اسم الكاتب :القس سامح إبراهيم
“الإنجيل في سولينتينام” The Gospel in Solentiname، عملٌ ثوريٌّ قامت به مجموعةٌ ثائرة على القهر والفقر والظلم. أمّا العملُ نفسُه فهو عبارة عن تفسيرات وتعليقات على نصوص الأناجيل الأربعة، كُتب في الأصل بالإسبانية ثم تُرجم للإنجليزية في أربعة مجلدات (سأعتمد في دراستي هنا على ترجمة Donald Walsh الإنجليزية). أمَّا القائمون على العمل فهم مجموعة من القرويين والفلاحين البسطاء في جزر سولينتينام في دولة نيكاراجوا، بأمريكا اللاتينية، تحت قيادة وتوجيه الشاعر والكاهن الكاثوليكي إرنستو كاردينال. كان العمل ثمرةَ تأملاتٍ ولقاءات منتظمة قام بها هؤلاء الفلاحون البسطاء في نهايات الستينيات وبدايات السبعينيات، أثناء ثورة البلاد على حُكم طاغية نيكاراجوا الشهير أناستسيو سوموزا.
في مقدمة العمل، يروي إرنستو كاردينال ظروف نشأة هذا العمل قائلًا:
في سولينتينام، وهو أرخبيل [= مجموعة جزر] ناءٍ في بحيرة نيكاراجوا سُكانه فلاحون، بدلًا من تقديم عظة من الإنجيل كلَّ يومِ أحد، كنا نُقيمُ حوارًا. إنَّ تفسيرات الفلاحين كانت في أحيانٍ كثيرة أكثر عمقًا من تفسيرات العديد من اللاهوتيين، لكنّها بسيطة مثل بساطة الإنجيل نفسه. هذا ليس مفاجئًا فالإنجيل أو “الخبر السار” (للفقراء)، كُتب لهم، وكُتب بواسطة أناسٍ مثلهم (Ernesto Cardinal, The Gospel in Solentiname, trans. Donald D. Walsh, vii ).
يواصل كاردينال قائلًا إنّه كان يقود المناقشات التي كانت تتم في كنيسة سولينتينام، أو في كوخٍ مقابل الكنيسة، كان يُستخدم لتناول وجبة الغداء الجماعية التي تتم بعد القداس، أو في أحد البيوت. سجّل كاردينال هذه التفسيرات على أشرطة الكاسيت ثم طبعها لاحقًا في هذه المجلدات الأربعة في السبعينيات. في عام 1984 نشر فيليب وسالي شاربر Phillip and Sally Scharper مقتطفاتٍ من هذه المجلدات في كتابٍ بعنوان The Gospel in Art by the Peasants of Solentiname مصحوبة بصور رسمها فلاحو سولينتينام (انظر/ي الصورتيْن بالأسفل). كانت الاجتماعات تبدأ بتوزيع نسخ من نص الإنجيل على من يستطيع القراءة. بعد القراءة، التي يقوم بها عادةً ولدٌ أو بنتٌ بصوتٍ عالٍ تبدأ الحوارات، التعليقات، والتفسيرات آيةً فآيةً، وفي تسجيله للمناقشات عادةً ما يشير كاردينال لاسم صاحب/ صاحبة التعليق. في وصفه لأرخبيل سولينتينام، يقول إنه يتكون من 38 جزيرةً صغيرةً، أكبرها فقط كانت مأهولة بالسكان وعددهم حينها كان حوالي ألفَ نسمة يُكوِّنون 90 أسرةً، وبيوتهم كانت بسيطة جدًّا عبارة عن أكواخ من القش، معظمهم يشتغلون بالزراعة أو الصيد.
ينتمي “الإنجيل في سولينتينام” للاهوتِ التحرير الذي نشأ في أمريكا اللاتينية وساد فيها وساهم في تطويرها تطويرًا كبيرًا. حتى فترة قريبة كان اعتمادُنا في دراسة لاهوت التحرير على كتابات الأب وليم سيدهم اليسوعي، وخاصةً كتابه “لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية: نشأته. تطوره. مضمونه” (دار المشرق، 1993) والكتيب المختصر للدكتور القس صموئيل حبيب “لاهوت التحرر: دراسة وتقييم” (دار الثقافة، 1994). قدمت دار الأكويني للنشر خدمةً عظيمة للقراء العرب حين نشرت في 2016 ترجمةً عربية للكتاب الأهم على الإطلاق في لاهوت التحرير وهو كتاب “لاهوت التحرير: التاريخ والسياسة والخلاص“، الذي كتبه جوستاﭬو جوتييرث، وهو من أبرز مؤسسي لاهوت التحرير، ثم نشرت الدارُ نفسُها في عام 2019 كتاب “مزامير سياسية” لإرنستو كاردينال. أتمنى أن تتبنى دار نشرٍ عربية ترجمة عمل كاردينال المهم هذا “الإنجيل في سولينتينام“.
في المجلد الأول، والصفحات 1–100 من “الإنجيل في سولينتينام“، يسجل لنا كاردينال 11 حوارًا حول نصوص التجسد والميلاد المسجلة في إنجيليْ متى ولوقا وعلى رأسها تفسير مقدمة يوحنا (يوحنا 1: 1–18). يُرسم يسوع طوال هذه الحوارات باللقب “المحرر” ويحتفي فقراء سولينتينام بميلاد يسوع فقيرًا من عذراء فقيرة في ظروف تعيسة وقاسية، يروْن أنها لا تختلف كثيرًا عن ظروفهم. تلتف الجماعة كلها حول إرنستو كاردينال، بل بالأحرى حول طفل الميلاد بطريقة تُظهر عُمقًا وإخلاصًا لا مثيل لهما. أُلخص هنا مثلًا من تفسيرهم للبشارة (لوقا 1: 26– 36):
هذا التفسير كان في كوخ الاجتماع، مقابل الكنيسة، تناولنا الغداء معًا. كان الغداء من الأرز والحبوب وسلحفاة كانت ناتاليا قد طبختها. قرأت جلوريا، وهي أصغر الفتيات سنًّا، نص الإنجيل. بعد ذلك بدأنا نفسر الآيات.
قال عجوزٌ اسمه توماس بينا: إنَّ الملاك يُهنئ مريم لأنها ستُصبح أم المسيا وهو يُهنئُنا نحن أيضًا لأنه يقصد أنَّ المخلص لن يولد وسط الأغنياء بل بيننا نحن الشعب الفقير.
قال فيليكس: إنَّ المسألة هنا هي أن المحرر كان يجب أن يولد بين المقهورين المضطهدين.
قالت أوليفيا: إنه سوف يحرر الفقراء والأغنياء على السواء. سوف نتحرر، نحن الفقراء، من الأغنياء، بينما سوف يتحرر الأغنياء من ثرواتهم وغناهم لأنهم عبيدٌ أكثر منا.
إرنستو كاردينال: إنَّ الاسم “يسوع” عادة ما يُترجم إلى “مُخلِّص” أو “خلاص”، لكن الآن يُمكن أن نترجمه ترجمةً أفضل ليعني “مُحرر/Liberator” أو “تحرير/Liberation”. الاسم العبري هو يشوع، والذي يعني “يهوه يحرر” أو “يهوه تحريرٌ”.
أضاف آخر: الله دائمًا يُعلن نفسه على أنه محرر الشعب مثلما في حالة موسى والشعب الذي حرره من فرعون. يهوه محرر. الآن في يسوع يعلن أنه محرر ويعلن أن هناك حُكمًا وملكوتًا جديدًا قد تأسس وهو ملكوت الفقراء (The Gospel in Solentiname, 13–18).
في الاجتماع التالي فسروا كلام الملاك ليوسف في متى 1: 18–25 وقد طرحوا سؤالًا حول كلام الملاك “يخلص/ يحرر شعبه من خطاياهم” (مت 1: 21) وهو هل كان يسوع محررًا سياسيًّا؟ كانت واحدة من الإجابات هي نعم ولا. لا، ليس محررًا سياسيًّا مثل أي محرر سياسي قد يطمح في الاستيلاء على السُّلطة. ونعم، لأنه كان محررًا سياسيًّا حقيقيًّا يرغب في تحرير الناس من الخطية والظلم. في تفسير هذا النص، يتم التأكيد على معنى اسم “عمانوئيل” ويُترجم تحديدًا ليعني “الله مع الفقراء”. كان يسوع نجارًا، واحدًا من الفقراء، فالتحرير يأتي من الفقراء (The Gospel in Solentiname, 19–24).
من يقرأ/ تقرأ هذه التفسيرات يلاحظ/ تلاحظ على الفور صبغتها السياسية والاجتماعية. أنا مدينٌ للدكتور Brian K. Blount الذي فتح عينيَّ على هذا العمل الرائع أثناء قراءتي لكتابه المهم Cultural Interpretation وقد خصص الفصل الثالث منه لتحليل “الإنجيل في سولينتينام”، مُعتبرًا إياه نموذجًا بارزًا لتأثير الظروف الاجتماعية- السياسية على قراءة نصوص الكتاب المقدس. يُصبح الفقر والقهر الذي يعانيه هؤلاء الفلاحون عدستيْن بهما تُفسر النصوص الكتابية. مثلًا، تُفسر الخطية تفسيرًا اقتصاديًّا على أنها الأنانية، وفسروا المحبة على أنها المشاركة (Blount, Cultural Interpretation, 41–54). بالتالي لا يفصل هؤلاء الفلاحون بين ظروف كتابة النص وظروفهم. النص يُجسِّد مآسيهم وهم يرون أنفسهم حاضرين فيه، إنْ جاز التعبير، يرون أنفسهم بوضوح شديد فيه كأنهم ينظرون في مرآة. انظر/ي مثلًا كيف رسموا، بالكلمات كما بالصورة، يسوع المصلوب وهو يرتدي ثيابهم البسيطة (صورة 2) أو كيف صوروا مذبحة أطفال بيت لحم، حيث رسموا بيوت بيت لحم كأكواخ من قش، تُشبه بيوتهم في سولينتينام، وجنود هيرودس يُرسمون وهم يحملون أسلحةً نارية بملابس تُشبه ملابس جنود الديكتاتور سوموزا (صورة 2). أقدّمُ هنا مثلًا آخر يوضح انغماسهم في النص، وتجسد النص والمسيح في ظروفهم، وهو تفسيرهم، مع مقدمة كاردينال كالمعتاد ومشاركته، لأغنية مريم (لوقا 1: 46– 55):
أتينا إلى ترنيمة مريم وقد كانت مُرعبة للقياصرة الروس، وسمّاها موراس [شاعر وسياسي فرنسي] “بذرة ثورة” وهي بمثابة ترنيمة للفقراء، يطيب كثيرًا لفقراء نيكاراجوا أن يتغنوا بها مُغرمين بترديدها. إنها صلاة الفقراء، حتى الذين يؤمنون بالسحر والخرافات يحملونها كتعويذة. قرأتْ شابةٌ صغيرة اسمها إسبيرانزا النص وبدأت النساء في التعليقات.
قالت واحدة: مريم تسمي اللهَ “المخلص”؛ لأنها تعرف أنَّ الابن الذي أُعطِي لها سوف يأتي بالتحرير.
قالت أخرى، وهي شابة متزوجة: لقد امتلأت مريم بالفرح والابتهاج. . . لقد أدركتِ التحرير. نحن يجب علينا أن نفعل الأمر عينه. التحرير يكون من الخطية، أيْ من الأنانية، من غياب العدالة، من البؤس، من الجهل- من كل شيءٍ قهري.
قالت تيريسيتا [تعليقًا على قول مريم “نظر إلى اتضاع أمَتِهِ”]: حين اعتبرت مريم نفسها “أمة”، فهي تضع نفسها إلى جوار المقهورين. ولو كانت اليوم بيننا لقالت: أنا من طبقة العُمّال أو أنا من فلاحيْ سولينتينام.
واحدة من البنات قالت: قالت مريم إنها فقيرة ورأت أنَّ الله وضع في اعتباره “فقر أمته”، أيْ أنَّ الله اختارها لأنها فقيرة. لم يختر سيدة أو ملكة، لكنه يُفضِّل الفقراء. إنه يفضلنا نحن الفقراء.
ماريتا ختمت التفسير وقالت [تعليقًا على الآية “أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين”، وقد اعتبرها كثيرون منهم أنها آية تؤكد انحياز وتفضيل الله للفقراء الضعفاء]: إنَّ مريم هنا تتغنى بالمساواة حيث مجتمع بدون طبقيةٍ، الكلُّ متساوٍ (The Gospel in Solentiname, 25–32).
نلاحظ مما سبق من أمثلة ثلاثةَ أمورٍ مهمة وحاسمة في قراءة فلاحيْ سولينينام للإنجيل، بل وفي لاهوت التحرير عامة. أولًا، يشترك الكلُّ في تفسير الإنجيل. لا يشترك الكاهن إرنستو كاردينال فقط، لا يتكلم وحده وهم يكتفون بالإصغاء. الكبار والصغار، النساء والرجال يشاركون في عملية التفسير. الجماعة كلها تقرأ وتتفاعل مع النص. جماعة الفقراء أنفسهم يشاركون في عملية التفسير، كما يتوجب عليهم المشاركة في تحرير أنفسهم. ثانيًا، تنطلق تفسيراتهم من الواقع، أعينهم مفتوحة على واقعهم، كما على النص. آذانهم وقلوبهم تتعلق بالنص المقدس والواقع والظروف المحيطة. تُعوزني المساحة هنا لأقدم أمثلةً على قراءتهم الثاقبة للواقع والنص. ثالثًا، تأخذ مسألةُ انحياز الله لصف الفقراء والمقهورين لتحريرهم المركزيةَ في تفسيرهم.
هذه الملاحظات يؤكد أهميتَها كثيرون من المتخصصين في لاهوت التحرير. مثلًا، من يقرأ/ تقرأ الكتاب الأساسي لهذا الفكر اللاهوتي، أقصد كتاب “لاهوت التحرير”، لجوتييرث، أو من يقرأ مقالة “The Hermeneutics of Liberation” وهي مقالة بالغة الأهمية لـ David Tombs، تقع في الصفحات 310–355 في كتاب Approaches to New Testament Study سيلاحظ هذه المبادئ الثلاثة حاضرة بوضوح. يذكر Tombs أنَّ لاهوت التحرير قد أسقط الجدار الفاصل بين ما هو أكاديمي وما هو شعبي، هذا الفصل مرفوض في لاهوت التحرير. لا يبدأ تفسير النص من أكاديميين متخصصين يعرضون فكرهم على جماعة دون مشاركة من هذه الجماعة. جماعة الإيمان تساهم بخبراتها ورؤاها وبهذا تتحدى اللاهوتيين المتخصصين في طريقة تفسيرهم للكتاب. المتخصصون يوجّهون الجماعة ويُصوِّبون فهمها للنص (Tombs, 328, 340). جوتييرث يُصر على مشاركة الفقراء والمطحونين قائلًا: “لا يحتكرُ تفسيرَ الإنجيل أصحابُ السلطة من حكام ورجال دين تابعين لهم كما كان يحدث” (جوتتيرث، لاهوت التحرير، 412. ترجمة جان رزق الله والأب جون جبرائيل الدومنيكاني. القاهرة: دار الأكويني، 2016). المبدأ الثاني والثالث، أيْ الانطلاق من الواقع والانحياز للفقراء، عنصران أساسيان في لاهوت التحرير عامة. يقول جوتتيرث: “إنَّ إعلان كلمة الله في عُزلة عن الواقع المُعاش سوف يُفقِد كلمة الله وقعها التحريري وبُعدها المليء بالرجاء” (لاهوت التحرير، 410). وقد خصص أجزاء طويلة للتأكيد على العلاقة بين الكنيسة والمجتمع (مثلًا الصفحات 122–141) وهو يصف هذه العلاقة على أنها “العلاقة بين الإيمان والكيان البشري، وبين الإيمان والواقع الاجتماعي، وبين الإيمان والعمل السياسي، أو بعبارة أخرى، العلاقة بين ملكوت الرب وارتقاء العالم” (لاهوت التحرير، 123–124). يؤكد Tombs أيضًا الأمر نفسه، فلاهوت التحرير منفتح على الحياة والواقع. يورد تومس رأيَ أحد لاهوتي التحرير، وهو اللاهوتي السلفادوري Jon Sobrino، والذي يرى أن كلَّ اللاهوت المسيحي الحديث نشأ في حدود حركة التنوير، لكن بينما تأثر اللاهوت الأوربي بإمانويل كانت تحت شعار “تحرير العقل من كل سُلطة” وصارع اللاهوت الغربي مع قضية “موت الله”، تأثر اللاهوت اللاتيني بكارل ماركس الذي سعى ليس فقط لتحرير العقل بل للتحرير من بؤس العالم الواقعي وناضل هذا اللاهوت مع قضية “موت الإنسان المقهور” (Tombs, 327–28).
المبدأ الثالث الحاسم الذي نراه واضحًا هو الانحياز للفقراء والضعفاء والمقهورين لتحريرهم وتغيير واقعهم المرير. نرى الدفاع عن الفقراء واضحًا في كتابات لاهوتيْ أمريكا اللاتينية. مثلًا، في كتابه “مزامير سياسية“، وهو مجموعة من القصائد مستوحاة من المزامير وقد ترجمه للعربية الأب جون جبرائيل الدومنيكاني، يقول إرنستو كاردينال في قصيدة مستوحاة من مزمور 9:
أنت تدافعُ عن فقرائها
ولا تنسى عناء مساكينها.
انظرْ إليَّ يا ربّ،
وأنا في معسكر الاعتقال
مزق الأسلاك الشائكة،
انتشلني من أبواب الموت.
يعتبر جوتييرث حدثَ الخروجِ من مصر حدثًا كاشفًا يُبيّن انحياز الله للمقهورين والعمل على تحريرهم وبالتالي “الله الذي نعرفه في الكتاب المقدس هو إلهٌ محرر” (لاهوت التحرير، 221)، وأنَّ يسوع في حياته وخدمته “أعلن تفضيله الجذري للفقراء والمحرومين والمستضعفين” (لاهوت التحرير، 365). يرى فلاحو سولينتينام ميلاد يسوع فقيرًا دليلًا على انحياز الله لصفهم ولقضيتهم. يسمون يسوع “المحرر”، كما أوضحنا، وهو اللقب الكريستولوجي الأهم في لاهوت التحرير، كما يوضح تومس (Tombs, 335)، يؤكد Jon Sobrino في كتابه Jesus the Liberator أن يسوع يُرى ويُحب كالمحرر. المسيح يُرى فوق كلِّ شيء كالمحرر، وهو أمر يؤكده العهد الجديد نفسه حيث يسوع الناصري أُرسل “لأبشر المساكين لأنادي للمأسورين بالإطلاق” (لو 4: 18) (Sobrino, 12).
يسوع كمحرر للإنسان، كانت حياته كلها في خطر، بدأت بمحاولة هيرودس قتله بحسب إنجيل متى 2: 12–23، الذي كان تفسير إرنستو كاردينال وفلاحي سولينتينام له كالتالي:
قبل قداس هذا الأحد بقليل كانت هناك دورية للحرس الوطني تفتش بيوتنا. الأحكام العرفية فُرضت في البلاد، مع تعليق الحريات الشخصية. بعض الناس بدا عليهم الخوف قليلًا، لكن الأطفال كانوا يندفعون بفرحٍ في أرجاء الكنيسة مُحدثين ضوضاء كثيرة جعلتنا في بعض الأحيان نسمع تفسيرات هذا النص بصعوبة. قرأت ميريام النص. كان أخي فيرناندو، وهو كاهن يسوعي، من بين الحضور.
قال فيرناندو: . . . أعتقد أيضًا أننا لوقتٍ طويل كنا نُسيء قراءة الإنجيل، نفسره فقط بمعنًى روحيٍّ خالصٍ، مستبعدين كل ظروفه الاجتماعية والسياسية. . . وبالتالي نحن نُجرِّدُ الإنجيل من واقعيته. حين جاءت دورية الجيش اليوم، أدركت أيّة أحوال واقعية جدًّا وقاسية يقدمها الإنجيل لنا هنا: القمع. يمكن لنا أن نتخيل ماذا يعني هذا: الرحيل ليلًا، الاختفاء بخوفٍ شديد، ترك كل شيء خلفهم، حتمية الوصول للحدود لأنهم كانوا مُلاحَقين.
قال ولدٌ: ما يحدث الآن في بلادنا يُشبه تمامًا ما حدث مع الطفل يسوع. معدلات موت الأطفال مُرتفعة، هناك كثيرون يموتون أو يعانون سوء التغذية.
كاردينال: هناك الكثير من عائلات المزارعين الذين دُفعوا لترك منازلهم في أجزاء كثيرة من نيكاراجوا، هاربين من البؤس والجوع، أو لأنهم طُردوا من أراضيهم، أو لأن الحرس الوطني قتل قادة المزارعين وحرق بيوتهم الريفية، واغتصب نساءهم وسجن عائلاتٍ كاملة وعذبها. إن مناظر العائلات الهاربة، الأمهات اللاتي تحملن أطفالهن على أذرعهن، تُشبه تمامًا هرب عائلة يسوع إلى مصر.
لوريانو: أتذكر ما حدث في تشيلي حيث قتلوا آلاف الناس لأن الحرية كانت تُولد هناك. كثيرٌ من الناس أُخذوا في طائرات لأعلى وأُلقوا في البحر، لكنهم لم يستطيعوا أن يسحقوا الحرية، تمامًا مثلما لم يستطع هيرودس أن يسحق يسوع.
إلفيس: إنَّ ميلاد يسوع هو ميلاد الثورة.
فيليب: رغم إن يسوع كان فقيرًا جدًّا، لكنه كان قويًّا لدرجة أنه جعلهم يرتعبون.
كاردينال: لقد وُلد يسوع في الناصرة، وهي قرية صغيرة لم تُذكر أبدًا في العهد القديم. وقد استخدم أعداؤه لاحقًا الكلمة “ناصري” كسخريةٍ منه ومن وضاعةِ أصله.
جلوريا: أن تقول “من الناصرة”، كأنْ تقول “من سولينتينام”.
جوسيه: لقبه “الناصري” يعني أنه رجل الشعب. (The Gospel in Solentiname, 70–86).
إنَّ ما نقلتُه من مقتطفات من هذا العمل الرائع “الإنجيل في سولينتينام”، يتحدانا على أكثر من مستوى. على اللاهوتيين والأكاديميين أن ينقلوا اللاهوت للشعب، وأنْ يُشرِكوا الناس في التفكير اللاهوتي. كان هؤلاء الناس في سولينتينام مُخلصين للكتاب المقدس والمسيح، ومُدركين لما يحدث حولهم في البلاد. كانت قصة تجسد المسيح وميلاده داعمةً لهم في ظروفهم القاسية. في النهاية، قد نتفق أو نختلف معهم في فهمهم للكتاب المقدس، وهو أمرٌ طبيعي أن يؤخذ من كلامهم وأن يُرد عليهم. لكن مهما يكن من أمر، هذه التفسيرات تتحدانا كي نُخلص في تفسيرنا للكتاب المقدس، نبحث فيه عن يسوع، لكي نلتقي به، ونبحث عن فهم واقعنا، علّنا، بمعونته، نقدرُ على تغييره.

(صورة 1: قتل أطفال بيت لحم على يد هيرودس، مأخوذة من The Gospel in Art by the Peasants of Solentiname. Edited by Phillip and Sally Scharper)

(صورة 2: صلب يسوع، مأخوذة من كتاب The Gospel in Art by the Peasants of Solentiname)
اسم الكاتب :القس محسن منير
قبل البدء في أي حديث أو الخوض في أية تفاصيل ترتبط بموضوع البحث، لا بد من وجود تعريف واضح للكلمتين الأساسيتين اللتين تشكلان موضوع البحث، وهما “الدين”، و”السياسة”. فلم يكن الجدل حول علاقة الدين بالسياسة جديدًا، بل هو قديم قدم الدين والرسالات السماوية وأديان ما قبل التاريخ، وهذا الجدل يعود لنوعية الدور الذي جاء الدين لتجسيده على أرض الواقع، ولنوعية السلوك الذي انتهجه المتدينون استنادًا إلى انتمائهم للدين.
“السياسة” لغويًّا من مصدر هو فِعَالة. وهو مأخوذ من الفعل “ساس” ومضارع الفعل “يسوس”، وسَاسَ الناسَ أي من تولى رياستهم وقيادتهم، وساس الأمور: دبرها وقام بإصلاحها. واصطلاحًا تعني رعاية شؤون الدولة الداخلية والخارجية. وتعبر السياسة عن عملية صنع قرارات ملزمة لكل المجتمع، تتناول قيم مادية ومعنوية وترمز لمطالب وضغوط وتتم عن طريق تحقيق أهداف ضمن خطط أفراد وجماعات ومؤسسات.
“الدين” في اللغة من الفعل دَانَ: خضع وذل وأطاع- الدِّين: اسم لجميع ما يُتديِّن به والجمع أديان- وفي الاصطلاح العام هو ما يعتنقه الإنسان ويعتقده ويدين به.
والآن يمكننا أن نبدأ في دراستنا التفصيلية للموضوع وسيتم هذا تحت عنوانين رئيسيين:
(١) أفكار ومبادئ عامة.
(٢) تناول مسيحي لقضايا سياسية.
أولاً: أفكار ومبادئ عامة:
في عام ١٩٩٩، التقى في طشقند [عاصمة دولة أوزبكستان] ممثلو الديانات والثقافات الكبرى في العالم في مؤتمر دولي تحت عنوان “الدين والديمقراطية” بمشاركة نخبة من المتخصصين الذين اجتمعوا لمناقشة قضية العلاقة بين الدين والسياسة، وهي القضية الرئيسية للمؤتمر، والتي تفرعت منها قضايا تفصيلية مثل ارتباط حركات العنف السياسي بالدين، أشكال العنف الديني، أثر الدين في الممارسات السياسية. وبعد ثلاثة أيام من المناقشات المستفيضة، انتهى اللقاء ببيان تاريخي عُرف “بإعلان طشقند”.
كان هذا الإعلان يدعو إلى الفصل بين جوهر الدين وظواهر العنف باسم الدين، وكان يدعو إلى توجيه الأنظار نحو مَوَاطِن التسامح في الديانات. ومع أن الإعلان تم تعميمه على نطاق واسع وحظي بتغطيةٍ إعلاميةٍ كبيرةٍ واهتمامٍ سياسيٍّ كبيرٍ في العديد من الدول، إلا أن السنوات الثلاث التالية له شهدت استمرارًا لعمليات العنف الديني، والعنف باسم الدين، ودخل العالم في دوامات من العنف والعنف المضاد. لكن ذلك الوضع يجب ألا يحول دون مداومة النظر في تلك القضية المحورية المركزية في هذا الشأن وهي “التماس بين دائرتي الدين والسياسة”. ومع إدراكنا لهذه العلاقة الجدلية بين الدين والسياسة نرى أنه لا بد من محاولة استشراف أفق التعايش السلمي والتوازن العادل بينهما حتى نحول دون دخول الطرف الثالث المرفوض [العنف] في هذه الدائرة.
إلا أنه توجد بعض الأفكار التي يمكن أن تساهم في وجود حلٍّ للخروج من هذا المأزق. وعلى سبيل المثال، إدراك أن المرجعية “المدنية” لا تتجاهل المرجعية “الدينية” إذا تحقق الاجتهاد المستنير القادر أن يوائم بين النصوص الدينية الثابتة ومتغيرات العصر. وثانيًا يحتاج الأمر إلى فهم عميق متبادل لطبيعة ما هو ديني وما هو سياسي. ولن يأتي هذا الفهم إلا بالاعتراف المتبادل بمشروعية النظرة السياسية [النسبية] وضرورة الرؤية الدينية [المطلقة] بالنسبة لمعتنقي هذا الدين داخل كل مجتمع، ولا بد من تكريس هذا الوعي لدى أفراد المجتمع وتأكيده ببرامج تثقيفية ومناهج تربوية توضح ذلك التلازم [النسبي/ المطلق] وتكرس تكاملهما في التفاعل المجتمعي. ثم ثالثًا إدراك أن كل طرح ينفي أحدهما [السياسة، الدين] على حساب الآخر هو طرح زائف ومدمر. بمعنى أن السياسة [المُعتَرف بمشروعيتها] لا يجوز لها أن تسعى لنفي الدين [المُعتَرف بضرورته] لصالحها، وفي المقابل فإنه من الطبيعي والمشروع أن يسعى الفكرُ الديني لتأكيد ذاته بالتعمق في الخبرة الروحية لكن ليس أبدًا بمحاولة الإزاحة المستمرة لدائرة السياسة انطلاقًا من الظن أن كل الحلول الصائبة في كل الموضوعات -حتى السياسة منها- في يد الدين دون الحاجة إلى غيره.
وهذا الأمر الأخير ليس مجرد افتراض ظني وخيالي، وليس مجرد وهم، بل هو تجربة تاريخية طويلة في كلٍّ من المجتمعات المسيحية والإسلامية. فعلى البعد الإسلامي هي تجربة استمرت زهاء ثلاثة عشر قرنًا من الزمان، وما انتهى إليه هذه التجربة كان سيئًا ولم تمثل أبدًا نموذجًا يُحتَذَى أو مثالاً من المستحب تكراره. ولقد أشارت الأستاذة الكاتبة الصحفية القديرة سحر الجعاره في مقال لها بجريدة “الوطن” المصرية في ٢٩/ ٩/ ٢٠٢٠ تحت عنوان “رؤية «بحيري» تركيا بمنهج الشيطان”- أشارت إلى ما يعني أن التاريخ يشهد بوضوح أنه بدءًا من سياسات الدولة الأموية قديمًا وحتى أحلام »أردوغان» التوسعية حاليًا أن »السُّلْطة» هي كلمة السر.. فهي تجسد المحاولات التي لا تتوقف من مرتدي عباءة الدين في امتلاك السلطة السياسية.
وسأتعرض عند الحديث في »تناول مسيحي لقضايا سياسية» -وبمزيد من الاستفاضة- إلى التجربة المسيحية التاريخية في السعي لامتلاك السلطة وفرض ما تراه صحيحًا من وجهة نظرها.
لاحظ بعض منظري عصر الإصلاح مثل [زونجلي] أن السياسة والمعتقد الديني -يجتمعان ولا يجتمعان- فهما لا يجتمعان إذا لا يصح إنشاء أحزاب دينية أو التحدث في الأعمال السياسية باسم الكنيسة أو الزج بها كمؤسسة في دهاليز الصراع السياسي، لكن على الجانب الآخر فالمؤمن بمعتقد ديني معين لا يبقى حبيس داره لا يتعامل مع الآخر المختلف، بل هو ينطلق من واقع القيم التي حددتها له مفاهيمه الدينية ليتعامل مع الآخر ويشتبك مع القضايا المجتمعية المثارة.
رأى البعض، انطلاقًا من مفاهيم وتعاليم الكتاب المقدس، إن تعليم يسوع ومثاله يمكن أن يكون له تأثير في إمدادنا بمادة مرشدة وموجهة وملهمة في مجال الأخلاق الاجتماعية، فكلمات يسوع وأفعاله معًا تعلن عن شخصية متماسكة ذات اتجاه وضمير اجتماعي سياسي- وتم وضعها تحت عنوان «تلميذ يسوع وطريق المسيح» حيث يعيش التلميذ نفس السمات التي لسيده. وسنرى ذلك في بعض الأبعاد والمجالات كالآتي:
أ- مشاركة الطبيعة الإلهية كتعريف للوجود المسيحي: ١يو ١: ٥- ٧؛ ١يو ٣: ١- ٣؛ ١يو ٤: ١٧؛ ١بط ١: ١٥- ١٦؛ كو ٣: ٩ مع أف ٤: ٢٤.
ب- اغفروا كما غفر الله لكم: مت ٦: ١٢؛ مت ٦: ١٤، ١٥؛ مت ١٩: ٢٢، ٢٣؛ كو ٣: ١٣.
ج- أحبوا بلا تمييز كما يفعل الله: مت ٥: ٤٣- ٤٨؛ لو ٦: ٣٢- ٣٦؛ يو ٤: ٧- ١٢.
أ- الوجود في المسيح كتعريف للوجود المسيحي: يو ٢: ٦.
ب- الموت مع المسيح ومشاركة حياة القيامة: رو ٦: ٦- ١١؛ رو ٨: ١١؛ غل ٢: ٢٠، مع ٥: ٢٤؛ أف ٤: ٢٠- ٢٤؛ كو ٢: ١٢- ٣: ١.
ج- يحب كما أحب المسيح وبذل نفسه: يو ١٣: ٣٤؛ يو ١٥: ١٢؛ ١يو ٣: ١١- ١٦ مع ٤: ٧- ١٠.
د- يخدم الآخرين كما خدم هو: يو ١٣: ١٤- ١٧؛ رو ١٥: ١- ٧؛ ٢كو ٥: ١٥؛ ٢كو ٨: ٧- ٩؛ أف ٥: ٢٥- ٢٨.
أ- التألُّم مع المسيح كأسلوب حياة: ١كو ١٠: ٣٣؛ ١١: ١؛ ٢كو ١: ٥؛ ٢كو ٤: ١٠؛ في ٣: ١٠، ١١؛ كو ١: ٢٤؛ ١تس ١: ٦.
ب- المشاركة في التنازل: في ٢: ٣- ١٤.
ج- قدم حياتك كما قدمها هو: أف ٥: ١ مع ١يو ٣: ١٦.
د- معاناة الخدمة وليس التطلع للسيادة والسلطان: مت ٢٠: ٢٥- ٢٨؛ مر ١٠: ٤٢- ٤٥.
هـ- يقاسي عداوة العالم كالمسيح: لو ١٤: ٢٧- ٣٣؛ يو ١٥: ٢٠، ٢١؛ في ١: ٢٩؛ ٢تي ٣: ١٢؛ ١بط ٤: ١٣.
و- الموت هو انتصار: ١كو ١: ٢٢- ٢٤؛ كو ٢: ١٥؛ رؤ ١٢: ١٠، ١١ مع رؤ ٥: ٩، ١٠؛ رؤ ١٧: ١٤.
لا شك أن في حياة السيد المسيح وتعاليمه ومواقفه ما يؤكد إدراكه الصحيح لمشكلات الإنسان في كل زمان ومكان وكيفية التعامل الفعال معها. الأمر الذي يجعل المسيحية في جوهرها تعبِّر في صفائها ونقائها عن الإيمان والعقيدة، وأيضًا الممارسة العملية في مواقف الحياة اليومية في المجتمعات مجسدة رؤيتها للقضايا الدينية والدنيوية المختلفة والمتشابكة، فلم تكن المسيحية يومًا سلبيةً ومتقوقعةً في برج عالٍ تطل منه على العالم بما يعيشه من مآسٍ وويلات.
حقًّا، لقد كان قول السيد المسيح: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله» هو القاعدة الأساسية التي اعتمدتها الكنيسة منذ بواكير نشأتها. يقينًا منها أنها بذلك تنقي الكنيسة من شوائب السياسة محافظة على أصالة دورها الروحي والاجتماعي في خدمة الإنسان. ولقد تأكدت صحة هذا الموقف من خلال ما حدث تاريخيًّا عندما سعت الكنيسة في العصور الوسطى إلى فرض وجودها السياسي مع إغفال دورها الروحي، مما سمح بتسرب الفساد لدور الكنيسة؛ حيث طفى الطموحُ السياسي على قادتها الذين نزعوا إلى السيطرة على الأمم والممالك باسم الدين والحق الإلهي، حتى أصبح الاهتمام الأول للكنيسة تحقيق مكاسب سياسية، دنيوية، مادية، وأصبح دورها الروحي مجرد شعار زائف تستخدمه لتحقيق مزيد من المكاسب السياسية المقيتة، مما قاد في نهاية الأمر إلى خلق مناخ من الصراع الخفي والعلني بين الكنيسة والسلطات السياسية. وواضح بالطبع أن كل هذه النتائج المؤلمة المحزنة إنما كانت نتيجة طبيعية وحتمية للفهم الخاطئ لدور الكنيسة في الممارسة السياسية.
إلا أنه مع كل ذلك يبقى من حق المسيحي -بل من واجبه- أن يسهم بكل طاقته وإمكانياته في بناء وتطوير مجتمعه الذي يعيش فيه بالدوافع والأساليب والأدوات التي لا تتنافى أو تصطدم مع قيمه الإيمانية ولا تحيد بالكنيسة عن دورها الروحي المحوري.
ما سبق يقودنا إلى تناول العنوان الثاني «تناول مسيحي لقضايا سياسية»
ثانيًا: تناول مسيحي لقضايا سياسية:
يمثل الدين في حياة وفكر المصريين -والعرب بصفة عامة- ركنا أساسيًّا ومحوريًّا، وإن كان هذا يعتبر أمرًا طيبًا وإيجابيًّا في حد ذاته، إلا أنه في السنوات الأخيرة، منذ أوائل سبعينات القرن الماضي، تحول هذا الأمر في أغلبه إلى منصة إطلاق العديد من الأفكار والممارسات المتطرفة الأمر الذي خلق العديد من المشاكل والأزمات والمخاطر وأصبح -مع كل الأسف- ما كان ينبغي أن يكون دافعًا للتقدم والبناء والإبداع والتطوير [الدين] سببًا أصيلاً في التراجع والانهيار.
سأتناول القيم الثلاث تباعًا مع ربطها بمصادرها الدينية [من وجهة نظر مسيحية].
الحرية هي إمكانية الفرد -ودون أي جبر أو ضغط خارجي- على اتخاذ قرار أو تحديد اختيار، وهي أيضًا حالة التحرر من القيود التي تكبل طاقات الإنسان سواء كانت قيودًا مادية أو معنوية. والحرية يمكن أن تكون فردية بمعنى حرية الرأي وإبداء وعرض وجهات النظر الشخصية، أو جماعية وهي حرية المجتمع ككل.
التنوع: لغويًّا هو تصنيف الأشياء أو صيرورتها أنواعًا. وهو قانون أساسي ومبدئي في الطبيعة بل هو القانون الأساسي للحياة؛ فالبشر متنوعون في الجنس، الصفات البدنية، لون البشرة، الحيوانات في تنوع، النباتات في تنوع، المياه عذبة ومالحة، الأرض جبال ووديان وسهول. يوجد تنوع في الأجناس والأعراق والديانات. لذا فالتنوع أمر واقع بالفعل في أغلب المجتمعات البشرية. على أن مدى قدرة هذه المجتمعات على التعامل الصحيح مع هذه الحقيقة هو ما يؤثر فعليًّا على المجتمعات إيجابًا أو سلبًا. والفارق واضح بين قبول واحترام هذا التنوع مما يخلق فرص التفاعل الإيجابي وبين الصراع والتمزق أو محاولات التذويب والانصهار. ولا يمكن أن نجد القبول والاحترام لهذا التنوع إلا في حالة التحرر الكامل من العنصرية والتي تقوم على الاعتقاد الراسخ بتفوق الذات أو العنصر أو الدين.
ومن المهم الإشارة الضرورية إلى أن احترام وقبول التنوع لا يعني أبدًا التخلي عن المعتقد والإيمان الشخصي أو قبول ذوبانه وتمييعه ليتطابق أو يقترب من معتقدات الآخرين. بل العكس تمامًا فالاحترام الحقيقي الأصيل للآخر ينبع من إدراك واعٍ بالهوية الذاتية ينطلق منها باحثًا عن المساحات المشتركة للتحرك عليها وتفعيلها وأيضًا مدركًا لمساحات الاختلاف مع الحرص والسعي حتى لا يجعل منها ميادينًا للصراع.
أرى أن من المهم عرض بعض الأسس الدينية [من منظور مسيحي] لقيم الحرية والتنوع.
(١) انطلاقًا من إيماننا بلاهوت الخلق نرى أن الله الحي هو إله الطبيعة مثلما هو إله الدين والعقيدة وهو إله الدنيوي مثلما هو إله المقدس.
(٢) المنهج الذي تبناه وعاشه السيد المسيح له المجد في إعلان ونشر رسالته والرسل من بعده لم يكن يسعى إلى تذويب جميع الشعوب والثقافات في أمة واحدة وثقافة واحدة تسمى «الأمة المسيحية» لكنه أعلن ونشر البشارة ليملأ فكر وقلب من يقبلها طواعية واقتناعًا ممن تصل إلى مسامعهم فينتمون -بقرار إرادي- إليه مع بقاء تنوع أجناسهم وثقافتهم ولغاتهم موضع المساواة والاحترام.
(٣) يدعو الإنجيل إلى التفاعل والاندماج دون فقدان الذاتية؛ فقد بدأت المسيحية على أرض الأمة اليهودية ومنذ البداية لم تربط نفسها بحضارة مجتمعات اليهود فقط؛ فعندما دخلت إلى مجتمعات الأمم الأخرى غير اليهودية اندمجت مع حضاراتها. فلا يوجد اليوم ما يعرف بـ«الحضارة المسيحية»، لكن توجد حضارات مجتمعات مختلفة تأثرت بالقيم المسيحية.
(٤) يعلن الكتاب المقدس بوضوح أنه من أهم المقاصد الإلهية للبشرية التي خلقها هي أن تعيش الكرامة، المساواة، المسؤولية. فكرامة الإنسان تنبع من الإعلان الإلهي أنه خلق الإنسان على صور الله والمقصود بها تلك الصفات العقلية والروحية والأخلاقية والتي تميزنا عن الحيوانات وتربطنا بالله. وأيضًا لقد خلق الله البشر لكي يعرفوه ويعيشوا في علاقة صحيحة معه وأيضًا ليخدموا بعضهم بعضًا. ويؤكد الكتاب المقدس أيضًا على حقيقة المساواة الإنسانية النابعة من كونهم جميعًا تم خلقهم في نفس الصورة ومن نفس الخالق، إذا كان الله يراهم متساوون فكيف سمح نفر من البشر لأنفسهم أن يمارسوا التمييز؟ ويؤكد الكتاب المقدس أيضًا على مسؤولية الإنسان عندما يعلن عن وصية الله لنا أن يحب كلٌّ منا الآخر ونخدمه ومن ثم أن نسعى ونشارك لكي ينال حقوقه.
(٥) عندما اشتعل صراع بين أعضاء كنيسة كورنثوس قاد إلى بعض الانشقاقات والتكتلات، كتب الرسول بولس مقودًا بالروح القدس في الرسالة الأولى إليهم ما ورد في ١كورنثوس ١٢: ١٢- ٢٦. تلك الصورة التشبيهية المعبرة في علاقات أعضاء الجسد الواحد والتي يمكن بلورتها في عبارة «وحدانية في تنوع/ تنوع في وحدانية» وواضح أن ثراء التنوع مع وجود التجانس والتناغم إنما ينبع من خضوع كل الأعضاء لرأس واحد [في المجتمع هو الدستور والقانون].
يتبقى أمر أراه على درجة كبيرة من الأهمية وهو ما هو رد الفعل الصحيح والذي يعبر عن الإيمان المسيحي إذا وُجد في المجتمع العديد من مظاهر الشر أو الظلم المرفوضة.. وسأبدأ بطرح بديلين قد تمت ممارستهما فعلاً تاريخيًّا وبعد ذلك نرى هل يوجد بديل ثالث أم لا؟
البديل الأول: يمثل الرغبة في الوصول إلى غاية تحقيق إرادة الله في المجتمع حتى لو كان ذلك بالقوة والقسر والعنف والإكراه، والمثال الأول على ذلك ما تم في محاكم التفتيش في أوربا سنة ١٢٥٢، والتي تم تشكيلها أساسًا لمحاربة الهرطقات واستمرت حوالي ٣٠٠ عام، وتم إيقافها سنة ١٥٤٢. وكانت أكثر نماذجها وحشية هي محاكم التفتيش الإسبانية التي بدأت في نهاية القرن ١٥ ولم تتوقف إلا في عام ١٨٣٤. إلا أنه من الواضح والمعلوم أن كل المسيحيين اليوم من كافة الطوائف يشعرون بالخجل العميق تجاه استخدام مثل تلك الأساليب باسم السيد المسيح ويرون محاكم التفتيش هي وصمة عار في جبين تاريخ الكنيسة والتي اعتذرت رسميًّا وعلنيًّا عنها ولا تسمح أبدًا بتكرارها.
والمثال الثاني وهو الأكثر حداثة ما تم في الولايات المتحدة الأمريكية والخاص بالحظر القانوني لصناعة الخمور وقصته -باختصار شديد- كالتالي:
في عام ١٨٦٩ تشكل حزب من فريق من البروتستانت البيض وقد أصابهم الفزع من تزايد شرب الخمر وتفشي السُّكر وحاصةً بين المهاجرين الفقراء. وبدوافع طيبة حسنة النية نذر هذا الحزب نفسه من أجل فرض حظر شامل على المشروبات الكحولية.
في عام ١٨٩٥ تأسست عصبة Anti-Saloon في أمريكا بواسطة فريق من قادة الكنائس.
عام ١٩١٩ أجاز الكونجرس -بعد حملة استمرت ٢٥ عامًا- التعديل الثامن عشر للدستور الذي يحظر صناعة وبيع ونقل المشروبات الكحولية وصادقت عليه ٤٦ ولاية من أصل ٤٨ ولاية حينذاك.
والنتيجة على أرض الواقع تمثلت في خرق للقانون على نطاق واسع، فقد تشكلت جماعات غير قانونية تخصصت في تصنيع وبيع ونقل الخمور بصورة غير شرعية حتى ازداد انتشار المشروبات الكحولية.
في عام ١٩٣٢ بعد ١٣ عامًا من هذه التجربة ذات النوايا الحسنة والدوافع النبيلة والنتائج المريرة صدر التعديل الخامس والعشرون للدستور فأبطل التعديل الثامن عشر وبموجبه تم إنهاء الحظر السابق.
نحن أمام نموذج مسيحي أوربي لفرض العقيدة ونموذج مسيحي أمريكي لفرض السلوك، وبرغم الغطاء القانوني الشرعي ورغم الدوافع النبيلة المحركة إلا أنه تبين في النهاية أنهما غير مجديين لأنه لا أحد يستطيع أن يجبر الناس على الإيمان بما لا يعتقدون أو يفرض عليهم ممارسة ما لا يريدون ممارسته.
البديل الثاني: وهو مبدأ عدم التدخل، وهو يصف اتجاه اللامبالاة وعدم الاكتراث بما يحدث وهو نوع من التساهل المجرد من المبادئ والقيم. إن التزام الصمت وعدم القيام بأي فعل عندما يتم مدح الشر وتمجيد الخطأ موقف يؤدي إلى نتائج خطيرة- ولعل من أخطر الأمثلة الحديثة على ذلك هو فشل الكنائس الألمانية في رفع صوت الرفض والاحتجاج بالقدر الكافي على الممارسات النازية وأيضًا تقاعس الكنيسة الهولندية المصلحة عن اتخاذ موقف حاسم تجاه التمييز العنصري الذي كان في جنوب أفريقيا حيث كان الغالبية من المستوطنين الأوربيين من هولندا.
في بحث الكنيسة الجاد والمخلص ومع تأكيد رفضها للبديلين السابقين تمكنت من وضع يدها على بديل ثالث يتجنب مثالب ومشاكل البديلين السابقين -وفي نفس الوقت- يحقق رسالة الكنيسة في إعلان الحق بأسلوب يتفق مع مبادئ وفكر مؤسس ورأس الكنيسة، السيد المسيح له كل المجد. ألا وهي استراتيجية الإقناع؛ حيث يكون الحوار النشط هو السبيل الوحيد، وبذلك تتفق هذه الاستراتيجية مع عقيدة الكنيسة في الله والإنسان كما يعلنها الكتاب المقدس.
فإن الله الحي المُعلن في الكتاب المقدس والذي خلق الكون ومنحه أسباب البقاء، قصد أن يعيش البشر مع بعضهم البعض في جماعاتٍ تتعدد وتتنوع، وتسودها المحبة؛ فهو يحب العدل ويرفض الظلم. إنه يناصر قضية الفقير والغريب والأرملة واليتيم ويطعم الجائع ويكسو العريان ويشفي المريض ويجد الضال، ويريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون. هذه الرؤية الإلهية كما تعلنها الكلمة المقدسة قادرة أن تؤثر وبعمق في مجتمعاتنا التي نعيش فيها، فتصبح اهتمامات الله هي اهتمامات شعبه الذي يسعى بالاتضاع ومن خلال الحوار أن تسكُن قلوب وعقول كل مسؤول وصاحب قرار.
عقيدة الكنيسة في الإنسان كما يعلنها الكتاب المقدس تجعلها أيضًا ترفض تمامًا بديل الفرض بالقهر. فهي ترى أن الله قد خلق الإنسان ليكون مسؤولاً أمامه وقد منح الله الإنسان ما يمكنه من إتمام هذه المسؤولية من خلال موهبتين فريدتين هما الضمير [ليميز بين البدائل المختلفة] والحرية [ليختار بها الأفضل من هذه البدائل].
وبذلك يتضح أمامنا أن البديل الصحيح الوحيد هو أنه يجب علينا أن نسعى إلى تثقيف ضمير الشعب بالقيم التي تؤهله لأن يدرك ويفهم إرادة الله ويرغب بشوق واهتمام في تنفيذها وهذا يتم من خلال الحوار الموضوعي بين أطراف متساوين.
“إن إرادة الله لا تُفرَض بالإجبار والقهر، أو بمجرد سن التشريعات وبسلطان النص المقدس، وأيضًا لا تُهدَر باللامبالاة والاستهانة لكنها تتحقق بالحوار والإقناع”.
ب- المواطنة:
لخص بعض علماء الاجتماع مفهوم كلمة “وطن” بأنها تشمل أربعة أبعاد هي: الجغرافيا [الأرض]، التاريخ [حركة المجتمع]، البشر [المواطنون]، المشروع الوطني [قضايا معاصرة]. وبناءً على ذلك يمكن تعريف “المواطنة” على أنها تعبر عن المواطن في سعيه الدائم أن يشارك في إدارة شؤون واقعه/ وطنه على أن يكون على قدم المساواة مع باقي المواطنين الذين يتقاسم معهم الوجود على نفس النطاق الجغرافي/ الوطن ويحمل معهم نفس التراث المشترك والجذور التاريخية.
ولكي تخرج “المواطنة” من مجرد إطار التنظير ويتم التعامل معها كقوة دافعة للتنمية والتقدم، يجب أن تستند إلى عمودين أساسيين هما المساواة، المشاركة. لذا لا تمارس المواطنة بشكل عشوائي وإنما من خلال مرجعية قانونية عليا هي الدستور، ثم بالقوانين التي يتم تشريعها والتي توضع انطلاقًا من هذا الدستور مع استمرار تفعيل هذه القوانين، وترسيخ ثقافة هذا المفهوم في حياة المجتمع.
من المعلوم والمستقر أن المواطنة لا يمكن أن تنمو -ناهيك عن أن تتحقق أساسًا- في مناخ تسوده طائفية مشبعة بفكر متطرف يسعى لتديين كل شيء. ويجب التعامل معها ككائن حي يحتاج دائمًا للرعاية والمتابعة والتفاعل الجاد مع المشاكل التي تواجهها في التطبيق؛ لأن في التغافل والإهمال لهذه المشاكل خطرًا كبيرًا يهدد أي مجتمع ويقوده إلى المجهول المظلم.
هي فضيلة من أربع فضائل سلَّم بها الفلاسفةُ منذ القديم والفضائل الثلاث الأخرى هي الحكمة، الشجاعة، العفة.
نرى حاليًا -وبالأخص مع المتغيرات الكثيرة والكبرى في منطقتنا العربية- أن العدالة الاجتماعية أصبحت أقرب إلى الشعار الهلامي منها إلى المفهوم الواضح.
العدالة الاجتماعية تعني أول ما تعني السعي لتمكين المواطن من حماية آدميته بتوفُّرِ حدٍّ معقولٍ من الحقوق مثل حق العلاج، السكن، التعليم، العمل، الأجر العادل. وهذه متى تحققت تمثل الحالة التي ينتفي فيها الظلم والاستغلال والقهر والتي ينتهي فيها التهميش والإقصاء الاجتماعي وينعدم فيها التفاوت الشديد بين الأفراد والجماعات والأقاليم داخل الدولة وأيضًا يعم فيها الشعور بالإنصاف والتكافل والتضامن.
في هذا السياق، من الضروري والهام فك الاشتباك بين مفهومين يظن البعض بصورة خاطئة إنهما مترادفان، وهما العدالة الاجتماعية، والمساواة. العدالة الاجتماعية لا تعني التساوي الحسابي في أنصبة أفراد المجتمع من الدخل والثروة؛ حيث إنه من الطبيعي أن تكون هناك فروق في هذه الأنصبة حيث ترتبط بالفروق الفردية بين الناس في أمور كثيرة مثل المهارة الشخصية والتأهيل العلمي أو الخبرات المكتسبة. لكن يبقى دائمًا من المهم أن تتحدد هذه الفروق وفق معايير بعيدة عن الاستغلال والظلم.
لكن لكي يكون للعدالة الاجتماعية دور في بناء الدولة الحديثة يلزم ما يلي:
ج- صياغة وإقرار وتفعيل حزمة من السياسات الكفيلة بضمان عدالة أكبر في توزيع الثروات والدخل وتكفل الحق في تعليم وعلاج وسكن إنساني وفي نفس الوقت وبنفس القدر من الأهمية وضع نظام حوافز وتشجيع على العمل والإجادة والابتكار.
أرى من الضروري في ختام الحديث عن القضايا العامة السابقة ذات البعد السياسي طرح رؤية مسيحية عامة، تتمثل فيما يلي:
في المفهوم المسيحي، الدين ليس هو النظام الذي يشرع ويحكم شؤون الدولة لكن هو مصدر الإلهام للأفراد وللمجتمع بالمفاهيم والقيم الموجهة والمحركة لأليات المجتمع، حيث يضخ الدين دائمًا في شرايين المجتمع كل القيم التي تساعده على التحرك الصحيح نحو أهدافه التي يضعها مواطنو هذا المجتمع [البشر] في إطار القوانين التي يشرعها المواطنون [البشر].
تتضح هذه الرؤية من خلال استعراض بعض المبادئ الكتابية واللاهوتية، مكتفيًا -لمراعاة المساحة المتاحة- فقط بطرح الشاهد الكتابي دون النص [من الأفضل قراءة النص أثناء قراءة البحث]
(١) المبدأ الأول: الخلق المتميز – تك ١: ٢٦- ٢٨
(٢) المبدأ الثاني: المساواة بين البشر – رو ١٠: ١٢؛ غل ٣: ٢٨؛ يع ٢: ١- ٤
(٣) المبدأ الثالث: فهم صحيح وشامل للعقيدة في الله، الإنسان، السيد المسيح له المجد، الكنيسة.
أ- في الله: تك ١: ٣١؛ ١تي ٤: ٤؛ يع ١: ٢٧.
– هو إله كل الخليقة مثلما هو إله العهد: مر ٣٣: ١٣- ١٥
– إله العدل مثلما هو إله التبرير: مز ٤٦: ٧- ٩؛ عا ٥: ٢١- ٢٤
ب- في الإنسان: كل إنسان له أهميته كمخلوق على صورة الله بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الدين.
ج- في السيد المسيح له المجد: وهو ما أطلق عليها ميثاق لوزان في البند ٤ “المسيح الكتابي التاريخي”؛ حيث نراه في آلامه ومجده، في خدمته وربوبيته، في تجسده وفي ملكه الأزلي [لو ٤: ١٨- ١٩؛ مت ٤: ٢٣؛ مت ١٧: ٢٤- ٢٧؛ رؤ ٥: ٩؛ رؤ ١٤: ٦].
د- في الكنيسة: الإدراك الواعي للهوية المزدوجة للكنيسة؛ فهي كيان إلهي من حيث الفكر والقيم والمبادئ وهي مؤسسة بشرية بحكم التواجد والدور والمسؤولية، لذا فالكنيسة لا تحتقر المجتمع الذي تعيش فيه فتتعالى عليه. وفي نفس الوقت لا تخشاه فتهرب منه وتنعزل عنه، بل هي تدرك أنه وإن كانت قيمها الحاكمة إلهيةً سماويةً فهي تعيش في العالم لتعلن وترسخ وتنشر هذه القيم [أس ١٠: ١- ٣؛ أس ١: ١٣- ١٧؛ أي ٣١: ١٣- ١٥؛ أع ١٦: ٣٥- ٣٨؛ أع ٢٢: ٢٢- ٢٩].
وختامًا، إن كل ما سبق هو مجرد إطلالة سريعة على قضية شغلت -ومازالت تشغل- العالم قرونًا طويلة، ألا وهي الاشتباك المتجدد بين الدين والسياسة بحثًا عن مواقف صحيحة تعطي لكلٍّ موقعه الصحيح دون أن يتسلط على الآخر. وأثق أن المجال متسعٌ ومفتوح لمزيد من المساهمات الفكرية في هذه القضية الهامة سعيًا إلى وضع النقاط الصحيحة على الحروف الصحيحة.
المراجع المستخدمة
(١) ستوت- د. ق چون- المسيحية والقضايا المعاصرة- دار الثقافة- القاهرة- ١٩٩٠.
(٢) حبيب- د. ق صموئيل- الإنجيل والحضارة- دار الثقافة- القاهرة- ١٩٩٧.
(٣) فودة- د. فرج- حتى لا يكون كلامًا في الهواء- دار ومطابع المستقبل بالفجالة والإسكندرية- طبعة أولى ١٩٧٣- الطبعة الثالثة ٢٠٠٥. ص ١٨٩- ١٩٠.
(٤) يودر- چون- ترجمة بهيج يوسف- المسيح والسياسة- دار الثقافة- القاهرة- طبعة أولى ١٩٩٦- سلسلة الكتاب التجريبي (٢). ص ٥- ٦، ص ١٣٢- ١٤٦.
(٥) زيدان- د. يوسف- اللاهوت العربي وأصول العنف الديني- دار الشروق- القاهرة- الطبعة الرابعة عشر ٢٠١٧. ص ١٧٦- ١٧٧، ص ١٨٥- ١٩٣.
المراجع الإلكترونية
(١) جوجل- ويكيبديا- الدين والسياسة
(2) www.coptstoday.com>Petail.
(3) www.monlibon.org<Topic.
(4) [christian-life/167-patriotism/2762-page02.html?Tmpl=component&print=1] الفصل الأول: «الكنيسة في معمعة السياسة».
(5) [christian-life/167-patriotism/2763-page03.html?Tmpl=component&print=1] الفصل الثاني: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله».
أسم الكاتب :القس الدكتور رياض قسيس
“لا تخافوا لكونكم مفكرين أحرارًا. إذا فكرتم بقوة كافية ستجبركم العلوم على الإيمان بالله!”[1]
The Lord Kelvin (1824-1907)
عالِم فيزياء، ومهندس تليغراف، اكتشف الصفر المطلق المعروف بصفر Kelvin
في استطلاع للرأي أجريناه حديثًا سألنا الشباب الجامعي المسيحي وطلاب بعض المعاهد اللاهوتية في العالم العربي السؤال التالي: ما هو عدد المرات التقريبي في العام الواحد الذي يتم فيه تناول موضوع الخلق ومتعلقاته في كنيستك أو اجتماع الشبيبة؟ وكانت الإجابة كالآتي:
٢٥.٤٧٪ لا يتم تناول هذا الموضوع مطلقًا
٩.٩٤٪ يتم تناول هذا الموضوع مرة في السنة
١٨.٠١٪ يتم تناول هذا الموضوع مرتين في السنة
١٣.٠٤٪ يتم تناول هذا الموضوع ٤ مرات في السنة
٦.٣٨٪ يتم تناول هذا الموضوع ١٠ مرات في السنة
١.٢٤٪ يتم تناول هذا الموضوع ٦ مرات في السنة
إنّ نتائج هذا الاستطلاع لا تختلف كثيرًا عن استطلاعٍ للرأي أجري في الولايات المتحدة الأمريكية بين مراهقين مسيحيين بين ١٣ – ١٧ من العمر عندما سئلوا ماذا يودّون أن يتعلّموا في المستقبل، ٢٣٪ منهم يرغبون بدراسة الطب والعلوم المتعلقة بالصحة، ١١٪ منهم يفضّلون دراسة الهندسة والهندسة المعمارية، ٨٪ يطمحون القيام بالبحث العلمي، ٥٪ يرغبون بالتكنولوجيا و٥٪ بالطب البيطري. هذا يعني أنّ ٥٢٪ من هؤلاء يرغبون بدراسة العلوم ومشتقاتها. وعندما سئل ١٠٠ قائد للشبيبة عمّا إذا كانوا يتناولون موضوع العلم في اجتماعاتهم ولقاءاتهم لم يجب إلا ١٪ أنّه يفعل ذلك![2] لا شكّ أنّ ثمّة هوّة كبيرة بين احتياجات الشباب وبين ما تقدّمه لهم الكنيسة بخصوص الأمور المتعلقة بالعلم والخليقة. هل المسيحية تجافي العلم؟ ما هي علاقة العلم بالإيمان؟ وهل يستطيع المرء التوفيق بين علمه وإيمانه؟
هل أعاقت المسيحية تطوّر العلوم؟
ثمة اعتقاد شائع أن المسيحية في بداياتها -كما في العصور الوسطى المعروفة أيضًا باسم العصور المظلمة- كانت حجر عثرة في تطور العلوم.[3]
لا شك أن الرسول بولس الذي كان له الأثر الفعال في صياغة الإيمان المسيحي يبدو أنّه تحدّث عن موقف مضاد للفلسفة والحكمة، فها هو يحذّر أهل الإيمان في مدينة كولوسي قائلًا: “اُنْظُرُوا أَنْ لاَ يَكُونَ أَحَدٌ يَسْبِيكُمْ بِالْفَلْسَفَةِ وَبِغُرُورٍ بَاطِل، حَسَبَ تَقْلِيدِ النَّاسِ، حَسَبَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ، وَلَيْسَ حَسَبَ الْمَسِيحِ” (كو ٢: ٨). وفي رسالته لأهل الإيمان في مدينة كورنثوس يكتب: لاَ يَخْدَعَنَّ أَحَدٌ نَفْسَهُ. إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَظُنُّ أَنَّهُ حَكِيمٌ بَيْنَكُمْ فِي هذَا الدَّهْرِ، فَلْيَصِرْ جَاهِلًا لِكَيْ يَصِيرَ حَكِيمًا! لأَنَّ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ هِيَ جَهَالَةٌ عِنْدَ اللهِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «الآخِذُ الْحُكَمَاءَ بِمَكْرِهِمْ». وَأَيْضًا: «الرَّبُّ يَعْلَمُ أَفْكَارَ الْحُكَمَاءِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ» (١ كو ٣: ١٨ – ٢٠). إن تعبيري “الفلسفة” و”الحكمة” زمن الرسول بولس كانا يصفان كلّ ما له علاقة بما يعرف “بالعلوم الكلاسيكية”. ولكن ما يقصده الرسول بولس هنا ليس الحط من قيمة العلوم بل يقوم بعقد مقاربة بين الإيمان المسيحي والعلوم الأخرى بهدف التأكيد على كلّ ما يُبعد الناس عن الإيمان المسيحي. أمّا الكتاب المقدس فيدعو الإنسان إلى الاكتشاف وسبر أغوار الكون. فها هو الله تعالى يدعو النبي أيوب (٣٨: ١٦ – ٣٠) للقيام بذلك:
16«هَلِ انْتَهَيْتَ إِلَى يَنَابِيعِ الْبَحْرِ، أَوْ فِي مَقْصُورَةِ الْغَمْرِ تَمَشَّيْتَ؟ 17هَلِ انْكَشَفَتْ لَكَ أَبْوَابُ الْمَوْتِ، أَوْ عَايَنْتَ أَبْوَابَ ظِلِّ الْمَوْتِ؟ 18هَلْ أَدْرَكْتَ عَرْضَ الأَرْضِ؟ أَخْبِرْ إِنْ عَرَفْتَهُ كُلَّهُ.
19«أَيْنَ الطَّرِيقُ إِلَى حَيْثُ يَسْكُنُ النُّورُ؟ وَالظُّلْمَةُ أَيْنَ مَقَامُهَا، 20حَتَّى تَأْخُذَهَا إِلَى تُخُومِهَا وَتَعْرِفَ سُبُلَ بَيْتِهَا؟ 21تَعْلَمُ، لأَنَّكَ حِينَئِذٍ كُنْتَ قَدْ وُلِدْتَ، وَعَدَدُ أَيَّامِكَ كَثِيرٌ!
22«أَدَخَلْتَ إِلَى خَزَائِنِ الثَّلْجِ، أَمْ أَبْصَرْتَ مَخَازِنَ الْبَرَدِ، 23الَّتِي أَبْقَيْتَهَا لِوَقْتِ الضَّرِّ، لِيَوْمِ الْقِتَالِ وَالْحَرْبِ؟ 24فِي أَيِّ طَرِيق يَتَوَزَّعُ النُّورُ، وَتَتَفَرَّقُ الشَّرْقِيَّةُ عَلَى الأَرْضِ؟ 25مَنْ فَرَّعَ قَنَوَاتٍ لِلْهَطْلِ، وَطَرِيقًا لِلصَّوَاعِقِ، 26لِيَمْطُرَ عَلَى أَرْضٍ حَيْثُ لاَ إِنْسَانَ، عَلَى قَفْرٍ لاَ أَحَدَ فِيهِ، 27لِيُرْوِيَ الْبَلْقَعَ وَالْخَلاَءَ وَيُنْبِتَ مَخْرَجَ الْعُشْبِ؟
28«هَلْ لِلْمَطَرِ أَبٌ؟ وَمَنْ وَلَدَ مَآجِلَ الطَّلِّ؟ 29مِنْ بَطْنِ مَنْ خَرَجَ الْجَمَدُ؟ صَقِيعُ السَّمَاءِ، مَنْ وَلَدَهُ؟ 30كَحَجَرٍ صَارَتِ الْمِيَاهُ. اخْتَبَأَتْ. وَتَلَكَّدَ وَجْهُ الْغَمْرِ.
كما أنّ سفر الأمثال (٨: ١ – ١١) يحثُّ المؤمن على التمسك بالحكمة والسعي نحو الفهم والمعرفة:
1أَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ لاَ تُنَادِي؟ وَالْفَهْمَ أَلاَ يُعْطِي صَوْتَهُ؟ 2عِنْدَ رُؤُوسِ الشَّوَاهِقِ، عِنْدَ الطَّرِيقِ بَيْنَ الْمَسَالِكِ تَقِفُ. 3بِجَانِبِ الأَبْوَابِ، عِنْدَ ثَغْرِ الْمَدِينَةِ، عِنْدَ مَدْخَلِ الأَبْوَابِ تُصَرِّحُ: 4«لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أُنَادِي، وَصَوْتِي إِلَى بَنِي آدَمَ. 5أَيُّهَا الْحَمْقَى تَعَلَّمُوا ذَكَاءً، وَيَا جُهَّالُ تَعَلَّمُوا فَهْمًا. 6اِسْمَعُوا فَإِنِّي أَتَكَلَّمُ بِأُمُورٍ شَرِيفَةٍ، وَافْتِتَاحُ شَفَتَيَّ اسْتِقَامَةٌ. 7لأَنَّ حَنَكِي يَلْهَجُ بِالصِّدْقِ، وَمَكْرَهَةُ شَفَتَيَّ الْكَذِبُ. 8كُلُّ كَلِمَاتِ فَمِي بِالْحَقِّ. لَيْسَ فِيهَا عِوَجٌ وَلاَ الْتِوَاءٌ. 9كُلُّهَا وَاضِحَةٌ لَدَى الْفَهِيمِ، وَمُسْتَقِيمَةٌ لَدَى الَّذِينَ يَجِدُونَ الْمَعْرِفَةَ. 10خُذُوا تَأْدِيبِي لاَ الْفِضَّةَ، وَالْمَعْرِفَةَ أَكْثَرَ مِنَ الذَّهَبِ الْمُخْتَارِ. 11لأَنَّ الْحِكْمَةَ خَيْرٌ مِنَ الَّلآلِئِ، وَكُلُّ الْجَوَاهِرِ لاَ تُسَاوِيهَا».
أما العلَّامة المسيحي ترتليان (١٦٠ – ٢٤٠م.)، الذي سكن قرطاج وكان من أهم المدافعين عن الإيمان المسيحي، فقد كتب: “ما علاقة أثينا [إشارة إلى الفكر الوثني] بأورشليم [إشارة إلى الكنيسة]؟ أي اتفاق بين الأكاديمية [إشارة إلى تعليم أرسطو] وبين الكنيسة؟ أو بين الهراطقة والمسيحيين؟”[4] أما تاتيان السرياني (١٢٠- ١٨٠م.) الذي عاصر ترتليان فخاطب الفلاسفة قائلًا: “ما هو الأمر المشرّف الذي استطعتم إنتاجه جراء سعيكم للفلسفة؟ أي من كبار رجالاتكم استطاع أن يتحرر من الافتخار الباطل؟ إنني أضحك في يومنا الحاضر على أولئك الذين يتبعون مبادئ [أرسطو].”[5]
مع كل هذا فإن ترتليان يُعبّر في عمله عن اللاهوت الطبيعي والإعلاني، لأنه يقرُّ بقوة ما في الوعي البشري تستطيع أن تُشكِّل فكرة عن الله وإن كانت غير واضحة ويستطيع أن يقول: anima maturaliter Christiana مسيحية إنسانية طبيعية. وهذا الفكر ينحدر من الفلاسفة الرواقيين وأخذه ترتليان من سينيكا الفيلسوف الذي كان يُقدّره كثيرًا. كما أنه أخذ مفهوم الطبيعة من الفلسفة الرواقية وتأثر أيضًا بالأفلاطونية.[6]
أمّا إذا انتقلنا إلى القرون الوسطى فلا شكّ أنّ موقف الكنيسة آنذاك من غاليليو ومحاكمته قد أعاق تقدّم العلوم؛ فاليسوعيون المعروفون بدراساتهم وأبحاثهم العلميّة أصبحوا يتردّدون في سبر غور العلوم خشية اعتبارهم من الخارجين عن طاعة الكنيسة.[7]
العلاقة بين العلم والإيمان
احتوى شعار جامعة هارفرد ثلاثة كتب مفتوحة كُتب عليها كلمة veritas اللاتينية ومعناها “الحقّ”، لقد كان أحد هذه الكتب مغلقًا في إشارة إلى أنّ جزءًا من المعرفة والحق لا يُمكن أن يكتشفه الإنسان بمعزل عن إعلان الله. بالطبع نتيجة للفكر الإنساني الذي سيطر على الجامعة بعد سنين من تأسيسها فقد تمّ فتح الكتاب الثالث في إشارة إلى أنّه نستطيع الحصول المعرفة كاملةً بواسطة العقل والمنطق.[8]
هل يتنافى العلم مع إعلان الله؟ وما هي علاقة العلم بالإيمان؟ أعتقد أنه من أفضل التصنيفات لعلاقة العلم بالإيمان هو ما قدّمه الفيزيائي واللاهوتي Ian G. Barbour (1923-2013) موضّحًا التفاعلات المتنوعة التي تحدث بين العلم والإيمان:[9]
يحدث الصراع بين العلم والإيمان عنما يهدد أحدُهُما الآخر بأن يسيطر على شرعية الآخر. فعلى سبيل المثال، عندما يعتقد العالِم أن الأسئلة التي ينبغي طرحها هي فقط تلك المتعلقة بالمواضيع العلمية فيرفض أي دور للإيمان، أو عندما يعتقد دارس الكتاب المقدس أن الفصلين ١و٢ من كتاب التكوين يقدمان تفسيرًا كافيًا لكل ما يتعلق بالخلق وأصل الحياة.
مع ظهور نظرية داروين (وسوف نتحدث عن هذه النظرية بأكثر تفصيل لاحقًا) وما تلاها من اكتشافات وأبحاث علمية ليس أقلها نظرية “الانفجار الكبير” (Big Bang) اعتمد كثيرٌ من المسيحيين أسلوب الهجوم على هذه الأبحاث والاكتشافات وفي هجومهم (المخلص في أحيان كثيرة دفاعًا عن مصداقية الكتاب المقدس كما اعتقدوا) أصروا على أن الكتاب المقدس هو وحده المخوّل بتقديم الإجابات النهائية والصحيحة عن الأمور المتعلقة بالعلم وبالخليقة. لقد رأوا أن نتائج هذه الاكتشافات تستبعد إمكانية وجود الخالق. وبالطبع أدّى مثل هذا الموقف إلى اعتبار العلم مضادًّا للإيمان المسيحي، وذلك أدّى إلى هوة بين ما يتعلّمه جيل الشباب في المدارس والجامعات من علوم تتعلق بالخليقة وبين ما يعلِّمه القائلون بهذا التطابق التام بين العلم والكتاب المقدس. لقد اختبر العديد من الشباب اختبار التواجد بين نارين، نار الكتاب المقدس ونار العلم فوقعوا في حيرة وارتباك. هل من ضرورة للوقوف بين نارين، بين كتابين، بين خيارين؟
ومن الجدير بالذكر أنّ موقف الصراع هذا لا يقتصر على المؤمنين بل يتواجد لدى الملحدين أيضًا. وعلى سبيل المثال، يقول العالِم الملحد Richard Dawkins: “أنا ضدّ الدّين لأنّه يعلّمنا أن نكتفي بعدم معرفة العالم.”[10]
من الطريف والملاحظ، أنّه في خضم هذا الصّراع بين العلم والدين، كيفية التقاء مَنْ يعتقد بالماديّة العلميّة مع مَنْ يتبنّى التّفسير الحرفي الجامد للكتاب المقدس بإنكارهما استحالة الجمع بين الإيمان بالله وبين الاعتقاد بالتّطور، حيث الفكر الماديّ العلمي طوّر “التزامًا فلسفيًّا محددًا واعتبره نتيجة علميّة غير قابلة للنقاش، بينما طوّر الحَرْفيُّون في فهم الكتاب المقدس فهمًا غير علمي للكون، واعتبروه عنصرًا أساسيًّا في الإيمان المسيحي.”[11]
تفيد الاستقلالية أن العلم يختص بالإجابة على السؤال “كيف”، والإيمان يختص بالإجابة على السؤال “لماذا”. وحيث إن هدف الكتاب المقدس هو التركيز على إخبارنا بما نحتاج لمعرفته عن الله تعالى وعن خلاصنا وسلوكنا، وأن العلم هو دليلنا الوحيد لمعرفة حقيقة الخلق من أسباب ونتائج، فوفق هذه الطريقة فإن العلم يتناول الأمور الفيزيائية كالمادة والطاقة والحركة، أما الأمور الفائقة للطبيعة المادية كالله والمعجزات والصلاة والاعلان الإلهي والإيمان فهي مسائل خارج حدود ما يتناوله العلم، وأمام هذه الأمور نتوقع “لا تعليق” من قبل العلماء على قضايا الإيمان، و”لا تعليق” أيضًا من قبل أهل الإيمان على قضايا العلم.
من المدافعين عن هذا الموقف البروفسور Stephen Jay Gouldعالم الحفريات في جامعة هارفرد الذي اعتقد أن العلم والإيمان مختلفان كليًّا وبالتالي ينبغي التعامل معهما على أنهما مجمعان منفصلان للمعرفة ولا علاقة تجمعهما مطلقًا. وصاغ Gould العبارة الشهيرة “نطاقان غير متداخلين” (“non-overlapping magisteria- NOMA).[12]
للوهلة الأولى يبدو لنا أن مثل هذا الفصل يحلّ الإشكالية القائمة بين الكتاب المقدس والعلم، ولكن تكمن المعضلة هنا في أمرين أساسيين:
أولًا، الاعتقاد بأن العلم يتعامل فقط مع الحقائق المثبتة وأن الإيمان يتعامل فقط مع القيم هو اعتقاد غير عملي وليس قابلًا للتطبيق. فعلى سبيل المثال، يعتقد الكثير من علماء الفلك بوجود عوالم كونية أخرى، ولكن هذا الاعتقاد لا يمكن اعتباره مرتكزًا على حقائق علمية ثابتة ونهائية كحقيقة وجود الكواكب. من ناحية أخرى، إذا كنا نعتقد أن عبارات مثل “الله موجود”، و”العنف المنزلي مرفوض” هي حقائق فعلية، فبحسب مبدأ الفصل التام بين العلم والإيمان لا يمكننا اعتبارها عبارات إيمانية، لأن العبارات الإيمانية لا تعبّر عن حقائق واقعية.[13]
ثانيًا، إن مثل هذا التفكير في الفصل القاطع بين العلم والإيمان قد يتضمن وبشكل مبطّن مبدأ مفاده أن الحكم على كل الأمور في هذا العالم يتحدد بناءً على قوانين الطبيعة، مما يؤدي بالتالي إلى إنكار أي عمل معجزي أو فوق طبيعي أو مخالف لقوانين الطبيعة التي يقرّها العلم. بينما الإيمان المسيحي مبنيٌّ في كثير من الأحيان على حقائق مادية لا تتوافق مع قوانين الطبيعة مثل تجسد المسيح وقيامته من الموت. وبناءً عليه فإن الفصل التام والقاطع بين الكتاب المقدس والعلم يبدو لنا أنه لا يؤدي فقط إلى معضلة إمكانية قبول التوجه العلمي برفض كل ما هو مخالف لقوانين الطبيعة بأنه “حقيقي”، وحصر كل ما هو “حقيقي” بما هو “علمي” فقط وحسب، بل أيضًا إلى دفع الكتاب المقدس إلى موقف السكوت والصمت في التعبير عما يحدث في عالم العلم وكأنّ الله محدود فقط في الكتاب الأول (الكتاب المقدس) وليس من شأن له في الكتاب الثاني (الخليقة)، وبذلك نضع ليس أنفسنا فقط بين نارين بل نقحم الله تعالى بين نارين أيضًا!
ثمة بعض الصواب في هذا الفصل بين العلم والإيمان، ولكن الاستقلالية الكاملة بينهما غير واقعية. لا شك أن السؤالين: “كيف” و”لماذا” هما سؤالان مختلفان، ولكن في الإجابة عليهما لا يمكننا إلا أن نرى ثمة علاقة بينهما. فمثلًا، عندما أهدف إلى إنجاز حديقة جميلة (كإجابة على السؤال “لماذا”) لا يمكنني الإجابة على السؤال “كيف” بالقول إنني أود تغطية أرض الحديقة بالإسمنت الأخضر! وبالتالي هناك علاقة لا يمكن تجاهلها بين السؤالين وبين الإجابة عليهما.
من ناحية ثانية، فإنّ التشديد على الاستقلالية قد تدفع البعض باتجاه ما يُعرف باسم “اسكاتولوجيا الهروب”[14] حيث يبتعد المؤمن عن العلم واكتشافاته بحجة تعلّقه بالأمور الآتية الفضلى، وهكذا ينعزل عن الاهتمام بالعالم الذي نحيا فيه سواء أكان هذا الاهتمام بيئيًّا أم اجتماعيًّا أم إنسانيًّا أم اقتصاديًّا أم سياسيًّا.
يُعتبر اللاهوتي السويسري الشهير كارل بارت أحد المؤيدين لهذا الموقف الاستقلالي بين العلم والإيمان؛ حيث يرى أنّ الإيمان المسيحي يعتمد بكليّته على المبادرة الإلهيّة وعلى عمل الله الفاعل في التاريخ، وليس على الطبيعة واكتشافاتها.[15]
شاركتُ مؤخرًا بلقاء نظّمته جامعة أوكسفورد وبرعاية مؤسسة Templeton جمع لاهوتيين، وعلماء في الفيزياء والبيولوجي وفيزياء الكاونتوم وفلاسفة، لمناقشة قضايا مشتركة ولمعرفة مدى مساهمة العلم واللاهوت والفلسفة في العمل معًا لتحقيق خير البشرية. هذا مثال بسيط عن الحوار الذي يمكن أن يتحقق بين العلم والإيمان.
ينطلق موقفُ الحوار من المبدأ أنّ العلم والإيمان لهما ما يقولانه للآخر، وفي الوقت ذاته الإدراك أنّ “الدين لا يمكن أن يتظاهر بكونه علمًا، ولا العلم أنْ يتمّ التّعامل معه وكأنّه دينٌ”.[16] فقضايا مثل تاريخ الكون، وأصل الحياة، وطبيعة الإنسان، والعلاقة بين الفكر والجسد بإمكانها أن تخضع للحوار بين العلم والإيمان. لقد عبّرت الدكتورة فنيس نقولا بولس عن علاقة الحوار هذه عندما كتبت:
إنّ التفكير العلمي والديني ليسا منقطعي الصلة ببعضهما، وبالتالي فإن العلاقة بين الدين والعلم ليست مرفوضة، بل على العكس تمامًا، فهناك ما للدين في العلم وما للعلم في الدين، أي أنّ الدين يمكنه الاستفادة من كل ما يتوصل إليه العلم… كما أنّ العلم بحاجة “إلى نظرة خُلقية وقيمية يحل فيها الاحترام لخير الإنسان، وإلا فإن العلم والمنهج العلمي يكون خطرًا حيث يختفي هذا الاحترام… إن العالم في حاجة إلى القيم الكبرى التي تضفي القيمة على الحياة.”[17]
يتوافق مثل هذا الحوار مع القول الشهير لأينشتاين: “الدين بلا علم ضرير، والعلم بلا دين أعرج.” ومع ما قاله قداسة البابا يوحنا بولس الثاني: “يستطيع العلم تنقية الدين من الخطأ والخزعبلات، ويستطيع الدين تنقية العلم من الروح الوثنية والأمور “المطلقة” الخاطئة. كلاهما يستطيعان جذب الآخر إلى عالمٍ أوسع حيث يتمكنان معًا من النمو والتقدّم.”[18]
الاندماج هو محاولة دمج العلم والإيمان في إطار واحد كما فعل Teilhard de Chardin الذي حاول دمج التطور البيولوجي بالنمو الروحي اللذين يبلغان ذروتهما في العملية الفيزيائية ومجيء المسيح الكوني.
يشير التوافق إلى أن كلًّا من العلم والإيمان يستطيعان الحفاظ على خصوصيتهما واستقلالهما، كلٌّ في نطاق حدوده، ولكن ينبغي أن تكون البيانات والاعترافات الصادرة عن كلٍّ منهما قابلةً للمصالحة والتوافق المناسبين. وبالتالي فإن إجابة كليهما عن السؤالين “كيف” و”لماذا” ينبغي أن تحظى بالتوافق.
ليس القصد من الاستيعاب ذوبان العلم بالإيمان أو العكس، بل الوصول إلى أقصى حدود التقارب بين الاثنين.
أما من ناحية التّطبيق العملي للمصالحة بين العلم والإيمان فيبدو أنّ هناك أربعة نماذج رئيسة:[19]
عن العلماء والإيمان
في حواراتي مع الشباب الجامعي التي تناولت موضوع العلم والإيمان رأيت أن عددًا منهم يرى صراعًا بين العلم والإيمان. وبالتالي يعتقدون وجود استحالة للجمع بين العلم والإيمان. لهؤلاء الشباب بعض الحقّ في اعتقادهم، وذلك لسببين على الأقل. أولًا، منهجيّة العلم لا تتطلب أية إشارة إلى الله، فلا شأن للعلم وتجاربه بهذا الأمر. ثانيًا، بعض هؤلاء الشباب يعادلون بين العلم وبين الماديّة العلميّة. إذًا لا تتعلّق المسألة بالعلم بحدّ ذاته، بل بفهم منهجيّته وطرق اختباراته، وكذلك في التمييز بين العلم والماديّة العلميّة التي ترى أن العلم هو السبيل الوحيد للمعرفة، وأنّ كلّ ما في الكون بالإمكان تفسيره ماديًّا. لقد أحسنت الأكاديمية الوطنية للعلوم صنعًا بقولها: “تجيب الديانات والعلم على أسئلة مختلفة تتعلق بعالمنا، فمسألة وجود هدف للكون أو للوجود البشري ليست أسئلة ليجيب العلم عليها… وبالتّالي ثمّة الكثير من الناس بما فيهم علماء ملتزمون دينيًّا وفي الوقت ذاته يقبلون بحدوث التّطور.”[20]
هل من إمكانية للجمع بين العلم الحقيقي وبين الإيمان الملتزم؟ هل يفترض الإيمان إنكارًا للعلم، وهل يتطّلب العلم رفضًا للإيمان؟
هذه عيّنة مختصرة لبعض العلماء الملتزمين بإيمانهم المسيحي قديمًا وحديثًا:[21]
راهب وعالم رياضيات وفلكي وطبيب، أول من صاغ نظرية مركزية الشمس، وهو مطوّر نظرية دوران الأرض، ويُعتبر مؤسس علم الفلك الحديث.
عالم رياضيات وفلكي وفيزيائي، أول من وضع قوانين تصف حركة الكواكب، له الكثير من الاكتشافات والنظريات العلمية في الرياضيات البحتة وعلم البلورات.
فيلسوف وكيميائي وفيزيائي، يُعتبر أوّل كيميائي في العصر الحديث، وضع قانونًا يربط بين ضغط الغاز وحجمه، ومؤسس للجمعية الملكية للعلوم في المملكة المتحدة. اشتهر بدعمه للإرساليات المسيحية التبشيرية وبدفاعه عن الإيمان المسيحي.
عالم رياضيات وفيزيائي، يُعتبر رمزًا مميزًا للثورة العلميّة في الفيزياء. صاغ قوانين الحركة وقانون الجذب العام، وترأس الجمعية الملكية للعلوم.
عالِم فيزياء ورياضيات، يُنسب إليه ما يُعرف بمعادلة Euler = e = 2.71828… والتي تُعتَبَر من أهم المعادلات في علم الرياضيات.
عالِما كيمياء، سمَّيَا غازَي “الأوكسجين” و”الهيدروجين”.
عالِم رياضيات وفيلسوف، مخترع لأول كمبيوتر.
أوّل طبيب في تاريخ البشرية استطاع تحديد خواص الكلوروفورم في التخدير.
عالِم كيمياء وبيولوجي في علم الجراثيم، اكتشف التلقيح، وصاحب القول المشهور: “قليلٌ من العلم يُبعدنا عن الله، وكثيرٌ منه يقرّبنا إليه.”[22]
عالِم فيزياء، ومهندس تليغراف، اكتشف الصفر المطلق المعروف بصفر Kelvin.
طبيب جرّاح وضع أسسَ التعقيم للعمليات الجراحيّة.
عالِم فيزياء، صاحب ما يُعرف بمعادلات Maxwell الكهرومغناطيسية.
عالِم فيزياء، اكتشف الإلكترون.
عالِم فيزياء، طرح نظرية الانفجار الكبير وتمدّد الكون.
عالِم فيزياء، عمل أستاذًا في جامعة ستانفورد، الولايات المتحدة الأمريكية، لسنين طويلة، اخترع أشعة اللايزر بالتعاون مع Charles Townes، شارك العالمين Nicolaas Bloembergen وKai Siegbahn في الحصول على جائزة نوبل في الفيزياء في العام ١٩٨١.
ولئلا نظنّ أنّ هذه العينة من العلماء المؤمنين والمؤمنات هي “موضة قديمة” عفا عليها الزمن، أورد أدناه عيّنة من العلماء المؤمنين والمؤمنات المعاصرين:
عالِم في الفيزياء والموجات الفلكية، عمل أستاذًا في جامعة كمبردج، المملكة المتحدة، لسنين طويلة. حصل على جائزة نوبل في الفيزياء بالشراكة مع العالِم Martin Ryle في العام ١٩٧٤.
عالِم في فيزياء الطبقات الجويّة، أستاذ في جامعة أوكسفورد، المملكة المتحدة، حصل على أكثر من ١٣ جائزة علميّة عالميّة، أحد مؤسسي الجمعيّة الدوليّة للعلوم والدين.
عالِمة بيولوجي ومتخصصة بعلوم بيئة المستنقعات، أستاذة في كلية جوردن، الولايات المتحدة الأمريكية.
أستاذ الرياضيات في جامعة أوكسفورد، المملكة المتحدة، ومحاضر في فلسفة العلوم، يُعتبر أحد أهم المدافعين عن الإيمان المسيحي.
عالِم كيمياء ومتخصص بدراسة طبقة الأوزون، حاصل على جائزة نوبل في الكيمياء.
متخصص في نظرية وجاذبية الكاونتوم، أستاذ في الكليّة الإمبراطورية بلندن، المملكة المتحدة، يُعتبر من أهمّ علماء نظرية الكاونتوم في العالم.
عالِم مناعة وجينات والكيمياء الحيوية، أستاذ في جامعة كمبردج، المملكة المتحدة.[23]
عالِم فيزياء وكوانتوم الفلك، كان طالبًا للعالِم الشهير Stephen Hawking أثناء دراسته للدكتوراه في جامعة كمبردج، المملكة المتحدة، وقد شاركه بتأليف عدد من المقالات العلميّة.
طبيب متخصص في علم الجينات، اكتشف الجينات المرتبطة بعدد من الأمراض، قاد “مشروع الجينوم البشري” الذي تُعتَبَر نتائجه تحولًا منقطع النظير في تاريخ البشرية، يترأس حاليًا المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة الأمريكية.
باحث في علوم الفضاء، ومدير مرصد الفاتيكان.
عالِم متخصص في عمل الدماغ، أستاذ في جامعة ستانفورد، الولايات المتحدة الأمريكية.
أستاذ الجيولوجيا في جامعة كمبردج، المملكة المتحدة، ومتخصص في دراسة النشاط البركاني.
يحمل ثلاث شهادات دكتوراه من جامعة أكسفورد، في الفيزياء الحيوية، وفي اللاهوت، وفي الآداب.[24]
عالِمة كمبيوتر في معهد ماستشوسس للتكنولوجيا (MIT)، الولايات المتحدة الأمريكية.
عالِمة في الطبقات الجوية والتغيير المناخي.
عالِمة جينات وباحثة في الأخلاق البيولوجية، أستاذة في جامعة دوك، الولايات المتحدة الأمريكية.
عالِمة فضاء، تعمل في الوكالة الأمريكية الوطنية للفضاء (NASA) في مجال التلسكوب العملاق .Hubble
قد يتساءل القارئ عن أهميّة إيراد أسماء علماء مؤمنين، وقد يعلّق ناقد بالقول إنّ هناك عددًا كبيرًا من العلماء الملحدين. هذا الأمر صحيح! ولكن غايتي في هذا المجال التأكيد على حقيقة هامة قد تغيب عن فكر الكثيرين والكثيرات ألا وهي: العلم لا يتناقض والإيمان وثمّة إمكانية للجمع بينهما، وذكر أسماء وأعمال العلماء أعلاه هو خير دليل على مقولتي هذه.
أما عن موقف العلماء بشكل عام من الإيمان ففي العام ٢٠٠٥، ولمدة أربع سنوات، تمّت دراسة موقف العلماء من الإيمان في ٢١ جامعة بحثية ومشهورة في الولايات المتحدة الأمريكية وهي:
Columbia University, Cornell University, Duke University, Harvard University, Johns Hopkins University, Massachusetts Institute of Technology, Princeton University, Stanford University, University of Pennsylvania, University of California at Berkeley, University of California, Los Angeles, University of Chicago, University of Illinois, Urbana Champaign, University of Michigan, Ann Arbor, University of Minnesota, Twin Cities, University of North Carolina, Chapel Hill University of Washington, Seattle University of Wisconsin, Madison University of Southern California, Washington University and Yale University.[25]
اشترك ١٦٤٦ عالِمًا من كافة الاختصاصات في هذه الدراسة. أمّا عن خلفية هؤلاء العلماء الدينية فنسبة ٥٣٪ منهم ليست لديهم خلفيّة دينيّة. أودّ في هذا المجال الإشارة إلى أمرين أظهرتها نتائج هذه الدراسة العلميّة.[26]
أولًا، كشفت الدراسة عن شائعات يعتقدها بعض المؤمنين عن العلماء، وبالمقابل عن شائعات يعتقدها العلماء عن المؤمنين.
أما عن أهمّ الشائعات التي يعتقدها المؤمنون عن العلماء فهي:
١. العلماء الملحدون هم ضدّ الإيمان دائمًا.
٢. الأمور الروحيّة لا تهمّ العلماء.
٣. العلم سبب هام لعدم الإيمان.
٤. لا يوجد علماء مؤمنون.
أما عن أهم الشائعات التي يعتقدها العلماء عن المؤمنين فهي:
١. تجاهَل الإيمان فيندثر!
٢. كلّ الأديان أصوليّة.
٣. كلّ المسيحيين الإنجيليين هم ضدّ العلم.
قارئي الكريم، لاحظ أنّ العينة موضع الدراسة تضمّ نخبة العالم من العقول، ومع ذلك فالشائعات تكثر لدى الطرفين! يدلّ سوء الفهم المُشار إليه أعلاه إلى ضرورة الحوار البنّاء وأهميته بين العلماء والمؤمنين لتوخي الحقيقة فيما يعتقد كلٌّ من الطرفين، وتجنب التّسرع للوصول إلى استنتاجات وتخمينات لا تستند إلى وقائع وحقائق!
ثانيًا، صحيح أنّ هذه الدراسة أظهرت أنّ ٦٤٪ من العلماء الذين اشتركوا فيها قالوا إنّهم ملحدون أو لا أدريون. ولكن عندما سُئِلوا عن سبب عدم إيمانهم قال غالبيتهم إنّ ذلك ليس مردّه إلى كونهم علماء، فليس العلم هو الذي أبعدهم عن الإيمان، بل أسباب أخرى مثل عدم الترعرع في منزل متديّن، أو نتيجة تجربة سيئة مع الدّين…[27] من ناحية أخرى حوالي ٣٩٪ نشأوا في منازل مسيحية إنجيلية (بروتستانتية) أقلّ من نصفهم يعتبرون أنفسهم أنهم إنجيليون (بروتستانت) حتّى الآن، وحوالي ٢٣٪ نشأوا في منازل مسيحية كاثوليكيّة أقلّ من نصفهم ما زال يعتبر نفسه كاثوليكيًّا.[28]
قامت جامعة Rice في هيوستن، تكساس، بالتعاون مع American Association for the Advancement of Science في العام ٢٠١٤ بإشراف عالِمة الاجتماع Eliane Howard Ecklund بأوسع دراسة لوجهات النّظر المتعلقة بموضوع العلم والإيمان. أظهرت الدراسة أنّه يوجد حوالي ١٢ مليون عالم في الولايات المتحدة الأمريكية، يبلغ عدد المؤمنين الإنجيليين بينهم حوالي ٢ مليون عالم.[29]
كتب مؤخرًا البروفسور المسيحي الملتزم John Lennox أستاذ الرياضيات في جامعة أوكسفورد، أنّ “مقولة رغبة الشخص أن يكون موضع تقدير علميًّا ينبغي أن يكون ملحدًا هي مقولة خاطئة”، ويشير إلى حقيقة مفادها أنّ أكثر من ٦٠٪ من الذين حصلوا على جائزة نوبل ما بين العام ١٩٠١ و٢٠٠٠ هم مسيحيون.
يشير الفيلسوف Plantinga أنّه حتّى في علم الفيزياء لا يسعنا الافتراض أنّه لا مكان لله، فهناك ما يُقارب ٤٠٪ من علماء الفيزياء الذين يؤمنون بالله، ويعتبرون جوهر مهمتهم اكتشاف وفهم ما خلقه الإله الذي يؤمنون به.[30] صحيح أنّه في العام ٢٠١٣ حصل الفيزيائي الملحد Peter Higgs على جائزة نوبل، ولكن في العام ١٩٩٧ حصل على الجائزة الفيزيائي المسيحي William Phillips،[31] وكان أحد المؤسسين للجمعية الدولية للعلوم والدين (International Society for Science and Religion) في العام ٢٠٠١.
وفي هذا المجال لا بدّ من الإشارة إلى أنّ عددًا من الهيئات تعمل بحرص لتحقيق الحوار الجدّي الفعّال بين العلم والإيمان، مثل: BioLogos Foundation, the Faraday Institute of Science and Religion, the American Scientific Affiliation[32], the Canadian Scientific and Christian Affiliation[33], Christians in Science[34], Test of Faith Project, the Vatican Observatory, and the Center for Theology and the Natural Sciences.[35]
دينامية التفاعل بين العلم والإيمان
لا يمكن للإيمان أو للاهوت المسيحي التواجد في عزلة عمّا يحيط به من ثقافات وحضارات.[36] فلا بدّ له أن يتفاعل النص المقدس والتقليد والفكر مع الواقع الحياتي، تشكّل العلوم بكافة أشكالها جزءًا لا يتجزأ من هذا الواقع الحياتي. لقد ترك الفكرُ الغنوصيُّ والأفلاطونيُّ تأثيراتٍ واضحةً في فكر اللاهوتيين من أمثال إيريناوس وأثناسيوس وأوغسطينوس، كما صارع توما الأكويني الأفكار العلمية وفلسفة أرسطو في القرون الوسطى. لا شكّ أن فلسفة عصر التنوير (Enlightenment) برفضها لسلطان النص، واعتمادها الكلي على المنطق والموضوعية، وتشديدها على الروح الماديّة، واعتقادها بأنه لا وجود لبعدٍ غير البعد الطبيعي أدّى إلى وجود شرخ بين العلم والإيمان:
مع كوبرنيكوس انقلب الكون، ولم تعد الأرض وسيلة أمان حسب المفهوم الأفلاطوني وانتهت إلى ليل حالك غير منتهٍ وكون شاسع لا يمكن سبر أغواره. ومع نيوتن أصبح الكون الحيّ مجرّد آلة منعدمة التفكير نستطيع السيطرة عليها وتنبؤ خطواتها فلا مجال لنا ولا حتى لله لفعل أي شيء.
لقد حوَّل “عصرُ المنطق” سلطةَ الإعلان والكنيسة كدليلٍ حتميٍّ للمعرفة والسلوك، فأصبح العالم عادي وأضحت المعجزات فولكلورًا يكاد يُنسى. وفي القرن التاسع عشر تبدَّل عمرُ الأرض من آلاف السنين إلى بلايين، والحياة العضوية التي اعتُبرت يومًا نتاج الله المحب أصبحت تُفسَّر على أنها نتيجة عمليات الانتقاء الطبيعي الدارويني و”الصدفة العمياء”. حتى نطاق الفكر الداخلي للإنسان حيث تتفاعل المسائل الأخلاقية والروحية مع الضمير والتقوى أعيد فهمها على أنها نتيجة الكبت الجنسي أو اسقاطات متعجرفة لرغبات المرء.[37]
وبالتالي يجافي الحقيقة كلُّ من يظن أن العلاقة بين العلم والايمان هي علاقة عداءٍ وتحدٍّ.[38] يرى الباحث في علم الفيزياء النووية التجريبية واللاهوتي الدكتور Tom McLeish أنّه حان الوقت لتطوير “لاهوت للعلم”: “إنّنا بحاجة إلى “لاهوت للعلم” لأننا بحاجة للاهوت لكلِّ شيءٍ، وإنْ أخفقنا فليس لدينا لاهوت لأي شيء… العلم واللاهوت لا يكمّل أحدهما الآخر، وهما ليسا في صراع، وليسا متوافقين فحسب، بل هما لأجل بعضهما البعض.”[39]
وصفوة القول إنّه ينبغي أن ننظر إلى العلم والإيمان كنعمتين من الله تعالى وكشريكين في مسعى البشرية المستمر لفهم الحقيقة. وبدلًا من وضع العلم بمنزلة أعلى من الإيمان، أو وضع الإيمان بمنزلة أعلى من العلم علينا أن نتذكر دائمًا “أن الله هو السيد على كليهما.”[40] أعتقد أن العلم هو عطية الله للبشرية ليتمكن البشر ليس فقط من مشاركة الله في إكمال عملية الخلق، بل أيضًا في تحقيق السلام والمصالحة لعالمٍ مثقل بالعلاقات المحطمة. الإيمان كما العلم يدعوننا إلى “المصالحة مع الطبيعة، مع الذات، مع الآخر، ومع الله.”[41]
[1] اقتباس في D. Huthings and T. McLeish, Let There Be Science: Why God Loves Science, And Science Needs God (Oxford: Lion Hudson Limited, 2017), p. 155.
[2] Kinnaman, David. You Lost Me (p. 139). Baker Publishing Group. Kindle Edition.
[3] لدراسة علميّة تنفي مقولة أنّ المسيحية أعاقت تطور العلوم سواء في عصر آباء الكنيسة (١٠٠-٥٠٠ م.)، أو العصور الوسطى، أو عصر الثورة العلميّة مع بداية القرن السادس عشر وحتى نهاية القرن السابع عشر راجع D. C. Lindberg, “The fate of science in patristic and medieval Christendom.” In P. Harrison, ed., The Cambridge Companion to Science and Religion (Cambridge: Cambridge University Press, 2010, 5th printing 2013), pp. 21-38 and J. Henry, “Religion and the Scientific Revolution.” In P. Harrison, ed., The Cambridge Companion to Science and Religion (Cambridge: Cambridge University Press, 2010, 5th printing 2013), pp. 39-58.
[4] A. Roberts and J. Donaldson, eds., rev. A. Cleveland Coxe The Anti-Nicene Fathers (Grand Rapids: Eerdmans, 1986), p. 246b.
[5] نفس المرجع السابق، ص. ١٣٣أ.
[6] http://orthodoxlive.blogspot.com/2012/08/blog-post_21.html، تمت زيارة الموقع بتاريخ ٢ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٨.
[7] R. J. Blackwell, Galileo, Bellarmine, and the Bible (Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1991), pp. 135-164.
[9] نفس المرجع السابق، ص. ٢٠-٢٢، T. Peters and G. Bennett, eds., Bridging Science and Religion (Minneapolis: Fortress, 2003), pp. 20-21; I. G. Barbour, When Science : Enemies, Strangers, or Partners? (New York: HarperCollins, 2000).
انظر أيضاً المقال الهام: D. R. Alexander, “Models for Relating Science and Religion.” https://faraday-institute.org/resources/Faraday%20Papers/Faraday%20Paper%203%20Alexander_EN.pdf
تمّت زيارة الموقع بتاريخ ٣ أيار (مايو) ٢٠١٩.
[10] R. Dawkins, The God Delusion (London: Bantam, 2006).
[11] T. Reddish, Science and Christianity: Foundations and Frameworks for Moving Forward in Faith (Eugene, OR: WIPF & STOCK, 2016), pp. 63-64.
[12] S. J. Gould, “Nonoverlapping Magisteria,” Natural History 106 (1997), pp. 16-22.
[13] K. W. Giberson & F. S. Collins, The Language of Science and Faith: Straight answers to genuine questions (London: SPCK, 2011), p. 85.
[14] T. Reddish, Science and Christianity: Foundations and Frameworks for Moving Forward in Faith (Eugene, OR: WIPF & STOCK, 2016), pp. 66-67.
[15] نفس المرجع السابق، ص. ٦٤.
[16] F. Watts, “Science, Religion, and Culture.” In F. Watts & K. Dutton, eds., Why the Science and Religion Dialogue Matters: Voices from the International Society for Science and Religion (Philadelphia/London: Templeton Foundation Press, 2006), p. 59.
[17] الدكتورة فنيس نقولا بولس، “الخلق والتطور”: التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس، المحرر المسؤول الدكتور القس أندريه زكي إسطفانوس، (القاهرة: دار الثقافة، ٢٠١٨)، ص. ١٠٦٣، الاقتباس الأخير مأخوذ من برتراند راسل، النظرة العلمية. تعريب عثمان نويه (القاهرة: مكتبة الأسرة والهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠١٥)، ص. ٢٤٩.
[18] F. Watts, “Science, Religion, and Culture.” In F. Watts & K. Dutton, eds., Why the Science and Religion Dialogue Matters: Voices from the International Society for Science and Religion (Philadelphia/London: Templeton Foundation Press, 2006), p. 69.
راجع أيضًا M. Golshani, “Creation in the Islamic Outlook and in Modern Cosmology.” In T. Peters, M. Iqbal and S. M. Haq, eds., God, Life, and The Cosmos: Christian and Islamic Perspectives (New York: Routledge, 2016, first published 2002 by Ashgate Publishing), pp. 223-248, esp. pp. 245-246.
[19] M. Stenmark, “Ways of relating science and religion.” In P. Harrison, ed., The Cambridge Companion to Science and Religion (Cambridge: Cambridge University Press, 2010, 5th printing 2013), pp. 287-290; M. Stenmark, How to Relate Science and Religion: A Multidimensional Model (Grand Rapids/Cambridge: Eerdmans, 2004), pp. 250-269.
[20] National Academy of Sciences, Teaching about Evolution and the Nature of Science (Washington, DC: National Academy Press, 1998), p. 58.
[21] انظر المراجع التالية لمعلومات أكثر عن علماء مسيحيين وكيفية التوفيق بين إيمانهم وعلمهم:
[22]https://www.darwinthenandnow.com/scientific-revolution/louis-pasteur/، تمّت زيارة الموقع بتاريخ ٢ أيار (مايو) ٢٠١٩.
[23] راجع كتاباته: D. Alexander, Beyond Science (Philadelphia: A. J. Holman, 1972); D. Alexander, Rebuilding the Matrix: Science and Faith in the 21st Century (Grand Rapids: Zondervan, 2003) and D. Alexander, Creation or Evolution: Do We Have to Choose? 2nd ed. (Oxford: Monarch Books, 2014).
[24] راجع كتاباته: A. E. McGrath, A Scientific Theology, 3 vols. (London: T&T Clark, 2001-2003) and A. E. McGrath and J. Collicutt McGrath, The Dawkins Delusion? Atheist Fundamentalism and the Denial of the Divine (Downers Grove: IVP, 2010).
[25] E. H. Ecklund, Science vs. Religion (Oxford: Oxford University Press, 2010), Kindle Edition. Pp. 157-158.
[26] نفس المرجع السابق، ص. ١٤٩-١٥٥.
[27] نفس المرجع السابق، ص. ١٧.
[28] نفس المرجع السابق، ص. ٢٠.
[29] https://www.christianitytoday.com/ct/2014/february-web-only/study-2-million-scientists-identify-as-evangelical.html، تمّت زيارة الموقع بتاريخ ٥ شباط (فبراير) ٢٠١٩.
[30] D. C. Dennett & A. Plantinga, Science and Religion: Are They Compatible? (Oxford: Oxford University Press, 2011), pp. 41-41.
[31] https://www.thegoodbook.com/blog/interestingthoughts/2019/01/09/the-time-john-lennox-was-pressured-to-give-up-his-/ ، تمّت زيارة الموقع بتاريخ ٩ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٩.
[32] تأسست في العام ١٩٤١، وتضمّ أكثر من ٢٠٠٠ مسيحي في الولايات المتحدة الأمريكية يحرصون على دراسة العلاقة بين العلم والإيمان www.asa3.org). )
[33] تأسست في العام ١٩٧٣ وهي مماثلة لتلك الواردة في الملاحظة السابقة ولكن مجال عملها في كنداwww.csca.ca) ).
[34] تأسست في العام ١٩٤٢ في المملكة المتحدة وتضمّ أكثر من ٨٠٠ فيلسوف، ولاهوتي، وعالم، ورجال دين مسيحيين.
[36] عن علاقة العلم بالإيمان في الفكر الإسلامي راجع، على سبيل المثال، M. Iqbal, “Islam and Modern Science: Questions at the Interface.” In T. Peters, M. Iqbal and S. M. Haq, eds., God, Life, and The Cosmos: Christian and Islamic Perspectives (New York: Routledge, 2016, first published 2002 by Ashgate Publishing), pp. 3-42; I. Kalin, “Three Views of Science in the Islamic World.”In ibid, pp. 43-76; A. Dallal, “Islamic Paradigms for the Relationship between Science and Religion.” In ibid., pp. 197-222; M. A. Anees, “Is the Science and Religion Discourse Relevant to Islam?” In F. Watts & K. Dutton, eds., Why the Science and Religion Dialogue Matters: Voices from the International Society for Science and Religion (Philadelphia/London: Templeton Foundation Press, 2006), pp. 81-89.
[37] R. J. Russell and I. G. Barbour, “The Center for Theology and the Natural Sciences: A Brief History.” www.ctns.org/about_history.html ، تمّت زيارة الموقع بتاريخ ١٩ آب (أغسطس) ٢٠١٨.
[38] يعتقد عالم اللاهوت التاريخي Claude Welch في كتابه Protestant Thought in the Nineteenth Century (Vol. 2, New Haven: Yale University Press, 1985) أن لغة “الصراع” بين العلم والإيمان تأثرت بكتابات مثل J. Draper, History of the Conflict Between Religion and Science (London and New York: D. Appleton and Company, 1874) and A. D. White, A History of the Warfare of Science with Theology in Christendom (London and New York: D. Appleton and Company, 1896)، ويضيف Welch أن السبب في ذلك هو أن هذه الكتب وغيرها استهدفت الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت.
[39] T. McLeish, Faith & Wisdom in Science (Oxford: Oxford University Press, 2014), p. 209.
[40]D. B. Haarsma and L. D. Haarsma, Origins: A Reformed Look at Creation, Design, & Evolution (Grand Rapids: Faith Alive, 2007), p. 25.
[41] D. Huthings and T. McLeish, Let There Be Science: Why God Loves Science, And Science Needs God (Oxford: Lion Hudson Limited, 2017), pp. 172-173, 189.
أسم الكاتب :القس.مودي عادل رمزي
منذ فجر التاريخ والإنسان في رحلة بحث دائمة ودؤوبة عن الله وهويته ووجود معنى حقيقي لوجوده على الأرض. وقد حَلم في سبيل ذلك بالمدينة الفاضلة التي نادى بها أفلاطون منذ عقود سحيقة. وهي التي ربما لم تظهر بعد للوجود، ولكنها ظلت وستظل تراود مُخيلة الإنسان من دور فدور. فالتاريخ الإنساني، يُخبرنا بالكثير عن الممالك والإمبراطوريات التي قامت وظهرت للوجود منذ بداية الخليقة، وعلى مر العصور وكر الأجيال. وقد حاولت أن تسطر بأحرف من نور أساسًا ومعيارًا أخلاقيًّا تستطيع أن تعيش البشرية في كنفه. معيار يُحقق هدف البشرية المنشود في تحقيق مجتمع متكامل ومتناغم تتحقق فيه العدالة الكاملة. هذه العدالة التي نُسخت لأجلها الشرائع، وسُنت القوانين في سبيلها، وتعددت المفاهيم، وكثُرت المصطلحات. فنستطيع أن نرصد بدقة في القديم شريعة حمورابي، وشريعة مادي وفارس التي لا تُنسخ. ونستطيع ألا نرصد ثمة تغيير في مضمون هذه الشرائع عن المواثيق والأعراف القانونية والدولية لحقوق الإنسان التي تُنادي بها المنظمات الدولية مثل هيئة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن وغيرهما من المؤسسات ذات الصلة.
وفي الواقع، إن كل هذه المحاولات سالفة الذكر ترسخ لأمر واحد فقط، هذا الأمر هو بمثابة صرخة الإنسانية في محاولة جادة لاستعادة الصورة لحياة أخلاقية متكاملة كانت يجب أن تكون، ولكن تشوهت ملامح وجودها. هذه النوعية من الحياة، هي التي صيغت لأجلها النظريات الأخلاقية المتعددة. وذلك ربما دون أن يكون أصحابها على علم أو وعي كامل بأن، هذه النظريات نسبية الوجود لا تزيد في كينونتها عن كونها ظلًّا للحقيقة. هذه الحقيقة الكاملة والمُطلقة القابعة في عقل وقلب ووجدان الكيان الإنساني. هذه الحقيقة المُطلقة هي بصمة ولمحة من لمحات كائن مُطلق وواجب الوجود. هذا الكائن الحامل لكل الأشياء والمعايير بكلمة قدرته. هذا الكائن السرمدي هو الله.
ومن ثم، سوف يناقش الباحث في هذه الورقة القضية الأخلاقية بين نسبية المعتقد وحتمية المضمون. وسوف أنبر على مدى تراكبية وتعقيد ونسبية القرار الأخلاقي في الفصل الأول. ثم، نسبية النظريات الأخلاقية في الفصل الثاني، متخذًا من النظرية النسبية الأخلاقية مثالاً واضحًا في هذا السياق الفكري. مستعرضًا ومؤكدًا في الفصل الثالث من الورقة البحثية على حتمية وجود معيار وقانون أخلاقي طبيعي متجذر داخل البشر. هذا المعيار هو بمثابة بصمة الله الواضحة في الإنسان. وهو الأمر الذي يُمثل هدف وذروة أطروحتنا وبحثنا في تلك القضية الشائكة، والتي تسمى بالقضية الأخلاقية.
الفصل الأول:
تراكبية (تعقيد ونسبية) القرار الأخلاقي:
إن الفلسفة الأخلاقية، هي فرع من فروع الفلسفة الذي يتضمن مفهومي السلوك الصائب والخاطئ. فالأخلاق هي المتممة لمفهوم الجمال في مبحث الأكسيولوجيا[1] الفلسفي. وهي التي تهتم بالسلوك الأخلاقي لدى البشر، وكيف ينبغي على البشر التصرف حيال الأمور والمواقف الحياتية المختلفة.[2]
وتجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن هناك توجهين أساسيين في هذا الشأن لبحث التراكبية والتعقيد في كيفية اتخاذ القرار الأخلاقي. وهما، الأخلاق الماورائية Meta Ethics “طبيعة القرار الأخلاقي، الصواب/الصلاح”، والأخلاق المعيارية[3] Normative ethics “مبادئ القرار الأخلاقي، الكيف”.
وسوف يعتمد الباحث الأخلاق المعيارية، كمنهجية فكرية لإبراز التراكبية الموجودة في أركان الموقف الأخلاقي الناجم عنه تعقيد في اتخاذ القرار نفسه. وكذلك، سوف يكون المدخل الفلسفي واللاهوتي هو سبيلنا في الوصول إلى غايتنا المنشودة من هذا الطرح، وليس الكتابي.
في الواقع، إن أي قضية أخلاقية لا تخلو من تعقيد في كيفية اتخاذ قرار أخلاقي معين حيالها. وهذا التعقيد أو تراكبية الموقف الأخلاقي ناجم عن وجود ثلاثة أطراف مختلفة لطبيعة هذا الموقف. وتتمثل الأطراف الثلاثة في الآتي: الفرد (الأنا)، المجتمع (الآخر)، الله (الله).
في سياق مُتصل، سوف أنبر في هذا السياق على البُعدين الفردي Morality والجماعي Ethics في هذا الفصل. تاركًا البُعد المتعلق بالله للفصل الثالث. وذلك في ضوء مناقشة حتمية وجود المعيار الأخلاقي المُطلق داخل الكيان الإنساني.
في الحقيقة، ليس كل ما يتناسب مع البُعد الفردي يتناسب مع البُعد الجماعي والاجتماعي، والعكس صحيح. وذلك مثل، القصة الشهيرة الخاصة بروبن هود[4]. وبالتالي، يسبب ذلك نوع من أنواع التشويش والنسبية في اتخاذ وتقييم القرارات الأخلاقية المختلفة. فلابد من وجود وحدة واحدة في اتخاذ القرار بيني وبين القرين أو الآخر، وكيفية وماهية تناول العلاقة بين الفرد والجماعة. وهو الأمر الذي يصعب تحديده في إطار واحد أو يُصنف وفق منهجية أو نظرية واحدة.
ومن ثم، تظهر نسبية القرارات الأخلاقية وتتباين من موقف لآخر، ومن مجتمع لآخر. وهذه النسبية ناجمة عن تعقيد العلاقة بين الفرد والجماعة كما أشرت. وتأخذ نسبية القرارات الأخلاقية مناحي عديدة تتبلور من خلالها. ولكن نظرًا لضيق مساحة الطرح الممنوحة لذلك. سوف أنبر على ثلاثة مناحي أو جوانب أو صور مختلفة لتلك الطبيعة النسبية للقرارات الأخلاقية والتي تُسبب تعقيدًا بها، وهي كالتالي:
أولاً، العلاقة بين الأخلاق والعبارات الحقائقية:
هناك فرق بين العبارات الأخلاقية والعبارات المعيارية والتقييمية. هذا الخلط يؤدي إلى حدوث تشويش. وهو بدوره يؤدي لتعقيد في الموقف الأخلاقي. وهو الأمر الذي يتمخض عنه نسبية في كيفية اتخاذ القرار ذاته. فعلى سبيل المثال لا الحصر، إن مقولة “الحياة غير عادلة” هي عبارة حقائقية. ولكن عندما تؤخذ بشكل معياري يؤدي ذلك لحدوث مشكلة أخلاقية. ويؤدي ذلك بدوره لنسبية في الطريقة التي يتم بها اتخاذ القرارات الأخلاقية تجاه هذه الحياة غير العادلة. ويرسخ هذا الأمر طرقًا متعددة لتقييم القرارات المختلفة تجاه الحياة، لاسيما في ظل زمن ما بعد الحداثة[5] الذي نحيا في غماره.
وبالتالي، هناك نسبية كبيرة في العلاقة بين الأخلاق المعيارية والعبارات الحقائقية. وهذا يقود بدوره لنسبية في اتخاذ الكثير من القرارات الأخلاقية التي يتخذها الفرد أو تنتهجها الجماعة.
ثانيًا، العلاقة بين الأخلاق والقانون:
إن القانون يجب أن يخدم الأخلاق، ويحقق نوعًا من أنواع العدالة في العالم والمجتمعات المختلفة. ولكن الواقع العملي يفرض نفسه بقوة في هذه العلاقة الكائنة بين الأخلاق والقانون، ليقول، بأن الأخلاق ليست دائمًا تحتاج إلى القانون. فمن الممكن أن نكسر القانون من أجل عمل أخلاقي والعكس. فالأخلاق مرتبطة بالروح الإنسانية. الروح تستطيع أن تطبق روح القانون وتقيم الموقف. فمن الممكن أن أبدأ بالقانون ولكن أنتهي بأمر أبعد من ذلك، أمر يخدم الله والمجتمع.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما يتم كسر إشارة مرور من أجل إنقاذ امرأة حامل. فهذا يتضمن إحياءً لروح القانون أو تفسيره في ظل معطيات جديدة. وهو الأمر الذي كان يفعله يسوع المسيح شخصيًّا في كسره ليوم السبت ليشفي المرضى. فهذا لتأكيده على أن الوصية أو القانون قد وُضع لأجل الإنسان وليس العكس.
وبالتالي، يتضح أمام عيني القارئ العزيز حجم الهوة النسبية السحيقة بين الأخلاق والقانون. وهو الأمر الذي تجتهد المجتمعات المختلفة حياله لمحاولة رأب الصدع بين الأخلاق والقانون.
ثالثًا، العلاقة بين الأخلاق والدين:
يقول بول تيليك إن الدين هو جوهر الحضارة، والحضارة هي شكل الدين. فالدين يعبر عن نفسه في الفن والسياسة والعلم. وكذلك، السياسة والفن والفلسفة هم صور الحضارة. مثل، الحضارة الإيطالية المصبوغة بصبغة دينية في عدد من الكنائس والفن الموجود بها.[6]
وبالتالي، الدين مرتبط بالأخلاق. وهذا بدوره يؤدي إلى تصادم بين الأخلاق المرتبطة بالحضارة، وبين الدين. ويُظهر بعد جديد لنا، يتمثل في وجود أمور نسبية كبيرة لعلاقات تبدو للوهلة الأولى بأنها ثوابت وحقائق مُطلقة. يقول سبينوزا في هذا الصدد، يعتقد البعض أنهم يتحكمون في قراراتهم طالما أنهم على وعي بما يفعلون. والحقيقة هي أنهم لا يستطيعون كبح جماح دوافعهم التي شكلتها معتقداتهم، وجعلتهم يتخذون مثل هذه القرارات.[7]
في نهاية هذا الفصل، نستطيع بعد كل الطرح السالف الذكر أن نصل لحقيقة مفادها، أن القرار الأخلاقي ليس بسيطًا أو فرديًّا مُطلقًا كما يعتقد البعض، ولكنه نسبيٌّ ومُعقَّدٌ. وذلك لأن له أطرافًا متشابكة ومؤثرة ومتأثرة ببعضها البعض حيال القضايا الأخلاقية المختلفة. وهذا بدوره يجعل بعض المفكرين والفلاسفة يرفضون فكرة وجود الحرية المُطلقة في القرار الأخلاقي.[8]
الفصل الثاني:
نسبية النظريات الأخلاقية (النظرية النسبية الأخلاقية كمثال):
لقد نبر الباحث من خلال الفصل السابق على نسبية وتراكبية القرار الأخلاقي. وفي مستهل هذا الفصل، أود أن أؤكد على أننا سوف نتناول إطارًا آخر مُكملًا للنسبية الأخلاقية. هذا الإطار هو، نسبية النظريات الأخلاقية المتعددة التي يحاول أصحابها وضع صياغات أخلاقية مختلفة لضبط الواقع العام. فهذه النظريات والصياغات هي بمثابة البيئة الحاضنة لنسبية المعتقدات الخاصة بكل فرد منهم على حدة. وسوف نستعرض في سبيلنا إلى ذلك، أهم ملامح للنظرية النسبية الأخلاقية وتقييمها. وذلك لتوضيح بُعد جديد للقضية الأخلاقية في ضوء النسبي والمُطلق، كمنهجية فكرية لهذا البحث.
في سياق غير مُنفصل، هناك الكثير من النظريات الأخلاقية التي تمثل نسبية في المعتقد والمرجعية. مثل، النسبية، والمنفعية، والواجبية، والأنوية، والفوق طبيعية، والوجودية، والحتمية وغيرها من النظريات الأخرى.
وتجدر الإشارة، بأن كل نظرية من هذه النظريات غرست معيارها الأخلاقي في ركن مختلف من أركان الموقف الأخلاقي المُشار إليهم أنفًا. وبالرغم من ذلك، نستطيع أن نرصد محاولات جادة لهذه النظريات في الوصول إلى منهجية وصورة أخلاقية متكاملة. ولكن سرعان ما يوجه إليهم انتقادات تقضي بشكل كبير على الأطروحة الأساسية الخاصة بهم.
ونظرًا لضيق مساحة الطرح، سوف يستعرض الباحث الملامح الرئيسية للنظرية النسبية فقط كمثال توضيحي لتأكيد سياق الطرح في هذا الفصل. وهو وجود نسبية حقيقية في معتقداتنا وقناعتنا حيال القضية الأخلاقية أيضًا، وليس نسبية في قرارنا الأخلاقي وحسب. وأهم هذه الملامح، كالتالي:
لقد عنت النظرية النسبية الثقافية أو النسبية الحضارية بسؤال هام عن، ما هو الحسن أو الصواب؟
وتمثلت الإجابة باختصار، بأن الحسن أو الصواب هو نسبي. وذلك لأنه متوقف على الثقافة أو الحضارة المحيطة. إن المبادئ الأخلاقية الحاكمة للإنسان تتشكل بالقواعد السائدة في مجتمعه المحيط، هذا ما تتبناه النظرية النسبية الأخلاقية. وأزيد من الشعر بيتًا، أنها تدعو لتجنب إطلاق حُكم على مبادئ ثقافية مختلفة من مجتمع لآخر. وذلك لأنها نسبية وغير محددة أو واحدة أو متساوية من مجتمع لآخر. فعلى سبيل المثال لا الحصر، الملبس المأكل متغيران ومختلفان بحسب أخلاقيات كل مجتمع. وهذا ما نبر عليه هيرودوت[9] عندما وضح الاختلاف في الشعائر الجنائزية المختلفة عند كل من اليونانيين الذين كانوا يحرقون موتاهم، والهنود الذين كانوا يأكلون موتاهم.[10]
وفي سياق متصل، لم تكن فكرة النسبية الثقافية المنبثقة من طبيعة المعتقد هي وليدة عصر الحداثة أو ما بعده. ولكن هذا التوجه هو موجود في المُحاجات والأطروحات الفلسفية والفكرية منذ الفلسفة اليونانية القديمة. فنجد السفسطائيين[11] صنفوا قوانين الأخلاق كاختراع من الضعفاء لحمايتهم. وأن الإنسان هو مقياس للأشياء جميعها. فالخير عندهم هو ما يراه الإنسان خيرًا، والشر هو ما يراه شرًّا. وذلك حسب ما تمليه عليه أهواؤه وشهواته. بينما نجد هرقليطس[12] أكد على أن الفعل النبيل هو ما يخضع لقانون العقل. ووسط هذا الزخم، يُطل علينا سقراط[13] بتدخله في هذا الطرح ليقول، بأن الطبيعة الإنسانية عقل وهوى. وهذا هو ما يمثل المذهب العقلي[14] الذي تعرض وبحث في مصدر الإلزام الأخلاقي، بجانب المصدر الحدسي، والتجريبي.[15]
بينما نجد إيمانويل كانط، قد تحدث عن الأسس العلمية المادية المعينة في مبدأ الأخلاقية. وذلك في ضوء مفهومي الذاتية والموضوعية. وقد قسم ذلك إلى عوامل داخلية وخارجية ذاتية وموضوعية، وهذا الأمر، كالتالي:
أولاً: خارجية وداخلية “ذاتية”، خارجية متمثلة في، التربية (بحسب مونتانيه[16])، والشعور الطبيعي (بحسب أبيقور[17]). داخلية متمثلة في، الدستور المدني (بحسب ماندفيل[18])، الشعور الأخلاقي (بحسب هاتشيسون[19]).
ثانيًا: خارجية وداخلية “موضوعية”، خارجية متمثلة في الصلابة في مواجهة الألم الخارجي (بحسب الرواقيين[20])، إرادة الله (بحسب كروزيوس[21]). داخلية متمثلة في، الكمال (بحسب فولف[22]).
وقد أدرج كانط مجموعة الأسباب الذاتية تحت مظلة أنها تجريبية من دون استثناء، ومن الواضح أنها غير صالحة لتكون مبدأ كليًّا للأخلاقية. وصنف المجموعة الموضوعية على أنها مؤسسة على العقل (لأن الكمال كونه صفةً مميِّزةً للأشياء والكمال الأسمى، مُتمثلاً في الجوهر، أي الله، لا يمكن التفكير في أي منهما إلا بواسطة مفاهيم عقلية)[23].
وتجدر الإشارة في هذا الإطار، إلى أن آخر فلاسفة التنوير “كانط”، قد نبر في سياق إجابته على أحد أسئلته الكبرى “ماذا يجب على الإنسان فعله؟” بأن استخدام عقولنا يستلزم الاعتراف بحرية التفكير في المجتمع. وهو مبدأ دعا له فلاسفة كثيرون قبل كانط. مثل، لوك وفولتير وروسو.[24] وهو الأمر الذي له طابع نسبي بحسب وجهة نظري. لأن مفهوم الحرية يحمل مدلولًا مختلفًا من شخص لآخر، ومن مجتمع لآخر. وكذلك، الكيفية التي نستخدم بها عقولنا لها طابع نسبي مقترن بطبيعة المعتقد الذي شكلته البيئة والثقافة التي ترعرعنا في ظلها. وبالتالي، لا نستطيع أن نفصل الطبيعة النسبية لأطروحة كانط في إجابته على السؤال الأخلاقي الأهم، ماذا يجب أن أفعل؟
وفي قناعة الباحث، بأن كانط أستطاع بتفرد منقطع النظير أن ينبر على الأسس النسبية للأخلاق، لاسيما فيما يتعلق بالأسس الذاتية التي يراها غير صالحة لأن تكون مبدأ كليًّا للأخلاق. وهذا يؤكد أن النسبية التي يتم على أساسها صياغة النظريات الأخلاقية غير كافية كمعيار يمكن أن يحقق ما تصبو إليه المجتمعات من سلام ورخاء وسعادة وجمال وكمال. وذلك لأن مفهوم النسبية لا يتسم بالاستقرار والثبات في المعتقدات التي تحقق وحدة وتماسك البناء الاجتماعي للمجتمعات المتعددة بل والعالم بأسره كوحدة واحدة.
أما فيما يتعلق بالجزء الموضوعي الخاص بالطرح السالف الذكر، فسوف أتحدث عنه باستفاضة في الفصل الثالث والأخير من هذا البحث، لاسيما بالشق المتعلق بالله الواجب الوجود. وذلك لكي تكتمل جنبات الصورة والأطروحة التي نحن بصدد الحديث عنها، والبحث في أغوار مكنوناتها.
ومن ثم، نستطيع أن نرصد بدقة وبموضوعية التوجه النسبي لدى الإنسان في الحكم على قضاياه الأخلاقية المختلفة. هذا التوجه غير المُحدد بمرحلة أو فترة معينة. وذلك لأنه منتشر عبر التاريخ الإنساني السحيق. فالنسبية الثقافية أو الحضارية لها إرث فكري وفلسفي طويل مُحدد ملامحه بطبيعة المعتقد والعادات والتقاليد الموجودة في مجتمع وآخر.
وبذلك يكون تبقى للباحث سؤال واحد باقي للتحليل والإجابة في ختام طرحنا عن التوجه النسبي بشكل عام حيال القضية الأخلاقية. وهذا السؤال هو، ما هي الانتقادات المنطقية التي وجهت للنظرية النسبية؟
سوف تُمثل إجابةُ هذا السؤال، البُعدَ التقييمي الذي أشرت له في مقدمة هذا الفصل. وفي الحقيقة، سوف أكتفي بطرح ثلاث نقاط نقدية فقط من بين نقاط كثيرة في هذا الشأن. وذلك لضيق مساحة الطرح. وهذه النقاط كالتالي:
أولاً، هناك اتفاق كبير جدًّا حول الكثير من القضايا الأخلاقية عبر الحضارات وحول العالم بأسره. مثل، تجريم القتل والسرقة والاغتصاب وغيرها من القضايا الشائكة والحساسة. كذلك، هناك اتفاق حول مبادئ وتوجهات إيجابية في المجتمع والعالم بأسره. مثل، الأمانة والولاء والكرم وغيرها من العادات الكريمة. وهذا بحسب قناعة الباحث، يحد بدوره من وطأة التوجه النسبي المستشري في أوصال المجتمعات، وبين أوساط المثقفين. وذلك لأن الاتفاق العام للكثير من القضايا يقودنا إلى توجه فكري آخر. هذا التوجه هو التوجه المُطلق. ويبرز بدوره سؤال للوجود وهو، ما هو المعيار العام الذي تمخض عنه الاتفاق في الكثير من القضايا الأخلاقية؟ (سؤال للقارئ، وسوف يجيب عنه الباحث في الفصل الثالث).
ثانيًا، إن واقعنا العملي يقول بأن العالم توجد به تعددية ثقافية أكثر تعقيدًا من مفهوم النظرية النسبية. فالتداخل بين الثقافات نظرًا للتطور التكنولوجي وبهدف التعاون المشترك أصبح ضخمًا جدًّا. وبالتالي، هذا يحد من المفهوم النسبي الذي يقسم المجتمعات إلى جزر منعزلة. فعلى الرغم من أننا نحيا في زمن ما بعد الحداثة، أي نسبية كل شيء كما أشرت من قبل. ولكننا نحيا في زمن العولمة[25] أيضًا، والذي جعل من العالم قرية صغيرة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فيروس صغير وقاتل مثل الكورونا Covid-19 داهم وهاجم العالم دون هوادة، وحصد الأرواح بلا رحمة. وكذلك، النظام المالي العالمي أصبح له علاقة وثيقة ومشتركة ببعضه البعض في السراء والضراء، وليس النظام الأخلاقي وحسب. وبالتالي، لا نستطيع أن نُطلق كلمة النسبية في عمومها بالرغم من واقعيتها على المجتمعات فيما يتعلق بالقضايا الأخلاقية المُتفق عليها.
ثالثًا، هناك ما يُسمَّى بالقيم الموضوعية للأخلاق. هذه القيم غير متوقفة على القناعة الشخصية لدى الأفراد، أو النظرة المجتمعية المُحددة لهذه القيم. وهذا الأمر هو ما يُطلق عليه الواقعية الأخلاقية. وهي التي تُنادي بوجود أخلاق بغض النظر عن الرأي الشخصي للأفراد أو المجتمعات. كما أنها تؤكد على وجود صواب وخطأ موضوعيًّا دون الرجوع إلى آراء البشر. وذلك مثل، ما قاله مارتن لوثر كنج[26] عن العنصرية، العنصرية خطأ بغض النظر عن رأي الشعوب.
في نهاية هذا الفصل، لقد استعرض الباحث التوجه النسبي الذي تمخضت عنه الكثير من النظريات الأخلاقية. وقد جاء كشق آخر رئيسي للتوجه النسبي في أطروحتنا، بجانب نسبية القرار الأخلاقي. وقد اتخذت من النظرية النسبية الأخلاقية تأكيدًا لمسار أطروحتي حول التوجه النسبي. وقد نبرت على ثلاثة انتقادات منطقية للنظرية النسبية. هذه النقاط التي وضعت كإطار تقييمي للنظرية في سبيلها لأن تقودنا إلى منعطف جديد في رحلة بحثنا. وذلك لأننا قد وصلنا لحقيقة من الطرح السالف مفادها، بأن هناك بُعدًا ومعيارًا موضوعيًّا متجذرًا في وجدان الإنسان. هذا البُعد مُتَّفق عليه بالفطرة بحسب الطبيعة الإنسانية. فربما هناك نظريات وتفسيرات واستنتاجات وتكهنات وقرارات نسبية حقيقية موجودة في حياة الإنسان الأخلاقية. ولكنها تندرج كظل لحقيقة بُعد آخر أكثر وضوحًا ونضوجًا. هذا البُعد المُطلق الوجود هو ما سوف نتحدث عنه ونفكر فيه في إطار الفصل الثالث من عمر هذا البحث.
الفصل الثالث:
حتمية وجود القانون الأخلاقي الطبيعي أو العام (المُطلق):
أشرت في أكثر من مرة خلال هذا البحث بأنني سوف أجيب أو أتحدث عن الشق الموضوعي أو البُعد المُطلق للقضية الأخلاقية التي هي غاية نقاشنا في هذا البحث. وذلك في ضوء التوجه النسبي والمُطلق. وقد تمت مناقشة هذه القضية في ضوء التوجه النسبي ببعديه الأساسيين. ونحن الآن بصدد مناقشة الأمر في ضوء التوجُّه المُطلق. وذلك لكي تتضح أبعاد القضية بشكل متكامل ومترابط منطقيًّا وفلسفيًّا ولاهوتيًّا، وربما دفاعيًّا. وسوف أتخذ مما توصلنا إليه من نتائج خلال الفصلين السابقين ركيزة أساسية للانطلاق إلى ذروة أطروحتنا في هذا الفصل. وهذه النتائج كالتالي:
أولاً، أن القرار الأخلاقي ليس بسيطًا أو فرديًّا مُطلقًا كما يعتقد البعض، ولكنه نسبيٌّ ومُعقَّدٌ. وذلك لأن له أطرافًا متشابكة ومؤثرة ومتأثرة ببعضها البعض حيال القضايا الأخلاقية المختلفة. هذه الأطراف هي: الله وأنا والآخر.
ثانيًا، لا يزيد وجود نظريات نسبية أخلاقية متعددة عن كونها ظلًّا للحقيقة. وذلك لتشابك وتخبط ومحدودية الرؤى والزوايا في الطرح لدى الإنسان. فبالرغم من لمسنا للتوجه النسبي في كل تعاملاتنا الأخلاقية إلا أن فطرتنا تصرخ داخلنا بما هو أعمق من ذلك. هذه الفطرة أو الطبيعة ليست هي التي نادى بها نيتشه[27] وعول عليها مصدر الأخلاق عندما قال: إن مصدر الأخلاق طبيعي بحت. هدفه الحفاظ على النوع، واستمرار الفرد، وتحقيق فائدة شخصية غير مباشرة من خلال؛ الفائدة العامة المباشرة. وبالتالي، يجب أن يُفسر المعيار الأخلاقي في الإنسان بطريقة مادية، ووفقًا لقانون طبيعي.[28]
وهنا كباحث يجب أن أتوقف بنظرة تحليلية وأقول، بأن نيتشه قد جانبه الصواب في الخلط بين ما هو مادي وطبيعي. وذلك لأنه قام بقياس معيار غير مادي وهو المعيار الأخلاقي، بطريقة مادية بحته. ويقود ذلك إلى مغالطة منطقية. لأن وحدة القياس لا بد أن تكون وحدة أسمى من الشيء المُقاس. كذلك، لا بد أن تملك القدرة على التحكم في أبعاد الشيء المُقاس، وتُحدد هدفه النهائي. وهذا بالتأكيد ما لا يستطيع فعله المعيار المادي في مقابل المعيار غير المادي.
وكذلك، قد حصر هدف الأخلاق في الحفاظ على النوع، واستمرار الفرد وحسب. وهو قصور شديد في مضمون الهدف، أو الغرض الوجودي للإنسان على الأرض. لأنه لم يضع تفسيرًا منطقيًّا حول الهدف النهائي الناتج عن الحفاظ على الفرد، واستمرار نوعه.
ومن ثم، يظهر من النتيجة الأولى، بأن الله طرف أصيل في معادلة القرار الأخلاقي. وهو طرف لا يمكن تجنبه أو تحييد موقفه. بل هو طرف وجوبي الوجود مؤسس عليه وجود باقي الأطراف. فهو طرف يمثل الحقيقة المُطلقة التي ربما أستقبلها أنا والآخر (المجتمع) بشكل نسبي. ولكن يظل معيارها محتفظًا بصفاته الأساسية التي سببت وجود كيان لهذا المعيار داخل الإنسان منذ وجوده على الأرض.
كما يظهر من النتيجة الثانية، أن هناك معيارًا مُطلقًا وواجبَ الوجود قد أسس المعتقدات الرئيسية لدى الإنسان. وهي المعتقدات والقناعات الموجودة بالفطرة داخل الإنسان منذ فجر وبزوغ التاريخ الإنساني على الأرض. هذه القناعات التي ربما لها طابع نسبي في التطبيق، ولكن لها طابع مُطلق في المضمون. وهذه هي ذروة أطروحتنا الرئيسية من هذا البحث.
ويتمخض عن هذه النتائج وهذا الطرح سؤال ربما لدى القارئ وهو، لماذا هناك حتمية لوجود معيار مُطلق للأخلاق في حياة الإنسان؟
في الواقع، هناك الكثير من الأسباب التي ربما تصلح للإجابة على هذا السؤال الشائك والهام. ولكن سوف أكتفي بسرد ثلاثة أسباب فقط. وذلك في إطار نظرة مسيحية تتسم بالموضوعية والمنطقية في الطرح. وهذه الأسباب كالتالي:
أولاً، تُنادي العقيدة المسيحية باتباع تعاليم السيد المسيح التي تحُث على الفضيلة بكل صورها، وتشجب كل ما هو دون ذلك. كما يظهر جليًّا في صفحات الكتاب المُقدس بعهديه القديم والجديد التعاليم الروحية والأخلاقية التي طالما ما رفضها الإنسان منذ أن وطأت أقدامه هذه الأرض. فالمسيحية تتعامل مع الإنسان على أنه كائن أبدي. لذلك هو مدعو لحياة روحية وأخلاقية سامية من خلال العلاقة مع صاحب هذا المعيار داخله.
يُصيغ سي أس لويس مفهومه عن المعيار الأخلاقي بحسب الفكر المسيحي كالآتي: تؤكد المسيحية على خلود الإنسان وأبديته. لذلك ونحن نتحدث عن الخلود لا بد أن نفكر في المجالات الثلاثة كلها، وهي: أولاً، العلاقة بين الإنسان والإنسان. ثانيًا، الأحوال في داخل كل إنسان. ثالثًا، العلاقة بين الإنسان والقدرة التي خلقته. وفي وسعنا جميعًا أن نتعاون في المجال الأول. إنما تبدأ التعارضات في المجال الثاني. ثم تصير أدهى وأخطر في المجال الثالث. وفيما يخص المجال الثالث تظهر الفوارق الرئيسية بين الأخلاقيات المسيحية والأخلاقيات غير المسيحية.[29]
يدعم الباحث بشدة الطرح السالف لسي أس لويس. وذلك لسببيين رئيسيين، وهما:
أولاً، لقد نبر لويس بتفرد على الأبعاد الثلاثة للقرار الأخلاقي في حياة الإنسان. ولا نستطيع أن نفهم هذه التعريفات لاسيما الثاني والثالث منها ونترجمها في واقعنا العملي، سوى في ضوء ما تؤكده المسيحية حول فكرة قيامة الإنسان مرة أخرى بعد الموت. وذلك لأن هناك ثمة علاقة بين الإنسان والقدرة السرمدية التي خلقته وأوجدت داخله هذا المعيار. فلو تم محو كل ذلك بمجرد موت جسد الإنسان يصبح كل ما في الأمر هو عبثيًّا برمته.
ثانيًا، هناك رغبة فوق طبيعية ومتسامية داخل كل إنسان تتوق لمعرفة الله وعبادته. وهو التفسير الأقرب من الناحية المنطقية والعملية لما يجول داخل النفس الإنسانية من أفكار ومشاعر. وذلك في مقابل أطروحة نيتشه الذي حاول تفسير كل هذه الأمور فوق الطبيعية والمتسامية وغير المادية بطريقة مادية بحتة. وهو الأمر الذي يتبناه الكثير من المُلحدين. فيقول بول كلتر في هذا السياق: ربما أكبر فارق بين البشر والحيوانات يكمن فيما يميز البشر من وعي وضمير. وما لديهم من قدرة على التفكير العميق في صفاتهم وأفعالهم ودوافعهم. وهو ما لا يتوفر لأي من الأنواع الأخرى.[30]
ومن ثم، يعبِّر الوعي الموجود داخل كل إنسان عن وجود بُعدٍ أسمى يتوق للتواصل معه. هذا البُعد الأسمى الذي هو بالأساس من وضع هذا الوعي داخل الإنسان من البداية، وميزه به عن الكائنات الأخرى. وفي قناعة الباحث، هذا البُعد الأسمى يُسمَّى الله. فهو صاحب كود البصمة الأخلاقية في الطبيعة الإنسانية المسؤولة عن جعله كائنًا يعيش بسموٍّ وتميز يميزه عن سائر المخلوقات الأخرى. وهذا الأمر حتمي ينبع من حتمية وجود كائن سرمدي لا محدود (الله).
ثالثًا، يوجد داخل كل إنسان حسٌّ فطري للعدالة ولتطبيق معايير الحق والجمال والكمال. وهذا الأمر لن يتحقق بشكل ملموس في واقعنا الإنساني سوى عن طريق الشروع في البحث عن المُطلق (الله) داخلنا. وأن نجعل منه مبدأ نشوء المعرفة الإنسانية وتكونها. إن معرفة طبيعة الله الحقيقية هي ما يسمح بانصهار عقل الإنسان المحدود في عقل الله اللامحدود وبإدراك أن قوة الفكر فينا ليست غير قوة الفكر الإلهي، وبهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا لأنه أعطانا من روحه.[31]
في سياق متصل، إن وجود الكائن المُطلق هو ما يفسر ويشكل وعينا بأنفسنا والأشياء المحيطة بنا بكيفية أفضل.[32] في نفس الإطار، يُضيف سورين كيركجارد: هناك الكثير من الأمور الموجودة في الحياة التي تخدع الإنسان وتجعله يفقد هوية الحياة التي يحياها. فمنها المُبهج، ومنها المُحزن والصعب. فهو لن يستطيع أبدًا أن يُصبح على وعي كامل بروحه ونفسه. كذلك، هو لن يستطيع أن يكون على علم كامل بإحساسه العميق. هذا الإحساس العميق، والوعي الكامل للنفس هو الله.[33]
وفي رأي الباحث حول هذا الأمر، إن عدم قدرة الإنسان على الوعي الكامل بما يتغلغل داخله من أحاسيس ومشاعر بالرغم من أنها داخله، فهو دليلٌ واضحٌ على وجود ما هو أبعد من مجرد تلك المشاعر. هذا البُعد هو المُكون لتلك النفس، والذي في منظوري لا يتسنى سوى أن يكون الله. وبالتالي، تظهر بوضوح حتمية وجود المعيار العام المُطلق المغروس داخلنا وحولنا وفي كل مكان في الكون. هذا المعيار الذي اختزله فلاسفة العالم إلى فكرة مفردة، ودرسه علماء الاجتماع كظاهرة ثقافية، بينما حشره الوجوديون في شعور، فلا عجب أن يصرخ السائل الصادق: “من أنت يا الله؟”.[34]
في نهاية هذا الفصل، إن القضية الأخلاقية ذات طبيعة نسبية في معتقدات وقناعات أصحابها، وطريقة تطبيقهم لها في صورة قرارات أخلاقية متباينة. ولكنها في نفس الوقت، ذات مرجعية ومضمون مُطلق مؤسس على الله الواجب الوجود. وهناك حتمية لوجود هذا الكائن المُطلق الذي يُشكل ويُصيغ ويحدد ملامح كل ما هو نسبي في حياتنا. لذلك يجب علينا كمجتمع بشكل عام، والكنيسة بشكل خاص، أن تعي جيدًا مضمون هذه الدعوة المعطاة لها. فالله الكائن المُطلق يعمل من خلالها لتشكيل الواقع الأخلاقي النسبي المحيط بها. في الحقيقة، إن الكنيسة مدعوة لكي تكون مجتمع متميز يعيش بحسب وصايا المسيح، ومبادئ ملكوت الله، وسلطان الروح. تُدعى الكنيسة بنعمة الله للمشاركة في تجديد العهد للعالم من خلال المسيح. فهي مدعوة لتكون كنيسة العالم كانعكاس لله المثلث الأقانيم.[35]
الخاتمة
لقد تعرض الباحث في خضم هذه الورقة البحثية للكثير من الأطروحات الفكرية والفلسفية المترابطة والمتعددة. وقد حاولت أن أتحرى أقصى درجات الدقة والموضوعية في إطار أطروحتنا الفكرية التي حملت عنوان، القضية الأخلاقية بين نسبية المعتقد وحتمية المضمون. وذلك في إطار توجه النسبي والمُطلق. وقد شمل الفصل الأول من هذا البحث، النسبية الموجودة في القرار الأخلاقي نتيجة تعدد وتشابك أطرافه. وقد جاء الفصل الثاني، ليعكس توجهًا نسبيًّا آخر لقضيتنا الأخلاقية، وهو نسبية المعتقد الذي تمخض عنه الكثير من النظريات الأخلاقية. وقد اتخذت من النظرية النسبية الثقافية أو الحضارية مرجعية لهذا الطرح (ملامح أساسية، وتقييم نقدي). وقد ذهبت لما هو أبعد من التوجه النسبي في الفصل الثالث والأخير. وهو التوجه المُطلق والذي يمثل ذروة أطروحة بحثنا. وقد تعرضت لحتمية وجود معيار عام أو مُطلق تمخض عنه كل ما هو نسبي في نظرتنا وتقييمنا وتحليلنا للقضية الأخلاقية. فهي التي طالما أرقت فكر الإنسان في رحلة بحثه الدؤوب للوصول للحق المُطلق، والجمال المتناهي، والكمال المتسامي.
وقد خَلص الباحث، بأن النسبية الموجودة في القضية الأخلاقية سواء على مستوى القرار الأخلاقي أو المعتقد هما، نتيجة صراع داخلي لمعيار مُطلق قابع داخل الكيان الإنساني. هذا المعيار هو الذي خلق وشكل ويشكل في طبيعتنا الإنسانية. فهو الجزء غير المنظور أو المحدود أو المادي داخلنا. فهو البُعد الذي ليس لنا قدرة على الإلمام بكل أبعاده على الرغم من أنه قابع داخلنا. فهو الذي يدفعنا نحو إنسانيتنا التي أوجدنا لكي يرانا عليها. وهو الذي يصرخ داخلنا ونصنفه على أنه “الضمير” ليدفعنا نحو الحق والجمال والكمال. فهو الذي يستلهم أفكارنا ويشحذ قوانا ليمكننا بأن نعيش تلك الصورة البراقة والخلاقة والمتفردة التي أراد أن يرانا عليها. هذا المعيار الحتمي والمُطلق الوجود هو الله. وهو الذي دعانا ككنيسة وكأفراد لكي نتجسد في حياة مجتمعنا المحيط. ونكون فاعلين ومؤثرين في نسبية واقعنا الأخلاقي. هذا الواقع الذي تشوهت ملامحه وتشرذمت أوصاله نتيجة تشوه صورة المعيار المُطلق داخلنا. ولكي نستعيد صورتنا وكينونتا الأخلاقية من جديد، فثمة طريق واحد أمامنا ككائنات نسبية (غير واجبة الوجود) وهو، استعادة العلاقة مع الله (المعيار المُطلق الواجب الوجود) مرة أخرى. وبالتالي، يتم وأد الهوة، ورأب الصدع بين النسبي والمُطلق في كل مناحي الحياة، وليست القضية الأخلاقية وحسب.
المراجع
المراجع العربية:
زكارايوس، رافي. صرخات القلب “إدراك قرب الله عندما يبدو بعيدًا جدًا”. ترجمة: لوئيس حداد. لبنان: دار منهل الحياة، 2011.
سبينوزا، باروخ. علم الأخلاق. ترجمة: جلال الدين سعيد. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،2009.
فارس، فايز. علم الأخلاق المسيحية. القاهرة: دار الثقافة، 1987.
كانط، إيمانويل. نقد العقل العملي. ترجمة: غانم هنا. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008.
كلتر، بول ب. مقال ليكن نور، الصراع بين الخلق والتطور. القاهرة: صوت أونلاين،2017.
لويس، سي أس. المسيحية المجردة. ترجمة: سعيد ف. باز. عمان: أوفير، 2006.
نيتشه، فريدريك. هذا الإنسان. ترجمة: مجاهد عبد المنعم. الجيزة: هلا للنشر والتوزيع،2011.
المراجع الأجنبية:
Benedict Spinoza, Spinoza’s Ethics, (Edinburgh: Beth lord, 2010).
B.F. Skinner, Walden Two, (New York: Macmillan,1948(.
Michel de Montaigne, Les Essais (Paris: s. n., 1580).
Martial Gueroult, Spinoza, collection analyse et raisons; 18 tome 2, (Paris: Aubier-Montaigne,1974(.
Richard J. Plantinga, An Introduction to Christian Theology (United Kingdom: Cambridge University Press, 2010).
Sören Kierkegaard, The Sickness unto Death (New Jersey: Princeton University Press, 1941).
المواقع الالكترونية:
https://ar.wikipedia.org/wiki/ تم الدخول عليه 21/9/2020
https://arabicpost.net تم الدخول عليه 28/9/2020.
https://www.who.int/ar/emergencies/diseases/novel-coronavirus تم الدخول عليه 27/9/2020
مقالات منشورة:
أنور مغيث، أسئلة كانط الكبرى، مقال في الفلسفة، جريدة الأهرام المصرية، 22/9/2020.
محاضرات غير منشورة:
هاني حنا، مقدمة علم الأخلاق، محاضرة في الأخلاق، 15/1/2020.
هاني حنا، مقدمة علم الأخلاق، محاضرة في النظرية النسبية الأخلاقية، 25/1/2020.
[1] الأكسيولوجيا: هو المبحث الفلسفي المعني بالأخلاق، لاسيما المتممة لمفهوم الجمال.
[2] https://ar.wikipedia.org/wiki/ تم الدخول عليه 21/9/2020
[3] الأخلاق المعيارية: تتعلق بالأساليب العملية لتحديد نهج أخلاقي للأفعال المعقدة، والمبادئ الواجبة التي ينبغي أن أحيا بها.
[4] روبن هود: هو شخصية إنجليزية برزت في الفلكلور الإنجليزي. وهي تمثل فارسًا شجاعًا، مهذبًا، طائشًا وخارجًا عن القانون، عاش في العصور الوسطى وكان يتمتع ببراعة مذهلة في رشق السهام. تمثل أسطورة روبن هود في العصر الحديث شخصًا قام على سلب وسرقة الأغنياء لأجل إطعام الفقراء، بالإضافة لذلك حارب روبن هود الظلم والطغيان.
[5] زمن ما بعد الحداثة: مرحلة جديدة في تاريخ الحضارة الغربية تتميز بالشعور بالإحباط من الحداثة، ومحاولة نقد هذه المرحلة والبحث عن خيارات جديدة. وكان لهذه المرحلة أثر في العديد من المجالات. وتتميز بنسبية في كل شيء.
[6] هاني حنا، مقدمة علم الأخلاق، محاضرة في الأخلاق، 15/1/2020.
[7] Benedict Spinoza, Spinoza’s Ethics, (Edinburgh: Beth lord, 2010), 111,112.
[8] B.F. Skinner, Walden Two, (New York: Macmillan,1948),257, 264.
[9] هيرودوت: هيرودوت أو هيرودوتس (باليونانية: Ἡρόδοτος)، (باللاتينية: Herodotus) كان مؤرخًا إغريقيًّا يونانيًّا آسيويًّا عاش في القرن الخامس قبل الميلاد (حوالي 484- 425 ق.م). اشتهر بالأوصاف التي كتبها لأماكن عدّة زارها حول العالم المعروف آنذاك، وأناس قابلهم في رحلاته وكتبه العديدة عن السيطرة الفارسية على اليونان.
[10] هاني حنا، مقدمة علم الأخلاق، محاضرة في النظرية النسبية الأخلاقية، 25/1/2020.
[11] السفسطائية: هي مذهب فكري فلسفي نشأ في اليونان إبان نهاية القرن السادس وبداية القرن الخامس ق.م في بلاد الإغريق، بعد انحسار حكم الأقلية الأوليغارشية وظهور طبقة حاكمة جديدة ديموقراطية تمثل الشعب، وقد ظهر السفسطائيون كممثلين للشعب وحاملين لفكره وحرية منطقه ومذهبه العقلي.
[12] هرقليطس: فيلسوف يوناني في عصر ما قبل سقراط. كتب بأسلوب غامض، يغلب طابع الحزن على كتاباته، ولذا، عُرف بالفيلسوف الباكي. تأثر بأفكاره كل من سقراط وأفلاطون وأرسطو.
[13] سقراط: فيلسوف وحكيم يوناني (470- 399 ق.م) فيلسوف يوناني كلاسيكي. يعتبر أحد مؤسسي الفلسفة الغربية.
[14] المذاهب العقلي والحدسي والتجريبي: مذاهب فلسفية تتعرض لمصدر الإلزام الأخلاقي.
[15] فايز فارس، علم الأخلاق المسيحية (القاهرة: دار الثقافة، 1987)، 12.
[16] ميشال دو مونتانيه: كاتب فرنسي دون أفكاره في السياسة والدين والأخلاق والتربية في مؤلفه الرئيسي:
Michel de Montaigne, Les Essais (Paris: s. n., 1580).
[17] أبيقور: هو فيلسوف يوناني قديم عاش في الفترة بين عامي (341- 270 ق.م)، أسس مدرسة فلسفية سميت باسمه هي المدرسة (الأبيقورية). غاية الفلسفة بالنسبة لأبيقور كانت الوصول للحياة السعيدة والمطمئنة ولها خاصتين: “Ataraxia”، وتعني الطمأنينة، والسلام، والتخلص من الخوف و”Aponia” وتعني غياب الألم. (والسعادة هي أمر نسبي بحسب قناعة الباحث).
[18] برنارد دو ماندفيل: طبيب وكاتب إنجليزي، نشر سنة 1705 أمثولة النحل، يظهر فيه أن الأنانية هي الدافع لكل الحياة الأخلاقية والثقافية. وفي مقالة (الحكم المدني)، يرى أن الأنانية ورذائل الأفراد هي التي تفرز في نهاية الأمر ازدهار الجماعة.
[19] فرانسيس هاتشيسون: فيلسوف إيرلندي، يرى أنه يوجد “حس أخلاقي” يجعلنا قادرين على ما هو أخلاقي في أفعالنا.
[20] الرواقيون: أتباع زينون القبرصي مؤسس المدرسة الرواقية التي من أتباعها الحكماء الرومان. مثل، سينيكا وماركوس أوريليوس. وتنادي برباطة الجأش والصلابة في مواجهة الألم على عكس المدرسة الأبيقورية.
[21] كرستيان كروزيوس: فيلسوف ولاهوتي ألماني. أظهر حدود المنهج الرياضي في تطبيقه على الموضوعات الحقيقية.
[22] كرستيان فون فولف: فيلسوف ألماني. مؤسس الفلسفة العقلانية في ألمانيا. ومنادي “بالثقة الكاملة في العقل”. أشهر كتبه “الفلسفة الأولى أو الأنطولوجية”.
[23] إيمانويل كانط، نقد العقل العملي، ترجمة: غانم هنا (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، 97، 98.
[24] أنور مغيث، أسئلة كانط الكبرى، مقال في الفلسفة، جريدة الأهرام المصرية، 22/9/2020.
[25] زمن العولمة: تعني جعل الشيء عالميًّا أو جعل الشيء دولي الانتشار في مداه أو تطبيقه.
[26] مارتن لوثر كنج: رجل دين وناشط في مجال الحقوق المدنية منذ منتصف الخمسينيات. من بين جهوده العديدة، أنه ترأس مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية (SCLC)، الذي شكَّل مُنطلقًا شعبيًّا لإدارة الحراك والمظاهرات.
https://arabicpost.net تم الدخول عليه 28/9/2020.
[27] فريدريك نيتشه: (بالألمانية: Friedrich Nietzsche) (15 أكتوبر 1844 – 25 أغسطس 1900) فيلسوف ألماني، ناقد ثقافي، شاعر وملحن ولغوي وباحث في اللاتينية واليونانية. كان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث.
[28] فريدريك نيتشه، هذا الإنسان، ترجمة: مجاهد عبد المنعم (الجيزة: هلا للنشر والتوزيع، 2011)، 111.
[29] سي أس لويس، المسيحية المجردة، ترجمة: سعيد ف. باز (عمان: أوفير، 2006)، 81، 82.
[30] بول ب. كلتر، مقال ليكن نور (الصراع بين الخلق والتطور) (القاهرة: صوت أونلاين،2017)، 13.
[31] باروخ سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة: جلال الدين سعيد (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، 19.
[32] Martial Gueroult, Spinoza, collection analyse et raisons; 18 tome 2, (Paris: Aubier-Montaigne, 1974), 7.
[33] Sören Kierkegaard, The Sickness unto Death (New Jersey: Princeton University Press, 1941), 2.
[34] رافي زكارايوس، صرخات القلب “إدراك قرب الله عندما يبدو بعيدًا جدًّا”، ترجمة: لوئيس حداد (لبنان: دار منهل الحياة، 2011)، 33.
[35]Richard J. Plantinga, An Introduction to Christian Theology (United Kingdom: Cambridge University Press, 2010), 33.
أسم الكاتب :چورچ إسحق
في إطار نشاطها للتواصل مع الشعب الإنجيليّ في مِصر، نَظَّمَت الطائفة الإنجيليّة بمِصر يوم الثلاثاء الموافق الخامس عشر من شهر ديسمبر الماضي، برئاسة الدكتور القسّ أندريه زكي، لقاءً روحيًّا تفاعُليًّا عَبرَ وسيط التواصل الإلكترونيّZOOM ، وصفحة رئاسة الطائفة بموقع التواصل الاجتماعيّ Facebook، بعنوان “الكَنِيسَةُ الخَادِمَةُ فِي زَمَنِ المِحَنِ” وذلك بمُشاركة الدكتور القسّ. كريستوفر رايت Christopher J. H. Wright رئيس مؤسسة لانجهام الدوليّة، وأستاذ الدراسات الكتابيّة، وأخلاقيات العَهدِ القديمِ في عدد من الجامِعَات الدَوليّة، والأكاديميات اللاهوتيّة، وبحضور أكثر مِن مِئَتيّ مُشاركٍ من القيادات، والخُدَّامِ، والرُعاةِ من مُختَلَفِ المُحافظاتِ.
اُستُهِل اللقاء بصلاة القسّ أمجد محفوظ، رئيس مَجمَع الكنائس الخمسينيّة بمِصر، تلتها كلمة افتتاحيّة للدكتور القسّ أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيليّة، والهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعية بمِصر، رحب فيها بالحضور والضيف الكريم، ذكر فيها أنَّ رايت قد زار القاهرة عِدة مراتٍ سابقة، كما تُرجِمَت العديد من كتاباته إلى العَربيّة، ما كان له أثر بالغ على الكنيسة العَربيّة، حيث يُعتبر رايت أحد المُقربين للاهوتيّ الكبير چون ستوت. عَبَّرَ زكي عند دهشته للمُفارقة العجيبة إذ قد تكون لهذه الجائحة فوائد كمضارها! إذ أوحت لنا بإمكانيّة أن تشترك الكنيسة وتتواصل عن بُعد باستخدام العديد من الوسائط غير التقليديّة؛ وطلب زكي في نهاية كلمته من الحضور الصلاة لأجل قرارات الطائفة، ورؤساء المذاهب الإنجيليّة بمِصر في المرحلة الدقيقة القادمة.
في بداية حديثه عَبَّرَ رايت عن سعادته أن يكون مُشاركًا في هذا اللقاء، ثم استطرد في الحيث عن موضوع اللقاء، الكنيسة في زمن المِحَن قائلًا: “أنا على يقين من أن أصعب ما مر بالكثيرين مِنَّا في وقت الحظر، هو كوننا مُبعَدينَ عن شركة العِبادة في بيت الله. ربما لا أعلم الكثير عن الوضع في مصر الآن، لكن ما أعرفه أن دور العِبادة قد اضطُرت للإغلاق كسائر الدول، وتحولَّت العبادة لتجد مكانًا لها للشركة عبر الفضاء الإلكترونيّ، لكنه بَقي بديلًا لا يُغني عن الأصل! لكن دعوني أسألكم ماذا لو تدمَّرت الكنائس تمامًا، ولم يَعُد بإمكاننا العودة للعبادة بها؟ هذا تمامًا ما حدث في العهد القديم مع شعب إسرائيل، قبل ستمئة عامٍ من ميلاد المسيح، فيما عُرف بالسبي البابليّ؛ حيثُ دُمِّر كل شيء، وسيق الشعب إلى أرض لم يتوقعوا يومًا أن يضطروا للعيش بها. كان هذا هو الحظر بمفهومه الأوسع. وتساءل الكثيرون آنذاك: هل سنتمكن من العودة لعِبادة الرّبّ ثانيّة؟! وجاء جواب الرّبّ وقتها على لسان نبيه إرميا، والمدوَّن في الأصحاح التاسع والعشرين. قدم إرمياء للشعب المُحبَط وقتها ثلاثة أشياء، وهي: نظرةً جديدةً، تحديًا جديدًا، وأملًا جديدًا.”
نظرة جديدة:
وضَّح رايت كيف أنه في نظرةٍ جديدةٍ أراد الله للشعب أن يروا الواقع من جانب الله صاحب السيادة والسُّلطان. ففي العدد الأول والأعداد من الرابع إلى السادس يُمكننا أن نُميز الفارق بين كلام الراوي وكلام الله، فبينما يُقر الراوي السبي لنبوخذ نصَّر، يؤكد الله أن السبي هو سبيه هو! وهنا تبدو الإجابة البديهيّة عن مَن المسؤول عن هذا السبي وهي كلاهما. فالناظر للأمر آنذاك يمكنه أن يرى بوضوحٍ جيوش نبوخذ نصَّر وهي تقتل وتحرق وتدمر كل شيءٍ، هذا ما حدث وقتها، بل وما يحدث في وقتنا هذا أيضًا. لكن ومن منظور آخر يمكننا أن نرى كيف رأى إرميا يد الله خلف جيوش نبوخذ نصَّر، كيف أدرك أن الله مازال هو المُتسلِّط والسيد في هذا الحدث، الذي حذَّر إرميا منه الشعب لسنين طويلة سابقة. المُفارقة بين العدد الأول والرابع، تُظهر لنا يد الله القويّة وراء هذا الحدث البشريّ التاريخيّ.
وانتقل رايت من خلال الرواية السابقة لسؤال يُلامس واقعنا اليوم، إذا تساءل رايت قائلًا: “ونحن اليوم كيف نرى جائحة وباء كورونا؟ أهي مُجرد كارثة طبيعيّة، أم أنَّ يد الله القديرة خلف الأحداث؟” وأكد رايت أن قناعته وإيمانه الشخصيّ هو أيضًا أن المسؤول كِلاهُما؛ فبالرغم من أنَّ الكثيرين يرفضون ربط هذا الأمر بالله، زاعمين أنه مادام الأمر شرًّا فحتمًا هو من الشيطان، ومع إقرارنا بقدرة الشيطان على تعظيم الألم والإيذاء للبشر في مثل هذه الأحداث، إلّا أنه لا يجب أن يغيب عن نظرنا دائمًا أن كل ما يصنعه الشيطان، إنما يصنعه تحت سُلطة الله وبإذنه.
واستطرد شارِحًا أنَّ الڨيروسات ما هي إلا جزءًا من خليقة الله الكاملة، وهي ليست شرًّا في ذاتها، بل في الحقيقة أن عُلماء الأحياء يخبروننا أن قُرابة تسعين بالمئة من الڨيروسات ليست غير ضارة فحسب، لكنها مُفيدة أيضًا! كما أنَّ الڨيروسات الضارة تحيا في الحيوانات، وفي بدء الخليقة ما كانت هذه المخلوقات -الڨيروسات- تزعج البشر على الإطلاق أو تضرهم، لكن مُؤخرًا بدء الضرر يظهر كنتيجة لانتهاك الإنسان لطبيعة الحياة البريّة، والتعدي على الغابات، وتلويث البيئة، والإتجار غير المشروع في الحيوانات البريّة، وخلال هذا تعلمنا ما هو عقاب انتهاك قوانين الله للطبيعة! وهو ما حذرتنا منه كثيرًا كلمة الله.
واستدرك رايت مؤكدًا أن كلامه هذا لا يجب أن يُفهم منه أن الله يُعاقب البشر الذين تأذوا من ڨيروس كورونا، فهذه زاوية خاطئة للنظر لله خلالها، وهذا ما يُظهره لنا سِفر أيوب؛ فالألم لا يجب أن يُفهم على كونه عقابًا من الله، لكن علينا أن نُدرك أن قضاء الله نافذٌ في كل التاريخ الإنسانيّ بسبب خطيتنا الجماعيّة. وشددَ رايت على أمرٍ آخرٍ وهو ما ذكره إرميا للمسبيين في بابل؛ إذ قال إنه إذا كان الله هو صاحب السُّلطان، حتى في هذه الأحداث التي وقعت بسبب غباء الناس وعصيانهم، لكن الله مازال موجودًا ومُؤثرًا، يرافقكم في سبيكم كما كان في أورشليم، ولذلك فالحياة يجب أن تستمر حتى في هذه الظروف.
تحدٍّ جديد:
أوضح رايت أنه في هذه الخطوة يضع الله تحديًا جديدًا أمام الشعب، وهو أن يروا مسؤوليتهم في ضوء إرساليّة الله لهم. في العدد السابع يطلب الرّبّ منهم أن يُصلوا طالبين سلام المدينة التي هُم فيها، وهو أمر يصعُب فهمه في تلك الظروف! فكيف لأسيرٍ أن يطلب السلامة لقاهريه! لابد أن ثمة خطأ ما قد وقع أثناء نقل إرميا للرسالة؛ فبحسب المزمور المئة والعشرين المفروض أن نُصلي ونطلب لأجل سلامة أورشليم، لا لأجل بابل! أما بابل فالمزمور المئة والسابع والثلاثون يُخبرنا ما يجب أن نطلبه لها. آخر ما يمكن توقعه أن تأتي رسالة الله في ذلك الوقت، وتلك الظروف أن نُصلي لأجل سلامة بابل! لكن الله يُصر أن يُذكِّرهم بماهيتهم، فهُم شعب إبراهيم، بركة كل الأمم، كان هذا وعد الرّبّ لإبراهيم، وهذه هي مسؤوليتكم ودعوتكم؛ فابدأوا من تلك البُقعة التي أنتم فيها. دعوتكم أن تُباركوا كل الشعوب، حتى أعداءكم!
وعودةً للواقع قال رايت: “تعالوا ننظر لواقعنا وسط كل هذه الآلام، والضرر المُحيط بنا وبأحبائنا.”، من الجيد والمُشجع أن كنائسًا كثيرة قد أظهرت تعاطفًا وتعاونًا مع المُحيطين بها من زيارات وتواصل لدعم المرضى وعائلاتهم، وتوفير الأغذية والأدوية، والخدمات الطبيّة. وإلى جانب الكنيسة، تشاركت كل المؤسسات الاجتماعية والدينيّة في تحمل تبعات هذه الجائحة، لأجل إظهار نعمة الله. فمن خلال رسالة إرميا يقدم الله لشعبه تحديًا جديدًا يذكرهم بماهيتهم، ومسؤوليتهم؛ وهي ذات الرسالة التي علينا أن نتذكرها من خلال كل نصوص العهد الجديد التي تضعنا أمام مسؤوليتنا في عمل الخير للجميع، لكوننا نتبع الرب يسوع المسيح؛ فهذا جزء من فهمنا لكوننا كنيسة الرب، ودلالة لكوننا كنيسة صحيحة خادمة، طائعة لوصايا المسيح المُباشرة: “فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مت 5: 16)؛ وفعل الخير والإحسان في العالم الرومانيّ آنذاك كان يتعدى مجرد أن تكون مُسالمًا، إلى أن تكون صاحب إسهام عمليّ في خير وتقدم المجتمع.
وعقَّبَ رايت مُجْمِلاً حديثه في هذه النقطة: “أن نكون كنيسة صحيحة، يعني أن نكون كنيسة خادمة، تخدم المجتمع بكل السُّبل العمليّة، إضافة إلى المسؤولية الكُبرى في إعلان الخبر السار للجميع، والصلاة للرؤساء والقيادات، وأن نؤدي أعمالنا في كل مجال، وضرائبنا بأمانة تجاه مُجتمعنا. هذا هو التحدي الموضوع أمامنا. في هذا الوباء علينا أن نتذكر ماهيتنا كشعب الرب المدعو لحمل رسالته للعالم، وخدمة الله من خلال خدمة الآخرين، في كل زمان ومكان”.
أمل جديد:
في هذه النقطة يُحدثنا رايت عن المستقبل في ضوء وعود الله. ففي الأعداد من الحادي عشر وحتى السابع عشر، وبالرغم من الإحباط وسواد الواقع، إلا أن رسالة الله تقول إن وقت بابل قادم، ليس سريعًا -كما زعم الأنبياء الكذبة- لكنه بعد زمان طويل (سبعون عامًا)؛ وهذا زمان ليس بقصيرٍ! وربما يكون واقعنا اليوم في هذا الوباء مُماثلًا، لكن الدرس الذي يعلمنا الله إياه أن هُناكَ أملًا ورجاءً. ويذكر رايت هنا أن العدد الحادي عشر هو واحد من أطيب الوعود في كلمة لله لقلوب المؤمنين، إذا يقول الله: “لأَنِّي عَرَفْتُ الأَفْكَارَ [الخطط] الَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ [مُخطِطُها] بِهَا عَنْكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَفْكَارَ [خطط] سَلاَمٍ لاَ شَرّ، لأُعْطِيَكُمْ آخِرَةً [مُستقبلًا] وَرَجَاءً”.
ويتساءل رايت مُجدَّدًا: “هل تفكرّنا سابقًا -في خِضم فرحنا بهذا الوعد- في قرينته؟” فالمُفارقة التي يضعنا أمامها هذا الوعد هي قرينته التي جاء فيها من وسط حديث طويل عن قضاء الله المهيب القادم على هذا الشعب لأجل قساوته وعصيانه! ففي هذا السياق الصعب، جاء هذا الوعد ليُعلن أن نعمة الله قادرة أن تعمل حتى وسط هذه الدينونة الظاهرة. قوة الله ستنتصر حتمًا على الشر، وسيُخرج الله -على عكس توقعاتكم- من هذه الدينونة نعمةً، بركةً، ورجاءً. والرائع أيضًا في هذا الوعد -بحسب رايت- أن هذا الوعد ليس وعدًا فرديًّا إنما هو وعدٌ لجميع الشعب. وبالرغم من طول زمان تحقق الوعد، إلا أنهم اعتبروه وعدًا لأطفالهم وأحفادهم، وبُرهانًا على أمانة الله في وعده مع إبراهيم في القديم؛ فكما كان في القديم، يكون الآن، وفي المُستقبل. ربما لا يتدخل الله حالًا في وقته، لكن الله دائمًا يتدخل، لأن هذه هي خطط الله ومستقبله الذي خططه لشعبه.
ويختتم رايت حديثه شارحًا أنه من حقنا -كالشعب في القديم- أن نمتلئ بالرجاء، ارتكانًا على ثقتنا المُسبقة في الله خالقنا. في زمان الميلاد، ونحن نُجهِّز جميعًا أنفسنا لهذا الحدث العظيم، حضور الله بيننا، وعلى رجاء مجيئه الثاني ننتظر معه سماءً جديدةً وأرضًا جديدةً، وأمام هذا الوعد الرائع من الله على لسان إرميا، علينا أن نسأل أنفسنا: كيف نتجاوب مع هذا الوعد؟ فوعد الله ليس لمجرد الفرح، لكن ليعلم شعبه أنهم يجب عليهم أن يعودوا فيطلبوا الرّبّ بشكلٍ مُختلفٍ. هذا ما كان في القديم، وما يجب أن تفعله الكنيسة اليوم.
في العددين الثاني عشر والثالث عشر تقول كلمة الله: “فَتَدْعُونَنِي وَتَذْهَبُونَ وَتُصَلُّونَ إِلَيَّ فَأَسْمَعُ لَكُمْ.
وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ”؛ فالوعد في العدد الحادي عشر، مرهونٌ بالشرط في الأعداد الثاني عشر والثالث عشر. وبحسب رايت، فالكنيسة مُطالبة اليوم بالتوبة أولًا، ليكون لها -رغم كل ما تجوز به اليوم- وعد الرب بمستقبلٍ جديدٍ ورجاءٍ جديدٍ.
“الكنيسة الصحيحة، هي الكنيسة الخادمة. وما يجعلها على هذه الصورة هو أن يكون سعيها دائمًا تحت سُلطان الله، وفي إطار خطته لبركة العالم، وفي ثقة منها أن كل ما يُعمل يُعمل للخير مُستقبلاً. وكما حولت رسالة إرميا الشعب من كونهم ضحايا للواقع، لكونهم مُستشرفين لأملٍ ورجاءٍ جديدٍ، بنظرةٍ جديدةٍ للواقعِ. كان هذا هو التحدي الذي قدمه لنا إرميا اليوم”، بهذه العبارات اختتم رايت حديثه، وأردف بالصلاة.
وفي تفاعل رائع مع كلمة الدكتور القسّ. كريس رايت، جاءت بعض الأسئلة، منها:
س: كيف نستطيع أن نُعيد ونُعَمِّق مفهُوم الكرازة والتلمذة للفرد والجماعة؟
س: كيف ترى ادعاء البعض أن الأمل في هذه الجائحة إنما هو فقط ذلك المُرتبط بالعلم، كإنتاج لقاحٍ ناجِعٍ مثلًا؟
أجاب رايت قائلًا: ” أن هذا الوباء ليس هو الأول من نوعه الذي يضرب العالم، مر العالم على مدار تاريخه بالعديد من الجوائح، التي ربما كانت أشد فتكًا من هذه؛ ولأننا على صورة الله، ولنا ذكاء رفيع؛ فقد استطعنا أن نطوِّر العديد من الوسائط للتعامل مع هذه الأوبئة، وهذا بلا شكٍ من الله. فالحديث عن فصل العلم عن الله هو حديث خاطئ؛ فنحن لا نضع رجاءنا في العلم كإله، فهو ليس الله؛ إنما علم الإنسان هو جزء من عطية الله للإنسانيّة؛ فعندما سيُكتَشف اللقاح، سنشكر العلماء بالطبع، كما سنشكر الله قطعًا. لكن الرجاء والأمل الكتابي، ليس هو ذلك الأمل الوقتي في الخلاص من الوباء، لكنه الأمل الأشمل والأعم في الخلاص من الموت الأبديّ، وهو ما لا يتوفر إلا في صليب وقيامة المسيح”.
س: طبقًا لإرميا، هل لو تاب العالم اليوم، ورجع إلى الله؛ فهل يرفع الله الوباء؟
أجاب رايت قائلًا: “نُقر جميعًا أن الجنس البشريّ بأكمله قد عصى الله وتمرد وأخطأ، وهذا ما يُقره حتى من هم خارج المسيحيّة، بل وحتى من هم خارج الأديان كليّةً. فمثلًا إن نظرنا بنظرة مُختلفة للمجهودات العالميّة في إطار الحفاظ على البيئة، يُمكننا أن نفهمها على أنها نوع من الاعتراف بالخطأ والتوبة، حتى وإن كانت تتم بشكل مُختلف عن فهمنا للتوبة؛ فالتوبة في فهمنا الكتابيّ هي تحويل المسار لمسار مُغاير. وأنا أعتقد أن الله في نعمته العامة المُقدمة للجميع، ليقود القادة والسياسيين لتغيير الواقع، وتحسين الأخطاء؛ لذلك فأنا أرى أنه علينا مسؤولية أن يكون لنا صوت نبوي في هذا الصدد، وأن تكون الكنيسة بمثابة ضمير المجتمع، حتى لو استلزم ذلك بعض التضحيات. وعلى الجانب الآخر يجب أن تُمارس الكنيسة التوبة عن خطاياها”.
س: كيف تتجنب الكنيسة أن تكون مُعزيًا مُتعبًا، في نفس الوقت الذي تتسق فيه مع تعليمها ومبادئها؟
أجاب رايت قائلًا: “هذا السؤال يذكرني بالرب يسوع والفريسيين، إذا كان يلومهم أنهم بدلًا من أن يكونوا سبب راحة للشعب فإنهم أرهقوهم وأزعجوهم، وهكذا تفعل الكنيسة أحيانًا؛ ولذلك أنا أرى في هذا تحديًا كبيرًا للكنيسة أن تحمل تعزيّةً حقيقيةً، أن تكون معهم في آلامهم وضيقهم. ولست أجد طريقة سوى أننا يجب أن نحمل التعزية الحقيقية في الخدمة الحقيقية، كما كان المسيح يفعل”.
وفي تعليق لأحد الحضور حول الآية الحادية عشر من الأصحاح التاسع والعشرين من سفر إرميا جاء فيه: “هذا هو أحبُّ وأقرب الأجزاء في كلمة الله لقلبي، وقد علقته على إحدى جدران منزلي”. وفي سؤال مُرتبط بهذه الآية، حول مدى ارتباط هذه الآية بما ورد في إرميا الأصحاح الحادي والثلاثين، في الآيات التاسعة والعشرين، والثلاثين، أجاب رايت: “ما يُكرره إرميا في الأصحاح الحادي والثلاثين، هو مثل دارج، درج الشعب على استخدامه آنذاك، وهو ما كرره أيضًا حزقيال، ومغزى هذا أن ما يحدث لنا إنما هو بسبب خطية أجدادنا، في نوعٍ من إلقاء اللوم على الآخر؛ لكن كلًّا من إرميا وحزقيال قد أكدا أن هذه ليست الطريقة الصحيحة التي يجب أن نرى بها الواقع، فالجميع بلا استثناء مُذنب”.
أسم الكاتب :هاني لبيب
أحد أهم مرتكزات الثقافة العربية هو التراث في مجمله “الفكري والثقافي والديني والفولكلوري”، وقد ارتبط دائمًا في العقل العربي بثنائية. ثنائية “الماضي والحاضر”، “الأصالة والمعاصرة”، وكذلك “العلم والدين”. وقد رفض البعض إعمال العقل في نقد هذا التراث، وهو موقف متطرف قابله تطرف آخر، إذ ظهر من يدعون للتمرد على التراث، وكل ما هو قديم، بل والشك فيما جاء به وعنه، وبالتالي، ترسيخ فكرة النسبي المتغير في مقابل المطلق الثابت.
في تقديري، وحسب التجربة الإنسانية، يمكن تحديد أبسط تعريف لـ”المطلق” بأنه التام الكامل المتجاوز للزمان والمكان، ولا يرتبط بأرض أو شعب ولا بظروف ويتسم بالثبات والعالمية، أما تعريف “النسبي” فهو كل تفسير لأي ظاهرة طبيعية أو علمية أو اجتماعية… ارتباطًا بالزمان والمكان، والتغير بتغيرهما وتطورهما حسب السياق.
ملاحظات وتصورات
* في حياة الإنسان العديد من الثوابت المطلقة والمتغيرات النسبية، وما يندرج تحت النسبية أضعاف الأمور المطلقة، خاصةً في ظل التطور الصناعي والتقني والتكنولوجي. إن فهم الواقع معقَّدٌ، وفهم الماضي أكثر تعقيدًا، بل ويحمل العديد من الروايات التي يشوبها التناقض والنقص تارة، وصياغتها بشكل يصل إلى حد التزوير المتعمد تارة أخرى… تأكيدًا على مقولة خطيرة منتشرة تقول إن “التاريخ دائمًا يكتبه المنتصرون”، لا المؤرخون الذين يقعون أسرى للصورة الذهنية التي صدَّرها لنا المنتصرون. إن المرجعيات ومعنى الأخلاق وسؤال المبادئ والقيم… أصبحت لها تفسيرات نسبية يتعامل معها كل إنسان بشكل مختلف عن غيره.
* على مدار التاريخ، تحمل المعرفة في طياتها علمًا مستقرًّا وجهلًا مستمرًّا بكل ما هو غامض وغير معروف، وهو ما يحفز دائمًا على البحث ويدفع إلى المراجعة والتقييم؛ فالمعرفة تعني نظريات وحقائق وبراهين وتجارب حسب أحدث ما تم التوصل إليه العلم، وتتغير تلك المعرفة إذا ما تغيرت تلك الحقائق حسب التطور العلمي للنظريات مثلما حدث مع نظرية النسبية.
أما على المستوى القِيَمِي والإنساني، فإنه يمكن الاتفاق على أن حياتنا تحكمها ثنائياتٌ نسبيةٌ: الجمال والقبح، الذكاء والغباء، القوة والضعف، المعرفة والجهل، السعادة والحزن. كما يختلف تطبيق بعض المفاهيم، مثل قيمة النجاح التي يراها فريق في الجانب التعليمي والأكاديمي، ويراها فريقٌ ثانٍ في العمل وتولي مناصب مرموقة وقيادية، ويراها فريق ثالث في الحب، بينما يراها فريقٌ رابع في تكوين الأسرة، كما يراها فريقٌ خامس في جمع الثروات واقتناء المال… وهكذا.
* استنادًا إلى ما سبق، نميل إلى فكرة أنه إذا كانت القيم ثابتةً ومطلقةً، فإن تطبيقها نسبيٌّ حسب الزمان والمكان والأشخاص؛ أي أن سياق تطبيق هذه القيم هو الذي يجعلها نسبية. فالعدل والمساواة والحرية مفاهيم يطالب بها الإنسان منذ بداية الحضارات… لكن اختلف تطبيقها حسب التطور الحضاري وحسب الأيديولوجيات، وهو ما يؤكد على أنه على مر التاريخ لم نجد حيادًا حقيقيًّا أو حرية مطلقة. الأمور جميعها نسبية تختلف من ثقافة إلى ثقافة ومن حضارة إلى حضارة، وهو ما يجعل أحكامنا ونظرتنا للظواهر والأفكار تختلف بين قبولها واعتناقها في فترة ما وبين رفضها واستهجانها في فترة أخرى.
* لا خلاف حول فكرة أن منطلقات الإنسان الفكرية والثقافية والدينية مختلفة ومتعددة ومتنوعة، فمعايير الأحكام ومقاييسها غير متشابهة. الاختلاف هو سيد الموقف، فلا نجد مثلًا تعريفًا واحدًا متفقًا عليه لـ”الحقيقة”، وليس من السهل تعريفها، لتعدد تعريفاتها بين الفلسفات وبين الثقافات وبين العلوم القانونية والاجتماعية. وهكذا فإن الثوابت الدينية واحدة عند أتباعها، ولكن أساليب تفسيرها متعددة حسب السياق التاريخي والاجتماعي ومستويات الإدراك العقلي لمحتواها ومضمونها. وربما يكون أفضل نموذج على ذلك هي قاعة المحكمة التي يجلس فيها الجميع منتظرين حكم القاضي في قضية قتل، عائلة القتيل تنتظر القصاص بغضِّ النظر عن السبب الذي تسبب في مقتله، وتنتظر عائلة القاتل دفاع المحامين استنادًا إلى أي ثغرات في القضية للحصول على أفضل حكم، بغضِّ النظر عن كونه مجرمًا قاتلًا. يرى كل طرف أن الحق معه وحده والصواب حليفه، وأن غيره على خطأ، بل وليس له أي حق من الأصل.
تجديد الفكر الديني
يرى البعض أن العقائد الدينية انتقائية بطبيعتها، وتميل نحو استبعاد المختلفين معها، ومن ثم فإن تجديد الفكر الديني هو الذي يمكنه ترسيخ مفهوم التماسك مع تخطي محدودية العقيدة، كما يسهم في دعم فكرة الوحدة مع التنوع، وهي فكرة حتمية للمجتمع المدني والديمقراطية. كما أن المسؤولية الإيمانية تتطلب خلق مجتمع العدالة والحق. وهو ما يتطلب التغلب على الشعور بالانعزالية والاغتراب.
يتأكد لنا، الآن، أننا نحتاج إلى تجديد الفكر الديني وليس الخطاب الديني؛ فالخطاب الديني آراء شخصية معظمها ينتشر من خلال “الوعظ والإرشاد” حسب الفهم النسبي للنصوص الدينية بوجه عام، ومحاولة تفسير الظواهر الطبيعية من خلال تلك النصوص بوجه خاص. أما الفكر الديني فيرتكز على “أفكار وتصورات” لاجتهادات لاهوتية وفقهية تراكمية على مدار سنوات طويلة. تجديد الفكر الديني يمثل فهم الإنسان للدين، ورؤيته الشخصية. وليس المقصود بالقطع تجديد النص الديني أو الكتب السماوية. والتجديد هنا غير مَعنِيٍّ بشكل الخطاب وكلماته، بل بتعديل سيكولوجية الفكر الديني ومضمونه بما لا يتعارض أو يمس النصوص بثوابتها الدينية والإيمانية… خاصةً أن تراثنا الديني يحتوي على بعض ما يخالف أصول الدين، ويخالف المنطق العقلي. فلا يمكن رفض النص الديني منطقيًّا لأنه مرجعٌ غير قابل للشك، وفي الوقت نفسه لا يمكن قبول تفسيراته كليًّا لما في بعضها من تجاوزات غير مقبولة دينيًّا أو فكريًّا… على غرار اقتران الهوية الدينية بالقتل من جيش الرب في أوغندا وداعش في ليبيا والعراق وسوريا.
رفض التجديد يعني تجميد الأحكام عند فترة زمنية محددة في التاريخ الماضي، وهو ما يعني غلق باب الاجتهاد الذي يقوم أساسًا على التجديد. ويرتبط بذلك الحديث عن الإعجاز العلمي للأديان الذي يُعتَبَر نوعًا من العجز تجاه تقدم الغرب وتكنولوجيته. والسؤال البديهي: أنه طالما أن الكتب السماوية ذكرت لنا النظريات العلمية نحن أهل الإيمان… فلماذا لم نكتشفها نحن؟ ولماذا نتأخر دائمًا ولم نتقدم، بل وتقدم غيرنا؟ وكيف يستقيم أن يكون الغرب المتقدم ماديًّا هو نفسه “المنحط” روحيًّا وأخلاقيًّا؟
الفصل بين العلم والدين لا يستند إلى أفكار نظرية المؤامرة حسبما يروج البعض، بل يبعد النص الديني عن مهاترات المقارنة مع النظريات العلمية. النص الديني ثابتٌ لا يتغير، أما النظريات العلمية فهي متغيرة حسب الزمان والمكان ضمن نطاق التطور العلمي المستمر.
تجديد الفكر الديني أهم وأكبر من تركه داخل حدود المؤسسة الدينية.. فالمفكرون والمثقفون لهم دور أصيل في هذا التجديد بعيدًا عن التصورات المسبقة عن القطيعة بين المثقفين والمؤسسة الدينية.
في مصر الآن إرادة سياسية لتجديد الفكر الديني، ولكن الإرادة الدينية ليست بالقوة المطلوبة لتحقيق هذا التجديد، للدرجة التي جعلت البعض يظن أن المؤسسة الدينية المصرية ليست لديها رغبة حقيقية في خوض طريق التجديد باعتباره تهديدًا للمكاسب التي حققتها المؤسسة الدينية في ظل كل هذا التراجع الفكري. وكأن القيمين عليها وكلاء الدين وأوصياؤه بدون أي مراعاة للمصلحة الوطنية العليا.
توظيف الدين
يعتقد أتباع كل دين أنه المالك الوحيد لحقيقة الكون والخلق والثواب والعقاب. وترى الجماعات المتشددة والمتطرفة أنها تدين بالدين الحق، وغيرهم من الكفار والزنادقة. وتناسوا أن الدين عقيدة راسخة في كيان الإنسان لا إكراه عليها، بمعنى أنه لا إجبار لأحد على قول أو فعل لا يريده عن طريق التخويف أو التعذيب أو ما يشبه ذلك؛ فالإكراه على الدين لا يأتي بمؤمنين صادقين بقدر ما يأتي بمنافقين وكذابين ومدلِّسين. كما أن الأديان لا تتقاتل فيما بينها رغم الاختلاف العقيدي أو التشريعي أو الطقسي. والدين لا يذهب إلى ميادين القتال. غير أن المعتنقين لهذا الدين أو ذاك هم الذين يتقاتلون وهمًا في سبيل نصرة الدين شكلًا، وطبقًا لمصالحهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مضمونًا. وبالتالي، صارت للأديان في العلاقات والنزاعات أدوار وتوظيفات يختلف حجمُها ونوعياتها حسب كل مرحلة تاريخية.
المستقبل يحتِّم علينا جميعًا احترام الخصوصيات العقائدية للأديان وفقًا لما تنص عليه المصادر الدينية لكل منها، والعمل على فتح أبواب التعاون المثمر بينهما، والمرتكز على قيم ومبادئ إنسانية عامة لا خلاف عليها.
نقطة ومن أول السطر..
الجهل هو مصدر الخوف، والخرافة هي أساس الوهم. وكلاهما ضد العلم. أما المعرفة فهي مصدر قوة، والعلم ضد الجهل والخرافة، وكلاهما سلاح العقل.
أسم الكاتب :ق. باسم عدلى
ها العذراء تحبل
وردت كلمتان في الكتاب المقدس عن العذراء؛ الأولى “عالما”، والثانية “بتولة”. وردت كلمة “عالما” في الكتاب المقدس سبع مرات: ست مرات بخلاف المرة المذكورة في إش ٧؛ فهي الكلمة التي وردت عن رفقة قبل زواجها من إسحاق، كما وردت أيضًا عن مريم أخت هارون وموسى؛ ووردت أيضًا في مزمور 68: 25؛ أمثال 30: 19؛ وفي كل المرات السابقة تُرجمت “فتاة”، ثم نشيد الأنشاد 1: 3؛ 6: 8، وفي هاتين المرتين تُرجِمت الكلمة إلى “عذراء”. وعندما تُرجم العهد القديم العبري في الإسكندرية لليونانية في الترجمة السبعينية قبل ميلاد المسيح بأكثر مِنْ قرنين، ولم يكن لدى علماء اليهود حساسية ما في ذلك الوقت، ولا شيء يخشونه، فإنهم ترجموا الكلمة العبرية “عالما” إلى “بارثينون” وهي كلمة يونانية تعني “عذراء” وهؤلاء العلماء اليهود هم أكثر معرفة من غيرهم لدلالة الكلمة ولذلك ترجموها إلى عذراء، وهذا يؤكد أن الكلمة في هذا النص يُقصد بها عذراء. وهي التي اقتبسها متَّى مِنْ السبعينية.
الاختيار الإلهي لمهمة التجسد لأسرة (مريم ويوسف)
جاءت البشارة في متى ليوسف، وشرح له الملاك الأمر كله وفهمنا كيفية الأمر من شرحه ليوسف مت ١: ١٩– ٢٥. وفي لوقا جاءت لمريم وشرح لها جبرائيلُ الأمرَ كلَّه وكيفية حدوثه، وفهمنا الأمر من شرحه لمريم لو 1: ٢٦ – ٣٨. وبالتالي كانت المهمة موكلةً إلى يوسف ومريم. ولا يجب تهميش دور يوسف في الأمر؛ فقد تحمل ما لا يتحمله رجلٌ شرقيٌّ، ولكن لأنه قبل الرسالة وتحمل المسئولية بما لها وما عليها؛ فقد فشلت خطتُه للزواج واحتَمَل تعييراتٍ كثيرةً وربَّى ابنًا ليس من صُلبِه، واهتم بهِ دينيًّا وتربويًّا، وعلَّمَه النجارة، وكان حريصًا عليه حرصَ الأب الحقيقي؛ فمثلًا عندما لم يجداه مع الرفقة في الرجوع من أورشليم كان يبحث عنه بعناء، وهو ما جاء في لوقا ٢: ٤٨: “فَلَمَّا أَبْصَرَاهُ انْدَهَشَا. وَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: “يَا بُنَيَّ، لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!” وتحمَّل عناء الخوف والهروب إلى مصر ثم الرجوع مرة أخرى بما في ذلك من صعوبات كثيرة.
معنى الميلاد العذراوي
تشكل يسوعُ وأصبحَ جنينًا في رحم أم، وصار جسدًا لحمًا ودمًا مثلنا، وقد كانت ولادته طبيعية جدًّا كباقي الولادات، ولكنه لم يكن نتاج علاقة جسدية بين رجل وامرأة. لكن نقف عند عدة أمور في معنى الميلاد العذراوي:
لا، فليس ما يجعل الإنسان خاطئًا هو ولادته عن طريق هذه العلاقة، وعندما يقول داود في مز ٥١: ٥: “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي”. لا يقصد إدانة العلاقة الجنسية بل يقصد أنه خاطئ بالطبيعة قبل أن يعمل شيئًا.
لا، فالذي جعل المسيح بلا خطية ليس الميلاد العذراوي، ولكن لأنه هو الله الظاهر في الجسد؛ فالميلاد العذراوي لا يعفي من وراثة الخطية، ولكنه كسر هذا القانون لأن الله هو الذي تجسد، كما يقول كارل بارت، ولأنه قُدِّسَ من الروح القدس، كما يقول جون كالفن.
باختصار، الميلادُ العذراوي ليس السبب في كونه بلا خطية ولكنه علامة على ذلك.
لا، فالميلاد العذراوي ليس السبب في ذلك ولكنه علامة على ذلك.
لم يكن المسيح جسدًا خياليًّا كما يدعي بعضُ الذين يقولون إن المادة شر ولا يمكن أن يتحد بها الله. لكن المسيح كان له جسد حقيقي من لحم ودم، وله كل الصفات البشرية الحقيقية وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية.
لا، فهذه فكرةٌ وثنيةٌ مرفوضةٌ؛ فالله يقدم نفسَه كخالقٍ وليس كعشيقٍ أو زوجٍ.
لا، فالأمر ببساطة معجزة إلهية وعملٌ إلهي وليس حدثًا كيمائيًّا أو مثل هذه التفسيرات، وهذا الأمر المعجزي كان روح الله هو العامل فيه بطريقة معجزية وليست عاديةً فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: “اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أيضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ” (لوقا ١: ٣٥).
أراد تخليتها سرًّا
ما معنى “فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارًّا، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا، أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرًّا (مت ١: ١٩)؟ ولماذا تراجع عن هذا القرار؟ شك يوسف في خطيبته أن يكون هذا الحمل بسبب زنا لذلك أراد فضَّ الخطبةِ التي كانت تجمعهما انتظارًا للزواج، ولأنه كان بارًّا فلم يُرِدْ أنْ يُشهِرَها، أي يفضح أمرها، بل أراد أن يتم الأمر في سرية، وهذا نبل منه. لكن عندما ظهر له الملاك قبل الفكرة وأصبح جزءًا من خطة الله للتجسد وقبل أن يدفع الثمن.
الأدلة على صدق عقيدة الميلاد العذراوي:
بعض التحديات الكتابية في موضوع الميلاد العذراوي
1- يوحنا ٦: ٤٢: “وَقَالُوا: “أَلَيْسَ هذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؟ فَكَيْفَ يَقُولُ هذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ؟””، يوحنا لا يقر حقيقة أو يصادق عليها ولكنه ينقل كلمات اليهود نصًّا كما قالوا عليه أيضًا إن به شيطانًا.
٢- لوقا ٢: ٤٨: “فَلَمَّا أَبْصَرَاهُ انْدَهَشَا. وَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: “يَا بُنَيَّ، لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!” هذا قول مريم ويرجع الأمر إلى عادات شرقية قديمة ومازالت في بعض القرى حتى الآن اعتبار الرجل الكبير بمثابة الأب أو العم. كما أن يوسف هو الأب العرفي ليسوع وليس الفعلي وليس أكثر من مريم التي تعرف هذا الأمر جيدًا.
٣- لماذا لم يذكر مرقس أو يوحنا أو بولس شيئًا عن الميلاد العذراوي؟
مرقس كتب مبكرًا وكانت القصة معروفة جيدًا وربما كانت مريم لاتزال موجودةً وهو ركز على معجزات وتعاليم المسيح ولم يذكر شيئًا عن الميلاد وبدأ بمعمودية يوحنا كبداية لخدمة المسيح مباشرةً، أما يوحنا فلم يتحدث عن التفاصيل لكنه تحدث عن جوهر الأمر في تقديمه للمسيح “الكلمة صار جسدًا وحل بيننا” وإشارته للمسيح أنه ابن الله الوحيد. وقد كتب قبله متى ومرقس ولم يكن هناك مشكلة في هذه الفكرة وإلا كان قد كتب مؤكدًا عليها، وبولس عندما يكتب إلى الغلاطيين في رسالة غلاطية ٤: ٤ “وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ”، فإنه يوكد مصادقته للميلاد العذراوي.
اختيار مريم لهذه المهمة
كانت مريم فتاةً يهوديةً فقيرةً متواضعةً تقيةً ومطيعةً ورائعةً وطاهرةً في كل شيء، روحيًّا وأخلاقيًّا وسلوكيًّا، وكانت مناسبة جدًّا جدًّا لهذه المهمة العظيمة، ولكن ليس لأجل هذا تم اختيارها، بل اختيارها لأجل نعمته ورحمته ومحبته التي تختار من لا يستحق وتعطيه بغنى، وهذه شهادة مريم في نشيدها “فَقَالَتْ مَرْيَمُ: “تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي، لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ، وَرَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ. صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ. شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ. أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ. أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ. عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ لِيَذْكُرَ رَحْمَةً، كَمَا كَلَّمَ آبَاءَنَا. لإِبْراهِيمَ وَنَسْلِهِ إِلَى الأَبَدِ”. فَمَكَثَتْ مَرْيَمُ عِنْدَهَا نَحْوَ ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا” (لو ١: ٤٦ – ٥٦).
يعلن الميلاد العذراوي حقيقة هامة وهي أن فداء الله للبشرية لا يكون إلا بالنعمة فقط. فالبشرية، ممثَّلة في مريم العذراء، لم يكن عليها إلا أن تقبل عطية الله بالروح القدس لها في أحشائها، وهذا إعلان واضح عن كفاية النعمة التي ليس أمام البشرية الضعيفة العاجزة أمام الخطية والسقوط إلا أن تقبلها بشكر وامتنان من أجل الحصول على الخلاص والفداء الأبدي هذا لا ينفي دور العذراء مريم التي أدت المهمة بامتياز منقطع النظير وفي طاعة وحب وخضوع ومسئولية وشرف.
الميلاد العذراوي وفوائده للإيمان المسيحي
١. مصداقية التجسد؛ لو أن الله صار إنسانًا لصار دخوله إلى العالم بطريقة غير عادية تدل على هذا الحدث الجلل.
٢. مصداقية النبوات، نبوات تك ٣، إش ٧ التي تتحدث عن ذلك.
٣. مصداقية أن يسوع هو ابن الله الوحيد والتركيز على أبوة الله له.
٤. الله يعلن بداية جديدة للتدخل في الحياة البشرية بطريقة جديدة لم تحدث من قبل تعلن عن تفرد المسيح.
كان الميلاد العذراوي علامةً على صدق التجسُّدِ والنبوات، وأنه ابنُ الله وتفرد المسيح في كل ما سبق ليس الميلاد العذراوي سببًا فيه بل علامة عليه.
أسم الكاتب :د. ق. اندريه زكي
مقدمة
قد احتفلنا بعيد ميلاد السيد المسيح، الذي جاء بالأمل والرجاء للإنسانية التائهة الباحثة عن المعنى. ولا يخفى على أحد أننا نحتفل بعيد الميلاد وسط أجواء لم نختبرها من قبل، إذ تسبب انتشار جائحة كورونا حول العالم في خسائر كثيرة في الأرواح، كما أن الخسائر الاقتصادية والاجتماعية اجتاحت بلدان كثيرة. لكن نشكر الله لأجل القيادة السياسية وحكومة بلادنا الذين اتخذوا قرارات حكيمة وصائبة وتوفير كافة سُبل الرعاية اللازمة للمصابين.
خبرة الإصابة بكورونا
لقد أُصِبت شخصيًا بهذا الفيروس، انا وكل افراد عائلتي، وذلك خلال الأسبوع الأخير من سبتمبر الماضي. وقمت بعمل التحاليل والأشعة اللازمة والتي لم يكن بها أي إشارة للإصابة بكورونا وكانت جيدة واستمريت لمدة أسبوع كامل يتم علاجي على انها نزلة برد. وفي نهاية الأسبوع الأول وبإصرار الأصدقاء قمت بعمل مسحة وكانت النتيجة انني مصاب بكورونا رغم ان التحاليل والأشعة قالت عكس ذلك، وهذا ما تسبب في إصابة اسرتي بالكامل.
وحينما أُصِبت بفيروس كورونا، وحينما تم تأكيد الإصابة بنتيجة المسحة الإيجابية، بدأت في الانعزال عن العالم حتى يتم الشفاء بالكامل. خلال هذه المرحلة كان لدىّ ثلاث خبرات رئيسية.
الخبرة الأولى هي الإحساس العميق بالمجهول. ففي كل مرة كنت أدخل للنوم لم يكن لدىّ أدنى فكرة عمّا سيحدث صباح اليوم التالي. كان هناك شعور عميق بأن الغد مجهول، لا يمكن التكهن به وما سيحمله لي أو لعائلتي من احداث.
الخبرة الثانية هي الاقتلاع من الجذور. وهناك ثلاث دوائر تمثل لي الحياة بأكملها: الأسرة، الخدمة، والعمل. وعلى مدار أسابيع العزل اثناء المرض، اختبرت كيف تم اقتلاعي بالكامل من هذه الجذور العميقة في حياتي. خدمتي برئاسة الطائفة الإنجيلية وبالكنيسة بشكل عام، وجدتني بعيد عنها، واتابع اخبارها من بعيد وفي صمت. وكذلك انعزلت عن عملي، فلم أستطع أن أكون متواجدًا في كل مجالات العمل سواء بالهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية أو برئاسة الطائفة الإنجيلية أو بكافة مناحي العمل التي امارسها بشكل يومي.
اما الخبرة الثالثة فهي العزل في العزل المنزلي تشعر أن كل شخص يبتعد عنك، لأنك تصبح مصدر للعدوى. أصبح كل من يريد رؤيتك والجلوس معك يتحاشى اللقاء، ولا يمكن أن يخالطك بأي شكل مقبول. وهنا تذكرت شريعة الابرص في العهد القديم.
أقول لكم بصدق: لم تكن هذه خبرة سهلة على النفس بل كانت خبرة وجود قَلِق. وأصبحت شهادة المسحة السلبية بمثابة شهادة رجوع للحياة مرة أخرى!
وسط هذه الخبرات الثلاثة، بدأت اسأل نفسي: ما معنى هذه الحياة؟ سأل يعقوب الرسول نفس السؤال: “لأَنَّهُ مَا هِيَ حَيَاتُكُمْ؟ إِنَّهَا بُخَارٌ، يَظْهَرُ قَلِيلًا ثُمَّ يَضْمَحِلُّ.” (يع 4: 14). وهذا ليس سؤال شخصي، بل هو سؤال البشرية كلها: كل واحد فينا يسأله لنفسه في مراحل متفرقة من الحياة: ما معنى هذه الحياة؟ ولماذا نعيش إن كنّا بهذه الهشاشة ويمكن أن نموت في أي لحظة؟ انطلاقا من هذا السؤال نفهم معنى ميلاد السيد المسيح.
ميلاد المسيح ومعنى الحياة
يحكي البشير متى عن المجوس الذي جاءوا ليروا الملك الذي ظهر نجمه في السماء وأرشدهم لولادته (مت 2: 1 – 3). جاء المجوس ليسجدوا لملك حقيقي رأوا علامة ميلاده في السماء، هذا الملك الحقيقي هو المسيح. ولكن يستدعيهم ملك مزيف إلى قصره، هو هيرودس. ودائمًا هناك ملوك مزيفين، يستمدون قيمتهم الحقيقية من السلطة، كما فعل فرعون قديمًا حينما حاول أن يقتل النبي موسى، وهكذا فعل هيرودس حينما حاول قتل السيد المسيح. في الحالتين يصدر كل منهما قرار بالقتل الجماعي ليتخلص من الطفل، وفي الحالتين يتدخل الله لينقذهما.
وحينما وُلِد المسيح كان هيرودس الكبير هو الحاكم السياسي الذي ملك على البلاد في الفترة 37 – 4 ق. م. وكان يخاف على منصبه أشد الخوف لدرجة أن يوسيفوس المؤرخ اليهودي يخبرنا أنه قتل اثنين من أبنائه لأن كان لديه هواجس بأنهم يريدون الاستيلاء على عرشه. كان هيرودس مستعدًا أن يفعل أي شيء ليحافظ على سلطته ومركزه ومنصبه ونفوذه وقوته.
ولكن أدعوكم لثواني قليلة أن تتخيلوا معي لو أن هيرودس بيننا الآن في هذا الزمان وقد أُصِيب بكورونا، ماذا كان سيحدث لأحلامه؟ وانا هنا لا اتحدث فقط عن ملك شرير، ولكن اتحدث عنّا جميعًا، فكلنا نضع آمالنا في أمر أو آخر في حياتنا ، وكل هذا يلهينا عن معنى حياتنا الحقيقي.
فجسيم بسيط صغير لا يُرى بالعين المجردة أظهر لنا قدرنا الحقيقي…
ذهب المجوس يبحثون عن الملك، فكان الطبيعي يبحثون في القصر. ولكن بين قصر هيرودس وبيت يسوع مسافة شاسعة. لقد وجدوا الطفل يسوع في بيت بسيط ولكن مليء بالفرح. يقول النص: ” فَلَمَّا رَأَوْا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا جِدًّا.” (مت 2: 10). وحينما وجد المجوس يسوع مع امه “خروا وسجدوا له” (مت 2: 11). رغم أن المجوس كانوا علماء فلك وعلوم وفكر كبار من بابل، ولكن هنا نرى نموذج آخر إذ لا يستنكف المجوس بالسجود ليسوع. المجوس يعرفون أن يسوع هو الملك الحقيقي، ومهما كان عِلمهم أو مكانتهم العلمية مرموقة، فإنهم يسجدون للملك الحقيقي. وفي المقابل، هيرودس يكذب بادعائه أنه يريد أن يسجد للمسيح حينما يعثروا على مكانه (مت 2: 8). نحن دائمًا نعبد، ولكن قد نعبد المنصب، السلطة، المال، والقوة، ونصبح مقيدين بهم ولهم. ولكن المجوس لم يفعلوا ذلك، بل سجدوا للملك الحقيقي. المجوس قدموا أغلى ما عندهم للمسيح.
هيرودس ونبوخذ نصّر
في الحقيقة، لم يكن هيرودس أول من اصيب بجنون العظمة بهذه الطريقة، بل سبقه ملك آخر يحكي عنه الكتاب المقدس وهو نبوخذ نصّر ملك بابل: “عِنْدَ نِهَايَةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا كَانَ يَتَمَشَّى عَلَى قَصْرِ مَمْلَكَةِ بَابِلَ. وَأَجَابَ الْمَلِكُ فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ هذِهِ بَابِلَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي بَنَيْتُهَا لِبَيْتِ الْمُلْكِ بِقُوَّةِ اقْتِدَارِي، وَلِجَلاَلِ مَجْدِي؟»” (دا 4: 29 – 30). لقد حدث هذا المشهد بعد تحذيرات من دانيال النبي واحلام ارسلها الله للملك بأن يتضع، ولكنه ظل يظن أنه الأعظم. ولكن جاءته إجابة السماء القاطعة: “وَالْكَلِمَةُ بَعْدُ بِفَمِ الْمَلِكِ، وَقَعَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا: «لَكَ يَقُولُونَ يَا نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ: إِنَّ الْمُلْكَ قَدْ زَالَ عَنْكَ. وَيَطْرُدُونَكَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، وَتَكُونُ سُكْنَاكَ مَعَ حَيَوَانِ الْبَرِّ، وَيُطْعِمُونَكَ الْعُشْبَ كَالثِّيرَانِ، فَتَمْضِي عَلَيْكَ سَبْعَةُ أَزْمِنَةٍ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ الْعَلِيَّ مُتَسَلِّطٌ فِي مَمْلَكَةِ النَّاسِ وَأَنَّهُ يُعْطِيهَا مَنْ يَشَاءُ» فِي تِلْكَ السَّاعَةِ تَمَّ الأَمْرُ عَلَى نَبُوخَذْنَصَّرَ، فَطُرِدَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، وَأَكَلَ الْعُشْبَ كَالثِّيرَانِ، وَابْتَلَّ جِسْمُهُ بِنَدَى السَّمَاءِ حَتَّى طَالَ شَعْرُهُ مِثْلَ النُّسُورِ، وَأَظْفَارُهُ مِثْلَ الطُّيُورِ.” (دا 4: 31 – 33).
إن النص الكتابي مُقتضب وسريع حتى يدرك القاريء الربط المباشر بين الكبرياء الذي حل بقلب الملك نبوخذ نصّر، و الإذلال الذي تعرض له بسبب سعيه أن يكون مكان الله. ولكن أعطى الله الملك فرصة للتوبة، إذ يصف الكتاب: “وَعِنْدَ انْتِهَاءِ الأَيَّامِ، أَنَا نَبُوخَذْنَصَّرُ، رَفَعْتُ عَيْنَيَّ إِلَى السَّمَاءِ، فَرَجَعَ إِلَيَّ عَقْلِي، وَبَارَكْتُ الْعَلِيَّ وَسَبَّحْتُ وَحَمَدْتُ الْحَيَّ إِلَى الأَبَدِ، الَّذِي سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ، وَمَلَكُوتُهُ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ. وَحُسِبَتْ جَمِيعُ سُكَّانِ الأَرْضِ كَلاَ شَيْءَ، وَهُوَ يَفْعَلُ كَمَا يَشَاءُ فِي جُنْدِ السَّمَاءِ وَسُكَّانِ الأَرْضِ، وَلاَ يُوجَدُ مَنْ يَمْنَعُ يَدَهُ أَوْ يَقُولُ لَهُ: «مَاذَا تَفْعَلُ؟». فِي ذلِكَ الْوَقْتِ رَجَعَ إِلَيَّ عَقْلِي، وَعَادَ إِلَيَّ جَلاَلُ مَمْلَكَتِي وَمَجْدِي وَبَهَائِي، وَطَلَبَنِي مُشِيرِيَّ وَعُظَمَائِي، وَتَثَبَّتُّ عَلَى مَمْلَكَتِي وَازْدَادَتْ لِي عَظَمَةٌ كَثِيرَةٌ. فَالآنَ، أَنَا نَبُوخَذْنَصَّرُ، أُسَبِّحُ وَأُعَظِّمُ وَأَحْمَدُ مَلِكَ السَّمَاءِ، الَّذِي كُلُّ أَعْمَالِهِ حَقٌّ وَطُرُقِهِ عَدْلٌ، وَمَنْ يَسْلُكُ بِالْكِبْرِيَاءِ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُذِلَّهُ.” (دا 4: 34 – 37).
من المهم أن نلاحظ كيف تحول نبوخذنصّر من دورانه حول نفسه بإعتباره مركز الكون، كما في الأعداد 31 – 33، وحينما بدأ في رفع عينيه إلى السماء ووصف الكتاب له أنه رجع إليه عقله (لاحظ أن هذا الوصف يتكرر مرتين في هذا المقطع). لم يعد نبوخذنصر يتكلم عن مملكته وعظمته ومجده بل ينسب السلطان الكامل لله، ويعلن خضوعه لله. وأخيرًا، يشدد نبوخذنصّر على أن من يسلك بالكبرياء فإن الله قادر أن يزيله.
ملك آشور
كما كان هيرودس ونبوخذنصر، فكان هناك ملك آشور أيضًا الذي يحكي النبي اشعياء كيف أنه تكبر في قلبه ايضًا: “كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ السَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ، بِنْتَ الصُّبْحِ؟ كَيْفَ قُطِعْتَ إِلَى الأَرْضِ يَا قَاهِرَ الأُمَمِ؟ وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ، وَأَجْلِسُ عَلَى جَبَلِ الاجْتِمَاعِ فِي أَقَاصِي الشَّمَالِ. أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ.” (اش 14: 12 – 14). هذا المقطع يحدثنا عن ملك اشور الذي جاء على المملكة الشمالية وحاصرها واستطاع أن يسبي المملكة بالكامل في عام 701 ق. م. يحكي النص كيف أنه كان ملك عظيمًا ولكنه قُطِع إلى الأرض، أي كأنه رُمِي على الأرض بينما كان عظيمًا. والسبب في ذلك هو كبرياء قلبه.
لم يكن كبرياء ملك آشور كبرياء طبيعي، إذ أراد أن يصعد ليجلس على كرسي الله وأن يصير مثل العلي. أراد هذا الملك أن ينحي وجود الله في المشهد تمامًا، بل لا اتجرأ حينما اقول أن ملك أشور أراد أن يكون هو نفسه الله (حاشا لله). لاحظ كلمات النبي أن الملك كان يحلم “أصير مثل العلي”.
لكن ما حدث لهذا الملك في النص مرعب: ” لكِنَّكَ انْحَدَرْتَ إِلَى الْهَاوِيَةِ، إِلَى أَسَافِلِ الْجُبِّ. اَلَّذِينَ يَرَوْنَكَ يَتَطَلَّعُونَ إِلَيْكَ، يَتَأَمَّلُونَ فِيكَ. أَهذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي زَلْزَلَ الأَرْضَ وَزَعْزَعَ الْمَمَالِكَ، الَّذِي جَعَلَ الْعَالَمَ كَقَفْرٍ، وَهَدَمَ مُدُنَهُ، الَّذِي لَمْ يُطْلِقْ أَسْرَاهُ إِلَى بُيُوتِهِمْ؟” (اش 14: 15 – 17). لقد انحدر الرجل الذي زلزل الأرض بمثابة عبرة لكل من يريد أن يفكر بنفس الطريقة.
وعبر تاريخ التفسير الكتابي المسيحي، اصبح هذا المقطع من فرط قوته يُستخدم للإشارة لما حدث للشيطان والأرواح الشريرة. فبحسب هذا التفسير التقليدي، يُفهم معنى النص “كيف سقطت من السماء يا زهرة بنت الصبح؟” على أنه اشارة للشيطان قبل سقوطه، إذ أراد بعد ذلك أن يجلس على عرش الله العلي ويأخذ مكانه (حاشا لله). وقد نتفق أو نختلف مع هذا التفسير، إلا أن يبرز لنا مدى بشاعة قلب ملك آشور وكيف أراد أن يصبح هو مركز الكون وحده.
في الحقيقة، لم يفعل هيرودس، ولا نبوخذ نصر، ولا ملك أشور كل ذلك لأنهم ملوك، بل لأن هذه هى طبيعة الإنسان الفاسدة التي تحتاج إلى مخلص. كل ما فعله هؤلاء الثلاثة نحن نفعله جميعًا كل يوم حتى في أبسط القرارات التي نتخذها. لهذا أنتقل معكم لمشهد البدايات لنرى كيف دخل الكبرياء إلى قلب الإنسانية…
ميلاد المسيح والسقوط في عدن
في الحقيقة، ما فعله هيرودس ليس غريبًا عن البشر. لقد بدأت البشرية في التوجه نحو عبادة أمور واشياء أخرى في جنة عدن. وهنا اريد أن اقدم لكم ميلاد المسيح في ضوء ما حدث في جنة عدن (تك 3). لقد كان الإنسان مخلوقًا في ترتيب معين بحيث يكون خاضع لله، بينما يخضع الحيوان للإنسان. موسى النبي يوضح هذا الترتيب حينما يجعل الله فوق كل خليقة، ثم يجعل من الإنسان وكيلاً لله على الأرض ليعمل فيها، ثم يجعل الحيوان تحت سلطة الإنسان (تك 1 – 2).
في هذا السياق، كان الله هو الذي يصدر التشريع: “يوم أن تأكل من هذه الشجرة موتًا تموت” (تك 2: 17). وعلى الإنسان أن يخضع لله. وبالتالي، كانت وصايا الله هى معيار الصواب والخطأ. ما يقول الله أنه صواب هو صواب لا جدال فيه، ونفس الأمر ينطبق على الخطأ.
لكن ما حدث بعد ذلك في (تك 3) هو أن الحيوان، الأقل في ترتيب الخليقة، هو الذي اعطى للإنسان وصية “فقالت الحية للمرأة: لن تموتا، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما، وتكونان كالله عارفين الخير والشر.” (تك 3: 5). إن ما أغرت به الحية حواء في هذا المقطع هو أنها ستكون مثل الله! لاحظ أن هذا هو بالضبط ما أراده ملك أشور الذي أراد أن يصير مثل العلي، وهو نفسه ما افتخر نبوخذنصر به واعتز بنفسه، وهو نفس التوجه الذي تبناه هيرودس نحو يسوع. عند هذه النقطة، نلاحظ أن ترتيب الخليقة اصبح منعكسًا: اصبح الحيوان هو الذي يعطي الوصية، والإنسان يستقبل منه، بينا تم تنحية الله تمامًا عن المشهد! فالسؤال الذي يدعونا النص الكتابي أن نسأله هو: من هو الله ومن هو الإنسان بهذه الطريقة؟
في الحقيقة، ورغم أن هناك دروس كثيرة وعديدة يمكن أن نتعلمها من قصة الخلق والسقوط، إلا أن المحور اللاهوتي للنص يشير إلى جوهر خطية الإنسان: أن يصبح هو المركز، فيتلاشى الله من المشهد. وما حدث مع آدم وحواء هو امر متكرر ويحدث في كل تاريخ البشرية. فالخطية ليست فقط كسر الوصية، بل هى توجه عام للسلوك الإنساني يتمركز حول الإنسان ورغباته وطموحاته، متناسيًا وجود الله وحضوره في الحياة.
الخاتمة
لقد أدرك المجوس ما لم يدركه هؤلاء الملوك العظام، وربما نحتاج في اوقات لخبرات حياتية تجعلنا نتذكر من هو الإنسان حقًا. أين نضع رجاءنا الحقيقي؟ أين نضع معنى حياتنا؟ هل في قوتنا ومراكزنا الاجتماعية ونفوذنا واموالنا وعلاقاتنا؟ كل هذا هش، ويمكن أن يختفي بسهولة وسرعة. الإنسان أضعف من هذا بكثير.
وهذه دعوتي اليوم: أن نقدم كل ما لدينا للمسيح، لأن فيه وحده الرجاء الحقيقي، والشبع الحقيقي، والراحة الحقيقية. كذلك فلنقدم أغلى ما عندنا لخدمة المحتاجين والمرضى الذين لا يجدون من يساعدهم ولا يهتم بأمرهم. أدعوكم أن نحتفل بالميلاد عن طريق المحبة العملية لكل الضعفاء والمقهورين بالمرض والفقر. ليكن احتفالنا بالميلاد بمثابة دعوة جديدة أن نعيش انسانيتنا وسط وباء لا يفرق بين أحد.
بهذا يكون الميلاد معنى جديد للحياة..
أسم الكاتب :القس عاطف مهنى
هناك تاريخ طويل في التراث المسيحي في التعامل مع الكتاب المقدس بصورة تختلف عن أية كتابات دينية، أو روحية. هذا التاريخ يضرب جذوره في اليهودية، وبالتالي يعود لعدة آلاف من السنين. ولا بد أن ننوه أن أفضل حالات شعب الله في القديم، ثم الكنيسة في العهد الجديد ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بمكانة الكلمة المقدسة في حياة شعب الله. ففي الوقت الذي أُهمِلت فيه الشريعة والوصية، أو غُلِّبت تعاليم البشر -حتى لو كانت تعاليم لاهوتية وعقائدية- وأُعطيت سلطانًا فوق سلطان نص الكلمة المقدسة، انتشر الشر وغاب العدل، ودب الفساد في جسد شعب الله. لذلك يجدر بنا في هذه المقالة القصيرة أن نذكر أنفسنا، ليس فقط بأهمية الكلمة المقدسة، بل أيضًا بالفارق الهائل في فكرنا المصلح بين النص المقدس، وأية تعاليم بشرية سواء كانت تفسير لهذا النص، أو عقيدة مبنية عليه. ومن هنا سنحاول أن نتعرض بأكثر وضوح لماذا تنظر كنيسة المشيخية المصلحة إلى النص المقدس كحق مطلق، بينما نتعامل مع كل اجتهاد بشري سواء في تفسير النص أو استخراج تعاليم وعقائد منه كحق نسبي. وفي نهاية المقال، نرجو أن نخرج ببعض التطبيقات العملية التي تعكس هذا المفهوم الذي هو في صميم الفكر المصلح.
مكانة النص المقدس على مدى التاريخ:
أولاً في اليهودية:
لقد تعامل الشعب اليهودي باحترام شديد مع الكلمة المقدسة، وآمنوا بأن ما ورد فيها هو كمال إعلان مشيئة الله، وأن اتِّباع وصايا الله هو الطريق والضمان للسير في رضاه. لقد درج اليهودي منذ صباهم على تعلُّم ما ورد في شريعة موسى من تحذيرات ترك الشريعة في مقابل بركات العمل بها، وحفظوا تأملات داود النبي التي تغنَّى فيها بجمال شريعة الله التي لا مثيل لها، وفيما يلي بعض الأمثلة لتذكيرنا:
ولقد تعلم اليهود الدرس الصعب في السبي، حيث تمرروا من العبادات الوثنية، وقاسوا من عادات الشعوب التي سبوا إليها كتقديم الأبناء ذبائح وغير ذلك من رجاسات الأمم. وإن كان هناك درس مفيد من أزمة السبي يكون هو نمو إدراك الشعب لأهمية الكلمة المقدسة التي من خلالها كان لهم أن يختبروا معية الله وعنايته، لذا صار الناموس مركزًا للعبادة عوضًا عن الهيكل الذي هدم، فأقيمت المجامع في كل مدينة تشتت إليها اليهود، حتى يتعلم الشعب وصية الله ولا يعود يهملها.
ثانيًا في أيام السيد المسيح والرسل:
كان العهد القديم هو الكتاب المقدس الذي تعلَّمه السيد المسيح وحفظه منذ صباه، وعندما بدأ خدمته الجهرية، نجده يقرأه، ويقتبس منه ويشير إليه هو وتلاميذه. وعلى الرغم من أن قانونية العهد القديم لم تكن قد أُقرَّت رسميًّا آنذاك، إلا أن دراية السيد المسيح وتلاميذه بكل العهد القديم تقريبًا واقتباسهم من أسفار التوراة (أسفار موسى الخمسة)، والأنبياء (الكبار والصغار) والكتوبيم (باقي الأسفار التاريخية والمزامير) هو أمر مبهر بالتأكيد.
فنجد السيد المسيح يقتبس من أسفار الشريعة ليرد على تجارب إبليس واحدة واحدة (قارن مت 4: 4، 7، 10 بـ تث 8: 3). ونجده يؤكد أنه لم يأتِ لينقض الناموس بل ليكمله -أي يتممه ويحقق الوصية بتمام عمقها وشمول اتساعها كما قصدها الله- (مت 5: 17). لقد أكد السيد له المجد إنه حتى تزول السماوات والأرض، لن يزول حرفٌ واحدٌ، ولا نقطةٌ واحدةٌ من الناموس (مت 5: 18). وفي بداية خدمته الجهرية، دخل مجمع الناصرة وقرأ من سفر إشعياء (إش 61: 1- 2) وقال للمتعبدين: “إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هَذَا المَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ” (قارن إش 61: 1، 2 بـ لو 4: 18- 21). وبالمثل اقتبس السيد من نبوة إشعياء ليرد على تساؤلات المرسلين من قِبَل يوحنا المعمدان إن كان يسوع هو المسيا أم عليهم انتظار آخر، مؤكدًا لهم أنهم يرون بأعينهم تحقيق النبوة من فتح أعين العمي، وشفاء العرج، تقديم البشارة للمساكين… إلخ (قارن مت 11: 2- 6 بـ إش 29: 18؛ 61: 1). وفي مرات أخرى عديدة كان يوضح الكتب لتلاميذه وينير أعين الجموع بالمكتوب، أو يُشهِد مقاوميه من قادة اليهود على أنفسهم مقتبسًا النبوات.
وبالمثل أيضًا فعل تلاميذ السيد وكُتَّاب العهد الجديد، حيث ربطوا كل ما كانوا يرونه من تعاليم السيد المسيح وحياته والآيات التي صنع بالنبوات التي وردت في أسفار العهد القديم عن المسيا، ونفس الأمر فعله البشير لوقا، عندما رأى ميلاد الكنيسة يحقق نبوات يوئيل النبي. ويصعب علينا أن نحصي الاقتباسات والإشارات من العهد القديم التي وردت في عظات بطرس واسطفانوس وكذلك في تعاليم بولس، وهم يربطون حاضرهم بما أورده الوحي المقدس مئات السنين قبل الميلاد.
ثالثًا في العصور الوسطى:
تغطي العصور الوسطى الحقبة من القرن الرابع الميلادي، لاسيما مع إعلان قسطنطين المسيحية كالديانة الرئيسية للإمبراطورية الرومانية، وتمتد حتى القرن السادس عشر، وبالتحديد مع ظهور الإصلاح الإنجيلي.
لقد شهدت العصور الوسطى للأسف تدهورًا شديدًا في علاقة الكنيسة والشعب بالكتاب المقدس. فقد نجح الإكليروس في أن يستأثروا بسلطة قراءة الكتاب المقدس وتفسيره وتأسيس العقائد المسيحية من تفسيراتهم له، وقصروا ذلك على أنفسهم حتى صارت تعاليم البابا معصومة وأصبح في يد الباباوات والكهنة وحدهم حق الحكم على الإيمان والأعمال. فلا عجب أن تخرج في ذلك العصر عقائد فاسدة مرتبطة بسلطة الكهنة في غفران الخطايا، وسلطة الكنيسة في الحل والربط، والتحليل والتحريم، وظهرت عقائد مثل عقيدة المطهر وعصمة البابا وغير ذلك.
رابعًا في زمن الإصلاح:
يمكننا أن نسجل هنا أن أهم ما يميز زمن الإصلاح من جهة مكانة الكتاب المقدس هو إدراك المصلحين لسمو سلطة الكتاب فوق كل سلطة أخرى، وهو ما عُبِّرَ عنه بالمبدأ الشهير “الكتاب المقدس وحده”sola scriptora ، وقد ترتب على هذا الأمرالإقرار بحق كل إنسان أن يقرأ الكتاب المقدس بذاته، وإن فهم الكتاب وتفسيره ليس قاصرًا على الإكليروس.
عندما تيقن المصلحون أن الكتاب المقدس وحده جدير أن يكون المقياس الوحيد المعصوم للإيمان المسيحي والأعمال والسلوك، لم يعد للتقليد أو تفسيرات الإكليروس أو الباباوات وما يقرونه من عقائد، سلطة مكافئة أبدًا للكتاب المقدس. لقد أصبحت قيمة كل هذه المجهودات البشرية نسبية، تستمد قيمتها من مدى توافقها واتساقها مع الكتاب المقدس وليس العكس. هي لها قيمة بالطبع لأنها تمثل تاريخ فهم الكنيسة على مر العصور لكلمة الله، لكنها لا يمكن أن تقف بذاتها كمصدر مستقل للإيمان والأعمال موازٍ أو مقارب للكتاب المقدس. لقد أدرك المصلحون أن التعليم والعقيدة هي تعبير عن فهم البشر لتعليم الكتاب المقدس، سواء كان هذ الفهم مصاغًا في تعاليم البابا أو الإكليروس أو حتى إقرارات مجامع مسكونية. وفيما يلي نموذجان لإقرارات إيمان ظهرت في عصر الإصلاح بشأن الكتاب المقدس توضح إدراكهم للفارق بين كلمة الله، التي تحمل كمال الحق، وأية تعاليم بشرية تكتسب قيمتها وسلطانها من توافقها مع حق كلمة الله:
سلطة الكتاب المقدس:
نؤمن بأن الكلمة الموجودة في هذه الأسفار منبثقة من الله ومنه وحده ينبع سلطانها، لا من البشر. وبقدر ما هي قاعدة كل حق؛ إذ تحتوي على كل ما هو ضروري لخدمة الله ولخلاصنا، لا يحق لأي إنسان، ولا للملائكة، أن يضيف عليها أو يزيل عنها أو يغيرها. وبالتالي لا يحق لأي سلطة سواء قامت على أساس الأقدمية أو العرف أو العدد أو الحكمة البشرية أو أحكام أو إعلانات أو مراسيم أو قرارات أو مجامع أو رؤى أو معجزات أن تتعارض مع هذه الأسفار المقدسة. بل على العكس إن هذه الأسفار هي المرجع الأساسي لفحص كل الأشياء وضبطها وإصلاحها. ولذلك نحن نعترف بثلاثة قوانين للإيمان: قانون إيمان الرسل وقانون الإيمان النيقاوي (القسطنطيني) وقانون الإيمان الأثناسي لكونها تطابق كلمة الله.
سلطة الكتاب المقدس:
نؤمن ونعترف بأن كتاب الله كافٍ لتعليم إنسان الله وجعله كاملًا، كذلك نؤكد ونصرح بأن سلطة الكتاب هي من الله ولا تعتمد على بشر أو ملائكة، لذا فإننا نؤكد أن القائلين بأن لا سلطة للكتاب إلا تلك المعطاة له من الكنيسة مجدفون على الله ومضرون للكنيسة الحقة التي تسمع صوت قرينها وتطيع راعيها دومًا، ولكنها لا تدَّعي بأنها سيدة فوق صوت سيدها.
لماذا يعتبر النص المقدس هو الثابت في فكر كنيستنا المصلحة؟
من كل ما سبق يتضح لنا بما لا يدع مجالًا للشك أن شعب الله على مر تاريخه -باستثناء فترة العصور الوسطى المظلمة والتي اقتضت إصلاحًا ثوريًّا- قد تعامل مع نص كلمة الله بكل احترام وإجلال مدركًا أنها تستمد طبيعتها وقيمتها من طبيعة الكاملة وتحمل في جوهرها سمة مصدرها الله الذي لا يعتريه تغيير ولا ظل دوران: “وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا” (2بط 1: 19). فإن كنا نؤمن أن الله كاملٌ ومُطلَقٌ، فمن الطبيعي أن نرى في كلمته الكمال. إذًا نحن نؤمن أن كل ما ورد في الكتاب المقدس هو رسالة الله الصادقة التي تحوي حقًّا كاملاً، لا زيف فيه، معلن فيه مشيئة الله: “لِأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ“ (2 بط 1: 21). هذه الكلمة هي الإعلان الكافي عن طريق الخلاص للبشرية الساقطة، يسوع المسيح مخلص العالم: “وَأَنَّكَ مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلَاصِ، بِالْإِيمَانِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (2تي 3:15 ).
فالروح القدس هو من دفع كُتّاب الأسفار المقدسة ليكتبوا ما كتبوا، وهو الذي ساقهم ليسجلوا الرسالة التي أرادها أن تصل إلى البشرية، وهو الذي يُحدِث الأثر والفعالية للكلمة حسب مشيئة الله: “لِأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ” (عب 4: 12). ولهذا وصفت كلمة الله “بالمطرقة التي تحطم الصخر” (إر 23: 9) و”كالنار التي تأكل الهشيم” (إر 5: 14).
لماذا تُعتَبر التفاسير والكتابات اللاهوتية نسبية في الفكر المصلح؟
تناولنا باختصار فيما سبق أزمة العصور الوسطى في التعامل مع الكتاب المقدس، والتي ربما بدأت بانحراف بسيط بُرِّرَ بقصر قراءة الكتاب المقدس وتفسيره واستخراج عقائد منه على الإكليروس بحجة أنهم المؤهلون لذلك. ورغم وجود قدر من الصحة والمنطق في هذه الحجة، تحترم التخصص والتأهيل لمهمة تفسير الكلمة المقدسة، إلا أن الأمر تطور إلى إضفاء صبغة من السلطة الخاصة لتعاليم الإكليروس، آلت في يوم ما إلى الاعتقاد في عصمة البابا فيما يُصدِر من عقائد لاهوتية! هذا الأمر خطير؛ لأنه يحول فكر الإنسان المحدود إلى المطلق، وينزه نتاج عقله لدرجة العصمة! والأخطر هو ما أدركه المصلحون، أن ذلك يجعل سلطة النص الإلهي تحت سلطة الفهم البشري للنص! لذا فلا عجب أن خرجت عقائد خطيرة مثل صكوك الغفران، وشفاعة القديسين، والحل والربط وغيرها كعقائد تمنح فئةً من البشر دورًا رهيبًا في التحكم في خلاص أو هلاك إخوة لهم في البشرية. من أجل هذا جاء إقرار إيمان جنيف (1536) وغيره واضحًا في تعبيره عن العلاقة بين سلطة الكلمة المقدسة وأي سلطة أخرى تصدر من البشر “نؤكد أولاً أننا نرغب في اتِّباع الكتاب المقدس وحده قاعدة للإيمان والتقوى، دون أن نخلط معه أي شيء آخر من بدع البشر غير المتفق عليها مع كلمة الله. ولا نقبل لإدارة شئوننا الروحية أي تعليم لا تبلغنا إياه هذه الكلمة دون زيادة أو نقصان، بحسب وصية الرب“.
تطبيقات عملية:
أسم الكاتب :القس.بيتر وديع
مرَّ الفكر الإنساني الفلسفي بمراحل عديدة ومتنوعة، فلقد صاغ الإنسان العديد مِن الأفكار والفلسفات، مُنذُ أن قامت حضارات ما بين النهرين والحضارة المصرية والقديمة، ثمّ الحضارة اليونانية والرومانية، وبعد ذلك نشأت المسيحية والإسلام، مرورًا بعصر النهضة والإصلاح والتنوير، حتى وصلنا إلى الحداثة وما بعد الحداثة. وعلى مَر كُل العصور كان هُناك دائمًا جدل بين علاقة النسبي بالمُطلق. ولقد اختلف المُفكرون والفلاسفة في تعريف ما هو المُطلق وما هو النسبي، واختلفوا أيضًا على طبيعة كُلٍّ منهما، وحدود العلاقة بينهما. ولكن الأكيد مِن دراسة تاريخ الفلسفة أنه في كُل الحقب وعلى مدار التاريخ الفكري للإنسانية، كان دائمًا يوجد مُطلق ويوجد نسبي أيضًا، ويوجد تفاعل وعلاقة بين بعضهم البعض.[1]
وأما بالنسبة للمؤمنين بالله، فالمُطلق معروف وواضح وضوح الشمس، فهو شخص الله الحي -جلَّ جلاله- وأحكامه ووصاياه. وذلك لأن المُطلق في أبسط تعريفاته هو اللامحدود وغير المرتبط بالزمان والمكان، وهذا لا ينطبق إلا على الله -سبحانه تعالى- وما جاء في أحكامه وشرائعه. والنسبي بالنسبة لنا معروف أيضًا فهو كُل ما هو محدود ومرتبط بالزمان والمكان. والعلاقة بين النسبي والمُطلق هي علاقة التطّلع والشوق ورغبة في الاتحاد دون اختلاط أو تزاوج، كما أكدت جميع الأديان.
ولكن تأتي المُشكلة عندما يخلط أتباعُ الديانات النسبيَّ الدنيويَّ بالمُطلقِ المُقدّس، ويسعون لتزاوج المُطلق الثابت وغير المحدود بالنسبي المُتغير والمحدود، وهذا ما رأيناه في محاولات خلط الدين بالسياسة، وربط الهوية الدينية بالقومية العرقية، ومساواة التفسير الاجتهادي بالنص المقدّس.
لِذا سيحاول الباحث في هذه الورقة البحثية أن يُبرز خطورة مثل هذه العلاقة مِن تزاوج مغلوط بين النسبي والمُطلق، مُتخذًا “الصهيونية المسيحية” نموذجًا، وسيجتهد الباحث في توضيح الموقف المُتزن للإنجيليين العرب، الذين يرفضون هذه المزاعم المغلوطة فلسفيًّا ودينيًّا وعمليًّا، والتي شوهت الفكر والحضارة الإنسانية، وأدخلت المسيحية في الحروب والصراعات، وبرّرت القتل وسفك الدماء باسم الدين، وسببت الحرج للمسيحين بشكل عام، والمسيحيين العرب بشكل خاص.
أولًا: الصهيونية واليهودية
بداية الصهيونية
يغلب على ظن الكثيرين أن الصهيونية حركة دينية قديمة، وأنها مرتبطة بما ورد من الوعود لإبراهيم. وفي الواقع أنها ليست بالحركة الدينية، وليست بالحركة القديمة في بني إسرائيل أنفسهم، ولكنها حركة سياسية تابعة لقيام الدولة وسقوطها في بيت داود. فغاية ما بلغه إبراهيم تحت قمة صهيون أنه أشترى قبرًا هناك بالمال كما جاء في الإصحاح الثالث والعشرين من سفر التكوين في العهد القديم.[2]
ومضت القرون بعد إبراهيم إلى عهد موسى، ثمّ مضت القرون بعد موسى، ثم نجد في سفر القضاة أن بيت المقدس كانت في أيدي اليبوسيين، حتى تولى أورشليمَ داودُ، وخلفه سليمان فبنى الهيكل المشهور، ثم جاء الأسر البابلي وأصبح الحنين إلى صهيون رمزًا للحنين إلى عودة المملكة، وتحولت الوعود الإلهية في كتبهم تحولًا جديدًا مع مصالح سياسية.[3]
ولما جاء المسيح أنكر كهنة الهيكل رسالته، وآمن به بعض اليهود، وبعض أبناء الأمم المقيمين في فلسطين واحتج القوم عليه بوعد إبراهيم، فقال لهم: إن أبناء إبراهيم بالروح هو المدعوون للخلاص، فكل من آمن بدينه فهو من أبنائه، ولا فرق بين اليهودي واليوناني، لأن ربًّا واحدًا للجميع، كما جاء في رسالة رومية.[4]
عودة الدولة اليهودية
وبعد السيد المسيح في عام 70م جاء القائد الروماني تيطس، وقام بحصار وتدمير أورشليم تدميرًا كاملًا، ولم يترك حجرًا على حجر في هيكل الملك السليمان كما تنبأ السيد المسيح مِن قبل، وتشتت اليهود في كُل بقاع الأرض وكان لسان حالهم كما عبّر عنهم تيودور هيرتزل الآتي:
لقد حاولنا بصدق في كل مكان أن ندمج أنفسنا مع الحياة الاجتماعية في المجتمعات التي نتواجد بها، وأن نحافظ على معتقدات آبائنا، ولكن لا يُسمح لنا بذلك. ونحاول بلا طائل أن نكون وطنيين مخلصين، بالرغم من أن درجة إخلاصنا تصل في بعض الأحيان إلى أقصى الحدود، وبلا طائل نقدم التضحيات ذاتها من الممتلكات والأرواح التي يقدمها نظراؤنا من المواطنين، بلا طائل نسعى إلى رفعة اسم البلد الذي ولدنا به في العلوم والفنون، أو لزيادة ثرواته من خلال التجارة والمعاملات التجارية. ففي البلاد التي عشنا بها لقرون، ما زلنا نُنعت بعبارة “الغرباء”، حتى من قبل هؤلاء الذين لم يكن أسلافهم قد أقاموا بعد في تلك البلاد التي طالما عانى اليهود فيها. [5]
وكان تيودور هيرتزل هو مؤسس فكرة الصهيونية الحديثة، والذي حثّ على عودة دولة إسرائيل وقيام الدولة اليهودية كما وعد بها الرّبُّ -مِن وجهة نظره- إبراهيمَ مِن النيل إلى الفرات، وتكوين قوة سياسية وعسكرية، ومركز للعبادة اليهودية من جديد كما كان أيام الملك داوود وسليمان، وكان لديه مُخطط شامل وكامل للعودة، فعلى سبيل المثال قال الآتي:
إن تأسيس دولة جديدة ليس بالأمر السخيف أو المستحيل، فقد شاهدنا خلال حياتنا أحوال الأمم التي لم تكن حتى من أعضاء الطبقة الوسطى، بل كانت أفقر من ذلك، وأقل في التعليم، وبالتالي أضعف منا. وستحرص حكومات الدول التي أصابتها البلايا بسبب معاداة السامية على مساعدتنا لنحصل على السيادة التي نسعى إليها. وسيتم تنفيذ هذه الخطة البسيطة من حيث التصميم، والمعقدة من حيث التنفيذ، من خلال وكالتين: جمعية اليهود والشركة اليهودية. وستقوم جمعية اليهود بالعمل الإعدادي في ميادين العلم والسياسية، ثم تتولى الشركة اليهودية تنفيذها بشكل عملي فيما بعد.[6]
والذي يؤكد أن الهدف مِن العودة ليس دينيًّا هو أن خطة العودة في البداية كانت تُخطط لإقامة الدولة اليهودية إما في فلسطين أم الأرجنتين، فالخطة كانت تبحث عن المكان الخصب والمناسب لقيام الدولة أكثر مِن الاهتمام بتحقيق الوعود الدينية كما يزعم أتباع الصهيونية، فهذا ما قاله هيرتزل:
هل يتعين علينا اختيار فلسطين أم الارجنتين؟ سنأخذ ما يعطى لنا، وما يختاره الرأي العام اليهودي، وستقوم الجمعية بتحديد هاتين النقطتين. فالأرجنتين واحدة من أخصب دول العالم، وتمتد لمساحة هائلة، وهي ذات كثافة سكانية ضئيلة، ومناخ معتدل. ولسوف تحصل جمهورية الأرجنتين على أرباح هائلة نظير تنازلها عن جزء من أرضها لنا. أما فلسطين فهي وطننا التاريخي الخالد في ذاكرتنا أبد الدهر، فمجرد ذكر اسم فلسطين يجذب شعبنا بقوة هائلة. [7]
فثيودور هرتزل كان يرى أن حل المُشكلة اليهودية لا تكلفه فقط سماحة وتحرر (ليبرالية) الدول التي تأوي اليهود، وإنما يجب إنشاء دولة يعيش فيها اليهود على أرض يهودية خالصة تتماشى مع هويتهم اليهودية وانفصالهم. وعلى الرغم من أن “هيرتزل” نفسه اندمج في المجتمع الأوروبي، إلا أنه رأى أن المجتمعات الأوروبية كانت غير قادرة على التسامح مع اليهود، لأنهم كانوا يشكلون أجانب، ولهم سلوكيات مُختلفة. فلقد تجنب “هيرتزل” أي حل دستوري أو أي حل يعتمد على الحقوق المدنية.[8]
ثانيًا: الصهيونية والمسيحية
لم تقف الحركة الصهيونية عند حدود الدين اليهودي وأتباعِه، لكنها تجاوزت هذه الحدود وذهبت إلى الديانة المسيحية، ولاسيما وسط الطوائف البروتستانتية، واخترقتها عن طريق مغازلة الأصوليين منهم مِن خلال اتِّباع المنهج الحرفي في التفسير، مما جعل الكثيرين يؤكدون هذه المزاعم المسيحية، وظهر ما يُسمى بالصهيونية المسيحية.
والأمر الأشد إيلامًا، هو وجود بعض المسيحين، لا سيّما الإنجيليين المتطرِّفين، في أمريكا وأوروبا، الذين برّروا ودعموا قيام الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين عام 1948م، ولا يزالون يؤيِّدون الخطوات الأخيرة التي قامت بها الإدارة الأميركيَّة، تحت شعار تحقيق نبوءات العهد القديم، بإعادة إرجاع الله لشعبه إسرائيل إلى أرض كنعان، أرض الموعد، أرض فلسطين، إذ كان قد وعد بها آباءهم وأجدادهم، ابتداءً مِن إبراهيم خليل الله، ومِن ثمّ نسله بعده، وذلك مِن دون أن ينظروا إلى موضوع الأرض من منظار يسوع المسيح نفسه ورسل الكنيسة الأوائل، الذين أعادوا تفسير موضوع الأرض بشكل جديد ينسجم مع تطلُّعات العهد الجديد. فإنَّهم بتفسيراتهم هذه قد خرجوا عن الإطار الأساسي الذي وضعه آباء الكنيسة في تفسير تلك النبوءات. والمُصلحون الإنجيليون الأساسيون الذين برزوا في القرن السادس عشر والتزموا بتوجهات العهد الجديد في تفسيراتهم لموضوع نبوءات العهد القديم حول أرض الموعد. [9]
فإنَّ تبرير إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين استنادًا إلى التفسيرات الحرفيَّة لنبوءات العهد القديم من الكتاب المقدَّس، قد زجَّ الكتاب المقدَّس في الصراع الإسرائيلي– الفلسطيني، بل الصراع الإسرائيلي– العربي، فتحول الكتاب المقدَّس مِن رسالة حياة إلى رسالة موت، ومِن رسالة رجاء إلى رسالة يأس، ومِن رسالة بناء للإنسان والمجتمعات إلى رسالة تدمير للإنسان والمجتمع الفلسطيني.[10]
ثالثًا: الصهيونية والأصولية
المقصود بالأصولية هُنا ليست العودة إلى أصول الدين لاستخلاص المبادئ والقيم التي يجب أن نتبناها كمتدينين. ولكن المقصود هُنا هو ذلك التيار الراديكالي الذي يستخدم الدين بطريقة خاطئة، ويغرق في الطرق الحرفية لتفسير النصوص دون النظر لخلفيتها وأسباب نزولها. والذي يخلط النصوص ويجتزئها حتى يوظف الدين لتلك الأغراض السياسية السلبية.
فالمبدأ الانتقائي للنصوص نجده حاضرًا لدى الأصوليين اليهود في تأكيدهم على خبرتهم المطلقة لدى يهوه الذي كان قاسيًا ضد الأغيار (غير اليهود)، والتي يستعينون لإثباتها بما ورد في سفر التثنية مِن آيات تدعو إلى إبادة هؤلاء الأغيار المفتقرين لأي فضيلة. وفي الوقت نفسه يتجاهلون ما ورد في الإصحاح الثامن مِن السفر نفسه، مِن أن الله لم يختر العبرانيين إلى الأبد، بل اختارهم كما اختار الكنعانيين من قبلهم، عندما كانوا أحبارًا يخدمون الله بوازع ديني، ولكنه تخلى عنهم بسبب حبهم للشهوات، وفساد عبادتهم، ولذا فقد حذرهم موسى “وإن نسيت الرب إلهك وذهبت وراء آلهة أخرى وعبدتها وسجدت لها، أشهد عليكم اليوم أنكم تبيدون لا محالة. كالشعوب الذين يبديهم الرب من أمامكم كذلك تبيدون، لأجل أنكم لكم تسمعون لقول الرب إلهكم” (تثنية8: 19، 20). كما يتمسكون بالآيات التي تخصهم على التعامل الأخلاقي الانتقائي، بتوخي العدل والإحسان تجاه اليهود الآخرين، والتغاضي عنهما مع الأغيار، كما جاء في سفر الخروج مِن تحريض على المصريين لمجرد أنهم أغيار، بينما يتجاهل هؤلاء الدعوة إلى الإحسان وفعل الخير مع الجميع كما تؤكد العديد مِن النصوص الأخرى. [11]
والفهم الاختزالي نفسه نجده حاضرًا لدى الأصوليين المسيحيين الذين يتوسعون في الاقتباس من سفر الرؤيا ويجدون في رؤيا نهاية العالم وما تبثه من عنف إلهامًا وحافزًا للتعاطف مع اليهود، بحسب العقيدة قبل الألفية القائلة بأن عودتهم إلى أرض الميعاد، وبناء الهيكل الثالث، يُمثل بشارة لعودة المسيح، وبداية المعركة الفاصلة “هرمجدون” مع الشر. ولكنهم في المقابل، نادرًا ما يشيرون إلى الموعظة على الجبل حيث يطلب المسيح أن يحبوا أعداءهم ويباركوا لاعنيهم.[12]
فالأصوليات المختلفة تلعب أدوارًا مختلفة في حياة الدول والمجتمعات الحاضنة لها. فالأصولية اليهودية تلعب في حياة إسرائيل-الدولة التي تجسد الوجود اليهودي المعاصر سياسيًّا- دورًا إشكاليًّا مُركبًا، ينطوي على معاندة ورفض أحيانًا، كما يتجلى لدى الحرديم (اليهود الأرثوذكس)، المحاصرين في نمط حياة يشبه جيتو داخل إسرائيل العلمانية، مثلما ينطوي على دعم وتشجيع أحيانًا للدولة القائمة، وكذلك لسياستها العدوانية ضد العرب، مسيحيين ومسلمين، كما يتجلى عند اليهود الصهاينة، الذين يزايدون على عنف الدولة الإسرائيلية باعتبارها دولة علمانية، فيمدون عنفها القومي بمقولات تبريرية تنبع من أساطير توراتية.[13]
أما الأصولية المسيحية، فيجسدها بالأساس ذلك التيار الإنجيلي الأمريكي، والذي يمثل حركة احتجاج ضد صيرورة الحداثة والعلمانية التي اندمج فيها التيار البروتستانتي الأساسي Main Stream” Churches”. ورغم أن الإنجيليين الأمريكيين هم أول من استعمل مصطلح “الأصولية” في العقود الأولى مِن القرن العشرين تمييزًا لأنفسهم عن البروتستانت “المتحررين” الذين كانوا -في رأيهم- يشوهون العقيدة المسيحية تشويهًا كاملًا. ولكنهم ظلوا مجرد هامش على متن الحداثة الأمريكية، وظلوا عاجزين عن إعاقة التيار الرئيسي Main Stream” Churches” عن مجرى التاريخ.[14]
رابعًا: الصهيونية والبروتستانتية
يتم تأييد الحركة الصهيونية مِن قبل بعض المذاهب والفرق والهيئات الإنجيلية في الغرب، خاصة التي نشأت في القرن التاسع عشر والتي تُسمى “المدرسة الدهرية Dispensational School” مِن خلال تفكيرها الحرفي والأصولي، والذي ظهر بأكثر قوة ووضوح في أيام حكم ريجان للولايات المتحدة الأمريكية، والتي تلاقت في نفس الوقت مع مخططات الحركة الصهيونية. هذه المخططات التي ظهرت منذ مؤتمر بازل بسويسرا عام 1897م.هذه الاتجاهات الأصولية لها روادها الأوائل في القرن 19 مثل جون نيلسون داربي (1800-1882م) مؤسس مذهب الإخوة البليموث، وهو أيرلندي الأصل.
هذه الاتجاهات الحرفية تتبناها بعض المذاهب الإنجيلية المماثلة في مصر والعالم العربي. ولكن الفرق أنهم هنا مندفعون بتفسيراتهم الحرفية وليس بدوافع سياسية. وأيًّا كانت الدوافع في الخارج أو الداخل، واستمرار ترديد هذه الأفكار في أدبيات هذه المذاهب والشيع الإنجيلية، فقد جعل بعض الكتاب والمفكرين يربطون –خطأً- بين الحركة الصهيونية والإصلاح الديني البروتستانتي الذي قام في أوروبا على موجات في القرن الخامس عشر، واكتمل في القرن السادس عشر، والذي مهَّدت له عوامل دينية وفكرية وعملية وسياسية في مناخ عصر النهضة. هذا الربط يتناقض تمامًا مع المبادئ والأسس التي قام عليها الإصلاح ونادى بها المصلحون.
لكن المشكلة أن الذي يكتب عن هذه المذاهب التي تنادي بهذه الأفكار، خاصة في شرقنا يصفها دائمًا وعلى وجه العموم بأنها “إنجيلية” أو “بروتستانتية” غير مميز بين هذه المذاهب الإنجيلية “Evangelical” وبين الكنيسة الإنجيلية (المشيخية Presbyterian) في الغرب وفي الشرق والتي تختلف تمامًا مع هذه الأفكار والمزاعم وتقوم بكشفها بكل الطرق، وبالرغم مِن ذلك ظهرت في بعض الأوقات ومازالت بعض الكتب والمقالات تحت عنوان “الأصولية الإنجيلية” أو “الصهيونية المسيحية” إلى آخره، والتي تترك في القارئ انطباعًا خطيرًا يقوم على التعميم غير الواعي، لأن الذين يكتبون على أدبيات ونشرات غربية تستخدم مسميات ومصطلحات لم يستطع الذين نقلوها أن يتتبعوا مدلولاتها وتاريخها بدقة، فيسقطون في شراك التعميم الخطير.[15]
ويوجد عدة طرق لتصنيف الطوائف البروتستانتية. أحد النماذج التقليدية هو أن نُميز بين ثلاث فئات كبيرة من البروتستانت: البروتستانت التقليديين (Mainline Protestants)، والإنجيليين (Evangelicals)، والأصوليين (Fundamentalists). وتشمل الكنائس البروتستانتية التقليدية: المشيخيين، والميثوديست، واللوثريين، والكنيسة المصلحة، والأسقفيين وطوائف أخرى، كانت في واجهة السياسية والثقافة الأمريكية في غالبية التاريخ الأمريكي. وإن أعضاء منهم كانوا ولا يزالون مِن الطبقات القيادية المهنية وطبقات رجال الأعمال، وهم يشددون على أهمية أن تكون القيادة الكنسية ذات ثقافة وتعليم. وقد حصل مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط على غالبية الدعم لهما من بين هذه الكنائس طوال النصف الثاني من القرن العشرين. ومن الناحية السياسية في الشرق الأوسط، فإنهم كانوا ولا يزالون بشكل خاص يدعمون الفلسطينيين والمسلمين العرب في الولايات المتحدة. ومع أن كنائسهم كانت في مركز القيادة في أمريكا لمدة 200 سنة تقريبًا، إلا أن قوتهم وأعدادهم قد انخفضت في السنوات الأخيرة لصالح مجموعة أخرى من الكنائس البروتستانتية تُدعَى “الإنجيلية Evangelical”.
إن كلمة “إنجيليين Evangelicals” في الولايات المتحدة لها معنى فريد. فهي تُشير إلى الطوائف التي تتصف بشعور قوي من العاطفة والحماسة الدينية، وبالتزام قوي بالكرازة بالنسبة إلى المجموعات الأخرى، التي هي مجموعات مسيحية أيضًا، أو اقتناصها، وأبدت هذه الطوائف ميلًا إلى انتقاد الكنائس التقليدية، حيث تبنت طرقًا حديثة للتفكير، فقد انتقد الإنجيليون بشدة مجلس الكنائس العالمي والمجلس الوطني للكنائس في الولايات المتحدة، وفي السنوات الأخيرة أصبح الإنجيليون أكثر اعتدالًا بالنسبة إلى اللغة التي يستخدمونها، ربما يكون هذا إدراكًا منهم لقوتهم ومسؤوليتهم المتناميتين.[16]
ومن الواضح أن الأصوليين أبدوا حماسة ورغبة لنشر المسيحية لدرجة أنهم هجوميون (أو عدائيون) في عملهم هذا. وفي هذا الإطار وبشكل خاص انتقدوا كل المسيحين الأمريكيين الآخرين: البروتستانت والروم الكاثوليك، والأرثوذكس، ذلك لأنهم أبدوا رغبة قوية للمساومة على حد قولهم مع العالم الحديث بتبني الحوار المسيحي الإسلامي واليهودي. لذا علينا أن ندرك أن الأصولية الأمريكية تُمثل ثقافة شعبية أمريكية متجذرة تجمع اتجاهات وآراء تاريخية عدة، لأنها انغرست بقوة وأثرت في نفوس الشعب الأمريكي على المدى الطويل وشكلت نظرته لذته والعالم.[17]
مسيحيو الشرق بين الوطن والمقدّس
والحقيقة أن هذه العقيدة (الصهيونية المسيحية) أثرت في وجدان من يؤمنون بها من الوطن العربي بصورة أوقعتهم، في مآزق فكرية وأخلاقية عدة، ففي إحدى الحوارات مع طيار مسيحي يؤمن بهذه العقيدة، صرح بأنه ممزق داخليًّا، لأنه إذا صدر له أمر بضرب إسرائيل فسوف ينفذ الأمر ويحارب لأجل بلاده فهو وطني يحب بلده، في نفس الوقت الذي يعتقد أن إسرائيل لابد وأن تنتصر في نهاية الأمر، فكيف يكون أمينًا نحو عقيدته، وأي تمزق يعيشه؟ هل يتمنى انتصار إسرائيل التي قتلت أخاه وصديقه وكانت سببًا مباشرًا في أزمته الاقتصادية والاجتماعية وسببًا في انهيار الكثير من القيم الإنسانية والأخلاقية داخل مجتمعه وتدهور المرافق العامة والخدمات بصورة لم يسبق لها مثيل، أو يكره إسرائيل كإنسان وطني محب لبلده ويكون بهذا الموقف ضد خطة الله من نحو العالم حسب تصوره.[18]
فالأمر الذي يجب أن يكون جليًا، أن ليست كُل المسيحية تؤيد الصهيونية، وليست كُل البروتستانتية تؤيد الصهيونية، فهناك الكثير من الطوائف المسيحية البروتستانتية القائمة على مبادئ الإصلاح الإنجيلي، ترفض وبشدة كل التفسيرات الحرفية، والتيارات الأصولية، التي تدعم هذا الاختراق الصهيوني المُعادي للإنسانية. ومِن بينهم الكنيسة الإنجيلية المشيخية في مِصر والوطن العربي أيضًا، التي تؤكد حق الشعب الفلسطيني في الأرض والحياة، وترفض بشدة أعمال القتل والعنف التي يرتكبها الصهاينة باسم الدين.
خامسًا: ضبط العلاقة بين المُطلق والنسبي
تزاوج النسبي بالمُطلق
ما فعلته الصهيونية سواء اليهودية أو المسيحية مِن تزاوج واختلاط للنسبي بالمُطلق، هو أمر خطير. فتتميز اليهودية بما يُمكن تسميته “بالمُطلق الذاتي” فالمُطلق بطبيعته شامل وعالمي يتخطى الزمان والمكان، ولكن مطلقات اليهود مقصورة عليهم وحدهم. ويظهر هذا في التصوير اليهودي للخالق، فهو إله واحد ولكنه مقصور على اليهود دون سواهم يحل في ممتلكاتهم القومية. ويتركز الغرض الإلهي في الشعب الواحد المُختار الذي اختير من بين جميع الشعوب ليكون محط عطف الإله الخاص، بل إن كل مجرى الطبيعة وتاريخ البشر يدور بإرادة “يهوه” حول حياة ومصير اليهود. والصهيونية هي الترجمة العملية لهذا “المُطلق الذاتي”.[19]
وقد نتج عن هذا التصور أن اليهود أصبحوا أمة مقدسة، وتم صبغة الكتب والطقوس الدينية اليهودية بطابع “قومي” عميق، حتى أننا يمكننا القول بأن المقدس في اليهودية هو القومي والقومي هو المقدس، أو بعبارة أخرى أن المُطلق يتداخل مع النسبي تداخلًا كاملًا. ففكرة الأمة المقدسة هي إحدى أسس الفكر الصهيوني، مما يبرز تداخلًا بين النسبي والمُطلق.[20]
ونتج أيضًا عن هذا التداخل الكامل بين النسبي والمُطلق إنكار عنصر الزمان وتأكيد عنصر المكان. فاليهود يعتقدون أن السُّكنى في أرض فلسطين بمثابة الإيمان لأن مَن يعيش داخل أرض إسرائيل يمكن اعتباره مؤمنًا، أما المقيم خارجها إنسان لا إله له. بل أن فكرة الأرض تتخطى فكرة الثواب والعقاب الأخلاقية فمن يعيش خارج أرض الميعاد فهو كمن يعبد الأصنام. وهذا الارتباط يُبرز التزاوج بين المُطلق “الدين” والنسبي “المكان”.[21]
العقيدة والانتماء القومي
يرى بعض المسيحيين أيضًا أنه يجب ألا نرتبط بمنطقة سياسية جغرافية تُسمى الوطن (الدولة) ولكن بالعالم ككل فمواطنتنا كما يصفها الكتاب المقدَّس هي في السماء، حيث توجد المبادئ الأساسية لهويتنا، وليس في وطن محدود وجدنا أنفسنا مولودين فيه. فمنذ مجيء السيد المسيح على الأرض، وشعب الله لا ينتمي إلى جماعة إثنية محددة أو وطن معين، لكن العالم ككل هو شركة مؤمنين وهو يشمل أشخاصًا من جنسيات متعددة وخلفيات إثنية متنوعة. وهكذا يتجه هذا التيار المسيحي الرافض للمواطنة إلى اعتبار الوطن الأرضي وطنًا مؤقتًا وأن الهدف الأساسي من الوجود هو الانتماء للوطن السماوي. وهنا يؤكد أحد اللاهوتيين المؤيدين لهذا الاتجاه بأن المسيحيين يؤمنون بأن موطنهم في السماء وليست هنا على الأرض، وذلك حسب ما يعلمنا الكتاب المقدَّس، فنحن أُمِرنا بطاعة حكامنا الأرضيين ولكنَّ ولاءنا في مكان آخر.[22]
ولكننا نؤكد على أن موقف السيد المسيح مِن عالمية رسالته ارتبط بالإنسان على أساس الفصل بين نظام الحكم المؤسس على القومية والمواطنة والإيمان وهو يمثل علاقة شخصية مع الله. إن خلط الدين بالسياسية يؤدي إلى صراع حاد بين الانتماء القومي والإيمان، لهذا فإن فصل الدين عن السياسية بمعنى النظام السياسي المرتبط بحدود جغرافية وانتماء قومي وتعددية دينية هو نظام متطور ويخضع للتغيرات الداخلية والدولية. إن دور الدين هو تقديم المنظومة الأخلاقية التي تستطيع أن تشمل ضمير الأمة التي تحكم على صلاحية النظم السياسية من عدمه. هنا تكون العلاقة بين العقيدة والانتماء القومي. [23]
العلاقة الصحيحة بين الدين والدولة
فالدولة الرشيدة هي صمام أمان للتدين الرشيد، والعلاقة بين الدين والدولة ليست علاقة عداء ولن تكون، إن تدينًا رشيدًا صحيحًا واعيًا وسطيًّا يسهم وبقوة في بناء واستقرار دولة عصرية ديمقراطية حديثة تقوم على أسُس وطنية راسخة وكاملة، وإن دولة رشيدة لا يمكن أن تصطدم بالفطرة الإنسانية التي تبحث عن الإيمان الرشيد الصحيح، على أننا ينبغي أن نفرّق بين التدين والتطرف، فالتدين الرشيد يدفع صاحبه إلى التسامح، إلى الرحمة، إلى الصدق، إلى مكارم الأخلاق، وإلى التعايش السلمي مع الذات والآخر، وهو ما ندعمه جميعًا، أما التطرف والإرهاب الذي يدعو إلى الفساد والإفساد، والتخريب والدمار، والهدم واستباحة الدماء والأموال، فهو الداء العضال الذي يجب أن نقاومه جميعًا وأن نقف له بالمرصاد، وأن نعمل بكل ما أوتينا من قوة للقضاء عليه حتى نجتثه من جذوره. [24]
وفي هذه المعادلة الصعبة يجب أن نفرق بين الدين الذي هو حق، والفكر الإرهابي المنحرف الذي هو باطل، موقنين أن الصراع بين الحق والباطل قائم ومستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وعلى أن النصر للحق طال الزمن أو قصر. إننا لأصحاب قضية عادلة، قضية دين، وقضية وطن، فكل ما يدعو للبناء والتعمير، والعمل والإنتاج، وسعادة الناس وتحقيق أمنهم واستقرارهم، لهو الدين الحق والإنسانية الحقيقية، وكل ما يدعو للفساد والإفساد، والتخريب والقتل، يدعو إلى ما يخالف الأديان وسائر القيم النبيلة والفطرة الإنسانية القويمة. [25]
فنحن كشعب متدين وأمة تؤمن بالله، مِن الصعب أن نقبل أي نموذج يُنحي الدين جانبًا، وفي نفس الوقت لا نقبل أن نُدخل الدين في الأمور السياسية المُتغيرة دائمًا. فإن الحل للمشكلة السياسية القائمة لا يَكْمن في الدولة الدينية ولا العلمانية، ولكن الدولة القائمة على الديمقراطية مع الدين كمصدر لقيم هذه الدولة، هذا المفهوم جوهري لصياغة الدولة في الشرق الأوسط. وهنا لا غنى عن فكرة أن الدين يقدم إطارًا أخلاقيًّا بدلًا من أن يفرض نظمًا اجتماعية واقتصادية وسياسية. ويتضح جليًّا أن كل الأنظمة هي إبداعات بشرية وليس فيها نظام كامل بلا نقائص. ومِن ثم فإن الدين ينبغي أن يُستخدم لإبراز النقائص والزلات في كل الأنظمة، وكذلك تجميعها وتوحيدها فيما يتعلق بالعدالة والرخاء والحرية والمساواة. ومما لا شك فيه، تمثّل علاقة الدين بالدولة في العالم العربي بعدًا أساسيًّا في الحياة السياسية، وفي إطار ما يوصف بالربيع العربي تتكون الآن علاقة جديدة بين الدين والسياسة، هذه العلاقة هي أن الدين يقدم الإطار الأخلاقي للنظم السياسية، حيث إن النظم السياسية يجب أن تكون بشرية يساهم الدين فيها كأحد مكوناتها. [26]
الخاتمة
وأخيرًا، وبعد أن استعرض الباحث نشأة الصهيونية العالمية، ثمّ نشأة الصهيونية المسيحية، وبعد ذلك ربطَّ الصهيونية بالأصولية الدينية كأساس ومنهج لها، ووضّحَ علاقة الصهيونية بالكنيسة الإنجيلية والمذاهب المختلفة بها، وأكد على وطنية وعروبة الكنيسة الإنجيلية المشيخية بِمصر.
أراد أن يضع مفهومًا منضبطًا لعلاقة المُطلق بالنسبي مِن خلال توضيح خطورة تزاوج النسبي بالمُطلق، وأهمية التمسك بالعقيدة مع الانتماء القومي في آن واحد، وكيف تكون العلاقة الصحيحة بين الدين بالدولة، العلاقة التي نرجوها في مجتمعنا وبلادنا العربية.
دون أن يتجاهل حساسية العلاقة بين المُطلق والنسبي، ولاسيما في بيئتنا الشرق أوسطية، حيث إن المُطلق مرتبطٌ بالدين المقدّس، والنسبي مرتبط بالسياسية الدنيوية، مما يجعل الأمر هامًّا جدًّا في ضبط العلاقة بينهما. وهذا ما فشلت فيه الحركة الصهيونية العالمية، وتيار الصهيونية المسيحية، وحتى تيارات الإسلام السياسي، وجعل الكثيرين يتشككون في الدين بسبب هذه التيارات.
وفي النهاية، يدعو الباحث مِن الله أن تكون هذه الورقة -ولو قصيرة- سببًا في تطوير المفهوم الفلسفي في علاقة المُطلق بالنسبي، وفي المفهوم الديني في علاقة الدين بالدولة، وتعمل على ضبط العلاقة بين المقدّس والدنيوي، وتُظهر طبيعة كلٍّ مِن الثابت والمُتغير، وتبين حدود المحدود بالنسبة لللامحدود. وذلك حتى تنهض ثقافتنا وتقوم أمتنا وتلحق مجتمعنا، وبلادنا العربية، ركاب التنوير والتقدم والتنمية.
المراجع
المراجع العربية
المسيري، عبد الوهّاب. اليهودية والصهيونية وإسرائيل. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1975.
بريور، مايكل. الكتاب المقدس والاستعمار، ترجمة وفاء بجاوي. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2006.
ذكي، أندريه. التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس، مقال: الدين والدولة. القاهرة: دار الثقافة، 2018.
______، التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس، مقال: العقيدة والانتماء القومي. القاهرة: دار الثقافة، 2018.
سالم، صلاح. تفكيك العقل الأصولي. القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 2018.
سعود، سهيل. القدس في الفكر المسيحي. لبنان: دار منهل الحياة، 2020.
لمعي، إكرام. هل من علاقة بين عودة اليهود ومجيء المسيح الثاني. القاهرة: دار الثقافة، 1990.
______. الاختراق الصهيوني للمسيحية. القاهرة: دار الشروق، ط3، 2017.
محمود العقاد، عباس. الصهيونية العالمية. الجيزة: دار نهضة مصر، 2017.
مختار جمعة، محمد. فقه الدولة وفقه الجماعة القاهرة: وزارة الأوقاف، 2019.
نجيب، مكرم. قراءة عربية للمجيء الثاني للمسيح. القاهرة: دار الثقافة، ط2، 2017.
هيرتزل، تيودور. الدولة اليهودية، ترجمة محمد فاضل. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2007.
المراجع الإلكترونية
سعد زايد، أحمد. محاضرة جدل العلاقة بين المطلق والنسبي، تمّ الاطلاع عليه يوم 27 أكتوبر 2020م، مُتاح على: http://youtu.be/-owHQTFaNEw.
[1] أحمد سعد زايد، محاضرة جدل العلاقة بين المطلق والنسبي، تمّ الاطلاع عليه يوم 27 أكتوبر 2020م، مُتاح على:
http://youtu.be/-owHQTFaNEw
[2] عباس محمود العقاد، الصهيونية العالمية (الجيزة: دار نهضة مصر، 2017)، 13-34.
[3] المرجع السابق.
[4] المرجع السابق.
[5] تيودور هيرتزل، الدولة اليهودية، ترجمة محمد فاضل (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2007)، 47، 48.
[6] المرجع السابق، 63، 64
[7] المرجع السابق، 66.
[8] مايكل بريور، الكتاب المقدس والاستعمار، ترجمة وفاء بجاوي، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2006)، 207، 208.
[9] سهيل سعود، القدس في الفكر المسيحي (لبنان: دار منهل الحياة، 2020)، 25، 26.
[10] المرجع السابق.
[11] صلاح سالم، تفكيك العقل الأصولي (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 2018)، 351 – 353.
[12] المرجع السابق.
[13] المرجع السابق.
[14] المرجع السابق.
[15] مكرم نجيب، قراءة عربية للمجيء الثاني للمسيح (القاهرة: دار الثقافة، ط2، 2017)، 13-16.
[16] إكرام لمعي، الاختراق الصهيوني للمسيحية (القاهرة: دار الشروق، ط3، 2017)، 22-24.
[17] المرجع السابق.
[18] إكرام لمعي، هل من علاقة بين عودة اليهود ومجيء المسيح الثاني (القاهرة: دار الثقافة، 1990)، 4-5.
[19] عبد الوهّاب المسيري، اليهودية والصهيونية وإسرائيل (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1975)، 9- 11.
[20] المرجع السابق.
[21] المرجع السابق.
[22] أندريه ذكي، التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس، مقال: العقيدة والانتماء القومي (القاهرة: دار الثقافة، 2018)، 889- 891.
[23] المرجع السابق.
[24] محمد مختار جمعة، فقه الدولة وفقه الجماعة (القاهرة: وزارة الأوقاف، 2019)، 89-100.
[25] المرجع السابق.
[26] أندريه ذكي، التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس، مقال: الدين والدولة (القاهرة: دار الثقافة، 2018)، 2136- 2137.
أسم الكاتب : القس. امير ثروت
سيرة ذاتية مختصرة:
هو الدكتور القس غبريال رزق الله غبريال الحاوي، من عائلة الحاوي بالفيوم، ومواليد قرية سنورس. وهو الراعي الأسبق للكنيسة الإنجيلية المشيخية بالأزبكية بالقاهرة والعميد الأسبق لكلية اللاهوت الإنجيلية المشيخية بالعباسية 1947 – 1956.
درس أولاً في كلية الأمريكان بأسيوط، ثم تخرج في صف اللاهوت عام 1907، ورُسِم قسًّا إنجيليًّا مشيخيًّا سنة 1908، خدم في كنائس أبو قرقاص وبني مزار الإنجيلية بمحافظة المنيا ونصب راعيًا للكنيسة الإنجيلية بالأزبكية عام 1917 وظل راعيًا لها حتى وفاته عام 1982.
نال درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة كسينجم بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1956[1].
فقد بصره تمامًا في عام 1958 م وانتقل إلى المجد عام 1982.
كتاباته:
الجزء الأول (220 صفحة من القطع الكبير) شرح الأصحاحات 1-4.
الجزء الثاني (مع الأول) (168 صفحة من القطع الكبير) شرح الأصحاحات 5-10
الجزء الثالث ( مع الأول والثاني )[5]( 1208 صفحة ) إصدار عام 1984، وهو من إصدار دار الثقافة التابعة للهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية.
فكره اللاهوتي وأسلوبه:
“يتميز القس غبريال لاهوتي كتابي خاص، إذا ينتهج منهج “قارنين الروحيات بالروحيات” (1كو 2: 13) والذي يفيد أن كتاب المقدس يفسر بنفسه، فالعهد الجديد من وجهة نظره هو تفسير للعهد القديم، فالنصوص تفسر بعضها عندما تتم دراستها في لغاتها الأصلية، لذلك فالقس غبريال عند دراسته كلمة معينة أو فكرة معينة يقوم بعمل مسح كتابي شامل عن الكلمة أو هذه الفكرة، وهنا تجدر الإشارة إلى إجادته للغات الأصلية للكتاب المقدس سواء العبرية للعهد القديم أو اليونانية للعهد الجديد”[13].
“ولا يمكنا أن نخطئ أسلوبه الدراسي، فهو ينتهج طريقة الشروح الكتابية كلمة بكلمة، في اللغة العربية المترجم إليها الكتاب المقدس، وهو متمكن جدًّا من أدوات ومهارات هذه اللغة، ودراسة كتاباته التفسيرية تظهر سعة اطلاعه وقراءته المختلفة في المراجع والكتب، إلا أنه لا يصرح أو يشير إلى ذلك، إذ يقوم بتجميع وتمحيص كل الأفكار والآراء -خصوصًا حول القضايا أو النصوص الجدلية– ويهضمها هضمًا كاملًا ثم يقدم للقارئ خلاصة ما توصل إليه كاملًا منسجمًا في إطار لغوي دقيق ومُرتَّب ومُقسَّم وواضح”[14].
تأثيره اللاهوتي:
استمر تأثيره لجيلين كاملين، من خلال تدريسه لطلاب كلية اللاهوت الإنجيلية والذين صاروا قسوسًا ورعاةً للكنيسة بعد تخرجهم، وكذلك من خلال كتاباته المختلفة والتي كان يحرص الكثيرون على قراءتها، وأيضًا من خلال رعايته لكنيسة الأزبكية الإنجيلية وخدمته الممتدة في الكنائس المحلية الأخرى وأيضًا في مؤتمرات الكنيسة العامة الصيفية في كل عام. فإن كان أرسطو يُلقَّب بـ”المعلم الأول” في تاريخ الفلسفة اليونانية القديمة، فالقس غبريال رزق لله هو المعلم الأول في تاريخ الكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر؛ حتى صار الرعاة يجهزون العظات والدراسات الكتابية على طريقته ووفق منهجيته التي تقوم على ثلاث:
(أ) مركزية دراسة الكتاب المقدس في حياة الكنيسة.
(ب) شرح الآيات بالآيات: بمعنى شرح آيات النص الكتابي من خلال آيات نصوص كتابية أخرى.
(ج) عمل مسح كتابي شامل لأي موضوع وعظي أو دراسة كتابية في كل أسفار العهد القديم والعهد الجديد.
اهتمامه بالموسيقي والترنيم:
جدير بالذكر أن القس غبريال رزق الله اهتم بالترنيم كما اهتم بالتعليم تمامًا؛ فكان يجيد العزف على البيانو وقراءة النوتة الموسيقية وقيادة فريق الترنيم (بالأصوات الأربعة)، كما أنه يجيد قرض الشعر الموزون، وهو الذي ألف نشيد كلية اللاهوت الإنجيلية بمصر ووضعه على لحنين مختلفين أحدهما للقرار والآخر للأعداد التي يتكون منها النشيد.
كما قام بمفرده بإعادة نظم المزامير نظمًا جديدًا، وقد أنهى 140 مزمورًا كاملين لولا أن وافته المنية قبل أن يكمل هذا المشروع الضخم، ويتميز هذا النظم الجديد للمزامير بالرجوع للأصول العبرية لنصوص هذه المزامير ومراجعة النظم القديم ثم إعادة النظم مرة أخرى، وإليك عزيزي القارئ نموذج واحد لنظم آية واحدة من مزمور 46 وهي الآية الرابعة:
“نهر سواقيه تفرح مدينه الله، مقدس مساكن العلي” (مزمور 46: 4)
النظم القديم النظم الجديد
تجري جدول إلهنا ونهر سواقيه جرت
من نهر نعمة الإله تُبهج مقدس الإله
بها يُسَر شعبه مدينه الله العلي
في داره طول الحياة مقامه الذي اصطفاه
نلاحظ هنا وبعد العودة للأصل العبري لكلمات هذه الآية الالتزام الشديد بالكلمات كما جاءت في الأصل للمزمور مع استخدام كلمات عربية تشرح المعنى وتوضحه وكأنها تفسير مُختَصرٌ ومكثفٌ للمزمور.
وهذا النظم الجديد للمزامير مع مجموعة من العظات المكتوبة للقس غبريال رزق الله صار متاحًا على الإنترنت من خلال موقع حديث يحمل اسمه.
مدرسته الراعوية:
تميز القس غبريال رزق الله بمدرسة راعوية خاصة؛ وهو وإن كان أستاذًا بكلية اللاهوت الإنجيلية، إلا أنه أيضًا كان راعيًا لكنيسةٍ محليةٍ؛ وكانت مدرسته الراعوية هذه تتسم بأمرين واضحين: الأول هو القدوة والثاني هو التعليم.
فقد القس غبريال بصره وظل لسنوات طوال يرتدي النظارة السوداء، ويقوده أحد تلاميذه في الصعود لمنبر الكنيسة للوعظ، وكان يتناوب على القراءة له عدد كبير من محبيه، حيث يبدأ جدول القراءة أولاً بالكتاب المقدس لساعة أو ساعتين يوميًّا ثم قراءة الكتب والمراجع الدراسية والتفسيرية وبعدها يقوم القس غبريال بإملاء من يقرأ له الدراسة التي يقوم بالإعداد لها.
ومن الجيد أن نذكر هنا أن القس غبريال كان يصوب القراءة وهو ضرير لمن يقرأ الكتاب المقدس بطريقة خاطئة، فكان لديه ذاكرة قوية جدًّا حتى إلى تلاميذه، كانوا يقولون عنه إنه يحمل الكتاب المقدس في رأسه!
وهناك الكثير من المواقف والاختبارات التي يحكيها تلاميذه إلى اليوم عن الوقت الذي كانوا يقضونه معه وهم يقرأون ويكتبون له، لكن أهمها على الإطلاق:
وقت أن كان قد أملى أجزاء كبيرة من شرح الرسالة إلى أهل غلاطية، فاجأَ من كان يمليه في صباح يوم ما وطلب منه أن يمزق كل ما كتبه قائلًا: إن الله قد أعطاني خطًّا فكريًّا جديدًا.
موقف آخر يحكيه أحد تلاميذه المقربين والذي صار قسًّا وراعيًا فيما بعد، يوم أن كان يُملي عليه القس غبريال دراسةً عن صموئيل باعتباره كاهنًا، وهنا ناقشه تلميذه في الأمر وقال إن صموئيل لا يمكن أن يكون كاهنًا لأنه من سبط أفرايم، فرد القس غبريال بأنه كان يلبس أفود من كتان أثناء خدمته في خيمة الاجتماع، فأجابه تلميذه وهو يرتجف: أبناء داود كانوا يلبسون أفود من كتان وليسوا كهنة، فسكت القس غبريال تمامًا لوقت، ثم قال لتلميذه: مزق كل ما كتبناه ودعنا نبدأ من جديد.
نعم كان القس غبريال رزق الله صاحب بصيرة روحية ولاهوتية ويحق فيه قول الكتاب المقدس “اذكروا مرشديكم الذين كلموكم بكلمة الله. انظروا إلى نهاية سيرتهم فتمثلوا بإيمانهم” (عب 13: 7).
[1] أعمال وتراث القس الدكتور غبريال رزق الله ، تمت زيارة الموقع بتاريخ 15 نوفمبر 2020 www.ghobrialrizkallah.org
[2] غبريال رزق الله، القس “يوم الرب” يناير 1952، بدون ناشر.
[3] غبريال رزق الله، القس “اسرار ملكوت السماوات ” (القاهرة: مطبعة الأمانة بالفجالة، 1950)
[4] غبريال رزق الله، القس ” شرح الرسالة الي العبرانيين 1-3 ” (القاهرة: مطبعة المحيط بالفجالة 1936)
[5] غبريال رزق الله، الدكتور القس ” شرح الرسلة الي العبرانيين ” (القاهرة: دار الثقافة المسيحية، 1984)
[6] غبريال رزق الله، القس ” شرح الصلاة الكهنوتية يوحنا 17 ” (القاهرة: دار شمس البر للطبع والنشر، 1958)
[7] غبريال رزق الله، القس ” من هو إسرائيل؟ ” (القاهرة: لجنة نشر الحق الكتابي، 1971)
[8] غبريال رزق الله، الدكتور القس ” شرح الرسالة الي غلاطية “(القاهرة: دار الثقافة ،1980)
[9] غبريال رزق الله، القس ” الالف السنة ” “(القاهرة: مطبعة شمس البر بالفجالة، بدون تاريخ)
[10] غبريال رزق الله، القس ” نشيد الانشاد “، الجزء الأول (القاهرة: مطبعة الأمانة، بدون تاريخ
[11] غبريال رزق الله، القس، “ثلاثة دروس كتابية ” (بدون ناشر، بدون تاريخ)
[12] رضا عدلي، القس” 25 عام في رعاية الكنيسة الانجيلية بالأزبكية”، (القاهرة: الكنيسة الانجيلية بالأزبكية ،2011) ص 91.
[13] أمير ثروت، القس توطئة “الرجل جبرائيل أستاذ الجيل “، من كتاب ” من هو إسرائيل؟ (القاهرة: دار الفكر الإنجيلي ،2011) ص 7.
[14] امير ثروت، القس توطئة “الرجل جبرائيل أستاذ الجيل “، من كتاب ” من هو إسرائيل؟ (القاهرة: دار الفكر الإنجيلي ،2011) ص 7
أسم الكاتب : القس. جرجس جورج
“كي ترى العالم في حبة رمل، والسماء في زهرة برية، حِط بالكون في راحة يديك وبالأبدية في ساعة زمنية” ويليام بليك، الكون في راحة اليد.
يظل الإنسان يبحث في شغف عن أصل الوجود، الحياة، الموت وما بعد الموت. ومنذ القديم، وفكر الإنسان متعلق بالمالانهاية، فسّرها بالأسطورة، وخاف من المجهول، فخلق الخرافةَ. تطور فكرُه وإبداعه ونضوجه العلمي والفلسفي والديني فأطلق لخياله العنان؛ نجده يبحث حائرًا بين الحقيقة والمعتقد، بين المقدس وغيره، بين الثابت والمتغير، حائرًا بين المطلق والنسبي.
وما نقف أمامه متعلقٌ بمدى فهمنا للوحي فيما يتناوله كتابُ التكوين عن الخلق من جهة ونسبية التفسير أو التأويل للقصة الكتابية من الناحية الأخرى.
تعريف الوحي
التعريف البسيط للوحي المكتوب أنه هو كلمة الله مُصاغة في لغة وثقافة البشر. “تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (2بط 1: 21)، وفي الحقيقة هذه الكلمات تحمل أبعاد الوحي بشقَّيْه الإلهي والإنساني، المطلق والنسبي. فالوحي هو نقطة التماس التي التقت عندها القدرة بالعجز، غير المحدود بالمحدود، اللانهائي مع المتناهي، المطلق مع النسبي. إن نقطة الالتقاء هذه هي تفاعل وشراكة، وتكامل بين الله والإنسان، (التكامل في ما يختص بالإعلان والوحي) وليست نقطة صراع أو اضطراب. كما أن فرضيات التوافق هذه تتيح للإنسان حرية التعامل مع النصوص المقدسة وإدراك المتناقضات سواء الظاهرية أو الفعلية.
كاتب الوحي بين النسبي والمطلق
نجد قصص الخلق منتشرة في ثقافات وأساطير عديدة بمثابة إعلان مبدئي ومحاولة إبداعية للفهم. فالله فاعل في التاريخ البشري ومتواصل معه. فقصة التكوين وما قبلها من صور مختلفة للإعلان هي محاولة النسبي أن يفهم المطلق، وربما هناك ثمة تصالح بين المطلق والنسبي. فكلما زاد الوعي ندرك أن القصة المكتوبة ليست بالمُطلق المجرد ولكن فيها يتشابك المُطلق مع النسبي؛ فكاتب التكوين لا يعرض الحقائق المطلقة لتأسيس العالم من وجهة النظر الفيزيائية والرياضية ولكنه يصيغها من وجهة النظر المطلقة الإيمانية، حتى هذه النظرة المطلقة الإيمانية مقولبة في الإطار النسبي للكاتب حسب ما وصل إليه من إعلان. فالصورة المطلقة للخلق لا بد أن يُنظر إليها بمنظور نسبي حيث إنه لا يمكن فهم وتفسير كل أبعادها. فهذا الموجود المادي النسبي –المخلوقات- يشير إلى المطلق الإيماني في صياغات نسبية. “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. يَوْمٌ إِلَى يَوْمٍ يُذِيعُ كَلاَمًا، وَلَيْلٌ إِلَى لَيْل يُبْدِي عِلْمًا” (مز 19: 1-2)، “لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ” (رو 1: 20).
في مرحلة أكثر تلامسًا مع البشر تطوّر الإعلانُ العام إلى وحيٍ مكتوب؛ فالكاتب يحكي قصة الخلق ليس سردًا مجردًا لكنه يزامن -لو جاز التعبير- ثلاثة أزمنة:
فتعامل مع المطلق على أنه الموجود بذاته، وانتقل بين الماضي والحاضر جعل الزمن يلتقي ماضي القصة بحاضره، إذ استحضر القصة القديمة، قصة التكوين، دامجًا إياها بواقعه المعاصر مستخدمًا مفرداته النسبية، بعقله النسبي ليعبر به عن حقائق.
مصطلحات وتعبيرات
اعتمادًا على فهم الطريقة التي كُتب بها الوحي وكيف استخدم الكاتب مصادره ونظرته الخاصة ليُعبر عن المطلق بلغته النسبية ويزامن الأحداث بلغته القديمة الحاضرة، هكذا يجب على المفسر فعل هذا للوقوف على المتغيرات وتوضيح الثوابت في مرونة حقيقية وثبات غير جامد.
ففي التعبيرات: “في البدء”، “وقال الله ليكن فكان…”.
في البدء، بحث الإنسان في أصل التكوين ليُرجع كل شيء مخلوق من العدم؛ ذلك العدم الذي لا نستطيع أن نُعرّفه. فمن العدم خلق الله الموجودات، بالرغم من أن هذا العدم غير موجود. في حقيقة الأمر لو جاز استخدام كلمة حقيقة إن إدراك الخلق من “العدم” يفوق الإدراك النسبي، ولكنّه سعي مركب لتعريف اللاموجود بأنه العدم الذي من خلاله أوجد الله الموجودات. فالله وحده هو أساس الوجود.
ونجد أيضًا مفردات نسبية مثل: مفهوم النور، اليوم، الترتيب في أيام الخلق، وجود قصتين للخلق، ليس للتناقض أو غموض بل أمانة وفهم واعٍ من الكاتب لشرح معتقد وإيمان.
فما يتعلق بالإنسان في إطار زمانه ومكانه لا يمكن صياغته سوى بشكل نسبي؛ فهي تابعة للإنسان ومتغيرة المفهوم والقصد. وكل ما هو خارج المكان والزمان فهو مطلق غير خاضع لمتغيرات الإنسان.
النور: وهو ليس الشمس أو القمر، ولكن العلماء يفسرونه على أنه السدم الكونية. ويعتقد البعض أن هذه الآيات متعلقة أو تشير إلى خلق الكون. بالرغم من أن قصة الخلق تعنى في الدرجة الأولى بخلق الأرض والمخلوقات لأجل الإنسان الذي هو محور القصة. ونحن لا نرى هذا النور وذلك لوجود الشمس والقمر. ولأنه في الكون الخارجي.
مساء وصباح كان يومًا: نحن نتصارع حول مدة هذا اليوم، هل هو 24 ساعة؟ أم حقبة زمنية غير معروفة من الممكن أن يقدرها العلماء؟
لو عرفنا وفهمنا أن الله خارج إطار الزمن، وأن تلك القضية بعيدة عنه لتصالَحنا مع العلم وتأكدنا أن اللحظة وملايين السنين تتساوى أمام الله فهو القدير الذي ليس لديه زمن حيث إن الماضي والحاضر والمستقبل بالنسبة له تعالى هو حاضرٌ. لذا لا مانع أن تكون أيام الخلق حقبًا زمنية.
أما بالنسبة لاستخدام كلمة (يوم، مساء، صباح) فهي مفردات وصياغة الكاتب ليعبر بها ويسرد بها قصة الخلق. حيث إن الشمس خُلقت في اليوم الرابع حسب ترتيب القصة والتي دُونَها لا يكون مساء أو صباح.
النوران العظيمان: ”فَعَمِلَ اللهُ النُّورَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ”، وهنا كاتب التكوين ينتزع الألوهيةَ عن الطبيعة عن الشمس والقمر؛ ففي قصته هنا يرفض الوثنية فيسمي الشمس باستعارات وتشبيهات ولا يذكر أسماءها بشكل صريح، فيطلق عليهما النيرات أو المصابيح وكأنه يفكر في خلفية تفكيره في الهيكل، وكأنها المصابيح التي تنير هيكل الله. فالكون هيكل الله والشمس والقمر ماهي إلا مصابيح مخلوقة في هذا الإبداع. فالله هو القدرة الخالقة التي تعتني وتحيط بالأشياء.
ويأتي خلق الإنسان في الرواية الثانية والتي تُعتَبَر الأقدم في صور حسية ملموسة لتضع غاية سردها وهو جعل الإنسان محور القصة وقمة الخليقة. لابد أن ندرك التعبيرات النسبية والحسية المستَخدَمة عن الله؛ فالله بالنسبة للكاتب شخصٌ يتفاعل مع الخليقة. فتعبير “جبل، نعمل، نصنع، نفخ” وكل التعبيرات البشرية- فالنسبي يصيغ المطلق في مصطلحاته- التي يعكسها الكاتب على الإله ليُظهر مدى تفاعله وهي نوع من أنواع الأساليب التي يستخدمها الكاتب والتي يتعامل بها الله بشكل أو بآخر مع المخلوقات. الإنسان بمعنى أدق.
وهنا الله نفخ مصدر الحياة للإنسان، خلق له الجسد ونفخ فيه الروح. وهذه الروح ليست الروح القدس، ولكنها الروح الإنسانية، وبمعنى أدق تلك القوة التي تحيي، والتي تفكر، والتي تبدع، والتي تدرك وتختار ولها حرية الإرادة.
جزء مادي ترابي وجزء آخر لا نعرف ملامحه يسمونه البعض روحًا أو نفسًا والبعض الآخر يسمونه الإرادة الحرة، وهناك من يدعونه الفكر، أيًّا كان، القصة تحكي أن مصدره الخالق.
والفكرة هنا صياغة الإنسان بأن يكون مكرمًا من الإله على عكس الروايات الأخرى من الخلق التي تجعل منه عبدًا ومصدرًا للصراع. فالخالق هنا يخلق على صورته، يشارك الوجود لكائن يأخذ صفاته، ويأخذ ما له بشكل أو بآخر. فالخالق لا يصارعه بل يهبه مميزات وشخصية تعكس صورة الإله. فالإنسان هنا يتسلط وصاحب سلطان على المخلوقات والخليقة وليس عبدًا لها. وهذه الصورة يعكسها الكاتب ليوضِّح مكانة الإنسان.
الإنسان في القصة الأولى للخلق هو ذكر وأنثى. في القصة الثانية خلق الله آدم الذي يحتاج إلى حواء ليس الهدف التتابع من حيث الأهمية ولكن التكامل فكلاهما إنسان. فالإنسان ذكر وأنثى. فلا يوجد آدم دون حواء ولا حواء دون آدم. وهذه الفكرة تساعدنا في اكتمال الصورة في القصة الثانية وهي خلق آدم أولًا ثم حواء، لأن أهمية وحدة الإنسان ضرورية أن نعلم بها.
خلقهما الله وسط الجنة، خلق النباتات والأشجار ولم يسمِّ أيًّا منهم. لكن التسمية هنا رمزية. فكرة بسيطة. إعلان مبدئي رمزي، يشير في رمزيته إلى واقع إيماني حادث. وهنا لا مجال للعلم ولكن القصة تحكي إيمانًا. في شجرة الحياة، هو مبدأ الحياة في العلاقة والشركة مع الله. أما في شجرة معرفة الخير والشر فهو مبدأ الامتحان. أي أنها مجال تحقيق الإرادة وحرية الاختيار.
والوصية هنا تعني أمورًا كثيرة منها:
قال البعض إن آدم شخصية رمزية مثل باقي القصة، وإنه كان هناك بشر آخرون قبل آدم. وحتى إن افترضنا صحة هذا المعتقد، فهناك آدم الذي يشهد عنه وجودنا نحن. وهذا الآدم مخلوق، ومن امتحنه الله هو آدم -إنسان- قادر على الفهم والتحليل. فربما كان قبل آدم بشرًا في طور الإنسان البدائي، فهذا البدائي لم يصبح بدائيًّا، بل أصبح قادرًا على الاكتشاف، والبقاء، وصنع حضارات. لذا آدم الذي امتحنه الله هو الإنسان الأول القادر على فهم الوصية.
الوصية ضرورية لجعل الإنسان كاملًا؛ لأن كمال الإنسان لن يكون سوى بقدرته على الاختيار واتخاذ القرار، فالوصية أعطت آدم هذه الفرصة.
والدعوة هنا لفهم النسبي والمطلق من وجهتي نظر: وجهة النظر الأولى، هي وجهة النظر الأصلية لكاتب الوحي، كيف فهم الرسالة وكيف صاغها وكيف تعامل ومع المطلق الذي هو خارج إرادته وخارج زمانه ومكانه؟ وكيف تعامل مع النسبي دون الخلل بإيمانه؟ ووجهة النظر الثانية، وجهة نظر مفسر قصة الخلق أو الإصحاحات الأولى من التكوين.
لذا لا يمكن أن يكون كل شيء متغيرًا -نسبيًّا- ولا يمكن أن يكون الكل مُطلقًا. فلو فرضنا أنها معادلة رياضية مكونة من ثلاثة متغيرات -مجاهيل- وجب على الراغب في حل هذه المعادلة -لكي يجد قيمة المتغيرات- أن يفترض ثابتًا constant، الذي من خلاله يأتي بقيمة المجاهيل حيث إنه لا يمكن أن يكون الكل متغيرًا.
فهم القصة القديمة، للبحث عن الإيمان بالمطلق ووجوده. وإيمان بقدرة الإنسان على الوعي والفهم والسعي نحو غاية المعنى من الوجود.
أسم الكاتب : القس مارك عبد المسيح
مقدمة:
ذات مرّة ذهب أحد المحاورين، وهو رجلٌ أمريكيٌّ أشقر وفي منتصف الثلاثينات، إلى جامعة واشنطن في أمريكا لإجراء عدَّة لقاءات مع العديد من الطلاب الجامعيين. وكان واحد من الأسئلة التي سألها: “إذا قلت لك/ لكِ إنني امرأةٌ صينيةٌ، وإنّ عمري سبع سنوات، هل ستصدِّق/ ستصدِّقين هذا الاِدّعاء؟” الأمر المثير للدهشة هو أنه لم يُجب واحد من الطلاب بوضوح: “هذا ليس حقيقيًّا، أنتَ لستَ امرأةً، ولستَ من الصين، وعمرك ليس سبع سنوات!”. على العكس، أجاب مُعظم الطلاب قائلين: “إذا كان هذا ما ترى أنّه الحَقّ، فلا بأس!”، أو “رُبّما يصعب تصديق ذلك، لكن إذا أَرَدْتَ أن تكون هكذا، فهذا جيدٌ لك!” أو “إن كنتَ تشعر بهذا في قلبك، وهذا يرضيك، فحسنًا، إذ لك مطلق الحرية لتؤمن بما تريد أن تؤمن به!”[1] لقد كانوا كلهم أبناء عصر ما بعد الحداثة.
إنّ أحد اِدّعاءات عصر ما بعد الحداثة هي أنّه “لا يوجَد حقٌّ مُطلق”. فيخبرنا مُفكِّرو عصر ما بعد الحداثة أن “الحَقَّ نسبيٌّ”، وأنّ كل مَن يدَّعي أنّ ما يقوله هو “حقٌّ” (truth) أو “الحَقّ” (the truth) هو متكبِّر ومتعصِّب، فاقد للمحبة وغير متسامِح. ليس هذا فقط بل أيضًا إن هذا الأمر يتّخِذ عدة أشكال كتابية، فنسمع بعض الناس يقولون: “قال المسيح لا تدينوا لكي لا تدانوا، لذلك لا يجب علينا أن نحكم على أي معتقد أو فكر أي شخص”، أو نسمع، “في نظري هذا المقطع الكتابي يعني…” وكأنّ الحَقَّ في كل مقطع كتابي، نسبيّ وشخصيّ وليس موضوعيًّا. لكن هل مثل هذه الاِدّعاءات قادرة على الصمود أمام الفحص المنطقي والعملي واللاهوتي والكتابي؟ هذا هو موضوع حديثنا، ولكن دعونا نوضِّح سريعًا ما المقصود بموضوعي، وشخصي أو نسبي.
أقصد بما هو “موضوعي” أن يكون شيءٌ ما حقًّا مَهْما كانت كل الاعتبارات والآراء البشرية، أي سَوَاءٌ قَبِله الناس أو رفضوه. فوجود الشمس حقيقة موضوعية، حتى لو كان البشر كلّهم مُصابين بالعمى وينكرون وجودها. هذا يختلف عن الرأي “الشخصي”؛ فمن الممكن أن يقول أحدٌ: “إنّني أرى أنّ طعمَ عصير المانجو حلو”، ويقول آخر: “إنّ عصير المانجو بغيض، وعصير الفراولة حلو من وجهة نظري”، هنا بات الأمر شخصيًّا (الأمر المُرتبط دائمًا بفكرة النسبية)، وليس موضوعيًّا.
مغالطة فكرية:
دعونا الآن نختبر أولًا اِدّعاء “نسبية الحَقّ” بالنظر إلى علم المنطق والمغالطات المنطقية.[2] إحدى المغالطات المنطقية المُهِمّة تُدعى “مغالطة التناقض الذاتي” والتي يرتكبها الشخص عندما يدَّعي ادعاءً ما يناقض ذاته. على سبيل المثال، إذا قال أحدٌ: “لا تُوجَد جُملة عربية تحتوي على أكثر من ثلاث كلمات”، لا يحتاج الأمر إلى ذكاء بارع لرؤية أنه بما أنّ هذه الجملة نفسها تحتوي على عَشَر كلمات، فما تعلنه هذه الجملة هو أمرٌ خاطئ ويناقض الجملة نفسها. بالمثل، إنّ الاِدّعاء القائل بأنّه: “لا يُوجَد حقٌّ مُطلق” أو “لا يُمكنك أن تقول إنّ هذا المُعتقد هو الحَقّ”، هو ادِّعاءٌ يناقض نفسه. فصاحب هذا الاِدّعاء يريدنا أن نرفض كلَّ حقٍّ مُطلق باستثناء اِدّعاء قائِله إنه: “لا يُوجَد حقٌّ مُطلق”، وأن نجعل “الحَقَّ المُطلق” الوحيد الذي نقبله هو أنّه “لا يُوجَد حقٌّ مُطلق”.[3] أليس هذا هراءً فكريًّا؟!
معضلة أخلاقية:
ثانيًا، لا يسعنا الحديث عمَّا إذا كان الحَقُّ مُطلقًا أم نسبيًّا، دون الحديث عن المعيار الأخلاقي. ففي اللحظة التي يُنكِر فيها تابعو فكر ما بعد الحداثة أنّ “الحَقَّ مُطلق وموضوعي”، ويؤكِّدون أنّ “الحقّ نسبيٌّ وشخصيٌّ” في الحقيقة إنّهم يُضحّون “بالأخلاق الموضوعية” على نفس المذبح، الأمر الذي يخلق عالمًا بلا معايير أخلاقية. لنفكر في سؤال مُهِمّ لتوضيح هذا الأمر: هل قَتْلُ هتلر لملايين من اليهود لم يكن سوى رأيًا شخصيًّا؟ أم أنّ هناك أساسًا موضوعيًّا يجعلنا نقول إنّ ما فعله هتلر خطأ بصرف النظر عمَّا كان يظنّه شخصيًّا؟ لنلاحظ أنّنا في اللحظة التي سنتخلّى فيها عن كون المعيار الأخلاقي حقيقة موضوعية، سنفقد الأساس الذي يُمكِّننا من القول بأن الشخص الذي يقتل أو يزني مُخطِئ. فوجود معيار أخلاقي موضوعي هو الحلُّ الوحيد للحكم على تصرُّف معيَّن بأنّه صوابٌ أو خطأ أيًّا كان رأي فاعِله، وبصرف النظر عن مقدار الفائدة العملية أو السعادة التي يجلبها هذه التصرُّف (الخاطئ!)[4]، بل وبصرف النظر عن قبول أو رفض مَن هُم في مُجتمع الفاعل (مثال: قبول كلّ مجتمع هتلر لمَا فعله، لا يجعل فعل الإبادة صحيحًا).[5] إذا قُبِلَت نسبية الحَقّ بكل تَبِعَاتها، فستقودنا لنسبية الأخلاق، الأمر الذي سيؤدّي بالضرورة إلى كارثة أخلاقية.[6]
الأبدية في خطر!
ثالثًا، أكَّد ستانلي فيش (Stanley Fish)، أحد أساتذة القانون والعلوم البشرية في عدّة جامعات أمريكية، أنّ الخطأ في الإجابة على السؤال “ما هو الحَقّ؟” في الدوائر السياسية والاجتماعية يترتّب عليه كثيرٌ من العواقب الوخيمة، فيمكن أن يؤدِّي إلى خسارة اقتصادية وخسارة وظائف وخسارة حقوق أشخاص فقراء ومهمّشين. أمَّا الخطأ في الإجابة على السؤال: “ما هو الحَقّ؟” في الدائرة الروحية، أي الخطأ في الإجابة على سؤال: “مَن هو الإله الحَقّ؟”، فله عواقب أبدية. أكَّد ستانلي عدم وجود مجال للنسبية في الاِدّعاءات الروحية عندما قال: “أَخْطِئْ في ذلك ولن تفقد درجتك أو وظيفتك، بل ستفقد خلاصَك ويُحكَم عليك إلى الأبد في الجحيم”. ثم يُضيف: “أنّ الاِدّعاءات الدينية “للحق” لا تطلب مجرّد احترامك، إنّما تطلب إيمانَك وفي النهاية (خلاص) نفسك. إنّها اِدّعاءات غيورة، فيها تسمع “لا يكُن لك آلهة أخرى أمامي””.[7] لذلك، عندما نتحدّث عن الحَقّ، على سبيل المثال المُعلَن في كلمة الله، فإنّنا لا نتحدّث عن أمرٍ قد لا نُصِيب فيه ونرجو حظًّا سعيدًا في المرة المُقبلة، لكنّنا نتحدّث عن حقّ تتعلّق به الحياة كلها، الحياة الحاضرة والحياة الأبدية. ومن نظرة مسيحية، فعندما تقول كلمة الله “إنّني بالطبيعة شرير، وأحتاج إلى خلاص لن أجده إلّا في يسوع المسيح،” فهذا يعني أنّه إنْ كان هذا الاِدّعاء حقًّا، فعليَّ أن أتخذ خطوات راديكالية [جذرية] للاعتراف بفسادي والتحوُّل عن خطاياي والرجوع إلى الله من خلال المسيح يسوع، الأمر الذي سيؤثّر على الحياة بأكملها.
الحقيقة الكتابية:
رابعًا، لا تخلو كلمة الله من التأكيد على وجود حقّ موضوعي ومُطلق. فنرى الكتاب المقدس يشير لله بوصفه إله الحَقّ (إشعياء ٦٥: ١٦؛ يوحنا ٣: ٣٣، ١٧: ٣)، ولكون المسيح يسوع هو الحَقّ (يوحنا ١٤: ٦). الروح القدس هو روح الحَقّ (يوحنا ١٤: ١٧، ١٦: ١٣)، وكلمة الله حقّ (مزمور ١١٩: ١٦٠)، ورسالة الإنجيل هي رسالة الحَقّ (أفسس ١: ١٣؛ كولوسي ١: ٥- ٦). كذلك، فإنّ كل مَن عَرَف رسالة الحَقّ هو مدعو أن يعيش حياةً تعكس هذا الحَقّ (١ يوحنا ٣: ١٨؛ مز ٨٦: ١١). كما أنّ إحدى أهم وظائف الروح القدس هي إرشاد التلاميذ ليس فقط للحق، بل “لجميع الحَقّ” (يو ١٦: ١٣). وهو يفعل ذلك بتوجيههم باستمرار لشخص المسيح يسوع وفدائه وتعاليمه (يوحنا ١: ١٤، ١٦: ١٤). أمَّا الذين يبتعدون عن إنجيل المسيح وعن تعاليم كلمة الله “فَيَصْرِفُونَ مَسَامِعَهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَيَنْحَرِفُونَ إِلَى الْخُرَافَاتِ” (٢ تيموثاوس ٤: ٤)، بإعطاء آذانهم لإبليس “الكذَّاب” وعدوّ كل حقّ (يوحنا ٨: ٤٤). الأمر نفسه الذي وبَّخ المسيحُ الصدُّوقيِّين لأجله عندما قال لهم: “تَضِلُّونَ إِذْ لَا تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلَا قُوَّةَ اللهِ” (متى ٢٢: ٢٩). إذًا، فكلمة الله لا تعطي أيّ مجال للقول بأنّ الحَقَّ نسبي أو شخصي. الأمر الذي نراه جليًّا في كتابات بولس عندما يستخدم تعبيرات مثل “نحن نعلم…”، بدلًا من “نحن نظنّ…”. فنراه يقول “إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (غلا ٢: ١٦)، “وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ” (رو ٨: ٢٨).[8]
على الرغم من هذه اليقينية والإعلان الإلهي عن إمكانية معرفة الحق، فإنّ كثيرين يرفضونه. لعلّ مشهد محاكمة المسيح أمام بيلاطس من أهم المشاهد التي تُذكِّرنا بردّ فعل الإنسان تجاه قضية قبول الحَقّ على أنّه موضوعي ومُطلق. نقرأ في يوحنا ١٨: ٣٧- ٣٨: “فَقَالَ لَهُ بِيلَاطُسُ: «أَفَأَنْتَ إِذًا مَلِكٌ؟». أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ: إِنِّي مَلِكٌ. لِهَذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا، وَلِهَذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لِأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي». قَالَ لَهُ بِيلَاطُسُ: «مَا هُوَ الْحَقُّ؟!». وَلَمَّا قَالَ هَذَا خَرَجَ أَيْضًا إِلَى الْيَهُودِ وَقَالَ لَهُمْ: «أَنَا لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً…» …”. لقد جاء المسيح ليكون هو الحَقّ المتجسِّد، وليشهد عن مملكته، مملكة الحَقّ، أمام بيلاطس صاحب المُلك الأرضي. لكن ماذا كان ردّ فعل بيلاطس؟ يقول Borchert: “كثيرًا ما يُضحّي الأشخاص ذوو الدوافع السياسية بالحَقّ على مذبح النفعية. ويتظاهر العديد من الأشخاص ذوي التوجُّهات السياسية بأنّهم مهتمّون بالحَقيقة. لكن بيلاطس يُلخِّص نمط حياته ذات التوجُّه السياسي بالسؤال المؤلِم: “مَا هُوَ الْحَقُّ؟” … في نظر بيلاطس، كان هذا السؤال محاولةً لمقاومة شعوره بأهمية أن يقدِّر تصريح يسوع حقّ قَدْرِه في حياته الخاصة…”[9]. فبيلاطس لم يكن مستعدًّا لقبول شهادة يسوع ولا لانتظار إجابة سؤاله الشخصي، الأمران القادران على تغيير نظرته فيما يتعلّق بموضوع الحَقّ برمّته. ما نراه في قصة بيلاطس هو أن أحد أهم أسباب رفض الحق هو أنّ قبولَه مُكلِّف، وكثيرًا ما تكون التكلفة باهظة للبعض، خصوصًا لهؤلاء الذين لديهم الكثير ليُخفوه وراء ستائر الضلال والكذب.
أربعة تطبيقات:
يدعو المسيحُ أتباعَه للتمييز. يقول البعض إنّ المسيح دعا تلاميذَه أن لا يدينوا ولا يصدروا أحكامًا نهائية وحصريّة (متى ٧: ١)، ولذلك لا يجب أن نحكم على رأي ما أو تعليم ما أنه زائف أو مُضِلّ. في الحَقيقة لم يقصد المسيحُ بتعليمِه في متى ٧، إلغاءَ كلِّ أنواع الحكم والنقد. إنّما كان يُعارض الأشخاص الذين يحكمون على آخرين بصورة مستمرّة، دون الحكم على نفوسهم والنظر إلى خطاياهم الشخصية (٧: ٣- ٥). كذلك، في نفس النصّ يخبرنا المسيح عن احتياج أتباعه إلى الحكمة في إصدار الأحكام وفي التمييز عندما يواجهون الاِدّعاءات المختلفة للحق (٧: ٦، ١٥).[10] كما أكَّد المسيح أنّه سيحكم على الجميع بمعيار عادل وحقّ (٧: ٢١-٢٣). لذا يُمكننا التأكُّد أنّ المسيحَ مُهتمّ بالحَقّ وقد طالَب تلاميذَه قائلا: “لَا تَحْكُمُوا حَسَبَ الظَّاهِرِ بَلِ احْكُمُوا حُكْمًا عَادِلًا” (يوحنا ٧: ٢٤).
يدعو المسيحُ أتباعَه للتمسُّك بالحَقّ بمحبة. يتجاهل بعض المُنادين بموضوعية الحَقّ أهمية المحبة في عرض ما يظنّون أنّه حقٌّ. لكن كلّ حقّ يخلو من المحبة، ليس حَقًّا كاملًا. كما أن كل محبة تخلو من الحَقّ ليست محبة حقيقية. يدعونا الرسول بولس لأن “نُعلن الحَقّ في المَحبَةِ” (أفسس ٤: ١٥، الترجمة العربية المشتركة). هذا ما فعله المسيح، وهكذا يفعل تلاميذه وتابعيه.
تدعونا كلمة الله إلى فهم الحَقّ الموضوعي لكل أجزائها: يقول النسبيّون إنّ الكتاب المقدس يُمكن أن يعني ما نريده أن يعنيه. فكلّ شخص يُمكنه أن يفهم الكتاب المقدس ويُطبّقه بالطريقة التي يراها سليمة. والمؤسِف أن طريقة التفكير تلك قد تسرّبت لدروس الكتاب في بعض كنائسنا، فنسمع بعض الأفراد يقولون، “في نظري، هذا ما تعنيه هذه الفقرة…”. وكأنّ النصّ لا يحمل معنى واحد فقط قصد الله أن يفهمه كل مَن يقرأه. لقد أكَّد كثيرٌ من المُصلحين ودارسي كلمة الله الأمناء عبر العصور، أنّ كلّ نصّ كتابي يحمل معنى واحد. مِن ثَمَّ، علينا أن نأتي باتّضاع واتِّكال على الروح القدس، وفي بعض الأحيان بمعونة المعلِّمين والمرشدين الروحيين، لسماع الحَقّ الكامن في كل نصّ كتابي.
معرفتنا المحدودة تدعونا للتواضع: لقد أعلن الله لنا الحَقّ في كلمته، متوقِّعًا منَّا أن نتمسّك به بتواضع وجرْأة. لكن حتّى إن كُنَّا متمسّكين بالحَقّ، ولنا يقين فيما عرفناه عن الحَقّ المُعلن في يسوع المسيح (١ يوحنا ١: ١-٤)، ونرفض مساومات النسبية ونرفض إنكار الحق الموضوعي وإنكار العقائد المسيحية الرئيسية[11]، يجب أن نعي أنّ معرفتنا، مع أنّها كافية لخلاصنا، فإنها معرفة محدودة (٢بطرس ١: ١٩). فنحن لا نعرف كلَّ شيء عن أي شيء في عالمنا المادي، فكم بالحريّ حين نتحدّث عن الحَقِّ في أمور الله والأبدية. وليس فقط محدوديتنا، بل معرفتنا بأنّ أذهاننا متأثّرة بالخطية، تجعلنا أكثر اتضاعًا وبخاصة في الأمور الثانوية في الإيمان والأمور العسرة الفهم في كلمة الله. لذلك، ففي سعينا لمعرفة الحق والثبات في الحق، دعونا نتذكّر كلمات بولس الرسول، “فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الْآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لَكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ. الْآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لَكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ” (١ كورنثوس ١٣: ١٢).
[1] الفيديو بعنوان، ” Gender Identity: Can a 5’9, White Guy Be a 6’5, Chinese Woman?”، ويمكن مشاهدة الفيديو كاملًا من على موقع اليوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=xfO1veFs6Ho
[2] يُمكن دراسة علم المنطق وعلاقته بفهمنا لله وللإيمان المسيحي من كتاب:
Vern S. Poythress, Logic: A God-Centered Approach to the Foundation of Western Thought (Wheaton, Illinois: Crossway, 2013).
[3] يقول جون فريم: ” يحاول الذاتي (النسبي/ أتباع النسبية) إقناع الآخرين برأيه، ومِن ثَمَّ يقرّ بأنّ هناك بعضًا من الحَقِّ الذي يعرفه الآخرون غيره… (في نفس الوقت) يدّعي أنّه يعرف بموضوعيةٍ حقيقةَ أنّه لا تُوجَد حقيقة موضوعية، وهذا أمر يهدم نفسه بنفسه”.
John Frame, The Doctrine of God (Phillipsburg, NJ: P&R, 2002), 120.
[4] فإنْ سرق شخص لأنه جوعان، هذا لا يجعل من السرقة أمرًا يُمكن امتداحه أخلاقيًّا. لذا، فالأخلاق ليست برجماتية.
[5] إذًا، فالأخلاق ليست مجرّد اتفاق من قِبَل البشر.
للمزيد حول الحجّة الأخلاقية، يُمكن مراجعة:
Doug Powell, Ultimate Guide to Defend Your Faith (B&H Publishing Group) Kindle Edition. (Chapter 4).
[6] هذا لا يعني أنّ كل مَن يؤمنون بنسبيّة الأخلاق هم بالضرورة يعيشون حياة لا أخلاقية، فالكثير من الناس يعيشون بطريقة غير متسقة مع ما يؤمنون به (وفي هذه الحالة يكون عدم الاتساق مُفيدًا!). لكن في نفس الوقت، لا يستطيع أي مُفكِّر جاد أن يُنكر أنّ ما نؤمن به ونعتقده يؤثّر على أسلوب حياتنا تأثيرًا عمليًّا.
[7] نُشِر المقال الأصلي في،
“Religion without Truth,” New York Times for 31 March 2007 (now available at http://www.nytimes.com/ 2007/o3/3i/opinion/31fishs.html).
أنا مدين في هذا الاقتباس ل D. A. Carson, The Intolerance of Tolerance [Kindle Edition, chapter 5].
[8] استخدم بولس “نحن نعلم” نحو ١٦ مرة (رو ٢: ٢، ٣: ١٩، ٦: ٦، ٩، ٧: ١٤، ٨: ٢٢، ٢٨؛ ١كو ٨: ١، ٤، ١٣: ٩؛ ٢كو ١: ٧، ٥: ١؛ غل ٢: ١٦؛ ١تس ١: ٤؛ ١تي ١: ٨). كما استخدم تعبير “أعرف…” أو “أعلم…” نحو ١٢ مرة.
[9] G. L. Borchert, John 12–21 (Nashville: Broadman & Holman Publishers, 2002), Vol. 25B: 243.
[10] أنا مدين في هذه الفكرة ل D. A. Carson, The Intolerance of Tolerance [Kindle Edition, chapter 5].
[11] أقصد بالعقائد المسيحية الرئيسية (١) طبيعة الله الثالوث، (٢) التجسد والميلاد العذراوي، (٣) الخلاص بالإيمان وحده بالنعمة وحدها بسبب عمل المسيح الكفاري وحده، (٤) ضرورة القداسة النابعة من حياة الإيمان، (٥) كما أضيف، عصمة الكتاب المقدس وسلطانه.