتي أنا، أو موت أحد أحبائي. والمرض كذلك.
ثم أتناول 3 حلول نفسية “روحية” أراها قاصرة وغالبًا مضرة: الحل الأول هو المبالغة في التهاون أو المبالغة في الحرص. التهاون على اعتبار أن احتمالات الإصابة “ضعيفة” وأن الحافظ هو الله، وأن علينا أن نسعى لأكل العيش وهكذا. والمبالغة في الحرص لدرجة الوسوسة أو الفزع أو الشلل التام عن أي حركة، وحرص فوق المطلوب علميًّا وطبيًّا.
ثم هناك التصور الروحي الخاطئ أن المؤمن التقي المستقيم لا يصاب، وإن أصيب لا بد أن يُشفَى. وهذا التصور يتجاهل أن بولس الرسول الذي كانت تؤتى على جسده المناديل فتشفي المرضى ترك صديقه الخادم الأمين تروفيمس في ميليتس مريضًا.
“أَرَاسْتُسُ بَقِيَ فِي كُورِنْثُوسَ. وَأَمَّا تُرُوفِيمُسُ فَتَرَكْتُهُ فِي مِيلِيتُسَ مَرِيضًا” (2تي 4: 20).
بل لم يشفِ أعز تلاميذه أسقف أفسس الممسوح والمبارك، تيموثاوس من “أسقامه وأمراضه الكثيرة”.
“لاَ تَكُنْ فِي مَا بَعْدُ شَرَّابَ مَاءٍ، بَلِ اسْتَعْمِلْ خَمْرًا قَلِيلًا مِنْ أَجْلِ مَعِدَتِكَ وَأَسْقَامِكَ الْكَثِيرَةِ” (1تي 5: 23).
أما آخر الحلول النفسية القاصرة، فهو اعتبار أن من يُصَاب لا بد وأنه قد “أهمل” أو ارتكب خطأً ما. كأن سار بدون كمامة أو وقف في زحام به مصابين وهكذا.
الواقع أن الإصابة قد تصيب من يهمل وقد تصيب حتى الذي التزم بكل تعليمات الحرص الصحي. هذا الإحساس “بلوم المريض” صحيًّا، في تصويري، ليس بعيدًا عن “لوم المريض” روحيًّا الذي ذكرناه الآن.
أعرض الآن لبعض الحلول التي أراها فعالة كتابيًّا ونفسيًّا:
أولًا: تنظيم الفكر والسلوك
“أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ كُلُّ مَا هُوَ حَق، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا” (في 4: 8).
الرب يحثنا أن نفكر فيما هو “حق” في حقيقة الموقف. نعم، هناك خطر أن أصاب أو يصاب أحبائي لكن هذا الخطر لا يزيد عن 1% إذن لأقضي 99% من الوقت أفكر في احتمال ألا أصاب وكل 99 ساعة يقظة أي كل أسبوع تقريبًا أفكر قليلًا في احتمال أن أصاب.
ثم فيما هو “جليل”، فيما هو الموقف النبيل الشريف من داخلي، الموقف الموافق لهدف حياتي الأسمى وللقيم التي أعيش من أجلها. الصحة مهمة جدًّا، بل لعلها من أهم نعم الله. لكن كيف أواجه المرض الجسيم أو الموت بشرف لعله يكون أهم. نحن في حرب روحية. المرض وكل تجربة ليست من الله. العدو هو الشيطان المجرِّب.
“لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: «إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ»، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا” (يع 1: 13).
“فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا»” (مت 4: 3).
“مِنْ أَجْلِ هذَا إِذْ لَمْ أَحْتَمِلْ أَيْضًا، أَرْسَلْتُ لِكَيْ أَعْرِفَ إِيمَانَكُمْ، لَعَلَّ الْمُجَرِّبَ يَكُونُ قَدْ جَرَّبَكُمْ، فَيَصِيرَ تَعَبُنَا بَاطِلًا” (1تس 3: 5).
لازال المجرب الشيطان مُطلَقَ السراح على الأرض وهو يحارب حربًا حقيقية موجعة.
“مِنْ أَجْلِ هذَا، افْرَحِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ وَالسَّاكِنُونَ فِيهَا. وَيْلٌ لِسَاكِنِي الأَرْضِ وَالْبَحْرِ، لأَنَّ إِبْلِيسَ نَزَلَ إِلَيْكُمْ وَبِهِ غَضَبٌ عَظِيمٌ! عَالِمًا أَنَّ لَهُ زَمَانًا قَلِيلًا” (رؤ 12: 12).
كل هذه الكوارث غير المفهومة والحياة التي تبدو غير عادلة، هي وفقًا لكلمة الله بسبب أن هناك قوى غير منظورة تعمل وراء المنظور وهذه القوى هي الخصم الحقيقي للحياة وللصحة وللعدل والفرح والبهجة. ونحن جنود في حرب حقيقية، والجندي الشريف يفرح إذا تم امتحانه على أرض المعركة، ليس لأن قائده هو الذي “يجربه” بل لأن التجربة، الحرب الحقيقية الموجهة التي يحارب بها العدو، هي امتحان لمدى إخلاصه وشجاعته وتمسكه بنصرة قائده.
“اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا” (يع 1: 2-3).
فيكتور فرانكل طبيب يهودي دخل معسكرات التعذيب والقتل الجماعي النازية ضد اليهود، أثناء الحرب العالمية الثانية، وقضى أربعة أعوام هناك، مشاهدًا كيف قابل الناس التعذيب والموت؛ فبعض الذين كانوا أصحاب بنوك ومليونيرات تصرفوا بخسة وهوان، وبعض عمال النظافة والبوابين قابلوا هذه الأمور برأس مرفوعة ونبل وقوة داخلية. وجد فرانكل أن من كان يحيا لهدف أعظم منه، المعنى يربط كل حياته، بما فيها هذه المأساة الظالمة بكل المعاني، كان قادرًا على التفكير والسلوك “الجليل”. فلما خرج فرانكل أسس أحد أكبر مدارس العلاج النفسي الوجودي، اللوجو ثيرابي أو العلاج باللوجوس، العلاج بالمعنى. وقال: “من لديه إجابة عن سؤال “لماذا” أعيش يستطيع أن يحتمل أي نوع من “كيف” أعيش يفرض عليه” وهكذا…
“أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ كُلُّ مَا هُوَ حَق، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا” (في 4: 8)
ثانيًا: العيش في “هنا والآن”
كما قال رب المجد: “فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ” (مت 6: 34)
أخذ يسوعُ انتباهَ الجموع للطيور، لزنابق الحقل، لعشب الحقل، للحظة التي كانوا يعيشونها. هناك ما نستطيع القيام به لنحمي أنفسنا وهناك ما نعجز عن القيام به. لكن في كل الأحوال علينا أن نتقبل اللحظة، بفرحها بسعادتها، بألمها، وبحزنها وقلقها. حتى القلق نتقبله ونرحب به كضيف، ضيف ثقيل وسخيف، لكن نرحب به لأنه أيضًا سيمضي.
يقول كاتب المزمور: “عِنْدَ كَثْرَةِ هُمُومِي فِي دَاخِلِي، تَعْزِيَاتُكَ تُلَذِّذُ نَفْسِي” (مز 94: 19) والكلمة العبرية التي تُرجِمت “هموم” يصح ترجمتها “أفكار قلقة”. أحيانًا نقلق قلقًا مضاعفًا. أي نقلق من القلق. نقلق لأننا قلقون أو نشعر بالذنب أننا قلقون. لأن القلق في تصورنا لا يليق بالمؤمن. وكما لو كان قول الرب لنا “لا تخافوا” هو وصية توازي “لا تسرق” أو “لا تقتل” أو “لا تشتهِ” لكن لا تخافوا ليست وصيةً إنما هي كلمة طمأنة، كلمة تؤكد أن الرب معنا بالرغم من مخاوفنا.
كاتب المزمور لم يخجل من أفكاره القلقة “همومه” بل رحب بها، فوجد إلى جوارها تعزيات الرب. عرف التلذذ بالرب رغم أن همومه لم تكن تبددت بعد. عرف تعزيات الرب ليس “بعد” كثرة همومه بل “عند” كثرة همومه.
الوعي اليقظ أو الانتباه المعتني ينطبق على أن ننتبه للحظة الخارجية: الطيور، الحقل، العشب، الزنبق، وللحظة الداخلية: الهموم، التعزيات، اللذة والألم. هذا الوعي المعتني المترفق Mindfullness. نراه في الإصحاحات التي تكلم فيها الله مع أيوب: “فَأَجَابَ الرَّبُّ أَيُّوبَ مِنَ الْعَاصِفَة وَقَالَ…” (أي38: 1).
ثم لفت الربُّ نظرَ أيوب في وسط العاصفة إلى النجوم والأرض والجليد والحيوانات حيوان حيوان حتى قول الرب:
“وَالآنَ فَخُذُوا لأَنْفُسِكُمْ سَبْعَةَ ثِيرَانٍ وَسَبْعَةَ كِبَاشٍ وَاذْهَبُوا إِلَى عَبْدِي أَيُّوبَ، وَأَصْعِدُوا مُحْرَقَةً لأَجْلِ أَنْفُسِكُمْ، وَعَبْدِي أَيُّوبُ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ، لأَنِّي أَرْفَعُ وَجْهَهُ لِئَلاَّ أَصْنَعَ مَعَكُمْ حَسَبَ حَمَاقَتِكُمْ، لأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ” (أي 42: 8)
علينا أن ندرب أنفسنا أن نعيش اليوم حتى بشرِّه، ولا نفكر في شر الغد. أن نحيا كَرْبَ اليوم وفرحَه، لا أن نحيا أوهامَ ما قد يأتي به الغد. هذا التدرب سلاحٌ فعَّال في مواجهة قلقِ وانزعاج الموقف المهم والعزلة التي تفرضها علينا الجائحةُ.
ثالثًا: الموقف الوجودي العميق من الموت والمرض
أخيرًا وليس آخرًا الكورونا تطرح علينا بقوة السؤال عن موقفنا من الموت، احتمال موتنا في أي لحظة، أو موت أيٍّ من أحبائنا قائم في أذهاننا دائمًا لكن في خلفية بعيدة، كأن هذا احتمال نظري “لن يحدث لنا فعلًا”، الكورونا تطرحه علينا بقسوة وبقوة حادة. يمكن أن نحاول الهرب من السؤال، وهذا قد يكون مفيدًا بل وصحيًّا في مرات كثيرة نشتت أنفسنا، بل قلت حالًا نفكر إيجابيًّا ونعيش اللحظة، لكن على المستوى الوجودي الأعمق علينا أن ننظر إلى هذا العدو الأخير، الموت، في عينيه. أن نفهم أننا زائلون عن هذه الحياة، بل وأن قدرتنا على حماية أنفسنا من ألم أن نفقد أحد أحبائنا هي في النهاية محدودة وضعيفة.
وحتى قدرتنا أن نحمي أحبائنا من الألم الذي سيشعرون به إذا فقدونا هي أيضًا محدودة وضعيفة.
الكلام عن الضمان الأبدي، وكل هذه السطور من التي تؤكد أن كل المسيحيين الذين ماتوا قد انتقلوا إلى المجد، أحيانًا لا يفيدنا كثيرًا. حتى اللحظة التي نضطر إلى مواجهة هذه الحقائق الباردة في هذه الحياة هي لحظة نمو وشرف وشجاعة وإيمان وصبر وتزكية. أو هروب وتدهور وإنكار وجبن. الجبان ليس من يخاف بل هو من يجعل الخوف يشكل حياته. والشجاع ليس من لا يخاف، ولكنه الذي يمضي في طريقه نحو هدفه بالرغم من المخاوف التي تتملكه.
الكورونا فرصة نمو، ولكن:
“لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ” (في 1: 21).
اسم الكاتب :د.ق وجيه يوسف
تأليف :إيـڤان هَنْتَر
“إننا نعيش أيامًا غير مسبوقة.” إنّ مثل هذه الكلمات، والّتي يضاف إليها مرّات أخرى كلمات مثل “غريبة،” “فريدة،” “مليئة بالتّحديات،” كثيرًا ما تتردّد على ألسنة النّاس منذ أن ظهر في حيز الوجود تعبير “ڤيروس كورونا الُمستجد.” وربّما لم يشهد العالم في السّنوات الـ ٥٠ الماضية حدثًا ذا تأثيرٍ شمل العالم كلّه بشكلٍ سريعٍ وشاملٍ، كما كان أثر ڤيروس كورونا الُمستجد. وفيما يتعلّق بالتّعليم اللّاهوتيّ، وخاصةً في دول العالم النّامي، فهذه أيام جدُّ مهولةٌ، إذ تتحدّى طرائق كلّ ما نفعل، بل وتهدد وجود المعاهد اللّاهوتية في الأساس.
ومع ذلك، فيمكن أن نعتبر هذه الأيام فرصةً للإبداع والتّجديد أمام كلّيّات اللّاهوت. فبعدما تبدأ الصّدمة الأولى في الانحسار، يمكننا أن نلتفت من حولنا وندرك أنّنا لا نواجه هذه الجائحة بمفردنا. إنّ التّضامن لا يغيّر من الموقف شيئًا ولا يجعله أقلّ صعوبةً. لكن من شأنه أن يعطينا تشجيعًا ومساندةً، إذ نقف بجوار بعضنا البعض. ويأخذنا التّضامن بعيدًا عن عزلتنا، فاتحًا أمامنا بابًا للتّعلم مع بعضنا البعض، ومن بعضنا البعض.
يذكر المقال الآتي التّحديات المشتركة النّاتجة عن هذه الأزمة، ويتحدّث عن بعض المبادرات الجديدة الّتي تعدّ بمثابةِ طاقة أمل للتّعليم اللّاهوتيّ. ويركّز هذا المقال، بشكلٍ خاصٍّ، على قضايا التّعليم اللّاهوتيّ في دول العالم النّامي، ويذكر أمثلةً من كلّيّات ومعاهد لاهوتيّة في إفريقيا، وآسيا، وأمريكا الجنوبيّة، وأوروپــــــا الشّرقيّة. لا شكَّ، في أنّ الوقت سوف يمنحنا مزيدًا من الفرص لنتعلّم أكثر، إذ تمضي بقيّة شهور هذه السّنة حاملةً معها ما قد يسبّب نقطةَ تحوّلٍ مهمّة في التّعليم اللّاهوتيّ. لكن من المهم في تفكيرنا أن ندرك ما نحن عليه الآن، ونتحرّك إلى الأمام، مُصلّين وممتلئين رجاءً، نحو ما قد تحمل الأيامُ لنا.
تسبّبت الأزمة في خلق مجموعة من التّحديات المتزايدة
لا شكَّ أنّ معظم المعاهد والكلّيّات اللّاهوتيّة تعمل أصلًا وفق ميزانيّة محدودة، وهذا يتّضح بشكلٍ بالغٍ في دول العالم النّامي. وبسبب هذه الجائحة، بدأت كلّيّات اللّاهوت تواجه تحدّيات تتعلّق بتسديد الاحتياجات الإنسانيّة، ومساعدة هيئة التّدريس والموظفين كي يبدؤوا في تبنّي طرق تدريس جديدة، والتّعامل مع معضلات ماليّة متزايدة، وفي بعض الحالات، أن تنجو من هذه الأزمة، إلى جوار بعض الأزمات المحليّة التي سبقت ظهور الجائحة.
الاحتياجات الإنسانيّة البالغة: حين تطلّبت شروط الإغلاق التي اتّخذتها دولٌ كثيرةٌ من الكلّيّات أن تغلق أبوابها وتعلّق كافّة الأنشطة الدّراسيّة، ذهب معظم الطّلاب النّظاميّين إلى مدنهم وبلدانهم. غير أنّ بعضًا منهم لم يتمكّن من ذلك، ولذا صاروا “لاجئين” جددًا. لقد انتفضت كلّيّات لاهوت كثيرة واستضافت هؤلاء. في لبنان، مثلًا، عادت مجموعة من الطّلّاب من شمال-إفريقيا إلى حرم الكلّيّة بعد أن وصلوا إلى المطار، إذ علموا بأنّ رحلاتهم قد أُلغيت، بعد توقّف الطّيران. وفي أوروپــــــا الشّرقيّة، وجد كثيرٌ من الطّلّاب من وسط آسيّا أنفسهم عالقين ومعزولين في الحرم الجامعيّ لجامعة مسيحيّة. وفي الهند، تسبّب الإغلاق السّريع في أن وجد كثيرٌ من الطّلّاب الأجانب والوطنيّين أنفسهم عالقين أيضًا. وفي كلّ دولةٍ، قامت كلّيّات اللّاهوت باستضافة هؤلاء الطّلّاب، وقدّمت لهم المأكل والمشرب من ميزانيتها المحدودة أصلًا، واضطرت الكلّيّات لشراء مستلزمات وأدوات تعقيم حتّى تتمكّن من القيام بإجراءات العزل على أفضل وجه. كثيرًا ما تتكرر هذه الحالات. وبالإضافة إلى تقديم الرّعاية الواجبة بالطّلّاب العالقين في حرم كلّيّات اللّاهوت، استخدمت بعض الكلّيّات ما تيسر لها من مصادر وإمكانات لتسدّد احتياجات تتعلّق بالمأكل والرّعاية الطّبيّة في مجتمعاتهم.
التّحول السّريع للتّعليم عن طريق شبكة الإنترنت: بسبب إلغاء كلّ الأنشطة التّعليميّة في حرم كلّيّات اللّاهوت، تسارعت كلّيّات كثيرة لتضع جميع المواد التّعليميّة على شبكة الإنترنت لتتيح فرصة للتعلّم عن بُعد. أمّا الكلّيّات الّتي كانت تستخدم هذه الطّريقة في التّعليم فكان سهلًا عليها أن تتحرّك سريعًا مستخدمة الوسائل التّكنولوچـيّة المتاحة لتوفي بالمتطلبات الأكاديميّة لبرامجها الّتي تمّ تعليقها. ولكن، بالنسبة لكثيرين، يتطلّب التّحرّك نحو التّعليم عن طريق شبكة الإنترنت تطويرًا أوليًّا للّبنيّة التّحتيّة التّكنولوچـيّة، ومحتوى المساقات الدّراسيّة، والأنشطة التّعليميّة الّتي تتناسب مع الشّكل الرّقميّ لمحتوى تلك المساقات. وفي وقت قصير، اختبرت بعض الكلّيّات نتائج إيجابيّة لهذا التّحوّل. ثمّة أستاذ في أُوكرانيا وجدَ متعةً ذهنيّة في التّخاطب مع طلّابه عبر شبكة الإنترنت؛ وفي البرازيل، أظهر الكثير من الطّلّاب امتنانهم من أجل جودة المساقات المتاحة على شبكة الإنترنت، مع أنّ الظّروف تطلّبت إحداث تغييرات مهمّة بشكلٍ سريعٍ.
وبالرّغم من ذلك، فكثيرٌ من كلّيّات اللّاهوت مازال جلُّ اهتمامها هو البقاء، وإيصال محتوى المساقات اللّاهوتيّة للطّلّاب. استخدم كثيرٌ من الأساتذة تطبيقات مثل Zoom أو Google Hangouts ليلقوا محاضراتهم. وآخرون سارعوا بتسجيل محاضراتهم، ونشر مذكرات وملاحظات، وإتاحة كثير من المواد ليتمّ وضعها أو تحميلها من شبكة الإنترنت. وآخرون أجروا تعديلات معينّة على محتوى المساقات، وقاموا بإنشاء مجموعات للمناقشة. الجميع يقوم بكلّ ما يتيسر لهم من إمكانات، ولكن كلُّ الكلّيّات تقريبًا مازالت غير متأكدة من مدى قبول الطّلّاب لهذه المواد الدّراسيّة، وهل تمكّن الطّلّاب بالفعل من الوصول لهذه المواد أم لا. وفي واقع الأزمة هذه، ستبقى الأسئلة المتعلّقة بتصميم المساق، واستخدام المكتبة، والتّشكيل الشّامل للطّلّاب، والتّقييم، كلّها مؤجّلة للمستقبل.
لقد ازداد الموقف تعقيدًا بسبب بعض المعطيات المحليّة والقوميّة. فقصورُ البنية التّحتيّة وضعف شبكات الكهرباء وغلق مقاهي الإنترنت العامّة كلّها عوامل تركت تأثيرًا سلبيًّا على تفاعل الطّلّاب مع المساقات الدّراسيّة على شبكة الإنترنت. في بعض الكلّيّات لا يمتلك أجهزة حاسوب شخصيّ إلّا عددٌ قليلٌ من هيئة التّدريس. قامت العديد من الكلّيّات بتحديث أجهزة الحاسب الآليّ الموجودة في الحرم الجامعيّ حتّى يتسنّى للمدرّسين الدّخول على شبكة الإنترنت. قامت كلّيّة لاهوت في الشّرق الأوسط بشراء أجهزة مودم لكلّ أساتذتها، كما منحت طلّاب القسم الصّباحيّ منحة ماليّة للاشتراك في خدمات الإنترنت على تليفوناتهم الخلويّة.
ولكن ما يؤسف له أنّ بعض الطّلّاب في بعض الكلّيّات في نيجريا ووسط آسيا والذين لم يتمكّنوا من الدّخول إلى شبكة الإنترنت اضطروا لتأجيل الدّراسة أو إلغاء تسجيل دراسة المساقات. واضطرت بعض الكلّيّات لإنهاء الفصل الدّراسيّ مبكرًا لأنّها لم تكن مستعدّة لاتّخاذ الإجراءات السّريعة الّتي تمكّنها من تحويل الدّراسة على شبكة الإنترنت. لقد سببت هذه الجائحة مجهودات موحدة لتحويل الكثير من الدّراسات اللّاهوتيّة إلى دراسات على شبكة الإنترنت، لكن تنفيذ هذه المهمّة ونتائجها مازالت متباينةً بشكلٍ ملحوظٍ.
متطلّبات متزايدة من المدرّسين: لقد تسبّبت هذه الجائحة في تزاحمٍ في عمل المدرّسين، فكثيرًا منهم لم يتلقّوا أيّة تدريبات في تطوير المناهج على شبكة الإنترنت. بعض المدرّسين لم يكن لهم أيّة رغبةٍ في التّدريس عبر الإنترنت فحسب، بل أكّد لهم عمداء الكلّيّات الأكاديميّين أنّهم لن يقوموا بالتّدريس عن الإنترنت. وحتّى في الكلّيّات التي تملك أدوات لتسجيل المحاضرات فقد اضطر الإغلاق العام المدرّسين أن يقوموا بالتّدريس من منازلهم مع قليل من الدّعم الفنّيّ ووسط قيامهم ببقية الالتزامات الأسريّة. كثير منهم يحاول أن يقدّموا المشورة والمساعدة للطّلّاب عبر تطبيقات الرّسائل. والأكثر من ذلك، تسبّبت التّحديات الماليّة في أن يتمّ استقطاع جزءٍ من مكافأة المدرّسين الشّهريّة، في الوقت الذي يقومون فيه بالعمل لعدد ساعات أكثر. وهذا يزيد من الصّعوبات الجسديّة والنّفسيّة والمشاعريّة الّتي يعاني منها المدرّسون.
تحديات مالية ملحّة: في الوقت الذي تتسارع الكلّيّات لتوفّر بعض المساعدات المالية لطلّابها، تتراكم الضّغوط المالية وتتزايد. لقد فقدت الكلّيّات كلَّ مصادر الدّخل على كافّة المستويات. هذه النوعيّة من التّحديات ليست جديدة. ولكن، أن تصبح المصادر الماليّة الأربعة الآتية مهددةً في آنٍ واحدٍ، وبدون معرفة ما قد تؤول إليه الأمور، أو متى ستهدأ هذه العاصفة، فهذا يجعلُ الأفق المستقبليّ الماليّ مخيفًا لكلّيّات لاهوت كثيرة.
لذا، صار لزامًا على كلّيّات اللّاهوت أن تؤجّل القيام بمشروعات كبيرة أو خاصّة، إذ حوّلت هذه الاحتياجات جُلَّ اهتمامها من تحسين رأس المال لمصروفات التّشغيل الخاصّة بهذا الشّهر-وهذا التّحوّل سبّبه عاملان. أولًّا، يمكن أن يكون خفضُ النّفقات صعبًا حين تواجه كلّيّات اللّاهوت واجبَ القيام بأعمالٍ إنسانيّةٍ كرعاية الطّلّاب العالقين في السّكن الجامعيّ، أو حين يؤثّر خفضُ الرّواتب أو تقليل عدد الموظّفين على تسديد حاجيات العائلات. ثانيًا، يستلزمُ التّحوّل المفاجئ للتّعليم عن طريقة شبكة الإنترنت استثمارًا في مجال التّكنولوچـيا. فمن المهم شراء أجهزة جديدة وتحديث شبكة الإنترنت وعقود الخدمات، ولكن لا توجد ميزانية مرصودة لعمليات الشّراء هذه. وإذ يواجه قادة كلّيّات اللّاهوت هذه التّحديات، فإنّهم مستمرّون في تقديم تضحيات بهدف الحفاظ على الكلّيّات.
متابعة الأزمات القائمة: في بعض الأماكن، مثل لبنان وهونغ كونغ والهند، يضيفُ الوباءُ إلى الاضطرابات الاقتصاديّة والاجتماعيّة القائمة من قبل. وقد أدّت القيود الاقتصاديّة والاضطرابات السّياسيّة في العديد من الأماكن في عام ٢٠١٩ إلى وضع مزيد من الضّغوط على كلّيّات اللّاهوت. كما أدّت الصّراعات إلى انخفاض في الإيرادات المحلّيّة وإيرادات أخرى (على سبيل المثال، انخفاض السّياحة في الشّرق الأوسط)، وهكذا، واجهت كلّيّات اللّاهوت في هذه الأماكن قيودًا على الميزانية قبل الإغلاق الاقتصاديّ الّذي حدث بسبب الوباء. وفي بعض الحالات، أدّت الصّراعات أيضًا إلى صعوبة الحصول على السّلع والخدمات، وهي حالة تفاقمت الآن. وبالتّالي، تواجه كلّيّات اللّاهوت مجموعة جديدة من النّفقات المتزايدة، والقيود الماليّة، والتّحديات اللّوجستية على رأس الصّراعات التّي تتكشّف بالفعل.
الأزمة قد تحفّز الابتكار
لا نعرف بعد إلى متى ستستمر الأزمة، ولكن من الواضح أنّه سيكون لها تأثيرٌ دائمٌ. في مقالٍ نُشر على مجلة Praxis، يناقش كلّ من (كراوتش، كيلهاكر، وبلانشارد) أزمة كوفيد-١٩ باستخدام مفردات علم الأرصاد الجويّة: عاصفة ثلجيّة، موسم الشّتاء، أو العصر الجليديّ. ولم تهدأ الأزمة بهذه السّرعة بحيث ستتمكن كلّيّات اللّاهوت من انتظار عبور العاصفة والعودة إلى العمل المعتاد. وبالتّالي، قد تكون هذه الأزمة “موسمَ شتاءٍ؛” وإذا كان الأمر كذلك، يجب إجراء تعديلات مهمّة. وإذا كان هذا الوقت “عصرًا جليديًّا،” فإنّ المشهد كلّه قد يتغيّر بشكلٍ لا رجعة فيه.
في مقابلة أُجريت معه مؤخرًا، قال إيلي حداد، مدير كلّيّة اللّاهوت المعمدانيّة العربيّة في لبنان: “إنّ الأزمة الحالية يمكن أن تكون وقتًا للخوف أو وقتًا للابتكار” (أورتيز، ٢٠٢٠). في الوقت الحالي، لا تزال معظم الكلّيّات في وضع البقاء على قيد الحياة. ولكن، بمجرد أن تهدأ الأمور نوعًا ما، ستظهر أفكار وممارسات جديدة. في كتاب Reverse Innovation والصّادر عام ٢٠١٢، يتحدّى كلٌّ من (ترمبل وجوفينداراجان) افتراضَين دائمًا ما يعوقان الابتكار: يأتي التّطور وبشكل متكرر باتباع النماذج السّابقة؛ تعدّ الهياكل المؤسّسيّة الحالية ضروريةً لتحقيق الأهداف (انظر أيضًا هنتر، ٢٠١٦) في الواقع، تطيحُ أزمة كوفيد-١٩ بهذه الافتراضات في عصرنا الحالي لأنّها عطّلت كلّ جانب من جوانب التّعليم اللّاهوتيّ في جميع أنحاء العالم، وخاصة في دول العالم النّامي. وهو أمر يجبر كلّيّات اللّاهوت على إدراك أنّ الأشكال الّتي اعتدنا عليها لا يمكن أن تعمل بنفس الكيفيّة الّتي كانت تعمل بها في الماضي. وهكذا، وعلى الرّغم من أنّ الوضع يشمل تحديات، إلّا أنّه قد يؤدي إلى تحولات مبتكرة في كيفية إنجاز كلّيّات اللّاهوت للمهّمة الأساسيّة المنوطة بها، ألا وهي تشكيل قادة للخدمة المسيحيّة.
الاستجابات الفوريّة: أصبحت المعاهد اللّاهوتيّة بالفعل خلّاقة، وذلك باستخدام منصّات افتراضيّة لأكثر من تدريس الفصول الدّراسية. فقد نظّمت كلّيّة لاهوت في البرازيل لمجموعة من المتعبّدين اجتماعات روحيّة نابضة بالحياة على شبكة الإنترنت. وفي الشّرق الأوسط، أُعيد تنظيم المؤتمرات الصّيفيّة كندوات تفاعليّة على شبكة الإنترنت.
لقد أدركت كلّيّات اللّاهوت أنّه على الرّغم من أنّ لديها دعوة أوّليّة لتدريب القادة، إلّا أنّه قد يكون لها أيضًا دور مؤقّت في تلبية بعض الاحتياجات الإنسانيّة الملحّة. على سبيل المثال، حشدت كلّيّة لاهوت في الهند مواردها لتوفير وجبات غذاء للعمّال اليوميّين المحاصرين بسبب الإغلاق الّذي سبّبه الوباء.
وكثيرًا ما أصبحت المعاهد اللّاهوتيّة أماكن لجوء، لا سيّما في أوقات الاضطرابات السّياسيّة. وفي العقد الماضي، قامت كلّيّات لاهوت في أمريكا اللّاتينيّة وأجزاء من أفريقيا بحماية عدد من المشرّدين. وخلال أزمة كوفيد-١٩، تقدّم العديد من كلّيّات اللّاهوت العون والرّعاية للطّلّاب الّذين تقطّعت بهم السّبل، وتعمل الكلّيّات جاهدة لتوفير وجبات طعام والحفاظ على معايير النظافة والتّباعد الاجتماعيّ. بالإضافة إلى ذلك، أتاحت كلّيّة لاهوت في الشّرق الأوسط بيتَ ضيافتها أمام العاملين في مجال الرّعاية الصّحية في الخطوط الأماميّة ممّن يحتاجون إلى مسكنٍ. للكنيسة تاريخ طويل في خدمة النّاس في أوقات الأزمات، ونرى الآن معاهد الدّراسات اللّاهوتيّة وهي تواصل ذلك الإرث الانسانيّ.
التّحضير لمستقبل جديد: مع تقدّم هذا “الشّتاء” أو “العصر الجليديّ،” ستحتاج كلّيّات اللّاهوت إلى توجيه انتباهها إلى بعض التّغييرات طويلة الأمد والّتي ستناسب واقع التّعليم اللّاهوتيّ الجديد.
في بوست حديث على Teaching Theology، يعلّق (غراهام تيشزمان) قائلًا إنّ الأزمة الحالية قد أبرزت فعالية بيئات التّعليم الافتراضيّ، وكيف يمكن للتّكنولوچـيا أن تساعد في الحفاظ على التّواصل بين الناس. وفي الوقت نفسه، أظهرت لنا العزلة مدى حاجتنا إلى الوجود المادي مع أشخاص آخرين. وبالنسبة للكنيسة وكلّيّات اللّاهوت، فإنّ هذين الدّرسين يستحقان الأخذ بعين الاعتبار، إذ ينبهان قادة معاهد اللّاهوت لكيفيّة تشكيل قادة الخدمة المسيحيّة في المستقبل.
وسيصبح لزامًا على الكلّيّات أن تتفاعل مع تغييرات أخرى طويلة الأمد.
وبينما تستعد الكليات للانخراط في وضع تغير بسبب ڤيروس كورونا، ينبغي على الّذين في منصب القيادة أن يسألوا عن الأساس الّذي سيبنون عليه. وبينما يفعلون ذلك، يمكنهم، على حدِّ تعبير إيلي حداد: “إعادة تصوّر مسارات المستقبل.” (أورتيز، 2020).
الأزمة تنقلنا إلى العمل-ومدعاة للرّجاء
وبنفس الطّريقة الّتي وضع بها النّطاق غير المسبوق للأزمة أعباءً بالغة الشّدة على النّاس في جميع أنحاء العالم، أدّى التّضامن في المعاناة إلى قدرٍ لا مثيل له من العمل الجماعيّ. لم يكن المجتمع العلمي، في أيّ وقت آخر من التّاريخ، متَّحدًا جدًّا في قضيّة مشتركة، ولم يعمل بشكل أكثر تعاونًا، ولم يشارك المزيد من البيانات والمعلومات (أبوزو وكيركباتريك، ٢٠٢٠). ويبعث مثل هذا الجهد الأملَ في أن تتطوَّر اختبارات وعلاجات جديدة، وربّما لقاح ضدّ الڤيروس.
بالنسبة للكنيسة، الرّجاء أساسُه المسيح يسوع. ومع ذلك، فإنّ التّعاون واسع النّطاق للمجتمع العلميّ يعطي إلهامًا حيث تشارك الكلّيّات في حصّتها من إرساليّة الله. وفي مجال التّعليم اللّاهوتيّ، فإنّ التّضامن الّذي يأتي نتيجة الأثر العالميّ للأزمة يمكن أن ينقلنا أيضًا إلى العمل. وخلال الشّهر الماضي، اضطرت الكنائس إلى إلغاء اجتماعاتها، ولكنّها اتّحدت في الصّلاة وخدمة الفقراء. وكجزءٍ أصيلٍ من الكنيسة، لا تنضمّ كلّيّات اللّاهوت إلى هذا العمل فحسب، بل تستمر أيضًا في الوقوف على كيفية تشكيل قادة روحيّين لخدمة الكنيسة في أوقات الحاجة.
يدرّس في كلّيّات اللّاهوت في جميع أنحاء العالم أساتذة موهوبون ومتحمّسون ومبدعون. وهم يجدون طرقًا لإشراك بعضهم البعض، ويكتشفون الحكمة والخدمة الرّاعويّة المتبادلة. كما أدّى التّركيز المكثّف على أزمة ڤيروس كورونا إلى استحداث مساحات تعاون جديدة للتّعلّم المتبادل وتقاسم الموارد. هاك بعض الأمثلة:
https://icete.info/community/sharing-resources-during-the-covid-19-outbreak/
https://icete.info/equipping/video-archive.
وبالنسبة لمعظم كلّيّات اللّاهوت، فإنّ استجابات المجتمع لما قامت به الكلّيّات من عملٍ كانت إيجابيّة بشكلٍ مدهش. لقد رحّب الضّعفاء والفقراء والمسنّون بجهود معاهد اللّاهوت في تلبية الاحتياجات الإنسانيّة. لقد تبنّى أعضاء هيئة التّدريس، كما الطّلّاب، منصّات جديدة للتّعليم والتّعلم، وعرفوا كثيرًا عن قدراتهم الخاصّة على التّكيّف. في هذا الوقت من النقاشات المكثّفة عن التّعليم عبر شبكة الإنترنت، يمكن لكلّيّات اللّاهوت تعظيم الفائدة من استجابات الطّلّاب وأعضاء هيئة التّدريس السّخيّة، كذلك يمكن طلب مشوراتهم أثناء اتّخاذهم قرارات مستقبليّة. لقد وجدت كلّيّات اللّاهوت الّتي كثيرًا ما كانت مترددة في المشاركة في التّعليم عبر شبكة الإنترنت (لعددٍ من الأسباب)، نفسَها مضطّرةً ليس فقط للتّفكير في احتمالات التّدريس عبر شبكة الإنترنت، ولكن لتنفيذ أفكار كثيرة بأفضل ما لديها من قدرات. لقد حددّت كلّيّات ومعاهد لاهوتيّة احتياجات واضحة المعالم لتدريب أعضاء هيئة التّدريس، وتطوير البنية التّحتيّة، وإدارة مشاركة الطّلّاب، ويمكنهم البحث عن حلول ملموسة. وقد انتقلت أوجه القصور في النماذج الإلكترونيّة من النّظريّة والأيديولوچيّة إلى النّماذج العمليّة والملموسة، ممّا يسمح بالحوار والإتيان بحلولٍ مبتكرةٍ.
لقد أثّر انتشار الأزمة وتفاقمها في كلّ مكانٍ على التّعليم اللّاهوتيّ وعلى القائمين عليه. وتطلّبت التّحولات الفوريّة الخاصّة بالتّعليم جهودًا هائلةً، وفي بعض الأحيان، تضحيةً شخصيّةً حتّى تتمكّن كلّيّات اللّاهوت من الاستمرار في خدمتها، والأهم من ذلك، أنْ تظل إرساليُّة الكلّيّة قائمةً. وفي مواجهة التّحدّيات الرّهيبة، ومع انحسار الموجة الأوّليّة، ورؤيتنا للمستقبل، فإنّنا نفعل ذلك بشعورٍ من الأمل والرّجاء. فللتّعليم اللّاهوتيّ دور أساسيّ في عمل الكنيسة. وتكشف الأزمات عن أهمّيّة تشكيل القادة والتّفكير الكتابيّ بشأن قضايا اليوم. وإذ نتمسّك بالمسيح، وببعضنا البعض، يظهرُ الرّجاء.
عن المؤلّف:
الدّكتور إيفان هَنْتَر يعمل مع هيئة ScholarLeaders International منذ عام ٢٠٠٤. وهو يشغل حاليًا منصب نائب الرّئيس. وخلال فترة خدمته، أتيحت له الفرصة للعمل مع مئات من قادة التّعليم اللّاهوتيّ في دول العالم النّامي. الدّكتور هَنْتَر حاصلٌ على درجة الدّكتوراه في فلسفة التّعليم (PhD) من Trinity Evangelical Divinity School، ويعيش الدّكتور هَنْتَر مع أسرته في مدينة مينياپوليس، في ولاية مينيسوتا.
قائمة المراجع
Apuzzo, Matt and Kirkpatrick, David D.“Covid-19 Changed How the World Does Science, Together.” New York Times. Online ed., updated 14 April 2020.
Crouch, Andy, Kurt Keilhacker, and Dave Blanchard. “Leading Beyond the Blizzard: Why Every Organization is now a Start Up.” Praxis Journal. 20 March 2020. https://journal.praxislabs.org/leading-beyond-the-blizzard-why-every-organization-is-now-a-startup-b7f32fb278ff
Cheeseman, Graham. “Theological Education After Coronavirus.” Teaching Theology. Accessed 20 April 2020. https://teachingtheology.org/2020/04/22/theological-education-after-corona-virus/?fbclid=IwAR025QYouLreOTw5Zq08G3CHMRBIQetxQ8J_8OHUXUATNL1BCnNF9ALoSR4
Govindarajan, Vijay and Chris Trimble. Reverse Innovation: Create Far from Home, Win Everywhere. First eBook Edition. Boston: Harvard University Press, 2012.
Hunter, Evan. “Reverse Innovation: Moving Beyond Best Practices.” Insights Journal for Global Theological Education 1, no. 2 (2016): 9-13.
Maloney, Edward J. and Joshua Kim. “15 Fall Scenarios.” Inside Higher Ed. 22 April 2020. https://www.insidehighered.com/digital-learning/blogs/learning-innovation/15-fall-scenarios.
Oritz, Michael. “Live Facebook conversation between Michael Ortiz (ICETE) and Elie Haddad (ABTS, Lebanon) about how crisis can help us innovate.” ICETE Video Archive. 17 April 2020. https://icete.info/equipping/video-archive/.
اسم الكاتب : القس محسن منير
مقدمة عامة
(١) نبذة تاريخية
(٢) قضايا محورية
(٣) نظرة تحليلية
أولاً: نبذة تاريخية
ثانيًا: قضايا محورية
(١) المواهب الروحية
(٢) المعجزات
(٣) معمودية الروح القدس
(٤) التكلم بألسنة
أولاً: المواهب الروحية
أ- تلك المتعلقة بالقدرات الطبيعية مثل التعليم، الإدارة، أعمال الرحمة.
ب- وتلك التي تبدو أكثر إعجازًا وأقل ارتباطًا بالمواهب الطبيعية وهي مثل الشفاء، التنبؤ، تمييز الأرواح.
فالرسول بولس حينما يعدد المواهب الروحية [رو ١٢: ٦- ٨؛ ١كو ٧: ٧؛ ١٢: ٨- ١٠، ٢٨؛ أف ٤: ١١] فإنه يشمل نوعي المواهب، ومع ذلك فليست كل موهبة طبيعية يمكن أن ينالها الناس متضمنة هنا؛ لأنه لم يكن معنيًّا بسردٍ حصريٍّ لعدد وأسماء المواهب، لكن بالأحرى بمصدر وهدف ومعايير استخدامها. وغني عن القول إنه حتى المواهب الطبيعية في ظاهرها عندما يضفي عليها الروح القدس قوته الخاصة فإن فاعليتها وقوة تأثيرها تكون أكبر عند استخدامها (١كو ١: ٥- ٧).
إلا أنه بين هذين التيارين النقيضين يوجد اتجاه ثالث وهو فريق يمثل في أغلبه «إنجيليو التيار الرئيسي«، الذين ليسوا كاريزماتيين أو خمسينيين من جهة، ولا هم أيضًا «توقفيين« من جهة أخرى. ويرى هذا الاتجاه الثالث أنه من خلال فهمه للنصوص الكتابية في هذا الشأن لا يمكنه الجزم المطلق بالاستمرارية أو التوقف، فلا يوجد ما يحول دون أن يعطي الله وفق سلطانه المطلق هذا النوع من المواهب إذا رأى الاحتياج لها في زمان ما في مكان ما، ولا يوجد أيضًا ما يلزم بضرورة استمرارها في كل مكان وزمان. فالمواهب الروحية مرتبطة بحاجة الكنيسة وحاجة الناس وبحسب «المنفعة في كل عصر وإلا تجمدت المواهب الروحية في قالب معين بمعزل عن حرية عمل روح الله وعن احتياج الناس. فتصبح هدفًا في حد ذاتها أو تنحرف عن الهدف الذي قصده الله بها [كنيسة كورنثوس مثال واضح على ذلك]. روح الله لديه الحرية والقدرة المستمرة على الخلق والإبداع، وكما صنع في الماضي الذي سدد احتياج الكنيسة في خدمتها قادر أن يصنع نفس الشيء في احتياجات الحاضر وفي أحلام وطموحات المستقبل.
ثانيًا: المعجزات
أ- نحو تعريف كتابي دقيق للمعجزات.
ب- تحديد واضح للغاية من المعجزات.
أ– نحو تعريف كتابي دقيق للمعجزات
أ- «آية أو علامة» بالعبرية «عوت» وباليونانية «Semeion» ومعناها الإشارة إلى شيء أو الإعلان عن شيء آخر مقصودًا بهذا الشيء، والتطبيق هنا أن المعجزات (الشيء المشار إليه) تعلن عن عمل الله وقوته (الشيء الآخر المقصود).
ب- «عجيبة» بالعبرية «موبت» وباليونانية «Teras» وتعني حدثًا يقود الناس إلى الإعجاب والدهشة، حيث إن «الفعل اليوناني thaumazo» ومعناه «يندهش أو يتعجب» يستخدم في الكتاب المقدس ليصف رد فعل الناس تجاه العجائب.
ج- «معجزة» أو «عمل خارق» بالعبرية «جبوراه» وباليونانية »dynamis» ومعناها عمل يظهر قوة خارقة وتحديدًا القوة الإلهية.
(١) إثبات صحة رسالة الإنجيل يو ٣: ٢؛ عب ٢: ٤.
(٢) إثبات حقيقة كون ملكوت الله قد جاء وتأثيره العظيم في حياة البشر مت ١٢: ٢٨؛ لو ٤: ١٨؛ مت ١٠: ٧- ٨؛ أع ٨: ٦، ٧، ١٣.
(٣) مساعدة المحتاجين مت ٢٠: ٣٠، ٣٤؛ مت ١٤: ١٤؛ لو ٧: ١٣.
(٤) إزالة العوائق وتمهيد الطريق أمام الخدمة والخدام مت ٨: ١٥؛ فيلبي ٢: ٢٥- ٣٠؛ ١كو ١٢: ٧؛ ١٤: ٤، ١٢، ٢٦.
(٥) وأخيرًا الغاية الشاملة والتي تلتقي عندها جميع الغايات الأخرى وهي إعطاء المجد المستحق لله مت ٩: ٨؛ يو ٩: ٣.
ثالثًا: معمودية الروح القدس
أ– البعد الكتابي:
ب– البعد التاريخي
(١) چون فلتشر [١٧٢٩- ١٧٨٥] ومعينه ويسلي وبعض المعلمين المصلحين التاليين لهما، تحدثوا عن معمودية الروح القابلة للتكرار بما يعني مزيد من التشديد والتأكيد على الإمكانية لحياة مقدسة وخدمة مليئة بالقوة.
(٢) تشارلس فني، د. ل. مودي [١٨٣٧- ١٨٩٩]، ر. أ. توري [١٨٥٦- ١٩٢٨]، أندرو ميراي، أ. ب. سمبسون [١٨٤٤- ١٩١٩]، آخرون رددوا نفس الشيء لكنهم فهموه بطرق مختلفة عن الفكرة الويسلية عن »بركة ثانية» كاختبار فردي يرفع حياة الإنسان إلى مستوى جديد باستمرار.
(٣) الخمسينيون والكاريزماتيون بصفة عامة يرون معمودية الروح في نفس أسلوب ويسلي مع تأكيدهم على الحماسة الانفعالية، التكلم بألسنة، الانفتاح الكبير لكل أنواع المواهب للخدمة، بما فيها مواهب النبوة، الشفاء والألسنة مع اعتبارها في الأغلب كدلالة على معمودية الروح.
ج– البعد اللاهوتي
رابعًا: التكلم بألسنة
أ– في سفر الأعمال
ب– في رسالة كورنثوس الأولى
ج– في إنجيل مرقس
ثالثًا: نظرة تحليلية
(١) المنهاج التاريخي الموضوعي، والذي يؤكد على عمل الله تجاه البشرية، كما يعلنه ويعلمه الكتاب المقدس.
(٢) المدخل الشخصي الوجداني الذي يؤكد على الاختبار الإنساني مع الله.
لا يمكننا أبدًا أن نجادل في إخلاص الغالبية العظمى من المنتمين للحركة الكاريزماتية في تبعية الرب يسوع. لكن دعني أستعير هنا تعبير اللاهوتي المعروف «چون ستوت» «متحمسون لكن دون بصيرة» فعندما يجعل الكاريزماتيون الاختبار هو المقياس الرئيسي للحق فإنه ينطبق عليهم ما وصفه أيضًا «چون ستوت» «إقرار صريح بالتضاد لكل ما هو ذهني»
(1) [John R. W. Stott, Your Mind Matters (Downers Grove, Intervarsity, 1971) 7,10]
المراجع المستخدمة
(١) نجيب – د. ق مكرم- قضايا الروح القدس- دار الثقافة- القاهرة- ٩٤٠٠/ ١٩٩٤، ص ٣٢-٣٦.
(٢) اسطفانوس- د. ق عبد المسيح- الإنجيليون أسماء ومفاهيم- مركز دراسات مسيحية الشرق الأوسط- كلية اللاهوت الإنجيلية- القاهرة- ٢٠١٤، ص ١٠٥-١٠٦.
(٣) عزيز- د. ق فهيم- الروح القدس- دار الثقافة- القاهرة- ٣١٥٧/ ١٩٩٠، ص ١٤٣-١٤٦.
(٤) نجيب- ق مكرم- الحركة الكاريزماتية- دار الثقافة – القاهرة- ٢٥٢٨/ ١٩٨٧، ص ٢٧-٣٨.
(٥) چون ماك آرثر- بلبلة كاريزماتية- تعريب: د. ڤيكتور صموئيل بدروس- الرابطة الإنجيلية بالشرق الأوسط- ٨٢٨٦/ ٢٠١٦،
ص ٢٣-٥٣.
(٦) جرودم- واين- بماذا يفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي- رؤية معاصرة في ضوء كلمة الله- برنامج التعليم اللاهوتي. ص. ب ١٩٣١- عمان ١١١١٨- الأردن مع مطبوعات إيجلز ص. ب ١١٠١- القاهرة- ١١٧٣٧- مصر- ٧٢٧٨/ ٢٠٠٩- الجزء الأول، ص ٢٩٧-٣١٠.
(٧) نفس المرجع السابق- الجزء الثاني، ص ٢٨٥-٣٠٦.
(٨) نفس المرجه السابق- الجزء الثالث، ص ١٥١-١٨٠.
(9) New Bible Dictionary- Third Edition- IVP- IVP Accdenic- 1996. P.1130-1131.
(10) New Dictionary of Theology- IVP Downers Grove Illirois 60 60515, England. p. 71-74.
(11) Evangelicd Dictionary of Watter A- El Well Theology. Baher Book House. Grand Rapids Michigon 49506- Eighth printing. November 1991. p. 205-208.
اسم الكاتب :بيتر مجدي
نظمت رئاسة الإنجيلية، مساء الاثنين 29 يونيو الماضي، لقاءً بعنوان “التحديات التي تواجه الكنيسة في زمن كورونا”، برئاسة الدكتور القس أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيلية، ومشاركة الدكتور ماهر صموئيل، والدكتور القس عزت شاكر، والشيخ يوسف ناثان، وأكثر من 200 مشارك عبر تطبيق “زووم”.
أندريه زكي: السبت خلق لأجل الإنسان وتحكمنا تداعيات المرض
قال الدكتور القس أندريه زكي “إنه اللقاء الأول من خلال تطبيق زووم”، موضحًا “أن أزمة انتشار فيروس كورونا خلقت عالمًا جديدًا، ولا نستطيع أن ننكر هذا، وأن وسائل التواصل الاجتماعي خلقت مساحات جديدة بين العالم الافتراضي والعالم الواقعي، وهذه المساحة أصبحت متعددة، ونحن أمام أفكار لاهوتية ومتنوعة سمح بها الفضاء الإلكتروني، بعضها يتميز بحرية مسؤولة، وبعضها لا يتسم بالمسؤولية”.
وأشار رئيس “الإنجيلية” إلى “أنه زادت مؤخرًا الحرية الفردية وقلت الجماعية”، مضيفا “أننا نفتقد بركة الجماعة والوجود معًا” وتساءل “ما هي قدرة الكنيسة اليوم على التواصل والتكيف وإعطاء دفء الجماعة مرة أخرى؟” وأوضح “لهذا السبب بدأت هذه السلسلة من الندوات”.
وتابع “في المجلس الإنجيلي العام قررنا تشكيل مجموعات استشارية لمساندة رئيس الطائفة، الأولى رعوية بقيادة القس الدكتور جورج شاكر نائب رئيس الطائفة، والثانية للإرشاد النفسي برئاسة الدكتور ماهر صموئيل، والثالثة طبية برئاسة الدكتور فريدي البياضي”، وأوضح “أننا مهتمون ببناء جسور من التواصل والإبداع بهدف تقديم رؤى جديدة لمواجهة تحدي كورونا، ونسعى لمجتمع الثبات والمرونة والمتانة، وإيمان يقف على أرض صلبة”.
وأوضح الدكتور أندريه “أن السبت خُلِق لأجل الإنسان وليس العكس، وأن تداعيات المرض وظروف انتشاره هي التي تحكمنا في اتخاذ قرار فتح الكنائس مجددًا”، مؤكدًا “أن الإيمان يتطلب مسؤوليةً، ولو كانت العدوى لازالت قائمةً يُؤجل افتتاح الكنائس، ونراعي احتياجات المؤمنين”.
يوسف ناثان: يجب اللجوء للعلم والتخصص
تحدث الشيخ يوسف ناثان عن بولس الرسول وطلبه من تلاميذه بعدم السفر في الشتاء، موضحا “أنه يجب اللجوء للعلم والتخصص”، مقارنًا ذلك الموقف بالتعامل مع فيروس كورونا حاليًا، وأشار لخطوة رئيس الطائفة بتشكيل 3 لجان لمعاونته بسبب أزمة كورونا، داعيًا إلى “أن يشارك كل شخص بالخبرة التي يملكها”.
وتابع “لابد أن نصلي لأجل العالم كله، وليس المسيحيين فقط أو لمصر فقط، كما فعل بولس وقت أن كانت السفينة تغرق في القصة التي ذُكرت في أعمال الرسل إصحاح 27، فقد كان بولس سجينًا إلا أنه في وقت المحنة اهتم بسلامة الجميع وشارك بما يملكه في وقت الأزمة”.
ماهر صموئيل: كورونا وضعتنا أمام تحديات لاهوتية ونفسية
قال الدكتور ماهر صموئيل “إن كورونا ألقت علينا حِملًا، ووضعتنا أمام تحديات نفسية ولاهوتية أذكر منها: التحدي النفسي وهو الخوف العام، والثاني نفسي أيضًا وهو الخوف من المجهول”.
وعن الخوف العام، قال إن “كورونا جعلتنا نواجه 3 حقائق نهرب منهما باستمرار وهي ضعف الجسد، فنحن ضعفاء، وعلينا أن نستفيق من وجه القوة الزائفة والثانية أننا عاجزون ومحدودون، ورأينا العلم عاجزًا أمام هذا الفيروس غير المرئي، والثالثة هي الموت، الذي أصبح قريبًا، فخلال 4 أشهر، يوجد 10 مليون مصاب ونصف مليون حالة وفاة عالميًّا”.
وأوضح “أنه يمكن مواجهة ذلك من خلال المنظور اللاهوتي”، موضحًا “أننا نملك نظرة مسيحية للعالم، قادرة على وضعنا في موقف متين وصلب، فأمام قوة الموت لدينا قوة القيامة، والتعليم ونحن في حاجة إلى تعليم لاهوتي صحيح لبناء إنسان مسيحي قادر على المواجهة”.
وعن الخوف من المجهول، قال “إننا نحتاج تعليمًا لاهوتيًّا عن الرجاء، فبسبب النظرة المادية نخشى من الكلام عن القوى فوق الطبيعية التي ترينا سلطان الله، أو في المستقبل عندما سيأتي المسيح ثانية، والخوف من المجهول جعل البعض يتكلم عن مجيء المسيح كمسكن وهذا مخالف للواقع والحقيقة”.
وأشار إلى “أن التحديين اللاهوتيين ظهرا في أن كورونا كشفت السطحية في قضايا لاهوتية خطيرة، يبدو أننا استسهلناها، أولها فهمنا لطبيعة الله، وطبيعة تدخله في التاريخ البشري، وفوجئنا برأيين؛ رأي يمثل الأغلبية العامة التي لم تحظَ بنصيب من التعليم العام، أو اللاهوتي، التي رأت كورونا غضب من الله على البشر أو غضب على الكنيسة، وتصاعدت نغمة أن هذا غضب من الله وأقلية ترى أن الله صالح ولا يعاقب بهذه الطريقة”.
وتابع “في أي لحظة من التاريخ البشري لا يخفى عنا صلاح الله، فلم تحرم الخليقة ببشرها وطيورها وحيواناتها من صلاح الله، ومن الجانب الثاني فإن القرينة التي يقدم فيها الإنجيل، باعتباره الخبر المفرح وقوة الله للخلاص، ولا يمكن أن ننكر أن الله حزين بسبب شرور البشر في العالم ويدعونا للتوبة”.
ولفت إلى ما قاله الفيلسوف الإنجليزي أدلر بأن “اعتقاد الإنسان عن الله هو أهم شيء في هذه الحياة لأنه سيشكل أجوبة الإنسان في بقية أمور الحياة”.
عزت شاكر: إرسالية الكنيسة هي الاهتمام بكل جوانب حياة الإنسان
وقال الدكتور القس عزت شاكر “إن كلمة كنيسة في اللغة اليونانية بمعنى “إكليسيا” وهي ومن الفعل “كاليو” بمعنى “من يدعو” موضحًا “أنها الجماعة المدعوة من الرب”، لافتًا إلى “أن الكنيسة يجب أن تقوم بدور مع مرضى كورونا، وأن الكنيسة المشيخية بدأت في مصر رسالتها وبجانب الكنيسة مستوصف ومدرسة، فإرسالية الكنيسة هي الاهتمام بكل جوانب حياة الإنسان كما فعل السيد المسيح”.
وأوضح “أنه خلال الأزمة الحالية حاولت الكنيسة توفير أدوية ومشورة طبية، وبعض الأجهزة الطبية لمساعدة مرضى كورونا غير المتاح لهم العزل في المستشفيات، وتوظيف لمن فقدوا وظائفهم”.
اسم الكاتب :بيتر وديع- فادى عاطف- جيهان عيد
مثّلت أزمة جائحة كورونا تحديًا من نوع جديد للإنسانية، بكل مؤسساتها ونوعيات أفرادها، أدى إلى فرض واقع جديد على كل المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. والكنيسة ليست استثنائية من هذه الظروف، إذ واجهت الكنيسة المصرية بشكل عام المصاعب والتحديات على جميع الأصعدة ولكن كان أهمها علاقة الفرد بالكنيسة باعتبار ان الكنيسة يعتبرها الكثيرون بيت الله.
والكنيسة الإنجيلية بشكل خاص واجهت عدة تحديات لاهوتية واجتماعية وأيضًا إدارية؛ إذ كان عليها أن تقوم بأدوار مختلفة ما بين الروحي والرعوي وأيضًا دورها المجتمعي وهو مساندة الدولة في ظل هذه الظروف.
وفي هذا التقرير سوف نحاول رصد هذه التحديات التي واجهتها الكنيسة بإيجاز.
أولًا: الكنيسة والتحديات اللاهوتية
التباعد الاجتماعي
ربما لأول مرة تشهد الكنيسة بمصر والعالم العربي هذا التحدي في الانقطاع عن حياة الشركة الكنسية بكل جوانبها. تم إلغاء اجتماعات العبادة والاجتماعات الفرعية في كافة الكنائس الإنجيلية، كما شهدت الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية إلغاء القداسات الأسبوعية واليومية. وهذا الغياب عن المبنى الكنسي كان له إيجابيات وسلبيات عديدة.
فمن بين الإيجابيات، كان العزل الاجتماعي بمثابة تذكير للكنيسة بأن هويتها الحقيقية لا تكمن في المبنى والجدران، ولكن حياة الكنيسة هي حياة ديناميكية يومية يمكن أن تتجسد بطرق مختلفة، وهو ما حدث في خروج الكنيسة لخدمة المجتمع كما سنرى لاحقًا. ولكن دار السؤال: كيف يمكن للكنيسة أن تحيا ككنيسة دون وجود شركة بين أعضائها، سواء في العبادة أو الخدمة؟
وقد حاولت كنائس مختلفة أن تتجاوب بطرق خلَّاقة مع هذه الأزمة. فقد اتجهت أغلب الكنائس إلى تصوير الاجتماعات وإذاعتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما حرصت الكنائس والمؤسسات المسيحية على الاستفادة القصوى ببرنامج Zoom الذي حقق للكنيسة نوع آخر من الوجود وهو ممارسة الشركة من خلال الواقع الافتراضي.
وربما ثار التساؤل في هذه الآونة عن مدى فاعلية هذه الشركة من خلال الواقع الافتراضي على الإنترنت. فمن ناحية، لا أحد يمكن أن يدَّعي بأن الشركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تكافئ شركة اللقاءات المباشرة على أرض الواقع. ولكن من ناحية أخرى، فإن جائحة كورونا بهذا الشكل قد دفعت الكنيسة دفعًا نحو الذهاب للشبكة العنكبوتية التي يتواجد عليها أغلب شعب الكنيسة. ولو نظرنا للفئات المختلفة من الأعمار، سنلاحظ أن الشباب هو الشريحة الأكبر من المتواجدين على الإنترنت. لكن هل هذا يعني أن الكنيسة استطاعت بالفعل الوصول لهذه الشريحة وغيرها؟
فمن ناحية، أعطى الانقطاع عن الشركة على أرض الواقع الفرصة للكثيرين ليختبروا مشاعرهم تجاه الكنيسة كجسد واحد له أعضاء كثيرة. هذا الحنين للأجواء الروحية جعل كثيرين بداخل الكنائس في حالة ترقب مستمر لإعادة فتح الكنائس مرة أخرى. ولكن من ناحية أخرى، برز التساؤل عن مدى الفارق في حياة الناس من اختفاء الكنائس. بكلمات أخرى، هل اختفاء الاجتماعات والأنشطة الروحية والمؤتمرات أثّر على حياة الناس؟ ربما يحتاج الأمر للتفكير منا قبل الإجابة لتكون فترة العزل الاجتماعي بمثابة فترة للتأمل ونقد الذات.
المائدة/ عشاء الرب
هذا التحدي مرتبط بشكل مباشر بجائحة كورونا وبصميم العبادة الكنسية، فبحسب تعليمات منظمة الصحة العالمية W.H.O، فإن فيرس كوفيد-19 ينتقل عبر التلامس بين الأشخاص أو من خلال الأسطح المختلفة الحاملة للفيروس. وبالتالي، أصبح التساؤل كبير في كل الكنائس: كيف يمكن ممارسة عشاء الرب، في حال فتح الكنائس، دون أن يكون ممارسة الفريضة فرصة لانتشار العدوى بين شعب الكنيسة المحلية؟ ففي الكنائس الإنجيلية، يمكن أن ينتقل الفيروس من خلال الأيدي التي تقوم بتقسيم الخبز. يمكن اتخاذ بعض التدابير التي تضمن سلامة أعضاء الكنيسة المتقدمين للمائدة من الفيروس، مثل ارتداء الراعي والشيوخ للقفازات، أو استخدام أوعية للمائدة من نوعية الاستخدام لمرة واحدة فقط.
وواجهت الكنيسة الإنجيلية أيضًا تساؤلًا آخر مرتبطًا بالمائدة وهو: هل يمكن للأسرة أن تلتف حول المائدة للشركة بقيادة الأب، أو رب الأسرة؟ أو هل يمكن لأي مجموعة من أعضاء الكنيسة أن يمارسوا عشاء الرب في المنزل؟ وقد جاءت بيانات الطائفة الإنجيلية ومجامع الكنائس بالتأكيد على ضرورة ممارسة فريضة المائدة في سياق العبادة الجماعية الكنسية التي لا تكتمل بدون وجود شيوخ الكنيسة والراعي، مما يضبط التعليم الخاص بالفريضة.
يبدو أن تحدي المائدة/ التناول يدفع الكنيسة نحو التفكير في طرق أخرى مبتكرة وجديدة لكيفية مواصلة الكنيسة لشركتها في ظل وجود جائحة كورونا وهو ما ظهر في مواجهة الكنيسة للتعاليم الغريبة التي انتشرت منذ ظهور وباء كورونا.
الوباء ونهاية العالم
ما أن بدأ الحديث عن جائحة كورونا ينتشر في مصر حتى كثر التفكير في علاقة الوباء بنهاية العالم، وقام البعض بتفسير سفر الرؤيا في إطار ارتباطه بالوباء العالمي المعاصر، ووصل الأمر إلى أن انتشرت شائعات أن بيل جيتس، مؤسس ورئيس شركة ميكروسوفت العالمية، سوف يضع شريحة تحت الجلد لكل إنسان في الكوكب تحت شعار الحماية من وباء كورونا بينما، وبحسب الشائعة، فإنه يسعى لتأسيس نظام عالمي يسيطر به على العالم “كالمسيح الدجّال” أو أن هذه الشريحة ترمز لسمة الوحش المُشار إليها في سفر الرؤيا.
ربما يقف خلف بعض هذه التحديات المرتبطة بفكرة نهاية العالم هو انتشار الشائعات، بحيث أصبحت الأخبار تتداول في زمن الوباء بشكل يسبب الخوف لدى الناس، كما في هذا التحدي المرتبط ببيل جيتس، حيث انتشرت هذه الأفكار نتيجة حوار معه في منصة TED Talk العالمية والذي يرجع لعام 2015، في الوقت الذي تعمل فيه مؤسسة جيتس الخيرية لمقاومة الوباء وإيجاد اللقاح المناسب منذ بداية تفشي الوباء.
غضب الله في الوباء
لكن على مستوى أعمق بعض الشيء، ثار التساؤل وسط الكنيسة، وخصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي: هل هذا الوباء عقاب من الله؟ فبملاحظة كيف أن الوباء تسبب في فقدان الكثيرين لوظائفهم، وكيف فقد الكثيرون أرواحهم، وكيف أصاب المرض المجتمع بالشلل التام لعدة شهور، وذلك ليس في دولة واحدة بل في العالم كله، طفى هذا التساؤل على السطح. وخمّن البعض: ربما الله غاضب ويعاقب البشرية على فجورها وجرائمها الكثيرة بهذا الوباء.
وفي نفس الإطار، بدأت بعض الأحداث الكتابية في الظهور على الساحة الكنسية الآن في ظل ارتباطها بالوباء. فعلى سبيل المثال، قام الله بمعاقبة الشعب بالوباء ومات في ثلاثة أيام فقط 70 ألف نفس (2 صم 24: 15). ألا يدعم هذا المقطع أن الوباء قد يكون أحد وسائل الله لعقاب الإنسان على خطاياه؟ هكذا، طفت هذه الأسئلة على السطح في وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة خلال الشهور الماضية.
ولكن لأي مدى يصح أن يُقال عن الله إنه يعاقب البشرية على الوباء؟ وإلى أي مدى يعكس الكتاب المقدس هذه الصورة عن الله؟ أم أن الله يريد أن يخلص الإنسان لا أن يهلك؟
الأخلاق الجديدة
وبالتزامن مع التحديات اللاهوتية العديدة، كان هناك تحدٍّ لاهوتي له بُعد تطبيقي آخر يختص بالأخلاقيات التي نحتاج لرصدها لتكون بمثابة درس للكنيسة. فعلى سبيل المثال، الشفافية التي نحتاج إليها في هذا الزمن لها أهمية كبيرة، فقد ثار التساؤل: ألا يجب على كل من يُصاب بالوباء أن يخبر كل المخالطين له، سواء في جهة عمله أو في مجتمعه المحلي الذي ينتمي إليه؟ هذا يساعد في اتخاذ الاحتياطات تجاه كل من خالط المُصاب وأسرته مما يحد من انتشار المرض. لكن تم ملاحظة كيف أصبحت الإصابة بالوباء تمثل “عارًا” Shame يحاول البعض أن يتستر عليه وكأن المرض أصبح فضيحة.
لقد أدى الأمر لحدوث وفيات للبعض الذين التقطوا العدوى؛ لأنهم خالطوا مُصابين كان يجب أن يعلنوا إصابتهم ولكن لم يحدث. وحينما تدخل هذه الثقافة داخل المجتمع الكنسي، يصبح الأمر أكثر تعقيدًا.
الرعاية
أخيرًا، لقد واجه الرعاة تحديات مختلفة، من حيث كيفية ممارسة رعايتهم لرعاياهم في الكنائس المختلفة، وبشكل خاص في كيفية التعامل مع الأسر المُصابة في كنائسهم. ويبدو بشكل عام كيف نجحت الكنيسة إزاء هذا التحدي، إذ أن الرعاة حرصوا على التواصل مع رعاياهم من خلال الاتصال التليفوني، أو من خلال برنامج Zoom. كما حرصت الكنيسة بكل خدامها على خدمة الأسر المتضررة في كل المجتمعات.
ليس هذا فقط، لكن حرصت الكنائس المختلفة على توفير الرعاية لكل المجتمع المحيط بها، وهو ما سوف يتم التفصيل فيه في مناقشة الدور الاجتماعي لاحقًا.
الخلاصة: استنارة في زمن الوباء
ربما التحدي الذي قدّمه الوباء للجميع دون استثناء هو مدى هشاشة الوجود الإنساني أمام عدو غير مرئي، وكيف أن كل المؤسسات والمنظمات والأعمال ودور العبادة وأماكن الترفيه كانت تمثل أنشطة كثيرة للإنسان، لكن وقت العزل الاجتماعي كان فرصة أمام الكل للهدوء والتفكير في قيمة الحياة ومعناها. لقد جعلنا الوباء أن نعيد تقييم الحياة بطريقة أكثر اتزانًا، وكان بمثابة فرصة لنعرف أين نضع أهدافنا وكيف نقوم بترتيب منظومة قيمنا.
إن وباء كورونا يمثّل مرحلة جديدة من التاريخ تعيش فيها الكنيسة وتحتاج الكنيسة أن تفكر اليوم في أسئلة عديدة:
كيف يمكن للكنيسة أن تتواصل مع المجتمع الخارجي في ظل الأزمات التي تهدد أوطان بكاملها كهذا الوباء؟ وكيف يمكن للكنيسة ايضًا أن تتواصل مع أعضائها وشعبها في ظل العزل الاجتماعي؟ وماذا عن مراحل ما بعد كورونا وعودة الاجتماعات؟
لكن التحدي اللاهوتي هو الأكبر ايضًا، لأن زمن كورونا يأتي بأفكار مختلفة عن الله والكتاب المقدس. نحتاج ككنيسة أن نكون مستعدين لهذه الأسئلة، وأن نكون على اتصال بالواقع الذي يعيشه الشباب اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي. لأنه ثبت بالتجربة أن وسائل التواصل التكنولوجي قد تكون هي الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام الكنيسة في مرحلة ما من الزمن.
ثانيا: الكنيسة وخدمة المُجتمع
تسببت جائحة فيروس كرونا (كوفيد-19) المُستجد، العديد مِن التحديات الصحية والمشاكل الاقتصادية معًا. فلم تكن الأزمة مجرد أزمة صحية أو أزمة اقتصادية فقط، بل كانت الأزمة منذ بدايتها في غاية التعقيد، فلقد تكونت مِن عدة مكونات سواء صحية أو طبية أو اقتصادية، ولها تأثير على جميع أطياف وفئات ومُكونات المجتمع دون تفرقة أو تمييز.
وتفاعلت الكنيسة الإنجيلية بمِصر -بكل مذاهبها- بشكل إيجابي مع المُجتمع واحتياجاتهِ، منذ بداية أزمة ظهور فيروس كرونا (كوفيد-19) المُستجد. ولقد تجاوبت الكنيسة مع احتياجات المجتمع إيمانًا منها بقيمة وأهمية الإنسان. فالكتاب المقدس وبالتبعية الفكر اللاهوتي المسيحي، يؤكد ان بشدة على تفرد وتميز الإنسان. فبالرجوع إلى لاهوت الخلق، سنجده يؤكد أن الإنسان مخلوق على صورة الله، وأيضًا لاهوت التجسد يؤكد على اتحاد الله بالإنسان، مُعطيًا بذلك كرامة للإنسانية جميعها. فانطلاقًا مِن لاهوت الخلق، واستنادًا على لاهوت التجسد، تجاوبت الكنيسة بسرعة وإيجابية مع احتياجات المجتمع، مُعبرة بذلك تعبيرًا عمليًا لرسالتها.
ويُمكن رصد التَحركات العَملية المُجتمعية للكنائس الإنجيلية المُختلفة، مع احتياجاتِ مُجتمعاتها في ثلاثةِ مجالات، وهما كالتالي:
أولًا: مجال التعقيم
فلقد قامت بعض الكنائس مِن خلال خدامها وشبابها المتطوعين، بتعقيم الكثير مِن المناطق المجاورة للكنيسة، والمباني والمنشآت التي يتردد إليها أعداد كثيرة. كما ذهب البعض إلى المؤسسات الحكومية كرئاسة الحي، وقاموا بالتنسيق معهم لرش وتعقيم بعض مِن المنشآت الواقعة في إطار الحي الخاص بهم، مثل: السنترالات والمكاتب البريد. وذلك كله بجانب تعقيم المراكز الطبية المستشفيات الصغيرة الموجودة بداخل كُل مجتمع.
ثانيًا: مجال الإجراءات الاحترازية
تَحركت الكنائس الإنجيلية المُختلفة، بشكل عملي مع احتياجاتِ مُجتمعاتها، مِن خلال توزيع الأدوات الصحية الوقائية مثل: الكمامة – القفزات الطبية – الكحل. فلقد قامت العديد مِن الكنائس بتوزيع هذه الأدوات الوقائية على المحتاجين إليها بشدة، فيوجد في المُجتمعات المختلفة الكثير ممن لم يستطيعوا المكوث في المنزل، بسبب كسب لقمة العيش، وبالتالي أصبحوا يحتكون مُباشرة بالشارع مثل: عمال النظافة، وأصحاب المهن الحرفية، والسائقين، والعمال … إلى أخر هذه مهن المختلفة. مما جعل الكنيسة التدخل لمساعدة هذه الفئات مِن المُجتمع، مِن خلال توزيع هذه الأدوات.
ثالثًا: مجال المشاركة بالمواد الغذائية
المجال الثالث الذي قدمت فيه الكنائس الإنجيلية المختلفة خدمتها للمجتمع، هو مجال توزيع المواد الغذائية. فلقد كان للأزمة بُعد اقتصادي قوي منذ البداية، مما أثر على العديد مِن أصحاب المهن اليومية الذين يعملون بالأجر اليومي، أو الذين يعملون في مهن تم إغلاقها مثل المطاعم والمقاهي…إلى أخر هذه المهن. وتفاعلًا مع هذا قامت بعض الكنائس بتوزيع بعض المواد الغذائية الأساسية مثل: الزيت والسكر والأرز والمعكرونة. وذلك للمُساهمة في تسديد احتياجات هذه الأسر التي تضررت بشكل مُباشر وسريع مِن الأزمة.
وبالتأكيد أظهرت صدى إيجابي، وتأثير جيد على المواطنين، هذه الأنواع الثلاثة مِن التدخلات، والتي اهتمت بتسديد احتياجات المجتمع، الذي كان يرزح تحت وطأة أزمة فيروس كرونة. كما عكست هذه التدخلات بشكل واقعي وعملي، الكثير مِن القيم والمبادئ التي تتبنها الكنيسة. كما جسدت الفكر اللاهوتي وعقيدة الكنيسة على أرض الواقع، وهذا كله تفاعلًا مع احتياجات الإنسان والمجتمع ككل.
ولم تُسهم الكنيسة وحدها فقط في هذا الأمر، لكن أيضًا ساهمت المؤسسات التابعة للكنيسة الإنجيلية في مِصر. فيتبع الكنيسة الإنجيلية العديد مِن الجمعيات الخيرية والتنموية، التي تعمل تحت مظلة وزارة التضامن الاجتماعي، وتخدم المُجتمع ككل دون تميز نوعي أو عرقي او ديني، ولكنها مُنطلقة من خلفية مسيحية، ومبنية على أساس إيماني مسيحي.
وتأتي “الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية” على قمة هذه المؤسسات التنموية التي خرجت مِن رحم الكنيسة الإنجيلية بمصِر. الهيئة التي أسسها الراحل الدكتور القس صموئيل حبيب عام 1950م، وظلّت تخدم المُجتمع على مدار 70 عام حتى الآن، ويرأسها حاليًا الفاضل الدكتور القس أندريه ذكي، الذي هو أيضًا رئيس الطائفة الإنجيلية بمِصر. وتخدم الهيئة القبطية المُجتمع المِصري في اثنا عشر محافظة تقريبًا، وتخدم ما يقرب مِن ثلاثة ملايين مِن المواطنين سنويًا، دون النظر إلى اللون أو العرق أو النوع أو الدين.
ونرصد إليكم بعد التدخلات الهامة التي تدخلت بها الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية في العديد مِن المُجتمعات، لمجابهة تداعيات جائحة فيروس كورونا، وذلك خلال أشهر مارس وأبريل ومايو 2020م. ولقد تدخلت الهيئة في العديد مِن المجالات، وبالعديد مِن المبادرات المُجتمعية، وأهمها الآتي:
أولًا: مجال التنمية المحلية
كانت هناك العديد من المبادرات تحت مسميات تحمل في معناها الهدف منها مثل مبادرة نتشارك هنعدي الازمة. مبادرة نقدر نحميها. مجتمعات امنة من فيرس كورونا
قامت هذه المبادرات في مختلف المحافظات مثل القاهرة – المنيا -القليوبية- سوهاج – بنى سويف – البحيرة – أسيوط -الدقهلية – الفيوم
استطاعت هذه المبادرات ان تخدم حوالي 165 ألف اسرة وتباينت المبادرات ما بين توزيع شنط أغذية ومطهرات وحملات تطهير وتعقيم وتيسيرات تنظيمية معاونة لأصحاب المعاشات والعمالة اليومية للحصول على حقوقهم
ثانيًا: مجال التنمية الثقافية
في هذا الشأن كان هناك دور لبرامج منتدى الحوار وبناء السلام في التوعية المرتبطة بترسيخ مبادئ المنتدى مثل المواطنة والتماسك المجتمعي من خلال حوالي 35 مبادرة ما بين توعية وندوات اون لاين ومطبوعات توعية وقد استفاد من هذه المبادرات حوالي 35 ألف اسرة وساعد في التنفيذ حوالي 270 متطوع ومتطوعة.
ثالثًا: مجال التمويل المتناهي الصغر
تمَّ إصدار عدد 9038 قرض خلال الفترة الماضية 2020م، بقيمة تبلغ تقريبًا 105 مليون جنية. وذلك لتدعيم الأسر التي تعمل في المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، وذلك لتحسين الدخل وتوفير الحياة الكريمة لهم. كما أصدرت الهيئة في ظل الأزمة، عدة قرارات مُرتبطة لتسهيل إجراءات السداد للمُقترضين، وذلك أتساقًا مع القرارات التي اتخذتها الدولة المصرية في هذا المجال:
الخلاصة
لم تقف الكنيسة الإنجيلية بمِصر بكل مذاهبها، مكتوفة الأيدي أمام الأزمة، ولكنها تفاعلت بإيجابية وقوة وجرأة. حيثُ أنها كنيسة تهتم بربط العقيدة بالسلوك، واللاهوت بالواقع، والعبادة بالخدمة. فالكنيسة الإنجيلية كانت منذ وجودها مصر، ولازالت حتى الآن، تخدم المجتمع المصري بكل حب وتضحية، فهي كنيسة وطنية بامتياز، تحب الوطن وتخدمه انطلاقًا مِن عقيدة تؤمن بأن هذه الخليقة هي خليقة الله، وأن الإنسان هو على صورة الله، ولذلك فالاندماج في المُجتمع مِن منظورها حتمية إيمانية لا غنى عنها.
ثالثا: الكنيسة والقرارات الإدارية
مُنذُ أن دَخلت الكنيسة في أزمة انتشار فيروس كرونا (كوفيد-19) المُستجد، وكان هناك الكثير مِن التحديات كبيرة التي تواجه الكنيسة. وهذا لأن طبيعة مُمارسة العبادة والأنشطة في الكنيسة، مُرتبطة دائمًا بتجمعات بها أعداد كثيرة. ومنذ ظهور هذا الفيروس كان ولابد للكنيسة أن تأخذ قرارات سريعة وحاسمة في آنٍ واحد، سواء في العبادة أو الأنشطة الكنسية. مما وضع الكنيسة أمام تحدي صناعة القرارات الحاسمة والحكيمة في نفس الوقت.
ولقد أصدرت الطائفة الإنجيلية بمِصر – المؤسسة الرسمية الوحيدة التي تُمثل كُل المذاهب الإنجيلية أمام الدولة المصرية – العديد مِن البيانات المُرتبطة بإدارة الكنيسة في ظل أزمة فيروس كورونا، وجميع هذه البيانات والقرارات كانت مُلزمة لجميع الكنائس الإنجيلية مِن كافة المذاهب المُختلفة. وأتت جميع القرارات اتساقًا مع رؤية وقرارات الدولة المِصرية، التي حرصت باستمرار على سلامة مواطنيها. وكانت تتسم بالحكمة والجرأة والقوة، مما أظهر إبداع حقيقي في إدارة الأزمة.
ولا نستطيع أن نضع أمام حضراتكم جميع البيانات التي أصدرتها الطائفة الإنجيلية بمِصر، لذلك سنضع فقط أهم البيانات التي أصُدرت مع بداية الأزمة، وحتى قرارات العودة التدريجية في شهر يونيو2020م.
وكان أول بيان أصدرته الطائفة الإنجيلية مع ظهور الأزمة، هو:
القاهرة في ١٩ مارس ٢٠٢٠
بَيانٌ منْ رئاسةِ الطائفةِ الإنجيليَّةِ بمِصرْ
في إطارِ مَا تمرُّ به البلادُ منْ ظروفٍ استثنائيَّةٍ، وحِرْصًا على حَياةِ جميعِ المواطنينَ، منْ أيِّ مخاطرَ صِحيَّةٍ قد تُهدِّدُ حياتَهم، وحياةَ عائِلاتِهم، وتماشيًا معَ القراراتِ الاحترازيةِ التي تتَّخِذُها الدولةُ المصريَّةُ، التزامًا بمعاييرِ الصحةِ والسلامة، التي تنصحُ بها منظمةُ الصحةِ العالميةْ، قرَّرَ الدكتور القسّ أندريَّه زكي، رئيسُ الطائفةِ الإنجيليةِ بمصرَ، ما يلي:
١- تعليق كافةِ الاجتماعاتِ والأنشطةِ والمؤتمراتِ الكنسيَّةِ لجميعِ المذاهبِ الإنجيليةِ في مِصرَ، اعتبارًا من اليومِ الخميس ١٩ مارس وحتى نهايةِ شهر مارس الحالي بجميعِ أنحَاءِ الجمهوريةِ.
٢- أمَّا فيما يختصُّ بالعبادةِ يومَ الأحد، يتمُّ ذلك معَ الالتزامِ بمعاييرِ الصحةِ والسلامةِ، التي أقرَّتها منظمةُ الصحةِ العالميَّةِ، كما يجوزُ لمجلسِ الكنيسةِ المحليةِ اتخاذُ القرارِ بإقامةِ العبادةِ عبرَ البثِّ المباشرُ ووسائلِ التواصلِ الاجتماعيّ، دونَ حضورِ الشعبِ، وذلكَ بالتنسيقِ معَ رؤساءِ المذاهبِ والكنائسِ الإنجيليةِ بمصرَ.
٣- اتخاذ جميعِ الكنائسِ كافةِ الإجراءاتِ الاحترازيةِ من تعقيمٍ واتباعٍ للإرشاداتِ الصحيَّةِ اللازمةْ.
٤- تخصيصَ يوميّ الجمعة ٢٠ و٢٧ مارس للصومِ والصلاةِ والتضرُّع إلى اللهِ ليجيزَ هذهِ الأزمةَ.
٥- تقومُ رئاسةُ الطائفةِ الإنجيليةِ بمصرَ بمتابعةِ الأمرِ بكلِّ دقةٍ، وسوفَ تتمُّ إفادَتُكم بأيِّ تطوراتٍ جديدةٍ.
إنَّ عالمَنا اليومَ يمرُّ بأزمةٍ صحيةٍ خطيرةٍ، تهدِّدُ صِحَّةَ وحياةَ الآلافِ منَ البشرِ، لكنَّنا نثقُ في قدرةِ الله أنَّه ينجِّي العالمَ أجمعَ “مِنَ الوَبَإِ الخَطِرِ” (مز 91: 3)، وأنَّ هذهِ الأزمةَ ستنتهي بالتعاونِ بينَ الجميعِ والتكاتفِ والحرصِ على صحةِ الجميعِ وحياتهم.
نصلِّي جميعًا لله أنْ يَمُدَّ يَدَهُ الشافيةَ لجميعِ المصابينْ، ويبسِطَ الحمايةَ للجميعِ، وأنْ يَحفَظَ مِصرَ والعالمَ أجمعَ في أمنٍ وسلامٍ وصحَّةٍ.
وتفاقمت بعد ذلك الأزمة وازداد اعداد المُصابين، ومِن ثمّ تزاحمت الاعداد على القطاع الطبي. مما جعل الشعب المِصري يرى القطاع الطبي كجيش يقف أمام العدو كورونا، وجعلهم يُطلقون لقب “جيش مِصر الأبيض” على جميع العاملين في القطاع الطبي، تقديرًا لجهوده المبذولة. وأيضًا هذه التداعيات أدت باتخاذ إجراءات احترازية مُشددة مِن قبل الدولة المِصرية. وفي هذا السياق جاءت البيانات الآتية مِن قبل الطائفة:
القاهرة في ٢٥ مارس ٢٠٢٠
بَيانٌ منْ رئاسةِ الطائفةِ الإنجيليَّةِ بمِصرْ
رئيس الإنجيلية يشيد بإجراءات الدولة في مواجهة كورونا ويشجع المصريين على الالتزام
الدور الذي قامت به الدولة المصرية وعلى رأسها سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، والحكومة برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، دور غير مسبوق في حماية مصر.
الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الدولة في بداية الأزمة، وفي منتصفها، تؤكد على وعي عميق لدى القيادة السياسية في مصر للحفاظ على حياة المصريين.
نشكر الله من أجل قياداتنا ونصلي أن يحفظ الله بلادنا والعالم أجمع. هذا الدور التاريخي للتعامل مع الأزمة بمهارة عالية وفهم عميق لأبعادها، مع التعامل مع الأبعاد الثقافية للمصريين ككل ساهم بدور كبير في تجنب آثار كثيرة كان من الممكن أن تكون مرعبة.
نصلي أن يساعدنا الله في استكمال الإجراءات، أن نعبر هذه الأزمة أكثر قوةً وصلابةً.
وأشجع المصريين على الالتزام، لأن هذا في صالح حياتنا وحياة أولادنا وحياة بلادنا، وأصلي أن يحفظ الله البلاد والرئيس والحكومة، ويمنحنا بصيرة وحكمة للتعامل مع الأحداث بقدرها ومستواها.
ولا يسعنا إلا أن نقدم تحية إجلال وتقدير للدور الوطني التي يقوم به القطاع الطبي في مصر، من أطباء وممرضين، وكل العاملين في المستشفيات المصرية، جيش مصر الأبيض، الذين يقاومون انتشار الوباء بجانب معالجتهم ضحايا هذا الفيروس. ونصلي من أجل حماية من الرب لهم جميعًا وسلامةً من أي ضرر.
القاهرة في ٢ أبريل ٢٠٢٠
بَيانٌ منْ رئاسةِ الطائفةِ الإنجيليَّةِ بمِصرْ
تتابعُ الطائفةُ الإنجيليةُ عنْ كثبٍ ما يدورُ على الساحةِ، وما تقومُ به الدولةُ -بكلِّ أجهزتِها وقطاعاتِها- من جهودٍ فعّالةٍ لمكافحةِ وباءِ كورونا، واحتواءِ هذه الأزمةِ التي تهدِّدُ بلادَنا العزيزةَ والعالمَ أجمعَ. وقدِ اجتمعَ اليومَ، الخميس ٢ أبريل ٢٠٢٠، المجلسُ المليُّ الإنجيليُّ ورؤساءُ المذاهبِ الإنجيليةِ، برئاسةِ الدكتور القس أندريه زكي، رئيسِ الطائفةِ الإنجيليةِ بمصرَ، عبرَ وسائلِ التواصلِ الإليكترونيّ، وقرَّرَ ما يلي:
١- تضامنًا مع سياسةِ الدولةِ، وما تتخذُه من إجراءاتٍ احترازيةٍ، يستمرُّ تعليقُ كافةِ الاجتماعاتِ دونَ استثناءٍ، كذلكَ جميعِ الأفراح والاحتفالات، وقصرُ الجنازاتِ على أسرةِ المتوفَّى فقط؛ لحينِ استقرارِ الأوضاعِ.
٢- حيثُ إنَّ سلامةَ الإنسانِ تأتي أولًا، يتمُّ إيقافُ كافةِ الاحتفالاتِ الخاصةِ بعيدِ القيامةِ المجيدِ هذا العام؛ فالسبتُ وُضعَ لأجلِ الإنسانِ، وليسَ الإنسان لأجلِ السبت.
٣- إحساسًا بالمسؤوليةِ الوطنيةِ تستمرُّ جهودُ الطائفةِ بمختلفِ مذاهبِها وهيئاتِها للقيامِ بدورٍ إيجابيٍّ في مواجهةِ الأزمةِ، تقرَّرَ تخصيصُ مبلغِ مليون جنيهٍ مصريٍّ لصندوقِ “تحيا مصر”، للمساهمةِ في شراءِ أجهزةِ التنفسِ الصناعيّ.
٤- تهيبُ الطائفةُ الإنجيليةُ، بكلِّ مذاهبِها ومؤسساتِها وكنائسِها المحليةِ، بكلِّ من لديهِ القدرةُ على المساعدةِ، بتقديمِ كافةِ المساعداتِ الاجتماعيةِ والطبيةِ الممكنةِ، لكلِّ أطيافِ المحتاجين من أفرادِ المجتمعِ، والتي تتطلبُها هذه الظروف.
٥- تناشدُ الطائفةُ الإنجيليةُ الشعبَ المصريَّ، باتباعِ كافةِ المحاذيرِ والإرشاداتِ التي تصدرُها الدولةُ في هذا الشأنِ.
٦- نناشدُ جميعَ كنائسِنا بدعوةِ الشعبِ لتخصيصِ كلِّ أيامِ الجُمَع خلالَ شهرِ أبريل للصومِ والصلاةِ، ليتحننَ الربُّ ويرفعَ الوباءَ.
ونصلِّي أنْ يمنحَنا الربُّ نجاةً من عنده، حتى نجتازَ معَ كلِّ إخوتِنا في الإنسانيةِ هذهِ الأزمةَ.
“لأنه ينجِّيك … من الوبإِ الخَطِرِ” مزمور ٩١: 3
وتزامن مع ظهور هذه الأزمة حلول عيد القيامة المجيد، التي اعتادت أن تحتفل به جميع الكنائس المِصرية في كنائسها المُختلفة، واعتادت الطائفة الإنجيلية بشكل خاص أن تعقد احتفالًا رسميًا يحضره العديد مِن قيادات الدولة المِصرية، والقيادات الدينية المسيحية والإسلامية، وعدد من أعضاء البرلمان، وإعلاميين، وقادة فكر، وقيادات المجتمع المدني، ذلك بجانب عدد لا بأس به مِن شعب الكنيسة الإنجيلية بِمصر. وكان قرار الطائفة هذا العام، بأنه سيُعقد الاحتفال، ولكن بدون حضور أيًا مِن الضيوف أو حتى شعب الكنيسة، وأصدرت الطائفة هذا البيان:
القاهرة في ١٧ أبريل ٢٠٢٠
بَيانٌ منْ رئاسةِ الطائفةِ الإنجيليَّةِ بمِصرْ
الطائفة الإنجيلية تحتفل بعيد القيامة غدًا “بدون شعب“
تقيم رئاسة الطائفة الإنجيلية بمصر، احتفالها الرسمي بمناسبة عيد القيامة المجيد، غدًا السبت الموافق 18 أبريل، من الرابعة إلى الخامسة والربع مساءً، بالكنيسة الإنجيلية بمصر الجديدة، كليوباترا ميدان صلاح الدين مصر الجديدة، القاهرة.
وعندما طالت الأزمة دون ظهور أي بادرة أمل، في مصل أو علاج يقضي على هذه الفيروس، عبر شعب الكنيسة عن احتياجه لإتمام المراسم الرسمية للزواج، وبناءٍ على هذه الحاجة تفاعلت الطائفة بإجابيه وحكمة وأصدرت بيان بالسماح بالأفراح بالمنزل ولعدد محدود، وكان البيان كالتالي:
القاهرة في ٣٠ أبريل ٢٠٢٠
بَيانٌ منْ رئاسةِ الطائفةِ الإنجيليَّةِ بمِصرْ
الإنجيلية تسمح بالأفراح في المنزل بعدد محدود جدًّا من أفراد الأسرتين فقط
في إطار متابعة رئاسة الطائفة الإنجيلية بمصر لطلبات الأفراح من جميع المذاهب الإنجيلية، فقد صرح رئيس الطائفة الانجيلية بأنه “تم السماح مؤقتًا بعقد الأفراح في المنازل على ألا يتجاوز الحضور عددًا محدودًا جدًّا من أفراد الأسرتين فقط، بجانب القس راعي الكنيسة، وذلك حفاظًا على الأرواح، والتزامًا بالمحاذير والإرشاداتِ التي أصدرتها وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية”.
ولقد أشارت الدولة على إنه لابد مِن التعايش مع فيروس كرونا، لحين يتم اكتشاف مصل أو علاج، ولكن مع اتخاذ جميع الإجراءات الاحترازية الممكنة، حتى لا تُعرض المواطنين لخطر الإصابة بالفيروس. وتماشيًا مع توجه الدولة، قررت رئاسة الطائفة الإنجيلية تشكيل لجنة لدراسة خطة العودة لفتح الكنائس، دون المُخاطرة بحياة المُتعبدين، وأصدرت الطائفة البيان التالي:
القاهرة في٣٠ مايو ٢٠٢٠
بَيانٌ منْ رئاسةِ الطائفةِ الإنجيليَّةِ بمِصرْ
الإنجيلية تشكل لجنة لوضع خطة العودة لفتح الكنائس
اجتمع اليوم، السبت، المجلس الملي الإنجيلي ورؤساءُ المذاهبِ الإنجيليةِ، برئاسةِ الدكتور القس أندريه زكي، رئيسِ الطائفةِ الإنجيليةِ بمصر، عبر وسائل التواصلِ الإليكترونيّ.
في بداية الاجتماع ثمَّن المجلس الدور الذي يقوم به السيد الرئيس والحكومة للحد من انتشار فيروس كورونا، وما تتخذه منْ إجراءاتٍ وقراراتٍ تعكسُ مدى الاهتمامِ بالمواطنِ المصريِّ، ووضعَ صحتِهِ وسلامتِهِ أولًا.
كما قرر المجلس الاستمرار بالالتزام الكامل بالقرارات السابقة، بشأن تعليق كافةِ الأنشطة، والالتزام باتخاذ الإجراءاتٍ الاحترازية لحين قرار فتح دور العبادة.
وفي إطار قرار الحكومة المرتقب، والخاص بدراسة احتمالية عودة دور العبادة في الجمهورية للعمل، قال زكي “إنه تم تشكيل لجنة لإعداد خطة لعودة فتح الكنائس تشمل جميع الاجراءات الاحترازية والوقائية الواجب توفرها لمواجهة انتشار وباء كوفيد-19، على أن يتم إقرارها في اجتماع المجلس القادم، وإخطار جميع الكنائس بها قبل قرار الفتح”.
وفي نهاية الاجتماع قال رئيس الطائفة الإنجيلية: “نصلي من أجل سلامة البشرية كلها، وأن يمنح الله الرئيس والحكومة حكمة ويعطي سلامًا لشعب مصر والعالم”.
وعندما قررت الدولة المِصرية عودة الحياة للشارع المِصري، مع أخذ كافة الإجراءات الاحترازية والوقائية، قررت الطائفة مَد تعليق العبادة والتجمعات، وذلك إيمانًا منها بأهمية الإنسان، وإعطاء سلامته الصحية أولوية عن انعقاد اجتماعات العبادة، وجاء بيان الطائفة التالي:
القاهرة في ٢٤ يونيو ٢٠٢٠
بَيانٌ منْ رئاسةِ الطائفةِ الإنجيليَّةِ بمِصرْ
اجتمع اليوم، الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٠، المجلس الملي الإنجيلي ورؤساء المذاهب الإنجيليَّة، برئاسة الدكتور القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيليَّة بمصر، عبر وسائل التواصل الإليكترونيّ.
في بداية الاجتماع ثمَّن أعضاء المجلس الإنجيلي العام ورؤساء المذاهب الإنجيليَّة قرارات رئاسة الوزراء في عودة الحياة للشارع المصري، مع أهمية الأخذ في الاعتبار كافة الإجراءات الوقائيّة والتي من شأنها حماية المواطنين؛ للحد من انتشار فيروس كورونا.
كما تؤكِّد الطائفة التزامها الكامل بقرار رئاسة مجلس الوزراء بتعليق الصلاة الأسبوعية الجماعية يومي الأحد والجمعة وذلك لحين إشعار آخر.
وخلال الاجتماع قرر أعضاء المجلس الإنجيلي العام، ورؤساء المذاهب الإنجيليَّة بمصر الآتي:
١- استمرار تعليق العبادة داخل الكنائس باقي أيام الأسبوع حتى ٦ يوليو، وذلك حتى يتمكن رؤساء المذاهب مع مجامعهم دراسة تفاصيل خطة عودة الكنائس الإنجيليَّة، مع الالتزام بتقرير لجنة إعادة فتح الكنائس، واللجنة الطبية. على أن يجتمع المجلس الملي ورؤساء المذاهب الإنجيليَّة يوم الاثنين ٦ يوليو لمناقشة وإقرار الخطة التدريجية لعودة فتح الكنائس.
٢- فيما يخص الأفراح والجنازات يتم الالتزام الحضور بنسبة ٢٥٪ من مساحة قاعة الكنيسة؛ بشرط الالتزام بالتباعد بين الأفراد ٢ متر مربع على الأقل، مع الالتزام بكافة الإجراءات الاحترازية التي أقرتها لجنة إعادة فتح الكنائس الإنجيليَّة.
٣- السماح بإجراءات الرسامة والتنصيب بشرط الالتزام بالتباعد بين الأفراد ٢ متر مربع على الأقل، مع الالتزام بكافة الإجراءات الاحترازية التي أقرتها لجنة إعادة فتح الكنائس الإنجيليَّة.
٤- تعليق الزيارات الرعوية، مع ضرورة استمرار العمل الرعوي من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي حتى قرار فتح الكنائس.
٥-يستمر البث المباشر للخدمات التي تقدمها الكنيسة خلال أيام الأسبوع.
٦- لا يجوز عمل العشاء الرباني إلَّا في إطار العودة إلى الكنائس والعبادة الجماعية.
٧-بخصوص بيوت المؤتمرات، يتم تكليف السادة رؤساء المذاهب الإنجيليَّة مع مجالس إدارة بيوت المؤتمرات لوضع خطة العودة التدريجية للعمل في ضوء القرارات الاحترازية التي أقرتها الدولة، وفي ضوء خطة العمل الخاصة بلجنة عودة فتح الكنائس الإنجيليَّة؛ على أن تكون الخطة جاهزة للعرض على أعضاء المجلس الإنجيلي العام، ورؤساء المذاهب الإنجيليَّة بمصر في اجتماعه القادم يوم ٦ يوليو.
وفي نهاية الاجتماع نصلي إلى الله من أ جل عائلات الذين انتقلوا، ومن أجل شفاء المرضى، وسلامة الأطقم الطبية، وسلامة بلادنا العزيزة مصر.
الخلاصة
نستطيع أن نقول إن قرارات رئاسة الطائفة الإنجيلية بِمصر في ضوء أزمة جائحة كورونا، اتسمت بالسرعة والحكمة في نفس الوقت، ولقد أظهرت قدرة فائقة على مهارة صناعة القرارات الحكيمة والجريئة والحاسمة. كما جسدت مهارة إدارة الأزمات والمواقف الصعبة.
كما أن قرارات رئاسة الطائفة رسخت بوضوح اهتمام الكنيسة بالإنسان وصحته وسلامته. فاللاهوت المستنير والفكر الكتابي الصحيح، يؤكدان بوضوح أن “السبت/الشريعة مِن أجل الإنسان، لا الإنسان مِن أجل السبت/الشريعة” فالكنيسة الإنجيلية تؤمن بقيمة وأهمية الإنسان لأنه مخلوق على صورة الله ومثاله. ولذلك حرصت كل قرارات الطائفة على الإنسان وحرصت على عدم تعرضه للمخاطرة.
ومِن الجدير بالذكر هو أن قرارات الطائفة الإنجيلية جميعها أكد على الحس الوطني لدى قياداتها، وعلى رأسهم رئيس الطائفة الإنجيلية بمِصر الدكتور القس أندريه ذكي، فجميع القرارات كان مُتسقة مع توجهات الدولة المِصرية، وكانت حريصة على حفظ سلامة وأمن الوطن.
اسم الكاتب : جيهان عيد
البداية
في عام 1950 كانت بدايات العمل للهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، والتي نشطت في مجال العمل مع المجتمعات المحلية الفقيرة وتقديم نموذج تنموي يجسد العدل والمساواة بين البشر، ويؤكد متانة النسيج الإسلامي والقبطي المصري. وأبرزت الهيئة من خلال عملها مسؤولية المنظمات التطوعية ودورها كمنظمات تعبر عن مصالح المواطنين، وتعمل على تنمية الطاقات البشرية، باعتبارها الدعامة المحورية الأساسية لإحداث التحولات والتعبير عن المجتمع. واعتبرت الهيئة نفسها منذ اللحظات الأولى شريكًا كاملًا مع العديد من المؤسسات الوطنية الرسمية والتطوعية من أجل الإنسان وأخذت لها شعار “في طاعة الله وخدمة الوطن” وتأهلت منذ نشأتها لتلعب دورًا رياديًّا في مرات عديدة في قيادة مسيرة المجتمع المدني في مصر.
المؤسس
تخرج صموئيل حبيب من كلية اللاهوت الإنجيلية في مايو 1950، وبعدها تم تعيينه في الكنيسة المشيخية في سوهاج، ولكنه طلب إجازة لمدة ستة أشهر ثم ستة أشهر أخرى وأعرب عن ذلك في كتاباته قائلًا: “كنت أرغب في استكمال دراستي بالجامعة الأمريكية، وكنت أرغب في العمل في مجال النشر والعمل العام وليس في رعاية كنيسة”. وقد تم تعينه في المرحلة اللاحقة في وظيفة سكرتير للنشر المسيحي في مصر والسودان كان ذلك في عام1950.
كان صموئيل حبيب قد تدرب في صيف 1948/ 1949 في الكنائس في بعض القرى بغرض التدريب والوعظ وكانت “دافيدا فني” وقتها، وهي مُرسَلة من الكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة تشغل وظيفتها كمسؤولة عن قسم النشر، وكانت قد بادرت منذ عام 1950 بدعم من “فرانك لوباخ”، وهو من مجلس كنائس المسيح القومي بأمريكا، في البدء بحركة تعليم الأميين في مصر، وظلت حتى عام 1952 تعمل في هذه الحركة ولكن لم تستطع تحقيق شيء، فقد توسعت جدًّا في رؤيتها فهي كانت ترغب في نشر برنامج تعليم الأميين في كل مصر.
وفي عام 1952 أبلغ فرانك لوباج دافيدا فني إما أن تنجح أو تتوقف عن هذا العمل؛ فكل التقارير تؤكد عدم إحراز أي تقدم، ومع إصرار دافيدا فني وتلهفها، وهي التي وُلِدت لأبوين مُرسَلين بمصر لعمل شيء لخدمة المصريين، فقد قامت وبمساعدة من القس صموئيل حبيب بتعديل توجهها نحو التركيز بعمل حملة لتعليم الأميين في مجتمع واحد فقط ولكي تتعرف عن قرب على رغبات الناس وتتمكن من الوقوف على تفاصيل هذه التجربة.
التأسيس
طلبت دافيدا فني من القس صموئيل حبيب أن يساعدها في الترتيب لزيارة بعض القرى لاختيار إحداها للقيام بتجربة مكافحة الأمية بها، وبعد الكتابة للكنائس في عدة جهات لم تتلقَّ دافيدا فني إلا ردًّا وحيدًا من قرية حرز بأبو قرقاص محافظة المنيا من القس منيس عبد النور، راعي الكنيسة الإنجيلية بهذه القرية وعليه ذهبت دافيدا فني مع الدكتور القس صموئيل حبيب لهذه القرية ومكثا بها لمدة شهرين. وهناك رأت عن قرب واقع القرية، حيث الفقر والبؤس وظروف عيش قاسية، وتقول: “وهناك عملنا عملًا شاقًّا، وكنا نزور البيوت بيتًا بيتًا والمدهش أننا كنا نراهم يبتسمون رغم حالة البؤس التي يعيشونها، وبدأنا نطرح كل أنواع التساؤلات لفهم ما يحدث في تلك القرية”.
في عام 1954 تم افتتاح مقر العمل الرسمي في محافظة المنيا، وكان عبارة عن شقة في دور أرضي في شارع ابن خصيب تتكون من ثلاث غرف ومنور، وكانت الغرف تُستَخدَم مكاتب للعمل، والمنور كان جراج للسيارة الوحيدة التي كانت تمتلكها الهيئة وقتها، وأطلق عليها اسم “دار مكافحة الأمية”، وأصبح العمل أكثر تنظيمًا وتوسع العمل ووصل إلى قرية دير أبو حنس شرق ملوي محافظة المنيا، وكان القس صمويل حبيب في هذا الوقت يشغل منصب رئيس برنامج النشر ومكافحة الأمية، وكان عدد الموظفين وقتها 14 موظفًا يعملون كل الوقت، وتم اختيارهم جميعا من خارج القرية. وبدأت الهيئة في 1955 في اختيار قيادات متطوعة من هذه القرى التي تعمل معها. وكانت أول قرية يتم فيها اختيار القيادات المتطوعة هي قرية دير أبو حنس وكانت الفكرة أنه في حالة انتهاء عمل الموظفين يكون المتطوعون هم البديل للقيام بالعمل، وقامت الهيئة بتدريبهم من خلال الخبرة الفعلية وحصر وتناول مشكلات القيادة فقد قام القس صموئيل حبيب بتأليف كتاب عن فن تدريب القيادات.
عام 1954 كانت أول مرة يتم فيها توظيف شابات؛ فقد تم تعيين موظفتين في فريق دير أبو حنس. وفي هذه المرحلة المبكرة، كانت هذه الخطوة سببًا مباشرًا في جلب كثير من المشكلات الخاصة بتقاليد وثقافة القرية، وخاصة بعد طرح قضايا المرأة ودورها للحوار العام. وقام فريق العمل بتناول العديد من القضايا المسكوت عنها وبدأوا بالفعل الحملة ضد ختان الإناث والزواج المبكر.
انطلاق مجلة رسالة النور
بدأت رسالة النور في يوليو 1956 وهو تاريخ صدور أول عدد من مجلة رسالة النور، وكانت تُعتَبَر منبرًا إخباريًّا للإعلام عن عمل الهيئة.
الإشهار
سُجِّلت الهيئة في وزارة الشئون الاجتماعية في سبتمبر 1960 برقم 1429 بالقاهرة تحت اسم الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية CEOSS سيوس، وأصبح الدكتور القس لبيب مشرقي هو أول رئيس لمجلس إدارتها، ثم انتقلت هذه المسؤولية إلى الدكتور القس فايز فارس، ثم الأستاذة الدكتورة مرفت أخنوخ “الرئيس الحالي”، وراعت الهيئة في كل مرة كانت تختار فيه مجلس الإدارة أن يتم تمثيل المرأة بنسبة لا تقل عن 35%، وأن يتم اختيار الأعضاء ممن لديهم القيم التي تؤمن بها الهيئة من قيادات ومفكرين ورجال وسيدات أعمال وأساتذة الجامعات وقانونين، وكانوا يعملون كمتطوعين طوال فترة تواجدهم بمجلس الإدارة، وكان يتم اختيارهم من بين أعضاء الجمعية العمومية للهيئة وكان من أهم أدوار هذه المجالس هو اختيار وتعيين مدير عام الهيئة ومراجعة الخطط والموازنات وإقرارها.
التوسُّع في البرامج وأساليب العمل
مرحله المشاركة هي المرحلة الأولى التي حددت كثيرًا من الملامح الأساسية لعمل الهيئة في المجتمعات المحلية، ومن خلالها تبنَّت الهيئة ونفذت أساليب عمل مجتمعيه تتسم بالتنظيم المجتمعي والتفاعل الإيجابي وتعزيز فرص المشاركة المجتمعية للجميع دون تمييز أو إقصاء لفئه من فئات المجتمع المختلفة، ومن أهم هذه الأساليب هو تشكيل لجان تنمية المجتمع المحلي من خلال تشكيل لجان مجتمعية تقود العمل إلى جانب فريق العمل. وكان يتم اختيار هذه القيادات بطريقة تضمن تمثيل كافة الأسر ومختلف المناطق والمجتمع، ويشكل ذلك مقدمة لما كان يُعرف بتنمية المجتمع المحلي بالمشاركة ابتداءً من عام 1983، والاهتمام بالعملية التنموية إلى جانب البرامج المتخصصة الملائمة للمجتمع والتجاوب مع احتياجاته وأولوياته، وكان العمل يتم بداية من الثمانينات من خلال فريق يقوده موظف يتم تعينه في منصب رئيس للفريق، مع وجود مجموعة من رؤساء البرامج المتخصصة في مجال التعليم والصحة والزراعة والتنمية الاقتصادية وغيرها من البرامج، والتي كانت تُقدَّم بدعم فريق التنمية المحلية ومتابعة الإنجازات في مختلف هذه المجالات.
بدأت الهيئة بمحاولات لتنظيم المجتمع المحلي مع بداية الثمانينات والتركيز على ضرورة زيادة أدوار القيادات المحلية إلى أن تم اعتماد استراتيجيات العمل المستخدمة في تنظيم المجتمع المحلي في عام 1983 وكان كل مجتمع تعمل به الهيئة يمر بمراحل ثلاث تبدأ بمرحلة المشاركة والتي كانت تستغرق فترة تتراوح من ثلاثة إلى خمس سنوات وكان يقود العمل في هذه المرحلة فريق من العاملين بالهيئة من خلال تواجدهم المستمر في المجتمع المحلي والمعيشة الكاملة معهم. وبعد انتهاء مدة العمل بنظام المشاركة، يتحول هذا المجتمع ليعمل بنظام المتابعة والتي كانت تعني أن القيادات المحلية قد يتم تجهيزها لتقود العمل مع تقديم معاونة العاملين بالهيئة على فترات من خلال زيارات كل أسبوع أو أسبوعين، لمتابعة عمل القيادات المتطوعة وتقديم العون لهم.
وفي بداية هذه المرحلة كان في استطاعة الهيئة أن تعمل مع سبعة مجتمعات محلية، أربعة في محافظة المنيا وأسيوط، وثلاثة في القاهرة الكبرى بنظام العمل بالمشاركة في نفس الوقت. وبعد أن يتم تحويل بعض هذه المجتمعات إلى مرحلة المتابعة تكون الهيئة قد قامت بدراسة وتجهيز مجموعة أخرى من المجتمعات لتنضم للعمل بنظام المشاركة. وكانت الفترة من بداية الثمانينات هي مرحلة التوسع لعمل الهيئة بمحافظة القاهرة الكبرى في المجتمعات الفقيرة مثل مجتمعات تجميع القمامة وفرزها، ومنها عزبة النخل بالقليوبية والمعتمدية بالجيزة، أو بعض المجتمعات العشوائية، مثل حكر السكاكيني وحكر هاشم بمنطقة الشرابية ثم العسال والزاوية الحمراء ثم العديد من المجتمعات المثيلة. واستجابت الهيئة إلى طلبات للعمل في محافظة الإسكندرية، وبدأت الهيئة بالعمل في منطقة الرأس السوداء وفي مرحلة لاحقة عملت الهيئة في الحضرة وسيدي بشر ثم عملت في منطقة العامرية وأبو المطامير وعزبة حارث في البحيرة.
اهتمت الهيئة بدراسة المستقبل وذلك لقدرتها على التنبؤ به، واستعانت أيضًا بما لديها من معلومات وخبرات وكوادر ولا سيما الإمساك بالخبرات والمعلومات الميدانية والتي تواكبت مع أحدث الإنجازات؛ فقد كانت الإدارة بالهيئة مهتمة بدرجة عالية في هذه الفترة من رصد المعلومات والخبرات لدى الموظفين، ولا سيما الذين يعملون في المجتمعات المحلية جنبًا إلى جانب مع آراء الخبراء والعلماء والتعرف على خبرات الآخرين، ومع أن الهيئة كانت تدرك أن الإمساك بالمستقبل أمر صعب، إلا أن الفرص التي أتاحها نموذج تنمية المجتمع المحلي بالمشاركة أدى إلى رصد الخبرات المتعلقة بكيف يحدث التغير في المجتمع، وفي الواقع العملي أيضًا توثيق ماذا حدث، وكيف حدث، كان وسيلة مهمة للتعرف على ما حدث بالفعل في الواقع، وليس ما حدث من وجهة نظر العاملين، وساهم هذا الحوار كثيرًا في تشكيل وعي الموظفين والإلمام بما كان يجري وبطريقة مشوقة، وأثمر هذا النموذج عن ظهور العديد من القيادات بالهيئة وعن تطوير كبير للعمل وعن احترام متزايد من ناحية المجتمع والمسؤولين لعمل الهيئة.
الدعم المؤسسي واستخدام المداخل الحقوقية للتنمية
تُعتَبَر هذه الفترة من أهم الفترات لصعود دور المجتمع المدني في مصر، وظهور العديد من الجمعيات والمنظمات الجديدة؛ فقد أشارت العديد من الدراسات إلى ضرورة أن يتم تطوير القطاع الثالث، وأشارت إلى أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه هذا القطاع في التوجه نحو المزيد من الديمقراطية، وإحداث نوع من التوازن بين الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مرحلة التحول الاقتصادي، وتيسير مشاركة المواطنين في ظل مركزية الدولة. كما أشارت بيانات وزارة الشئون الاجتماعية إلى أنه وفي هذه الفترة تم إشهار المزيد من الجمعيات وتسجيل العديد من الشركات المدنية، كما ظهرت في هذه الفترة نوعية جديدة من الجمعيات الأهلية التي تتبع شركات القطاع الخاص ورجال الأعمال، وزاد نشاط النقابات. وفي نفس هذه الحقبة تزايدت ظاهرة الأصولية الدينية ولاقت بعض النجاح في الشارع السياسي وانعكس ذلك بالطبع على ما يمكن أن تلعبه الجمعيات الأهلية في مصر وفي الشأن العام. واستمر التزايد في إشهار العديد من الجمعيات الأهلية في هذه الفترة، وتنوعت مجالات عملها إلى جانب محاولات جادة لاحتراف البعض منها في مجال التنمية، إلى جانب تزايد نشاط المنظمات الحقوقية والمنظمات المتخصصة في شئون المرأة والنوع الاجتماعي وغيرها، كما نشطت العديد من التحالفات والشبكات وازدادت دائرة التفاعل بين المنظمات المصرية والأخرى من العالم. تزايدت تلك التفاعلات مع ظهور ثورة الاتصالات وقيام العديد من المنظمات الدولية بتسجيل فروع لها في مصر، وبسبب استضافة مصر ومشاركتها في العديد من المؤتمرات الدولية مثل استضافتها لمؤتمر الصحة والسكان 1994 ومشاركتها في مؤتمرات التنمية الاجتماعية 1995 والتنمية المستدامة والبيئة والمرأة في بكين، وتزامن ذلك مع افتتاح مركز خدمات المنظمات غير الحكومية عام 2000 في مصر كمشروع ضخم تم تمويله من المعونة الأمريكية، والذي قام بالدعوة للعديد من المؤتمرات التي اهتمت بالدور المتوقع للمنظمات غير الحكومية وأهمية مساهمتها في رسم مستقبل مصر.
وظهرت في بداية الألفية الثانية العديد من المصطلحات الجديدة المرتبطة بالمجتمع المدني وحقوق الإنسان، وتم طرح الكثير من الأفكار الجديدة والمبتكرة للتنمية مثل المدخل الحقوقي للتنمية والبناء المؤسسي والتطوير الإداري لمنظمات المجتمع المدني لتحسين أدائها وفاعليتها في قضايا الشأن العام، ومن ثم تم زيادة التمويل للعمل في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان والتي كانت تقوم به المنظمات غير الحكومية.
ووجدت الهيئة نفسها مع غيرها من المنظمات غير الحكومية فرصةً لأن تلعب أدوارًا مهمة في مجال النشاط الاقتصادي والاجتماعي والحقوقي من أجل دعم الفئات الفقيرة، ولا سيما في ظل ما ترتب من زيادة معاناتهم في مرحلة الإصلاح الاقتصادي. وتوسعت الهيئة في برامج الإقراض للمشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر ونشطت في مجال تقديم الخدمات الصحية والتأهيل الحرفي والتنمية الزراعية وقامت -إلى جانب بعض المنظمات غير الحكومية- بلعب أدوار عديده في القضايا المتعلقة بالشأن العام ومناقشة السياسات العامة. وشهدت هذه الفترة أيضًا التوسع والتنوع في وحدات الهيئة فقد أنشئ كيان خاصة بالتنمية الثقافية ومناقشة قضايا العيش المشترك والمواطنة من خلال منتدى حوار الثقافات، إلى جانب قطاع للتمويل المتناهي الصغر لتلبية الاحتياجات الاقتصادية والتمكين الاقتصادي للفئات المستهدفة.
وتعمل الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، منذ بداية خدمتها في خمسينيات القرن الماضي، وحتى يومنا هذا، على تحسين نوعية الحياة للمواطن الفقير والمهمش، أيًّا كان وفي أي مكان، وأيضًا التركيز على المجموعات الأكثر عرضةً مثل النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة والأطفال.
ولكي تستطيع الهيئة تحقيق رسالتها على أرض الواقع، فإنها تعمل من خلال آليات ونماذج تستهدف بناء المجتمعات والمؤسسات والأفراد الفقراء، ليكونوا أكثر متانةً ومرونةً ويتم زيادة جاهزيتهم وتعزيز تماسكهم، ويتمكنوا من تطوير آليات فاعلة تساهم في الصمود والمتانة المجتمعية لمواجهة المخاطر والتهديدات والتغيرات الحالية والمحتملة في كافة النواحي.
كما تستمر الهيئة في إقامة شراكة كاملة مع مؤسسات الدولة في كافة قطاعاتها؛ سواء القطاع الحكومي أو قطاع المجتمع المدني أو القطاع الخاص والمراكز البحثية والإعلام، من أجل تعظيم الأثر والعائد على الفئات المستهدفة.
أجرى الحوار: القس عيد صلاح
شخصية مؤثرة محليًّا ودوليًّا، أحد أقدم وأبرز مديري دار الكتاب المقدس على مستوى العالم، أحدث نقله نوعية وكيفية في دار الكتاب المقدس في مصر. نعتبره نسرًا من نسور الخدمة في بلادنا العزيزة مصر، يحلق دائمًا برؤى وأحلام وأفكار خلاقة في مجال الخدمة. الأستاذ رامز عطاالله، مدير دار الكتاب المقدس. مجلة النسور تقترب منه لتتعرف على رحلته وخبرته ودوره في الخدمة بمستوياتها وأشكالها المختلفة.
من هو رامز عطاالله؟… شاركنا بنبذة عن النشأة والتكوين
كان جدي عطالله أثناسيوس من أول الشيوخ في الكنيسة الإنجيلية بعين شمس، القاهرة. ولقد احتفظت بخطاب كتبه باللغة الإنجليزية يطلب فيه الدعم لبناء الكنيسة، ووالده الشيخ أثناسيوس غبريال الأسيوطي كان أول شيخ في الكنيسة الإنجيلية بأسيوط. ولنا تراث إنجيلي قوي. وفى تاريخ عائلتنا أنا ثالث شيخ في الكنيسة الإنجيلية؛ حيث أنا الآن شيخ بالكنيسة الإنجيلية بمصر الجديدة، وجدي من الأم رجل الأعمال جوزيف كافوري، كان من أغنى رجال أعمال وهو الذي أدخل الأتوبيسات في الريف المصري.
كيف عاصرت الأسرة الحراك السياسي في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وكيف تأثرت؟
كان جدي جوزيف كافوري من أغنى وأكبر خمسة رجال أعمال في مصر، وكان لديه ثلاث بنات. وكان الاعتقاد السائد آنذاك بأن البنات لا يمكن ان يعملن أو يدبرن شيئًا، فحين وُلدت كأول حفيد له اعتمد عليَّ، وكان يأخذني معه لمصانعه وشركاته، وكنت المسؤول الوحيد لإدارة إمبراطوريته الاقتصادية الكبرى. بعد ثورة 1952، قرر الرئيس جمال عبد الناصر تأميم ممتلكات كل رجال الأعمال ومنهم جدي، واستولى على كل شركاته وممتلكاته، لذلك هرب جدي وجدتي إلى كندا. وعند هروبه وُضع مستقبلنا على المحك وفي حالة حرجة جدًّا.
وماذا عن والدك؟
كان والدي طبيب أسنان وفي هذا الوقت كان ممنوعًا من التعامل مع الأجانب مع أن معظم مرضاه كانوا من السفارات الأجنبية، فكانت المباحث تحقق معه لماذا يتعامل مع الأجانب؟ وقد تم تهريبي لكندا في يناير 1962 حيث أقمت مع جدي فترة قصيرة حتى توفي بعد شهور قليلة. وتركتني جدتي أيضًا وعادت إلى عائلتها في لبنان وكان عمري في ذلك الوقت 16 سنة وكنت أدير غلق شركات جدي من كندا، وفي نفس الوقت أحاول الانتهاء من الثانوية العامة، وكم كان الأمر صعبًا بالنسبة لي لأني كنت وحيدًا، ووالدي كان قلقًا عليَّ جدًّا، فطلب من أسرة كندية أن تهتم بي فأخذوني معهم إلى الكنيسة، وكانت أول مرة أسمع رسالة كرازية واضحة في مونتريال، وقبلت الرب، وتعلمت وكبرت روحيًّا في هذه الكنيسة.
هل بقي والدك في مصر؟
في ذلك الوقت هربت عائلتي من مصر وعاشوا في إنجلترا؛ لأن الحكومة الكندية منعتهم من دخول كندا لعدم وجود كفيل بعد انتقال جدي، وكان والدي يتابع مع كل السفراء الذين خدمهم عبر سنوات عديدة للضغط على الحكومة الكندية لتقبلهم، وكنا من أول من يأخذ لجوءًا إلى كندا، وبالفعل تمكنَّا من الحصول على الإقامة في كندا بقرار وزاري.
ماذا عن خبرتك الروحية في الجامعة؟ وكيف أثرت هذه الخبرة فيك فيما بعد؟
بجانب هذه الخلفية الروحية في الكنيسة والتي أثرت فيَّ كثيرًا، كان لدوري كقائد لمجموعة من الشباب المؤمنين لمدة سنتين في الجامعة تأثير كبير، فقد كان هدفنا ومسؤوليتنا أن نوصل رسالة المسيح للجامعة كلها. وخدمتي ورسالتي للشباب الجامعي في مونتريال كان لها تأثير كبير عندما استلمت العمل بدار الكتاب، فكانت رؤيتي هي توصيل كلمة الله لكل مصر كما حاولت أن أوصلها لكل شباب جامعتي.
عودة إلى المرحلة الجامعية، كيف عشت حياتك في المرحلة الجامعية وكيف تشكلت من ناحية تحمل المسؤولية؟
لم يكن لدى والدي إمكانيات مادية، فكان يجب عليَّ أن أعمل كل صيف لدفع مصاريف الجامعة، وكان عمري في ذلك الوقت 17 عامًا، ورتب لي الرب أن أعمل مسؤولًا وراعيًا لبيت مؤتمرات في الريف لفئات بسيطة، وكان عملي إداريًّا وهو الإشراف على مكتب بيت المؤتمرات، والوعظ والرعاية للمؤتمرين، وكنا نأتي بخدام وبمشرفين للأطفال فأتيت برفقة، والتي كانت زميلة لي في الجامعة في مجموعة الخدمة، لبيت المؤتمرات لخدمة الاطفال، والتي أصبحت زوجتي فيما بعد. وكان الجزء الآخر من عملي هو جمع التبرعات لتدعيم المؤتمرات، وقد خدمت معهم كل صيف لمدة 5 أعوام لتغطية مصاريفي. وقد كنت لا أعرف عمل أي شيء في هذا الوقت لكني تعلّمت أمورًا كثيرة جدًّا. وهذه الخبرة أفادتني كثيرًا جدًّا بعد ذلك في دار الكتاب.
ماذا أضافت لك الخدمة في بيت المؤتمرات؟
لقد طورت هذه الخدمة شخصيتي وعلاقاتي مع نوعيات مختلفة من البشر وتعلمت أشياء كثيرة ساعدتني في تطوير نفسي وقدراتي واهتماماتي، حيث أصبحت قادرًا على تحمل المسؤولية والعمل الإداري بجميع أنواعه.
بعد الانتهاء من المرحلة الجامعية كيف بدأت الاهتمام بحقل التعليم اللاهوتي؟
بعد تخرجي من الجامعة دخلت كلية اللاهوت في مدينة بوسطن الأمريكية حيث تأسست جيدًا في البنية اللاهوتية، وكانت لي فرصة رائعة من خلال دراستي اللاهوتية أن أبحث وأفهم مفاهيم لاهوتية كانت تشغلني فصار لي أساس ومفهوم كتابي عميق.
وفي آخر عام من الدراسة تم انتخابي رئيسًا لاتحاد الطلبة، وكان الشباب الجامعي يمر بثورة عارمة في هذا الوقت، فكان وقتًا صعبًا للغاية، حيث كنت قناة وصل بين الطلبة والإدارة، فتعلمت مهارة التفاوض وفن الإدارة، وقد كان لهذا العام أثر كبير في تشكيلي بطريقة غير عادية؛ حيث إنني كنت أمثل 400 طالب لاهوت، وكنت أحضر مجلس الأساتذة وأشارك مع رئيس الكلية في مناقشة المشاكل، واستفدت كثيرًا من هذه الخبرة حيث دخلت في كواليس إدارة الكلية.
ماذا بعد التخرج من الدراسة اللاهوتية؟
بعد تخرجي تسلمت خدمة في ولاية كيبك الكندية كمتفرغ ومسؤول في خدمة الشباب الجامعي الإنجيلي، وأسست خدمة جديدة مع الناطقين بالفرنسية تخدم الجامعات الفرنسية وتشكلت كثيرًا من خلال هذه الخدمة. حيث كنت أعمل نصف وقتي مع الطلبة الجامعين الناطقين بالفرنسية والنصف الآخر مع الناطقين بالإنجليزية.
ما هي بدايات تواصلك مع المجتمع العالمي في الخدمة؟
دعيت عام 1974 لمؤتمر لوزان في سويسرا الذي نظمه القس بيلي جراهام وقادة مسيحيون آخرون في ذلك الوقت، وكان عمري وقتها 28 عامًا، وقد طُلِبَ مني أن أقدّم ندوة في هذا المؤتمر وكنت أصغر متكلم في المؤتمر (كان عمري 28 سنة). وبعد المؤتمر تم اختياري كممثل للشباب في اللجنة التي ستقوم بمتابعة المؤتمر والمكونة من 50 فردًا من أهم القيادات الإنجيلية في العالم. وكنت عضوًا في هذه اللجنة لمدة 20عامًا، وتتلمذت على أيدي أكبر القيادات المعروفة في العالم الإنجيلي واكتسبت معلومات وخبرات كثيرة.
كان قائد هذه اللجنة القس ليتون فورد زوج أخت بيلي جراهام، وكنت قد تعرفت عليه خلال دراستي للاهوت، وطلب مني أن أكون مساعدًا له في إداريات حركة لوزان، وعملت معه كمتطوع لمدة 20 عامًا، يومًا واحدًا في الأسبوع، وسافرت معه كثيرًا. وفي هذه الفترة تعرفت على القس جون ستوت وعلى كثير من الشخصيات الإنجيلية المعروفة. وهذا كان له تأثير كبير على تكويني الروحي واللاهوتي، لكن كل الوقت كنت أشعر بأن دعوتي وخدمتي في مصر.
حدثنا أكثر عن مؤتمر لوزان؟
في الوقت الذي أعلن فيه مجلس الكناس العالمي أن عصر الإرساليات انتهى، وأن تبشير الذين لم يسمعوا عن المسيح ليس مسؤولية الكنائس، قام القس بيلي جراهام بعقد مؤتمر لوزان، ودعا حوالى 4000 من أهم قيادات الكنائس الإنجيلية من كل بلاد العالم، ومنهم مجموعة من مصر، وتعرفت هناك على القس منيس عبد النور والشاب سامح موريس وكثير من القسوس المصريين من الكنيسة المشيخية، وفي هذا المؤتمر، قدم القس جون ستوت فكرة عمل توازن بين الوصية العظمى والتي تتلخص في “اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا” (مر 16: 15) ومحبة الآخر، والتي تتلخص في الوصية الكبرى “تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ” (لو 10: 27)، وتم التركيز في هذا المؤتمر ليس فقط على الكرازة بالكلمة ولكن بالأعمال التي تظهر محبة المسيح للجميع. وتم إصدار وثيقة لوزان التي كان لها تأثير كبير في الفكر الإنجيلي بعد ذلك.
وكانت حركة لوزان تقوم بعقد ندوات دولية كثيرة على موضوع من موضوعات المؤتمر الرئيسية، وهذه الحركة مازالت مستمرة حتى الآن، وفي عام 2006 كُلفت بإعداد البرنامج لمؤتمر لوزان الثالث الذي عُقد في كيب تاون بجنوب أفريقيا عام 2010 وحضره 5000 خادم إنجيلي.
ما الذي دفعك للتفكير في العودة إلى مصر رغم كل ما حدث لك فيها ورغم الفرص التي كانت مفتوحة أمامك في الغرب؟
حينما آمنت بالمسيح قررت أن أكرس نفسي للرب وكانت رؤيتي في هذا الوقت أن أرجع إلى مصر للخدمة، وحين شاركت هذه الرؤية مع خدام الرب كان أول شيء نصحوني به هو أن أنجح في الخدمة في كندا أولاً وأدرس لاهوت قبل الرجوع لمصر.
كيف اتخذت قرار العودة لمصر؟
رجعت مع رفقة زوجتي في زيارة استكشافية لمصر عام 1979. ومن أهم الشخصيات التي قابلتها كان الدكتور صموئيل حبيب، وهو شجعني كثيرًا على الرجوع إلى مصر.
ما هي مشاعرك بعد العودة؟
لقد دعاني المهندس عادل ملاك أن أخدم معه في اللجنة العامة لشباب ثانوي، كذلك شجعني كثيرًا الشيخ جوزيف صابر، الذي من خلاله تعرفت على مجلة أجنحة النسور وكنت أكتب شهريًّا عامودًا ملخصًا لكتاب إنجليزي مسيحي، وكنت أكتب المقالة بالإنجليزي وتترجم بالعربية ثم بعد ذلك تولى ابني يوئيل كتابة هذا العامود بالمجلة.
كيف ساعدك العمل مع الشباب؟
من خلال خدمتي في لجنة ثانوي تعرفت على شباب مثل د. ق. عاطف مهني، و أ. يوسف ناثان، والقس ماهر مقار. وأيضًا تعرفت على طالب اللاهوت د. ق. أندريه زكي ود. ق. وفيق وهبة، وكنا نجتمع أسبوعيًّا لمدة سنتين لمناقشات حيوية وعميقة في دراسة لوثائق لوزان. وكان هؤلاء الشباب وآخرون بركةً لي، ومازالوا.
في الخدمات العامة في مصر كان لك السبق في تأسيس خدمات هامة مثل: الرابطة الإنجيلية بمصر، هل يمكن أن نعرف فكرة وظروف النشأة والتكوين، ولماذا وُلدت هذه الرؤية؟
شاركني القس صموئيل حبيب برغبته في تأسيس عمل روحي للطائفة الإنجيلية كلها؛ فتم تأسيس رابطة الإنجيليين، وكان الدكتور صموئيل رئيسها والمطران غايس نائب الرئيس وأنا أمين عام متطوع، وبدأنا رابطة الإنجيليين في بداية الثمانينيات كعمل روحي تابع للطائفة الإنجيلية، ومن خلال الرابطة بدأت الاجتماعات واللقاءات والمؤتمرات للمذاهب الإنجيلية معًا، وعندما بدأت العمل في دار الكتاب انسحبت من الرابطة واستلم بعدي المهمة: م. ماهر فؤاد، ثم م. فؤاد يوسف، والآن م. باسم فكري.
نأتي إلى الحديث عن دار الكتاب المقدس، هل يمكن أن تعرفنا أكثر عليها؟
دار الكتاب المقدس هي واحدة من ضمن 150 دارًا للكتاب المقدس على مستوى العالم، تقوم بترجمة وطبع وتوزيع الكتاب المقدس بمختلف اللغات، لجميع الطوائف والمذاهب المسيحية وبأسعار مناسبة. قد تم ترجمة الكتاب المقدس أو جزء منه حتى الآن إلى أكثر من ألفي لغة ولهجة.
في الحديث عن دار الكتاب يكون الحديث أيضًا عن كيف بدأ العمل في ترجمة الكتاب المقدس باللغة العربية؟
عمل دار الكتاب في مصر يعتبر امتدادًا طبيعيًّا لعمل وجهود آباء مدرسة الإسكندرية اللاهوتية الذين بدأوا في عام 180م بترجمة الكتاب المقدس من لغاته الأصلية (العبري، اليوناني) إلى اللغة القبطية، لغة المصريين في ذلك العصر. أما الترجمة العربية المُستخدَمة حاليًا في كل الكنائس المصرية وهي الترجمة المعروفة “فان دايك”، فهي أهم ترجمة عربية، وقد صدرت في بيروت عام 1865، وهي الترجمة التي تقوم دار الكتاب المقدس بمصر بطباعتها وتوزيعها على نطاق واسع.
متى بدأ العمل في دار الكتاب المقدس بمصر؟
تأسس أول مكتب ومكتبة لدار الكتاب المقدس بمصر في سنة 1883م، بمدينة الإسكندرية. ومنذ ذلك الوقت انتشر العمل في جميع أنحاء الجمهورية، وتم افتتاح 17 مكتبة على مستوى الجمهورية.
بعد هذه التعريفات الهامة والضرورية للقارئ المصري والعربي عن دار الكتاب المقدس يقودنا لبداية رحلتك مع دار الكتاب وتأسيس فريق العمل، واضح أنك اخترت فريق العمل بعناية وكانت لك علاقة قوية بهم من قبل، وكان لهم اتجاه واضح في درس الكتاب، وأعتقد أن ذلك ساعدك لنرى دار الكتاب كمؤسسة كبيرة على مستوى العالم، واضح أن لك رؤية مؤسسية كبيرة؟
في البداية لم يكن لي خطة أو رؤية، إلا أني من خلال 10 سنين في خدمة الشباب ودراسة النص الكتابي، رأيت أنه من الضروري جدًّا عمل تغيرات جذرية في طريقة عرض نص الكتاب حيث إنه كان بدون علامات ترقيم ولا عناوين وأيضًا عدم وجود كتب مساعدة.
كيف بدأت في تكوين فريق العمل؟
الرب ساعدني أن أجد قيادات مناسبة، وكل واحد تم تعيينه في دار الكتاب كان أكفأ مني في مجاله، والأحلى أن معظمهم استمروا معنا، يعني تقريبًا معظم القيادات في الدار لهم من 20 إلى 30 سنة في الدار، وهم قيادات خلاقة ومبتكرة وأمينة وعندها ولاء وانتماء لكلمة الله وللكنيسة. كل الذي عملته هو أنني قدمت لهم المناخ الذي ساعدهم على ممارسة مواهبهم بحرية، حاولت أن أحميهم من الروتينية (بيروقراطية)، فالبركة التي اختبرتها أن الله أهدى دار الكتاب بقيادات رائعة، وأنا أشاهدهم، وهم يبدعون، وهذا ليس مبالغة، لأن كلًّا منهم يعمل بكامل الصلاحيات في مجال مسؤوليته.
ذكر الأب بولس الفغالي في دراسة له إن الاقباط في مصر رفضوا ترجمة فان دايك لمدة طويلة قاربت الـ 30 عامًا ولكن الآن هذه الترجمة متربعة على عرش الترجمات في مصر ومقبولة من كل الكنائس، بخبرة حضرتك الكبيرة ترى لماذا أخذت هذه الترجمة هذا الصيت والسمعة؟
منذ أواخر القرن التاسع عشر كان مدرسو مدارس الأحد في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية يقومون بتحفيظ الأطفال آيات من ترجمة فان دايك، كما أن مجلة مدارس الأحد كانت كلها تقتبس آيات الكتاب من ترجمة فان دايك. كذلك كان قداسة البابا شنودة يحب هذا الترجمة ويستخدمها في عظاته وكتاباته حتى أصبحت الترجمة المعتمدة للكنيسة.
ما هي الطفرة في تطوير ترجمة فان دايك، وهل يوجد احتياج لترجمة جديدة؟
حاولنا في دار الكتاب المقدس عبر الثلاثين سنة الماضية أن نخدم ترجمة فان دايك أفضل خدمة ممكنة؛ لأن رؤيتنا هي خدمة الكنيسة والمسيحيين بمصر، وليس لنا أن نعمل ما نراه مناسبًا بل بما يتناسب ويتوافق مع جميع الكنائس؛ فقمنا بطباعة نص الكتاب المقدس بالكمبيوتر في إخراج جديد بتشكيل كامل وعلامات ترقيم وفي شكل عامودين وأضفنا عناوين للفقرات. كما عملنا نسخة بالتشكيل الخفيف. كما تم طباعته بأحجام مختلفة وعمل أغلفة جديدة تناسب الجميع وخاصة الشباب.
وتم أيضًا إعادة طباعة الكتاب المقدس بالشواهد الكتابية بصورة أوضح. كما أضفنا ملاحق في نهاية معظم نسخ الكتاب المقدس بها جدول المكاييل والموازين ومعجم للكلمات الصعبة وموضوعات الإنجيل في كتبه الأربعة وخرائط توضيحية.
كما أنتجنا العهد الجديد بالخلفيات التوضيحية لحل مشكلة الأجزاء غير المفهومة في فان دايك. فأصبح من السهل على القارئ من أي كنيسة أو خلفية فهم النص في قرينته بطريقة سهلة من خلال معرفة الخلفية التاريخية والجغرافية والبيئية والقانونية والدينية والاجتماعية والسياسية والكتابية. تم طباعة العهد الجديد وسفر التكوين والمزامير وسنقوم بإنتاج كل الكتاب المقدس بالخلفيات التوضيحية قريبًا.
أما في هذا العصر فإننا نرى أن الشباب لا يفهم اللغة العربية المكتوب بها الكتاب المقدس حتى بعد التنقيح، لذا نقوم بعمل ترجمة جديدة باللغة العامية التي هي لغة القلب حتى يفهمها الشباب وفي نفس الوقت نستمر في خدمة ترجمة فان دايك.
هل ازدواجية اللغة مشكلة ونحن نتحدث العامية ونقرأ بالفصحى، كما عبر عنها وليم ويلكوكس وزير الري البريطاني الذي ترجم الإنجيل وسماه الخبر الطيب بتاع يسوع؟
نعم، لدينا مشكلة غير موجودة في بلاد كثيرة، وهي أن اللغة التي نتكلم بها مختلفة عن المكتوبة، وهذا ما نراه في ترجمة فان دايك التي يصعب فهمها للشباب. فالله يريد أن تكون كلمته بلغة مفهومة للجميع.
أنا أعرف أن الرؤى والأحلام لديك كثيرة جدًّا ما الذي لم يتحقق منها بعد؟
نشكر الرب أنه خلال السنوات الماضية في دار الكتاب تحقق الكثير من الأحلام والخدمات مثل توفير نص فان دايك على مواقع الإنترنت وتطبيقات المحمول، بالإضافة الى عمل تطبيق خاص لقراءة وسماع الكتاب المقدس يوميًّا وذلك خلال عام واحد، وأيضًا تحميل وإتاحة الكثير من منتجات الدار المرئية والصوتية بالمجان على جميع منصات الإنترنت مثل اليوتيوب والساوند كلاود وغيرها. هذا بالإضافة إلى توزيع الكتاب المقدس وبعض الكتب المصورة كل سنة على الطلبة المسيحيين، وخدمات لفئات خاصة مثل المكفوفين والصم والبكم والمسجونين وبرنامج تعليم الكبار الذي يُستخدم فيه الكتاب المقدس كمنهج، وعمل مسابقات كتابية صيفية لتشجيع الشباب على قراءة الكتاب المقدس وعمل مهرجانات واحتفالات يحضرها آلاف الشباب لاكتشاف مواهبهم من خلال مسابقات كتابية… والكثير من الأنشطة الأخرى.
ختامًا، من القلب للقلب ماذا تقول للكنيسة العامة في مصر؟
أهم شيء بالنسبة لي هو ارتباط شعب الكنيسة بالكتاب المقدس، نحن في إمكاننا طباعة الكتاب وتوصيله للكنيسة ولكن الذي يقوم بتوصيل الكتاب للشعب هي الكنيسة.
أشكر الرب أن الخدام في جميع الكنائس يبذلون مجهودات غير عادية لتوصيل كلمة الرب للشعب، ولو لم يعملوا ذلك سيكون كل عملنا في دار الكتاب بدون فائدة فأنتم كخدام وقيادات في الكنيسة لكم الفضل في أن كلمة الرب تصل للشعب.
شكرًا أستاذ رامز عطالله على النموذج الذي تقدمه لنا وللكنيسة في مصر على المستوى الشخصي، والمهني، وصناعة جيل ثانٍ وثالث في الخدمة، ومن ناحية الانفتاح على الكنائس المصرية، وحرصكم على أن تصل كلمة الله للجميع. شكرًا لأجل كل عطاء وبذل في الخدمة مثلكم يحتاج إلى أن يكتب سيرته الذاتية بهذا الغنى الثراء، لكي تتعلم منها أجيال قادمة.
رامز عطاالله
ولد رامز عطاالله في القاهرة في 12 فبراير 1946، وهاجر مع عائلته إلى كندا عندما كان في السادسة عشرة من عمره. تعرّف على الرب من خلال كنيسة محلية في مونتريال وتتلمذ كطالب من خلال مجموعة Inter-Varsity في جامعة ماكجيل. من عام 1972 إلى عام 1980، قام بتطوير الخدمة في Bibliques Universitaires du Quebec. حصل على ماجستير في علم الاجتماع وحصل أيضًا على بكالوريوس لاهوت وماجستير في اللاهوت من كلية لاهوت جوردن كونويل Gordon Conwell Theological Seminary وفي الاحتفال بالعيد المئوي لهذه الكلية اختارت أفضل 10 خريجين على مدار المائة سنة من بينهم كان رامز عطاالله لتميزه في الخدمة والإدارة. ثم نال الدكتوراه الفخرية.
في عام 1980 عاد مع زوجته وطفليه يوئيل وليلى إلى مصر، حيث أصبح السكرتير الإقليمي للشرق الأوسط لـ IFES (الرابطة الدولية للطلاب الإنجيليين). حضر مؤتمر لوزان الأول 1974 وتم تعيينه ممثلًا للشباب في لجنة لوزان في عام 1975. وعمل في اللجنة من 1974 إلى 1994. وفي عام 2006 انضم إلى لوزان كمسؤول برامج مؤتمر لوزان الثالث. بعد المؤتمر، تم تعيينه كواحد من نواب رئيس حركة لوزان حتى عام 2015. ومنذ عام 1990 يعمل مدير دار الكتاب المقدس في مصر، وهو المنصب الذي لا يزال يشغله حتى الآن.
متزوج من رفقة عطاالله التي لها خدمات جليلة في مصر منها في مدرسة لرعاية الأطفال السودانيين وفي منطقة الزبالين بالمقطم، ولهما من الأبناء: يوئيل وليلى، وله من الحفدة: جبرائيل وروفائيل ولورين، أليكس ونتاشا.
له كتابان باللغة العربية صدرا عن دار الثقافة وهما: “كيف تساعد الآخرين؟” بالاشتراك مع الشيخ جوزيف صابر، وكم أساوي.
اسم الكاتب :الدكتور القس أندريه زكي
يسرُّني أن أكتب هذه الافتتاحية لإصدار مجلة النسور اللاهوتيَّة في ثوبها الجديد. لقد توقَّف نشر مجلة النسور لعدة سنوات، لأسبابٍ عديدةٍ، ولكننا نحتفل اليوم بإعادة إصدارها من جديد لتعود مسيرة الدراسات اللاهوتية في الاستمرار. لقد غاب هذا الدور اللاهوتي الهام لسنوات، وأصبح من الضروري وجود قناة بحثيَّة تعليميَّة تساهم في بناء خُدَّام الكنيسة لاهوتيًّا وروحيًّا، دون انفصالٍ عن المجتمع الأوسع الذي تعيش فيه الكنيسة اليوم.
سوف تجدون في النسور موادًّا وأبحاثًا لاهوتيةً، وتقاريرَ ميدانيةً تشرح الواقع الكنسي بكل ظواهره، حيث تتبنى النسور منهجًا لاهوتيًّا محافظًا مستنيرًا، يسعى إلى أن يكون ذا تأثيرٍ عمليٍّ في خدمة الكنيسة من ناحية، وذا درايةٍ باللحظة الراهنة التي يعيشها المجتمع المصري.
واللاهوت المحافظ المستنير هو عبارة عن تأصيلٍ للعقائد المسيحيَّة، ودراستها، وفِهمها من مصادرها الأوليَّة. هذا اللاهوت مصدره الأول والرئيس هو الكتاب المقدس، بحيث يكون الكتاب المقدس الأساس الذي يتم البناء اللاهوتي عليه. وهذا في إطار الفكر اللاهوتي المصلَح الذي يؤكد على الكتاب المقدس وحده. وبناءً على هذا، فإن النسور تلتزم بتعليم إقرارات الإيمان الإنجيليَّة بأن الكتاب المقدس مُوحى به لفظًا ومعنًى، وأنه الدستور الوحيد المعصوم للأعمال؛ فالله الذي حفظ المعنى هو أيضًا الذي حفظ اللفظ، فالكتاب المقدس معصوم في معانيه وألفاظه وخصوصه.
كما أنَّ اللاهوت المحافظ المستنير مركزه هو المسيح؛ أي أن غايته النهائيَّة هي إعلان شخص المسيح كما نعرفه من خلال كلمة الله. وهذا يشتمل على التعليم الكريستولوجيّ المستقيم، والخلاص الذي يقدِّمه المسيح للبشرية بكل أبعاده وتوجُّهاته، ومن ثم كيفيَّة الحياة الروحية اليومية المتمركزة حول شخصية المسيح.
هذا اللاهوت محافظ؛ أي أنه يرفض كلَّ توجهاتٍ ليبراليةٍ، ويتمسَّك بإصرارٍ شديدٍ بالحقائق الأساسية والعقائد الثابتة المستقرة للإيمان المسيحي، والتي نجدها مُعلنةً في كل الكتاب المقدَّس، كما نجدها مُعبَّرًا عنها ومشروحةً في قوانين إيمان المجامع المسكونيَّة المبكرة وإقرارات إيمان حركة الإصلاح الإنجيلي. لكنه أيضًا ليس جامدًا؛ فرغم التمسُّك الكامل بالأصول -أي بالكتاب المقدَّس وثوابت الإيمان المسيحي التي لا مساس بها- فإنَّ طريقة الفِهم الأصوليَّة الراديكاليَّة هي التي لا تسعى للتجديد بما يتواكب ومتغيرات المجتمع الذي نعيش فيه. أي أننا نتمسَّك بالأصول دون أنْ نكون جامدين في طريقة تفكيرنا.
من ناحيةٍ أخرى، هذا اللاهوت مستنير؛ أي أنه منفتح على الآخر، ويرى أنَّ تعلُّم وفهم الإيمان المسيحي وثوابته العقائديَّة هو عمليَّة تعليميَّة لا تنتهي، وتستمر طوال العمر. وبالتالي فهو لاهوت يسعى لتنقية ذاته بطريقةٍ مستمرَّةٍ، ويسعى لفهم الله والمسيح والفداء والكتاب المقدس بطريقةٍ مستمرَّةٍ. عكس هذه الاستنارة يكون الانغلاق على طرق الفِهم التقليديَّة وكأنَّ مَهمَّةَ فِهم الإيمان المسيحي انتهت في الماضي. لكن لو أنَّ هناك شيئًا جديدًا يمكن أن نتعلَّمه من قراءة السيد المسيح وبولس الرسول وغيرهما للعهد القديم، فهو أن هناك كنوزًا مخبَّأةً داخل هذه الأسفار، وأمانتنا وإكرامنا تجاه الكتاب المقدس هي أن ننصبَّ على دراسته وتعلُّمه من أجل فهمه بعيونٍ جديدةٍ. كما قال المسيح نفسه: “كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلًا رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُدًا وَعُتَقَاءَ” (مت 13: 52).
وأخيرًا، فإنَّ هذا اللاهوت المحافظ المستنير لا يتمُّ في عزلةٍ عن العالم الذي نعيش فيه، بل اللاهوتي الحقيقي هو الذي يمسك الكتاب المقدس بيدٍ، والصحيفة باليد الأخرى، ليرى كيف يمكن للنص المقدَّس أن يخاطب الواقع المعاصر. ونحن نعتبر أن النسور مكان مميز لاستكشاف كيف يمكن لعقائدنا المسيحية أن تجعل من مجتمعنا أفضل، وكيف تشجعنا الدراسات اللاهوتيَّة على الانخراط في المجتمع أكثر لخدمته وغسل أرجله.
لقد أصبح من الضروري وضع تعريفاتٍ محدَّدةٍ بالمصطلحات؛ فالفكر المحافظ المستنير يختلف عن الفكر الليبرالي وأنَّ تحديد ما نعنيه بمحافظٍ مستنيرٍ أو ليبراليٍّ يجب أن يكون في الإطار العلمي المتعارَف عليه؛ فمثلًا خلط المصطلحات وتفريغها من معانيها هو تشويهٌ للبحث وإرباكٌ للعامَّة، فالفكر اللاهوتيُّ المحافظ المستنير هو فكرٌ محافظٌ متمسِّكٌ بالأصول المتمثلة في الكتاب المقدس، ولكن في نفس الوقت يتعامل مع تحديات اللحظة الراهنة والأسئلة الحائرة والعقول المتعطشة للمعرفة، وذلك في رغبةٍ جادةٍ لتقديم كنوز الكتاب المقدس إلى الحياة المعاصرة.
وفي الختام، أتمنى أن تكون هذه الانطلاقة الجديدة للنسور مساهمةً في دفع الكنيسة للأمام، لاهوتيًّا وكنسيًّا ورعويًّا. وأن تكون نموذجًا لمنابر مختلفةٍ يمكن أن تتشكَّل لتحلِّق نحو مستقبلٍ أفضل يتواكب مع متغيرات العصر الذي نعيشه، ولخدمة بلادنا العزيزة مصر.
اسم الكاتب : القس سامح إبراهيم
في عام 2018 صدر المجلد الضخم “التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس” عن دار الثقافة بمصر. يتكون الكتاب من 2504 صفحة، وهو في حقيقة الأمر مكتبةٌ كاملة قائمةٌ بين غلافيْن. يحوي المجلد تفسير كل أسفار الكتاب المقدس الـ66، ومقالاتٍ عديدة تتناول قضايا لاهوتية، فكرية، علمية، نفسية، اجتماعية، وسياسيَّة، تتماسُ مع النصوص الكتابية موضوع التفسير. يصف المحرر المسؤول، الدكتور القس أندريه زكي إسطفانوس، العملَ بأنه “عملٌ مهم حيثُ شارك فيه 48 كاتبًا من ست دول عربية من الشرق الأوسط (مصر– لبنان– سوريا– فلسطين– الكويت– الأردن)، ومن خلفياتٍ ثقافية متعددة، وطوائف مختلفة”.
(1)
أعتقدُ أنَّ هذا المجلد يمثلُ إنجازًا تاريخيًّا كبيرًا، لعدةِ أسبابٍ. أولًا، يُعتبرُ هذا العمل الأول من نوعه في اللغة العربية. لدينا مجلدات غربية كثيرة من هذا النوع الذي تُفسر فيه أسفار الكتاب المقدس كله على أيدي كثيرين من المتخصصين، في مجلدٍ واحد، أبرزها The Oxford Bible Commentary وThe New Jerome Biblical Commentary وقد استعان بهما كثيرون من مفسري “التفسير العربي المعاصر” لكن “التفسير العربي” هو المحاولة العربية الأولى من هذا النوع من الكُتب. يساعدُ هذا العملُ المسيحيين العربَ أن يكون لديهم في مجلدٍ واحدٍ تفسيرُ كلِّ أسفار الكتاب المقدس في عمقٍ وسهولة. ثانيًا، لم يمتلك المسيحيون في منطقتنا تفسيراتٍ تشمل كل أسفار الكتاب المقدس منذ زمنٍ طويل، تحديدًا منذ سلسلة “السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم”، للقس وليم مارش، و”الكنز الجليل في تفسير الإنجيل” للدكتور وليم إدي، والمنشوريْن في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وقد كتبهما مرسلان. بالطبع هناك محاولات فردية لمفسرين عرب قدموا مساهماتٍ جادة في مجال تفسير العديد من أسفار الكتاب المقدس، لكنَّ أسفارًا كثيرة لم نكن نمتلك لها أية محاولات تفسيرية. ثالثًا، أنْ يشترك في كتابة “التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس” 48 كاتبًا فهو أمرٌ يضمن الدقة والتخصص، بدلًا من أن يفسرَ شخصٌ واحدٌ كل الأسفار مما يُعرض العمل لتفاوت المستوى والعمق في الأسفار المدروسة. رابعًا، يكسر هذا العمل الفكرة المأخوذة عنا كمسيحيين عربٍ أننا لا نُحسِنُ العمل معًا، الكتاب اشترك فيه دارسون من دول عربية ومن مذاهب مسيحية مختلفة، وبه أكثر من فريق عمل، ما بين لجنة التحرير العامة، لجنة التحرير الداخلية، لجنة المراجعة اللغوية، ولجنة التنسيق الفني. خامسًا، لقد ساهمت النساء بوضوح في هذا العمل في تفسير بعض الأسفار كسفر أستير وإنجيليْ لوقا ويوحنا، وغيرها، كذلك في كتابة الكثير من المقالات. الأمرُ الذي يساعد على تأكيد دور المرأة العربية في عملية التعليم والتفسير، في تحدٍّ واضح لكلِّ الأصواتِ الأصولية التي تحرم المرأة من مثل هكذا حق.
(2)
في المقدمة العامة للتفسير، والتي فيها يشرح المحررون آلياتِ التفسير المُتَّبَعة، نقرأ أن واحدًا من الأبعاد المهمة في هذا العمل هو “توضيح رسالة النص وشرحها بحيث تتوجه إلى ثقافة المجتمعات العربية، مع الأخذ في الاعتبار، إذا أمكن، هواجسها وهمومها”. بالتالي يؤكد العمل على أمريْن مهميْن: توضيحُ النص بشكلٍ عامٍ، والأخذ في الاعتبار أن هذا التوضيح والشرح يجب أن يتناسب مع المسيحيين العرب بشكلٍ خاصٍ.
في رأيي ينتمي “التفسير العربي المعاصر” لما يُسمى بالدراسات الثقافية Cultural Studies بامتيازٍ. في كتابه المهم Decolonizing Biblical Studies، يُحلل أستاذُ العهد الجديد Fernando F. Segovia تَطوُّرَ الدراسات الكتابية الحديثة في مجال العهد الجديد عبر أربعة مداخل رئيسة: أولًا، ساد مدخل النقد التاريخي Historical Criticism وأفرعه المختلفة (نقد المصدر، نقد الشكل… إلخ) وأحكم قبضته على حقل الدراسات الكتابية في القرن التاسع عشر وحتى سبعينيات القرن العشرين. منذ سبعينيات القرن العشرين ظهر مدخلان وهما المدخل الروائي Narrative Criticismوالمدخل الاجتماعي Social Criticism. لكنَّ هذه المداخل الثلاثة كانت تهتم فقط بالنص الأصلي وكاتبه، وتحاول الوصول إلى المعنى الأصلي كما قصدَه الكاتب وفهمَه المُستقبِلُ الأول، تاريخيًّا ونصيًّا (النقد التاريخي)، اجتماعيًّا وسياسيًّا (النقد الاجتماعي)، أو فنيًّا وجماليًّا (النقد الروائي). بكلماتٍ أخرى، كان الاهتمام فقط بالنص وبالعالم الذي يقفُ خلفه. في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين بدأ مدخلٌ جديد يظهر في الدراسات الكتابية، وهو المدخل الحضاري/الثقافي أوCultural Studies محاولًا التركيز على قارئ النصوص الكتابية والمجتمعات الإيمانية التي تقرأ هذه النصوص وتفسرها. مثلًا القراءات ما بعد الكولونيالية/الاستعمارية، وقراءات لاهوت التحرير بأمريكا اللاتينية والتي بدأت التركيز ليس فقط على المعنى الأصلي وما كان يعنيه النص للمستقبل الأول بل أيضًا ما يعنيه النص الآن، الأمرَ الذي أكدَّه براين بلانت Brian Blount في كتابه المهم Cultural Interpretation. يعرض بلانت في هذا الكتاب كيف أن البعد الشخصي والمجتمعي مهم ويحدد خط المعنى الذي يختاره المفسر/المفسرة. طوال كتابه، يقدم بلانت أمثلةً عديدة على هذا؛ مثلًا بولتمان وتركيزه على البعد الوجودي في عملية التفسير، الفلاحون الثائرون في سولينتينام في عملهم الشهير، بتحرير إرنستو كاردينال، The Gospel of Solentiname وقراءتهم الثورية لنصوص الأناجيل، وروحانية الزنوج The Negro Spiritualفي فترة العبودية بالولايات المتحدة. كان الاهتمام في هذه القراءات ليس فقط ما كان يعنيه النص في الأصل، بل أيضًا ما يعنيه النص للجماعة المعاصرة. مثلًا، قرأ فلاحو سولينتينام الأناجيل قراءةً ساعدتهم في ثورتهم ضد طاغية نيكاراجوا سوموزا، وأخرج الزنوج من النصوص المقدسة ما ساعدهم على الثبات في ظروفهم الرهيبة القاسية. النص هنا ليس فقط مهمًّا فيما يخص معناه التاريخي الأصلي فقط، بل أيضًا مهم في السياق الاجتماعي- السياسي المعاصر. يرى بلانت أنَّ هناك تطرفيْن يجب أن يُصالحا معًا في عملية تفسير النصوص، التطرف الأول مراعاة النص فقط، وهو ما يتضح في منهج النقد التاريخي، والتطرف الثاني هو مراعاة الواقع فقط، وهو ما يتضح أحيانًا كثيرة في لاهوت التحرير. يدعو بلانت لضرورة مصالحة الأمريْن معًا؛ مراعاة النص وتوضيح ما كان يعنيه للقارئ الأصلي وللجماعة الأولى، وكذلك ما يعنيه بالنسبة للمفسر ولجماعة الإيمان التي تقرأ النص الآن.
(3)
في هذا القسم الأخير من المقالة أحاول تقديم أمثلة من “التفسير العربي المعاصر” تؤكد على ما أقتنع به أنَّ هذا العمل ينتمي إلى حقل الدراسات الثقافية؛ من ناحية يهتم بالنص وكاتبه وقُرَّائه الأوائل، ومن ناحيةٍ أخرى يظهر صوتُ المفسر كمُعبِّرٍ ومُمثل لجماعة الإيمان، أيْ المسيحيين العرب، التي يُفسر لها وفيها النص.
بالنسبة للنص، هناك أمانة كبيرة جدًّا في شرح النص اتبعها كلُّ مفسري “التفسير العربي”؛ حيث أعطى المفسرون أولويةً لشرح الأسفار في لغاتها الأصلية؛ العبرية للعهد القديم، واليونانية للجديد. رغم اتفاقهم على الاعتماد على نسخة فاندايك-البستاني، إلا أنَّ الأمانة للنص الأصلي، جعلتهم يستخدمون منهجية النقد النصي في كثير من الأحيان. يتعرض مفسر رسالة يوحنا الأولى بوعيٍ وأمانة للفاصلة اليوحناوية (1 يوحنا 5: 7–8). الأمثلة عديدة لهذه المنهجية العلمية الأمينة للنص الأصلي والأدق، أبرزها الإشارة الواضحة لخاتمة مرقس (مرقس 16: 9–20) كنصٍّ متأخر، مع ذلك قدم مفسر مرقس شرحًا له. الغريب هنا أن مفسر مرقس قد أعطى اهتمامًا لهذا النص المُضاف، في حين أنَّ نفس المفسر أهمل شرحَ جزءٍ أساسي في الموعظة على الجبل في تفسيره لمتى وهو متى 6: 25–34. أمّا ما كنتُ أرغب فيه هو أن يُعمل بالنقد النصي في نصوص مهمة مثل يوحنا 5: 4، الذي كنتُ أتمنى أن تلفت مُفسرة يوحنا الانتباه إلى أنَّ هذه الآية الخاصة بنزول الملاك وتحريكه لمياه البركة آية مضافة، وبالتالي كان من الممكن أن يُصبحَ النقد النصي أداةً مهمة لمواجهة الفكر الخرافي الغيبي المنتشر في كثير من مجتمعاتنا الشرقية مؤيدًا بالنصوص الكتابية.
في عديد المرات يقارن المفسرون بين الترجمات المختلفة، مثلما يفعل مفسر سفر الخروج كثيرًا حين يقابل بين قراءات النص في العبرية أو السبعينية مثلًا في خروج 9: 17 أو 10: 21. قد يقابل المفسرون النصوص الكتابية بنصوص أخرى معاصرة، مثلما يفعل مفسر التكوين بمقابلته للنص مع النصوص الأوغاريتية وغيرها من نصوص الشرق الأدنى القديم في تكوين 1: 14–19، أو مفسر الخروج ومقابلة الكثير من نصوص الخروج مع نصوص الشرق الأدنى القديم في خروج 3: 1–3، أو نصوص مصر القديمة مثل نص إيبور (2000 ق.م) في 7: 14–24 أو رسائل تل العمارنة (القرن 14 ق.م.) في معرض حديثه عن وجود العبرانيين في مصر في خروج 1: 15–21. كذلك يفعل مفسرو العهد الجديد حين يُشير مفسر رسالة يهوذا، في سياق تفسيره الملائكة الذين سقطوا والمأخوذ من سفر التكوين، حيث يُشير المفسر للترجمة العربية للتوراة والتي قام بها المعلم اليهودي سعديا الفيومي في القرن العاشر واعتبر في ترجمته أن أبناء الله في تكوين 6: 1 هم “النبلاء في الأرض،” مقدمًا إسهامًا متميزًا في تفسير هذا النص الصعب.
كذلك يهتم المفسرون، في نصوص مفصلية، بذكر تاريخ تفسير النص، مثلما فعل مفسر الخروج حين أعطى وجهاتِ نظر يهودية ومسيحية عديدة حول تحديد الوصايا العشر عبر العصور. أو مفسر إنجيل متى حين تعرض لتاريخ تفسير الصلاة الربانية، متتبعًا ما كُتب عنها في الديداخية، ترتليان، كيرلس الأورشليمي، والمصلحين. أهمية تاريخ تفسير النص، في رأيي، هو برهنةٌ على أنَّ النصوص الكتابية المقدسة منفتحةٌ على قراءات متعددة وكل قراءة كانت مناسبة لزمانها ومكانها.
أما بالنسبة للقرينة التي يُفسر فيها النص، فإنَّ صوت المفسر وجماعة الإيمان المسيحية في الشرق وقضاياها مسموعٌ في هذا التفسير. لقد اهتم معظم المفسرين بالاطِّلاع على أحدث التفسيرات والدراسات الغربية في تفسيرهم للنصوص المقدسة. كذلك قضايا منطقتنا حاضرة وبوضوح، من البداية وهناك اهتمام شديد بقضايا المنطقة، بدءًا من التمييز المهم بين إسرإيل الكتابية وإسرائيل الحديثة، وليس انتهاءً بقضايا الحرب والعنف واللجوء، وغيرها. في فقرة مؤثرة، كاشفة عن هذا التوجه، يكتب مفسر المزامير في تفسيره لمزمور 123 هذه الكلمات:
لا يقرأ أحدنا اليوم هذا المزمور وغيره من مزامير المراثي إلا ويتذكر ما يحدث للشعب السوري الذي امتلأ جراحًا وهوانًا من كثرة الموت وأعداد المشردين والمُهجّرين في البر والبحر. . . سكن الناس الركام واحتفوا بشيءٍ واحد هو نجاتهم من الفناء. صارت “عيونهم جنائز وأحلامهم شواهد قبور”. كل الدروب تقود إلى الخوف، وكل المنافذ تطل على الوهم. فارحمنا يارب ارحمنا! هي الصلاة التي كنا نسمعها مع كل قذيفة أو صاروخ يسقط على المدنيين.
كذلك تجد في ثنايا هذا العمل الضخم الكثير من الأمثال والأقوال المأثورة والاعتماد على التراث الشرقي الغني؛ هناك تأكيدٌ على خصوصية الشرق مثلما أكد مفسر متى في تفسيره للصلاة الربانية على أنَّ المسيحيين العرب خصصوا الكلمة “آب” بالألف الممدودة وخصصوها للحديث عن الله “وهو تعبيرٌ لا نجده في القواميس الكلاسيكية” وكذلك مفسر سفر التثنية الذي يقتبس كثيرًا من التراث العالمي والتراث العربي بشكل لافت للانتباه مثلما يفعل في تفسيره لتثنية 3: 18–20 وفيه يؤكد على ضرورة التعاون ويقتبس المثل العامي الشائع في المجتمعات العربية “من بعد حماري لا ينبت حشيش” أي عدم الاكتراث بمصير الآخرين طالما الشخص ليس من ضمن المستفيدين، ويشير إلى قول مارتن لوثر كينج لخطورة عدم التعاون “نهلك كلنا كالحمقى” ويُكثر مفسر التثنية من الاقتباس من شعراء عرب معاصرين، أو من التراث الإسلامي، أو يستخدم ترنيمات مسيحية معاصرة. كلُّ هذا يدل على حرص المفسرين على أن تُصبغ قراءتهم للنصوص بصبغة المسيحيين العرب وعالمهم.
مأخذي على هذا العمل هو أنه في الأناجيل، تمَّ تجاهُلُ إسهامات عربية سابقة مهمة مثل إسهامات ابن الصليبي، هبة الله بن العسّال، وغيرهما. لم تُشر مفسرة لوقا لتفسير الدكتور القس إبراهيم سعيد، والأب متى المسكين، في حين تجد أنَّ كاتبًا غربيًّا ككينيث بيلي يشير في كتاباته إليهما بكثيرٍ من المدح ومزيدٍ من الإعجاب. بل أنها لم تُشر حتى لكينيث بيلي نفسه، رغم أنَّ مفسري الغرب يُشيرون إليه كثيرًا في تفسيرهم للوقا، وبالأخص في تفسير لوقا 15، مثلما يفعل هوارد مارشال في تفسيره للوقا، ضمن سلسلة The New International Greek Testament Commentary. أمّا في تفسيرها ليوحنا، فهي لم تُشر لأية مراجع مُستَخدَمة على الإطلاق– الأمر الذي أستغربه في مشروعٍ كهذا استغرابي من انقطاع الصلة مع التراث العربي الممتد للوراء طويلًا. أمّا في تفسير مرقس، فقد أشار الكاتب إلى أنَّ الإنجيل “كُتب لجماعة متصلة بفلسطين (أورشليم والجليل)”. لكنّه انحاز للنظرية التقليدية القائلة بأنَّ مكان كتابة مرقس هو روما، ولم يُشرْ الكاتب، وهو يساهم في تفسيرٍ عربيٍّ سياقيٍّ، لا من قريبٍ ولا من بعيد، للنظرية الرافضة لروما والتي يدعمها الآن العديد من المتخصصين في مرقس مثل Joel Marcus، Ched Myers، وBrian Blount والتي تذهب إلى أنَّ الإنجيل كُتِب في/إلى جماعة تعيش في نواحي سورية أو في الجليل (ربما كفرناحوم تحديدًا)، وكانت تعاني ويلاتِ الحرب اليهودية (66–70 م). ألم يكن من الأنسب التمسك بـ/أو الإشارة لمثل هذه النظرية التي تربط هذا الإنجيل بمنطقتنا العربية بدلَ الإصرار على ربطه بالغرب؟!
على أيَّة حال، لكلِّ شيءٍ إذا ما تَمَّ نُقصانُ، كما قال الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي، ولكلِّ كمالٍ رأيتُ حدًّا، كما يقول كاتب مزمور 119. أعتقدُ أنَّ “التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس” إنجازٌ تاريخيٌ كبير سوف يستمر نافعًا لأجيالٍ وأجيالٍ من مسيحي الشرق بل لمسيحي العالم.
اسم الكاتب : بيتر عادل وديع
في البدء خلقَ اللهُ السماوات والأرض، وصمم الخلقية بإبداعٍ ودقةٍ شديدةٍ، وجعلَ الأرض مَسكنًا للإنسانِ، وأوصاهُ بأن يُثمرَ ويُكثرَ حتى يُعمرها. ومُنذ أن بدأ الإنسان في إعمار الأرض وبدأت الحضارة الإنسانية تظهر، وتكونت على مر العصور والتاريخ مِن بداية الإنسان، وستستمرُ حتى نهاية الزمان. وظهرَ في أواخر القرن العشرين اهتمام في دوائر عديدة، بدراسات عن العلاقة بين الدين والحضارة. وهناك الكثير مِن الأسئلة المطروحة في هذا المجال حول مكان الدين في الحضارة؟[1]
والسؤال المطروح هُنا ما هي علاقة المسيحية بعالم ما بعد الحداثة الذي يُشكل الحضارة الإنسانية اليوم؟ وكيف يُمكن للكنيسة أن تستمر في ظل هذا العالم؟ وهل يجب على الكنيسة أن تنعزل أم أن تتفاعل وتشتبك مع هذه الحضارة المُعاصرة؟
لذِا سيجتهدُ الباحثُ في هذه الورقة أن يُقدم لمحة سريعة عَن نشأة الحداثة وما بعد الحداثة، العالم الذي نعيش فيه اليوم، وبعد ذلك يوضح الباحث أهم الملامح الفكرية والفلسفية لهذا العصر، مع تقديم وصف مُختصر للسياق العربي المُعاصر في ظل هذا العصر. ثمّ ينتقل ليُناقش كيف يُمكن للكنيسة العربية بصفة عامة، والمِصرية بصفة خاصة، أن تتفاعل بإيجابية مع عالم ما بعد الحداثة، وتستمر في دورها وتأثيرها.
ويدعو الباحث الله أن يجعل هذا البحث إسهامًا ولو بسيطًا، في تمكين الكنيسة المِصرية والعربية لتتميم إرساليتها بقوة وفاعلية.
الجزء الأول: الحداثة وما بعد الحداثة
نشأة الحداثة
عادة يُحدد علماء الاجتماع والسياسية تاريخ الحداثة ما بين 1750 – 1960م، إلا أن بدايات عصر الحداثة تسبق هذا التاريخ، وتأثيرها على المجتمعات لا يزال حتى اليوم. وظهر عصر الحداثة في أوروبا نتيجة التفاعل مع العصور السابقة خاصة القرون الوسطى، وعصر النهضة Renaissance، وعصر التنوير Enlightenment، وأيضًا لعبَت حركة الإصلاح الإنجيلي دورًا كبيرًا في ظهورها، ومِن أهم العلماء الذين لعبوا دورًا كبيرًا في ظهور الحداثة: كوبرنيكوس، بيكون، جاليليو، إسحاق نيوتن. وأهم الفلاسفة: رينيه ديكارت، عمانوئيل كانط، وجون لوك. فمثلًا مقال عمانوئيل كانط “ما هو التنوير؟” حدد فيه أربعة معالم أساسية للحداثة وهم: 1- التنوير 2-العقل 3-الحرية 4-التقدم.[2]
مفهوم الحداثة
فلقد مثلت الحداثة منذ بدايتها خروجًا على القرون الوسطى بكل أجوائها السياسية والدينية والاجتماعية والأيديولوجية. وكانت بداية الخروج على عالم العصور الوسطى بمثابة تَصدُّع السلطة الكنسية، وقلب الرؤية الدينية للعالم، وتراجع الأيديولوجيات اللاهوتية، وحلول النزعة الإنسانية محل النزعة الإلهية، وبزوغ الفكر السياسي العقلاني، واتساع تأثير حركة الإصلاح الديني، وإحياء التراث اليوناني.[3]
كما تُعتبر الحداثة هي البحث المستمر للتعرف على أسرار الكون من خلال التعمق في اكتشاف الطبيعة، والسيطرة عليها، وتطوير المعرفة بها، ومن ثم الارتقاء الدائم بموضع الإنسان في الأرض. أما سياسيًّا واجتماعيًّا فالحداثة تعني الصياغة المُتجددة للمبادئ والأنظمة التي تنتقل بعلاقات المجتمع من مستوى الضرورة إلى الحرية، ومن الاستغلال إلى العدالة، ومن التبعية إلى الاستقلال، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن سطوة القبيلة أو العائلة أو الطائفة إلى الدولة الحديثة، ومن الدولة التسلطية إلى الدولة الديمقراطية. فالحداثة هي الإبداع الذي هو نقيض الاتباع، والعقل الذي هو نقيض النقل.[4]
لذلك يُطلق عادةً على البيئة الثقافية التي سادت الغرب منذ 1750م إلى 1960م مصطلح “الحداثة” “Modernity”. وقد قامت هذه الفترة على الاعتقاد بشمولية العقل البشري، أي أن هناك عقلًا مشتركًا يشمل جميع الناس والأزمنة، وهو قادرٌ على إدراك أنظمة العالم. وكان العقل هو المفتاح الذي كشف غوامض الحياة، وكانت الحجة هي أداته في الأقناع. وأصبحت الحجة العقلية هي الأداة الموثوق بها في هذه الحقبة الثقافية. ولكن انهارت هذه النزعة العقلانية بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، فلقد تلقت عقلانية عصر التنوير ضربة قاسية من لا عقلانية هاتين الحربين.[5]
ظهور ما بعد الحداثة
وظهر بعد ذلك حوالي عام 1971م مصطلح آخر هو “ما بعد الحداثة” “Postmodernism”، وقد استخدم بادئ الأمر للإشارة إلى الطراز المعماري الجديد، لكنه سرعان ما انسحب على عالم الأفكار. وأصبح مصطلح ما بعد الحداثة يشير إلى الاعتقاد الثقافي المتنامي القائل بفشل الحداثة وضرورة إصلاحها. وقد تركز هذا الاتجاه في البداية على إخفاقات “الفن الحديث” في التفاعل مع الخيال البشري، ولكنه سرعان ما امتد إلى القضايا الاجتماعية والمشكلات الناتجة عن الاعتقاد الساذج بحتمية التقدم، مثل حتمية تحول المجتمعات إلى التصنيع وحتمية الامتداد الحضاري.[6]
البُعد السلبي لما بعد الحداثة
يصعب علينا تحديد تعريف محدد لما بعد الحداثة بسب تعدد التعريفات لها وبسبب طبيعتها النسبية. وهي قد تعني تآكل مراكز السلطة التقليدية، وفقدان المعتقدات القوية. وهي ترى شخصيات القصص غير محددة اجتماعيًّا، وتحيا في عالم مُفكك الروابط وخالٍ مِن السلطة. وفكرتها المركزية تدور على التشكيك في المعاني، ويعتبرها البعض “لا عقلانية” لأنها ترفض التحليل والـتأويل، ومِن ثمّ فهي ثقافة مُضادة، وتعبر عن أزمة ثقافية عميقة، أو بالأدق أزمة أنطولوجية ]وجودية[ تدور على فقدان الوعي بالواقع الخارجي، ومِن ثمّ الاغتراب عن هذا الواقع وعن كل واقع أيًّا كان.[7]
كما تُعتبر حركة ما بعد الحداثة شكل من النسبية الثقافية بشأن أمور مثل الواقع، والحق، والعقل، والقيمة، والمعنى اللغوي، والذات، وغيرها من الأفكار؛ ففي منظور ما بعد الحداثة ليس هناك ما يسمَّى الواقع الموضوعي، ولاَ الحق، ولا القيمة، ولاَ العقل، وما إلى ذلك. كل هذه تكوينات اجتماعية، وَمنتجات الممارسات اللغوية، ومن ثم فهي نسبية لا بالنسبة للأفراد، بل بالنسبة للمجموعات الاجتماعية التي تشترك في قصة واحدة… ففي نظر أتباع ما بعد الحداثة، إنَّ زعم المرء أنه يمتلك الحق هو نوع من التسلط الذي يقهر كل من نحكم عليه بأنه لا يمتلك الحق.[8]
البُعد الإيجابي لما بعد الحداثة
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الحركة الناشئة لم تسم نفسها بأنها “مضادة للحداثة”. فحركة ما بعد الحداثة لا ترفض كل جوانب الحداثة، ولكن دعاتها يعتبرونها محاولة لدمج أفضل ما في العالم الحديث بأفضل عناصر التقاليد الكلاسيكية والتخلص من الجوانب غير المرغوبة في كلٍّ منهما. [9]
كما يوجد في عصر ما بعد الحداثة تركيزٌ قويٌّ على دور العقل في التحليل العلمي والثقافي ولازالت الأبحاث العلمية تتبع المنهج الموضوعي، بينما تتركز نظم السياسة والاقتصاد على النظم المتعارف عليها في عصر الحداثة. إلا إن هُناك تركيزًا قويًّا على دور المشاعر ورفض لفكرة أن العلم وحده يستطيع تفسير كل مظاهر الحياة. ومِن ثمّ هناك مجال أوسع في عصر ما بعد الحداثة على ما هو فوق طبيعي Meta-Physics بما في ذلك المبادئ الدينية، ولكن بالتركيز على الروحانية Spirituality وليس الدين كنظام وعقائد.[10]
الملامح الفلسفية لعصر ما بعد الحداثة
ولكي نفهم بأكثر وضوح ما هي حركة ما بعد الحداثة وتميزها عن عصر الحداثة علينا أن نتعرف على الملامح الفلسفية الأساسية لهذه الحركة وهي:
الملمح الأول: هو أن الحقيقية لا تتطابق مع الواقع؛ فالشخص البعد الحداثي يعتبر العبارات والكلمات الحقيقية ليست كذلك، لأنها لا تتوافق مع الواقع، لذا فهو لا يهتم بأي نوع من الواقع.[11]
الملمح الثاني: لا توجد قصة كبرى تصلح لتطبيقها على كل الواقع. فما بعد الحداثة تتحدى كل وجهات النظر المحيطة، سواء دينية أو سياسية أو اجتماعية. فإنها تُقلل من شأن الماركسية والمسيحية والفاشية والرأسمالية والديمقراطية والعلوم الحديثة بنفس الأسلوب. وهي لا تقوم بصياغة مجموعة بديلة من الافتراضات، لكن لكي تسجل استحالة تكوين مثل تلك الروايات الكبرى.[12]
الملمح الثالث: هو أن الموضوعية وهم؛ وذلك لأن كل باحث ينتمي إلى ثقافة معينة، وكل ثقافة تُشكل خصائص ثقافة الشخص الذاتية، إذًا فلا يمكن لشخص أن يكون موضوعيًّا.[13]
الملمح الرابع: هو أن الحقيقية تصورية. وهذا المفهوم مرتبط بمصطلح “موت المؤلف” أو “موت النص”، وهذا يعني أن النص مصنوع وليس موجودًا، وهذا ما يحدث مع القارئ أثناء القراءة. فالنص يجب أن يعاد بناؤه، حتى يتخلص من المؤلف ويُجعل النص حيًّا ككلمة حرة.[14]
ويتضح لنا مما سبق مدى تعقيد عصر ما بعد الحداثة، ويُمكن القول بأنه يتغير بسرعة ويعاني من الشيزوفرنيا والتشتت والاستمرارية والفوضى. لكنه يتصف أيضًا بروح التعددية ويسمح بالأصوات المختلفة وبتعايش الثقافات وامتزاجها لخلق ثقافة جديدة.[15]
لذا سيقوم الباحث بتقديم مقارنة بسيطة[16] في بعض القضايا الأساسية بين الحداثة وما بعد الحداثة حتى يتضح لنا الأمر بأكثر وضوح.
مقارنة بين الحداثة وما بعد الحداثة
القضية | الحداثة | ما بعد الحداثة |
النشأة | ظهرت في أوروبا في القرن الثامن عشر. | حركة عالمية في منتصف القرن العشرين. |
الحق | الحق يُمكن اكتشافه بالعقل والمنطق. | الحق ليس له وجود موضوعي، إنما هو نتاج ثقافة الفرد. |
الإنسان | الإنسان كائن عقلي وليس روحيًّا، ويمكنه البقاء بالاعتماد على حواسه. | الإنسان هو كائن اجتماعي، وهو نتاج ثقافته وبيئته. |
العالم | يستطيع البشر إخضاع الأرض وكشف كل أسرار الكون. | لا يستطيع البشر معرفة أسرار الكون، فقط يجب أن يتضامنوا معها. |
الفكر واللغة | يجب على الإنسان أن يعتمد على الاكتشافات العقلية التي تنتج المنهج العلمي. | التفكير هو تواصل اجتماعي، واللغة هي أمر عشوائي لأنه لا يوجد حقيقة كونية أو شاملة تتسامى فوق الثقافة. |
ومِن المقارنة السابقة نستنتج أنه:
إن كانت ما بعد الحداثة، هي الاعتقاد باستحالة تأصيل أي معرفة أكانت دينية أم علمية، فإن الحداثة هي على العكس من ذلك، أي أنها ليست سوى الإيمان بإمكانية تأصيل المعارف. وهكذا فإن وضع ما بعد الحداثة يتّصف بعدم التأصيل، أي بعدم الاعتراف بأن هناك قيمًا ثابتة، فأهم صفاتها هي: الذاتية، والتفكيكية، والتعددية، والاختلاف، والعشوائية. [17]
السياق العربي المُعاصر في ظل الحداثة وما بعد الحداثة
ولكي نتعرف على موقف العالم العربي مِن الحداثة، علينا أن نُميز بين التحديث/التحول الحداثي Modernization والحداثة Modernity or Modernism. والتحديث هو التعرف على مصطنعات الحياة المعاصرة كالسكك الحديدية ووسائل الاتصال والصناعة والتكنولوجيا المتقدمة. أما الحداثة (كما رأينا) فهو مصطلح عام يتعلق بالعمليات السياسية والثقافية التي تظهر نتيجة جلب أفكار جديدة أو نظام اقتصادي أو تعليمي إلى المجتمع. إنها أسلوب تفكير وأيضًا أسلوب للمُعايشة في العالم المُعاصر وقبول التغيير.[18]
ويأخذ التحديث في التجربة العربية طابع المحاكاة الجوفاء لمظاهر المدنية في الغرب ونماذجه الحضارية، وهذه المظاهر لا تنم عن حالة حضارية أو حداثية تنبثق من صميم المجتمع وتتكون في رحمه الحضاري. وغالبًا ما يظهر أن هذه النماذج الحضارية تتعارض مع النسق الحضاري العربي في أصوله وتجلياته الذاتية. وهذا يعني أن استجلاب مظاهر الحداثة من الغرب قد يؤدي إلى مزيد من الضياع والاحتضار.[19]
وقد يعني ذلك، وهذه هي الحالة على الأغلب في عالمنا العربي، تعايش منظومتين اجتماعيتين متنافرتين في آن واحد هما: مجتمع تقليدي يمارس حياته وفق معايير وقيم تقليدية، ومجتمع حداثي يعيش وفق أحدث المعايير العصرية دون أن يتمثل روح هذه المعايير ويتشرب من تدفقاتها الذاتية. ووفقًا لهذه التصور فإن التحديث العربي في التاريخ المعاصر يأخذ صورة متناقضة مع الحداثة الحقيقية.[20]
كما أنه لا يُمكن فصل العالم العربي عن عالم ما بعد الحداثة؛ حيث إن عصر ما بعد الحداثة هو ظاهرة عالمية حدثت في كُل أنحاء العالم في نفس الوقت وتأثيرها عالمي.[21] فثورات ما يُسمى بالربيع العربي الذي بدأ منذ عام 2010م، هي تعبير أصيل عن حضارة وفلسفة ما بعد الحداثة.
فمثلًا الثورة المصرية ثورة بعد حداثية بكل المقاييس فلقد غاب عنها المركز والقيادة، وتنوعت التوجهات والآراء داخل ميدان التحرير وكافة ميادين الثورة المِصرية، وجاءت نتيجة استخدام واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، كل هذه العوامل جعلت الثورة المِصرية ثورة ما بعد حداثية بكل المقاييس.[22]
وبعد أن عرض الباحث النشأة التاريخية للحداثة وظهور عالم ما بعد الحداثة، موضحًا أهم ملامحه الفلسفية، مميزًا أيها عَن عصر الحداثة، دون أن يتجاهل حال العالم العربي المُعاصر. يُريد أن ينتقل الباحث إلى الجزء الثاني مِن الورقة البحثية، لكي يوضح كيف يُمكن للكنيسة العربية والمِصرية أن تكون مُرسلة في هذا العصر؟
الجزء الثاني: كيف ستستمر الكنيسة؟
في البداية علينا أن نُدرك أن لنا الحرية في تصميم المنهجيات المُرسلية التي تُقدم الإنجيل بأمانة من ناحية، وتلائم محيطنا الثقافي من ناحية أخرى. فحتى تُمارس الكنيسة إرساليتها بشكل فعّال، علينا ككنيسة أن نقوم بمهمتين أساسيتين، المهمة الأولى هي: فهم الرسالة والدور فهمًا جيدًا وعميقًا، والمهمة الثانية هي: فهم السياق الذي سوف نمارس فيه الإرسالية.[23]
ولابد من توضيح أن ما بعد الحداثة لا تعطي تعريفًا لما هو صواب أو حق. ولكنها مناخ ثقافي شَكلته قيم ومعتقدات معينة. فتيار ما بعد الحداثة مثل الحداثة، هو في الأساس نظرة علمانية، فلا هو ضد المسيحية ولا مؤيد لها، ولكنه يعكس إطارًا ثقافيًّا على الكنيسة أن تُمارس إرساليتها فيه.[24]
التشابه الفلسفي بين المسيحية وما بعد الحداثة
كي ننجح ككنيسة في مخاطبة العالم البعد حداثي، علينا أن نبدأ من أرض مشتركة تجمع بين الإيمان المسيحي والفلسفة البعد الحداثية. ويرى الباحث أنه بالرغم من وجود تناقضات بين المسيحية والفلسفة البعد الحداثية، إلا أنه يوجد نقاط اتفاق يُمكن من خلالها خلق أرض جديدة لإرسالية الكنيسة، وإليكم أهم نقطتين مُشتركتين بينهما:
أولًا: قصور العقل
أنصار ما بعد الحداثة على وعي عميق أيضًا بقصور العقل البشري. وهذا ما يصفه فوكو وصفًا مُتطرفًا “العقل هو لغة الجنون العليا”. وعلى المسيحيين أن يعوا أنه رغم أن العقل سمة جوهرية في الطبيعية البشرية ويجب تقديره كل التقدير، لكنه ليس مفتاحًا لحل كل المشكلات البشرية، كما يؤكد الحداثيون.[25]
ثانيًا: غياب الحق
بناءً على الاعتراف بمحدودية العقل البشري، فإن الحق بوصفه شيئًا يُفهم بالعقل، يُعتبر غائبًا. فالواقع عند أنصار ما بعد الحداثة هو بناء اجتماعي ذاتي، وبالتالي يوجد غياب للحق. وهذا الاعتراف متسق مع التشخيص المسيحي للإنسان بعد استغنائه عن الله؛ فالمسيحية تصف واقع العالم المستقل عن الله بأنه مزيف ويقوم على الخداع. فاعتراف ما بعد الحداثة أن الإنسان عاجز عن الوصول إلى الحق في عالم بلا إله، اعتراف فيه اتفاق مع القصة المسيحية.[26]
نقاط انطلاق إرسالية الكنيسة في ظل عصر ما بعد الحداثة
لكي تكون الكنيسة مُرسلةً بشكل فاعل في ظل ثقافة ما بعد الحداثة، عليها تقديم رسالتها بتعظيم المُشترك بينها وبين ما بعد الحداثة، ولذلك فهي يجب أن تراعي الأبعاد الآتية:
أولًا الجماعة: فبينما تُركز الحداثة في جذورها على الفردية واستقلالية الفرد، فإن بعد الحداثة تتطلع إلى خبرة الجماعة الحقيقية والارتباط بها. فالإنجيل المقبول من عالم ما بعد الحداثة سوف يُكرز به عن طريق حياة جماعة الله المشتركة، وعلاقات الحب الحقيقي. وهذا يتصل بالقصة المذكورة في سفر الأعمال عن الكنيسة والتي صارت محبتها وارتباطها بالإنجيل واهتمام كل واحد بالآخر شكلًا ملزمًا للتبشير (أع 2).[27]
ثانيًا القصة: عندما خاطب بولس الذين يجهلون الكتاب المقدس (أع 17) لم يُقدم لهم براهين عقلية على وجود الله، ولم يقدم رسالة الإنجيل في سلسلة من البراهين المنطقية، ولكنه روى قصة الله الكبرى الذي أعلن نفسه للبشرية في الخليقة، وفوق كل شيء في يسوع المسيح، ونحن أيضًا يجب أن نخبر بقصة هذه الحياة المثمرة. فإن رسالة ثقافة ما بعد الحداثة سوف تدعو الناس لكي يروا العالم من خلال القصة الكتابية وتتيح لهم أن يعيدوا صياغة حياتهم. وسوف تقودهم أيضًا لكي يعرفوا الإنجيل من خلال الإخبار بقصتنا الشخصية باحترام ووقار كشهود على نعمة الله المغيرة والرحيمة.[28]
ثالثًا التخيل: ما بعد الحداثة تضم بسهولة أشكال الاتصال التحليلية والشعورية والخيالية، والكنيسة اليوم يجب أن تتحدث لغة الاستعارة والرمز ويجب أن توفر تواصلًا شفهيًّا بالاستعانة بالأشكال المتنوعة من المسموع والمرئي ووسائط الميديا الفعّالة والوعظ والصلاة. فعلى الكنيسة أن تصور جمال وسر الإنجيل، فقصة المسيح هي وليمة للتصور، والعهد الجديد يمدنا بمخزون وافر من هذا الاتصال التخيلي، والرب يسوع نفسه كان ماهرًا في الاستعارات والأمثال، وسفر الرؤيا يتحدى تصوراتنا عن العالم في رموز رؤيوية تستخدم أكثر من حاسة. فكما استخدم الكتاب المقدس معابر تخيلية لتوصيل رسالته للعالم، فنحن أيضًا علينا أن نستخدم كل الوسائل والصور المتنوعة.[29]
ومِن خلال هذه النقاط وغيرها، يمُكن للكنيسة أن يكون لها حضور ويكون لها تأثير في عالم ما بعد الحداثة. فهذا العالم يُمكن أن يكون فرصة حقيقية لاستمرار الكنيسة بإيجابية وفاعلية حتى لو بشكل مُختلف.
الخاتمة
وأخيرًا، يُمكننا أن نقول إنه يجب على الكنيسة أن تنتقل من الطريقة التي استخدمتها خلال القرن العشرين والتي تعمل على تقديم رسالة كتابية وحيدة عن طريق فهم تاريخي غير واضح المعالم، إلى الاعتراف بالتعددية في الكتاب المقدس وبسياقات العمل المُرسلي للكنيسة، لكي نرى ملء الإنجيل وهو يصل إلى مجد أكثر وضوحًا. وهذا ما يوافق احتياجات عصر ما بعد الحداثة، فالكتاب المقدس والكنيسة الأولى اعترفت بصحة السياقات المتعددة وهي البيئة التي نشأ فيها الإنجيل.[30] وفي هذا الصدد يقول اللاهوتي المعاصر كريستوفر رايت:
في رأيي إن كل ما علينا تقديمه هو تفسير مرسلي للكتاب المقدس. لقد ذهب الكتاب المقدس إلى هناك قبل مجيء أفكار ما بعد الحداثة. فالكتاب المقدس الذي يفتخر بالتنوع ويحتفي بالثقافات البشرية المتعددة. الكتاب المقدس الذي يبني معظم مطالبه اللاهوتية السامية على أحداث محددة تمامًا وفي بعض الأحيان على أحداث محلية، الكتاب المقدس الذي ينظر لكل شيء في إطار العلاقات، وليس في إطار ألفاظ مجردة، والكتاب المقدس الذي يقوم بجُل عمله من خلال أسلوب القصص.[31]
وهذا يجعلنا نرحب بثقافة ما بعد الحداثة، مع تأكيد انفصال المسيحية عن فكر ما بعد الحداثة الراديكالي في إصراراه على النسبية. فبالرغم من التنوع والمحلية والخصوصية والاختلاف في الكتاب المقدس، فإنه هو بالفعل القصة الأصيلة، فهذه هي القصة العالمية التي تفسح مكانًا في ضوء الشمس لكل القصص الصغرى.[32]
المراجع
المراجع العربية
التحرير، هيئة. “الحداثة.. وما بعد الحداثة” (دورية استغراب: العدد الأول- السنة الأولى- خريف 2015).
الخشت، محمد عثمان. فلسفة المواطنة وأسس بناء الدولة الحديثة. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2014.
ج.ه. رايت، كريستوفر. الإرسالية، ترجمة إدوارد وديع (القاهرة: دار الثقافة، 2008).
حبيب، صموئيل. الإنجيل والحضارة. القاهرة: دار الثقافة، 1997.
رمزي، وفيق. “الكنيسة والمجتمع المعاصر” كلية اللاهوت الإنجيلية: القاهرة. يناير، 2019.
زكي، أندريه. الإسلام السياسي والمواطنة والأقليات. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2006.
________. الأقباط والثورة. القاهرة: دار الثقافة، 2015.
فلمنج، دين. الكرازة المعاصرة الناجحة، ترجمة فنيس نيكولا، (القاهرة: دار الثقافة، 2010).
ماجراث، ألستر. الدفاعيات المجردة، ترجمة مارينا كتكوت (القاهرة: RZIM Middle East، 2013).
ماكدويل، جوش. برهان جديد يتطلب قرارًا، (القاهرة: دار الثقافة، 2004).
وهبة، مراد. الأصولية والعَلمانية. القاهرة: دار الثقافة، 1995.
المراجع الإلكترونية
سعد زايد، أحمد. محاضرة فلسفات ما بعد الحداثة. تمّ الاطلاع عليه يوم 5 ديسمبر 2018. مُتاح على: https://www.youtube.com/watch?v=nJhDV8eSico
صموئيل، ماهر. تقرير الحق وما بعد الحداثة، برنامج 360 – حلقة 2. تمّ الاطلاع عليه يوم 5 ديسمبر 2018. متاح على:
https://www.youtube.com/watch?v=eL_-WhMRaM8
عصفور، جابر. الإسلام والحداثة. تمّ الاطلاع عليه يوم 15/3/2020. مُتاح على: https://www.aljabriabed.net/n43_08watfa.htm#_edn7
وطفة، علي. مقاربات في مفهومي الحداثة وما بعد الحداثة. تمّ الاطلاع عليه يوم 13/3/2020. مُتاح على:
https://blogs.mediapart.fr/m-bentahar/blog/080819-1/mqarbat-fy-mfhwmy-alhdatht-wma-b-d-alhdath
المراجع الإنجليزية
Samuel, Maher. Evangelism and Postmodernism. Cairo: ETSC Journal, 2019.
[1] صموئيل حبيب، الإنجيل والحضارة (القاهرة: دار الثقافة: 1997)، 9، 10.
[2] وفيق رمزي، “الكنيسة والمجتمع المعاصر” كلية اللاهوت الإنجيلية: القاهرة. يناير، 2019.
[3] محمد عثمان الخشت، فلسفة المواطنة وأسس بناء الدولة الحديثة (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2014)، 25، 26.
[4] جابر عصفور، الإسلام والحداثة. تمّ الاطلاع عليه يوم 15/3/2020. مُتاح على: https://www.aljabriabed.net/n43_08watfa.htm#_edn7
[5] ألستر ماجراث، الدفاعيات المجردة، ترجمة مارينا كتكوت (القاهرة: RZIM Middle East، 2013)، 29، 30.
[6] المرجع السابق، 31، 32.
[7] مراد وهبة، الأصولية والعَلمانية (القاهرة: دار الثقافة، 1995)، 85-94.
[8] Maher Samuel, Evangelism and Postmodernism, (Cairo: ETSC Journal, 2019)
[9] ألستر ماجرث، المرجع السابق، 31،32.
[10] وفيق رمزي، المرجع السابق.
[11] جوش ماكدويل، برهان جديد يتطلب قرارًا، (القاهرة: دار الثقافة، 2004)، 539.
[12] المرجع السابق، 540.
[13] المرجع السابق، 542.
[14] المرجع السابق، 543.
[15] احمد سعد زايد، محاضرة فلسفات ما بعد الحداثة. تمّ الاطلاع عليه يوم 5 ديسمبر 2018. متاح على: https://www.youtube.com/watch?v=nJhDV8eSico.
[16] جوش ماكدويل، المرجع السابق، 538.
[17] هيئة التحرير، “الحداثة.. وما بعد الحداثة” (دورية استغراب: العدد الأول- السنة الأولى- خريف 2015)، 325.
[18] أندريه زكي، الإسلام السياسي والمواطنة والأقليات (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2006)، 78، 97.
[19] علي وطفة، مقاربات في مفهومي الحداثة وما بعد الحداثة، تمّ الاطلاع عليه يوم 13/3/2020. متاح على: https://blogs.mediapart.fr/m-bentahar/blog/080819-1/mqarbat-fy-mfhwmy-alhdatht-wma-b-d-alhdatht
[20] المرجع السابق.
[21] وفيق رمزي، المرجع السابق.
[22] اندريه ذكي، الأقباط والثورة (القاهرة: دار الثقافة، 2015)، 12، 13.
[23] ألستر ماجرث، المرجع السابق، 36.
[24] المرجع السابق، 36.
[25] Maher Samuel, Ibid.
[26] Ibid.
[27] دين فلمنج، الكرازة المعاصرة الناجحة، ترجمة فنيس نيقولا، (القاهرة: دار الثقافة، 2010)، 399.
[28] المرجع السابق، 400.
[29] المرجع السابق، 400.
[30] كريستوفر ج.ه. رايت، الإرسالية، ترجمة إدوارد وديع (القاهرة: دار الثقافة، 2008)، 44.
[31] المرجع السابق، 43.
[32] المرجع السابق، 44.
اسم الكاتب : هاني لبيب
“أهم شيء هو صحة المواطن وليس المال”
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي
“العالم في حالة حرب مع عدو خفي وسننتصر..”
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
“مكافحة انتشار فيروس كورونا هي التحدي الأكبر”
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل
“لقد تغير العالم.. وغدًا لن يشبه اليوم”
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
“أسوأ كارثة لهذا الجيل.. ستفقدون المزيد من أحبائكم”
رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون
“جائحة الفيروس التاجي.. ستغير إلى الأبد النظام العالمي”
وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر
منذ الإعلان الصريح عن تفشي فيروس كورونا “كوفيد 19” في الربع الأول من سنة 2020، والتعامل معه باعتباره وباءً عالميًّا، اتخذت غالبية الدول إجراءات سريعة غير متوقعة، وقرارات أممية، خاصة بعد تجاوز عدد الإصابات آلاف الأشخاص، وتصاعد إجمالي الوفيات.
وعلى الرغم من ارتباط المجتمعات الأوروبية في الأذهان بقواعد الحياة المنضبطة والمستقرة، خاصة في المجال الصحي، إلا أنها ذاقت مرارة الكأس، وتنغيص العيش، وتقلب الأحوال، والقلق من المصير المجهول، إذ أن فيروس كورونا لم ينظر، في انتشاره السريع، إلى الحدود الفاصلة بين الدول، لكنها لم تقف متفرجة على الوباء وهو يحصد أرواح مواطنيها، بل اتخذت بشكل سريع للغاية تدابير احترازية، وإجراءات وقائية صارمة، استنادًا إلى العقل لا العاطفة، والعلم لا الفهلوة، تدابير وإجراءات ترتب عليها إغلاق المجال العام بما فيه دور العبادة، رغم محاولة البعض تصوير المشكلة باعتبارها وباءً وابتلاءً واختبارًا وعقابًا إلهيًّا، وليس علمًا ووقاية واحترازًا، وقد روَّجوا في البداية لنجاتنا، وإصابة الغرب غير المؤمن، ولم يعلق أحد بعد ذلك عن وصول الوباء إلى بلادنا، بلاد الديانات السماوية، وهل يفرق فيروس كورونا بين البشر حسب الإيمان والإلحاد؟!
لقد توقفت حركة طيران المسافرين في غالبية دول العالم، وفُرض حظر التجوال، وأُغلقت الأندية والمقاهي والمطاعم، وتدريجيًّا أُغلقت المستشفيات كذلك، واقتصرت على إجراء المسحات والتحليلات الخاصة بالفيروس، أو للعزل الصحي، ضمانًا لتقديم خدمات صحية مُركَّزة، وتجنبًا لعدم نقل العدوى لمزيد من غير المصابين. باختصار لقد تجمدت مناحي الحياة كافة، باستثناء الفتح المشروط لأماكن بيع الطعام والصيدليات.
وتباينت الإجراءات الاحترازية، في دول العالم، من حيث درجات المرونة، بداية من سياسة الإغلاق، مرورًا بحظر التجوال لساعات وفترات متغيرة، وصولًا إلى فرض كثير من العائلات الحجر المنزلي على أنفسها تجنبًا للإصابة.
ملاحظات..
والتي يمكن رصدها على النحو التالي:
– انتشار الكثير من الأخبار المزيفة، ووجود تضارب في المعلومات والبيانات والإجراءات الطبية سواء في الوقاية من الفيروس أو أسباب العدوى أو وجود بروتوكول موحد للعلاج، وهو الأمر الأساسي، الذي ارتكزت عليه دول في تقنين حريات مواطنيها، في مواجهة المجهول، بعد التشكيك في تأثير ونجاح بعض السلوكيات من عدمها، مثل غسل الأيدي أو التباعد الاجتماعي، في الحماية من انتشار كورونا.
– أكد فيروس كورونا عدم قدرة أي دولة على مواجهة هذا الوباء بمفردها، خاصة بعد انهيار النظام الصحي في العديد من الدول، رغم أنها من المفترض الأكثر قدرة على المواجهة، إذ تمتلك أنظمتها الطبية سمعة عالمية لطالما كانت مصدر فخرها واعتزازها، لدرجة جعلت العديد من الدول الأخرى تسعى إلى شرائها وتطبيقها قبل اختبار كورونا العملي لقوتها المزعومة، لقد بدت تلك الأنظمة وهي تواجه الفيروس كأنها مجرد بالونات ضعيفة في مواجهة إبر حادة مسنونة.
– أغلقت دول الاتحاد الأوروبي الحدود فيما بينها، وقامت بتأمين المخزون الاستراتيجي للمستلزمات الطبية الحيوية، سواء الأجهزة أو الأدوية، ولكن الإجراءات لم تكن كافية، إذ أصبحت مستشفياتها غير قادرة على إنقاذ المرضى، بعد أن تزايدت الأعداد بدرجة تفوق القدرة الاستيعابية للغُرف والأسرَّة.
– لم يساند أحد من الاتحاد الأوروبي إيطاليا وإسبانيا بعد إعلانهما الاحتياج للمساعدة الطبية. ووصل الأمر إلى قيام بعض جيرانهما بالسطو على أجهزة طبية وأدوية كانت في طريقها إليهما.
– لم يحدث انهيار اقتصادي مباشر، رغم ما جرى للعديد من دول العالم من جرَّاء كابوس كورونا، وبشكل عام.. مثلما خسر البعض، حقق البعض الآخر مكاسب ضخمة، فمثلًا تراجعت أرباح شركات النقل والسياحة – داخليًّا وخارجيًّا – وبالتبعية الطيران والفنادق والمطاعم، ولكن تعاظمت أرباح شركات الـبيع عبر الإنترنت On Line مثل Amazon، وشركات التكنولوجيا والتطبيقات Application والألعاب الإلكترونية والمنصات الإلكترونية Platform. كما استطاعت نتفلكس Netflix استقطاب 16 مليون مشترك جديد خلال الربع الأول من 2020 ليصل إجمالي عدد المشتركين على مستوى العالم إلى 183 مليون مشترك.
مشكلات وتحديات
* فرض حظر التجوال والتباعد الاجتماعي ومنع التجمعات والفعاليات وإجراءات العزل المنزلي التي فرضتها العائلات على أنفسها.. أسهمت في عودة تجمع أفراد الأسرة لفترات زمنية طويلة، بشكل أعاد أجواء التماسك الأسري. والاختبار الحقيقي هو مدى الحفاظ على استمرارية هذه الأجواء فيما بعد كورونا، وتراجع الأمراض النفسية التي اقترنت بها، وإذابة المزيج الثقيل للمشاعر السوداء، القلق والإحباط والاكتئاب والخوف والهلع.
* تغير العالم، وازدادت شراسته في أزمة كورونا، بعد أن اضطرت العديد من الشركات غير الحكومية إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية صادمة، سواء بتسريح كل أو بعض العاملين فيها، أو بخفض الرواتب الشهرية، أو بغلق فروع ومكاتب ترشيدًا للنفقات، والنتيجة النهائية فقد الملايين على مستوى العالم مصدر دخولهم وزيادة نسبة البطالة، تزامنًا مع تراجع حركة التجارة الدولية، وزيادة معدلات الشراء والتخزين.
* تغيَّر سلوك الاستهلاك لدى العديد من فئات المجتمع في استهلاك السلع وتخزينها. إذ قرأنا عن نفاد سلع نتيجة الإنفاق المرتفع للمستهلكين القادرين على تحدي القوة الشرائية، من جانب، وركود سلع أخرى نتيجة استغناء البعض تدريجيًّا عنها، من جانب آخر، وهكذا أصبحت هناك فئتان، لا تستطيع إحداهما مواكبة هذا الشكل من الإنفاق الباذخ، وبالتالي زيادة معاناة الفئات الأقل دخلًا.
* حدوث انخفاض ملحوظ في نصيب الخدمات الشخصية في بعض القطاعات، مثل السفر والتعليم المباشر، وتزايد الاعتماد على الخدمات الرقمية، وما ترتَّب على ذلك من تغييرات في طريقة تنظيم هذه الخدمات وتقديمها.
* الشك في عودة الكثير من الوظائف الخدمية، واستبدالها بتيسير الإجراءات إلكترونيًّا.
توقعات ما بعد كورونا..
أولًا: لن تكون الحياة على حالها بعد انتهاء أزمة كورونا، وسيكون هناك تقييم وإعادة نظر في أسلوب الحياة والإجراءات الوقائية والصحية، وكذلك إعادة نظر في مفهوم العمل بشكله التقليدي المرتبط بالتواجد ساعات محددة يوميًّا، وتقليص الإدارات، والنظر إلى الإنتاج بعين الاعتبار أكثر من التواجد لمدد طويلة في المؤسسات، وهو ما سيتطلب تغيير آليات العمل والتوظيف والاستهلاك والتنقل، خاصة بعد ثبوت إمكانية الاستثمار الإلكتروني، إذ صار العمل عن بُعد (في المنازل) واقعًا، كما أصبح أمرًا عاديًّا عقد اجتماعات الرؤساء والوزراء والشركات والمؤسسات، اعتمادًا على التطبيقات التكنولوجية مثل Zoom، وكذلك أمكن الاكتفاء بالتعليم عن بُعد، لعدد من المراحل الدراسية سواء في المدارس أو الجامعات.
ثانيًا: تسبب وباء كورونا في انخفاض الإنتاجية وزيادة الديون وفقد كثيرين لوظائفهم، وهؤلاء تحديدًا في أمسِّ الاحتياج إلى سيناريوهات إنقاذ. لقد سرَّع وباء كورونا من وتيرة انتقال العالم إلى احتكار العولمة الجديدة للمجال العام، خاصة بعد تعزيز آليات الاقتصاد الرقمي، والتحول إلى التجارة الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، وتزايد العاملين في تلك الشركات، والترسيخ القوي للتعامل بكروت الائتمان، وفي المقابل تحجيم التعامل بالمدفوعات النقدية. إنها بداية ظهور نمط اقتصادي جديد يفرض نفسه بمفاهيم مختلفة، وآليات عمل، وأنماط استهلاكية ستُغيِّر من شكل الحياة كما نعرفها الآن.
ثالثًا: من المتوقع أن تتغير المجتمعات بعد هذا الوباء، كما ستتأرجح الدول بين أن تكون أكثر توحدًا وعزلة، أو انفتاحًا، من خلال صناعة سياسات عُليا مناسبة، وإجراءات وقرارات تحكمها قطعًا المصلحة المباشرة لكل دولة. وستزيد مساحة استخدام أدوات المراقبة لحماية المدنيين، وما يمكن أن يحدث من تجاوزات ضد مفهوم حقوق الشخصية بوجه خاص، وحقوق الإنسان بوجه عام، وسيتم إعادة تشكيل العلاقات الدولية ومفهوم التوازنات الكبرى بين الدول.
وفي نهاية المطاف، لا بد من التفكير بعقلانية، فيما يجري، ومضاهاتها بسيناريوهات شبيهة، وقتها سنصل إلى حقائق بسيطة، فدائمًا ما تتجاوز الحياة الأزمات والكوارث والأوبئة، ودائمًا ما يخرج الإنسان من تحت الأنقاض، متعثرًا وجريحًا، لكنه يستطيع الوقوف على قدميه، خالقًا آلاف الفرص والبدايات الجديدة.
الأوبئة العالمية خلال 100 سنة
مصطلحات كورونا
“لا بد أن يحدث ما يسمَّى بالاعتماد المتبادل حيث انتهى عصر الاستقلال…
الآن نحن في عصر الكل يتحمَّل فيه المسئولية، فلا يوجد ضعيف أو قوى، ولا بد من الاعتماد المتبادل، وهو قيام كل طرف بتقديم ما يستطيع للآخر، فلا يمكن لكل منهما أن يستغنيا عن بعضهما البعض، وبعد انتهاء أزمة كورونا وحلّها بالاعتماد المتبادل سنكتشف أن هناك مؤسسات لم تعد لها قيمة، إذ يبدو أننا نتجه إلى عصر يُشكّل فيه الفرد مؤسسة كاملة، بمعنى أن الفرد سيتحمل مسئولية كونية لا فردية”.
الفيلسوف المصري د. مراد وهبة
نقطة ومن أول السطر..
سيتغيَّر العالم وتحدث تحولات كبرى، ولكنه لن يكون في كل الأحوال غريبًا عنا أو لم نرَ ملامحه من قبل، فالإنسان هو الأصل، وهو الذي يواجه للبقاء ويتحدى للاستمرار.