مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

النسور شتاء 2025_العدد (14)

فهرس موضوعات عدد شتاء 2025م

افتتاحية العدد د. ق. أندريه زكي، رئيس التحرير

في هذا العدد تقرأ ق. عيد صلاح، مدير التحرير

مقالات ودراسات عن الميلاد:

بداية جديدة: قراءة في سلسلة نسب المسيح متى 1 د. ق. حنا كتناشو

فتاةٌ تَلِدُ طفلًا، يفتح نافذة السَّماء على البشرِ: “تحليل تاريخيّ ولاهوتيّ لنبوءة إشعياء 7 و8 ومتى 1” ق. جادالله نجيب

خواطر ميلادية: ش. رضا صلاح

ملف العدد: دراسات في العهد القديم

كيف نقرأ العهد القديم اليوم؟ د. ق. يوسف سمير

مُقدِّمةٌ إِلَى العَهْدِ القَدِيمِ: قراءة نقدِيَّة في كتاب حنَّا كتناشو م. جورح إسحق

التنوع الأدبيّ في العهد القديم ق. بيتر وديع

قانونية العهد القديم د. ق. مجدي صديق

نظرة المصلحين للعهد القديم: ما علاقة العهد القديم بالعهد الجديد؟ المصلح جان كلفن أنموذجًا ق. سهيل سعود

العهد القديم في العصر الوسيط: سعديا الفيوميّ ودوره في ترجمة العهد القديم إلى اللغة العربيّة في القرن العاشر الميلاديّ ق. عيد صلاح

هل إله العهد القديم هو إله العهد الجديد؟ د. ق. أشرف عزمي

الإله المفترى عليه.. من هو الله في العهد القديم؟ ق. نصر الله زكريا

مفهوم العهد في الكتاب المقدَّس ش. د. شريف عاطف

قضية الأرض في فكر الكتاب المقدس ق. حمدي سعد

العدل والرحمة في العهد القديم أ. صفاء صبحي

شذرات كتابية: ش. أسامة رشدي

دراسات حرة:

حُجّاجُ الرَّجَاءِ في يُوبِيل الرَّجَاء د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك

ملحق العدد:

العهد القديم والحفر عند جذور الكلمات وفهم المصطلحات: الفلسطيون والفلسطينيون؛ إسرَإيل وإسرائيل أنموذجًا إعداد وتقديم القس عيد صلاح

مُقدِّمةٌ إِلَى العَهْدِ القَدِيمِ قراءة نقدِيَّة في كتاب حنَّا كتناشو

اسم الكاتب: جورج إسحق

يخوض الكتاب بحر العهد القديم، ذاك البحر المُتّسع المضطرم بأمواج المُعضلات التَّاريخيَّة والسِّياقيَّة والجدليَّة، التي دفعت بعضٌ إلى رفضه جزئيًّا أو كُليًّا،[1] لكنّ الكاتب هُنا يقدِّم زاوية متفرِّدة للنَّظر إليه، تضعه في صفِّنا لا ضدَّنا، زاوية تفتح للمسيحيِّ العربيِّ اليوم في سياقه مُصالحةً مع نصوصه وقابليَّة للتَّطبيق العصريِّ، تقوم هذه الزَّاوية والآليَّة على نموذج المسيح. يعرض الكتاب إلى منظومة العهد في أسفار العهد القديم بدءًا من آدم ومرورًا بنوح وإبراهيم وموسى، ثم يُشير لنا إلى ذاك الذي سيأتي مُحقِّقًا للوعد ومُتمِّمًا للعهد، ابن داود يسوع النَّاصري، الكاهن على رتبة ملكي صادق، الذي هو الرَّابط الجامع بين العهد القديم والعهد الجديد.

عن الكتاب والكاتب

صدر هذا الكتاب أولًا في نشرة محدودة داخل فلسطين التّاريخيَّة عام 2023 عن كلية لاهوت النّاصرة. وعن غرض الكتاب يقول كتناشو: “يساعد الكتاب الإنسان العربيِّ المسيحيِّ على فهم العهد القديم بصورة تقودنا إلى المسيح، ويعالج المحطات الرَّئيسة في العهد القديم مع الأخذ بعين الاعتبار الخلفيّة التَّاريخيَّة والأدبيَّة ووضعها في حوار مع القضايا المحليَّة في الشَّرق الأوسط.” يهدف الكتاب إلى تقديم العهد القديم، وليس إلى الإجابة عن كل الأسئلة الشَّائكة المرتبطة بدراسته. ويسعى إلى رؤية الخريطة أو الصُّورة الكبيرة من منظورٍ مسيحيٍّ عربيٍّ. يقول كتناشو إنَّ الكتاب يتحدث عن أهمية العهد القديم للإنسان المسيحيِّ العربيِّ. يقترح الكتاب أنَّ العهد القديم كله ينتظر شخصيَّة مستقبليَّة تُنهي مشاكل البشريَّة وتتحقق فيها أحلام العهد القديم. وحسب المؤلف، يقدِّم الكتاب هذه الشخصيَّة في عدَّة محطات وهي: العهد مع آدم؛ العهد مع نوح؛ العهد مع إبراهيم؛ العهد موسى؛ العهد مع داود؛ السّبي الآشوريِّ؛ السَّبي البابليِّ؛ العودة من السَّبي، وفي كل محطة يشرح الكاتب الخلفيَّات التَّاريخيَّة والأدبيَّة ويقدِّم طرحًا يربط من خلاله النَّصّ مع المسيح والمسيحيِّ العربيِّ في القرن الحادي والعشرين. ولأجل توسيع دائرة الاستفادة من الكتاب لصالح القارئ العربيِّ، عاود المؤلف نشر الكتاب في مصر مع دار الثَّقافة عام 2024 ليضمن له أكبر توزيع في الوطن العربيِّ، فما زالت غالبيّة الكتب التي تصدر في فلسطين لا تتجاوز حدودها، ما أنشأ تحديًا أمام الكُتّاب الفلسطينيين ليُخرجوا إنتاجهم خارجها.

الدكتور القس حنّا كتناشو، من مواليد القدس، درس الكيمياء في جامعة بيت لحم ثم تفرَّغ لاحقًا للخدمة اللَّاهوتيَّة فتابع دراسته في أمريكا في جامعتي ويتن وترينتي في شيكاغو، ثم درس للدكتوراه في جامعة ترينتي في العهد القديم. خدم القس حنّا كتناشو كمحاضر وعميد أكاديميّ لسنين طويلة في كلية بيت لحم للكتاب المقدّس. سِيْمَ الدكتور القس حنّا قسًّا في كنيسة الاتحاد المسيحيّ في القدس، ويسكن اليوم مع عائلته في النَّاصرة، ويحاضر ويعمل كعميد أكاديميّ في كلية النَّاصرة الإنجيليَّة، كما أنَّه يخدم في فريق من الشُّيوخ والرُّعاة في الكنيسة المعمدانيَّة المحليَّة في النَّاصرة. نشر القس الدكتور حنَّا عدَّة كتب في العربيَّة والإنجليزيَّة. في عام 2022 اختارت مجلة كريستيانتي تودي Christianity Today المعروفة كتابه “إنجيل يوحنا بأعين فلسطينيَّة” كأحد أفضل خمسة كتب لاهوت في العالم. مؤسس ومُشارك رئيس في وثيقة “كايروس فلسطين” والمؤتمر السَّنوي “المسيح خلف الحاجز.” الدكتور القس حنَّا متزوج من دينا خوري مديرة جمعية الكتاب المقدَّس العربيَّة في فلسطين ولهم ثلاثة أبناء.

استعراض الكتاب

يقع الكتاب في 252 صفحة من القطع الصَّغير، وينقسم إلى ثلاثة عشر فصلًا مع مقدِّمة ولائحة للمراجع العربيَّة والأجنبيَّة. خُصِّصَت الفصول الثَّلاثة الأُوَلُ منه كمدخل تمهيديّ للقارئ العربيّ، يكسر الحاجز السِّياقيّ بينه وبين نص العهد القديم من زاوية التَّاريخ والسِّياق أيضًا، واختار الكاتب عناوينها بذكاء ووضعها في صيغة أسئلة، هي عين الأسئلة التي يفرضها السِّياق العربيُّ ويطرحها على المسيحيين العرب في واقعنا المُعاصر. تلتها عشرة فصول ألقى فيها المؤلف الضَّوء على منظومة العهد الكتابيَّة بدءًا من آدم ومرورًا بنوح وإبراهيم وموسى وداود، ثم خاض مرحلة السَّبي الآشوريّ وسقوط السَّامرة، والسَّبي البابليَّ وسقوط أورشليم، ثم انتهى بالعودة من السَّبي.

الفصل الأوَّل: هل العهد القديم كتاب لنا أم ضدّنا؟ عنوان هذا الفصل هو سؤالٌ سياقيٌّ عربيٌّ بامتياز، ربما يكون سؤالًا غير مطروحٍ في السِّياق الغربيِّ، أو لا يتحدى المسيحيِّ الغربيِّ كما يتحدانا نحن العرب. طُرح هذا السُّؤال مِرارًا وتكرارًا في السِّياق العربيِّ اعتراضًا على تعاليم وأخلاقيَّات العهد القديم. ظهر هذا السُّؤال منذ بواكير ظهور علم الكلام الإسلاميّ والمُجادلات التي جرت في العصر الوسيط بين المتكلمين المسلمين ونظرائهم المسيحيين العرب، وربما أوسع توثيق له نجده في الكتابات التي عنونت بـ “الرَّد على النَّصارى.”[2] وهو سؤال يتحدانا لدراسة أكثر قُربًا من العهد القديم لعدّة أسباب، لخّصها المؤلف في: شُبهة التّحريف التي دفع بها المعترضون المسلمون، وغذَّتها أطروحات النَّقد النَّصِّي؛[3] الرِّواية الصهيونيَّة المزعومة التي تُشَرْعِن سلب الأراضي الفلسطينيّة، والتي تُنشر مدعومة بنصوص العهد القديم، ما وضع العهد القديم في عداءٍ مباشرٍ مع السّياق العربيّ إذ يظهر كأنّه حليفٌ للصهيونيَّة؛ تصنيف العهد القديم على أنَّه كتاب لتاريخ اليهود؛ وَصْمُ العهد القديم بالخرافيَّة؛ الجدل المسيحيّ-المسيحيّ حول قانونيّة أسفاره.[4] يشرح الكاتب كيف يترابط العهد القديم مع خصوصيَّة ثقافتنا العربيَّة ويُجيب كتناشو في هذا القسم بالإيجاب عن سؤال مهم هو، هل العهد الجديد يصلح أن يكون كتابًا للمسيحيِّ العربيِّ، أو كتابًا للكنيسة في كلِّ العالم، ويخلُص كتناشو لإجابة السُّؤال عنوان الفصل أنّ العهد القديم ليس كتابًا لليهود وحدهم، بل هو كتاب لنا نحن المسيحيين ولمنفعتنا.

الفصل الثّاني: كيف ندعو العهد القديم؟[5] يناقش كتناشو في هذا الفصل قضية تسمية العهد القديم وهل هذا أفضل مُصطلح وما دلالته؟ ويعرض أوّلًا للتَّسميات اليهوديَّة المختلفة للعهد القديم، ويذكر أن مِقرا استخدمت في المشنا وهي مرتبطة بالقراءة الصوتيَّة، أما تناخ فهي اختصار لـ توراة-كتوبيم-نبييم. وفي حين ترتبط التّسميات الأخرى (هسفريم – كتبي هقدوش – هبريث) بإشارة إلى قدسية الكتب، فإن ك.د هسفريم ترتبط بالقانونيَّة حيث يمثل العدد 24 قانونيَّة العهد القديم. في السِّياق الإسلاميّ، التسمية الشَّهيرة هي التَّوراة، واستخدمت إما للإشارة إلى أسفار موسى الخمسة، أو للعهد القديم كله. ونضيف إلى ما سبق أن سفر المزامير وحده معروف في السِّياق الإسلاميّ بـ الزَّابور أو زابور داود، وهي تسمية لم تكن مرفوضة من المسيحيين العرب في العصر الوسيط، ولدينا عديد من المخطوطات تحمل هذه التّسمية. أمَّا في المسيحيّة، فتتعدد التّسميات: (تناخ- الأسفار العبريّة- العهد الأوّل- العهد الأقدم- التّوراة- أسفار الشريعة- مِقرا- النّاموس) وتستخدم هذه التّسميات بحسب السِّياق والخلفيَّة اللَّاهوتيَّة. غير أن كتناشو -ونوافقه الرَّأي- لا يميل إلى تسمية “الأسفار العبريَّة”، لأنها تختزل النّظرة في اللُّغة، على أنَّه، ليست كل أسفار العهد القديم مكتوبة بالعبريَّة،[6] كما أن النُّصوص العبريَّة الماسوريَّة لا تمثل كلَّ العهد القديم. ولا تسمية التَّوراة والنَّاموس أيضًا، إذ ترتبط الأولى بأسفار موسى الخمسة والثَّانية بالشَّرائع، وهذا اختزال للنّوع الأدبيّ لنصوص العهد القديم. يتطرّق بعدها المؤلف إلى مفهوم العهد موضّحًا أنّه يشير إلى المفهوم والمضمون، لذلك استخدمه المسيحيون إشارةً إلى الأسفار التي تقدِّم مضمون علاقة الله مع شعبه.

الفصل الثّالث: كيف أطيع العهد القديم؟[7] يتمحور هذا الفصل حول سؤال واحد هو، كيف يكتشف المسيحيون رسالة الله لهم في العهد القديم وكيف يطيعونها؟ يبدأ كتناشو حديثه بالتأكيد على فكرة المعنى الواسع والمعنى الضَّيق للنَّصِّ، ويشرح كيف أن المعنى الضَّيق مرتبط بالسِّياق التَّاريخيِّ، أما المعنى الواسع فمرتبط بقراءة العهدين. ونقطة الجدال في الموضوع أنَّه إن تطلب الأمر عدم طاعة المعنى الضَّيق في سبيل المعنى الأوسع، فهذا مقبول. ثم يعرض كتناشو إلى العهد القديم في ضوء نقاش بولس عن الحرف والرُّوح، فيقول إنَّ المعنى الأوسع للنَّصِّ يظهر عندما يكون المسيح غاية النَّاموس. المشكلة ليست في الحرف، بل في أهل الحرف الذين رفضوا العهد الجديد وعمل الرّوح القدس، لا نطلب إلغاء أو تجاهل العهد القديم، بل تفسيره بنظرة مسيحانيَّة بعيدة عن التّهود. ونحن نعيش في سياق يُسيء التَّعامل مع العهد القديم، عندما نتمسك بالحرف دون المدلول الأعمق الذي يربطنا بالمسيح نفقد البوصلة اللَّاهوتيَّة. وللتَّدليل على هذا يقدم كتناشو نموذجين: الأوّل هو الصهيونيَّة المسيحيَّة التي تقبل العهد القديم وتقدم من خلاله تبريرًا للاستيطان الإسرائيليّ في فلسطين وسلب الأرض وتهجير الشَّعب، وهذا ما دعا بعضًا إلى الدَّعوة لإزالة العهد القديم من لائحة الأسفار القانونيَّة. وعلى الناحية الأخرى يوجد الرّفض التّام للعهد القديم مثلما فعلت النّازيَّة عندما اقترح فريدريك ديليتش رفض العهد القديم تمامًا في بداية القرن العشرين قائلًا إنّ الحضارة البابليَّة أسمى من العهد القديم، وإنّها من أصول آريَّة وإنّ سكان الجليل والسّامرة أيضا من أصول آريَّة، ولهذا فيسوع نفسه آريٌّ وليس يهوديًّا![8] في ضوء ما سبق، يقدم كتناشو طريقة قياسيَّة للإجابة على سؤال: كيف نُطيع العهد القديم اليوم؟ تتلخص الإجابة في مراقبة نموذج المسيح في تعامله مع العهد القديم.

الفصل الرّابع: في البَدء خلق الله. يفتتح كتناشو الفصل بتوجيهه للشَّباب والآباء الذين يصارعون مع أسئلة الإلحاد. يتناول هذا الفصل تحدِّيَيْن من التَّحديات التي تظهر عند قراءة الفصل الأول من التَّكوين وهما: التّحدي العلميّ المرتبط بالعلوم الطبيعيَّة، فبين الإقرار بوجود خالق للكون أو إنكاره، تظهر عدَّة آراء ومدارس في نظريَّة الخلق والنُّشوء ما بين “خلقويو الأرض الفتية والمُسنَّة”[9] و”خلقويو التّطور والملحدين”.[10] تفرعت الآراء حول أسئلة عن عمر الأرض، وتاريخيّة آدم، والحيّة، وغيرها.[11] ويقدم كتناشو هنا التَّفسيرات السَّبع المطروحة لتفسير الأصحاح الأوّل من سفر التّكوين، وهي: نظرية الفجوة الزَّمنية، والمرحلتان، واليوم الإعلانيّ، واليوم الحرفيّ المتقطّع والمتسلسل، واليوم الرَّمزيّ،[12] وأخيرًا نظرية الإطار[13] -التي يعتمدها كتناشو ويقول بأرجحيتها- والتي تقول أنّ التّرتيب ترتيبٌ لاهوتيٌّ وليس زمنيًّا، وأنّ النّص يركّز على دور ما له أهمية، وليس على الكينونة الماديّة للخليقة. يؤيد والتون نظرية الإطار، ويرى أنَّ تكوين 1 يركّز على وصف وظيفة الكون حسبما عيّنها الله، بغض النّظر عن الكيفيّة التي خرج بها هذا الكون إلى حيز الوجود.[14] يشرح كتناشو التَّوازي بين أيام الخلق الأوّل والرّابع والثّاني والخامس والثّالث والسّادس، وكيف تقدم هذه القراءة فكرة تناسب الشّكل مع المضمون، فقبل أن يخلق الله أي كائنٍ، هيأ له ما يحتاجه. تفتح هذه النّظرية في رأينا أفقًا أوسع وغنى لاهوتيًّا أعمق، وهو ما يؤيده أيضًا يوجين هـ. ميلر في كتابه “العالم والكلمة.”[15] التَّحدي الثَّاني، التَّحدي الأركيولوچيّ، حيث دفعت زيادة الكشوف الأثريَّة لحضارات الشَّرق الأدنى بعضًا للتَّرويج لأسطورة نص التَّكوين عن سرديَّة الخلق التَّوراتيَّة، بل ذهب بعضٌ مثل فلهاوزن، إلى الادعاء بشبحيّة الآباء البطاركة، غير أن ك. أ. كيتشن في كتابه “مصداقيّة العهد القديم،” يناقش هذا الادعاء ويُفنِّده.[16] تقدَّم هذه الادعاءات عادة في إطار التّغافل عن أنَّ مفهوم الخلق في الشّرق الأدنى مرتبط بالدّور والعمل، وليس بالماديّة.

الفصل الخامس: العهد مع آدم. يستهل كتناشو الفصل بالجَدل حول آدم في هوشع 6: 7، إذ تتفرع الاحتمالات حول قراءة هذا النّص إلى ثلاثة احتمالات هي: مكان؛ البشر عمومًا؛ آدم سفر التّكوين. يُرجح كتناشو الاحتمال الأخير، وينتقل منه لسؤال آخر عن حقيقة آدم فيشرح التّيارات الأربعة المطروحة للإجابة عن هذا السّؤال، وهي: آدم شخصيَّة أسطوريَّة: يقبل هذا المنهج الخلق مع التّطور؛ آدم ليس بالضّرورة تاريخيًّا: في هذا المنهج، آدم نموذج للجنس البشريّ؛ آدم تاريخيّ: في هذا المنهج آدم هو أول مخلوق بشريّ، والإصحاحات من 1- 11 جزء من سرديّة الخلاص، ولا ضرورة للتّفسير الحرفيّ، والأرض ليست مُبكرة النّشأة، والتّشكيك في سرديّة آدم تشكيكٌ في سرديّة الخلاص والكتاب المقدّس؛ تاريخية آدم: في هذا المنهج آدم أول مخلوق بشريّ ولم يكن هناك بشرٌ قبله، وعمر الأرض مبكِّر، وكلمة يوم تعني 24 ساعة حرفيًّا. ويذهب كتناشو -ونوافقه الرأي- إلى دعم الرَّأي الثَّالث.

يفتح بعدها كتناشو الحديث عن عهد الله مع آدم، حيث أعطى الله آدم عالمًا وعملًا وعائلة. فعاش آدم الذي يعكس صورة الله مع الله وحواء يتمّم رسالته، وبسقوطه بدأت معاناة الخليقة كلها، فتدخل الله واضعًا العداوة بينه وبين الحيّة وبين نسله ونسلها، وبدأت النّعمة منذ اليوم الأوّل في انتظار ذاك الذي سيسحق رأسها ويهب الحياة. لكنَّ الآراء انقسمت حول تكوين 3: 15 إلى ثلاث فرق: النَّصُّ يتحدث عن مجموعات وليس أفراد؛[17] أفراد وليس مجموعات؛[18] أفراد ومجموعات. ويؤيد كتناشو ونحن الرّأي الثَّالث، ويقدِّم في هذا أربعة أسباب، هي: العداوة في النّص تنقسم إلى عداوة فرديّة وجماعيّة؛ حيث العداوة الأولى بين المرأة والحيّة، والعداوة الثانية بين نسلهما؛ النُّصوص الكتابيَّة التي تتحدث عن المخلص المستقبليّ في توافق مع تكوين 3: 15؛ تعليقات العهد الجديد على النّص مثل: يوحنا 8: 14؛ متى 23: 33 – رومية 6: 20؛ رؤيا 12.

الفصل السّادس: العهد من نوح. تُنشئ سرديّة الطّوفان جدلًا لثلاثة أسباب على الأقل، وهي: الفيضانات المُعاصرة والتزام الله بعهده مع نوح؛ معنى كلمة اِرتص ארץ هل تصف الكرة الأرضيّة أم جزءًا منها؟ علاقة العلم بالإيمان. في الأوساط المسيحيّة، لدينا اليوم أربع وجهات نظر حول الطّوفان: الطّوفان كان شاملًا وغطى الكرة الأرضيّة كلها؛ الطّوفان كان محليًّا، غطى قسمًا كبيرًا من الكرة الأرضيَّة؛ يستخدم سفر التّكوين لغة مبالغة لأهداف لاهوتيّة؛ سرديّة الطّوفان سرديّة لاهوتيّة لا علاقة لها بالتّاريخ. جدير بالذّكر أنَّه قد قدَّم والتن ولونجمان نظريّة توفيقيّة بين رأي العلم ونص الكتاب المقدس عندما قارنا طوفان نوح بطوفان أترا-حاسيس وجلجامش[19] واستنتجا أن طوفان نوح لم يكن مرتبطًا بالخطيّة فحسب، بل بالنّظام الإلهي وإعادة ترتيب الأرض التي فسدت بالمعصية وعودة النّظام الإلهي للسّيطرة.[20]وعليه، يرتبط العهد مع نوح بكل ما سبق، يمتد إلى الخليقة كلها.

يقدِّم كتناشو في هذا الفصل الجوانب اللّاهوتية المرتبطة بالعهد مع نوح وارتباطها بالمسيح في ثلاثة أوجه: قال الله لنوح 6: 13 إعلان دينونة البشريَّة؛ ذكر الله نوحًا 8: 1خلاص الله؛ بارك الله نوحًا 9: 1 بركة الله في الأرض الجديدة. يُظهر العهد الجديد التّرابط بين نوح والمسيح في متى 24: 37؛ لوقا 17: 22- 37؛ عبرانيين 11: 7 ويتعلّق هذا التّرابط بنجاة البشريّة وإعادة ترتيب الخليقة والبركة العهديّة. يعرض كتناشو في الخاتمة، لقضية تكوين 9: 21 عن حام وعورة أبيه، ويميل إلى تفسير الكشف والسَّتر عن تفسير سِفاح القُربى الذي تبناه ف. و. بَاسِت،[21] ونراه قد أصاب في هذا.

الفصل السّابع: العهد مع إبراهيم. يقدِّم كتناشو في مطلع هذا الفصل بعض الاستخدامات العصريّة لكلمة الإبراهيميّة، فيستعرض على سبيل المثال الاتفاقات الإبراهيميّة التي أبرمتها إدارة ترامب في 2020،[22] وقضية الدّين الإبراهيميّ التي أثارها شيخ الأزهر.[23] ولأهمية إبراهيم[24] الكتابيّة يقدِّم كتناشو نظرة مختلفة لإبراهيم من خلال ثلاث نقاط، هي: خلفيات ضروريّة: تظهر السرديّة في تكوين 1- 11 سرديّة البشريّة مع الله، التي اتّسمت بعلاقة غير جيدة بين الله والبشر، وبين البشر وبعضهم، وبسبب تلك العلاقة المكسورة دخل الموت واللّعنة إلى البشريّة، ثم يظهر الله ثانية في المشهد ليضع حدًّا للّعنة والموت؛ متطلبات عهديَّة: يتطور الحديث عن العهد الإبراهيميّ في تكوين 21، 15، 17، 22 ويقدَّم إبراهيم بوصفه حلًّا لمُشكلتي اللّعنة والموت في كلمتي البركة والنّسل. في طاعة الله، تحوّل إبراهيم إلى قناة ناقلة للبركة والحياة؛ نظرة مُستقبليّة: كانت المشيئة الإلهيّة أن يكون إبراهيم بركة لكل العالم، لكنه عقيم وابنه الوحيد على وشك أن يقدِّمه ذبيحةً (تكوين 22)، لذا يجب قراءة سرديّة إبراهيم في ضوء طفل الرّجاء الموعود به في تكوين 3: 15. الطفل هو بركة الشّعوب وهو الذي سيسترد بركة البشريّة وعلاقتها مع الله.

الفصل الثّامن: العهد مع موسى. لكي نفهم هذا العهد علينا أن ننتبه للسّياق التّاريخيّ والأدبيّ واللّاهوتيّ الأوسع، فالعهد الموسويّ ليس شرائع فحسب، بل يمثل دور الإيمان في الصراع السّياسيّ، وبناء مجتمعٍ عادلٍ، وإنصاف المظلومين، فأسفار موسى كلها وحدة واحدة تبدأ بالتّكوين حتى التّثنية موضوعها سرديّة الله مع شعبه وعهده معهم. جوهر العهد في خروج 19- 24 هو الوصايا العشر (مركز العهد الموسويّ)، ويظهر العهد الموسوي مرة أخرى في سفر التّثنية مع الجيل الثّاني، ولا يمكن أن يغفل القارئ وحدة أسفار موسى، حسب التّقسيم التُّساعيّ،[25] فيظهر آدم في بداية التّاريخ التُّساعي ونرى فشل شعب إسرائيل. ويظهر مرة أخرى في بداية أخبار الأيام الأوّل، حيث يُكتب التّاريخ من منظور الرجاء في الملك الآتي، ثم يظهر آدم في إنجيل لوقا وتتحقق الأحلام في كتابة التّاريخ مرة أخرى من منظور مجيء المسيح.

في اللّاهوت التَّثنوي الطّاعة هي طريق الثّبات في أرض الموعد وفي البركة الإلهيَّة، أما العصيان فيقود إلى السّبي. العبارة المركزيَّة لفهم العهد الموسويّ والكتاب المقدّس هي تثنية 6: 4- 5: «اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ.» يميز كتناشو سمات العهد الموسويّ إلى ثلاث سمات، هي: عهد ولاء: يطالبنا الله بالتّكريس الكامل له وحده. حقًّا، لو كان إسرائيل قد نجح في أن يكون أمّة مقدّسة وكهنوتًا ملوكيًّا لتغير شكل العالم! عهد إخاء: لا نستطيع فهم العهد الموسويّ بحصره بين الله والإنسان، بل يجب أن يشمل جميع العلاقات البشريّة. هذه قراءة بديعة، وتدعم بشدة دور المؤمنين والكنيسة في العالم. يتجلى هذا الدّور في تحدٍّ للكنيسة العربيّة المُمزقة بين براثن الاحتلال السّياسيّ والتّمييز الطائفيّ؛ عهد دماء: ارتبط خروج شعب الله من مصر بخروف الفصح، إذ صار الدّم علامةً امتدت بعدها إلى الذبائح (خروج 24: 8). فشلت إسرائيل، فزاغت البشريّة، لكن المسيح نجح وصنع بدمه غفرانًا للخطايا يُنادَى به في كلِّ الأرض. إذا نجحت الكنيسة في دورها المرسليّ للعالم، ستقود العالم إلى دم الحمل فتعبر عنه الدّينونة.

الفصل التّاسع: العهد مع موسى والنّبي المُستقبليّ. يقترح كتناشو -ونوافقه- أنّ سفر التثنية يرجو عهدًا مستقبليًّا، ويدعم رأيه بأنَّ: الصّورة النّهائية لأسفار موسى الخمسة تتضمن ترتيبًا لاهوتيًّا لغرض معين، فيه يرد ذكر التّوراة في بداية كل قسم من الأنبياء والكتب (يشوع 1: 7-8، 12؛ مزمور 1: 2)[26]. ينتهي التقسيم الماسوري بأخبار الأيام الثّاني وبانتظار أورشليم التي سيبنيها شخص مُنتَظَر بمعيّة الله، هكذا يظهر أن العهد القديم ينتظر شخصًا مستقبليًّا، الأمر ذاته في التقسيم المسيحيّ في نهاية نبوة ملاخي؛ الأقسام الشّعريَّة، تقدم الأقسام الشّعريّة محطة لاهوتية تتكاتف فيها المواضيع وتتطور لترشد القرّاء إلى الغاية المنشودة، وتلمِّح إلى شخصيّة ملوكيّة من سبط يهوذا ستحكم إسرائيل والأمم، وهو ما ربطه المفسّرون بالمسيح؛[27] الأقسام التّشريعيّة، الوصايا العشر (خروج 20: 1- 17) وصايا العهد (خروج 20: 22- 23: 33) وصايا الكهنوت (خروج 25؛ لاويين 16) وصايا القداسة (لاويين 17- 26). يلعب سفر التثنية دورًا مركزيًّا في فهم هذه الوصايا عندما يتحدث عن أن أهم وصيّة هي أن تحب الرب إلهك من قلبك (تثنية 6: 4- 5)، وتُظهر أسفار موسى فشل الشّعب في حفظ العهد مع الله، أي حفظ محبّته.

يقدّم كتناشو بعدها، النّموذج الموسويّ بوصفه طريقة الوصول إلى محبّة الله الكاملة من خلال فحص النّص في تثنية 18، حيث يوزِّع الله السلطة على أربع فئات: القضاة، لنشر العدالة؛ الملوك، لتجسيد سلطان الله على الأرض؛ الكهنة، ليكونوا وسطاء بين الله وشعبه؛ الأنبياء، للتواصل مع الشعب وتعليمهم.  المُلاحظ هنا، أن موسى وحده كان يمتلك كل تلك السُّلطات، التي وزِّعت بعد موته. يعرض كتناشو لتفسير نص تثنية 18: 15- 22، الذي يتحدث عن النّبي المستقبليّ، فيتناول التّفسير الإسلاميّ، والتَّفسير اليهوديّ، والتّفسير المسيحيّ، الذي يفهم هذا النبوّة بوصفها نبوّة عن المسيح.

الفصل العاشر: العهد مع داود. باختصار، يقدِّم كتناشو في هذا الفصل داود النّموذج الجلي للمسيح. داود هو أعظم وأهم ملك في العهد القديم، وهو مرجعيّة لا يمكن الاستغناء عنها لفهم النّظام الملكي لشعب إسرائيل، ولإدراك أهميّة الملك الدّاوديّ في خطة الله. يقول كتناشو في هذا الفصل إن تطوّر مفهومنا للعهد قد تطوّر من علاقة الله مع آدم وحواء ونسل المرأة الذي سيسحق رأس الحيّة، إلى نوح والخليقة الجديدة التي تخرج من الدّينونة، ثم إبراهيم وبركة الأمم في نسله، إلى موسى والذّبيحة التي ستجعل الإنسان مقبولاً أمام الله، إلى وضوح أكبر في الملك الدّاوديّ، الصّورة التي تحققت في شخص ربنا يسوع المسيح الذي يلقبه العهد الجديد بابن داود. التّطور الحادث في العهد الدّاوديّ يجعل الصّورة والرّبط مع نصوص العهد الجديد أكثر وضوحًا وتطبيقًا في شخص المسيح.

الفصول الحادي عشر إلى الثّالث عشر: السّبي والعودة من السّبي. في الفصول السَّابقة تناول كتناشو أهم محطات العهد القديم وقسّمها إلى سبع محطات هي آدم، نوح، إبراهيم، موسى، داود، وهنا يتحدث عن آخر محطتين وهما السّبي والعودة من السّبي. جادل كتناشو أن هذه المحطات ترتبط بالمسيح. واستعرض كتناشو في هذا الجزء من الكتاب السَّبي الآشوريّ وسقوط السّامرة وأهم الأحداث في الفترة الآشوريَّة والبابليَّة، وناقش نبوءة إشعياء عن عمانوئيل، وتحقيق الحلم الدّاوديّ، ومصير صهيون، والشخصيّة الدّاوديّة واختلاف المفسرين حول تحديد هوية عمانوئيل وأمه؛ ويظهر كتناشو أن الإيمان الذي يجسده عمانوئيل هو طريق الأمان والإرساليّة التي تقود إلى العلاقة الصحيحة مع الرّب ومع الواقع من حولنا، فيجب أن نتجنب حصر منظورنا في نطاق الجرائد والإعلام وحديث السياسيين. وعن السّبي البابليّ وسقوط أورشليم التي ربطها كتناشو ببراعة واختبار يتفق مع مُعاصرٍ من قلب الحدث، بنكبة فلسطين عام 1948 و1967 رغم عدم تطابق سرديّة الكتاب المقدّس مع سرديّة الشّعب الفلسطيني المُعاصر، إلّا أنَّه ثَمَّ تشابه يشكل مساحة لاهوتيةّ خصبة للتفكير اللّاهوتيّ. يعرض كتناشو في هذا الجزء إلى الأباطرة البابليين وترحيب يهوذا بهم في البداية من مبدأ عدو عدوي صديقي، ثم يتحدث عن سقوط أورشليم. ويجادل كتناشو -ونوافقه الرَّأي- أنَّ التّسلسل التّالي: إبراهيم، الحصول على الأرض، الشخصيّة الدّاوديّة التي ترعى الشعب في مرعى جيد، والقيامة؛ تتكرر مرة أخرى بالتّسلسل ذاته في إنجيل يوحنّا الفصول 8- 11 يؤكد هذا لنا أن السيد المسيح هو هذه الشخصيّة ومن خلاله تتأسس مملكة أبديّة تمتد في كل الأرض.[28]

خُلاصة

هذا كتابٌ عربيٌّ، بقلمٍ عربيٍّ، من رَحِمِ مُعاناةٍ عربيّةٍ؛ هذا كتاب أقرب إليك من جِلْدِك، فهو خارج من واقعنا ليُجيب على تحدياتنا، ويمُد يدَ العون لكل أبٍ وأمٍّ أو شابٍّ تائه بين إيمانه وقوميته. ربط العهد القديم مع المنظور المسيحيّ والسّياق العربيّ المعاصر من منظور فلسطينيّ، أفاد القارئ العربيّ الذي يواجه أسئلة تتهم العهد القديم أنَّه الذَّريعة التي شرعنت سلب الأرض والحقوق، ويضعه في خيار صعب أن يتخلى عن قوميته أو إيمانه. من هذا المعترك خرج كتناشو بمنظومته الخاصّة لقراءة العهد القديم من خلال نموذج المسيح، والتّمييز بين الفهم الأضيق والفهم الأوسع للوصيّة. صيغَ الكتاب بلغة بسيطة لا تُهمل الأكاديميّة ولا تُفرط فيها فتفصله عن المتلقي غير الأكاديميّ. لا يحتاج الأمر لجهد لتكتشف أنك أمام أستاذ بارع متمرّس، فلغة الكتاب بسيطة بساطة الوعظ، رصينة رصانة الأوراق البحثيّة، وهذه مهارة لا تتأتى إلا لمخضرمٍ. هذا الكتاب يعكس هوية مؤلفه، المُحاضر، الباحث، الأكاديميّ، القّس، الرّاعي، المُناضل الحقوقيّ، القارئ السّياسيّ، الذي استطاع بمهارة أن يصل إلى أكبر شريحة من القراء، ربما لأنه يكتب أول كتاب مقدمات للعهد القديم مشحون بقلم أكاديميّ بارع، وعاطفة راعٍ يئنُّ على رعيته.

إحدى أبرز نقاط القوّة في هذا الكتاب، هي توجيه وربط العهد القديم مع العهد الجديد، بحيث يقودنا إلى المسيح مباشرة. يقودك كتناشو طيلة الكتاب عبر كلِّ الأبواب ليوقفك مباشرة أمام المسيح، الهدف، الغاية، الوسيلة، السَّبيل، الحلّ، الخلاص، الاسترداد، الأبديّة. وكأنّه يكرِّر بأعلى صوته شعار الإصلاح الإنجيليّ “المسيح وحده.. المسيح وحده”، ويردد مع بولس الرّسول: “لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا.” (1كورنثوس 2: 2). كما أنَّه على بساطة الكتاب وصغر حجمه، إلّا إننا لا نستطيع أن نخفي إعجابنا بالمسح الأكاديميّ الرّائع الذي غطاه بمهارة الكاتب في الكتاب، حيث يظهر سعة اطلاعه على الدِّراسات العديدة الحديثة والقديمة المرتبطة مع موضوع الكتاب الواسع، إذا تُغطي لائحة المراجع الدِّراسات خلال 40 عامًا من 1982 حتى 2022، وهذا أمر لا يطيقه إلّا الخبراء، ولا يخفى عليك من مجرد نظرة إلى لائحة المراجع.

تجربة توسيع النّظرة اللّاهوتيَّة لمسيحيّي الوطن العربيّ من خلال النّموذج الفلسطينيّ، تُعدُّ نموذجًا يُحتذى به. فليس المسيحيّ الفلسطينيّ وحده الذي يحتاج إلى أن يُوجِدَ آليةً لفهم وطاعة العهد القديم في سياقه العربيّ. إنّ المسيحيين المصريين -على سبيل المثال- يحتاجون لتطوير نموذج شبيه، يُصالح القوميّة المصريّة مع نصوص العهد القديم التي تُجافي المصريين القدماء، وتَصُفُّهم في مَصَافِ الجبابرة العُتاة، فالمسيحيّ المصريّ مشدودٌ بين انتمائه لمصريّته وحضارة أجداده التي يُحاكي بها العالم كلّه، وحادثة الخروج والضّربات العشر، فإلى أي صفٍّ تراه يقف؟!

لائحة المراجع

أدرنلي، باسم. “هل كناية ’العهد القديم‘ تعبير سليم؟” على الرابط التالي:

https://www.linga.org/varities-articles/MTEwMTQ.

بيان هيئة البحوث الإسلاميّة بشأن “الدّيانة الإبراهيميّة” منشور على موقع الأزهر:

https://www.azhar.eg

صبّاح، ميشيل. قراءة الكتاب المقدّس اليوم في أرض الكتاب المقدَّس. القدس: دار الكلمة، 1993.

عتيق، نعيم. الصّراع من أجل العدالة: لاهوت التّحرر الفلسطينيّ. فلسطين: دار الكلمة، 2012.

قسيس، رياض. فكر أم كفر؟ نظرية التّطور في الميزان. بيروت: دار منهل حياة 2021.

كتناشو، حنّا. لماذا أقرأ العهد القديم. أُطلع عليه في 10 مايو 2024. منشور في:

https://www.comeandsee.com/ar/post/3002068.

_______. إنجيل يوحنا بنظرة مختلفة. فلسطين: كلية لاهوت النّاصرة، 2017.

كيتشن، ك. أ. مصداقية العهد القديم. القاهرة: بناريون، 2019.

ميلر، يوجين. العالم والكلمة. القاهرة: ElS رابطة الإنجيليين، 2022.

 

Barret, Matthew and Ardel Caneday eds. For views on the historical Adam. Grand Rapids: Zondervan, 2013.

Basset, F. W. “Noah’s nakedness and the curse of Canaan. A case of incest?”. VT 21 (1971): 232–37.

Bruce, F. F. Understanding Biblical Criticism. Nashville: Kingsley, 2017.

Cole, R. Numbers. The new American commentary 3B, Nashville: Broadman & Holman publisher, 2000.

Collins, C. John. “A syntactical Notes (Genesis 3: 15): Is the woman’s seed singular or plural?” Tyndale Bulletin 48 (1997): 139- 148.

_____________. “Adam and Eve as Historical People, and Why It Matters.” Perspectives on Science & Christian Faith 62.3, 2010.

Dempster, Stephen. “Canons on the Right and Canons on the Left: Finding a Resolution in the Canon Debate”. Journal of Evangelical Theological Society 52 (2009): 47-77.

Edwards, James. “What’s in a Name?”. Christianity Today 43 (1999): 59-61.

Gignilliat, Mark. A Brief History of Old Testament Criticism. Grand Rapids: Zondervan, 2012.

Krause, Joachim. “The book of the Torah in the so called Deuteronomistic history”. zeitscchrift fÜr die alttestamentliche wissenschaft 127 (2015): 412-428.           

Leupold, H. C. Exposition of Genesis. Grand Rapids: Baker, 1942.

Levine, Amy-Jill. “What is the Difference Between the Old Testament, the Tanakh, and the Hebrew Bible?,” n.p. (cited 27 Apr 2024). Online: https://www.bibleodyssey.org/en/tools/bible-basics/what-is-the-difference-between-the-old-testament-the-tanakh-and-the-hebrew-bible.

McCabe, R. V. “A Critique of the Framework interpretation of the creation week”. in: Coming to grips with Genesis: Biblical Authority and age of the earth: 49- 211.

McDonald, Lee and James Sanders. The Canon Debate: On the Origins and Formation of the Bible. Peabody: Hendrickson, 2002.

Ross, H. A Matter of Days: Resolving a Creation Controversy. Colorado Springs, CO: Navpress, 2004.

Soulen, Richard and Kendall. Handbook of Biblical Criticism. Fourth Edition, Louisville: Westminster John Knox Press, 2011.

Stanley, Andy. Irresistible: Reclaiming the New that Jesus Unleashed for the World. Grand Rapids: Zondervan, 2018.

Terry, Mortenson ed. Searching for Adam: Genesis & the Truth About Man’s Origin. New Leaf Publishing Group, 2016.

Vos, Geerhardus. Biblical Theology: Old and new Testaments. Carlisle: Banner of Truth, 1975.

Walton, John and Tremper Longman. The lost world of the flood. Downers Grove: IVP, 2018.

[1] في هذه الدِّراسة مثلًا، يطرح ستانلي اقتراحًا يدعم القطيعة بين العهد القديم والعهد الجديد

Andy Stanley, Irresistible: Reclaiming the New that Jesus Unleashed for the World (Grand Rapids: Zondervan, 2018).

[2] يُعد أشهرها كتاب أبي عيسى الورَّاق، والذي تصدى له في القرن التّاسع اللّاهوتيّ العربيّ يحيى بن عَدِي، وكتاب أبي القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الرَّسي، نشرته دار الآفاق العربيّة، من تحقيق إمام حنفي عبد الله، والجواب الصّحيح لمن بدّل دين المسيح لابن تيمية، والأجوبة الفاخرة للأسئلة الفاجرة للقرافي، وغيرها.

[3] للمزيد عن علوم النّقد النّصي، راجع:

  1. F. Bruce, Understanding Biblical Criticism (Nashville: Kingsley, 2017); Mark Gignilliat, A Brief History of Old Testament Criticism (Grand Rapids: Zondervan, 2012); Richard Soulen and Kendall Soulen, Handbook of Biblical Criticism (Fourth Edition, Louisville: Westminster John Knox Press, 2011).

[4] للمزيد عن الجدل حول القانونيّة، راجع:

Stephen Dempster, “Canons on the Right and Canons on the Left: Finding a Resolution in the Canon Debate,” Journal of Evangelical Theological Society 52 (2009): 47-77; Lee McDonald and James Sanders, The Canon Debate: On the Origins and Formation of the Bible (Peabody: Hendrickson, 2002).

[5] للمزيد راجع: باسم أدرنلي، “هل كناية ’العهد القديم‘ تعبير سليم؟” على الرابط التالي:

https://www.linga.org/varities-articles/MTEwMTQ.

[6] للمزيد حول هذا الأمر، راجع:

James Edwards, “What’s in a Name?,” Christianity Today 43 (1999): 59-61; Amy-Jill Levine, “What is the Difference Between the Old Testament, the Tanakh, and the Hebrew Bible?,” n.p. (cited 27 Apr 2024). Online: https://www.bibleodyssey.org/en/tools/bible-basics/what-is-the-difference-between-the-old-testament-the-tanakh-and-the-hebrew-bible.

[7] للمزيد راجع مقال كتناشو بعنوان: لماذا أقرأ العهد القديم، وهو في الأصل حوار مع القس نعيم عتيق. منشور في:

https://www.comeandsee.com/ar/post/3002068.

اطُّلِع عليه في 10 مايو 2024.

[8] للمزيد حول إساءة الاستعمال السّياسيّ للكتاب المقدّس، راجع:

نعيم عتيق، الصّراع من أجل العدالة: لاهوت التحرر الفلسطينيّ (فلسطين: دار الكلمة، 2012)، 78- 94؛ ميشيل صبّاح، قراءة الكتاب المقدّس اليوم في أرض الكتاب المقدس (القدس: دار الكلمة، 1993) تحت عنوان: “تحرير التّوراة من كل استغلال سياسيّ”.

[9] H. Ross, A Matter of Days: Resolving a Creation Controversy (Colorado Springs, CO: Navpress, 2004).

[10] انظر الشَّكل التَّوضيحيّ في: يوجين ميلر، العالم والكلمة (القاهرة: Els رابطة الإنجيليين، 2022) ط2، 267.

[11] Matthew Barret and Ardel Caneday, eds. For views on the historical Adam (Grand Rapids: Zondervan, 2013); Mortenson, Terry, ed. Searching for Adam: Genesis & the Truth About Man’s Origin. New Leaf Publishing Group, (2016); Collins, C. John. “Adam and Eve as Historical People, and Why It Matters.” Perspectives on Science & Christian Faith 62.3 (2010).

[12] للمزيد راجع: رياض قسيس، فكر أم كفر؟ نظرية التّطور في الميزان (بيروت: دار منهل حياة 2021).

[13] للاطلاع على نقد لنظرية الإطار من منظور أصحاب نظرية الأرض الفتيّة، راجع:

  1. V. McCabe, “A Critique of the Framework interpretation of the creation week”, in: Coming to grips with Genesis: Biblical Authority and age of the earth, 49- 211.

[14] يوجين ميلر، مرجع سابق، 268 حاشية رقم 66.

[15] المرجع سابق، 267- 269.

[16] لتفصيل أكثر لرأي كيتشن راجع: كيتشن، مصداقيّة العهد القديم (القاهرة: بناريون، 2019)، 529- 626.

[17] للمزيد حول وجهة النظر هذه، راجع مثلًا:

  1. C. Leupold, Exposition of Genesis (Grand Rapids: Baker, 1942), 70-163; Geerhardus Vos, Biblical Theology: Old and new Testaments (Carlisle: Banner of Truth, 1975), 41-44.

[18] للمزيد حول وجهة النّظر هذه، راجع مثلًا:

  1. J. Collins, “A syntactical Notes (Genesis 3: 15): Is the woman’s seed singular or plural?” Tyndale Bulletin 48 (1997), 139- 148.

[19] يركز مؤيدو الرأي الأسطوري لتكوين 1- 11 على أوجه الشبه بين أساطير الشّرق الأدنى وسرديّة الخلق، غير أن الاختلاف تبدو أكثر من التّشابهات، وهذا ما استعرضه يوجين هـ. ميلر مثلًا عن المقابلة بين سرديّة الخلق وأسطورة إنوما إليش، في: يوجين ميلر، مرجع سابق، 264.

[20] John Walton and Tremper Longman, The lost world of the flood (Downers Grove: IVP, 2018).

[21] F. W. Basset, “Noah’s nakedness and the curse of Canaan. A case of incest?” VT 21 (1971): 232–37.

[22] الاتفاقيات الإبراهيميّة أو اتفاقيات إبراهيم (بالعبريّة: הסכמי אברהם) (بالإنجليزية: Abraham Accords)‏ ويُشار إليها أيضًا باسم اتفاق إبراهيم أو الاتفاق الإبراهيميّ؛ اسم يُطلق على مجموعة من اتفاقيات السلام التي عُقِدت بين إسرائيل ودول عربيّة برعاية الولايات المتّحدة. استخدم الاسم أوّل مرة في بيان مشترك لإسرائيل والإمارات العربيّة المتّحدة والولايات المتّحدة، صدر في 13 أغسطس 2020، واستخدم لاحقًا للإشارة بشكل جماعيّ إلى اتفاقيات السّلام الموقعة بين إسرائيل والإمارات العربيّة المتّحدة وبين إسرائيل والبحرين. كانت هذه هي المرة الأولى التي توقع فيها دولة عربيّة اتفاقيّة للسّلام مع إسرائيل منذ أن وقع الأردن اتفاقية للسّلام مع إسرائيل عُرفت باسم معاهدة السّلام الأردنيّة الإسرائيليّة عام 1994.

[23] بيان هيئة البحوث الإسلاميّة بشأن “الدّيانة الإبراهيميّة” منشور على موقع الأزهر:

https://www.azhar.eg

[24] الذِّكر الوحيد غير الكتابيّ المقترح عن إبراهيم في القائمة الطبوغرافيّة (71- 72) التي لشيشنق الأول ملك مصر في 925 ق.م. والتي تذكر ما يمكن قراءته على النحو التالي: “منطقة أبرام”، وهي قراءة مقبولة على نطاق واسع. كيتشن، مرجع سابق، 529.

[25]  التّقسيم التّساعي هو: (5 موسى + يشوع + قضاة + صموئيل + ملوك).

[26] يدعم جواشيم كراوس هذا الرأي في:

Joachim Krause, “The book of the Torah in the so called Deuteronomistic history”, zeitscchrift fÜr die alttestamentliche wissenschaft 127 (2015), 412-428.

[27] للمزيد حول هذا الربط، راجع:

  1. Cole, Numbers (The new American commentary 3B, Nashville: Broadman & Holman publisher, 2000), 426.

[28] كتناشو، إنجيل يوحنا بنظرة مختلفة (فلسطين: كلية لاهوت النّاصرة، 2017)، 65 – 69.

هل إله العهد القديم مختلفٌ عن إله العهد الجديد؟

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب:د. القس نصرالله زكريا

منذ فترة قصيرة مضت، شاهدت في مقطعٍ مُصوَّر على بعض صفحات السوشيال ميديا، فتاةً عشرينيّة، تُمزق كتب العهد القديم، وتُردد بفخرٍ: “لا يُشرفني العهد القديم، أنا لا أعرفُ ولا أعترفُ بإله العهد القديم! إله الغضب والانتقام والقسوة الذي لا يعرِفُ المحبة والرحمة، إني أعبدُ إله العهد الجديد، إله المحبة والرأفة، الذي لا يعرِف العنف، إلهي يسوع”، ثم أخذت تُردِّد: “أنا إلهي ليس قاتلًا”. والرائع أن هذا المقطع أثار الامتعاض والرفض من كثيرين من الناس على اختلاف أديانهم وانتماءاتهم.

لقد استرجع مشهد تلك الفتاة، ما كنتُ قرأته سابقًا عن مارسيون[1] Marcion of Sinope ذلك الشخص الذي اهتم بمشكلة الشرّ الذي يملأ العالم، فاعتقد أنَّ مُسبّب ذلك الشرّ والمسؤول عن الكوارث في العالم هو إله العهد القديم لأنَّه إله غاضب، منتقم، مرعب ومخيف، إنَّه إله النار والشرّ، كما إنَّه إلهٌ عُنصري، يختص بأمةٍ واحدة هي الأمة اليهوديّة، وهو بذلك يختلف كل الاختلاف عن إله العهد الجديد الذي أظهره السيد المسيح بأنَّه إله المحبة والرأفة، الذي يصفح عن الذنبِ ويغفرُ الإثم والمعصية، الذي لا يفرق بين أمةٍ وأخرى، الإله الذي يقبل كل العالم. ونتيجة لإيمانه هذا، رفض مارسيون أسفار العهد القديم، وأي كتابات في العهد الجديد تتشابه مع العهد القديم. وأمام هذه الأخطاء اللاهوتيّة اعتبرت الكنيسة مارسيون هرطوقيًّا وحكمت بعزله وطرده منها في عام 144م[2]. وقد تأثر بفكرِ مارسيون نفرٌ قليلٌ منهم أدولف هارنك Adolph Harnack، وغيره، كما تعددت الأسئلة التي منها: في العهد القديم، يبدو الله منشغلًا بالعدالة والقصاص، بينما يبدو العهد الجديد أكثر توجهًا نحو المغفرة والمصالحة. فهل تغيَّر الله من عهدٍ إلى آخر؟ وإنْ كان الله واحدًا، فما لزوم وجود عهدين لله الواحد، أحدهما يُطلق عليه “العهد القديم“، والأخر يُطلق عليه “العهد الجديد“؟ ألا يبدو أنَّ لله شخصيتين مختلفتين باختلاف العهدين؟ في العهد القديم تظهر عنصريّة الله عندما يختار شعبًا واحدًا دون شعوب الأرض، ويأمرهم بالاستيلاء على أراضي الأمم، وارتكاب جرائم إبادة جماعيّة وقتل الأطفال والنساء، في حين نراه في العهد الجديد، يُرسِل ابنه لأجل العالم أجمع، ويشجع تلاميذه ليس على عدم القتل فحسب، بل على عدم العنفِ، ويُعلنها صراحة قائلًا: «لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ» (لوقا 19: 10). وهكذا نرى كثيرًا من الأسئلة التي تدور في فلك هذا الموضوع، وفي هذه الدراسة سنستعرض بعضًا من الحقائق والردود لعلنا نجد فيها إجابةً ومأربًا وتصحيحًا لتلك المفاهيم المغلوطة.

مفهوم العهد، والمعنى من استخدام لفظتي “قديمٌ” و”جديدٌ

بادئ ذي بدءٍ، تُطالعنا في صدر الكتاب المقدس في اللغة العربيّة عبارة: “الكتاب المقدس أي كتب العهد القديم والعهد الجديد”، ورُبّ قائل يقول: إنَّ المقصود بهذه العبارة أنَّ الكتاب المقدس جزآن، يُسمى أولهما، العهد القديم لأنَّ موضوعه العهد الأول، عهد الناموس، وثانيهما، العهد الجديد لأنَّ موضوعه العهد الثاني، عهد النعمة. وإن كانت هذه العبارة غير مقصودٍ بها التعبير عن “عهدٍ Covenant“، بما تحمله الكلمة من معنى، لكنَّ تلك العبارة تأتي في اللغة الإنجليزيّة “New & Old Testament“، وهي لا تُشير إلى وجود عهدين كما يُفهم من التسمية العربيّة المتداولة، بل عهدٌ واحدٌ له وصاياه القديمة والجديدة.

إنَّ التسميّة الصحيحة للأسفار من “التكوين إلى ملاخي”، كما جاءت في الأصل العبري هي تواره، ويقصد بها أسفار موسى الخمسة، و”الأنبياء[3]“، ويُقصد بها أسفار الأنبياء الأولين والمتأخرين، و”الكتب”، ويُقصد بها الأسفار الشعرية. وقد أقرّ السيد المسيح هذه التسميات وأكَّدها في (لوقا 24: 27، 44، 45) وأطلق الرسول بولس على هذه الأسفار تعبير “الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ” (2تيموثاوس 3: 15-16).

أمّا التسمية الصحيحة للأسفار من “متى إلى سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي”، فهي تنقسمُ إلى: ]الإنجيل، سفر الأعمال، الرسائل، سفر الرؤيا[، ويخطئ مَنْ يظُن أنَّ الإنجيل كتابٌ مسطرٌ، بل الصحيح أنَّ الإنجيل هو عملٌ إلهيٌّ حاسمٌ، قام به الله في زمنٍ محددٍ، ومكانٍ محددٍ، وحياةٍ محددةٍ لفداء البشر ولخلاصِهم[4]، فكلمة “إنجيل” لفظة يونانيّة تعني الخبر السار، هذا الخبر الذي أعلنه يسوع المسيح من خلال حياته وصلبه، وموته وقيامته.

أمَّا “العهد”، فهو اتفاقيّة تُبرم بين طرفين، وتعتمد على شروط وجزاءات يُتَّفَق عليها، ويُعتَبَر العهد لاغيًا إذا أخلَّ أحد الطرفين بشروطه، ويتعرض تبعًا لذلك للجزاءات والعقاب المنصوص عليها في العهد، وقد استخدمت كلمة “عهد”، لتصف تلك العلاقة الفريدة والمميزة بين الله والإنسان، وهما طرفان غير متساويين، فالله وهو الطرف الأول يملك كل شيء، والإنسان الطرف الثاني لا يملك أي شيء، وبطبيعة الحال لا يمكن للطرف الثاني أن يُملي شروطًا خاصة على الطرف الأول، ومع ذلك نجد أنَّ الله هو الذي يأتي طالبًا الدخول في ذلك العهد وتلك العلاقة مع الإنسان، وهو ما أضفى على كلمة “العهد” دلالة خاصة وعمقًا لا يتخيله إنسان. وقد أكَّدَ علماء اللاهوت العهدي[5] على ثلاثة عهودٍ، يأتي في مُقدمتها:

أولًا: “عهد الفداء”، ذلك العهد الذي قطعه الله مع ابنه، قبل الأزمنة الأزلية، وهو يختص بفداء الله للإنسان، حيث يتعين على الله الآب في هذا العهد أن يرسل ابنه فداءً، وكفارة عن خطايانا ومنحنا “الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، الَّتِي وَعَدَ بِهَا اللهُ الْمُنَّزَهُ عَنِ الْكَذِبِ، قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ” (تيطس 1: 2). هذه الحياة التي فشل آدم في الحصول عليها حينما قُدمت له خلال عهد الأعمال. وقد كان الوعد بالحياة الأبديّة، وبفداء الإنسان سرًّا مكتومًا منذ الدهور في الله (أفسس 3: 9، رومية 16: 25). وحينما جاء الوقت المعيَّن لإعلان هذا السرّ، تجسد ابن الله مُخليًا “نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ” (غلاطية 4: 4، فيلبي 2: 5-11). وإذ يرى بعض العلماء أنَّ عهدَ الفداء بكماله يشتمل على صورتين: أولاهما، تلك التي تصف العلاقة بين الله والمسيح وتُسمَّى “عهد الفداء”، وهنا نرى المسيح أحد طرفي العهد، وثانيتهما، تصف العلاقة بين الله وشعبه وتُسمَّى “عهد النعمة”، والمسيح في هذه الصورة هو وسيط وضامن العهد، على أنَّ الأصل في هذين العهدين هو عهد الفداء المبني عليه عهد النعمة.

ثانيًا: “عهد النعمة”، وهو العهد الذي يصف العلاقة بين الله وشعبه، وهو واسطة لإتمام عهد الفداء، وعلى أساس هذا العهد تم خلاص البشرِ منذ آدم، أول إنسانٍ وإلى نهاية التاريخ، إلا أنَّ هذا العهد تتغير صورته المنظورة وتتدرج طبقًا للعصور الإنسانيّة المختلفة، ولقد ميَّز علماء اللاهوت بين الصور المختلفة لهذا العهد رغم وحدته وقسموها إلى أربعة أنظمة:

  • العصر الآدمي نسبة لآدم، وهذا العصر يبدأ من آدم وينتهي بإبراهيم، وفي هذا العصر كان وعد الله بالخلاص قائلًا: “وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَه” (تكوين 3: 15) وقد توقع البشر خلاص الله طبقًا لوعده هذا.
  • العصر الأبوي، ويبدأ هذا العصر بدءًا من دعوة إبراهيم وحتى إعطاء الناموس في سيناء، وفي هذه الفترة نرى عهد الله مع إبراهيم، الذي دعاه الله ليُكوِّن شعبًا خاصًّا له، ولقد أعلن الله في هذه الفترة عن مجيء المخلِّص -الموعود به قبلًا- من سبط يهوذا، قائلًا: “لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ” (تكوين 19: 10).
  • العصر الموسوي، ويبدأ هذا العصر بدءًا من إعطاء موسى الناموس حتى صلب المسيح. وكان على الشعب في هذا العصر طاعة الناموس، وإدراكًا من الله بأنَّ الإنسان لا يمكنه حفظ الناموس دبَّر له الذبائح كوسيلةٍ للتكفير عن خطاياهم وسقطاتهم، على أنَّ الله أظهر للشعب في أثناء هذه المرحلة، أنَّ هناك مخلصًا سوف يأتي (تثنية 18: 15)، وأنَّ عهدًا جديدًا سوف يتمتعون به حين تصبح الشريعة داخل قلوبهم، وتتحول القلوب من الصورة الحجرية إلى الحالة اللحمية (إرميا 31: 31- 43، حزقيال 36: 26) هذا العهد مبني على وعود الله ورحمته وسوف يكون صانع هذا العهد هو “عبد الربَّ“، الذي يشير إليه ويصفه النبي إشعياء (52، 53) وهكذا يتدرج ويتطور مفهوم العهد، والعلاقة بين الله وشعبه.
  • العصر الإنجيلي، ومدته من المسيح وإلى نهاية العالم وفي هذا العصر قد أعلن الإعلان النهائي والكامل عن ذلك العهد الذي كان قبل أن يكون العالم، والذي جاء المسيح لكي يظهره في صورته النهائية ويضع بذلك طريقًا حيًّا للوصول إلى الله الآب (يوحنا 14: 6، عبرانيين 10: 19-20)، وفي هذا العصر أرسل الروح القدس للتبكيت على خطية وعلى برٍّ وعلى دينونة (يوحنا 16: 8) وهذا العصر يمتد إلى نهاية الدهر (متى 28: 20) ولا يوجد في الكتاب المقدس ما يدل على أن هذا العصر يُبدَّل بعصر جديد أفضل منه. وقد أكَّد المسيح والرسل على قبولهم نصوص ما يُطلق عليه “العهد القديم”، فيقول المسيح: “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ” (متى 5: 17). وهو ما يشرحه الرسول بطرس في عظته (أعمال 2: 14-36)، ويؤكده الرسول بولس في رسالته إلى أهل كنيسة غلاطيَّة (3: 1-5: 1)، وأخيرًا يُعلنها صراحة أنَّ “كُلّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ انْسَانُ اللهِ كَامِلًا، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ” (2تيموثاوس 3: 16-17).

ثالثًا: “عهد الأعمال”، وهو العهد الذي تمَّ بين الله وآدم رأس الخليقة على شرط الطاعة الكاملة، وقد كان هذا العهد في صورة وعدٍ قدَّمه الله لآدم بالحياة، وهذا الوعد يحتوي على شرطٍ محدَّدٍ، وهو النهي عن الأكل من شجرة معرفة الخير والشر، كما يحتوي على قصاصٍ معروف، هو الموت حال نقض الإنسان للعهد، وقد كانت الأعمال هي الميزة الواضحة لهذا العهد. ويأتي نص هذا العهد كما سجَّله لنا الوحي: “وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ قَائِلًا: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلًا، وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ»” (تكوين 2: 16-17)، ومن المعروف أن آدم لم يحفظ هذا العهد بل سقط وأكل من الشجرة المنهي عنها (تكوين 3: 6) وهكذا انتهى هذا العهد وسقط.

ومن المهم أن نتذكّر أنَّ كل العهود المختلفة المذكورة في كلمة الله (مثال: العهد الذي قطعه الله مع نوح، إبراهيم، موسى، داود، العهد الجديد) كلها تطبيقات إمّا لعهدِ الأعمال أو عهد النعمة. كما أنَّه يجدُر بنا أن نُدرِك أنَّ هناك تطورًا في إعلان الله عن عهده الذي قطعه مع الابن، ذلك العهد المُسمَّى بعهد الفداء، هذا التطور الذي بدأ بصورة وعد مجيء المخلص، ثم بعهد مع أبي الآباء، ثم اختيار شعب، فأعطاه ناموسًا، ثم الوصول لوعدٍ بإعطاء عهدٍ جديدٍ (إرميا 31: 31-34)، ثم تكتمل الصورة بتجسُّد الابن المبارك ليعلن ذلك السر الذي كان مكتومًا في الله منذ الأزمنة الأزلية (أفسس 3: 9، كولوسي 1: 26، تيطس 1: 3).

ويمكننا أن نخلُص إلى أنَّ التمييز المشهور بين العهد القديم والعهد الجديد إنما يشير إلى نظامين -هما الموسوي والمسيحي- لعهدٍ واحد وهو ما يُسمَّى “العهد الجديد، عهد النعمة” تمييزًا له عن العهد القديم، عهد الأعمال الذي نُقِضَ وانتهى. وفي هذا العهد الجديد بنظاميه سواء الموسوي أو المسيحي، يُشترط فيه الإيمان للخلاص، وهذا يجعلنا لا نتفاخر على أناس النظام الموسوي واصمين إياهم بأنّهم أناس العهد القديم، لأنَّهم هم أيضًا داخل إطار العهد الواحد، عهد النعمة، عهد الفداء، عهد محبة الله. وهكذا عندما تجسَّد ابن الله، لم يكن تجسُّده افتتاحًا لعهد النعمة. بل تحقيق لوعوده، كما أنَّ النظام المسيحي ما هو إلاَّ إدارة جديدة لعهد النعمة ولكن دون رموز أو ظلال[6].

هل تغيَّر الله في العهد الجديد عنه في العهد القديم (واحديّة الله وعدم تغيّره)  

إنَّ مَن يطرحون فرضيّة أنَّ إله العهد القديم يختلف عن إله العهد الجديد، أو أنَّ الله تغيَّر في العهد الجديد عمَّا كان عليه في العهد القديم، يسوقون بعض المواقف التي تُظهِر غضب، وعنف، وقسوة وعنصريّة الله في معاملاته مع إنسان العهد القديم، بخلاف مواقفه التي تُظهِر اللطف والمحبة والغفران لإنسان العهد الجديد، فهل تغيَّر الله فعلًا، أم أنَّ هناك تفسيرًا لهذه الاختلافات؟

عندما نقتربُ لدراسة الكتاب المقدس في عهديه (القديم والجديد) دراسة متأنية، نكتشف أنَّ الوحي المقدس يُعلِن بكل بوضوح أنَّ الله واحدٌ لا يتغيَّر، هذا ما يؤكده قول الربِّ نفسه في سفر ملاخي، في العهد القديم، قائلًا: “أَنَا الرَّبُّ لاَ أَتَغَيَّرُ” (ملاخي 3: 6)؛ وهو ذات ما تُردده رسالة الرسول يعقوب، فنقرأ أنَّ الله “لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ” (يعقوب 1: 17؛ راجع أيضًا عبرانيين 13: 8). إنَّ إله الكتاب المقدس إلهٌ واحدٌ، إلهٌ عادلٌ رحيمٌ محبٌّ وغفور، إنَّه يتصف بنفس الصفات والطِّباع، سواء في العهد القديم أو العهد الجديد. وربما بقليلٍ من التروي في دراستنا الموضوعيّة لكتاب العهد الجديد نجد أنَّ الله يبدو أشد قسوة عما يُظهِره العهد القديم؛ كيف؟ دعونا في السطور التالية نناقش بعض الأمور ونستوضحها:     

أولًا: واحدية غضب وعدله الله وطول أناته في القديم والجديد

يبدو من القراءة السطحيّة للكتاب المقدس، أنَّ أسفار العهد القديم تُركِّز على غضب الله وعدله، بينما نرى أسفار العهد الجديد تُركِّز على محبة الله ورحمته، ممَّا يبدو للبعضِ أنَّ تغييرًا حدث في شخصيّة أو معاملات الله مع الإنسان، لكن حقيقة الأمر أعمق من ذلك بكثير.

إنَّ غضب الله ليس فورة غضبٍ، بل رد عادل على الخطية، وكل ما ينتهك قداسته. لقد بدأ غضب الله على الإنسان منذ أخطأ آدم فحُكم عليه بالموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس (رومية 5: 12)، إنَّ الإله الذي يسكب غضبه على الخطيئة في العهد القديم، هو نفسه الإله الذي سيصُبُّ جام غضبه على أولئك الذين لا يؤمنون بابنه يسوع، “إِذْ هُوَ عَادِلٌ عِنْدَ اللهِ أَنَّ الَّذِينَ يُضَايِقُونَكُمْ يُجَازِيهِمْ ضِيقًا، وَإِيَّاكُمُ الَّذِينَ تَتَضَايَقُونَ رَاحَةً مَعَنَا عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ الرَّبِّ يَسُوعَ مِنَ السَّمَاءِ مَعَ مَلاَئِكَةِ قُوَّتِهِ، فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِينَ سَيُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ وَمِنْ مَجْدِ قُوَّتِهِ” (2تسالونيكي 1: 5-10). كما أنَّ الله الذي حَكَم بالموت على عخان بن كرمي في العهد القديم (يشوع 7: 19-26)، هو نفسه الإله الذي حَكَم بالموت على حنانيا وسفِّيرة في العهد الجديد (أعمال 5: 1-11)؛ وإذ كان الله في العهد القديم دمَّر سدوم وعمورة لأجل شرِّهما (تكوين 18: 20-23)، فهو نفس الإله الذي نطق في العهد الجديد على أورشليم قائلًا: “هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا!” ثم أكمل قائلًا: «أَمَا تَنْظُرُونَ جَمِيعَ هَذِهِ؟ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يُتْرَكُ هَهُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ!» (متى 23: 38؛ 24: 2). ويبقى الصليب أعظمَ تجلٍّ لغضب الله لم نشهده في العهد القديم، فكل الذين تعرضوا لغضبِ الله -جماعة أو أفرادًا- يستحقون ما نالوه من جزاءٍ وعقاب، كان غضبُ الله في الصليب مُوجَّهًا نحو إنسانٍ كامل، بارٍّ لم يفعل خطيئة، ولا وُجِدَ في فمه مكرٌ (1بطرس 2: 22)، لكنَّه صُلِبَ ومات بديلًا لمن استحقُّوا العقاب والموت. ولا يُمكن للإنسان أن يفهم قيمة وأهميّة ذبيحة وصليب المسيح، ما لم يفهم غضب الله وعدله في مواجهة الخطية.

ربما تحمل كلمة “غضب” كثيرًا من السمعة السيِّئة، التي نرفض أن يتَّصف بها الله، لكن هل تعلم أنَّ غضب الله وعدله صفات جيدة وحقيقيّة في الله؟ إنَّه غضب القاضي المُنصِف العادل، الأمر الذي يتماهى مع طبيعة الله الصالحة، فالله ليس فقط إله المحبة والغفران، لكنَّه إله الغضب والعدل، وهذه ليست صفات متعارضة بل جوانب لنفس الإله صاحب السيادة والسلطان[7].

ما يُشجعِنا، أننا في قلب غضب الله وعدله، نجد لطفه وطول أناته، فهو الذي أمهل الأموريين أربعة أجيال قبل أن يُعاقبهم بغزو العبرانيين لهم (خروج 23، 33)، وهو الذي أمهل فرعون زمنًا قبل أن يُعاقبه بالضربات العشر، على ما صنعه من جريمة في حق الإنسانيّة بقتله أطفال العبرانيين (خروج 1: 15-16، 7-12)، هو نفسه الإله الذي حكم بنفس المنطق على شعبه بالسبي والتشرُّد إذ لم يطع وصايا الله (لاويين 18: 26-28) وهو ما حدث بالفعل في السبي الأشُّوريِّ والسبي البابلي (2ملوك 15؛ 24). وهذا ما يؤكده العهد الجديد عندما يقول: “أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟ وَلَكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ. الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ.” (رومية 2: 4-6).

ثانيًا: واحدية رحمة الله ومحبته في القديم والجديد

يعتقد بعضٌ أنَّ العهد القديم يُقدِّم لنا الله في شخصيّة الغاضب المنتقم، بعكس الصورة التي يُقدِّمها لنا العهد الجديد، فهو يُقدِّم لنا إلهًا مُحبًّا، رؤوفًا، حتى إنَّه بَذَل ابنه الوحيد لأجل خلاص العالم (يوحنا 3: 16)، لكننا بقراءة العهد القديم نراه نفس الإله الذي كشف عن نفسه لموسى بأنَّه “الرَّبُّ إِلَهٌ رَحِيمٌ وَرَأُوفٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الْإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. حَافِظُ الْإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ. غَافِرُ الْإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيَّةِ.” (خروج 34: 6-7).

في العهد القديم، نرى أنَّ الله تعامل مع شعبه بنفس الطريقة التي يتعامل بها الأب المحب مع ابنه. فعندما أخطأ الشعب قديمًا إليه عمدًا وبدأوا في عبادة الأوثان، كان الله يوبِّخهم، ويُعنِّفهم، ويُعاقبهم، لكنَّه كان يغفر لهم ويرحمهم في كل مرة يتوبون إليه فيها (راجع سفر القضاة نموذجًا). وهذه هي نفس الطريقة التي يتعامل بها الله مع مؤمني العهد الجديد، اقرأ ما سجَّله الوحي المقدس، قائلًا: “«يَا ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ، وَلاَ تَخُرْ إِذَا وَبَّخَكَ. لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ». إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ التَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ اللهُ كَالْبَنِينَ. فَأَيُّ ابْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟” (عبرانيين 12: 5-7).

إنَّ فهم شخصيّة الله في مجملها يعطينا صورة أكمل عن محبته ونعمته وعدله أيضًا، كما أنَّ عدل الله ومحبته صنوان، من سفر التكوين إلى سفر الرؤيا، نرى محبة الله الرائعة وغضبه المرعب ضد الخطيئة والشرّ، مما يؤكد على واحدية الله في العهد القديم والعهد الجديد، وأنَّه لم ولن يتغير أبدًا.

ثالثًا: خلاصٌ واحدٌ في العهد القديم والعهد الجديد

يتغنى بعضٌ مردِّدين عباراتٍ مثل: “نشكر الله لأجل خلاصه الذي دبَّره لنا في المسيح”، أو “نشكر الله لأننا لسنا تحت الناموس، بل في عهد النعمة”، لن نخوض في شرح أو تفنيد مثل هذه العبارات، لكن ما يؤكد عليه الكتاب المقدس أنَّ أحدًا لم يخلُص في العهد القديم أو الجديد على أساس أعماله أو بره أو ذبيحة قدَّمها لله، إنما هي نعمة وعطية الله، التي قدَّمها في شخص ابنه يسوع المسيح، حتى إنَّه يقول: “لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ.” (أفسس 2: 8-9). وهكذا تبرر كل هؤلاء: آدم، أخنوخ، نوح، إبراهيم، يعقوب، موسى، راعوث، راحاب، داود، بطرس، يوحنا، مريم، فيبي، بولس، وغيرهم، وما زالت نعمة الله تُخلِّص كل يومٍ المُختارين الذين يؤمنون به، إنَّه الله الواحد، هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد.

ومع وجود كثيرٍ من الادعاءات والمُشكلات والتحديات التي من أجلها يعتقد الإنسان أنَّ الله تغيَّر في العهد الجديد عنه في العهد القديم، تتعدد الإجابات الكتابيّة والمنطقيّة التي تدحض تلك الافتراءات، وتُبين الحقائق واضحة جلية.  

أخيرًا

  • كيف نؤمن أنَّ “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ انْسَانُ اللهِ كَامِلًا، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ” (2تيموثاوس 3: 16-17)، وهُنا المقصود أسفار العهد القديم تحديدًا، ثمَّ بعد ذلك ننكر العهد القديم، أو نُشكك في قصته، أو نقول بأنَّ الله قد تغيَّر؟
  • كيف نؤمن بكتب العهد الجديد دون الإيمان بكتب العهد القديم، التي تشرح لنا كيف أخطأ الإنسان، وما هو عقاب الخاطئ، ولماذا يموت الإنسان نتيجة خطيئته، وما هي الطريقة التي يُمكن بها للإنسان أن يخلُص، وكيف أعدَّ الله طريق الخلاص من خلال شخص المسيح وصلبه وموته وقيامته؟
  • كيف لنا أن نعرف يسوع المسيح المذكور في العهد الجديد دون مطابقة شخصه وعمله بالنبوات التي تكلَّمت عنه في العهد القديم؟
  • كيف لنا أن نكتفي بكتب العهد الجديد، وهو عكس ما تكلَّم به وعلَّم المسيح قائلًا: «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ” (متى 5: 17-18). وبعد قيامته، وفي أثناء لقائه مع تلميذي عمواس، شرح لهما كيف “«كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهَذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ؟». ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لوقا 24: 26-27). وهو ما سار عليه تلاميذه ورسله، إذ يؤكِّد الرسول يوحنا، أنَّه “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ… وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًاكَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا.” (يوحنا 1: 1، 14). إنَّ يوحنا يؤكِّد أنَّ إله العهد القديم اتخذ جسدًا وعاش بيننا في شخص يسوع المسيح. وبعد القيامة، أكَّد التلاميذ مرارًا وتكرارًا أنَّ إله العهد القديم حقق وعوده في شخص يسوع المسيح ومن خلاله (راجع: أعمال 2: 23؛ 3: 13؛ غلاطيّة 3: 1-5: 1؛ 2كورنثوس 1: 20).

أدعوك قارئي العزيز: لقراءة ودراسة الكتاب المقدس بتروٍّ وتأنٍّ، حينها ستُدرِك أنَّ الله هو نفسه في العهدين القديم والجديد[8]. وبسبب شخصيته البارة والمقدسة، يجب أن تُدان كل الخطايا، سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل. وأنَّه في محبته اللامتناهية دبَّر ثمنًا للخطية، وطريقًا للغفران والمصالحة حتى يهرب الإنسان الخاطئ من غضب الله، وينال خلاصًا أبديًّا، ويتمتع بمعرفة الله الواحد، الذي لا يتغير.

[1] وُلِد مارسيون في مدينة سينوب على شاطئ البحر الأسود شمال تركيا نحو سنة 120م، وكان أبوه أسقفًا على المدينة، فتربى مارسيون داخل أسرة مسيحيّة، وكان شعلة من الذكاء، بالإضافة إلى محبته للزهد والتقشف وحياة التأمل. وقد عَمِل في التجارة وكان له عدة سفن تعمل في مجال النقل، فكوّن ثروة ضخمة، ولكن بسبب انحرافه عن الإيمان القويم اختلف معه أبوه الأسقف وحرمه من الاشتراك معه في الصلاة، فذهب إلى مدينة روما سنة 140م. وهناك تأثر بالغنوسيّة التي شكَّلت جزءًا كبيرًا من مفاهيمه ومعتقداته، وقد حكمت الكنيسة بهرطقته عام 144م.

[2] نصرالله زكريا. الإله المُفترى عليه. (القاهرة، مطبوعات الحياة المنتصرة، 2004) ص 12-14.

[3] يطلق اليهود اسم “الأنبياء” على كتب الأنبياء الذين نعرفهم بالكبار والصغار، ويقسمون هذه الكتابات إلى كتابات الأنبياء الأولين وهي أسفار يشوع وقضاة وصموئيل الأول والثاني وملوك الأول والثاني، وكتابات الأنبياء والمراثي حيث نجدها ضمن الكتابات الشعرية، وقد تم التقسيم العبري على أساس الاتجاه النبوي لهذه الأسفار فلا يوجد ذكر لأنبياء كبار أو صغار، وإنما هذه الكلمات ودرت في تقسيم الترجمة السبعينية والفولجاتا والترجمات الإنجليزية للكتاب المقدس، هذا التقسيم الذي بُنِي على أساس طول الأسفار و/أو قصرها. مكرم نجيب- ق المدخل إلى الأنبياء الصغار. القاهرة: دار الثقافة 1980. ص 9

[4] فهيم عزيز. د. المدخل إلى العهد الجديد. القاهرة: دار الثقافة، 1980. ص 79.

[5] لاهوت العهد ليس “علمًا لاهوتيًّا”، بمعنى كونه مجموعة محددة من العقائد بقدرِ ما هو إطار لتفسير كلمة الله. وهو الإطار الذي تُفضله وتتبعه الكنائس المُصلحة.

[6] R. Scott Clark. Did The Covenant Of Grace Begin In The New Covenant? Available on the following link: https://heidelblog.net/2017/06/did-the-covenant-of-grace-begin-in-the-new-covenant

[7] -,- Ask Heather: Why does God seem so different between the OT and the NT? Available on the following link: https://therescuedletters.com/why-god-seems-different-old-new-testament

[8] -,- Why is God so different in the Old Testament than He is in the New Testament? Available on the following link:  https://www.gotquestions.org/God-different.html

إرسالية الكنيسة في ظل الصهيونية المسيحية: منظور فلسطيني في مؤتمر لوزان الرابع

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

 اسم الكاتب : أنطون دعيق

كفلسطيني ومشارك في مؤتمر لوزان الرابع، يقدّم أنطون دعيق وجهة نظره حول هذا الحدث التاريخي.

مرَّ أكثر من شهر على التجمع العالمي لمؤتمر لوزان الرابع في إنشيون، كوريا الجنوبية. كواحد من أربعة فلسطينيين مشاركين، طُلِب مني نشر وجهة نظر مسيحيّة فلسطينيّة حول المحاضرة الرئيسية التي قدمتها اللاهوتية اللاتينية روث باديلا دي بورست، والتي كانت مُخصصة لنقاش موضوع العدالة الاجتماعية. في حديثها، تطرقت باديلا دي بورست بإيجاز إلى الحرب المستمرة التي تشنها إسرائيل على غزة، ما دفع قادة مؤتمر لوزان إلى تقديم اعتذار رسمي بعد مواجهتهم لضغطٍ كبيرٍ من مجموعة صهيونية يهودية الأصول. كان هذا الحادث صادمًا لكثيرٍ منا، مما جعلني أتساءل عما إذا كان مؤتمر لوزان الرابع هو حقًّا مساحة للحوار الحقيقي أم مجرد حدث يهدف إلى تحفيز الذين يتشاركون بنفس الرؤية اللاهوتية.

للأسف، بدلًا من السعي لنشرِ وجهة نظر مسيحية فلسطينية حول خطاب باديلا دي بورست، رفضت عدة وسائل إعلام مسيحية غربية نشر مقالي، حيث رفض أحد المحررين الفكرة فورًا، مشيرًا إلى التوجه الصهيوني لمجلّتهم؛ بينما أعرب آخر عن قلقه من أن وجهة نظري قد تُنفّر البعض؛ ورفض ثالث مقالي معتبرًا توقيته “غير مناسب”.

وعلى الرغم من المحاولات المتكرِّرة لإسكات الصوت المسيحي الفلسطيني، أقدّم هنا وجهة نظري حول حديث باديلا دي بورست، بهدف رسم السياق الأكبر لكلماتها، وتوضيح أهمية ملاحظاتها حول فلسطين.

تحدثت باديلا دي بورست، وهي لاهوتية متمرّسة، بشكل نبويّ إلى أكثر من 5000 قائد مسيحي من أكثر من 200 دولة، قائلة:

ما يميّز شعب الله ليس التعبيرات السطحية للتقوى الدينيةأو ترانيم العبادة، أو اللاهوت الاستعماري الذي يبرّر ويموّل القهر تحت غطاء لاهوت نهاية الأيام التدبيري.

لا مكان للامبالاة تجاه كل من يعاني من ويلات الحرب والعنف في جميع أنحاء العالم: الشعب المقموع والمضطهد في غزة، الرهائن المحتجزين لدى كل من إسرائيل وحماس وعائلاتهم، الفلسطينيين المهددين في أراضيهم، وكل من يندبون على فقدان أحبائهم. ألمهم هو ألمنا إذا كنا شعب الله.                                          


للمفارقة، كانت هذه الكلمات التي أثارت استياء بعض الناس في مؤتمر لوزان الرابع، هي ما جعلتني أقدِّر وأثمِّن حديث باديلا دي بورست. فيما يلي سأشارك سببيْن رئيسييْن جعلاني أشعر بهذه الطريقة. سأقوم بذلك، أولًا، بوضع كلمات باديلا دي بورست في السياق الأوسع للقضية الفلسطينية، وثانيًا، سأناقش دور التدخل الإنجيلي في الحروب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. لنقاش أكثر تفصيلًا لبعض القضايا اللاهوتية التي تم التطرق إليها هنا، يمكن للقرّاء الاطلاع على محاضرتي في مؤتمر “المسيح أمام الحاجز” 2024.

 

كلمات باديلا دي بورست في سياقها: الاستعمار الاستيطاني، الأبارتهايد، و”الاعتقال الإداري


يعد الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي أحد أطول الصراعات في التاريخ الحديث. ومع ذلك، فإنه ليس نزاعًا بين متساويَيْن، بل هو صراع استعماري استيطاني بين مُضطهَد ومُضطهِد، مُستعمَر ومُستعمِر.

في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، سعى يهودٌ أوروبيونَ إلى محاكاة نموذج الاستعمار الاستيطاني الذي اتبعه المسيحيون الأوروبيون في الأمريكتين وأوقيانوسيا وغيرهما. فبدأ هؤلاء اليهود الأوروبيون حركة تُعرف بالصهيونية، بقيادة تيودور هرتزل، وهو صحفي نمساوي-هنغاري. كان هدف الصهيونية هو معالجة مسألة معاداة اليهود المتجذرة في أوروبا، من خلال تأسيس ما أطلق عليه هرتزل “الدولة اليهودية” (der Judenstaat). فبدعم من القوى الغربية، بدأت الحركة الصهيونية في تشجيع وتسهيل الهجرة الجماعية لليهود من أوروبا إلى فلسطين. هؤلاء اليهود لم يأتوا للعيش بيننا كمهاجرين، بل جاءوا لإنشاء دولة عرقية -الدولة اليهودية- على أرض يسكنها شعب آخر: الفلسطينيون.

فكيف حقق المستوطنون الصهاينة ذلك؟ ليس بالورود والبالونات طبعًا، بل على دماء وعظام الفلسطينيين، وهو ما يحدث عادةً في المساعي الاستعمارية الاستيطانية. كجزء من تأسيس إسرائيل في عام 1948، والتي يعتبرها بعض الإنجيليين “دليلًا على أمانة الله”، ارتكبت الميليشيات الصهيونية ما لا يقل عن 30 مجزرة موثقة ضد الفلسطينيين، ودمرت 530 قرية فلسطينية، وشرّدت 750,000 فلسطيني من منازلهم (أي ما يقرب من 90% من سكان ما أصبح في النهاية “دولة إسرائيل”). كانت النتيجة هي الاستيلاء على 78% من أراضي فلسطين التاريخية. بالنسبة لنا كفلسطينيين، هذه الفظائع هي نكبتنا، لكن المؤرخ الإسرائيلي الشهير إيلان بابيه يبيّن كيف كانت جرائم العصابات الصهيونية جزءًا من خطة استراتيجية مُتعمّدة، ألا وهي: التطهير العرقي لفلسطين.

للأسف، لم تتوقف نكبة الفلسطينيين عام 1948، بل استمرت منذ ذلك الحين. فإسرائيل دولة توسعيّة استعماريّة من دون حدود مُعلنة؛ تتبنّى سياسة “أرض أكثر، وفلسطينيين أقل“.

في غزة، وظّفت إسرائيل أحداث السابع من أكتوبر المؤسفة لتطبيق هذه السياسة، وهذا واضحٌ من شناعة وقباحة حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على غزة، والتي حصدت لغاية الآن ما لا يقل عن 42,800 فلسطيني، بينهم 16,765 طفلًا. للأسف الشديد، فقد وصف أحد اللاهوتيين البارزين، والذي كان حاضرًا في مؤتمر لوزان الرابع، سياسة الحروب غير المتكافئة التي تتبناها إسرائيل بأنها “مفهومة/معقولة“.

في الضفة الغربية، تطبّق إسرائيل سياسة “أرض أكثر، وفلسطينيين أقل” من خلال نظام الأبارتهايد الاستيطاني، الذي يسهّل الاستيلاء المستمر على الأراضي والتوسُّع الاستيطاني. فما لا يقل عن 60% من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية (ما يسمى بالمنطقة “ج”) هي الآن بحوزة دولة الاحتلال. وعلى الصعيد الشخصي، أعيش مع عائلتي حاليًا في منفى قسري بسبب سياسات الأبارتهايد والتهجير الإسرائيلية.

بالطبع، كنت أتمنى لو أن محاضرة باديلا دي بورست تطرقت إلى كل هذه الأمور. لكنها أُعطيت 15 دقيقة فقط للتحدث عن موضوع العدالة بأكمله! ومع ذلك، فما حققته باديلا دي بورست كان مثاليًّا: فلم تتحدث عن معاناة أهل غزة فحسب، بل أيضًا عن معاناة “الرهائن المحتجزين لدى إسرائيل”. وقد أثارت كلماتها هذه ضجة بين بعض الحاضرين. فقد قيل لي إن مجموعة من الألمان كانوا على وشك مغادرة القاعة عند ذكر “الرهائن المحتجزين لدى إسرائيل”. كيف تجرؤ باديلا دي بورست على الادعاء بأن إسرائيل -“الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”- تحتجز رهائن فلسطينيين!

لكن ما فعلته باديلا دي بورست يعكس شجاعة نبوية. فقد سلطت الضوء على معاناة الفلسطينيين المحتجزين كرهائن تحت نظام “الاعتقال الإداري” الشنيع الذي تتبعه إسرائيل، والذي توثقه حتى منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية مثل “بتسيلم“. ففي ظل نظام الأبارتهايد الإسرائيلي المفروض على الضفة الغربية، على سبيل المثال، يمكن لجيش الاحتلال الإسرائيلي اعتقال أي فلسطيني دون توجيه تهم أو محاكمة، وهي سياسة لا تتطبق على المستوطنين اليهود الذين يعيشون في نفس المنطقة.

عندما كنت طالبًا في جامعة بيرزيت في الضفة الغربية، اقتحم جنود إسرائيليون شقتي ذات ليلة، من دون أي سبب، وأشاروا ببنادقهم نحوي. لحسن الحظ لم يتم اعتقالي أو إطلاق النار عليَّ، لكن عديدًا من أصدقائي انتهى بهم الأمر في “الاعتقال الإداري” الإسرائيلي لفترات مطوّلة. وفي الأشهر الماضية، كثّفت إسرائيل من الاعتقالات الإدارية. ففي أبريل 2024، اختطفت القوات الإسرائيلية ليان ناصر -وهي فلسطينية مسيحية- من منزلها تحت تهديد السلاح، ولم يعلم والداها إلى أين تم أخذها. في نفس الفترة، اعتقلت إسرائيل الباحثة الفلسطينية المسيحية المرموقة نادرة شلهوب كيفوركيان، وعاملتها معاملة مروّعة، حيث تم احتجازها في أماكن ملوثة بالبول ومليئة بالصراصير، وتعرّضت للصراخ والترهيب، وحُرمت من النوم، إضافة إلى حرمانها من الوصول إلى أدويتها الأساسية.

بعض الإنجيليين الأصوليين جزءٌ من الحرب ضد الشعب الفلسطيني

للأسف الشديد، فإن عديدًا من الإنجيليين يهملون معاناة الفلسطينيين، والأسوأ من ذلك هو أن بعض الأصوليين منهم، يلعبون دورًا نشطًا في الحروب التي تشنها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وذلك من خلال تقديم الدعم الروحي واللاهوتي والعملي لدولة الاحتلال.

أولًا، من الناحية الروحية، يصلي عديدٌ من الإنجيليين الأصوليين لانتصار إسرائيل على أعدائها. ولقد صادفت مثل هذه الصلوات لأول مرة عندما كنت أعمل مع مؤسسة إنجيليّة غربيّة، وما زلت أصادفها بين الحين والآخر في بعض الأوساط الإنجيليّة، حيث كان آخرها في مؤتمر لوزان الرابع. للأسف، نشر شخص ما على حائط الصلاة للمؤتمر: “صلوا من أجل إسرائيل: لينتصروا على أعدائهم”. هذه صلاة إبادة جماعية تقف في تناقضٍ صارخٍ مع إنجيل المسيح. فــ”هزيمة الفلسطينيين” في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، تعادل التطهير العرقي لفلسطين، كما شهد أجدادنا في عام 1948، وكما نشهده اليوم في حرب الإبادة على غزة. بالطبع، لم يصدر أي اعتذار من قيادة لوزان عن هذه الصلاة غير المسيحية.

الصلاة الصهيونية التي وضعها أحدهم على حائط الصلاة في مؤتمر لوزان الرابع

ثانيًا، من الناحية اللاهوتية، وفقًا لمركز بيو للأبحاث (مايو 2022)، فإن 70% من الإنجيليين البيض في الولايات المتحدة يعتقدون أن “الله منح الأرض التي هي الآن إسرائيل للشعب اليهودي”. هذه العقيدة هي مبدأ أساسي في الصهيونية المسيحية التدبيرية، والتي انتقدتها باديلا دي بورست في حديثها. ومع ذلك، فإن انتشار هذه العقيدة في الولايات المتحدة، لا يعني أن المشكلة مقتصرة هناك فقط. أينما أعيش، بما في ذلك الفلبين والمملكة المتحدة وبوليفيا، أواجه الصهيونية المسيحية. نحن نعيش حاليًا في بوليفيا، والكنيسة الخمسينية بجوار منزلنا لا تعرض أي رموز مسيحية، بل علم إسرائيل! كما أن الوضع ليس أفضل في أفريقيا، الأمر الذي بدا جليًّا في كتاب سينثيا هولدر ريتش.

يعتبر اللاهوتي الفلسطيني متري الراهب أن عبارات مثل “الله أعطى الأرض لإسرائيل” و”لإسرائيل حق إلهي في الأرض” هي جزء من “البرمجيات” التي تُفعّل آلة الحرب الإسرائيلية. هذه “البرمجيات” لا تتوافق مع الإنجيل، بل هي عبارة عن تشويه صارخ لطبيعة الله القدوس ولإنجيل المسيح. فالصهيونية المسيحية تصوّر الله على أنه إله قبلي وعنصري يُفضِّل أمة على أمة وشعبًا على آخر. وهذه ليست صفات الله الذي نعبده في المسيح، والذي هو بار وصالح و”لَا يُفَضِّلُ أَحَدًا عَلَى أَحَدٍ” (أعمال الرسل 10: 34).

ثالثًا، من الناحية العمليّة، فإن أحد السمات الأساسية للمسيحية الإنجيلية هي “الفعاليّة” أو “النشاط” كما بيّن المؤرخ البريطاني ديفيد بيبينجتون. لذلك، فمن المتوقع أن يتصرف الإنجيليون الصهاينة -الذين يُصلّون لانتصار اسرائيل، ويؤمنون بأن لإسرائيل “حق إلهي” في فلسطين التاريخية- وفقًا لمعتقداتهم الروحية واللاهوتية. فعلى سبيل المثال، قبل بضعة أعوام، أخبرتني سيدة كيف “قادها الروح القدس” للتواصل مع السفارة الإسرائيلية في بلدها لتنظيم مؤتمر كبير لدعم إسرائيل! وهذه ليست حالة فردية. فتحالف “مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل” (Christians United for Israel) في الولايات المتحدة يزعم أنه يضم 10 ملايين عضو. وهذا التحالف هو عبارة عن لوبي صهيوني مسيحي يقدم دعمًا روحيًّا ولاهوتيًّا وسياسيًّا لدولة الاحتلال، بما في ذلك الضغط السياسي، والتبرعات المالية، ورعاية الرحلات السياسية إلى إسرائيل “لتحويل القساوسة من حجاج روحيين إلى صهاينة متحمسين“. كما يتميز هذا التحالف بدعمه للمستوطنات الإسرائيلية، ومعارضته لحقوق الفلسطينيين، ودعمه لإرسال الأسلحة لإسرائيل.

بإيجاز، تتعارض الصهيونية المسيحية مع إنجيل المسيح الطاهر، ولذلك فليس لمثل هذه العقائد أي مكان على الإطلاق في كنيسة المسيح المقدسة، والتي هي نور العالم وملح الأرض. إذا كانت حركة لوزان العالمية جادةً في هدف مؤتمرها الرابع، وهو الشهادة والإعلان عن المسيح؛ فيجب تعزيز الأصوات النبوية مثل صوت باديلا دي بورست، لا أن يتم إسكاتها. كما وأنه كان ينبغي للوزان معالجة مسألة الصهيونية المسيحية المنتشرة في بعض الكنائس، وذلك في تقرير “الإرسالية العظمى” الخاص بلوزان، وفي المؤتمر نفسه، وفي بيان سيول. فكيف يمكننا أن نشهد للمسيح، بينما يتمسك البعض بعقيدة تشوّه صورة الله القدوس؟! كان على بطرس والكنيسة الأولى أن يتخلوا عن لاهوتهم العرقي، قبل أن يكرزوا بالبشارة السارة لسائر الأمم (أعمال الرسل 10: 33-36). فبالتأكيد إذن، على الكنيسة الإنجيليّة اليوم التخلي كليًّا عن كل لاهوت عنصري قبلي، يبرر القتل والدمار، إن كنا جادين بشأن شهادتنا المسيحية.

أنطون دعيق: فلسطيني مسيحي من بيت لحم، عاش وخدم في بلدان مختلفة لأكثر من ثلاثة عشر عامًا، بما في ذلك الفلبين وهونغ كونغ وإنجلترا وبوليفيا. عضو مجلس إدارة “الشراكة الدولية للإرسالية كتحوّل اجتماعي” (INFEMIT)، ومحاضر في دراسات الكتاب المقدس في كلية بيت لحم للكتاب المقدس، وباحث مشارك في مركز دراسات الكتاب المقدس والعنف في المملكة المتحدة.

 

لماذا العهد القديم مهم؟

اسم الكاتب : الدكتور القس أندريه زكي

“كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ” (2تيموثاوس 3: 16-17).

ما أرهب هذه الكلمات التي يكتبها الرسول بولس لتيموثاوس تلميذه؛ فهي تعلمنا كثيرًا عن دور كلمة الله في حياتنا.

هذه الكلمات الخالدة كُتبت قبل زمن ليس بقليل من إقرار قانونية أسفار العهد الجديد، والواضح من قرينة  هذه الآيات أن المقصود هو أسفار العهد القديم؛ لأن العهد الجديد كان في طور التكوين آنذاك. وفي حين أن بولس في الآية 15 يتحدث عن معرفة تيموثاوس بالكتب المقدسة “الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ، بِالإِيمَانِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ”، فهو في الآية 16 يوقف ليعلن أن “كل الكتاب” هو موحى به من الله، بمعنى أن هذه الكتب كلها تؤلف وحدة متكاملة لا تتجزأ لأنها كلها “موحى بها من الله”.

ولعل تأكيد الرسول بولس أن الكتب المقدسة قادرة أن تحكِّم الإنسان للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع، يشدد على أن كل الكتاب الذي كُتب بوحي الروح القدس كتب لخلاصنا ليعلمنا عن الله وعن الخلاص الذي يريده للإنسان، وبالتوبيخ للوعي بالخطية التي تبعد الإنسان عن الله… وكل هذه الخطوات والأدوار هي مسيرة التشكيل الذي تجريه كلمة الله في داخلنا.

من هذا المنطلق أود أن أشير إلى الأهمية التي تحظى بها أسفار العهد القديم في إيماننا المسيحي. ولقد قاومت الكنيسة منذ نشأتها أي فكر غريب تجرأ على إنكار أهمية أسفار العهد القديم، بدءًا من محاولات ماركيون أو مارسيون Marcion، ابن أسقف سينوب بآسيا الصغرى، والذي كان أحد أتباع الغنوصية في القرن الثاني الميلادي؛ إذ علم أن العهدين القديم والجديد متناقضان وأن إله العهد القديم كان إلهًا قاسيًا وغير محب، وأن العهد القديم يرسخ لديانة تقوم على الناموس والبر الذاتي ورأى على النقيض من ذلك أن العهد الجديد يعلم ديانة مختلفة من النعمة والإيمان والحرية. وبالطبع واجه آباء الكنيسة الباكرة هذا المهرطق الأول والأبرز في نظر الكنيسة الباكرة.

ورغم قدم قصة ماركيون هذا إلا أن عبر التاريخ الطويل ظهرت بعض الآراء التي أغفلت أهمية العهد القديم في إيماننا المسيحي.

لكن من يقرأ الكتاب المقدس جيدًا لا بد أن يدرك أنه وحي الله وأنفاس الله، وأن إله العهد القديم وإله العهد الجديد هما الإله نفسه. ومن يتبع شخص المسيح حقًّا فسيجد فيه تحقيق نبوات العهد القديم، وأن السيد المسيح نفسه أكد أن فيه تتحقق كل النبوات؛ ففي إنجيل لوقا 4: 18 يقرأ السيد المسيح نبوة إشعياء النبي:

“رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ…”.

ويؤكد للحضور بعد قراءته أن “الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ” (آية 21). ويعود السيد المسيح في موقف آخر ليؤكد “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ” (متى 5: 17-18). فهو لم يأتِ لينقض العهد القديم بل ليتمِّمه

ولا يمكن أمام هذه التأكيدات أن نهمل أو نتغاضى عن وحي الله في العهد القديم، الذي قرأه المسيح بذاته، واقتبس كلماته ليشير بها إلى شخصه وعمله، والذي يشير بكل كلماته لعمل المسيح الفادي، وخطة الله لخلاص البشرية، وهو القادر أن يحكِّمنا للخلاص بالإيمان بيسوع المسيح.

كما لا يمكن أن نغفل إيمان الرسل بما أوحى به الله في العهد القديم، فنجد بطرس في عظة يوم الخمسين الشهيرة (أعمال 2: 14-36)؛ إذ يستند في افتتاحية عظته إلى نبوة يوئيل النبي: 

“وَيَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى وَيَحْلُمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا”.

وفي مواضع كثيرة من رسائل الرسول بولس والعبرانيين ورسالتي بطرس ورسائل يعقوب ويوحنا ويهوذا، نجد العهد القديم في كل سفر حاضرًا وشاهدًا لشخص المسيح.

وختامًا، إن العهد القديم ليس مجرد نصوص تاريخية قديمة، أو نصوصًا تشريعيَّةً، أو قوائم أنساب… بل هو إعلان إلهي يمهد الطريق لمجيء المسيح ويشهد عنه ويتنبأ به. من خلاله نفهم طبيعة الله، ونتأمل في وعده بفداء البشرية، ونرى إتمام النبوات في شخص يسوع المسيح. وكما أكد المسيح والرسل، فإن العهد القديم جزء لا يتجزأ من كلمة الله الحية، وهو مصدر للتعليم والتقويم.  لذا علينا أن نتعمق في دراسته لنفهم أكثر عمق محبة الله وقصده من أجل خلاص الإنسان.

الأرض في الكتاب المقدس

اسم الكاتب : ق. حمدي سعد

الحديث عن “أرض الكتاب المقدس” أو “أرض الموعد”، حديثٌ قديم، علا صوته منذ عام 1948م عند إنشاء دولة إسرائيل. بدأ بعض اليهود يرون في هذا، تحقيقًا لنبوات العهد القديم. وانقسم المسيحيون في موقفهم، بعضهم كان مؤيدًا لعودة اليهود إلى الأرض، وبعض آخر يرى أن حدود الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات (تكوين 15: 18). أصبح هذا المفهوم أساسًا للصراع الدائم على الأرض، أو كما يسميه البعض “الصراع العربي الإسرائيلي”، وبسببه قامت أكثر من حرب منذ عام 1948، وإلى الآن لم يتوقف هذا الصراع.

من المثير أن المسيحيين الذين يؤيدون حق إسرائيل يستخدمون أقوالًا من الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد. من هنا يجب علينا أن نرجع إلى كلمة الله، وبفكر محايد تمامًا لنكشف الحقيقة.

الوعد لإبراهيم

قدم الرب لإبراهيم مجموعة من الوعود، شملت النسل والبركة والأمة والأرض (تكوين 12: 1-3). عندما وصل إبراهيم إلى شكيم (نابلس حاليًا). قال له الرب: «لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ» (تكوين 12: 7). ثم بعد اعتزال لوط عن إبراهيم، أعلن الرب لإبراهيم: «ارْفَعْ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ شِمَالًا وَجَنُوبًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا، لأَنَّ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ تَرَى لَكَ أُعْطِيهَا وَلِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ» (تكوين 13: 14-15). بعد ذلك قطع الرب ميثاقًا مع إبراهيم، ويومها كشف له عن حدود هذه الأرض: «لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ». (تكوين 15: 18). جدد الرب لإبراهيم هذا الوعد بالأرض (تكوين 17: 8)، وأعيد هذا الوعد بالأرض لإسحاق (تكوين 26: 2-5)، ويعقوب (تكوين 28: 13)، وفي مرحلة تالية أكد الرب هذا الأمر لموسى (خروج 23: 31).

ليكن الله صادقًا، فهو “الَّذِي يَقُولُ فَيَكُونَ” (مراثي إرميا 3: 37). ما وعد به الرب لا بد أن يتحقق. متى حدث (أو يحدث) هذا؟ هل حقق الرب وعده بالأرض؟ أم علينا أن ننتظر امتلاك اليهود للأرض؟

بعد موت موسى، أخذ يشوع بن نون مسؤولية قيادة الشعب ودخوله الأرض، وقتها قدم الرب تأكيدًا ليشوع بالوعود السابقة: “كُلَّ مَوْضِعٍ تَدُوسُهُ بُطُونُ أَقْدَامِكُمْ لَكُمْ أَعْطَيْتُهُ، كَمَا كَلَّمْتُ مُوسَى. مِنَ الْبَرِّيَّةِ وَلُبْنَانَ هذَا إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ، جَمِيعِ أَرْضِ الْحِثِّيِّينَ، وَإِلَى الْبَحْرِ الْكَبِيرِ نَحْوَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ يَكُونُ تُخْمُكُمْ” (يشوع 1: 3، 4).

على أن إخضاع هذه الأرض ودخول تلك الأماكن المذكورة سيكون تدريجيًّا كما قال الرب لموسي: “لاَ أَطْرُدُهُمْ مِنْ أَمَامِكَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، لِئَلاَّ تَصِيرَ الأَرْضُ خَرِبَةً، فَتَكْثُرَ عَلَيْكَ وُحُوشُ الْبَرِّيَّةِ. قَلِيلًا قَلِيلًا أَطْرُدُهُمْ مِنْ أَمَامِكَ إِلَى أَنْ تُثْمِرَ وَتَمْلِكَ الأَرْضَ” (خروج 23: 29-30). وصار الأمر تدريجيًّا من أيام يشوع بن نون حتى اكتمل امتلاك كل الأرض التي وعد الرب بها في أيام حكم سليمان، إذ كان سليمان متسلطًا على جميع الممالك من النهر إلى أرض فلسطين وإلى تخوم مصر (1ملوك 4: 21). وكان موسى قد أمر الشعب عندما يدخلون الأرض، يعترفون أمام الرب قائلين: “أَنِّي قَدْ دَخَلْتُ الأَرْضَ الَّتِي حَلَفَ الرَّبُّ لآبَائِنَا أَنْ يُعْطِيَنَا إِيَّاهَا. ثُمَّ تُصَرِّحُ وَتَقُولُ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ: أَرَامِيًّا تَائِهًا كَانَ أَبِي، فَانْحَدَرَ إِلَى مِصْرَ وَتَغَرَّبَ هُنَاكَ فِي نَفَرٍ قَلِيل، فَصَارَ هُنَاكَ أُمَّةً كَبِيرَةً وَعَظِيمَةً وَكَثِيرَةً” (تثنية 26: 3-5).

ومع بداية امتلاك الأرض في أيام يشوع -كما أشرنا- كانت الشهادة لأمانة الرب وتحقيقه ما وعد به “فَأَعْطَى الرَّبُّ إِسْرَائِيلَ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي أَقْسَمَ أَنْ يُعْطِيَهَا لآبَائِهِمْ فَامْتَلَكُوهَا وَسَكَنُوا بِهَا. فَأَرَاحَهُمُ الرَّبُّ حَوَالَيْهِمْ حَسَبَ كُلِّ مَا أَقْسَمَ لآبَائِهِمْ، وَلَمْ يَقِفْ قُدَّامَهُمْ رَجُلٌ مِنْ جَمِيعِ أَعْدَائِهِمْ، بَلْ دَفَعَ الرَّبُّ جَمِيعَ أَعْدَائِهِمْ بِأَيْدِيهِمْ. لَمْ تَسْقُطْ كَلِمَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْكَلاَمِ الصَّالِحِ الَّذِي كَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ، بَلِ الْكُلُّ صَارَ” (يشوع 21: 43-45). وصارت حادثة امتلاك الأرض أيام يشوع وإتمام الرب لوعده جزءًا من ترنيمات الحمد والتسبيح وسط شعب الله. فداود يقول مرنمًا: “اذْكُرُوا إِلَى الأَبَدِ عَهْدَهُ، الْكَلِمَةَ الَّتِي أَوْصَى بِهَا إِلَى أَلْفِ جِيل. لَّذِي قَطَعَهُ مَعَ إِبْرَاهِيمَ. وَقَسَمَهُ لإِسْحَاقَ. وَقَدْ أَقَامَهُ لِيَعْقُوبَ فَرِيضَةً، وَلإِسْرَائِيلَ عَهْدًا أَبَدِيًّا. قَائِلًا: لَكَ أُعْطِي أَرْضَ كَنْعَانَ حَبْلَ مِيرَاثِكُمْ. حِينَ كُنْتُمْ عَدَدًا قَلِيلًا، قَلِيلِينَ جِدًّا وَغُرَبَاءَ فِيهَا” (1أخبار 16: 15-19) (قارن أيضًا مزمور 105: 7-11، 42).

وفي وقت متأخر بعد ذلك في أيام عزرا ونحميا، وقف بعض اللاويين أمام الشعب وكانوا يسبحون الله قائلين: “أَنْتَ هُوَ الرَّبُّ الإِلهُ الَّذِي اخْتَرْتَ أَبْرَامَ وَأَخْرَجْتَهُ مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ وَجَعَلْتَ اسْمَهُ إِبْرَاهِيمَ. وَوَجَدْتَ قَلْبَهُ أَمِينًا أَمَامَكَ، وَقَطَعْتَ مَعَهُ الْعَهْدَ أَنْ تُعْطِيَهُ أَرْضَ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْفَرِزِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَتُعْطِيَهَا لِنَسْلِهِ. وَقَدْ أَنْجَزْتَ وَعْدَكَ لأَنَّكَ صَادِقٌ… وَأَكْثَرْتَ بَنِيهِمْ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، وَأَتَيْتَ بِهِمْ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي قُلْتَ لآبَائِهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا وَيَرِثُوهَا. فَدَخَلَ الْبَنُونَ وَوَرِثُوا الأَرْضَ، وَأَخْضَعْتَ لَهُمْ سُكَّانَ أَرْضِ الْكَنْعَانِيِّينَ، وَدَفَعْتَهُمْ لِيَدِهِمْ مَعَ مُلُوكِهِمْ وَشُعُوبِ الأَرْضِ لِيَعْمَلُوا بِهِمْ حَسَبَ إِرَادَتِهِمْ” (نحميا 9: 7-8، 23-24).

ينضح لنا الآن -ومن دون أدنى شك- أن الوعد المرتبط بامتلاك الأرض قد تم حرفيًّا، بدايةً بأيام يشوع وكمل تمامًا في أيام سليمان الملك. وكل ادعاء بعد ذلك عن أي أرض لإسرائيل حاليًا، ينبغي أن يؤخذ بعيدًا عن هذه النبوات، فالكل فعلًا صار كما رأينا.

البعد اللاهوتي للأرض

على الرغم من صحة التاريخ المشار إليه سابقًا، سواء من جهة الوعد بالأرض، أو تحقيق ذلك الوعد، إلا أن الأمر يبدو متناقضًا. فإبراهيم أول من قدم له الرب الوعد بالأرض ولم يمتلك الأرض. عندما ماتت سارة زوجته، لم يكن له في الأرض مكانٌ ليدفن فيه سارة، وذهب إلى الحيثيين وقال لهم: «أَنَا غَرِيبٌ وَنَزِيلٌ عِنْدَكُمْ. أَعْطُونِي مُلْكَ قَبْرٍ مَعَكُمْ لأَدْفِنَ مَيْتِي مِنْ أَمَامِي» (تكوين 23: 4). وصفه كاتب العبرانيين: “بِالإِيمَانِ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ الْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، سَاكِنًا فِي خِيَامٍ مَعَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ الْوَارِثَيْنِ مَعَهُ لِهذَا الْمَوْعِدِ عَيْنِهِ” (عبرانيين 11: 9). وقال عنه استفانوس، إن الله “َلمْ يُعْطِهِ فِيهَا مِيرَاثًا وَلاَ وَطْأَةَ قَدَمٍ” (أعمال الرسل 7: 5). وهكذا عاش ابراهيم، وأيضًا إسحاق ويعقوب متغربين في أرض الموعد ساكنين في خيام (قارن عبرانيين 11: 10؛ تكوين 26: 23-25؛ 33: 19).

والأمر الأكبر غرابةً، أن الأمة أو شعب إسرائيل فيما بعد كانوا في “أرض الموعد غرباء”. أخبرهم الرب: «وَالأَرْضُ لاَ تُبَاعُ بَتَّةً، لأَنَّ لِيَ الأَرْضَ، وَأَنْتُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عِنْدِي. بَلْ فِي كُلِّ أَرْضِ مُلْكِكُمْ تَجْعَلُونَ فِكَاكًا لِلأَرْضِ» (لاويين 25: 23-24). وصار هذا النوع من العلاقة مع الأرض، يشكِّل بعض ترنيمات الشعب قديمًا: “غَرِيبٌ أَنَا فِي الأَرْضِ. لاَ تُخْفِ عَنِّي وَصَايَاكَ” (مزمور 119: 19) (قارن مزمور 39: 12).

إذن كيف تعايش إبراهيم ونسله مع وعد الأرض؟ الحقيقة إن كل بركات العهد في الماضي، كان لها دلالة روحية مهمة جدًّا. فخيمة الاجتماع والهيكل رغم أهميتهما، لكنهما يعبران عن شيء أعظم وهو حضور الله وسط شعبه. والكهنوت اللاوي رغم ضرورته وأهميته في ذلك الوقت، لكته كان يشير إلى كهنوت يسوع المسيح الأعظم، والذبائح بتنوعها وبريقها، كانت ترمز إلى ذبيحة المسيح الكاملة. هكذا “أرض الموعد”، كانت تشير إلى أرض ومدينة أعظم. كان هذا اختبار إبراهيم نفسه، الذي عاش في الأرض بفكر الغريب، لأنه “كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ” (عبرانيين 11: 10). وليس إبراهيم وحده، بل الآباء الأتقياء، كانوا يتطلعون إلى هذه المدينة: “وَلكِنِ الآنَ يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّا. لِذلِكَ لاَ يَسْتَحِي بِهِمِ اللهُ أَنْ يُدْعَى إِلهَهُمْ، لأَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ مَدِينَةً” (عبرانيين 11: 16).

إذن: كل من يطالبون اليوم بحق العودة وامتلاك “أرض الموعد” كتحقيق لنبوات العهد القديم، فاتتهم دراسة ومعرفة التاريخ الذي أشرنا إليه، حيث تحققت هذه المواعيد حرفيًّا في زمن سليمان، والذين يرون قدسية خاصة لهذه الأرض، لا ينتبهون للفهم الصحيح الذي عاشه من قبلوا الوعد بهذه الأرض مثل إبراهيم ونسله.

في هذا العدد تقرأ

اسم الكاتب : القسّ عيد صلاح

يفتتح الدكتور القسّ أندريه زكي، رئيس التحرير، هذا العدد بمقالة تحت عنوان:

ويضم العدد بين جنباته ثلاثة أقسام كبرى: الأولى، مقالات ودراسات حول الميلاد، والثاني، ملف العدد: دراسات حول العهد القديم، والثالث، أبواب ثابتة ودراسات حرة، ومعهم ملحق العدد.

القسم الأول: الميلاد

يشمل القسم الأول حول الميلاد ثلاثة مقالات ودارسات: يبدأها الدكتور القسّ حنا كتناشو، وهو راعٍ وأكاديميّ فلسطينيّ، بدراسة تحت عنوان: “البدايات الجديدة” وهي قراءة في سلسلة نسب المسيح متى 1، يجملها في خمس نظرات: النظر إلى الماضي أو الخلف، النظر إلى الحاضر أو حولنا، النظر إلى المستقبل أو الأمام، النظر إلى فوق، والنظر إلى أسفل. هذه النظرات مهمة لتكون البداية الجديدة بداية جيدة. ويخرج من خلال كل نظرة دروسًا مفيدة لواقعنا الحالي.

أما القسّ جادالله نجيب، وهو قسّ مصريّ يخدم في لندن، فيشارك بدراسة عنوانها: “فتاةٌ تَلِدُ طفلًا، يفتح نافذة السَّماء على البشرِ: “تحليل تاريخيّ ولاهوتيّ لنبوءة إشعياء 7 و8 ومتى 1“. تعرض الدراسة تحليلًا للنبوة الواردة في إشعياء إصحاح 7 في ضوء الظّروف السّياسيّة والدّينيّة، وعلاقتها بوعد الله لشعبه، ومن ثم ربطها ببشارة متى 1: 21 و22، ودراسة الأسباب التي جعلت البشير متى ينفرد ويتفرّد في إلقاء الضّوء بوضوح على أنّ بشارة السّيدة العذراء مريم بولادة طفل يدعى عمانوئيل هو تحقيق لنبوة إشعياء.

وفي “خواطر ميلادية” يقدم الشيخ رضا صلاح، شيخ الكنيسة الإنجيليّة بالعياط، وموجه لغة فرنسيّة، خمسة خواطر حول حدث الميلاد: ملء الزمان، لمن كان التجسد؟، أراد تخلينها سرًّا، تحرك الجنين في بطن أليصابات، المجوس والهدايا، ومع كل خاطر تطبيق عملي لحياتنا. 

القسم الثاني: ملف العدد

يشمل القسم الثاني على ملف العدد وموضوعه: دراسات في العهد القديم، يبدأ الملف بدراسة الدكتور القسّ يوسف سمير تحت عنوان: كيف نقرأ العهد القديم اليوم؟ يناقش الكاتب التحديات التي تواجه القارئ المعاصر للعهد القديم وهي: تحديات لغويّة، تفسيريّة، أخلاقيّة، ويُقدّم طريقةً للقراءة المعاصرة في ضوء هذه التحديات في: القراءة الموضوعية، الواعية، المتضعة.

ثم يُقدم م. جورج إسحق قراءة نقديّة لكتاب: “مُقدِّمةٌ إِلَى العَهْدِ القَدِيمِ: قراءة نقدِيَّة في كتاب حنَّا كتناشو“. حيث يخوض الكتاب بحر العهد القديم، ذاك البحر المُتّسع المضطرم بأمواج المُعضلات التَّاريخيَّة والسِّياقيَّة والجدليَّة، التي دفعت بعضًا إلى رفضه جزئيًّا أو كُليًّا، لكنّ الكاتب هُنا يقدِّم زاوية متفرِّدة للنَّظر إليه، تضعه في صفِّنا لا ضدَّنا، زاوية تفتح للمسيحيِّ العربيّ اليوم في سياقه مُصالحةً مع نصوصه وقابليَّة للتَّطبيق العصريِّ، تقوم هذه الزَّاوية والآليَّة على نموذج المسيح. يعرض الكتاب إلى منظومة العهد في أسفار العهد القديم بدءًا من آدم ومرورًا بنوح وإبراهيم وموسى، ثم يُشير لنا إلى ذاك الذي سيأتي مُحقِّقًا للوعد ومُتمِّمًا للعهد، ابن داود يسوع النَّاصري، الكاهن على رتبة ملكي صادق، الذي هو الرَّابط الجامع بين العهد القديم والعهد الجديد.

ويعرض القسّ بيتر وديع في دراسته: “التنوع الأدبيّ في العهد القديم” باعتبار أنَّ الكتاب المقدّس أحد أهم النصوص المقدّسة في تاريخ البشريّة، ليس فقط لمحتواه الروحيّ واللاهوتيّ، ولكن أيضًا لتنوعه الأدبيّ الرائع. فالكتاب المقدّس يضم 66 كتابًا، كتبها مؤلفون مختلفون على مر القرون في سياقات تاريخيّة وثقافيّة متنوعة، ويعرض مجموعة واسعة من الأشكال الأدبيّة. هذه الأشكال تثري النصّ، مما يسمح له بمخاطبة عدد كبير من الجماهير، وتوصيل الحقائق الإلهيّة بطرق عميقة. ولذلك فإن فهم هذا التنوع أمر بالغ الأهمية للدراسات الأدبيّة واللاهوتيّة، ومن غير إدراك هذا التنوع لا يُمكن تفسير الكتاب المقدّس بدقة، وبالتأكيد سنضل بعيدًا عن الرسالة اللاهوتيّة الأصيلة له.

ثم يطرح الدكتور القسّ مجدي صدِّيق في مقالته “قانونيّة العهد القديم” معنى القانونيّة، وعلاقة القانونيّة بالإيمان المسيحيّ ثم كيف تطورت فكرة القانونيّة بين الكنائس المسيحيّة. ويطرح القسّ سهيل سعود -المتخصص في كتابات الإصلاح- عن “نظرة المصلحين للعهد القديم: ما علاقة العهد القديم بالعهد الجديد؟ المصلح جان كلفن أنموذجًا” يناقش المقال علاقة العهد القديم بالعهد الجديد في وجهة نظر المصلحين تطبيقًا على جون كلفن. ويقدم القسّ عيد صلاح في دراسته: “العهد القديم في العصر الوسيط: سعديا الفيوميّ ودوره في ترجمة العهد القديم إلى اللغة العربيّة في القرن العاشر الميلاديّ” عن دور ترجمة سعديا الفيوميّ في ترجمة العهد القديم إلى اللغة العربيّة، مع عرضٍ له وللأسلوب التي انتهجه في الترجمة والسياق الذي ترجم فيه، والأسلوب الذي اتبعه، مع عرضٍ لبعض النماذج من الترجمة والرسالة التي يحملها لنا اليوم.

وحول الإشكاليّات المثارة يقدم الدكتور القسّ أشرف عزمي دراسة حول: “هل إله العهد القديم هو إله العهد الجديد؟” تجيب الدراسة عن أسئلة مهمة: من هو الله؟ وما صفاته وأعماله؟ ومن أين نستقي هذه المعرفة عن شخصه؟ هل نستقيها من أنفسنا وتخيُّلاتنا وخبراتنا الإنسانية، أم من إعلان الله نفسه عن ذاته؟ وتناقش الدراسة الإجابة عن سؤال: هل إله العهد القديم هو إله العهد الجديد؟ وفي نفس المسألة يكتب الدكتور القسّ نصر الله زكريا دراسة حول “الإله المفتَرَى عليه.. من هو الله في الكتاب المقدَّس؟ ويناقش هل تغير إله العهد القديم عن إله العهد الجديد؟

ثم يُقَدِّم الملف لثلاث قضايا هامة في تناولنا للعهد القديم: الأولى، يقدمها الشيخ الدكتور شريف عاطف فهيم، دراسة بعنوان: “مقدمة في لاهوت العهد” يكتب فيها مقدمة عامة للاهوت العهد وخاصة عهد الله مع الإنسان. ويعرض مقدمة عامة عن فكرة العهود، وبعض التفاصيل عن الإطار العهدي الذي تعامل فيه الله مع البشر. فبقراءة القصة الكتابيّة يمكن فهم علاقة الله مع الإنسان في إطار نوعين من العهود: عهد الأعمال وعهد النعمة. والقضية الثانية عن: “قضية الأرض في فكر الكتاب المقدّس” يقدمها القسّ حمدي سعد ويناقش الكاتب في هذه المقالة مفهوم الأرض في فكر الكتاب المقدّس، وهل تحقق الوعد بالأرض؟ وماذا يعني لنا اليوم؟ ثم قضية “العدل والرحمة في العهد القديم” بقلم الأخت صفاء صبحي، وتناقش فيه مفهومي العدل والرحمة في العهد القديم، عندما ننظر إلى الكتاب المقدّس، نجد أن مفهومي العدل والرحمة واضحان تمامًا. وقد يتصوَّر البعض أن العهد القديم لا يجسد هذين المفهومين، ولكن هذا الاعتقاد يشوبه بعض من سوء الفهم للعهد القديم. لذلك تلقي الكاتبة نظرة على هذين المفهومين وممارستهما في العهد القديم من خلال تعاملات الله ووصاياه لشعبه.

القسم الثالث: أبواب ثابتة ودراسات حرة

في القسم الثالث يقدم الشيخ أسامة رشدي في باب “شذرات كتابية” مجموعة من التأملات الروحية القيمة والمفيدة للقارئ. ثم في دراسات حرة يقدم د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك دراسة تحت عنوان: حُجّاجُ الرَّجَاءِ في يُوبِيل الرَّجَاء” تناقش الدراسة موضوع الرجاء المسيحي في ظل الظروف الصعبة. وذلك بمناسبة يُوبِيلُ الرّجاء (عام 2025م) وذلك وفقًا لما أعلنه البابا فرنسيس بابا الكاثوليك الحالي منذ 13 مارس/آذار 2013م.

ملحق العدد:

يأتي ملحق العدد تحت عنوان: “العهد القديم والحفر عند جذور الكلمات وفهم المصطلحات: الفلسطيون والفلسطينيون؛ إسرَإيل وإسرائيل أنموذجا” إعداد وتقديم القسّ عيد صلاح، وهو عبارة عن دراستين: الأولى، “الفلسطيون والفلسطينيون” لطيب الذكر الدكتور القسّ عبد المسيح استفانوس، وقد سبق نشره في مجلة الهدى، العدد 915، السنة 79، أغسطس 1989م، الصفحات من 16-21. والثانية: “إسرَإيل الله” (غلاطية 6: 16) للقسّ أمير إسحق، نُشِرَ من قبل في سلسلة الأغصان رقم (15)، وهي تنشر كملحق مع مجلة الهدى، 2024م. وقد وُضِعَت الدراستان تحت عنوان: “العهد القديم والحفر عند جذور الكلمات وفهم المصطلحات: الفلسطيون والفلسطينيون؛ إسرَإيل وإسرائيل”. كلاهما يشتبك مع الواقع ويوضِّح ما التبس عليه الفهم، ويُصحِّح المسار، ويضبط المعاني. سيُلحق بالدراستين مقالان تعريفيّان بالكاتبين: الدكتور القسّ عبد المسيح استفانوس والقسّ أمير إسحق، وبإنتاجهما الفكريّ المتميز.

البدايات الجديدة

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب:  الدكتور القس حنا كتناشو

في بداية عامٍ جديدٍ، أمامنا فرصةٌ جديدةٌ للتفكير ولإعادة ترتيب أمورنا بطريقة أفضل وأحكم. نعم، لقد أشرقت شمسُ سنة ألفين وخمس وعشرين (2025). بدأت رحلتنا لعام جديد. فما نوع الطائرة التي سنقلع بها؟ أين سنسافر وكيف سنتحرك؟ كيف سنبدأ العام؟ هل نبدأه بحشو الطعام أشبارًا فوق مستوى المعدة، أم نبدأه بالنوم والأحلام؟ هل نبدأُ بدايةً غشيمةً أم حكيمةً؟

لا شكَّ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ مليءٌ بحكمة البدايات الجديدة. حدثَّنا النَّبيُّ موسى عن البداية الجديدة لآدم وحواء قبل السقوط وخروجهما من جنة عدن وبعده، قبل زواجهما وبعده. ثمَّ سرد لنا بداية نوح الجديدة بعد الطوفان، ثمَّ بداية إبراهيم الجديدة بعد أن أنجبت زوجتُه سارة ابنهما اسـحاق، ثمَّ بداية يوسف الجديدة بعد أن جلس على عرش الحكم في مصر، وخبَّـرنا أيضا عن بداية جديدة عند الخروج من مصر. ثمَّ التقينا مع بداية جديدة زمن يشوع عند دخوله الأرض التي نحبُّ ترابها، ووجدنا بدايةَ داود الجديدة بعد موت شاول، ولا ضير من القول إنه ثمة بدايات أخرى عديدة. بعضُها حزين مثل السبي وبعضُها الآخر مفرح مثل بناء الهيكل.

ونحن كمسيحيين نفتخرُ أنَّ أعظمَ البداياتِ تتمحورُ حولَ سيدنا وربنا يسوع المسيح. هو أفضلُ بدايةٍ وأفضلُ طريقٍ وأفضلُ نهايةٍ. هو البداية والنهاية. ونشكر الله على الذين نظموا أسفار الكتاب المقدس بالتسلسل الذي بين أيدينا ووضعوا متى في بداية البدايات الجديدة إذ يشرق إصحاحُه الأوَّلُ علينا بكلماتٍ خالدة. سننظر إلى هذه الكلمات بخمس طرائق ترتبط بالعين لأننا نحتاج إلى تنوع المناظير عندما نواجه بداية جديدة. فالعين هي نقطة الانطلاق. وينتشر بيننا التعبير الشعبي القائل: نظرة فابتسامة فسلام فموعد فلقاء فخطبة فزواج.

وهنا اقتبس تعبير المغني عبد الوهاب لأقول لك ولكِ: ليتك تكون حكيم عيون تفهم بالعين. فالعين اليوم ستنظر خمس نظرات مستوحاة من إنجيل البشير متى لا سيّما الاصحاح الأول. والنظرات هي: النظر إلى الماضي أو الخلف، النظر إلى الحاضر أو حولنا، النظر إلى المستقبل أو الأمام، النظر إلى فوق، والنظر إلى أسفل. هذه النظرات مهمة لتكون البداية الجديدة بداية جيدة.

النظر إلى الخلف أو الماضي

يبدأ البشيرُ متى إنجيلَه بلائحةٍ من الأسماء ينظر فيها إلى الماضي أو إلى الخلف. عندما نقرأ لائحة الأسماء نشكرُ اللهَ أنَّ المسيح لم يُولد في الصين! يقدّم لنا البشير متى شعبَ إبراهيمَ في غرفةِ الولادة. وإن جاز التعبير، نقول إن شعبَ إبراهيم حبل مدة ثمانية عشر قرنًا (1800 سنة)، وهذه أطول فترة حبلٍ عرفها التاريخ. نظّم البشير متى فترة الحبل عن طريق الكلمة “وَلَدَ” التي يذكرها تسعًا وثلاثين مرةً قبل أن يكتمل العدد بالأربعين حين يتحول الفعلُ “وَلدَ” إلى الفعل “وُلدَ” المبني للمجهول. وقسّم القديس متى سلسلة العائلة إلى ثلاثِ محطات: من إبراهيم إلى داود ومن داود إلى السَّبي ومن السَّبي إلى المسيح. تحتضن كلُّ محطةٍ أربعةَ عشرَ جيلاَ مما يجعل مجموعَ الأجيالِ اثنين وأربعين جيلًا. ربما تساعدنا هذه الأرقام أن نكتشف ملء الزمان الذي حلَّ بميلاد المسيح. فمدلول الرقم أربعين هو الاكتمال وذلك بحسب استخدام هذا العدد في كثيرٍ من نصوص الكتاب المقدس لا سيما العهد القديم. ويتكافأ العدد اثنان وأربعون مع ثلاث سنوات ونصف (42 شهرًا) وهي فترة توقف المطر زمن إيليا وفترة متميزة في سفر الرؤيا يرتبط انتهاؤها ببداية جديدة. والتقسيم في متى هو أربعةُ عشر جيلًا مكررة ثلاث مرات. بكلمات أخرى، نتحدث عن فترة مكونة من ست سباعيات وهكذا تكون ولادة السيد المسيح السُّباعية السابعة وبداية عصر الكمال. على أي حال، عندما ننظر إلى الماضي بعيون البشير متى نرى أمرين أساسيين.

أولًا، نرى ما يحرجنا في تاريخ العائلة، فهناك الزانيات والأمميات والإهانات وفشل داود والسبي وغير ذلك. نرى فشلَنا في تحقيق خطة الله. فيهوذا أخطأ مع ثامار، وداود زنى مع بثشبع، ووصل بنا الحال إلى السبي، وظهر يكنيا الذي وصفه إرميا قائلًا: “اكْتُبُوا هذَا الرَّجُلَ عَقِيمًا، رَجُلاً لاَ يَنْجَحُ فِي أَيَّامِهِ، لأَنَّهُ لاَ يَنْجَحُ مِنْ نَسْلِهِ أَحَدٌ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَحَاكِمًا بَعْدُ فِي يَهُوذَا” (إرميا 22: 30). من الحكمة إن ننظر إلى الماضي ونكتشف فشلنا في كثيرٍ من الأمور. فالجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله. فَشِلْنا كأتباع المسيح، فشلنا في القداسة والمحبة، فشلنا في بناء علاقات تمجد الله، فشلنا ككنيسة، كعائلة، كأبناء، كطلاب، كموظفين، كقادة، وغير ذلك. ونأتي بفشلنا عند أقدام المسيح. كما فعل متى بعد لائحةٍ طويلة. لنحضر فشلنا إلى مسيحنا.

ثانيًا، ننظر إلى الخلف أو الماضي لنتذكر وعود الرب. وعد أن يباركنا وأن يكون معنا وأن يرحمنا. تعتمد هذه الوعود على هويته وشخصه وقداسته ومحبته. فرغم فشل أبناء يعقوب أو إخوة يوسف ورغم فشل يهوذا ورغم فشل داود ورغم السبي ورغم يكنيا يستطيع الله أن يخلق من العدم حياة وأن يذهل عيون البشر وأن يقيم شعوبًا بأكملها من رماد التراب. فلنتذكر وعود الرب لنا ولأولادنا ولكنائسنا ولبلادنا. قال لنا: ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر. قال لنا: أنا أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. تذكروا وعود الرب.

النظر إلى الحاضر

               ليس الحاضرُ أفضلَ كثيرًا من الماضي. فلا يزال الفاشلون يملأون تاريخ الكنيسة بصفحات مخزية أخلاقيًّا ولاهوتيًّا. لا تزال تصرفات الكثيرين محرجةً بسبب التشرذم المسيحي والانقسامات والتبريرات الواهية. لقد ظهر فشل الكنيسة في دعم العبودية في أمريكا وفي دعم الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وفي دعم محاكم التفتيش وفي دعم الحروب الصليبية وفي دعم النازية ومعاداة السامية وقتل اليهود وفي كره المسلمين وفي نشر الصهيونية وظلم الفلسطينيين ومآسي غزة والعراق وسوريا وحتى في قضايا أخلاقية مخزية ترتبط بالجنس والزواج. لكن يفشل البشر ولا يفشل المسيح. ليست البدايةُ الجديدة إعطاءَ فرصة أخرى لآدم ولنسل آدم بل خلق إنسانية جديدة من تراب آدم. يجب أن يموت آدم الأول ليُخلق آدم الثاني. يموت الإنسان الجسدي ليُخلق الإنسان السماوي. وهكذا وُلد المسيح لنولد ثانية، مات لنموت وقام لنقوم.

يقدم لنا متى كنيسة الحاضر ككنيسة منقسمة. ونجد القديس يوسف والعذراء المباركة في خلاف واختلاف. يؤمن كلاهما بالرب لكن الله تعامل مع كلٍّ منهما بطريقةٍ مختلفةٍ. فمن ناحيةٍ، حلَّ روحُ اللهِ على مريمَ العذراء. كلّمها الآبُ وسكن فيها الابنُ وحلَّ الرُّوحُ القُدسُ عليها. وظهر لها جبرائيلُ. لقد تعامل اللهُ مع مريمَ بصورةٍ استثنائيةٍ وجعلَها نموذجًا لكنيسة المستقبل حين يكون الابنُ معنا ويسكن الرُّوح فينا.

أما يوسف فكان بارًّا يحفظ الناموس والوصايا. كان إيمانه مستمدًّا من العهد القديم. لم يكن جاهزًا لدخول العصر الجديد حين يخلص الأمم وتتحقق المواعيد. أراد أن يعيش بحسب المعايير القديمة. كلاهما مؤمن لكنهما اختلفا في فهم مشيئة الرب. ربما ظن يوسف أن مريم أخطأت، واستغربت مريم من عدم تجاوب يوسف مع عمل الله فيها ومن خلالها، لا سيَّما أنه متمسك بكلمة الله وطاعته. يبرز البشير متى عنصرًا مفاجئًا في القصة وهو تدخُّل الله ليغير موقف يوسف. وصلاتي أن يغيِّر الله مواقف يوسف في زماننا لأن يوسف هو جزء مهم في تحقيق خطة الله للعالم. صلاتي أن يتفق أتباع إنجيل الخلاص مع أتباع الإنجيل الشمولي في التشديد على مركزية يسوع المسيح وإكرامه في كل الظروف. فنحن كمسيحيين نكون معًا أو لا نكون. نقف معًا أو نسقط في هوّة الطائفية والانقسامات حيث يفترسنا الأسد الزائر. 

النظر إلى المستقبل

مفتاح عمل الله في المستقبل هو عمانوئيل. لكن مدلول عمانوئيل لا ينحصر بمعية الله معنا بل يمتد ليشمل معيتنا معًا مع الله. لا يريد الله أن يكون مع مريم فقط أو مع يوسف فقط بل معهما معًا وهما مع بعضهما بعضًا. علينا أن نسعى إلى الشركة المقدسة مع كل أتباع المسيح بطرق تجسّد المحبة والاحترام والتواضع. لا نتصرف كأننا كنيسة تجسد عقلية الفريسي وتدين الآخرين مثلما أدان الفريسي العشار.

علينا أن نتحرر من العلب اللاهوتية الضيقة جدًّا التي تحصر هوية الكنيسة بطائفة محددة وبلاهوت ضيق. نحن الآن في سنة الاحتفال بألف وسبعمائة عام لمجمع نيقية الذي أصدر قانون الإيمان سنة ثلاث مئة وخمس وعشرين (325 م). فلنتذكر الوحدة المسيحية مع كل الكنائس. سنجد في الخليقة الجديدة مسيحيين كاثوليك وأرثوذكس وأقباط وسنجد أيضًا مسيحيين معمدانيين وخمسينيين وغيرهم. بعض القضايا التي نختلف عليها ربما علينا أن نتعلم من إنجيل متى ونتركها لحُكم السماء، ونصب جُل اهتمامنا بخدمة عمانوئيل. 

النظر إلى فوق

لا يكتفي متى بالحديث عن النظر إلى الماضي والحاضر والمستقبل بل يُصرُّ على أهمية النظر إلى فوق. فملاك الرب ظهر ليوسف في حُلم وتحدثت السماء إلى العذراء. ونجد النظر إلى فوق جليًّا في قصة المجوس الذين رأوا النجم. لقد انحبس الرسول يوحنا في بطمس لكنه نظر إلى فوق فانفتحت أبواب السماء عندما أُغلقت كلُّ أبواب الأرض. عندما تصبح الأمور مستحيلة ونقف أمام قبر لعازر الذي أنتن في القبر، لنتذكر أن ننظر إلى فوق كما فعل يسوع. والنظر إلى فوق قد يظهر بعدة صورٍ.

فعلى سبيل المثال، نرفع أعيننا لننظر إلى الجبال. قال كاتب المزامير: “أَرْفَعُ عَيْنَيَّ إِلَى الْجِبَالِ، مِنْ حَيْثُ يَأْتِي عَوْنِي!” (مزمور 121: 1). فأورشليم تحيطها الجبال كما يحيط الرب شعبه ويحميهم (مزمور 125: 2). نرفع أعيننا لننظر إلى الطيور. يقول السيد المسيح: انظروا إلى طيور السماء، إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأبوكم السماوي يقوتها. ألستم أنتم بالحري أفضل منها؟ لنثق أن الله يريد أن يعتني بنا. فلا تهتموا لمشاكل سنة ألفين وخمس وعشرين (2025) بل ارفعوا أعينكم لتنظروا الطيور. ثم بعد النظر إلى الجبال والطيور ارفعوا أعينكم لتنظروا الغيوم. فيسوع المسيح الذي ارتفع سيأتي ثانية. نحن ننتظر مجيئه الثاني كما انتظرت العذارى الحكيمات. ليس هو انتظار الكسل بل انتظار الصمود أمام كل التحديات من كراهية وعنصرية. هو صمود الشجرة المتجذرة أمام الرياح. أضف إلى ذلك، ارفعوا أعينكم إلى الغيوم لتعلموا أن المطر قادم؛ فالذي فدى البشر بدمه ألا ينقذهم من النكبات؟ الله الذي يحبنا أكثر من محبة الأم لرضيعها ألا يعتني بشعبه؟ فارفعوا أعينكم إلى السماوات كما فعل المجوس وكاتب المزامير الذي أعلمنا أن السماوات تتحدّث بمجد الله والفلك والمجرات تخبر بعمل يديه. من يدرِّب نظره على النظر إلى الأعلى سيكتشف المسيح كما حصل مع المجوس حين أوصلهم النجم ووقف فوق، حيث كان المسيح المولود. فمن المهم النظر إلى رئيس الإيمان ومكمله ربنا يسوع. لقد رفع بولس عينيه فرأى السيد المسيح بالقرب من دمشق. في مكان خوف المسيحيين وتألمهم ارتفعت عينا بولس لرؤية المسيح لأن الله يريد أن يبارك شعبه من خلال قادته لأن قاتل المسيحيين سيتحول إلى رسول الأمم. أقول مع صاحب المزمور: “إِلَيْكَ رَفَعْتُ عَيْنَيَّ يَا سَاكِنًا فِي السَّمَاوَاتِ. هُوَذَا كَمَا أَنَّ عُيُونَ الْعَبِيدِ نَحْوَ أَيْدِي سَادَتِهِمْ، كَمَا أَنَّ عَيْنَيِ الْجَارِيَةِ نَحْوَ يَدِ سَيِّدَتِهَا، هكَذَا عُيُونُنَا نَحْوَ الرَّبِّ إِلهِنَا حَتَّى يَتَرَأَّفَ عَلَيْنَا” (مز 123: 2-3). 

النظر إلى أسفل

علينا أيضا أن نكتشف شناعة الخطيئة فنتعرف على هيرودس وأمثاله. فهم أيضا جزءٌ من قصة البداية الجديدة. ولهذا نتأمل باللاجئين الذي هربوا من أرض الأنبياء إلى أرض فرعون. ونتأمل براحيل التي تبكي على أولادها وبالأطفال الذين يموتون ظلمًا. فننظر إلى أسفل ليس للتعبير عن اليأس بل للتعبير عن التوبة كما فعل العشار الذي لم يجرأ أن يرفع نظره قائلًا: “اللهم ارحمني أنا الخاطئ”. نعم أحبائي، إن طلب التوبة هو من أجمل ما يمكن أن نفعله في البدايات الجديدة. طلب المغفرة هو أجمل ما يمكن أن نفعله في البدايات الجديدة. هكذا فعل الرسول بطرس فصار منتصب القامة يمشي وفي يده قصفةُ زيتون وفي اليد الأخرى إنجيلُ المسيح.

ننظر إلى الأسفل للتعبير عن التآخي ولنمد يد المساعدة. فقصة متى هي قصة ساكن السماء الذي نظر إلى الأسفل وجاء إلى أرضنا. ونظر إلى الأسفل فنخدم المهمشين والمظلومين والشعبَ الجالس في الظلمة. ونظر إلى الأسفل ليرفع المنكوبين ويخلص المقيدين بالخطايا والخمور والمخدرات. وأقوى القديسين هم الذين صعدوا من الأسفل بنعمة الله المتواضع. ولا ننظر للأسفل نظرة التعالي بل نظرة القلب المنكسر والمصلي والخادم.

أخيرًا، يا إخوتي ويا أخواتي، هل أنت حكيم عيون؟ هل ستبدأ البداية بطريقة غشيمة أم حكيمة؟ هل ستنظر إلى خطايا سنة ألفين وأربع وعشرين (2024) وتضعها على مذبح التوبة؟ هل ستتذكر وعود الرب؟ هل ستمارس الوحدة والغفران كما حصل مع يوسف ومريم؟ هل ستنظر إلى الأمام بنظرة معية الله وترفع نظرك للأعلى فترى الجبال والطيور والغيوم والسماء وحتى رئيس السماء ربنا يسوع؟ هل ستنظر إلى الأسفل لينكسر قلبك وتبكي مع الباكين وتخدم المظلومين؟ قرار البداية الحكيمة يعود لك ويبدأ بنظرة.

التنوع الأدبي في الكتاب المُقدّس

اسم الكاتب : ق. بيتر وديع

المقدمة

يعتبر الكتاب المقدس أحد أهم النصوص في تاريخ البشرية، ليس فقط لمحتواه الروحي واللاهوتي، بل أيضًا لتنوعه الأدبي الرائع. فالكتاب المقدس يضم 66 كتابًا، كتبها مؤلفون مختلفون على مر القرون في سياقات تاريخية وثقافية متنوعة، ويعرض مجموعة واسعة من الأشكال الأدبية. هذه الأشكال تثري النصّ، مما يسمح له بمخاطبة عدد كبير من الجماهير، وتوصيل الحقائق الإلهية بطرق عميقة. ولذلك فإن فهم هذا التنوع أمر بالغ الأهمية للدراسات الأدبية واللاهوتية، ومن غير إدراك هذا التنوع لا يُمكن تفسير الكتاب المُقدّس بدقة، وبالتأكيد سنضل بعيدًا عن الرسالة اللاهوتية الأصيلة له.

التنوع الأدبي في العهد القديم

يتكون العهد القديم من أشكال أدبية متنوعة وأهمها هي السرد التاريخي، الشعر العبري، أدب الحكمة، والنصوص النبوية، ويوجد أيضًا أجزاء تنتمي للأدب الرؤيوي. ولكي نكون أكثر تدقيقًا يجب وأن نوضع أنه لا يوجد دائمًا بالضرورة نوع أدبي واحد خالص، بل أحيانًا كثيرة نجد تداخل بين الأنواع الأدبية المختلفة، فمثلًا نجد أدبًا شرائعيًّا مرتبطًا بذكر الشرائع بداخل السرد التاريخي، ونجد أدب حكمة بطريقة شعرية، ونجد نصوصًا رؤيوية بداخل النصوص النبوية وهكذا. ولكن هذه دراسات أدبية كتابية متنوعة ومتخصصة للغاية، لا نستطيع التعرض لها بالتفصيل في هذا المقال، فهذه دراسات أكاديمية خالصة. ولكنني سأعرض تعريفًا بسيطًا ومختصرًا لكل نوع من هذه الأنواع حتى يتسنَّى للقارئ أن يتعرف على الأشكال الأدبية المتنوعة والمختلفة للعهد القديم.

أولًا: السرد التاريخي

تعتبر الأسفار الـ17 الأولى في العهد القديم -بحسب الترتيب المسيحي الذي بين أيدينا الآن- كلها تنتمي بشكل رئيسي إلى أسلوب السرد التاريخي. فالسرد التاريخي يهيمن على الكثير من أسفار موسى الخمسة (سفر التكوين إلى سفر التثنية)، والكتب التاريخية (يشوع إلى أستير)، وأقسام أخرى من العهد القديم. لا تسرد هذه السرديات الأحداث فحسب، بل تتضمن تأملات لاهوتية ومفاهيم عن عهد الله مع شعبه عبر العصور والحقب المختلفة. على سبيل المثال، قصة الخروج هي رواية تاريخية، ولكنها أيضًا، بيان لاهوتي لخلاص وفداء الله لشعبه بالطريقة التي حددها هو، فهي تكشف عن تدبيرات الله لاسترداد الإنسان.

ولكي نكون أكثر دقة وموضوعية، يجب أن نذكر أنها تُسمَّى تاريخية لأنها تتبع أسلوبًا أدبيًّا تاريخيًّا، ولكنها ليست تأريخًا بالمفهوم العلمي الحديث، فالكتاب كانوا يكتبون بحسب السقف المعرفي آنذاك، وبحسب الطرق المتبعة وقتها. فهي ليست تأريخًا دقيقًا للأحداث والمواقف والشخصيات، بل مجرد إعلان الحقائق اللاهوتية والروحية عن شخص الله والعلاقة معه، من خلال هذا السرد التاريخيّ. فسوف نجد خلال دراسة هذه الأسفار فجوات تاريخية عديدة، وسوف نجد أحيانًا تكثيفًا تاريخيًّا لفترات قصيرة، وهذا يؤكد أن الهدف لاهوتي وليس تأريخيًّا.

الشعر العبري

يُعَد الشعر العبري أحد أبرز الأشكال الأدبية في العهد القديم، ويظهر بشكل أساسي في كتب مثل المزامير ونشيد الأنشاد. والسمة المميزة له هي التوازي، حيث تتردد الأسطر أو تتناقض مع بعضها البعض في المعنى بدلًا من القافية أو الوزن اللذين نجدهما في الشعر العربي. ويساعد هذا البناء الشعري في تعزيز الحقائق اللاهوتية مع إمكانية الوصول إليه للعبادة والتأمل. كما يستخدم الشعر العبري الصور والاستعارات الحية من الواقع، ولكن في أحيان كثيرة يستخدمها بطريقة مجازية، مما يجعله عاطفيًّا للغاية وقابلًا للتواصل.

والنصوص الشعرية كُتِبَت من خبرات الكتاب ومن واقعهم اليومي، ولكن بكل تأكيد هدفها روحي ولاهوتي بامتياز، فهي جزء أصيل من الكتاب المُقدّس -كلمة الله- ولكن لا بد وأن نعرف أن كثيرًا من التصورات بداخل هذه الأسفار كُتِبَت من منظور الكاتب في إطار تدرُّج الإعلان الإلهي عن نفسه لشعبه، وبالتالي لكيلا نضل التفسير وفهم القصد الأصيل من النص، لا بد وأن نفهم كل النصوص في الإطار اللاهوتي العام للكتاب المُقدس، ولا يجوز إطلاقًا اقتطاع جزء مِن هذه النصوص وفهمه باستقلال عن باقي السياق الكتابي.

ثالثًا أدب الحكمة

تمثل كتب مثل الأمثال والجامعة وأيوب أدب الحكمة، حيث تقدم رؤى ثاقبة حول الأسئلة الوجودية والفلسفية في الحياة. وتستخدم هذه النصوص الأمثال والحوارات التأملية لاستكشاف موضوعات مثل: العدالة والمعاناة ومعنى الحياة. فهذا النوع مِن الأدب يعتبر بشكلٍ رئيسيٍّ هو فلسفيّ وجوديّ، يتكلم من منظور خبرة الحياة، ويطرح الأسئلة، ويتفاعل بجدية مع تعقيدات الحياة في جوانبها المختلفة. ما يميز هذا النوع أنه إنساني جدًّا، وهذا يجعل هذه النصوص قريبة للقارئ حتى مع البعد الزمني والمكاني له. لا بد وأن نؤكد أيضًا أن هذا النوع متقارب ومتداخل جدًّا مع الشعر العبري، فكثير مِن أجزائه مكتوبة بالشعر العبري وبحسب خصائصه. 

رابعًا: الأدب النبوي

تتميز الكتب النبوية، مِن إشعياء إلى ملاخي، بأسلوبها الشعري والنبوي. فهي تنقل رسائل الدينونة والرجاء، من خلال الصور الحية، والأسئلة البلاغية والأفعال الرمزية. ولا بد مِن التأكيد هنا أنها تُسمى نبوية لأنها تتنبأ عن الله ورسالته، فهي كتابات تُخبر -أي تُعلن- عن رسالة الله لشعبه، سواء في جانب الدينونة أو جانب الأمل والرجاء. ولكن للأسف ضل كثيرون التفسير عندما ظنوا أنها بالضرورة تحمل رسائل للمستقبل فقط، وكأنها نصوص تنجيمية تحوي أسرار مستقبل العالم ونهاية الزمان؛ فهي نصوص مُشفرة يجب فك رموزها لمعرفة ما تقصده الشفرة.

              لذا هذه النصوص لا بد وأن تُفهم في إطار سياقها التاريخي والحضاري، وتقرأ بمرعاه الأسلوب الشعري الممزوج بداخلها وما يحتويه من استعارات وتشبيهات ولغة أدبية بلاغية بديعة. فالخطر -كل الخطر- إذا استُخدمت هذه النصوص بطريقة حرفية مجتزأة، وطُبِّقت على الواقع الحالي، أو طُبِّقت على المستقبل.  

التنوع الأدبي في العهد الجديد

أولًا: الأناجيل

تُمثل الأناجيل (متى ومرقس ولوقا ويوحنا) مزيجًا فريدًا من السيرة الذاتية والسرد واللاهوت؛ فهي تروي حياة يسوع المسيح وخدمته وموته وقيامته، مع التأكيد على هويته الإلهية ودوره الفدائي. كل إنجيل له أسلوبه المميز وجمهوره الموجه إليه، فنحن نرى أن متى يهتم بتعليم مُنظم لليهود، ونجد في مرقس يسوع الخادم وهو ما يريد مرقس تقديمه للرومانيين، ونرى السرد التفصيلي في لوقا والذي يقُدم لليونانيين، ونجد العمق اللاهوتي ليوحنا والذي يخاطب كل العالم.

ومن الواضح أن الأناجيل تحتوي في داخلها عديدًا من الأنماط الأدبية المتنوعة، فهي تُعتَبَر نوعًا أدبيًّا في ذاتها، ولكنها أيضًا تحتوي أنماطًا مثل القصص الرمزية، والأمثال التوضيحية، والعظات، وبعض التشبيهات الاستعارية. لذلك يجب أن نتعامل حتى داخل الأناجيل بوعي شديد وتمييز دقيق لكل نوع أدبي تفصيلي.

ثانيًا: الرسائل

الرسائل هي نوع أدبي مختلف عن الأنواع الأخرى، وهو يُعتَبَر خاصًّا بالعهد الجديد، وكانت هذه الرسائل بالأساس موجَّهة إلى مجتمعات أو أفراد محدَّدين، وذلك بحسب طبيعة هذا الزمان؛ فهي لم تكن نوعًا أدبيًّا حصريًّا على الكتاب المُقدس أو الكُتاب المسيحيين، بل كانت نوعًا معروفًا آنذاك. والرسائل تمزج بين التفسير العقائدي وشرح الإيمان المسيحي، ولكن أيضًا تُقدّم المشورة الرعوية سواء لأفراد أو كنائس، وذلك باستخدام أساليب بلاغية للإقناع والتعليم. وتتكون الرسائل دائمًا من افتتاحية ثم مقدمة، وبعد ذلك موضوعات الرسالة، ثم الخاتمة. لذلك يجب مراعاة هذا النسق ونحن نقرأ ونفهم الرسائل.

ثالثًا: الأدب الرؤيوي

نرى هذا النوع بوضوحٍ في سفر الرؤيا، فهو يجسِّد الأدب الرؤيوي بصورة حية، ويوضح الصراع الكوني، والاستعادة النهائية. وكُتب هذا السفر بهذا النوع الأدبي لتقديم الأمل للمؤمنين المضطَهَدين، مِن خلال التأكيد على سيادة الله، وانتصار الخير على الشر في النهاية. وهذا النوع لم يكن شفرة أو لغزًا، بل هو أسلوب ظهر في فترة ما بين العهدين وكُتبت به عديدٌ من الكتابات التي هي خارج الكتاب المُقدّس. هذا النوع هو من أكثر الأنواع التي حيَّرت الجميع في التفسير وذلك بسبب التعامل الحرفي المُباشر مع النصوص، ولكن لا بد وأن نتعرف على الخصائص الأدبية لهذا النوع الأدبي، حتى نفهم الرسالة اللاهوتية والروحية ببساطة دون الخوض في تعقيدات رمزية غيبية.

وأخيرًا، بعد أن عرضنا أهم وأبرز الأنواع الأدبية في الكتاب المُقدَّس، أريد أن أؤكد أن هذا التنوع له أهداف في غاية الروعة والجمال. فيضمن تنوع الأشكال الأدبية أن يتحدث الكتاب المقدس إلى الناس عبر ثقافات وأزمنة وظروف مختلفة. فالشعر يحرك المشاعر، والسرديات تتصل بتجارب الحياة، والنصوص النبوية تتحدى الرضا الأخلاقي. كما إن الثراء الأدبي للكتاب المقدَّس يعكس طبيعته المزدوجة باعتباره وحيًا إلهيًّا وتكوينًا بشريًّا.

إن التنوع الأدبي للكتاب المقدّس هو شهادة على عمقه وعالميته. فمن الجمال الشعري في المزامير إلى الرؤى العميقة في سفر الرؤيا، يتحدث الكتاب المقدس بأصوات عديدة، يساهم كلٌّ منها في رسالته الشاملة عن محبة الله وعدله وفدائه. ومن خلال تقدير هذا التنوع، يمكن للقراء التفاعل مع الكتاب المقدس بشكل أكثر اكتمالًا، وكشف طبقات المعنى التي يتردد صداها عبر الزمن والثقافات.

العهد القديم والحفر عند جذور الكلمات وفهم المصطلحات: الفلسطيون والفلسطينيون؛ إسرَإيل وإسرائيل أنموذجًا

اسم الكاتب : القسّ عيد صلاح

في دراسة العهد القديم يجب أن نقف عن جذور الكلمات ومعانيها في ضوء القرينة والسياق، فنجد الغنى والمعرفة، الكلمات والمصطلحات مهمة في تشكيل الوعي فمثلًا هل نعرف الفرق بين “الفلسطيون” و”الفلسطينيون”؟ وبين “إسرَإيل” و”إسرائيل”؟ وماذا تعني كل كلمة منها؟ وما هي الفائدة التي تحلّ علينا من معرفة هذا الفرق؟

الدراستان المحلقتان هنا ستدهشاننا، وفي الوقت نفسه ستغيران من قناعاتنا وتفكيرنا، وتجعلاننا نعيد النظر فيما كنا نعتقده ونفكر فيه، وما ينسحب ذلك على واقعنا في شرقنا العربيّ. بقدر ما يفيدنا من معلومات بقدر أكبر هو تعلم منهاجية الحفر عند جذور الكلمات. نعرض في هذا الملحق لدراستين:

الأولى: “الفلسطيُّون والفلسطينيُّون” لطيب الذكر الدكتور القسّ عبد المسيح إسطفانوس، وقد سبق نشره في مجلة الهدى، العدد 915، السنة 79، أغسطس 1989م، الصفحات من 16-21.

 والثانية: “إسرَإيل الله” (غلاطية 6: 16) للقسّ أمير إسحق، نُشِرَ من قبل في سلسلة الأغصان رقم (15)، وهي تنشر كملحق مع مجلة الهدى، 2024م، ولأهمية الموضوع نعيد نشره ثانيةً.

وقد وضعت الدراستين تحت عنوان: “العهد القديم والحفر عند جذور الكلمات وفهم المصطلحات: الفلسطيون والفلسطينيون؛ إسرَإيل وإسرائيل”. كلتاهما تشتبك مع الواقع وتوضِّح ما التبس عليه الفهم، وتُصحِّح المسار، وتضبط المعاني. سيُلحَق بالدراستين مقالان تعريفيَّان بالكاتبين: الدكتور القسّ عبد المسيح إسطفانوس والقسّ أمير إسحق، وبإنتاجهما الفكريّ.

القسّ عيد صلاح

يناير 2025م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(1)

الفلسطيون والفلسطينيون

بقلم

الدكتور القسّ عبد المسيح إسطفانوس

          تخالج البعض في عالمنا العربيّ وهم يقرأون أو يسمعون قصص العهد القديم الخاصة بشعب الرب في علاقتهم بـ”الفلسطيين”، مشاعر متفاوتة. فهناك من اعتادوا قراءة أو سماع تلك القصص، فلا يربطون بينها وبين الأوضاع السياسية في عالم اليوم. وهنالك من يقرأون أو يتحدثون عن هذه القصص من منظور سياسي معاصر بحت، فينفعلون بدرجات متفاوتة تدفع بعضًا منهم أحيانًا إلى اعتبار قصص القضاة وقصة داود وجليات بصفة خاصة، وكأنها أساطير دوّنها بعض الكُتاب لرفع شأن بني إسرائيل ومعنوياتهم، وما يشوب ذلك من نظرة احتقار وازدراء لغيرهم من الشعوب. إلا أن الدراسة المدققة تكشف لنا أن من نُطلق عليهم اسم “الفلسطينيين” في العهد القديم لا صلة بينهم كشعب وبين “الفلسطينيين” اليوم.

نقطـة البدايـة

          رغم أن الكتاب المقدّس لم يُقصد به أن يكون سجلًّا ومرجعًا في علم الأجناس، إلا أن أول إشارة “للفلسطينيين” نجدها في سفر التكوين “وَمِصْرَايِمُ وَلَدَ: لُودِيمَ وَعَنَامِيمَ وَلَهَابِيمَ وَنَفْتُوحِيمَ وَفَتْرُوسِيمَ وَكَسْلُوحِيمَ. الَّذِينَ خَرَجَ مِنْهُمْ فِلِشْتِيمُ وَكَفْتُورِيمُ”. (تك 10: 13، 14). ونعلم أن الياء والميم هي علامة الجمع في اللغة العبرية، ولذلك يمكننا أن نضع مكانها الواو والنون في العربيّة مع التغييرات الطفيفة المناسبة. وبذلك فبدلًا من أن نقول “فلشتيم” يمكننا أن نقول “الفلسطيون” (لأن حرف الشين العبري يُستبدل عادةً بالسين في العربيَّة) ونجد نفس الشيء في (1أخبار 1: 12).

لماذا الفلسطيون وليس الفلسطينيون؟

وقد قصدت أن استخدم كلمة “الفلسطيين” بدلًا من كلمة “الفلسطينيين”. فالكلمة العبرية هي (فلشتيم) التي تشير إلى من اعتدنا في كل ترجماتنا العربيّة للعهد القديم أن نسميهم “الفلسطينيين”، بينما هنالك كلمة عبرية أخرى تُعبّر عن شعب بلاد فلسطين اليوم وهم من نسميهم “الفلسطينيين”. وكان لزامًا علينا أن نستخدم في العربيّة كلمتين متميزتين تتمشى كلٌّ منهما مع اللفظ العبري المناسب. وأرى أن تكون الأولى “الفلسطيين” والثانية “الفلسطينيين”.

          ولعلنا نلاحظ استخدام كلمة متميزة في كثير من ترجمات الكتاب المقدّس للتعبير عن شعب “فلسطين” في العهد القديم تختلف عمن نسميهم “الفلسطينيين” اليوم. فنجد مثلًا كلمة (Philistines) في الترجمات الإنجليزية للعهد القديم التي تختلف عن كلمة (Palestinians) التي تُعبِّر عن شعب فلسطين اليوم، وهكذا في كثير من اللغات. وسوف نرى أن الموقع الجغرافي الذي اعتدنا أن نشير إليه في ترجماتنا العربيّة للعهد القديم باسم “فلسطين” (خروج 15: 14) مثلًا أصغر بكثير من الرقعة الجغرافية التي عُرفت باسم فلسطين منذ أوائل القرن الثاني الميلادي حتى اليوم.

الشعب يعطي للبلاد اسمها

          والذي يقرأ سفر التكوين يلاحظ أن إبراهيم عندما رحل من أرض الكلدانيين ثم من حاران قاصدًا أرض الموعد وصل إلى كنعان. واكتسبت كنعان اسمها من وجود الكنعانيين بها، وكان ذلك قبل أن يحضر الفلسطيون إليها. ولذلك نقرأ كلمة هامة في سفر التكوين (12: 6) “وكان الكنعانيون حينئذٍ في الأرض.” ويُبرز الكاتب هذه الحقيقة لأنه عند تدوين هذه الكلمات يبدو أن الفلسطيين كانوا قد حلوا محل الكنعانيين في تلك البقعة من الأرض.

 فأرض كنعان اكتسبت اسمها من اسم الشعب الذي سكن فيها، أي الكنعانيين. ثم تغيّر اسمها أو على وجه أدق اسم جزء هام منها إلى فلسطيا (فلشت)، عندما حل الفلسطيون بها. فسُمِّيت تلك البقعة من الأرض كنعان، نسبةً للكنعانيين، ثم سُمِّي جزء منها فلسطيا نسبة للفلسطيين.

من هم الفلسطيون؟

          لاحظنا في (تك 10: 14)، أو بعبارة أخرى إلى الفلسطيين والكفتوريين. وكفتور في العهد القديم هي جزيرة كريت اليوم. والارتباط بين الفلسطيين والكفتوريين (الكريتيين) في العهد القديم يتكرر بصورة كبيرة (تثنية 2: 23؛ 1صموئيل 30: 4، 1أخبار 1: 12؛ إرميا 47: 4؛ حزقيال 25: 16؛ عاموس 9: 7؛ صفنيا 2: 5) وخلاصة القول، من دون دخول في تفصيلات كثيرة، يلاحظ من يدرس تاريخ هجرات الشعوب القديمة أنه كانت هناك موجات متلاحقة ممن نزحوا من كريت وجزر اليونان (وكانت كريت دولة هامة قديمًا) واستقروا في المنطقة الساحلية الواقعة في الجزء الجنوبي من الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وأُطلق عليهم اسم “شعوب البحر” ولربما كان من أشهر هؤلاء أبيمالك الذي اتخذ لنفسه اسمًا ساميًّا وعاش مسالمًا لشعب البلاد (تكوين 21: 23، 34؛ 26: 1، 8، 14، 15، 18) ولقد تصدى لتلك الموجات المبكرة فرعون مصر مرنبتاح حيث إن تلك المنطقة كانت ضمن البلاد المصريّة. إلا أنه في أواخر العصر البرونزي المتأخر (حوالي سنة 1200 ق.م.) تزايد عدد أولئك المهاجرين، وكانوا رجالًا أشداء متمرسين في فنون الحروب، واستولوا على خمس مدن حصينة، هي المدن التي أصبحت المدن الفلسطينية الرئيسية: غزة، أشقلون، أشدود، عقرون، وجت (راجع أقطاب الفلسطيين “الفلسطينيين” الخمسة) (يشوع 13: 3). أما بيت شان وجرار فكانتا أقل شأنًا. كما استولوا على الساحل الذي يقع جنوبي هذه المدن الخمس وأطلقوا على هذه المنطقة اسم كريت أو ساحل الكريتيين.

وهنالك ثلاث إشارات للكريتيين في العهد القديم (1صموئيل 30: 14؛ حزقيال 25: 16؛ صفنيا 2: 5)، وكلُّها تخص هذه المنطقة لا جزيرة كريت نفسها. وهنالك أيضًا إشارة إلى (بحر الفلسطيين “الفلسطينيين”) (خروج 23: 31). ولا يمكننا أن نتفهم هذه الآيات دون الإلمام بهذه الخلفية التاريخية الهامة. كما أنه ليس غريبًا أن من ينزحون إلى بلاد غريبة، يطلقون اسم بلادهم التي نزحوا منها على بلادهم الجديدة (أمثلة ذلك كثيرة جدًّا في الولايات المتحدة الأمريكية).

الحقيقـة وتأكيدهـا

  1. هنالك آيات كثيرة في كلمة الله تشير إلى هذه الحقيقة (مثلًا: تثنية 2: 23) “وَالْعُوِّيُّونَ السَّاكِنُونَ فِي الْقُرَى إِلَى غَزَّةَ، أَبَادَهُمُ الْكَفْتُورِيُّونَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ كَفْتُورَ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ.”، (عاموس 9: 7) “أَلَمْ أُصْعِدْ إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، وَالْفِلِسْطِينِيِّينَ مِنْ كَفْتُورَ، وَالأَرَامِيِّينَ مِنْ قِيرٍ؟”.
  2. والحفريات تؤكد كلمة الله، فقد اكتُشِفَت في فلسطين آنيةٌ فخاريةٌ تعود إلى تلك الحقبة يتضح أنها تختلف تمامًا عن آنية الكنعانيين الفخارية وهي أحدث منها، وتشبه تمامًا الآنية الكريتية في ذلك العصر.
  3. كما أن هنالك لوحة موجودة في مدينة هابو بالقرب من الأقصر، يسجل عليها رمسيس الثالث فرعون مصر حملاته ضد غزوات الليبيين ومجموعات أخرى من الشعوب يُعرفون باسم “شعوب البحر”. ونجد أول إشارة للفلسطيين بالاسم “برست” أو “بلست” (فلسط) في سجلات رمسيس الثالث في سنة حكمه الخامسة (1185 ق.م.) والسنوات الست التالية، في معبده (معبد آمون) في مدينة هابو بالقرب من الأقصر. وتقدم هذه اللوحة صورة لواحدٍ من الفلسطيين يتميَّز بغطاء الرأس المصنوع من الريش وهو زي يوناني (كريتي) مع ملامح الوجه اليونانية أيضًا. كما يظهر أن الفلسطيين ربما كانوا يتميزون بطول القامة. وقد يساعدنا هذا على تفهم صورة جليات التي يقدمها لنا الكتاب المقدّس (1صموئيل 17). ويرى بعض المؤرخين أن هؤلاء الفلسطيين الغزاة لم يكن هدفهم الاستقرار في أرض فلسطين، ولكنهم كانوا يتطلعون لغزو مصر والاستيلاء عليها لولا أن صدهم رمسيس الثالث، كما توضح اللوحة المشار إليها. ويجدر القول إن تلك البلاد خضعت قبل ذلك وبعد ذلك ولسنين للحكم المصريّ.
  4. بقي أيضًا أن نقول إن كلمة فلسط (فلسطيا/ فلسطين) نفسها ليست من أصلٍ ساميٍّ؛ فهي لا تتصل باللغة الساميَّة. وواضح أن الفلسطيين أنفسهم ليسوا من أصلٍ ساميّ، ولكنهم من نسل حام كما سبقت الإشارة (تكوين 10: 13، 14)، وهم لم يمارسوا الختان مثلًا (قضاة 14: 3؛ 15: 18؛ 1صموئيل 17: 26؛ 18: 25). وكلنا يعلم أن إبراهيم وكل نسله ساميُّون. وهذا أمر تجدر ملاحظته ونحن نتحدث عن الفلسطينيين اليوم.

الفلسطيون… كنعان… فلسطيا (فلسطين)

رأينا أنه عندما وصل الفلسطيون أرض كنعان، وكان الكنعانيون فيها عندئذٍ (تكوين 12: 6) حدثت تغييرات كبيرة:

  1. تغير اسم البلاد (أو جزء منها) فأصبحت فلسطيا التي اشتُقّ منها فيما بعد اسم فلسطين.
  2. لم يحتفظ الفلسطيون بلغتهم الأصلية ولكنهم تبنوا لغة البلاد التي استقروا فيها، وإن كانوا قد مزجوها بشيء من مفرداتهم. وهذا يُلقي الضوء على (نحميا 13: 24) “وَلَمْ يَكُونُوا يُحْسِنُونَ التَّكَلُّمَ بِاللِّسَانِ الْيَهُودِيِّ…”.
  3. من منطلق الاعتقاد السائد في تلك الأيام بأن كل بلاد لها آلهتها الخاصة بها. اعتنق الفلسطيون آلهة الكنعانيين المختلفة والتي لا يسمح المجال بالحديث عنها، وإن كنا نقول إن تلك العبادة كانت تافهة، خالية من أية قيم أخلاقية على الإطلاق، بل إن تلك الآلهة نفسها تقدم نموذجًا سيئًا للسلوك. وأهم آلهتهم داجون وعشتاروث وبعل زبوب. وقد شيّدوا معبدين لداجون في غزة وأشدود (قضاة 16: 23؛ 1صموئيل 5: 1-7) ومعبدًا لعشتاروث في أشقلون (هيرودوتس 1: 105)، ومعبدًا لبعل زبوب في عقرون (2ملوك 1: 3)، واستمرت بعض هذه المعابد حتى العصر اليوناني (مكابيين الأول 10: 83). ومن الغريب أن تلك الآلهة، وتلك العبادة، ظلت لقرونٍ وقرونٍ تشد شعب الرب بعيدًا عن إلهه الحقيقي ليتعبد لها!

الفلسطيون وشعب الرب

ويرى كثيرون أن نزوح الفلسطيين إلى “فلسطين” كان مواكبًا للخروج فوصلوا قبل وصول شعب الرب لكنعان بحوالي أربعين سنة (خروج 13: 17) إشارة لاسم المنطقة ولا يُفهم منه أن الفلسطيين كانوا قد استقروا في هذه البلاد (قارن عدد 14: 25). كان ذلك في أواخر العصر البرونزي المتأخر (حوالي 1200ق.م.) كما سبقت الإشارة، وهو العصر الذي اكتشفوا فيه أن إضافة بعض الزنك (الصفيح، الصاج) للنحاس يعطي النحاس شيئًا من الصلابة (البرونز).

ونلاحظ أن الفلسطيين عندما قيّدوا شمشون (في عصر القضاة) ربطوه بسلسلة من النحاس (قضاة 16: 21) وربما كان ذلك لأنه لم يكن قد تم التحول من النحاس إلى الحديد، وإن كانت سلاسل النحاس قد استُخدمت فيما بعد (إرميا 39: 7). ثم جاء العصر الحديدي وأحدث ثورة كبيرة في مجال الصناعة والحروب والتجارة والزراعة… إلخ. وأصبح الحديد أغلى من الذهب. نعم أغلى من الذهب!

 وكان الفلسطيون قد عرفوا كيفية استخلاص الحديد، بعد أن حاولت مملكة الحثيين (في الجنوب الشرقي من آسيا الصغرى) أن تبقي عليها سرًا خاصًّا لتحتكر تلك الصناعة. وربما كان سبب تعرف الفلسطيين على الحديد أنهم نزحوا من الجزر اليونانية، ومن جزيرة كريت بصفة خاصة عن طريق آسيا الصغرى مرورًا بمملكة الحثيين. ثم توجهوا جنوبًا، إلى أن استقر بهم المطاف بصورة أو بأخرى في فلسطيا. ولم يكشف الفلسطيون لشعب الرب سر استخلاص الحديد ولا صناعته، ليجعلوا شعب إسرائيل تحت رحمتهم، لا من الناحية الحربية وحسب، بل حتى فيما يتعلق بالزراعة وتربية الماشية وما إلى ذلك. وهنالك فصل كتابي هام يوضح هذه الحقيقة وهو (1صموئيل 13: 19-22).

 وكانت لكل ذلك نتائج بعيدة المدى على شعب الرب. فابتعادهم عن الرب، أدى بهم إلى الهزيمة الكبيرة التي لحقت بهم في أفيق، وانتهاء دور شيلوه كمركز للعبادة، وضياع تابوت عهد الرب (1صموئيل 4)، وأصبحت رقعة أرض الفلسطيين واسعة كبيرة والذي يقرأ سفر القضاة وسفر صموئيل الأول وما بعدهما من الأسفار التاريخية، لا يفوته أن يلاحظ كيف استخدم الرب الفلسطيين مرارًا وتكرارًا لامتحان شعبه وتأديبهم وإرجاعهم إليه (راجع قضاة 3: 4). وإزاء كارثة ضياع تابوت عهد الرب، ووقوعه في يد الفلسطيين طالب الشعب صموئيل بإلحاح أن يقيم لهم ملكًا! وهكذا ظهرت صفحة جديدة في تاريخ شعب الرب ظلت ترافقهم لعدة قرونٍ.

آخر صفحة في تاريخ الفلسطيين كشعب

 لا يتسع المجال لتتبع تاريخ الفلسطيين خلال القرون الطويلة؛ فقد كان موقعهم الجغرافي من الخطورة بحيث إنهم تعرضوا لضم أراضيهم مرات كثيرة لهذه الإمبراطورية أو تلك المملكة، ولكنهم نجحوا لفترة طويلة في الاحتفاظ بكيانهم كشعب متميز. وغزا نبوخذ ناصر والجيوش البابلية أشقلون في سنة 604 ق.م. وأسروا قادتها وأهم مواطنيها وذهبوا بهم إلى بابل (إرميا 47: 5-7)، وحدث معهم شيء مماثل لما حدث لمملكة إسرائيل كما ستأتي الإشارة. ومع ذلك يبدو أن الكيان الفلسطيني استمر من خلال “المدن” الفلسطينية الحصينة الأخرى.

إلا أنه عندما غزا الإسكندر الأكبر دول الشرق، سقطت غزة في يده في سنة 332 ق.م. بعد حصار شديد. وترتب على الحركة الهلينية المصاحبة لإمبراطورية الإسكندر الأكبر وما بعدها أن امتصت الشعوب الأخرى جماعة الفلسطيين في كيانها. فتغيّرت أسماء مدن الفلسطيين إلى أسماء يونانية، فأصبحت أشقلون مثلًا أسكالون، وأشدود أزوتوس وهكذا… فنقرأ في أعمال الرسل 8: 40 عن فيلبس في أشدود (باليونانية أزوتوس) وما كان يمكن لهذا أن يحدث ويدوّن بهذه البساطة لو كانت أشدود ما زالت فلسطية. وهكذا اندثر الفلسطيون كشعب وانتهى تاريخهم.

وعندما قُسِّمت إمبراطورية الإسكندر الأكبر بين قادته، أصبحت رقعة الأرض التي كان يسكنها الفلسطيون والبلاد المجاورة لها شرقًا ومنها أورشليم وما حولها جزءًا من دولة البطالمة واستمرت كذلك لفترة طويلة حتى ضعفت دولتهم وقويت دولة السلوقيين، فاستولوا على نفس تلك المنطقة (في سنة 198 ق.م.) ثم أصبحت تحت حكم المكابيين من عام 167 ق.م. إلى أن جاء الحكم الروماني على يد بومبي في عام 63 ق. م.

وتلى ذلك حكم أسرة هيرودس (جماعة الملوك الذين أُطلق على غالبيتهم اسم هيرودس Herods). وقبل ميلاد المسيح بقليل كان هيرودس الكبير قد أصبح ملكًا على منطقة واسعة ضمنها فلسطين (بالمعنى الواسع كما نستخدمه اليوم) وقد منحه مجلس الشيوخ الروماني ذلك. إلا أنه عند موته انقسمت المملكة إلى أربعة أقاليم كل منها يُطلق عليه اسم “ربع” (Tetrarch) يرد ذكرها تفصيلًا في (لوقا 3: 1). إلا أن الإمبراطور أغسطس عزل أرخيلاوس (وهو الذي كان يحكم منطقة اليهودية والسامرة وأدومية) -وكلها جزء من فلسطين بالمعنى الواسع- وعيَّن بدلًا منه ولاة يحكمون البلاد باسم الدولة الرومانية وكان بيلاطس أحد هؤلاء (عام 26-36م).

ودمر تيطس الروماني أورشليم والهيكل في عام 70م بعد ثورة يهودية استمرت من عام 66-70م. وبعد تجدُّد ثورة اليهود بقيادة (بار كوكبا Bar Cochba ما بين عامي 132-135) وإخمادها، أُعيد بناء أورشليم باسم جديد (Aelia-Capitolina) على ألا يسمح لليهود بتاتًا بالدخول إليها. وهكذا انطوت صفحة تسمية إقليمي اليهودية والسامرة وما إليهما سواءً من الناحية الدينية أو السياسية أو غيرها. وتلى ذلك استخدام اسم فلسطين رسميًّا لأول مرة في سنة 138م. واتسع نطاق هذه التسمية واستمر بصورة أو بأخرى في أيام الإمبراطورية الرومانية ثم الإمبراطورية البيزنطية حتى العصر الحديث، وبالمفهوم المعاصر.

الأرض التي تعطي الشعب اسمهم

 إلا أنه كان طبيعيًّا أن اندثار الفلسطيين كشعب، وكل الأحداث التي أشرنا إليها إشارة موجزة، جعلت اسم فلسطين اليوم كبلاد، وإن كان يستمد جذوره من اسم الفلسطيين، وبلادهم فلسطيا، برقعتها المحدودة، يأخذ صورة أخرى، وأصبحت فلسطين تشمل مساحة جغرافية كبيرة، أوسع كثيرًا من الرقعة الساحلية التي بدأ الفلسطيون بها.

وهكذا أصبح اسم سكان فلسطين “الفلسطيين” وبذلك، فبعد أن اكتسبت الأرض اسمها: بلست (فلست/ فلسطيا) من اسم من نزحوا إليها: الفلسطيون، إذا بالأرض تضفي اسمها على سكانها الجدد فلسطين: الفلسطينيون.

وليس من أهدافنا الآن أن نتتبَّع أمر القبائل والشعوب التي نزحت أو عاشت في فلسطين ولكننا نكتفي بتأكيد الحقيقة الثابتة وهي أن الشعب الفلسطيَّ الذي تحدث عنه العهد القديم كشعبٍ متميزٍ نزح من كريت، ليس هو شعب فلسطين اليوم. فالفلسطينيون اليوم ليسوا سلالة فلسطيِّي الأمس.

مثال آخر

ولعله يحسن بنا أن نتذكر أن مملكة إسرائيل التي كانت تتكون من عشرة أسباط وكانت عاصمتها السامرة انتهى أمرها تمامًا سنة 722 ق.م. ويبدو أن الفلسطيين كان لهم دور في ذلك (إشعياء 9: 12) وسجل هذا موجود في الفصل السابع عشر من سفر الملوك الثاني. ويقول الكتاب المقدّس بصريح العبارة: “فَغَضِبَ الرَّبُّ جِدًّا عَلَى إِسْرَائِيلَ وَنَحَّاهُمْ مِنْ أَمَامِهِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ سِبْطُ يَهُوذَا وَحْدَهُ… فَرَذَلَ الرَّبُّ كُلَّ نَسْلِ إِسْرَائِيلَ، وَأَذَلَّهُمْ وَدَفَعَهُمْ لِيَدِ نَاهِبِينَ حَتَّى طَرَحَهُمْ مِنْ أَمَامِهِ… نَحَّى الرَّبُّ إِسْرَائِيلَ مِنْ أَمَامِهِ… فَسُبِيَ إِسْرَائِيلُ مِنْ أَرْضِهِ إِلَى أَشُّورَ… وَأَتَى مَلِكُ أَشُّورَ بِقَوْمٍ مِنْ بَابِلَ وَكُوثَ وَعَوَّا وَحَمَاةَ وَسَفَرْوَايِمَ، وَأَسْكَنَهُمْ فِي مُدُنِ السَّامِرَةِ عِوَضًا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَامْتَلَكُوا السَّامِرَةَ وَسَكَنُوا فِي مُدُنِهَا” (2ملوك 17: 18، 20، 23-24) فاندثر إسرائيل كشعب وغاب تاريخ الأسباط العشرة عن الأنظار تمامًا منذ ذلك التاريخ واختلطوا بالشعوب المختلفة -سواء مَنْ سُبِي منهم إلى أشُّور أو من بَقَوا في السامرة وما حولها. ولذلك يوضح لنا العهد الجديد أن “اليهود (غالبًا نسبةً ليهوذا؟) لا يعاملون السامريين” (يوحنا 4: 9) (أي لا يستخدمون آنية مشتركة للطعام والشراب).

ثم أن مملكة يهوذا انتهت عام 586 ق.م، وسُبِي الشعب إلى بابل (2ملوك 24: 16؛ 25: 11) وكان الفلسطيون موجودين في أرضهم (فلسطيا). ثم عاد شعب الرب على دفعاتٍ، ونقرأ سِجِلَّ ذلك في سفري عزرا ونحميا، ثم أسفار حجي وزكريا وملاخي. عادوا كأمة صغيرة، والفلسطيون لازالوا في بلادهم وكانوا يناوئون شعب الرب (فالأشدوديون نحميا 4: 7 فلسطيون). إلى أن جاء غزو الإسكندر الأكبر ثم الإمبراطورية الرومانية وبومبي وخراب أورشليم… وتغيّرت الأوضاع تمامًا بالنسبة للجميع كما سبق أن رأينا.

نتائج هامة

 أما بعـد… فإن هذه الدراسة تضع أمامنا بعض النتائج الهامة أشير إلى ثلاث منها:

  • حيث إن الفلسطيين الذين يرد ذكرهم في العهد القديم قد انتهى أمرهم كشعب حتى قبل الميلاد، وحيث إن كل من سكنوا أرض فلسطين بعد ذلك أُطلق عليهم اسم الفلسطينيين… حتى تبلورت الشخصية الفلسطينية بالصورة التي عليها اليوم، لذلك يجب أن نقرا العهد القديم اليوم من دون أية حساسياتٍ سياسيةٍ معاصرة، ففلسطيُّو العهد القديم هم غير الفلسطينيين اليوم.
  • إن كافة الترجمات العربيّة حتى اليوم، تستخدم كلمة الفلسطينيين عن شعب أرض فلسطين في العهد القديم. ولا شك أن هذا يقود القارئ إلى شيء من إساءة فهم الحقيقة بصورة أو بأخرى، سيَّما أن الحديث عن الفلسطينيين اليوم حقيقة تتردد أصداؤها بصفةٍ مستمرةٍ، لذلك أرى أن تستخدم الترجمات العربيّة للعهد القديم كلمة الفلسطيين أو أية كلمة مشابه “الفلسطايين مثلًا” بدلًا من كلمة الفلسطينيين لتجنب أي لبس. وكذلك استخدام كلمة “فلسطيا” مثلًا بدلًا من فلسطين للتعبير عن رقعة الأرض التي سكنها الفلسطيون قديمًا وهي أصغر بكثير من فلسطين اليوم (مثلًا خروج 15: 14؛ 23: 31).
  • إن حقيقة اندثار بعض الشعوب التي يتحدث عنها العهد القديم، أو حلول بعض الشعوب مكان شعوب قديمة -سواء بالاسم القديم أو بغيره- يجب أن تدفعنا إلى الحذر الشديد ونحن نحاول أن نتفهم، أو نفسر، نبوءات العهد القديم بالنسبة لعصرنا الحاضر. فكل كتابات الأنبياء بشأن الفلسطيين يجب أن ندرسها ونتفهمها من هذه الزاوية (مثلًا إشعياء 11: 14؛ إرميا 47: 1، 4؛ حزقيال 25: 15؛ صفنيا 2: 5؛ زكريا 9: 6).

 ولا شك أن نفس الأمر ينطبق على شعب موآب، وبني عمون، وصيدون… إلخ. إن معاملات الرب اليوم -سواء بالبركة أو بغيرها- لا تتعلق ببقعة جغرافية، ببقعة من الأرض، في معزل عن شعب معين له سلوك معين وموقف معين أمام الرب.

 ولذلك فعندما يتحدث العهد القديم مثلًا عن مصر فلا شك أن تلك النبوات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بإطار معين. فالحديث عن نهر النيل مثلًا يرتبط بكلام فرعون بشأنه: “نَهْرِي لِي، وَأَنَا عَمِلْتُهُ لِنَفْسِي” (حزقيال 29: 3). وشعب مصر في ذلك العصر يختلف عن شعب مصر اليوم والحديث عن نهر مصر (تكوين 15: 18) يختلف عن الحديث عن نهر النيل (إشعياء 19: 5-8؛ خروج 29: 3-5) وظروف النطق بالنبوات تغيّرت تمامًا. ومرة أخرى نقول إن الرب لا يتعامل مع موقع جغرافي، إنه لا يتعامل مع بقعة من الأرض، أو جبال أو أنهار بمعزل عن الشعب الذي يرتبط بها… إن علاقة الرب إنما هي بأشخاصٍ، من خلالهم تحل البركة، وبسبب تصرفاتهم قد تحل اللعنة. وبعيدًا عن هذا الإطار نتخبط في تفسيرات للنبوات لا طائل تحتها. كما أننا نجد مواعيد الله مشروطة، ومثال ذلك قول الرب لإرميا النبي: “تَارَةً أَتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ وَعَلَى مَمْلَكَةٍ بِالْقَلْعِ وَالْهَدْمِ وَالإِهْلاَكِ، فَتَرْجعُ تِلْكَ الأُمَّةُ الَّتِي تَكَلَّمْتُ عَلَيْهَا عَنْ شَرِّهَا، فَأَنْدَمُ عَنِ الشَّرِّ الَّذِي قَصَدْتُ أَنْ أَصْنَعَهُ بِهَا. وَتَارَةً أَتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ وَعَلَى مَمْلَكَةٍ بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ، فَتَفْعَلُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيَّ، فَلاَ تَسْمَعُ لِصَوْتِي، فَأَنْدَمُ عَنِ الْخَيْرِ الَّذِي قُلْتُ إِنِّي أُحْسِنُ إِلَيْهَا بِهِ. «فَالآنَ كَلِّمْ رِجَالَ يَهُوذَا وَسُكَّانَ أُورُشَلِيمَ قَائِلاً: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا مُصْدِرٌ عَلَيْكُمْ شَرًّا، وَقَاصِدٌ عَلَيْكُمْ قَصْدًا. فَارْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيءِ، وَأَصْلِحُوا طُرُقَكُمْ وَأَعْمَالَكُمْ»” (إرميا 18: 7-11).

والنبي هو من يتحدث برسالة من الرب لشعب معين أو لشخص معين في موقف معين. والوظيفة النبوية ليست أساسًا للإنباء عن المستقبل، وكل حديث عن المستقبل إنما هو لتقديم رسالة تتلامس مُباشَرةً مع الحاضر. ولذلك فنبوات العهد القديم لم تأتِ لإشباع الفضول البشري عمَّا سيحدث لهذه البلاد أو لتلك بعد قرونٍ طويلةٍ، وإلا فإن رسالة الأنبياء وقت النطق بها لم تقدم أية رسالة لشعب الرب وهو يواجه المواقف العصيبة. وكيف نتصور أن شعبًا يأتي إلى الرب في رغبة عارمة لسماع صوته في موقف معين، قد يكون محيرًا مربكًا، وإذا به يكلمهم عن أحداث ستقع بعد آلاف السنين تتعلق بشعوب وبلاد ربما لم يعرفوا عنها شيئًا عندئذٍ، ولا صلة لتلك الأحداث أو البلاد بالواقع الذي يعيشونه. ومثال ذلك حديث البعض اليوم عن دول السوق الأوربية المشتركة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، باعتبار أن نبوات العهد القديم تحدثت عنها!

فهنالك من يحاولون أن يقرأوا في النبوات القديمة أشياء حديثة، بأن يكتشفوا مثلًا تشابهًا في الأسماء دون دراسة للمواقع المختلفة والشعوب التي كانت تسكنها عند النطق بهذه النبوات. فهناك مثلًا إشارات لروش وماشك وتوبال (حزقيال 38: 2؛ 39: 1) يحاول البعض أن يعتبرونها حديثًا عن روسيا وموسكو وتوبالسك في الاتحاد السوفييتي اليوم! كل هذا في الوقت الذي يرى فيه جمهور كبير من مترجمي ومفسري الكتاب المقدّس أن كلمة روش (وهي التي تقابل وتعني كلمة رأس العربيّة) إنما تعني الحاكم الأعظم أو الرئيس الأعظم، أما إن أخذت بمعنى مكان معين فلا يوجد هناك مكان كان معروفًا باسم روش في أيام حزقيال النبي، أما ماشك وتوبال فكانت في ذلك الوقت أماكن معروفة ومحددة في الشمال الشرقي من آسيا الصغرى (تركيا).

 وأهم من ذلك كله أن التجسد بكل بركاته الروحية قد وضع كل نبوات العهد القديم في إطار جديد بمفاهيم جديدة ينبغي أن نفطن إليها. والحديث عنه هام وطويل ولا يمكن التعرض له في هذه العجالة عن الفلسطيين والفلسطينيين.

(2)

“إسرَإيل الله”

(غلاطية 6: 16)

القسّ أمير إسحق

إسرَإيل” ليس خطًا مَطبعيًّا، لأنَّني آثَرتُ، في هذا المقال، أن أستخدم ذلك الاسم بدل ما هو شائع عربيًّا “إسرائيل”، للتَّمييز بين الاسم الذي أُعطي ليعقوب، أبي الأسباط، ثمَّ لشعب العهد القديم، وبين الدَّولة الصّهيونيَّة المُحتلَّة للأراضي الفلسطينيَّة. حيث إنَّ الاسم العبريّ יִשְׂרָאֵל مُركَّب من مَقطعَيْن، ويُمكن ترجمته: “يِسْراإيل، أو يِسْرَإيل، أو يِسْرَئيل”. أمَّا المقطع الثَّاني منه אֵל أيْ “إيل”. ونحن نحذو في ذلك حذو التَّفسير العربيّ المعاصر للكتاب المقدّس، ونُميِّز “إسرَإيل” الكتاب المقدّس عن “إسرائيل” الدَّولة الصَّهيونيَّة، كما نُميِّز أيضًا بين الفلسطيِّين والفلسطينيِّين، كما سنبيِّن.

استهلال:

كلَّما حدثت مشكلة في منطقة الشَّرق الأوسط، وكانت إسرائيل طرفًا فيها، ظهرَت على السَّطح الأسئلة والتَّوجُّهات نفسها، التي تُحاول أن تجد نصوصًا كتابيَّة تُلصِقها بالأحداث، وتربط بين نبوءات قديمة تُفرِّغها من سياقها، وبين أحداث عسكريَّة وتكتُّلات سياسيَّة. كثيرٌ من تلك التَّوجُّهات يُجانبه الصَّوَاب بسبب الخَلط بين ما هو دينيّ أو روحيّ، وما هو سياسيّ أو قوميّ.

بدايةً، أودُّ التَّشديد على أمرَيْن: الأوَّل، ما لَنْ أقدِّمه في هذا الكُتيِّب، وهو إصدار بيانات الشَّجْب والاستنكار والاستهجان للأوضاع المُتردية السَّيِّئة والمُسِيئة للإنسانيَّة في الأراضي المُحتلَّة وفي غيرها. لأنَّ ذلك الشَّأن له رجاله من السِّياسيِّين. وفي الوقت نفسه، لن أُجيبَ عن كثيرٍ من الأسئلة ذات الأبعاد السِّياسيَّة أو التَّاريخيَّة التي تتعلَّق بطرَفيّ الصِّراع الفَلسطينيّ-الإسرائيليّ. الأمر الثَّاني، التَّأكيد على أنَّ إيمانَنا المسيحيّ لا تُمليه علينا ضرورات الحياة في عالمنا المُعاصِر، بل تزرعه في وجداننا كلمة الله. وأنا على ثقة بأنَّ هذا المقال ربَّما يدفع بعضًا إلى البحث والدِّراسة والاجتهاد، مِن أجل الوصول إلى الحقائق الكتابيَّة بالدَّرجة الأولى، إلى جانب الحقائق التَّاريخيَّة الصَّحيحة التي تخلو مِن التَّعصُّب والتَّطرُّف.

إنَّ ميدان المعركة في الأساس هو العقل البشريّ، وهو ما تُبيِّنه الكلمة التي استخدمها المسيح عند تحذيره تلاميذه من المخاطِر الفكريَّة والعقائديَّة، أيْ كلمة “يُضِلُّ” (متَّى 24: 24)، مُشيرًا إلى ساحَة الصِّراع. ذلك ما تجتهد وسائل الإعلام المُتعدِّدة في السَّيطرة عليه، أي العقل والفِكر. لذلك، نحن أسرى، بشكلٍ ما، لوسائل الإعلام وما تَبثّه من معلوماتٍ وأخبارٍ مُوجَّهة، إلى عيوننا ومَسامعنا، وبالتَّالي إلى عقولنا بالأساس، لأنَّها تهدف إلى صياغة التَّوجُّه الجماهيري العامّ. وتفعل ذلك باتِّجاهَيْن فكريَّيْن: الأوَّل دفاعيّ، لتحصين الجَبهة الدَّاخليَّة، وتثبيت المفاهيم والدَّعائم لصَدِّ أيَّة مُحاولة للاختراق. الثَّاني هجوميّ، لمواجهة الطَّرَف المُعادي وجماهيره ومؤيِّدوه، في الدَّاخِل والخارج، لاختراقهم فِكريًّا وزعزعة مُعتقداتهم وتغيير مَفاهيمهم وأهدافهم. ولَيْتَ أبناء النُّور يتعلَّمون تلك الحكمة مِن أبناء هذا الدَّهر، في إدارة الصِّراع الفِكريّ والحضاريّ لصالح إنجيل المسيح (لوقا 16: 8).

أمَّا ما سأتناول الإجابة عنه بالدَّرجة الأولى هو السُّؤال القديم المُتجدِّد: “مَن هو إسرائيل؟ ومَن هم الفلسطينيُّون؟ وما علاقة هؤلاء وأولئك بأحداث ونبوءات الكتاب المقدّس؟”

في عظةٍ تعليميَّة أشار الصَّديق القسّ حمدي سعد إلى أربعة مَشاهِد كتابيَّة لاستخلاص إجابة السُّؤال الأوَّل المطروح: إسرائيل الفرد، إسرائيل الأمَّة، إسرائيل في النُّبوءة، إسرائيل الحقيقيّ. وفي كتابه: “الكتاب المقدّس والصّهيونيَّة” فنَّد القسّ محسن نعيم الادِّعاءات المُتطرِّفة التي تُحاول أن تربط بين دولة إسرائيل الحاليَّة وأمَّة إسرَإيل في العهد القديم، لتبرير ما تقوم به الصّهيونيَّة في الأراضي المحتلَّة، على أنَّه تحقيقٌ لنبوءات كتابيَّة. مؤكِّدًا بأدلَّة قويَّة أنَّ تلك النُّبوءات قد تمَّت حرفيًّا تاريخيًّا. وفي مقاله الأكاديميّ “الفلسطيُّون والفلسطينيُّون” بَيَّن طيِّب الذِّكر الدكتور القسّ عبد المسيح إسطفانوس الفرق بين اللَّفظَين والشَّعبَيْن. ذلك بالإضافة إلى كتابَيْن على درجةٍ مِن الأهمِّيَّة في هذا الشَّأن: الأوَّل (لماذا لا نقرأ الكتاب الذي قرأه المسيح؟) للدكتور القسّ رياض قسيس؛ والثَّاني (المجيء الثَّاني للمسيح ونهاية التَّاريخ) لطيِّب الذِّكر الدكتور القسّ مكرم نجيب. أمَّا أقدَم ما كُتِب في هذا الشَّأن فهو كتاب طيِّب الذِّكر الدكتور القسّ غبريال رزق الله: “مَن هو إسرائيل؟” تلك هي المصادر الأساس التي أعانَتني في إعداد هذا المقال، الذي أتناول فيه سِتّ أفكارٍ:

  1. إسرَإيل الله. 2. إسرائيل الصّهيونيَّة. 3. فلسطيُّون وفلسطينيُّون.
  2. أرض الموعد. 5. الشَّعب المُختار. 6. إنجيلي مشيخي عربيّ.

أولًا: إسرَإيل الله

يأتي هذا الاسم للمرَّة الأولى مُقترِنًا بمعناه (تكوين 32: 28) “لأنَّك جاهَدتَ مع الله والنَّاس وقدِرتَ“. فهو ليس اسم علَم لذاتٍ أو لشخصٍ، بل لقَبٌ أُعطِي ليعقوب. وهو مُركَّب من كلمتَيْن عبريَّتَيْن: الأولى “يِسرَا” وهي فِعل، إشارة إلى ما فعله يعقوب، ويعني ما يقوم به صاحب المروءة والشَّرَف والسَّخاء، ويصِل بصاحبه إلى مرتبة سَرَوات القَوم، الأمير، ويُعطيه حقَّ الرِّياسة والسِّيادة. الكلمة الثَّانية “إيل” أيْ الله. وبذلك يكون المعنى: “الذي يقوم بالعمل الشَّريف فيعطيه حقَّ السِّيادة، جاعِلًا خضوعه بالأساس لسيادة الله وإرادته السَّامية”.

وهكذا تغيَّر اسم “يعقوب” إلى “إسرَإيل” (أمير الله). هُما لقَبان لشخصٍ واحد، وما أبعد الفارق بينهما. حدَثَ ذلك التَّغيير عندما كان يعقوب راجِعًا من عند خاله لابان، ودخل في صراعٍ مع ذلك الإنسان العجيب حتَّى تغيَّر اسمه ونال بركة بحسب إلحاحه (تكوين 32: 26-28). أمَّا تلك البركة فكانت هي اللَّقب الجديد “إسرَإيل“، الغالِب الشَّريف مرفوع الرَّأس، في تأكيدٍ على علاقته الحميميَّة مع الله.

إلَّا أنَّ الصُّورة تغيَّرت كثيرًا في الإصحاح التَّالي (تكوين 33: 1-3)، حيث نجد يعقوب، بعد نَيْله تلك البركة، يُخطِّط لملاقاة أخيه عيسو، وإذْ كان خائفًا مِنه، فقد سجَد سَبع مرَّات إلى الأرض للقاء أخيه. مُناقِضًا بذلك، وعلى وجه السُّرعة، ذلك اللَّقب الشَّريف الذي ناله “إسرَإيل”، ففَقد تلك البركة ودنَّس ذلك الاسم. هنا عامِلان يتنازَعان: “الخوف في يعقوب” و”المحبَّة والسُّموّ في إسرَإيل”، وهذان ضِدَّان لا يجتمعان، وعدوَّان لا يتصالحان، لأنَّه “لا خوف في المحبَّة، بل المحبَّة الحقيقيَّة تطرَحُ الخوفَ إلى خارج” (1يوحنا 4: 18، 19). فرُغم أنَّ الله أحَبَّ يعقوب كما أعلَن صراحةً (رومية 9: 13)، ورُغم سُموِّ البركة التي شملته بتغيير اسمه، إلَّا أنَّه لم يتغيَّر، ولم يكُن “إسرَإيليًّا حقًّا لا غِشَّ فيه”، كما قيل عن نثنائيل (يوحنا 1: 47)، بل سقط على وجهه أمام أخيه مِن الخوف، ودنَّس لقب السِّيادة والشَّرف. فهل ينقُض الله عهده ويُسقِط كلمته؟ وهل يضيع شرف الاسم الجديد “إسرَإيل”؟ حاشا، لأنَّ “ليس جميعُ الذين مِن إسرَإيل هم إسرَإيليُّون، ولا لأنَّهم من نَسل إبراهيم هُم جميعًا أولاد” (رومية 9: 6-8).

وكما ضاعت بركة ذلك الاسم على المستوى الفردي في (يعقوب)، ضاعت أيضًا على المستوى الجماعي، ذلك ما يُخبرنا عنه (خروج 3: 10؛ 32: 1-6). هنا نجد أمَّة يعقوب/بني إسرَإيل، الذين كانوا حوالي 2 مليون نسمة، عند خروجهم من مصر بقيادة موسى. كان أمرُ الرَّبِّ لموسى أن يقود (بني إسرَإيل) في الخروج لكي يعبدوه. ويقول عنهم: “إسرَإيل ابني البِكر“. ولمَّا أخرجهم الله بطُرقٍ مُعجزيَّة، أعطى موسى الشَّريعة التي تُنظِّم تلك العبادة في كافَّة أبعادها. مُبتدئًا بالتَّحذير: “لا يكُن لكَ آلهةٌ أخرى أمامي…“. إلَّا أنَّ موسى عندما نزل، بعد أربعين يومًا في الجبل مع الله، وجد الشَّعب يتعبَّد لعِجلٍ ذهبيّ! وكما نَسي إسرَإيل الفرد (يعقوب) امتيازه في لحظاتٍ أمام عيسو أخيه، كذلك نَسي (شعب إسرَإيل) أيضًا الرَّبَّ، وعبدوا العِجل بقيادة هارون. إنَّه موقفٌ مُحزِنٌ جدًّا، فإنَّ إسرَإيل (الشَّعب/الأمَّة) لم يعُد إسرَإيل.

إذن، لقد ضاع ذلك الشَّرف وتلك السِّيادة على المستويَيْن الفرديّ (يعقوب)، والجماعيّ (الأمَّة)، فهل تسقط كلمة الله؟ حاشا، ذلك يأتي بنا إلى المُستوى النَّبويّ. فمَن الذي يُحقِّق هذا القول “إسرَإيل ابني البِكر“، الذي يقول فيه أيضًا: “مِن مصر دعوتُ ابني“؟ (خروج 4: 22، هوشع 11: 1). يُجيب متَّى الرَّسول عن هذا السُّؤال في معرض حديثه عن طفولة يسوع، وتحديدًا عند عودته من مصر: “لكي يتمَّ ما قيل مِن الرَّبِّ بالنَّبيّ القائل من مصر دعوتُ ابني” (متَّى 2: 15). كان هوشع النَّبيّ يتكلَّم عن إسرَإيل في إشارة جزئيَّة إلى تاريخٍ سابق، ونبوءةٍ مستقبليَّة. أمَّا متَّى، فإنَّه يُشير، في إشارةٍ كامِلةٍ نهائيَّةٍ واضحةٍ كلَّ الوضوح، إلى المسيح بوصفه مُحقِّق تلك النُّبوءة، إنَّه: “إسرَإيل الجديد، الحقيقي، الابن البِكر“. فهو وحده وليس سواه “بكرُ كلِّ خليقة.. بِكرٌ من الأموات.. بِكرًا بين إخوة كثيرين” (كولوسي 1: 15، 18، رومية 8: 29).

لذلك، دُعيَت كنيسة المسيح “كنيسة أبكارٍ مكتوبين في السَّماوات” (عبرانيِّين 12: 23). وكما تأكَّد أنَّ المسيح هو إسرَإيل الحقيقيّ، يؤكِّد الكتاب على كنيسته وشعبه الجديد، وينتقِل بنا من المستويَيْن الفرديّ (يعقوب)؛ والجماعيّ (الأمَّة)، إلى المُستوى النَّبويّ (المسيح)، وأخيرًا إلى المُستوى التَّطبيقي الذي يعنينا (الكنيسة). في هذا يقول بولس: “ليس الذين من إسرَإيل هم إسرَإيليُّون…” (رومية 9: 6-8). لأنَّ “اليهودي في الظَّاهر ليس هو يهوديًّا…” (رومية 2: 28)، و”لأنَّه في المسيح يسوع ليس الختان ينفع شيئًا ولا الغُرلة، بل الخليقة الجديدة“. لذلك، “فكلُّ الذين يسلكون بحسب هذا القانون عليهم سلام ورحمة، وعلى إسرَإيل الله” (غلاطية 6: 15، 16)، أي سلامٌ على إسرَإيل الذي بحسب الله وقصده، مثل قوله “إنسان الله” في (2تيموثاوس 3: 17)، إي الإنسان بحسب قصد الله، والذي يريده الله. كلُّ ذلك صدًى لما قيل لإبراهيم قديمًا: “عهدي معك… تكون أبًا لجمهورٍ من الأمم” (تكوين 17: 4، 5 مع رومية 11: 17؛ أفسس 2: 12، 13؛ 3: 6).

أمَّا أولئك، الذين وُلِد المسيح منهم حسب الجسد، الذين قال فيهم يوحنا: “إلى خاصَّته جاء وخاصَّته لم تقبله” (يوحنا 1: 11)، فقد أبغضوه ورفضوه وأبغضوا أباه أيضًا (يوحنا 15: 24، 25 مع مزمور 69: 4). بل لم يقف عنادهم عند ذلك الحدِّ، بل تعدَّى الأمر إلى أنَّهم “قتلوه مُعلِّقين إيَّاه على خشبة” (أعمال 5: 30 مع متَّى 27: 15-26). ورُغم كلِّ ما فعلوه به، إلَّا أنَّه بقي مُحافِظًا على تلك المأموريَّة الخاصَّة، لكن بالطَّريقة التي بيَّنها المسيح في مثَل المدعوِّين إلى وليمة العُرس (متَّى 22: 1-14). فهم الذين دُعوا أوَّلًا، بحسب المثل، وبحسب الواقع الذي أتاه الرُّسل “كان يجب أن تُكلَّموا أنتُم أوَّلًا بكلمة الله” (أعمال 13: 46).

ومع حفظه تلك المأموريَّة الخاصَّة، بذلك التَّرتيب الزَّمنيّ، حَكَم حُكمًا قضائيًّا على تلك الأمَّة اليهوديَّة في نبوءةٍ تمَّت (متَّى 22: 7؛ 23: 34-24: 2). لقد غضِب الملك وأرسَل جنوده وأهلك أولئك الذين قتلوا ابنه، وأحرَق مدينتهم (بحسب المثَل). وكان جنودُ غضَبِه في ذلك هُم النُّسور الرُّومانيَّة التي تُعبِّر عن قوله: “حيثُ تكون الجُثَّة هناك تجتمعُ النُّسُور” (متَّى 24: 28، لوقا 17: 37). حيث أصبحت تلك الأمَّة بعد أنْ انشقَّ حجاب الهيكل مِن فوق إلى أسفَل، وزوال المجد من إسرَإيل، وإبطال العبادة الطَّقسيَّة اليهوديَّة، أصبحَت تلك الأمَّة جُثَّةً هامِدةً لا حياة فيها. فأرسل الملك النُّسور الرُّومانيَّة لإتمام الخراب، فأحاطوا بالمدينة وهدموها وبنيها فيها، وأحرقوا الهيكل، وتشتَّت ذلك الشَّعب، وانتهَت علاقة تلك الأمَّة بالله، كأمَّةٍ خاصَّة، وانتهى دورها الدِّينيّ، وأصبحت كسائر أمم الأرض.

ثانيًا: إسرائيل الصّهيونيَّة

“اليهودي” هو مَن يَدين بالدِّيانة اليهوديَّة. “الصّهيوني” هو مَن يدعم الأيديولوجيَّات الصّهيونيَّة، التي نشأت في بداية القرن العشرين، وتدعو إلى تأسيس حُكمٍ يجمَع اليهود المشتَّتين مِن كلِّ العالَم لاستيطان فلسطين بالقوَّة، وإقامة دولةٍ يهوديَّة باسم “إسرائيل”. أمَّا “الإسرائيلي” فهو المواطن الذي يسكن أرض فلسطين المحتلَّة.

تُحاول الدّعاية الصَّهيونيَّة دائمًا تصوير الغَزو الصّهيونيّ الإسرائيلي على فلسطين على أنَّه امتدادٌ لوجود بني إسرَإيل في تلك الأرض، وهي دعاية ساقطة، لأنَّ الجماهير التي أتَت بها الحركة الصّهيونيَّة، هي من جماعات يهوديَّة لا يجمعها سوى الوحدة الدِّينيَّة المزعومة، وليس الوحدة القوميَّة. بدليل الفوارق بين اليهوديّ الغربيّ واليهوديّ الشَّرقيّ.

أمَّا الصَّهيونيَّة الدِّينيَّة فهي التَّيَّار الدِّيني الذي ظهَر في النِّصف الثَّاني من القرن الثَّامن عشر الميلاديّ، ودعا إلى استيطان فلسطين لإقامة الشَّريعة اليهوديَّة، على أنَّ العمل بالمُمارسات اليهوديَّة شرطٌ أساسٌ لتحقيق مملكة الكهنة والأمَّة المقدّسة على أراضيها. وأمَّا الصّهيونيَّة السِّياسيَّة فقد ارتبطَت باسم (هرتسل) الذي كان مُقتنعًا بضرورة توفُّر شروط وضمانات سياسيَّة، بالحصول على اعترافٍ علنيٍّ مِن إحدى الدُّول الكبرى المَعنيَّة بفلسطين، بالموافقة على هجرة اليهود إلى فلسطين، وتأسيس الدَّولة اليهوديَّة على أراضيها، ثمَّ تبدأ عمليَّة تهجير اليهود مِن كلِّ العالم.

وقد شهد النِّصف الأخير من القرن التَّاسع عشر تطوُّرًا في مفهوم اليهود عن مجيء المسيح (وهو بالنِّسبة لهم المجيء الأوَّل). تَمَثَّل ذلك في فتاوى بعض الرَّبيِّين اليهود، التي مَهَّدَت لظهور الصّهيونيَّة السِّياسيَّة بقيادة (هرتسل) 1897م، من ناحية. كما ساهَمَت في دَعم الجهود الاستعماريَّة في فلسطين، من ناحية أخرى. حيث قدَّموا شرطًا جديدًا لظهور المسيح المُنتظَر يتمَثَّل في ضرورة هجرة أعداد كبيرة من اليهود إلى فلسطين لاستعمارها والاستقرار فيها، مُدَّعين أنَّ ذلك يمثِّل خطوة مهمَّة في طريق تحقيق مملكة الخلاص المسيانيَّة بكلِّ ما تتضمَّنه من سيادة وسيطرة. وقد عُرِف ذلك التَّـيَّار فيما بعد بالصّهيونيَّة الدِّينيَّة.

انقسم ذلك التَّيَّار إلى اتِّجاهَيْن: الأوَّل يقول إنَّ الخلاص السَّماوي على يَد المسيَّا يعتمِد على الرَّبِّ وحده مِن دون تدخُّلٍ بشريّ. أمَّا الاتِّجاه الثَّاني فيقول: إنَّ ذلك الخلاص يسمَح ببَدء الجهود البشريَّة اليهوديَّة في استعمار فلسطين، ما يعني ضرورة التَّمهيد البشريّ لمجيء المسيَّا، مِن دون الاعتماد على العناية الإلهيَّة وحدها. وعليه، قالوا: “إذا حقَّقنا الخلاص لتلك الأرض، سيؤدِّي ذلك إلى ظهور ضَوء الخلاص من السَّماء… لقد انقضى ما يقرُب من ألفيّ عامٍ، منذ تَشتَّتنا عام 70م، ونحن ننتظِر مجيء المسيَّا الذي يُخلِّصنا من سَبْينا المرير، ويجمَع إخواننا المشتَّتين في أركان الأرض الأربعة، حيث نعيش هناك تحت رعايته، ويعيش كلّ يهوديّ تحت تينَتِه وكَرْمَته، هذا إيمانُنا وأمَلنا الذي أعرَبَ عنه أنبياؤنا وحُكماؤنا، وهو ما يتمسَّك به شَعبنا”، ذلك بحسب زعمهم.

وعليه، بدأت الحركة الصّهيونيَّة، التي كانت في الأساس لتخليص أوربَّا من اليهود وممَّا سبَّبوه من مَتاعب، على نحوٍ سريع. فكان الهدف هو إقامة دولة صهيونيَّة في أيَّة بُقعَة جغرافيَّة، ووقع الاختيار على فلسطين، مدعومًا بالرَّأي الدِّينيّ السَّابق ذكره. وهكذا بدأوا يفسِّرون النُّصوص الدِّينيَّة لأجل أهدافٍ سياسيَّة، ويُضيفون صَبغة دينيَّة على توجُّهاتهم السِّياسيَّة.

ارتبط ذلك الاتِّجاه الصّهيوني الدِّينيّ بتيَّارٍ مسيحيّ ظهر في منتصف القرن التَّاسع عشر، هو التَّيَّار التَّدبيري، الذي يعتمد التَّفسير الحَرْفيّ لنصوص ونبوءات الكتاب المقدّس، ورَبْطها بالأحداث السِّياسيَّة المُتغيِّرة، ويخلط بين ما هو مسيحيّ وباقٍ، وما هو يهوديّ وانتهَى دوره، كما أوضَحنا. وعليه، يرون (مِن دون أن يُعلِنوا ذلك) أنَّ المسيحيَّة طائفةٌ يهوديَّة، وأنَّ مجيء المسيح الأوَّل كان مِن أجل الأمم، أمَّا مَجيئه الثَّاني فسيكون من أجل اليهود، وبالعقيدة اليهوديَّة نفسها المُتعلِّقة بالحرب والقوَّة والعُنف، وأنَّه سوف يُملِّك إسرائيل في أرض الموعد، ويجعلهم أسياد العالم، وبذلك تعود المسيحيَّة إلى الشَّجرة الأمِّ. ذلك الاعتقاد، فضلًا عن عدم منطقيَّته الحضاريَّة إذْ يتَّسم بالعُنصريَّة، فلا أساس له في تعليم المسيح الذي أكَّد على أبوَّة الله لجميع البشر، وأنَّ محبَّته للجميع مِن دون أيِّ تمييزٍ عنصريٍّ أو جنسيّ.

ثالثًا: فلسطيُّون وليسوا فلسطينيِّين

ندعو ونبتغي استخدام اسم “إسرَإيل” للإشارة إلى شعب العهد القديم ودوره الدِّيني الذي انتهى، وليس “إسرائيل” التي تُشير إلى الدَّولة الصّهيونيَّة الاستعماريَّة الحاليَّة؛ كذلك استخدام اسم “فلسطيُّون” للإشارة إلى ذلك الشَّعب الوثنيّ الذي كان مُعاصرًا لأحداث العهد القديم، وليس “فلسطينيُّون” التي تُشير إلى الشَّعب الفلسطينيِّ العربيِّ الحاليّ.

أوَّل إشارة إلى “فلسطين” في الكتاب المقدّس في (تكوين 10: 14) “… الذين خرج منهم فِلِشْتيم وكفتوريم“. الياء والميم في اللُّغة العبريَّة علامة الجَمع، يُقابلها في العربيّة الواو والنُّون. وعليه يُقال: “فلسطيُّون“، على اعتبار أنَّ حرف الشِّين في العبريَّة يقابله السِّين في العربيّة. هؤلاء الفلسطيُّون مِن نَسل حام (تكوين 10: 13، 14)، وعندما استوطَنوا أرض كنعان أصبح اسم الجزء الجغرافي الذي سكنوه باسم ذلك الشَّعب، أيْ “فلسطيا”. ولم يستطيعوا أن يحتفظوا بلغتهم الأصليَّة، بل تبنَّوا لغة البلاد التي استقرُّوا فيها، ويُشير نحميا إلى ذلك (نحميا 13: 24). واعتنقوا آلهة الكنعانيِّين، التي كانت تُقدِّم نموذجًا سيِّئًا في السُّلوك، وأهمّ آلهَتهِم: داجون، عشتاروث، وبعل زبوب. فشيَّدوا معابد لداجون في غزَّة وأشدود (قضاة 16: 23، 1صموئيل 5: 1-7)، ولعشتاروث في أشقلون، ولبعل زبوب في عقرون (2ملوك 1: 3).

يرى كثيرون أنَّ نزوح الفلسطيِّين إلى فلسطين/كنعان كان مواكِبًا لقصَّة خروج بني إسرَإيل من مصر، ووصلوا إلى أرض كنعان قبلهم بحواليّ أربعين سنة. وكان لذلك نتائجه بعيدة المدى على شعب الرَّبِّ، كما تشير نصوص عديدة في العهد القديم. بذلك نلاحظ كيف أنَّ الرَّبَّ استخدم أولئك الفلسطيُّون مرارًا لامتحان شعبه وتأديبهم وإرجاعهم إليه (قضاة 3: 4).

عندما غزا نبوخذ ناصَّر والجيوش البابليَّة أشقلون سنة 604 ق.م، أسَروا قادتها ومواطنيها إلى بابل (إرميا 47: 4-7)، مثلما حدث مع مملكة إسرَإيل. وعندما غزا الإسكندر الأكبر دول الشَّرق، سقطَت غزَّة في يده سنة 332 ق.م، ومع انتشار الحركة الهلِّينيَّة المُصاحِبة لإمبراطوريَّته، امتصَّت الشُّعوب الأخرى جماعة الفلسطيِّين في كياناتها، فتغيَّرت أسماء المدن الفلسطيَّة إلى أسماء يونانيَّة، وهكذا اندَثر الفلسطيُّون. وبعد أنْ دمَّر تيطس الرُّومانيّ أورشليم سنة 70م، استُخدِم اسم “فلسطين” للمرَّة الأولى سنة 138م. واتَّسع نطاق تلك التَّسمية واستمرَّ في أيَّام الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة، ثمّ البيزنطيَّة، حتَّى العصر الحديث بالمفهوم المعاصر.

رابعًا: أرض الموعد

تمثِّل أرض الموعد محبَّة الله الخاصَّة لشعبه وعنايته بهم في أمان وسلام وراحة، كما تُمثِّل بالأكثر صدق وعود الله بحضوره وسط شعبه وقيادته إيَّاهم مِن التَّغرُّب إلى الاستقرار. أمَّا المشكلة القائمة الآن فإنَّها لا ترتبط بفكرة وعد الله لليهود بامتلاكِ أرضٍ إلى الأبد وتحقيق وعده لإبراهيم، بل هي مسألة إنسانيَّة وسياسيَّة كبيرة ومُعقَّدة، تبيِّن مدى سيادة الظُّلم وزوال العدل وإهدار حقوق الإنسان.

أمَّا الوعد بامتلاكِ أرضٍ فلم يكُن هدفًا إلهيًّا أبديًّا في حدِّ ذاته، بل كان وسيلة مؤقَّتة مرحليَّة من أجل غاية روحيَّة أبديَّة، لا ترتبط بأرضٍ جغرافيَّة، بل بوطنٍ سماويٍّ أوسع وأشمل من أيَّة بقعة أرضيَّة. ذلك ما شدَّد عليه العهد الجديد بوضوح، أنَّ أرض الموعد ليسَت بقعة جغرافيَّة في فلسطين، بل هي الميراث الرُّوحي المحفوظ في السَّماوات للمؤمنين، بحسب قوله: “لميراثٍ لا يفنى ولا يتدنَّس ولا يضمحلّ، محفوظٌ في السَّماوات لأجلكم…” (1بطرس 1: 3-5). فالقضيَّة ليست أن تكون القُدْس عاصمة أبديَّة لإسرائيل، بل الظُّلم والاعتداء العسكريّ المتواصِل على الشَّعب الفلسطينيّ الأعزل.

لذلك، يُشدِّد اللاهوتيُّون على أنَّ أيَّ تفسير حَرفي للنُّصوص الكتابيَّة والوعود الإلهيَّة المتعلِّقة بأرض الموعد، هو بمثابة ارتداد من المسيحيَّة إلى اليهوديَّة. لأنَّ اعتبار أنَّ مملكة المسيح أرضيَّة هو ما يزال رجاء اليهود حتَّى اليوم. وهكذا، فإنَّ النَّظرة الصَّحيحة لـ(حزقيال 40-48) بخصوص الهيكل الجديد، يجب ألَّا تُفهَم وتُفسَّر اليوم إلَّا في نور العهد الجديد. فهو بذلك ليس البناء الحجريّ، بل جسد المسيح الرّوحيّ/الكنيسة. في كتابه (الإنجيل والأرض في المسيحيَّة الأولى وعقيدة الأرض اليهوديَّة) يقول اللَّاهوتيّ دافيس: “إنَّ موضوع الأرض في العهد الجديد يجعلنا نفكِّر في موضوع يسوع المسيح، الذي بموته وقيامته، لم يكسر فقط حدود الموت، وإنَّما كسر حدود الأرض بالنِّسبة للمسيحيِّين”. ذلك ما تحقَّق بكلِّ وضوح واكتمال في مجيء المسيح الأوَّل، حيث أصبحت أرض الموعد سماويَّة لا جغرافيَّة (يوحنا 14: 3؛ عبرانيِّين 11: 13-16؛ رؤيا 21: 3-4).

فرغم أنَّ الأرض كانت مُحتلَّة من قِبل الرُّومان، في زمن المسيح والرُّسل، إلَّا أنَّهم لم يُعلِّموا شيئًا بخصوص ذلك الوعد القديم بأرضٍ جغرافيَّة، بل أعطوا التَّفسير الجديد للموضوعات القديمة في أبعادٍ روحيَّةٍ وأخلاقيَّةٍ سامية، استنادًا إلى قيم الرَّحمة والعدالة والغفران والمحبَّة. ذلك ما أكَّده المسيح: “لأنَّ ابن الإنسان لم يأتِ ليهلك أنفُس النَّاس، بل ليُخلِّصها” (لوقا 9: 56). وعليه، لم تكُن كرازته بأرضٍ موعودٍ بها، بل بملكوت الله (مرقس 1: 14، 15)، الذي يتحقَّق عندما تغزو محبَّة المسيح القلب البشري، فيملك الله على القلب مُتجاوزًا حدود الأرض الجغرافيَّة.

إذن، فالوعد بالأرض، بحسب (تكوين 12: 7؛ 13: 14-15)، والذي أكَّده الرَّبُّ لإسحاق (تكوين 26: 3)؛ وليعقوب (تكوين 28: 4)؛ ثمَّ لموسى (خروج 23: 31؛ تثنية 1: 8)؛ ثمَّ ليشوع (يشوع 1: 3-4)، قد تحقَّق تاريخيًّا في ثلاث مراحل تاريخيَّة:

  • الأولى (1400-1300 ق.م.) بقيادة يشوع (يشوع 11: 23، 21: 43-45). “فأخذَ يشوع الأرض حسب كلِّ ما كلَّم به الرَّبّ موسى… فأعطى الرَّبُّ إسرَإيل جميع الأرض التي أقسم أن يعطيها لآبائهم، فامتلكوها وسكنوا بها“.
  • الثَّانية (970-930 ق.م.) أيَّام حُكم سليمان (1ملوك 4: 21؛ 2أخبار 9: 26). “وكان سليمان مُتسلِّطًا على جميع الممالك، من النَّهر إلى أرض فلسطين وإلى تخوم مصر“.
  • الثَّالثة (بعد العودة من السَّبي 520 ق.م.) بقيادة نحميا (نحميا 9: 7-8، 23-24). “أنتَ هو الرَّبُّ الإله الذي اخترتَ أبرام وأخرجته… وقطعت معه العهد أن تعطيه أرض الكنعانييِّن والحثيِّين… وقد أنجزتَ وعدك لأنَّك صادق… وأكثرتَ بنيهم كنجوم السَّماء“.

لقد تحقَّق وعد الله لإبراهيم على يد يشوع (تكوين 12: 1-7؛ يشوع 1: 11)، عندما غزوا أرض كنعان وامتلكوها (يشوع 10: 40-42؛ 21: 43-44). لكنَّهم عادوا وخسروها، عقابًا مِن الرَّبِّ، لأنَّهم لم يسلكوا حسب وصاياه. ذلك ما أكَّده دانيآل: “لكَ يا سيِّدُ البِّـرُّ، أمَّا لنا فخِزيُّ الوجوه، كما هو اليوم لرجال يهوذا ولسُكَّان أورشليم، ولكلِّ إسرائيل، القريبين والبعيدين في كلِّ الأراضي التي طردتَهُم إليها، مِن أجل خيانتهِم التي خانوكَ إيَّاها” (دانيآل 9: 7). وقد تنبَّأ بعض الأنبياء، مثل إرميا وحزقيال وعاموس، عن عودة الشَّعب اليهوديّ إلى الأرض التي وعد الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب (إرميا 16: 15؛ عاموس 9: 14، 15؛ حزقيال 36: 22-24). تلك النُّبوءات يجب ألَّا تُقرأ وتُطبَّق اليوم حرفيًّا، كما يفعل يهود اليوم وبعض المسيحيين السَّاذجين في فهم كلمة الله، وبالتَّالي، يجب ألَّا تُستخدَم بأيِّ حالٍ لتبرير غزو إسرائيل لفلسطين، بدعوى أنَّها حربٌ مقدَّسةٌ لتحقيق وعدٍ إلهيٍّ مقدَّسٍ بامتلاك أرض فلسطين. بل يجب ألَّا يُنظَر إلى تلك القضيَّة بعيدًا عن تعليم المسيح وفكر العهد الجديد، تلك التي لها وحدها السُّلطة الأعلى في تفسير نبوءات العهد القديم بشكل عامّ، وخاصَّةً تلك التي تتعلَّق بقضيَّة الأرض والوعد.

يجب العودة إلى نصوص العهد القديم في سياقها وليس بحرفيَّتها، والنَّظر إليها بمنظارٍ روحيٍّ وليس سياسيًّا، وكنسيٍّ وليس صهيونيًّا. ولا تُفهَم إلَّا في إطار فكر العهد الجديد، لأنَّه وحده مفتاح التَّفسير الصَّحيح للعهد القديم. وعليه، لا يُفهم الوعد بالأرض إلَّا بأنَّه وعدٌ بوطن سماويّ، الميراث المحفوظ في السَّماء، وليس المملكة الأرضيَّة.

أمَّا قضيَّة أرض فلسطين، فهي قضيَّةٌ أساس في عالمنا العربيّ. وأمَّا العهد القديم فإنَّ موضوع الأرض موضوعٌ محوريٌّ فيه، لأنَّه أحد أهمّ العناصر في العهدَيْن الإبراهيميّ والسِّينائيّ. والقاعدة الأساس في هذه القضيَّة هي أنَّ الأرض كلَّها للرَّبّ، ولا يستطيع أيّ شعب أن يدَّعي أنَّ له حقًّا في امتلاك أيَّة بقعة جغرافيَّة. ورغم أنَّ الأرض كلَّها للرَّبِّ وحده، إلَّا أنَّه وهبها للإنسان ليتعهَّدها ويستثمرها ويزرعها ويُعمِّرها ويسكنها. إذن، فالأرض، من جانب، هِبة من الله تعال، ومن جانب آخر هي هِبة مشروطة. وليس هناك تعارُض بين الهبة والشَّرط هنا. فعندما أُقدِّم لابني سيَّارة على سبيل الهديَّة، فإنِّي أشترط عليه أن يلتزم بقواعد السَّير وإشارات المرور، وإلَّا فإنِّي أستردُّها منه، حرصًا عل سلامته وسلامة الآخرين. ذلك ما نعنيه بأنَّ الأرض هبة إلهيَّة لكنَّها مشروطة.

لم يكُن امتلاك الأرض هو الهدف الأساس، بل الرَّاحة والاستقرار، بحسب قوله: “فأعطى الرَّبُّ إسرائيل جميع الأرض التي أقسم أن يعطيها لآبائهم، فامتلكوها وسكنوا فيها. فأراحهم الرَّبُّ حواليهم حسب كلِّ ما أقسم لآبائهم…” (يشوع 21: 43-44). لكنَّهم، حتَّى بعد عودتهم من السَّبي، لم يتمتَّعوا بتلك الرَّاحة (نحميا 9: 36). فكيف يتحقَّق الوعد بالرَّاحة؟ ومتى؟ ذلك ما يجيب عنه العهد الجديد. ذلك ما قاله المسيح (متَّى 5: 5) تأكيدًا لـ(مزمور 37: 11)، وأكَّده بولس أيضًا (غلاطيَّة 3: 16، 29) استنادًا إلى (تكوين 13: 15؛ 17: 8؛ 24: 7)، وأكَّده أيضًا في (رومية 4: 13) مُستخدمًا المُصطلحات نفسها للدَّلالة على نوع ما يرثه المؤمنون في العهد الجديد. فهو أوسع وأشمل بكثير من أرضٍ جغرافيَّة (أعمال 20: 32؛ 1كورنثوس 9: 6؛ غلاطيَّة 5: 21).

أمَّا من جهة الأرض واستمراريَّة العهود، فقد اتَّسعَت لتشمل جميع المؤمنين بالمسيح بأرضٍ جديدة يسكُن فيها البِرُّ (2بطرس 3: 13؛ رؤيا 21: 1). فبينما كانت أورشليم الأرضيَّة محطّ إسرائيل في العهد القديم، أصبحت أورشليم السَّماويَّة محطّ الكنيسة في العهد الجديد (عبرانيِّين 12: 22؛ رؤيا 21: 2). أمَّا سكَّانها فليسوا نسل إبراهيم الجسديّ، بل المؤمنون بالمسيح مِن كافَّة شعوب الأرض (رؤيا 3: 12؛ 21: 24 مع 2كورنثوس 11: 2؛ رؤيا 21: 20؛ 22: 17).

لقد تحقَّق ذلك الوعد عندما طرَد الله شعوبًا من أمام إسرَإيل وملَّكهم الأرض، ليس بسبب امتيازٍ لديهم، بل مُعاقبةً لتلك الشُّعوب التي كان شَرُّها قد وصَل إلى مداه (لاويِّين 18: 24). وفي الوقت نفسه، أعلن الله بوضوح لشعبه وقتئذٍ أنَّهم في حالة عدم طاعتهم إيَّاه، فسوف يُعاقبهم بالعقاب نفسه (لاويِّين 18: 28-30). كان تحقيق الوعد مشروطًا بطاعتهم، وعدم طاعتهم يقود حَتمًا إلى رفضهم من الوعد. وكثيرًا ما أعلن الله ذلك لهم (تثنية 7: 7-9).

وهكذا أكَّد أنبياء العهد القديم أنَّ إسرَإيل قد مارسَت العصيان، وأنَّهم لم يهتمُّوا بالعدل والحقِّ والرَّحمة، لذلك لم تتمكَّن مِن الاستمرار في التَّمتُّع بتلك الهبة الإلهيَّة (هوشع 4: 1-3؛ 9: 1-3؛ زكريا 8: 14). كما لم تكُن رسالة الأنبياء لدينونة إسرَإيل فحسب، بل للرَّجاء أيضًا. لذلك، تمكَّنوا من العودة إلى الأرض بقيادة عزرا ونحميا وزرُبَّابل. كان يجب أن تتزامَن تلك العودة إلى الأرض بالعودة إلى الرَّبّ وتحقيق إرادته.

أمَّا قوله: “مُلكًا أبديًّا” في صُلْب الوعد لإبراهيم (تكوين 13: 15، 17: 8) فلا يعني “إلى الأبد” أو “إلى ما لا نهاية”. لأنَّ الكلمة العبريَّة (عولام)، التي يُقابلها في اليونانيَّة (آيون)، لا تعني بالضَّرورة إلى الأبد، بل تشير إلى فترة زمنيَّة طويلة ومَحدودة. لكنَّها تحمل المعنى الحَرفيّ فقط عندما تُنسَب إلى طبيعة الله، الأبديّ السَّرمديّ، أو إلى ملكوت المسيح، الذي ليس لمُلكه نهاية (قارن خروج 21: 7؛ يشوع 8: 28). ذلك يعني أنَّ إسرَإيل امتلك تلك الأرض “إلى الأبد” أيْ إلى فترة زمنيَّة طويلة مُحدَّدة، وقد انتهَت تلك الفترة بطردهم الأخير وتَشتُّتهم سنة 70م. ما يعني أنَّ الوعد تحقَّق حرفيًّا وتاريخيًّا. وبالتَّالي، فإنَّ أيّ ادِّعاءٍ صهيونيّ، بعد ذلك التَّاريخ، بأحقيَّة عودة اليهود إلى تلك الأرض وامتلاكهم إيَّاها تمهيدًا ودَعمًا لمجيء المسيح المنتظَر، أمرٌ سياسيّ بَحت، ولا أساس له في نصوص الكتاب المقدّس بعهدَيْه. وما قيل في وعد الله لإبراهيم يُقال بالمنهجيَّة نفسها في وعده لداود في شأن الهيكل.

وهكذا تشتَّت اليهود منذ عام 70م. في كلِّ بقاع الأرض، وعُومِلوا فيها كمواطنين درجة ثانية. ويكفي أن نراهم في ألمانيا، بعد الحرب العالميَّة الثَّانية، حيث أعلَن هتلر في سبتمبر/أيلول 1939م، أنَّهم السَّبب في تلك الحرب، فأعلَن حربه عليهم في كلِّ مكان في العالم، وأعلَن أنَّ إبادتهم هي الحلُّ الأمثَل لمشكلة العالم. أمَّا المُصلِح مارتن لوثر فقد سبق هتلر وبدأ هجومًا شديدًا على اليهود، لأنَّهم رفضوا دعوته إيَّاهم بالعودة إلى المسيحيَّة سنة 1526م، فنادى باضطهادهم سنة 1543م قائلًا: “ليتعلَّموا أنَّهم ليسوا أسياد بلادنا”. أمَّا المُصلح جون كلفن، فإذْ كان أكثر موضوعيَّة في علاج الأمر، فإنَّه لم يستطِع أن يقبَلهم كما هُم، لذلك طردهم من المدن التي أخذت بالعقيدة الكلفينيَّة.

وبينما قاد “يشوع” العهد القديم الشَّعب العبرانيّ في غزو أرض كنعان وامتلاكها، فإنَّ “يسوع” العهد الجديد ما يزال يغزو القلوب بالحبِّ والغفران. بدأ ذلك الغزو، كما يخبرنا كتاب أعمال الرُّسل، وما يزال ينتشر ويستمرّ ويمتلك قلوبًا، ليس بالحرب بل بالحبِّ. وهكذا أراد المسيح أن يفهم التَّلاميذ أنَّه استبدَل المملكة الأرضيَّة، التي توارثوها من خلفيَّتهم اليهوديَّة، بملكوت الله الذي كرز به للجميع مِن دون استثناء. بذلك تكون أرض الموعد هي الميراث الرُّوحي المحفوظ في السَّماوات.

خامسًا: الشَّعب المُختار

العبارة العبريَّة (هاعم هنفخار) تمثِّل اعتقاد كثيرين من اليهود في العالم، أنَّهم وحدهم شعب الله المختار. والحقيقة أنَّ تلك مقولة أساسيَّة في الفِكر اليهودي بحسب (تثنية 14: 2؛ لاويين 20: 24-26). لذلك، فإنَّ اليهوديّ في كلِّ صلواته يشكُر الله لأنَّه اختار شعب اليهود مِن دون بقيَّة الشُّعوب، وأعطاهم التَّوراة علامة على تميُّزهم بين جميع الشُّعوب. وقد بنى اليهود ذلك الفِكر على مبدأ الحلوليَّة، أي أنَّ الله حلَّ في ذلك الشَّعب بشكل خاصّ، فصاروا شعبًا مقدَّسًا وأبديًّا، نسبة إلى الإله الذي حلَّ فيهم. وعليه، يرى بعض حاخاماتهم أنَّ فكرة الشَّعب المختار تؤكِّد تميُّزهم على بقيَّة الشُّعوب، وانفصالهم وانعزالهم عن العالم. إلَّا أنَّهم رأوا أنَّهم من أصغر وأضعف الشُّعوب، ولم يكونوا بأيِّ حالٍ أكثر رُقِيًّا وتفوُّقًا، وقد حلَّت بهم عدَّة هزائم انتهت بالسَّبي.

يرى بعضٌ منهم أنَّ الله لم يختَرهم فقط كشعبٍ، بل كجماعةٍ دينيَّةٍ قوميَّة، يوحِّدها الفكر والعقيدة. وأنَّ الله عرض على جميع الشُّعوب حَمْل تلك العقيدة فرفضوها، لم يقبلها إلَّا اليهود وحدهم. فحوَّلهم ذلك الاختيار إلى أمَّةٍ مقدَّسةٍ ومَملكةِ كهنةٍ، تتداخل فيها العقيدة الدِّينيَّة مع القوميَّة. كما رأوا أنَّ ذلك الاختيار يدلُّ عل تفوُّقهم الأخلاقي، لأنَّهم أوَّل شعب يعبُد الله وحده.

أمَّا حقيقة ذلك الاختيار فإنَّه لم يكُن لامتيازاتٍ فيهم، بل على العكس، فإنَّهم أقلّ الشُّعوب. بل كان هدف ذلك الاختيار أن يكونوا خدَّامًا للرَّبِّ بين جميع الشُّعوب، وأداته في الإصلاح والمُصالحة. ورغم أنَّ فكرة اختيار الله جماعة من دون بقيَّة الجماعات فكرة تجِد صداها لدى كلِّ جماعة لها علاقة خاصَّة بالله، وأنَّهم مُختارون بشكلٍ ما، إلَّا أنَّ ذلك التَّـيَّار الفِكري تعمَّق جدًّا في اليهوديَّة إلى درجة التَّطرُّف، مُكتسبًا أبعادًا عرقيَّة وقوميَّة.

يرى بعض اللاهوتيِّين المسيحيِّين أنَّ اليهود كانوا شعب الله المختار في العهد القديم، ولكنَّهم بسبب رفضهم المسيح أصبح المسيحيُّون هم شعب الله المختار. وتُعرَف هذه العقيدة بـ”الاستبداليَّة”.

أمَّا وعد الله لإبراهيم بحسب (تكوين 12: 2؛ 13: 16؛ 17: 1، 2، 6، 7، 19؛ 22: 17) فقد تحقَّق تاريخيًّا بولادة إسحاق. وقد تكرَّر الوعد نفسه لإسحاق (تكوين 26: 2-5)؛ وليعقوب (تكوين 28: 4، 32: 12). وقد أنجزه الرَّبُّ حيث كثُر الشَّعب جدًّا وصار عدده “كنجوم السَّماء في الكثرة… كثيرٌ كتُرابِ الأرض” بحسب ما أكَّده العهد القديم (تثنية 1: 10؛ 2أخبار 1: 9؛ 1ملوك 4: 20؛ نحميا 9: 23). لم يكُن ذلك الوعد عُنصريًّا مُقتَصرًا على شعبٍ دون سواه، بل عالميًّا يشمل “جميع قبائل الأرض“. لا يكون فيه ذلك الشَّعب إلَّا أداةَ إعلانِ الله عن نفسه لتلك الشُّعوب. ولمَّا لم يفهموا قصد الله، ولم يحقِّقوه، فقد رُفِضوا من قِبل الله، بينما استمرَّ الوعد لبركة جميع الأمم، مع تغيير الأداة مِن إسرَإيل الأمَّة، إلى إسرَإيل الله، الكنيسة التي تذهب إلى العالم أجمَع ببشارة إنجيل المسيح (متَّى 28: 19).

في نظرة سريعة إلى الإصحاحات (رومية 9-11) نرى أنَّ بولس يؤكِّد على أمرَيْن: الأوَّل، لا مجال لتفوُّق إسرَإيل على الكنيسة، أو الإيمان اليهوديِّ على الإيمان المسيحيّ. الثَّاني، إنَّ رفض الله لإسرَإيل ليس رفضًا نهائيًّا (ص 9)؛ ولا عشوائيًّا (ص 10)؛ ولا مُطلَقًا (ص 11). وعليه، يُميِّز بولس بين إسرَإيل الجسديّ/نسل إبراهيم كأمَّة، وبين إسرَإيل كشعب الله المُختار. ألم يكُن إسماعيل من نسل إبراهيم الجسدي؟ لكنَّه لم يكُن من نسله الرُّوحي، بل إسحاق. كذلك، ألَمْ يكُن عيسو من نسل إبراهيم الجسدي؟ لكنَّه لم يكُن من نسله الرُّوحي، بل يعقوب. وعليه، يجب أن نُميِّز بين إسرَإيل كأمَّة، وإسرَإيل كشعبِ الله الحقيقيّ الذي يتميَّز بالطَّاعة والإيمان الصَّحيح الصَّادق. كانت علامة الأمَّة الختان الجسدي، بينما علامة الشَّعب الحقيقي الختان الرُّوحي (تثنية 10: 16؛ 30: 6).

في تعليقه على تلك الإصحاحات، يؤكِّد د. ق. رياض قسيس في كتابه (لماذا لا نقرأ الكتاب الذي قرأه المسيح؟ ص 136) على حقيقتَيْن أساسيَّتَيْن: الأولى، للَّه شعبٌ واحدٌ فقط في العهدَيْن القديم والجديد، ولهذا الشَّعب استمراريَّة مبنيَّة على أساس طريقة الخلاص الوحيدة التي أعلنها الله تعالى، وليس لدى الله أيَّة مُحاباة أو تمييز بين شعبٍ وشعبٍ على أساسٍ عرقيّ. الثَّانية، إمكانيَّة اهتداء اليهود إلى المسيح يسوع أمرٌ مُمكن، ولكنَّه غير مُرتبطٍ بأيِّ شكلٍ من الأشكال بعودتهم إلى أرض فلسطين لحدوث ذلك الاهتداء.

وفي كتابه (المجيء الثَّاني للمسيح ونهاية العالم ص 92) يلخِّص د. ق. مكرم نجيب (رومية 9-11) في هذه النِّقاط:

  1. ليس كلّ اليهود رفضوا المسيح، فهناك بقيَّة أمينة آمَنت به وقَبِلَته.
  2. هدف الله الأساس هو دخول الأمم، وهكذا زال الحاجز بين اليهود والأمم.
  3. خطيَّة إسرَإيل الأساس هي أنَّهم حاولوا الوصول إلى الله بأعمال النَّاموس مُستقلِّين عنه، بعكس الأمم الذين قبِلوا نعمة الله وعمله بثقة كاملة. فإسرَإيل الحقيقي هو إسرَإيل الموعد والإيمان، وليس حسب الجسد.
  4. لقد فشل اليهود في أن يكونوا واسطة الله في خلاص العالم، وقساوتهم فتحت الباب للأمم، ثمَّ عَمِل قبول الأمم على إغارة اليهود ليرجعوا إلى الله. كلُّ ذلك ضمن قَصد الله.
  5. إنَّ إرادة الله هي خلاص الجميع، وكنيسة الله هي إسرَإيل الجديد بالنِّعمة بالإيمان، يهودًا وأممًا. ويختم بولس تلك الإصحاحات بترنيمة رائعة، عبَّر فيها عن انبهاره الشَّديد بغنى الله وحِكمته وعِلمه وفكره وسلطانه (رومية 11: 33-36) “يا لعُمق غنى الله وحِكمته وعِلمه…“.

إنَّ ملكوت الله شامل للجميع بحسب قول المسيح: “ويأتون من المشارق ومن المغارب، ومن الشَّمال والجنوب، ويتَّكؤون في ملكوت الله” (لوقا 13: 29). هكذا قال لليهود: “إنَّ ملكوت الله يُنزَع منكم ويُعطى لأمَّةٍ تعمل أثماره” (متَّى 21: 43). أمَّا تلك الأمَّة الجديدة فهي الكنيسة، المجتمع الجديد الذي يحلّ محلّ شعب العهد القديم، وأمَّا ذلك الملكوت فهو ملكوتٌ واحدٌ لا ملكوتان، وأيضًا شعبٌ واحدٌ لا شَعبان. ذلك ما أكَّده بولس في (رومية 2: 28-29؛ فيلبي 3: 2-3)، حيث رفض فكرة التَّهوُّد كطريقٍ إلى المسيحيَّة، وعرَّف تعريفًا جديدًا لليهوديِّ الحقيقيّ، أيْ شعب اللَّه الذي ارتفع فوق الحدود الجغرافيَّة والعرقيَّة والجنسيَّة (غلاطية 3: 28)، فالجميع واحدٌ في المسيح. كما يقول أيضًا: “كما يقول هوشع أيضًا سأدعو الذي ليس شعبي شعبي، والتي ليسَت محبوبة محبوبة، ويكون في الموضِع الذي قيل لهم لستُم شعبي، إنَّه هناك يُدعون أبناء الله الحيّ” (رومية 9: 25-26؛ هوشع 1: 10؛ إشعياء 9: 27-29).

سادسًا: إنجيليٌّ مشيخيٌّ عربيّ

لستُ هنا بصدد طرح رأيٍ سياسيٍّ في مسألة النِّزاع العربيّ-الإسرائيليّ بخصوص الأراضي العربيّة المحتلَّة من قِبل إسرائيل الصّهيونيَّة، ولستُ أيضًا بصدد إصدار بيانٍ رسميٍّ يُعبِّر عن وجهة النَّظر الإنجيليّة في الموضوع نفسه. فهذه وتلك لهُما رجالُهما. لكنِّي أطرحُ موقفي كإنجيليٍّ مشيخيٍّ عربيّ:

  1. هجرة اليهود إلى أرض فلسطين لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بنبوءات العهد القديم، وليسَت لها أيَّة قيمة لاهوتيَّة. وعليه، نؤكِّد عدم اجتزاء نصوص من الكتاب المقدّس لأهداف سياسيَّة، وتبرير أعمال العُنف والظُّلم، وإعطاء صبغة دينيَّة لأعمال القَتل واغتصاب أرض فلسطين.
  2. تهجير أهل فلسطين مِن وطنهم واغتصاب أرضهم أمرٌ لا علاقة له بأبسط القيم الإنسانيَّة، ويتعارض مُعارضة صارخة مع حقوق الإنسان. وبالتَّالي، نُؤكِّد أيضًا عدم إجازة تبرير ذلك التَّهجير بآيات مَبتورة من سياقها، ونبوءات تمَّت في بُعدَيْها التَّاريخيِّ والنَّبويّ.
  3. يجب أن يُحَلّ ذلك النِّزاع بالطُّرق السِّلميَّة والمفاوضات العادلة في ضوء القرارات الدَّوليَّة واحترام حقوق الإنسان ونَبذ العُنصريَّة.
  4. دعوة كلِّ مسيحيٍّ عربيٍّ وغير عربيّ، وإنجيليٍّ مشيخيٍّ وغير مشيخيّ، للتَّمسُّك بتعاليم كلمة الله، وأن تُقرأ وتُدرس وتُفصَّل باستقامة، وبضميرٍ مسيحيٍّ ووطنيٍّ أيضًا. والحَذَر من الانسياق وراء مُغالطات لاهوتيَّة تسعى إلى تبرير الأعمال الصّهيونيَّة. وفي الوقت نفسه دعوة كلِّ مسيحيٍّ أمينٍ أن يقدِّم المساعدة، الماديَّة والمعنوية، لكلِّ أخٍ فلسطينيٍّ مُهجَّرٍ غصبًا مِن وطنه.
  5. مُطالبة كلِّ مسيحيٍّ أمينٍ، غربيٍّ وأميركيّ، أن يتبنَّى موقفًا موضوعيًّا مُنصِفًا حيال ذلك الصِّراع، يكون مبنيًّا على وعيٍ صحيحٍ بنظرة الكتاب المقدَّس، وتمييز نظرة المسيح ورسله للعهد القديم ونبوءاته ووعود الله فيه.

خِتامًا:

لا يتعامَل الرَّبُّ مع أماكن جغرافيَّة مُحدَّدة من دون غيرها، ولا يسكُن في أماكن مصنوعة بالأيادي، لأنَّ “للرَّبِّ الأرض وملؤها، المسكونة وكلُّ السَّاكنينَ فيها” (مزمور 24: 1). وهو ليس عُنصريًّا حتَّى يُميِّز شَعبًا عن شَعبٍ بناءً على جِنْسه. أمَّا العلاقة معه فهي علاقة شخصيَّة، مِن خلالها تَحُلّ البركة بالفرد وللجماعة أيضًا. ويمكن بسبب أخطاء الأفراد وقراراتهم تأتي اللَّعنة على الجماعة.

فاسمَع ختام الأمرِ كلَّه.. ذلك الذي قاله الرَّبَّ بفم نبيِّه إرميا: “تارةً أتكلَّم على أمَّة وعلى مملكة بالقَلعِ والهَدمِ والإهلاك، فترجِع تلك الأمَّة، التي تكلَّمت عليها شَرًّا، فأندَمُ عن الشَّرِّ الذي قصَدْتُ أن أصنعه بها. وتارةً أتكلَّم على أمَّة وعلى مملكة بالبناء والغَرس، فتفعل الشَّرَّ في عينيَّ فلا تسمعُ لصوتي، فأندَم عن الخير الذي قُلتُ إني أحسِنُ إليها به… فارجِعوا كلُّ واحدٍ عن طريقه الرَّديء، وأصلِحوا طرقكُم وأعمالكُم” (إرميا 18: 7-11).

يا رئيسَ السَّلامِ وصانِعه، بَيْن السَّماءِ والأرضِ، وبَيْن الإنسانِ والإنسان..

إنَّ المكان الذي استقبَل أنشودة ملائكة السَّماء “على الأرض السَّلام”

مَوجوعٌ بسبب شَرِّ الإنسان، ويفتَقِد إلى السَّلام..

فَأْمُر رؤساء ومَرؤوسي الدُّول، لا سيَّما التي تُعلِن انتسابها إليكَ،

أن يُحوِّلوا سيوفهم إلى مَناجِل، وعوامل التَّدمير إلى وسائل للتَّعمير لخير الإنسان..

وارحَم الإنسان مِن شَرِّ الإنسان.. آمين.

 

(3)

الدكتور القسّ عبد المسيح إسطفانوس (1929-2021م)

رحلة من البحث والتعليم

إعداد

القسّ عيد صلاح

أولًا: السيرة الذاتيّة المختصرة

يُعتبر الدكتور عبد المسيح إسطفانوس (1929-2021م) صفحة مهمة في تاريخ الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة بمصر، وهو من جيل الكبار والأعمدة في الكنيسة المصريّة. وقد تقلَّد كثيرًا من المناصب ولكن لم يبقَ سوى كتاباته التي ستظلُّ مرجعًا لسنواتٍ قادمة. درسنا وتتلمذنا على يديه في كلية اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة، وقرأنا له الكتب التي أصدرها، والمقالات التي كتبها، وهو في كتاباته عميق الفكر وله اتجاه تفكير لاهوتيّ متميز.

ما يميَّز الدكتور القسّ عبد المسيح إسطفانوس هو حبه الشديد للكنيسة، ودراساته الأكاديميّة الرصينة، ومعاصرته لتاريخ الكنيسة عبر أكثر من 60 سنة منذ حصوله على الدكتوراه حتى رحيله، وقد جرت مياه كثيرة وحدثت فيها تغيرات كثيرة. في الاتصالات التي كان يجريها معي أو في المقابلات الشخصية كنت أشعر بأنني أمام ذخيرةٍ ومنجمٍ من المعلومات التي تراكمت عبر الزمن، وكم طالبته بكتابة خبرته الذاتيّة وسيرته وشهاداته على المرحلة التاريخيّة التي عاصرها وعايشها وأشتبك معها. هذا بخلاف الكتاب “قصة كتاب كفاح أكاديمي ودور العناية الإلهية” الذي سجَّل فيه رحلته الأكاديمية وهو كتاب نادر من نوعه في أسلوب الكتابة العربيّة الإنجيليّة، صدر عن دار الثقافة في القاهرة-وقد استجاب وكتب سيرته الذاتية تحت عنوان: “لمحات من أفضال نعمة الله”. وهو من خلال موقفه ودراساته وكتاباته يعتبر علامة فارقة في تاريخ الكنيسة الإنجيليّة المشيخية في مصر. مال إسطفانوس للتيار المحافظ، وكان يمثل تيارًا سنودسيًّا قويًّا في مرحلة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.

شخصية دكتور عبد المسيح إسطفانوس جمعت ما بين المحليَّة والعالميَّة؛ فهو شخصٌ معروفٌ في مصر، وفي الوقت نفسه معروف دوليًّا؛ نَشَر باللغة العربيّة ونَشَر أيضًا باللغة الإنجليزية. رغم علاقاته الدولية والمناصب الكثيرة التي تقلدها، كان غارقًا في المحليَّة مهمومًا بالكنيسة في مصر مهتمًّا بكافة التفاصيل الصغيرة والكبيرة. تحتاج الكنيسة المشيخيّة في مصر لهذا النموذج الذي يغرس قدميه في البيئة والثقافة المصريَّتَيْن وفي الوقت نفسه يصل بها للعالمية.

كان مشغولًا بكتابة تاريخ الكنيسة من خلال أبنائها، وهو المشروع الذي تمناه ولم يتحقق في حياته وربما يتحقَّق بعد رحيله. برحيل دكتور عبد المسيح تُطوَى صفحة مهمة من تاريخ الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة في مصر؛ فالتاريخ يتساقط من حولنا قطعة قطعة.

ولد الدكتور القسّ عبد المسيح اسطفانوس في سوهاج في 28 أغسطس 1929م، ورقد في الرب يوم 29 نوفمبر 2021م. تزوج من الدكتورة إيزيس نصحي بشيري، وقد عاشا معًا 56 عامًا، وله من الأبناء: ابنته دكتورة فيبي وهي أستاذة جامعية في لندن ولها من الأبناء نبيل ولورا، وابنه المهندس فيليب في كندا، وله من الأبناء غبريال وجاكوب.

وفي المسيرة التعليميّة فقد حصل على بكالوريوس “كلية اللاهوت الإنجيليّة” في عام 1950م، ثم بعد عامين 1952م حصل على بكالوريوس الآداب وعلم النفس والاجتماع في “الجامعة الأمريكيّة بالقاهرة”. وفي عام 1954م، حصل على ماجستير الدراسات اللاهوتيّة من “كلية اللاهوت بسان فرانسيسكو”، ثم درجة الدكتوراه في الدراسات اللاهوتيّة والفلسفيّة من “كلية اللاهوت ببرنستون” عام 1963م. وهو أول من حصل على شهادة أكاديميّة دكتوراه الفلسفة في اللاهوت PhD من أبناء الكنيسة المصرية الإنجيلية.

من ناحية الخدمة في الكنيسة المحلية فقد خدم كقسٍّ مساعد بكنيسة حلوان الإنجيليّة 1950-1952م. ثم راعي كنيسة هور الإنجيليّة بملوي 1954-1958م، وخدم كقسّ وراعٍ في المستشفى الأمريكيّ بطنطا 1958م. كما اهتم بعد ذلك بتدريب قيادات الكنيسة المحلية من قسوس وشيخ في مؤتمرات خاصة بالعقيدة المشيخيّة لسنوات طويلة.

ومن ناحية الخدمات العامة فكان مديرًا عامًّا لدار الكتاب المقدّس بمصر 1963-1989م. وهو أول مدير وطنيّ في القارة الأفريقيّة، وقد أنشأ في تلك الفترة أول مجلس إدارة لـدار الكتاب المقدّس من كل الطوائف. ثم خدم بعد ذلك كمستشار للترجمة بدار الكتاب المقدّس بمصر، 1989-1994م. وأستاذ بكلية اللاهوت الإنجيليّة القاهرة لمدة 44 عامًا من 1965-2009م، ورأس لجنة الدراسات اللاهوتيّة بها. وقد شغل منصب سكرتير الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة بمصر، سنودس النيل الإنجيليّ، ثم رئيسًا له في دورتين، ورأس مجلس العمل الرعويّ والكرازيّ بسنودس النيل الإنجيليّ لدورتَيْن متتاليتَيْن. هذا بالإضافة إلى مناصب مختلفة في مجلس الكنائس لعموم أفريقيا، ومجلس كنائس الشرق الأوسط، ومجلس الكنائس العالميّ، إضافة إلى حضوره ومشاركته في كثيرٍ من المؤتمرات المحليّة والإقليميّة والدوليّة.

 وقد قدَّم من الكتب والمؤلفات والترجمات والمقالات والأبحاث. بجانب مؤلفاتٍ ومقالاتٍ كتابيةٍ ولاهوتيةٍ عظيمةٍ، وترجمة الكتاب المقدّس 1989م. له عديد من الكتابات في مجلَّتَيْ: الهدى وأجنحة النسور، وأتمنى أن تُجمَع هذه الكتابات له في كتب للاستفادة منها. كان متفرغًا للدراسة والعمل بلا كللٍ طوال حياته، لم يتقاعد أبدًا. وقد كتب مقدماتٍ كثيرةً للكتب التي كانت تصدر من الرابطة الإنجيليّة في الشرق الأوسط (ميرف)، وهذه المقدمات كانت عبارة عن دراسة للكتاب المترجم وتقديم له. كان لدى دكتور إسطفانوس نسق لاهوتي متكامل، ظهر ذلك في كتاباته ودراساته وحواراته.

عكف إسطفانوس على تنقيح ترجمة فاندايك للعهد الجديد، وهو مشروعٌ طَموح كان من ضمن دراساته وأبحاثه المتميزة التي ركزت على دور المسيحيين العرب، والاهتمام بالكتابات العربيّة المسيحيّة والترجمات للكتاب المقدّس إلى اللغة العربيّة، بصفة خاصة في كتاباته، وقد ظهر اهتمام إسطفانوس بالكتاب المقدس في الثقافة العربية وملامح هذا المشروع في كتابيه: “تقديم الكتاب المقدّس للقارئ العربيّ: تاريخه، صحته، ترجماته، 1994م”؛ “المسيحيّة والمسيحيّون واللغة العربيّة في القرون الأولى حتى سنة 600م”.

وقد أصدر دار الكتاب المقدّس في مصر بعضًا من هذه الترجمات في نموذجين: إنجيل متى “طبعة دراسيّة”، 1986م؛ إنجيل مرقس “طبعة دراسيّة”، 1987م، وجاء في صدر هذه الترجمة المنهاجية التي اتبعت في الآتي: لقد خدمت ترجمة البستاني-فاندايك الشرق العربي أكثر من مئة وعشرين سنة ولا تزال، غير أنها تحتاج إلى إخراج وتبويب جديدَيْن مع بعض تنقيح على ضوء ما استجد من دراساتٍ في حقل الكتاب المقدس لتبقى ترجمةً مواكبةً للعصر ووافيةً بحاجات الكنائس الشرقية، ومن أجل تحقيق هذا الهدف الجليل قامت لجنة من قبل دار الكتاب المقدس بالعمل على إخراج وتبويب هذه الترجمة وفق الخطوات التالية:

  • تضمَّن النصّ مساعدات القراءة -علامات الترقيم- كالفواصل وعلامات الاستفهام والتعجب والأهلة أو الأقواس المفردة والمزدوجة.  
  • وضع عناوين للمقاطع والفقرات ليسهل البحث عن مواضيع الكتاب المقدّس.
  • وضع الشواهد للمواضيع المتوازية في البشائر الأربع تحت العناوين، إضافة إلى شواهد العهد القديم في الحاشية.
  • وضع ملاحظات في الحاشية تُعنى بتوضيح النصّ وشرحه في المواضع الصعبة، أو إذا كان ثمة ترجمة أخرى للنصّ، أو تسجيل قراءة أخرى واردة في نصوص يونانيّة مهمة قديمة ودقيقة اكتُشِفت بعد القيام بهذه الترجمة.
  • تنقيح النصّ وضبطه في بعض المواضع المهمة وفي عدد من المواضع غير المهمة ليكون أقرب إلى النصّ اليونانيّ.
  • تحديث الكلمات القديمة مثل: صلوة -صلاة، حيوة -حياة… إلخ.
  • ترتيب المقاطع الشعرية ترتيبًا عموديًّا.

كما جاء في صدر هذه الترجمة لإنجيل متى على سبيل المثال “المختصرات المعتمدة” وهي: (في: أ، م: في أهم المخطوطات)، (في: ب، م، م: في بعض أهم المخطوطات)، (في: ب، م، م، م: في بعص المخطوطات المهمة المتأخرة)، (قا: قابل، قارن)، (حر: حرفيًّا)، (أي: توضيح، تفسير)، (أو: يمكن أن تترجم بـ.)، (…): الكلمات الموجودة بين قوسين لم ترد في أقدم المخطوطات اليونانية وأهمها. (*): نجمة فوق الكلمة تفيد أنَّ ثمة ملاحظة في الحاشية. ومن خلال هذه المختصرات المعتمدة يظهر أن تنقيح ترجمت فاندايك أخذ بفكرة ومبادئ نقد النصّTextual Critsism  وقد أبقى المشروع على ترجمة فاندايك وقام بعمل نقد لنصوصها ولا سيما في العهد الجديد.

وقد أشار طيب الذكر د. ق مكرم نجيب إلى هذه الترجمة ونشر في كتابه: “رؤية الإيمان وتحديات الواقع دراسة في رسالة يعقوب”، الصادر عن دار الثقافة بالقاهرة في 2005م، ملحقًا بها ترجمة الرسالة من هذا المشروع، عنونها بـ”ترجمة حديثة لرسالة يعقوب” ومشيرًا في الهامش ص 189 بأنها ترجمة رسالة يعقوب للدكتور القسّ عبد المسيح إسطفانوس والدكتور القسّ غسان خلف (189-197).

 وهذا المشروع كان مع طيب الذكر الدكتور القسّ غسان خلف، وقد كتب خلف كتابًا مهمًّا يحوي ملامح هذا المشروع في كتابه: “أضواء على ترجمة البستاني فاندايك (العهد الجديد)” صدر عن جمعية الكتاب المقدس، بيروت لبنان 2009م. وقد وضع خلف في هذا الكتاب فلسفة تنقيح ترجمة فاندايك، وكيف تكون، والأمثلة على ذلك.

ولكن في المجمل هذا المشروع -تنقيح ترجمة فاندايك- لم يظهر للنور بعد، والسبب هو ربما يرجع الحساسية التي يلاقيها المجتمع المسيحيُّ في مصر من ظهور ترجماتٍ جديدة، أو ظهور ترجماتٍ بها تنقيح على الترجمات الموجودة، أتمنى أن نحصل على هذه الترجمة وتتاح في نشرةٍ نقديّةٍ خاصة. وأتمنى أن يظهر مشروع إسطفانوس وغسان خلف للنور يومًا ما، ويكون متاحًا للباحثين المهتمين بهذا الدور البحثيّ في مجالات الترجمة.

من ناحية التأليف والترجمة نجد أن دكتور عبد المسيح إسطفانوس مؤلف ومترجم لأكثر من 19 كتابًا ودراسة منشورة في كتب، ساهم في اللاهوت المصلح والمسيحيّة المصريّة، وقد ظهر ذلك في دوره الكبير في صياغة إقرار إيمان لاهوتٍ مصريٍّ إنجيليٍّ معاصر، وكان ذلك نتيجة لما قام به من دراسات مثل: “قوانين الإيمان وإقراراته ودورها وتأثيرها في الكنيسة”، 2017م، وخطابه الذي ألقاء في حفل تخرج كلية اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة عام 1982م: “نحو علم لاهوت إنجيليّ مصريّ معاصر.”

 ألَّف كتابه الأخير في أوائل عام 2021، وواصل بحثه لكتاب جديد قبل أسبوع من وفاته، مع العديد من الفصول المكتوبة في أثناء وجوده في المستشفى. وسنفرد في هذه الدراسة مسردًا للكتابات التي كتبها إسطفانوس سواء من تأليفه باللغتين: العربيّة أو الإنجليزية، والتي لم تنشر بعد. وقد فعلت ما في وسعي للحصول على قائمة كاملة للكتب التي أصدرها، وإذا ظهرت كتابات أو ترجمات بعد ذلك فيمكن إضافتها على هذه القائمة عند تحديث هذه الدراسة.

بصفة شخصية استفدت كثيرًا من الدكتور عيد المسيح إسطفانوس في كل لقاء أو مكالمة كان يمدني بمعلومات غزيرة، وكان دائم التشجيع لي وكان يرى فيَّ إمكانية كتابة تاريخ الكنيسة الإنجيلية بمصر، وها أنا أقوم بكتابة صفحة مهمة من تاريخ الكنيسة حين أكتب عنه. ورؤيتي في الدكتور عيد المسيح أنه كان في إمكانه تزويد المكتبة العربية بكتب أكثر وترجمات أوفر لمنابع الفكر المصلح لما كان يمتلكه من مهارات وإمكانيات كبيرة، ولكن انشغاله بخدمة العمل الإداري في الكنيسة أخذ منه وقتًا كبيرًا.

في رحيله ذكر الدكتور القسّ أندريه زكي هذه الكلمات عنه: إنَّ الطائفة الإنجيليّة في مِصر فقدتْ المعلِّمَ الأبَ، الذي كرَّس حياته معلِّمًا لأجيالٍ كثيرةٍ بكلِّ تفانٍ وإخلاصٍ، وساهمَ في إثراء المكتبةِ المسيحيّةِ بمؤلفاتٍ ومقالاتٍ كتابيةٍ ولاهوتيّةٍ عظيمةٍ، فهو علامةٌ هامةٌ للكنيسةِ الإنجيليّة العامة.

ثانيًا: كتابات الدكتور القسّ عبد المسيح إسطفانوس

أسهمَ عبد المسيح إسطفانوس في إثراء المكتبةِ المسيحيّة بمؤلفاتٍ ومقالاتٍ كتابيةٍ ولاهوتيّةٍ عظيمةٍ، فهو علامةٌ هامةٌ للكنيسةِ الإنجيليّة العامة. وترك للكنيسة إرثًا لاهوتيًّا بمجموعةٍ من الكتابات المتميِّزة، وقد تميَّزت كتاباته بالتركيز على البعد اللاهوتيِّ من منظورٍ عربيٍّ ولا سيَّما اللاهوت المصلح، وفي هذه الدراسة نُقدم سردًا لهذه لكتابات التي أصدرها في التأليف باللغتين العربيّة والإنجليزية، والترجمة، وما لم ينشر بعد.

 ويمكن تصنيف اهتماماته في الكتابة في أربعة اتجاهات: اللاهوت الإنجيليّ المصلح، الترجمات العربيّة للكتاب المقدّس، تاريخ الفكر المسيحيّ، أهمية دراسة المخطوطات. ومسرد هذه الكتابات هي:

أولًا: التأليف باللغة العربيّة

  • تقديم الكتاب المقدّس للقارئ العربيّ: تاريخه، صحته، ترجماته (صدر عن دور الكتاب المقدّس في الشرق الأوسط، 1994م) يقع الكتاب في 120 صفحة من القطع الصغير. ثم صدر في طبعة أخرى بعنوان: تقديم الكتاب المقدّس للقارئ: تاريخه، صحته، ترجماته (القاهرة: دار الكتاب المقدّس بمصر، 2008م)، في 141 صفحة من القطع الصغير. ومن الواضح أنه تمّ حذف كلمة “العربيّ” من العنوان في الطبعة الثانية.
  • الإنجيليّون أسماء ومفاهيم (القاهرة: مركز دراسات مسيحيّة الشرق الأوسط-كلية اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة، 2014م)، تحرير وجيه يوسف ورمسيس تواب، طبعة خاصة بمناسبة مرور 150 سنة على تأسيس كلية اللاهوت الإنجيليّة بمصر، يقع الكتاب في 164 من القطع المتوسط. وكان قد صدرت منه نسخة من قبل عن (القاهرة: مجلس الإعلام والنشر سنودس النيل الإنجيليّ، 2007م) في 47 صفحة من القطع الصغير، وقد كتبه بمناسبة الاحتفال بمرور مائة وخمسين سنة على العودة للتسمية الإنجيليّة بمصر.
  • رسامة المرأة قسّيسًا و”كهنوت جميع المؤمنين“، الدكتور القسّ عبد المسيح إسطفانوس، في كتاب: “رسامة المرأة قسًّا بين النصّ والواقع”، إعداد القسّ عيد صلاح (القاهرة: دار الثقافة، 2014م)، 161-163.
  • المسيحيّة والزوجة الواحدة تساؤلات وإجابات (دار الثقافة: القاهرة، 2000م) عدد الصفحات 52 من القطع الصغير.
  • تاريخ الفكر المسيحيّ في القرن الأول (المؤلف: القاهرة، 2012م) عدد الصفحات 294، القطع الكبير.
  • أديرة الصعيد وكنوز في جرار مخطوطات دير الأنبا باخوميوس المعروفة باسم مخطوطات بودمار (القاهرة: المؤلف، 2012م). تقديم نيافة الأنبا بيشوي سكرتير المجمع المقدّس للكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة بمصر، عدد الصفحات 71. القطع الصغير.
  • المسيحيّة والمسيحيّون واللغة العربيّة في القرون الأولى حتى سنة 600م (القاهرة: المؤلف، د. ت). يقع الكتاب 95 صفحة من القطع الصغير.
  • مفاهيم معاصرة 150 عامًا على ترجمة البستانيّ فان دايك (القاهرة: المؤلف، د. ت)، يقع الكتاب في 77 صفحة من القطع الصغير.
  • مخطوطات البهنسا مصر في العصر الفرعونيّ إلى القرن السابع لمحة من خلال آثار البهنسا ومخطوطات كنائسها وأديرتها، تحرير وجيه يوسف (القاهرة: مركز دراسات مسيحيّة الشرق الأوسط-كلية اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة، 2013م)، يقع في 60 صفحة من القطع الكبير. وصدر هذا الكتاب أيضًا في طبعة أخرى تحت عنوان: البهنسا لمحة من تاريخ المسيحيّة بمصر آثار البهنسا ومخطوطات كنائسها وأديرتها مع دراسة لمخطوطة تشستر بيتي (القاهرة: المركز الثقافيّ القبطيّ الأرثوذكسيّ، 2017م). قدَّما لهذه النسخة نيافة الأنبار إرميا الأسقف العام ورئيس المركز القبطيّ الأرثوذكسيّ ونيافة الأنبا أثناسيوس أسقف بني مزار.
  • مقدِّمات علم اللاهوت (القاهرة: دار الثقافة، 2022)، يقع الكتاب في 124 صفحة من الحجم المتوسط.
  • قوانين الإيمان وإقراراته ودورها وتأثيرها في الكنيسة (القاهرة: دار الثقافة، 2017م)، يقع الكتاب في 400 صفحة من القطع الكبير.
  • الغنوسيّة وتوابع معاصرة لتسونامي: شفرة دافنشي، سلسلة الأغصان، مجلة الهدى، القاهرة مجلس الإعلام والنشر، سنودس النيل الإنجيليّ، 2016م، يقع الكتيب في 42 صفحة من القطع الصغير.
  • الإرشاد الإلهيّ (القاهرة: اللجنة العامة للاحتفال بـ 500 عام على الإصلاح الإنجيليّ، 2017م)، يقع الكتاب في 74 صفحة من القطع الصغير.
  • شهداء الإصلاح بين شهداء الماضي وشهادة الحاضر (القاهرة: اللجنة العامة للاحتفال بـ 500 عام على الإصلاح الإنجيليّ، 2017م)، يقع الكتاب في 103 صفحة من القطع الصغير.
  • نحو علم لاهوت إنجيليّ مصريّ معاصر، خطاب كلية اللاهوت الإنجيليّة عام 1982م، تم إعادة نشره بنفس العنوان عن دار الفكر الإنجيليّ، في 34 صفحة من القطع الصغير. نتج عن هذا الخطاب بعد ربع قرن من الزمان ورحلة طويلة من الدراسة: “إقرار الإيمان الإنجيليّ للكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة بمصر” (القاهرة: مجلس العمل الرعويّ والكرازيّ، 2007م)، يقع الكتاب في 134 من القطع المتوسط.
  • قصة كتاب: كفاح أكاديميّ وتدخلات العناية الإلهيّة (القاهرة: دار الثقافة، 2021م)، ويقع الكتاب في 133 صفحة من القطع الصغير.
  • الهويّة اللاهوتيّة للكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة بمصر، في كتاب: دساتير الكنيسة الإنجيليّة بمصر نصّوص ووثائق 1879-2015م، تحرير وتقديم عيد صلاح (القاهرة: المجلس القضائيّ والدستوريّ، 2016م)، 17-22.

ثانيًا: الترجمات إلى اللغة العربيّة

  • بين العقل والإيمان الجزء الأول كيف نفهم إعلان الله، هيرمان بافينيك (بيروت: مطبوعات الشرق الأوسط، 1990م)، يقع الكتاب في 187 من القطع الصغير.
  • رسالتا غلاطية وأفسس، سلسلة تفسير العهد الجديد، وليم باركلي (القاهرة: دار الثقافة، 1980م)، يقع الكتاب في 284 من القطع المتوسط.

ثالثًا: التأليف باللغة الإنجليزيّة

  • Abd-el-Masih Istafanous. Calvin’s Doctrine of Biblical Authority. U.S.A. Wipf & Stock, an Imprint of Wipf and Stock Publishers, 2016.

رابعًا: ما لم ينشر بعد

  • لمحات من أفضال نعمة الله، سيرته الذاتيّة كتبها بخط يده. لم تُنشر بعد.
  • المذاهب الإنجيليّة في مصر، كورس كان يُقَدَّم في كلية اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة، لم يُنشر بعد.

 

ختامًا

هذه دراسة أولية عن شخص الدكتور القسّ إسطفانوس، وهي لا تفي كل الأغراض المطلوبة لكن أعتقد بها الكثير من المعلومات الموثقة التي يمكن البناء عليها مستقبلًا، أكتب هذه الدراسة وأنا ممتن لشخص الدكتور عبد المسيح إسطفانوس لما قدمه لي ولجيلي من اهتمام خاص وما قدمه للكنيسة من اهتمام عام، فحياته كانت حافلة بكثيرٍ من الإنجازات والعطاءات.

 أتقدم بالشكر للأصدقاء الأعزاء من ساعدوني بصورة أو بأخرى في جمع هذه المعلومات وهم: القسّ أمير ثروت، القسّ أمين شمعون، القسّ إميل نبيل، القسّ وفيق وهيب، القسّ نصر الله زكريا، الشيخ يوسف ناثان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(4)

القسّ أمير اسحق (1958- )

رحلة من الرعاية والكتابة

إعداد

 القسّ عيد صلاح

مُقَدِّمَةٌ:

عندما ذهب للخدمة الصيفيّة (التدريب الصيفيّ) في الكنيسة الإنجيليَّة في قرية العضايمة-إسنا، قنا في صيف 1992م سمعت كثيرًا عن القسّ أمير إسحق بخصوص خدمته وتميزه، ولكنني لم ألتق به، فقد دُعيَ للخدمة في الكنيسة الإنجيليّة في الجيزة، بعد ذلك ذهب للخدمة في سنودس سوريا ولبنان، وكنت أقرأ له ما يكتبه في مجلة النشرة الإنجيليَّة التي تصدر في بيروت، حيث تميز في العمل الإعلاميّ، والكتابة الرصينة، والتحرير والتدفيق اللغويّ، وتمكّن من اللغة العربيّة تمكنًا كبيرًا. وقرأت له كثيرًا من الكتب والمقالات والدراسات، إنها رحلة حافلة بالرعاية والكتابة في مصر ولبنان، وجدير أن نقترب منها فيما يلي:

أولًا: السيرة الذاتيّة المختصرة

وُلِدَ القسّ أمير إسحق في 28 أكتوبر 1958م ملوي-المنيا، وتخرَّج في كليَّة اللَّاهوت الإنجيليّة في القاهرة 1982م؛ وفي كليَّة الآداب قسم اجتماع جامعة الإسكندريَّة 1989م؛ وفي كليَّة الحقوق جامعة الإسكندريَّة 1996م. خدم راعيًا للكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة في إسنا والعضايمة 1984-1991م؛ ثمَّ للكنيسة الإنجيليّة في الجيزة والورَّاق 1991-1996م؛ ثمَّ للكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة في اللَّاذقية-سورية 1996-2005م؛ ثمَّ للكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة في صور وعلما الشَّعب-لبنان 2005-2020م.

  • انتُخِب رئيسًا لمجلس الإعلام والنَّشر في السِّينودس الإنجيليّ في سوريا ولبنان لمدَّة 20 سنة 1997-2013م؛ 2016-2020م
  • عضو في هيئة تحرير مجلَّة “النَّشرة” طوال مدَّة رئاسته لمجلس الإعلام والنَّشر في سينودس سوريا ولبنان؛ وكاتب لعديدٍ من المقالات فيها.
  • عضو هيئة تحرير مجلَّة “الهُدى” التَّابعة لسنودس النِّيل الإنجيليّ، وكاتب لعديدٍ من المقالات فيها.
  • تأسيس وتدريب فريق ترنيم من 20 عضوًا في كنيسة اللاذقيَّة- سوريا، ثمَّ في كنيسة علما الشَّعب- لبنان، قدَّم عديدًا من الخدمات؛ و14 كانتاتا شرقيَّة في المناسَبات الكنسيَّة، حيث قام بإعدادها وتلحينها.
  • مؤسِّس مجموعة “غزالة لخدمة وتدريب الإنسان” مع زوجته في الكنيسة الإنجيليّة في صور- لبنان، لخدمة وتعليم الأطفال النَّازحين من سوريا، ورعاية وتدريب السَّيِّدات في عديدٍ من الأعمال اليدويَّة والحِرفيَّة.
  • تأسيس فريق المسرح الأسود من 15 عضوًا في كنيسة علما الشَّعب- لبنان، قدَّم عديدًا من المسرحيَّات، التي قام بتأليفها وإخراجها.
  • تخرَّج في معهد حجَّاي الدَّولي 2014م، وتراَّس رابطة خرِّيجي حجَّاي في لبنان 2016-2020م ومُحاضِر في كورس الوكالة.
  • تعيَّن مسؤولًا عن مركز مرثا روي للعبادة التَّابع لكليَّة اللَّاهوت الإنجيليّة في القاهرة 2020-2023م وحاضر في موضوعات العبادة في عدَّة كنائس ومؤتمرات.

ثانيًا: العائلة الصَّغيرة:

زوجته إستر فؤاد، مهندسة زراعيَّة. تزوَّج في 22/ 11/ 1984م وأنجب رفيق، الابن الوحيد، في 22/ 11/ 1985م الذي أتمّ دراسته الجامعيَّة في مصر هندسة كمبيوتر، ثمّ عمل في الإمارات العربيّة قبل أن ينتقل إلى أميركا. تزوَّج كارن في 22/ 11/ 2017م وخلال خمس سنوات أصبح للقس أمير ثلاثة أحفاد: ليو؛ ليكسو؛ ماكس. يعيشون في أوهايو-أميركا.

ثالثًا: الاختبار والدَّعوة

الاختبار والدعوة لدى القسّ أمير إسحق في ثلاث مراحل، وهي:

المرحلة الأولى: النشأة

وُلِد في عائلة مسيحيّة مُنتظمة في حضور الكنيسة في ملَّوي. كان جدِّه قسيسًا إنجيليًّا في كنيسة الله في كفر الدَّوار. كان مسيحيًّا بحسب الميلاد والانتماء العائلي، وفي 27 يناير 1977م حضر مؤتمرًا روحيًّا لشباب كنيسة الله في سنتر الأولاد في أسيوط. هناك تعرَّف شخصيًّا على المسيح كمخلِّص شخصي لحياته، وبدأ معه علاقة جديدة غير العلاقة الرُّوتينيَّة السَّابقة. بدأ ينمو في معرفته ومعرفة كلمته على يد كثيرٍ من الخدَّام. كان التَّرنيم والموسيقى أحد أكثر الأشياء التي جذبته للمسيح ولخدمته، حتَّى بدأ يتعلَّم العَزف مبكِّرًا، وظهرت موهبته في التَّلحين وهو في سنّ ثانوي.

المرحلة الثَّانية: الدعوة والخدمة

في عام 1978م شعر بدعوة للخدمة كقسيس وراعٍ، فالتحَق بكليَّة اللَّاهوت الإنجيليّة في القاهرة بتشجيع كبير مِن والده. تخرَّج فيها عام 1982م ثمَّ رُسِمَ قسيسًا في أوَّل خدمة رعويَّة في إسنا في 5 أكتوبر 1984م واستمتع بخدمة الرَّبّ فيها وفي مجمع الأقاليم العليا لسَبع سنوات، قبل أن ينتقل إلى القاهرة، ثمَّ إلى سينودس سوريا ولبنان لعشر سنوات في اللَّاذقية-سوريا؛ ثمَّ خمس عشرة سنة في صور وعلما الشَّعب- لبنان.

ثمَّ عاد إلى أرض الوطن الحبيب مصر سنة 2020م اختبر في تلك المرحلة أوقاتَ ضعف وضيقٍ وظُلم، وفي جميعها علَّمه الرَّبُّ ما لم يتعلَّمه في أوقات النَّجاح والتَّمتُّع بالحصاد والثَّمر، وكان الرَّبُّ يُخرجه في كلِّ مرَّة بقوى جديدة مُتجدِّدة.

المرحلة الثَّالثة: العودة لمصر وخدمات خاصة

          بدأ منذ عودته إلى مصر مرحلة جديدة، والتحق بالخدمة كمسؤول عن مركز مرثا روي للعبادة، حيث أعطاه الرَّبّ فرصة لخدمة مُختلفة عن العمل الرَّعوي. وبينما انتهَت تلك الخدمة في بداية 2024م، حيث كان يستعدّ للسَّفر والاستقرار مع ابنه رفيق في أميركا، جاء التَّكليف من السّنودس بمهمَّة صعبة في كنيسة قنا لمدَّة عام. لم يستطِع أن يقاوم تلك الدَّعوة بسبب الحنين إلى مكان بداية الخدمة بعد أربعين سنة (1984-2024م). وقد أوشك ذلك التَّكليف على انتهائه عند تدوين هذه السُّطور.

رابعًا: المواهب والإمكانيَّات

 مَحاور حياته الخمسة الأساسيَّة على حرف الميم: المخدَع؛ المكتَب؛ المنبَر؛ الموسيقى؛ المسرَح الأسود. أمَّا المواهِب الخمس التي وهبَه الله إيَّاها لمجده فهي: العَزف؛ التَّلحين؛ الكتابة؛ الإخراج؛ إعداد برامج.

خامسًا: الكتابات والإنتاج الفكريّ

  1. أشياء عسرة الفهم (دمشق: الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة الوطنيّة في اللَّاذقيَّة–مطبعة باب توما دمشق، 2004م). قطع متوسِّط 74 صفحة.
  2. الإيمان والغفران، مناصفة مع القسّ محسن نعيم. (دمشق: الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة الوطنيّة في اللَّاذقيَّة–مطبعة باب توما دمشق، 2005م). قطع صغير 112 صفحة.
  3. كلّ العيلة الإصدار الأوَّل، أربعة أقسام من سبعة (دمشق: السِّينودس الإنجيليّ الوطنيّ في سوريا ولبنان– مطبعة باب توما دمشق، 2003م)، قطع متوسِّط 366 صفحة.
  4. كلّ العيلة الإصدار الثَّاني، ستَّة أقسام من سبعة (دمشق: السِّينودس الإنجيليّ الوطنيّ في سوريا ولبنان– مطبعة باب توما دمشق، 2004م)، قطع متوسِّط 368 صفحة.
  5. كلّ العيلة الإصدار الثَّالث، أربعة أقسام من سبعة (دمشق: السِّينودس الإنجيليّ الوطنيّ في سوريا ولبنان– مطبعة باب توما دمشق، 2005م)، قطع متوسِّط 368 صفحة.
  6. كلّ العيلة الإصدار الرَّابع، ستَّة أقسام من سبعة (دمشق: السِّينودس الإنجيليّ الوطنيّ في سوريا ولبنان– مطبعة باب توما دمشق، 2006م) قطع متوسِّط 366 صفحة.
  7. كلّ العيلة الإصدار الخامس، مُناصفة مع ش. جورج ميسي (دمشق: السِّينودس الإنجيليّ الوطنيّ في سوريا ولبنان– مطبعة باب توما دمشق، 2007م) قطع متوسِّط 237 صفحة.
  8. كلّ العيلة الإصدار السَّادس، خمسة أقسام من سبعة (دمشق: السِّينودس الإنجيليّ الوطنيّ في سوريا ولبنان– مطبعة باب توما دمشق، 2008م) قطع متوسِّط 368 صفحة.
  9. كلّ العيلة الإصدار السَّابع، خمسة أقسام من سبعة (دمشق: السِّينودس الإنجيليّ الوطنيّ في سوريا ولبنان– مطبعة باب توما دمشق، 2009م) قطع متوسِّط 370 صفحة.
  10. كلّ العيلة الإصدار الثَّامن، خمسة أقسام من سبعة (دمشق: السِّينودس الإنجيليّ الوطنيّ في سوريا ولبنان– مطبعة باب توما دمشق، 2010م) قطع متوسِّط 370 صفحة.
  11. كلّ العيلة الإصدار التَّاسع، خمسة أقسام من سبعة (دمشق: السِّينودس الإنجيليّ الوطنيّ في سوريا ولبنان– مطبعة باب توما دمشق، 2011م) قطع متوسِّط 370 صفحة.
  12. كلّ العيلة الإصدار العاشر أربعة أقسام من سبعة (دمشق: السِّينودس الإنجيليّ الوطنيّ في سوريا ولبنان– مطبعة باب توما دمشق، 2012م) قطع متوسِّط 370 صفحة.
  13. علامات أساسيَّة في الحياة المسيحيّة (دمشق: السِّينودس الإنجيليّ الوطنيّ في سوريا ولبنان – مطبعة باب توما دمشق، 2018م). قطع متوسِّط 155 صفحة.
  14. شغَّل عقلك في الأمثال والأعمال (دمشق: السِّينودس الإنجيليّ الوطنيّ في سوريا ولبنان–مطبعة باب توما دمشق، 2019م)، قطع متوسِّط 273 صفحة.
  15. شخصيَّات في أعمال الرُّسل (القاهرة: دار الثقافة، 2021؛ 2022م) قطع متوسِّط 114 صفحة.
  16. الشَّرارة الأولى دراسة في أعمال الرُّسل جزء أوَّل (القاهرة: دار رجاء للجميع للنشر والتوزيع، 2024م)، قطع متوسِّط 530 صفحة.
  17. أسئلة مُحيِّرة (القاهرة: دار رجاء للجميع للنشر والتوزيع، 2024م)، قطع متوسِّط 220 صفحة.
  18. عابدين الرَّبّ (القاهرة: دار رجاء للجميع للنشر والتوزيع، 2024م)، قطع متوسِّط 274 صفحة.
  19. المراسيم الكنسيَّة في الكنيسة الإنجيليّة. مُناصفة مع د. ق. صموئيل رزفي (القاهرة: دار رجاء للجميع للنشر والتوزيع، 2024م)، قطع متوسِّط 200 صفحة.
  20. بركات الأزمات في الملكوت (القاهرة: دار الثقافة، 2025م)، قطع متوسِّط 70 صفحة.
  21. يردُّ نفسي (القاهرة: دار رجاء للجميع للنشر والتوزيع، 2025م)، قطع متوسِّط 175 صفحة.
  22. رؤية في الرُّؤيا دراسة في سفر الرُّؤيا-الجزء الأوَّل (القاهرة: النَّاشر دار رجاء للجميع للنَّشر والتَّوزيع، 2025م)، قطع متوسِّط 140 صفحة.

 

إله العهد القديم وإله العهد الجديد

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب : د. ق. أشرف عزمي

سأل الدكتور ديفيد لمب، أستاذ العهد القديم، تلاميذه في أول محاضرة لهم قائلًا: “كيف يمكننا أن نصالح إله العهد القديم المحبَّ والرحيم وطويل الروح مع صورة الله القاسي في العهد الجديد؟” يقول ديفيد: “بمجرد أن طرحت هذا السؤال، رأيت علامات الحيرة على وجه الطلبة.” فسألهم سؤالًا آخر قائلًا: “هل تعرفون من هو أكثر شخص في الكتاب المقدس تحدث عن الهلاك والدينونة؟ إنه شخص الرب يسوع المسيح، الذي تحدث عن الهلاك أكثر مما تحدث عن السماء”.[1] هذه الحقيقة غائبة عن عيون من يتَّهمون إله العهد بالعنف والقسوة. 

التصور الخاطئ عن الله

من هو الله؟ وما صفاته وأعماله؟ ومن أين نستقي هذه المعرفة عن شخصه؟ هل نستقيها من أنفسنا وتخيلاتنا وخبراتنا الإنسانية، أم من إعلان الله نفسه عن ذاته؟ للأسف، صورة الله في أذهان كثيرين من الناس صورة مشوهة وغير حقيقية. يُتهم الرب من قِبل كثيرين، سواء كانوا ملحدين أو لا أدريين، بأنه إله قاسٍ وغيور ومنتقم وعنصري، ويبرهنون على ذلك بأن العهد القديم مليء بالقصص التي تقدم الله بهذه الصورة. فالله الذي أهلك الأرض بالطوفان، وأنزل نارًا لتحرق سدوم وعمورة، وأمر شعبه بقيادة يشوع أن يُحرِّم مدنًا بأكملها، هو إله دموي وغير سوي وقاسٍ. يقول تشالز دوكينز Charles Dawkins في كتابه “وهم الإله”:

إله العهد القديم… غيور ومتفاخر، ضيق الأفق وظالم. مهووس بالسيطرة ولا يغفر. انتقامي ومتعطش للدماء، يبيد الأعراق وكاره للمرأة. كارة للمثليين، عنصري، قاتل للأطفال ويرتكب الإبادة الجماعية.  قاتل لأبنائه/ مهلك بالأوبئة ولديه جنون العظمة. ساديّ ومزاجيّ وحقود ونَزَوِيّ ويستقوي على الضعفاء.[2] 

          وعلى الرغم من اعتراضي الشديد على كلام تشارلز دوكينز الذي يُعتَبَر نوعًا من التجديف، إلا أنني أعتقد أنه عبَّر عن فكر كثيرين من الناس؛ فقد حصل كتابه ولعدة سنوات على لقب “أفضل كتاب مبيعًا” بحسب تصنيف جريدة نيويورك تايمز الشهيرة. إن أي قارئ للعهد القديم يعلم جيدًا أنه يحتوي على نصوص صعبة تحتوي على قتل وإبادة، إضافة إلى المعضلات الأخلاقية الكثيرة التي يصعب على القارئ في القرن الحادي والعشرين فهمها. وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: معضلة أمر الرب لإبراهيم بتقديم ابنه إسحاق كمحرقة (تكوين 22)، ومعضلة علاقة يهوذا بثامار (تكوين 39)، ومعضلة زنى وقتل داود (صموئيل الأول 11)، ومعضلة يفتاح وتقديم ابنته كذبيحة لله (القضاة 11).

هذه القضايا جعلت كرستوفر هيتشنزChristopher Hitchens  يكتب كتابه الشهير “الله ليس عظيمًا”  God is Not Great، ليؤكد وجهة نظره عن إله العهد القديم بأنه إله يوافق على الإتجار بالبشر، والتطهير العرقي، والعبودية، وبيع النساء وهي بحسب وصفه شرائع إلهية غير قابلة للتعديل.[3]

طبعًا كل هذه المعضلات وغيرها مردود عليها ولها شروحات كثيرة، لكنني أسردها هنا حتى يتسنى لك عزيزي القارئ فهم التصور الخاطئ عن الله عند الملحدين والا أدريين عن شخص الرب. هذه القراءة لإله العهد القديم قراءة غير منصفة؛ لأنها مسبوقة بتصور مسبق في فكر كاتبها عن الله، وهذا التصور المسبق نتج عمَّا تخيله الكاتب عن الله، كما أنه تصور غير نابع من البحث الأمين لفهم النصوص الصعبة في الكتاب المقدس، إنها قراءة انتقائية شخصية ليبرهن عمَّا في فكره عن الله.

إذن، ماذا نفعل بنصوص صعبة تتحدث عن القتل والعنف والغضب الإلهي؟ كيف نفسر مَثَلًا قتل عائلة عَخَان ابن كَرْمِي بسبب خطأ فرد واحد؟ وكيف نفسر ما حدث لعُزِّيَا الذي ضربه الرب فمات بسبب أنه سند التابوت “بحسن نية” حتى لا ينطرح على الأرض؟ وكيف نفسر أمر الرب لإبراهيم بأن يقدم ابنه إسحاق ذبيحة؟ وماذا عن أبناء هارون الكاهن الذين أحرقهم الرب في الخيمة وأماتهم؟ إضافة إلى كل ذلك ما حدث لشعوب كنعان من إبادة على أساس ديني وعرقي كما يدعي البعض Religious and ethnic cleansing، أي “التطهير الديني والعرقي”. كيف نفهم لغة العنف هذه وسفك الدماء؟ وماذا تعلمنا هذه الأحداث المؤلمة عن محبة الرب ورحمته وعطفه؟ يقول كرستوفر رايت: “عندنا حقّ عندما تزعجنا هذه الأسئلة… فعنف العهد القديم يزعجنا، ويزعجنا أكثر أن يكون هذا العنف مُبرَّرًا.”[4] 

كيف لنا أن نتعامل مع هذه المشاكل؟

نشأتْ على مدار التاريخ الكنسي عدد من التوجهات نحو موضوع العنف في العهد القديم ومن بينها ما يلي:

اولًا: توجه مارسيون/ ماركيون[5] 

طور مارسيون السينوبي في أوائل القرن الثاني نظامًا معتقديًّا ثنائيًّا، يقوم على الإيمان بوجود إلهين مختلفين. فإله العهد القديم، وخالق الكون المادي، كائن يختلف تمامًا عن الإله الذي تحدَّث عنه يسوع. اعتبر مارسيون أن إله يسوع هو إله الرحمة والمحبة، الذي ينظر إلى البشرية بإحسان وعطف، وهو ما يتعارض مع إله العهد القديم الشرير المنتقم وسريع الغضب. هذا الإله هو الذي أثار شعبه (اليهود) ضد المسيح فقاموا بصلبه. وبناءً على ذلك، لم يعتبر مارسيون الكتب المقدسة العبرية جزءًا من الكتاب المقدس، كما رفض الإيمان بالأناجيل الثلاثة (متى، مرقس، ويوحنا) وقبل فقط أجزاء من إنجيل لوقا وعشر رسائل لبولس الرسول، بعدما أزال منها كل الإشارات إلى إله العهد القديم. صنف بروس متزجر مارسيون على أنه أخطر عدو عرفته المسيحية[6] كما وصفت أنجيلا تيلبي مارسيون قائلةً:

لقد كان مارسيون يرى أن هناك تناقضًا أساسيًّا بين الشريعة والحب، والبر والنعمة. وكان يعتقد أن المسيحية الحقيقية معيبة بسبب التناقضات التي تكمن في صميم تعاليمها. وكان الحل الذي توصل إليه جذريًّا هو حتمية صياغة الإيمان ليكون أكثر نفعًا. بالنسبة لمارسيون، فإن إعادة الصياغة لا بد وأن تركز على مضمون الإنجيل الأساسي: الحب والرحمة والشفقة التي ظهرت في حياة يسوع وتعاليمه. وكان هذا بالنسبة له كل ما هو ضروري لخلق إنسانية جديدة ونقية.[7]

رُفِضَت تعاليم مارسيون؛ فقد قدم ترتليان خمس أطروحات بعنوان “ضد مارسيون” “Adversus Marcionem” ، وفي النهاية حُرِم مارسيون من قبل الكنيسة. إلا أن تعاليم مارسيون مازالت حية إلى يومنا هذا في كل محاولة لإعادة صياغة مسيحية أكثر لطفًا، مسيحية تؤمن أن الله ليس إلهًا للدينونة، وأن الجحيم والهلاك الأبدي لا وجود لهما على الإطلاق. مسيحية تركز على حياة المسيح أكثر من تركيزها على موت المسيح الكفَّاري. مسيحية تركز على محبة الله ورحمته وتتغاضى عن بره وقداسته، مسيحية تؤسس على الفصل بين العهد القديم والعهد الجديد. يقول رينيه جيرارد: “في العهد القديم لا يمكننا أن نتصور مفهومًا للإله بعيدًا كل البعد عن العنف… فقط نصوص الأناجيل تمكنت من تحقيق ما تركه العهد القديم غير مكتمل”.[8] يعتبر بيتر إنس من المؤيدين وبشدة لتعاليم مارسيون؛ حيث يدعي بأن العهد القديم يقدم لنا صورة لله مختلفة تمامًا عن الصورة المرسومة له في العهد الجديد.[9]  

ثانيًا: الله قد تغيَّر

إله العهد القديم هو نفسه إله العهد الجديد، لكن مع حدوث تغيير في شخصه وأسلوبه في التعامل مع البشر. فالله تغيَّر من كونه عنيفًا وقاسيًا ليصبح محبًّا ورحيمًا وطويل الروح. يعتقد أصحاب هذا الفكر أن صورة الله تغيَّرت وتطوَّرت كما تطورت الديانة اليهودية، والتي بدأت بحسب فكرهم من عبادة الأرواح لتعدد الآلهة حتى الإيمان بإله واحد، ومع هذا التطور تطورت صفات الله. ويضع بعض النقاد التاريخيين الكتاب المقدس في إطار تطوري ويزعمون أن النصوص القديمة كانت “تعبيرات بدائية عن الوعي الديني لإسرائيل” والتي أفسحت المجال بمرور الوقت لـ”منظور أخلاقي ولاهوتي أكثر نضجًا”. وعلى هذا الأساس تُرفَض الأحداث مثل الطوفان وقتل أبكار المصريين وتحريم الكنعانيين؛ لأنها بحسب تعبيرهم قصص بدائية تحمل صورة بدائية عن الله. يقول توماس مان في تفسيره لسفر التثنية: “لقد تمسكت إسرائيل بنظرة بدائية عن الله. حيث اعتقدوا أن الله مسؤول عن إرسال المطر للبركة أو سحبه كعقاب على عصيان إسرائيل… نحن المعاصرين المستنيرين ندرك أن الله ليس مسؤولًا عن أنماط الطقس أو أي أمراض جسدية تصيب الإنسان.”[10] وهكذا تطورت نظرة الإنسان إلى الله مع مرور الزمن، كما اختلفت وتغيرت صفات الله وطريقة معاملته للإنسان بمرور الوقت. 

ثالثًا: اليهود فهموا كلام الله وصاياه خطأً

فالله لم يأمر بالعنف وبارتكاب المجازر، وهو لم يأمر يشوع بإبادة شعوب كنعان، كما أنه لم يأمره بتحريم مدن بكاملها. المكتوب في النصوص الكتابية لا يعبر عن فكر الله أو وصاياه،  بل يعكس فهم الإنسان، وبكل تأكيد كان هذا الفهم فهمًا خاطئًا. يرفض سيبرت Seibert فكرة أن الإله الحقيقي الوحيد هو الذي يقف وراء وصايا العنف علاوة على ذلك، “فإن الإله الحقيقي ليس هو الذي يفرض دينونة على البشر. لا، هذا ليس الإله الحقيقي الواحد (الإله الفعلي)، بل هو (الإله النصي) وعلى الرغم من أن هذه النصوص العنيفة هي من الناحية الفنية “كلمة الله”، إلا أنها لا علاقة لها بشخصية الله، الذي لا يتسم بالعنف بل بالمحبة.”[11] كما يدعي  جروجري بويد Gregory A. Boyd أن موسى والشعب بسبب تدني الحالة الروحية ساروا وراء رغباتهم بإبادة شعوب كنعان، الأمر الذي لم يوصِ به الرب، فعلى الرغم من أن الله كان يقصد إزالة الكنعانيين من أرض إسرائيل بطريقة غير عنيفة، إلا أن موسى والإسرائيليين أساءوا فهم نية الله نتيجة “حالتهم الروحية المتدنية”. وبالتالي، يمكن للقراء أن يطمئنوا إلى أن “العنف الذي انخرط فيه شعب الله عندما دخلوا الأرض لم ينشأ عن إرادة الله بل عن رغبات موسى الساقطة.[12]

هذه المدارس الفكرية لا يمكن أن تستقيم مع إعلان الله في الكلمة المكتوبة والكلمة المتجسد وذلك للأسباب التالية:

  • العهد القديم يتحدث كثيرًا عن محبة الله ورحمته وطول أناته

تحدث الله عن صفاته كثيرًا في العهد القديم، وأعظم ما أعلنه نجد إعلانه عن أنه إله رحيم ورؤوف. “فَاجْتَازَ الرَّبُّ قُدَّامَهُ، وَنَادَى الرَّبُّ: «الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. حَافِظُ الإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ. غَافِرُ الإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيَّةِ. وَلكِنَّهُ لَنْ يُبْرِئَ إِبْرَاءً. مُفْتَقِدٌ إِثْمَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ، وَفِي أَبْنَاءِ الأَبْنَاءِ، فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ»” (خروج 34: 6-7). هنا يعلن الرب عن نفسه وعن صفاته بكل وضوح، وأول هذه الصفات هي الرحمة والرأفة. יְהוָ֔ה אֵ֥ל רַח֖וּם וְחַנּ֑וּן אֶ֥רֶךְ אַפַּ֖יִם וְרַב־חֶ֥סֶד וֶאֱמֶֽת ، رحيم  רַח֖וּם “رحوم” من الفعل رحم، أن يحب ويشفق ويرحم، إنها تشير إلى الشعور الداخلي بالشفقة والرحمة والعطف. وصف الله بالرحيم 13 مرة في العهد القديم (خروج 34: 6، تثنية 4: 31، يوئيل 2: 13، يونان 4: 2، 2أخبار 30: 9، مزمور 78: 38، 86: 15، 103: 8، 111: 4، 112: 4، 145: 8، نحميا 9: 17).[13]

أما الصفة الثانية فهي رؤوف חַנּ֑וּן  “حَنون” gracious or Kind ، وقد وردت 13 مرة في العهد القديم لتصف مشاعر الله نحو الإنسان (خروج 22: 26، 34: 6، يوئيل 2: 13، يونان 4: 2، 2أخبار 30: 9، مزمور 86: 15، 103: 8، 11: 4، 112: 4، 116: 5، 145: 8، نحميا 9: 17، 31). وصف الرب 9 مرات بأنه بطيء الغضب אֶ֥רֶךְ אַפַּ֖יִם (خروج 34: 6، عدد 14: 18، يوئيل 2: 13، يونان 4: 2، ناحوم 1: 3، مزمور 86: 15، 145: 8،  نحميا 9: 17).[14] 

الصفة الرابعة، والتي تعتبر مفتاحًا مهمًّا جدًّا لفهم طبيعة الله وعلاقته بشعبه، هي صفة الإحسان וְרַב־חֶ֥סֶד “كثير الإحسان” كلمة חֶ֫סֶד “خسد” وردت 245 مرةً في العهد القديم وهي تُترجَم بالإنجليزية lovingkindness وهي مرتبطة بمحبة الله وصلاحه ورحمته ونعمته.[15] نرى هذه الصفة في كلام المحبة الموجه لشعب إسرائيل “تَرَاءَى لِي الرَّبُّ مِنْ بَعِيدٍ: وَمَحَبَّةً أَبَدِيَّةً أَحْبَبْتُكِ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَدَمْتُ لَكِ الرَّحْمَةَ”، ادمت لكِ  חֶ֫סֶד” (إرميا 31: 3).  كما نراها أيضًا بوضوح في هوشع 2: 19 “وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي إِلَى الأَبَدِ. وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ وَالإِحْسَانِ وَالْمَرَاحِمِ.” فهي الصفة التي تعبر عن المحبة غير المتغيرة التي تملء قلب الله نحو الإنسان، عطف لا ينتهي.[16] unfailing kindness”.

محبة الرب ورحمته ظهرتا كثيرًا على صفحات العهد القديم، فقد ظهرتا في حوار إبراهيم مع الرب بخصوص سدوم وعمورة (تكوين 18)، ومراحم الرب نحو شعبه المتمرد (خروج 34) وفي طول أناته وصبره على شعوب كنعان (تكوين 15: 16)، ومعاملاته مع راحاب وراعوث وأهل نينوى (سفر يونان)، وحتى مع شعبه المرتد (سفر هوشع).

رحمة الرب وحنانه وطول أناته وإحسانه لا تعني تساهله مع الخطية والإثم. فالكتاب المقدس يحذرنا كثيرًا حتى لا نستهين برحمة الرب ورأفته وطول أناته، لأن الله يأتي بالدينونة على الإنسان الذي يستهين بلطفه وطول أناته وإذا استمرت الأجيال في بغضة الرب سوف يكون المصير هو الدينونة والهلاك (خروج 20: 5). 

  • العهد الجديد يتحدث كثيرًا عن الهلاك والدينونة

أكثر من تحدَّث عن هذا الموضوع هو الرب يسوع المسيح نفسه؛ فقد تحدث عن الجحيم أكثر مما تحدث عن السماء. سُئل اللاهوتي آر. سي. سبرول عن العقيدة التي يجد صعوبة في التعامل معها، فأجاب: “الجحيم.” وقال الفيلسوف المسيحي الشهير سي. إس. لويس: “لا توجد عقيدة أرغب في إزالتها من المسيحية أكثر من هذه… ولكنها تحظى بدعم كامل من الكتاب المقدس، وخاصة من كلمات ربنا نفسه”.[17]

إن ما قاله الرب يسوع عن الجحيم والهلاك والدينونة لا يمكن لأي عاقل أن ينكره. فقد تحدث المسيح عن مكانٍ ووصفه بما يلي: “مكان البكاء وصرير الأسنان” (متى 8: 12، 13: 42)، “ظلمة خارجية” (متى 25: 30)، “نار أبدية” (لوقا 16: 23)، “عقاب أبدي، نار لا تُطفَأ” (مرقس 9: 43)، و”ديدان لا تموت” (مرقس 9: 48).

أشار الرب يسوع أيضًا إلى الجحيم باعتباره “أتون نار” حيث سيتم إلقاء الأشرار وغير المؤمنين فيه، قائلًا: “يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ” (متى 13: 41-42). ويسميها “جحيم النار” (متى 5: 22)، “النار الأبدية المُعَدَّة لإبليس وملائكته” (متى 25: 41)، “النار التي لا تُطفَأ” (مرقس 9: 43)، و”العقاب الأبدي” (متى 25: 46).

قد يقول البعض معترضًا إن كلام الرب يسوع لا ينبغي أن يُفسَّر حرفيًّا بل مجازيًّا، لكن الحقيقة المؤلمة هي أن المجاز يُستخدم دائمًا لوصف ما لا يمكن تصوره إلى الأبد. فالمجاز يُستخدم لوصف الحقائق التي تتجاوز التفسير أو الفهم. النار تعني شيئًا أسوأ مما يمكننا أن نتخيله، وكذلك الظلمة والديدان التي لا تموت. فالتفسير المجازي لا يلغي أن هناك كابوسًا مرعبًا ومؤلمًا لا يستطيع الإنسان أن يتخيله من دينونة وهلاك. في الواقع، إن المفردات اللغوية التي نستخدمها لوصف الجحيم غير كافية، فالواقع أسوأ من الصورة.

  • الرب يسوع نفسه ومن بعده تلاميذه قبلوا العهد القديم ككلمة الله ولم يشعروا بالحرج لا من أحداثه ولا من شخصياته

تحدث الرب يسوع المسيح عن شخصيات وأحداث العهد القديم؛ فقد تناولها منذ خلق الكون إلى زمن الأنبياء، أي أنه شمل العهد القديم كله من سفر التكوين إلى الأنبياء الصغار. تحدث عن قايين ونوح وإبراهيم وسدوم وعمورة و لوط وإسحاق ويعقوب والحية النحاسية… إلخ.[18] العهد القديم كان المرجع الوحيد في حوارات الرب يسوع ونقاشاته. فالأسفار المقدسة هي الدستور الوحيد والمرجع ليس فقط للإيمان بل للسلوك والأخلاق.

عندما جاء إليه الشاب الغني ليسأله عن الحياة الأبدية أجابه يسوع بما هو مكتوب في الوصايا العشر وسفر اللاويين: “تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هَذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ” (متى 19: 18، 19، 22: 37-40؛ مرقس 10: 19، 12: 29-31، لوقا 18: 20). يقول ج فوس “إن يسوع مرة ثانية جعل صوت الناموس هو صوت الله الحي نفسه… ولهذا فمطالبه نهائية وتجاوب الإنسان بالطاعة من كل القلب والنفس والقدرة ضروري جدًّا”.[19]

حتى في تجربته على الجبل كانت ردوده كلها من المكتوب:

«مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإنسان، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ» (تثنية 8: 4).

«مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ» (تثنية 6: 16).

 «مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ» (تثنية 6: 13).

قال الرب يسوع في الموعظة على الجبل: “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأنبياء. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إلى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ” (متى 5: 17-18).  إن “الناموس والأنبياء” يشير إلى كل أسفار العهد القديم.  فاليهود أيام الرب يسوع كانوا يلقبون العهد القديم “بالناموس والأنبياء” (متى 7: 12، 11: 13، 22: 40، لوقا 16: 16، يوحنا 1: 45، أعمال 13: 15، 28: 23، رومية 3: 21) أو “بالناموس والأنبياء والمزامير” (لوقا 24: 44) أو فقط “بالناموس” (متى 5: 18، يوحنا 10: 34، 15: 25، 1كورنثوس 14: 21).  يقول الرب يسوع إنه جاء “لا لكي ينقض… بل ليكمل” إن كلمة “يكمل” باليوناني هي “بليرؤ”πληροω  وهي تعني هنا أن الناموس والأنبياء أو أسفار العهد القديم كلها تشير إلى مجيء المسيح وتتحدث عن شخصه، عمله، فدائه، فالمسيح هو محور وهدف العهد القديم ومجيئه هو تحقيق وكمال هذا الإعلان. يكمل الرب يسوع كلامه فيقول: “إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ”. لاحظوا أن الرب يسوع تحدث عن الحرف، أي أن إعلان الله في الناموس والأسفار هو كلمة الله ولا يمكن أن يزول حرف واحد من كلمة الرب، كما أن يسوع تحدث عن ما هو أصغر من الحرف وهو نقطة واحدة. إن أصغر حرف في الأبجدية العبرية هو حرف اليود י، يقول: د. أ. كارسون “إن المسيح هنا يعلن تمسكه بسلطان الأسفار المقدسة حتى أصغر نقطة فيها”[20] إن قول المسيح “حرف واحد أو نقطة واحدة” مهمة جدًّا لأن الكلمة مكونة من حروف والكلمات تحمل معاني. إن الرب يسوع في هذه الآيات البسيطة يؤكد سلطان الكتاب المقدس وأن زوال حرف واحد أو نقطة واحدة مرتبطٌ بأمرين: الأول: “زوال السماء والأرض”، وهو إشارة إلى انتهاء الزمان، ثانيًا: “يكون الكل” إن كلمة كل  παντα”بانتا” باليونانية تشير إلى كل ما تنبأت عنه الأسفار المقدسة، حتى تكتمل كل النبوات وتتحقق، المقصود هنا كل مقاصد الله، المقاصد التي عيَّنها من قبل خلق العالم.

اعتبارات مهمة لفهم العنف في العهد القديم:

ما الذي يجعلنا نحكم بسرعة على إله العهد القديم بأنه إله عنيف وقاسٍ وغير رحيم؟ إنه الجهل وعدم المعرفة. فدراسة العهد القديم دراسة شاقة ومرهقة، وقليلون يبذلون الجهد في قراءته وفهمه فهمًا صحيحًا. قضية العنف في العهد القديم تصبح سهلة ومفهومة إذا وضعنا في اعتبارنا الحقائق التالية:

أولًا: طول الزمن- يغطي العهد القديم من دعوة الله لإبراهيم وحتى تجسد الرب يسوع أكثر من 2000 سنة. هذه الفترة مليئة بالأحداث والنبوات وتحقيقها. بسبب طول الزمن، نقرأ عن أحداث كثيرة من حروب ومجاعات وأوبئة ودينونة إلهية على الشعوب والأمم، وحتى على شعب إسرائيل نفسه في السبي الأشوري والسبي البابلي. في المقابل، يغطي العهد الجديد فترة زمنية قصيرة جدًّا مقارنةً بالعهد القديم؛ فأحداث العهد الجديد لا تتعدَّى المئة سنة من زمن ميلاد رب المجد يسوع وحتى كتابة سفر الرؤيا (حوالي 90 أو 96 سنة فقط). أي أن نسبة ما يغطيه العهد الجديد مقارنة بالعهد القديم هي حوالي 5% فقط زمنيًّا. وهذه فترة لا يتخللها أحداث كثيرة بسبب سلطة وتحكم المملكة الرومانية وفرضها للسلام بالقوة في ربوع المسكونة. يمكن القول إن الحدث المأساوي الوحيد هو خراب أورشليم سنة 70م. ولأن أغلب أسفار العهد الجديد كتبت قبل سنة 70م، فلا نجد له ذكرًا إلا في حديث الرب يسوع على جبل الزيتون في متى 24-25.

ثانيًا: مفهوم الدينونة– الدينونة في العهد القديم كانت تحدث في التاريخ Imminent judgment، كالطوفان ودمار سدوم وعمورة، والضربات العشر، وعقاب الله لشعبه من خلال المديانيين والعمونيين والسبي الأشوري والسبي البابلي… إلخ. بينما الدينونة في العهد الجديد هي دينونة مؤجلة، بمعنى أن العهد الجديد تحدث عن نهاية الزمان والدينونة والهلاك الأبدي. بالتأكيد إن الله أعلن ويعلن غضبه على الخطية في التاريخ البشري وصور مختلفة، لكن لم تسجل في العهد الجديد ولا يوجد من يسجلها لنا هذه الأيام بسبب اكتمال الوحي الإلهي. لكن بصورة عامة الدينونة في العهد القديم هي حدث تاريخي تم في مكان وزمان ومع أفراد أو شعوب معيَّنين اهتم الوحي الإلهي أن يسجلها لنا على صفحات العهد القديم. بينما ركز العهد الجديد على الدينونة النهائية ونهاية الزمان ومجيء المسيح الثاني لدينونة الأحياء والأموات.

ثالثًا: الدينونة الإلهية لا تأتي من دون إنذارات– هل تعلم أيها القارئ العزيز أن الله كان يصبر وينتظر توبة الإنسان لفترات طويلة قبل أن تأتي الدينونة؟ هل تعلم أن الله انتظر لأكثر من 600 سنة على شعوب كنعان قبل أن ينفذ دينونته على يد يشوع وشعب إسرائيل؟ يقول الرب لإبراهيم في تكوين 15: 16 “لأَنَّ ذَنْبَ الأَمُورِيِّينَ لَيْسَ إِلَى الآنَ كَامِلًا”، هذا الكلام قاله الرب لإبراهيم عندما قطع معه عهدًا. عندما كان ابن 75 سنة. فإذا أضفنا 25 سنة وهي فترة انتظاره لتحقيق وعد الرب له بأن يعطيه ابنًا “إسحق”، وإن إسحاق ولد  يعقوب وهو ابن 60 سنة ويعقوب نزل لمصر وكان عمرة 130 سنة، وشعب إسرائيل مكث في مصر 430 وشعب إسرائيل ظل تائهًا 40 سنة، يكون مجموع السنين من زمن كلام الرب لإبراهيم عن ذنب الأموريين وتحقيق الدينونة هو 685 سنة وهي فترة طويلة بكل المقاييس. أضف إلى ذلك أن شعوب كنعان لم تكن شعوبًا بريئة. فما كانت تمارسه هذه الشعوب من آثام وشرور يقشعر له البدن. يكفي أن نقرأ عن ممارستهم في تقديم الذبائح البشرية وبالأخص الأطفال. لقد اكتشف علماء الآثار أن الأطفال الكنعانيين بجانب تقديمهم للإله مولك ليحرقوا أحياء، أن معظم المباني الكبيرة كانت تحتوي أساستها على أجران من الفخار تحتوي على عظام أطفال صغار، كانوا يضعونهم في الأجران ويدفنونهم أحياء لنوال بركة الإله. هذه الأمور نقرأ عنها بالتفصيل في كتاب ألبرتو جرين، دور الذبائح البشرية في الشرق الأدنى القديم.[21]

 

إن فهم الصورة المتنوعة لله بين العهدين القديم والجديد يمكن أن يكون تحديًا، ولكنه أيضًا واحد من أعمق الجوانب اللاهوتية في دراسة الكتاب المقدس. يجب أن نفهم أن الله لا يتغير، بل هو نفسه في العهدين

[1] David T. Lamb, God Behaving Badly: Is the God of the Old Testament Angry, Sexist and Racist? (Downers Grove: Inter-Varsity Press, 2011), 13. 

[2] Charles Dawkins, The God Delusion (New York: Mariner, 2008), 51.

[3] Christopher Hitchens, God is Not Great:  How Religion Poisons Everything (New York: Hatchette Book Group, 2007), 99-102.

[4] Christopher Wright, The God I don’t Understand (Grand Rapids: Zondervan, 2008), 74. 

[5] ولد مارسيون سنة 110م في مدينو سينوب من والدين مسيحيين. كان أبوه أسقفًا على مدينة سينوب. واهتم بدراسة اللغات الكلاسيكية والأدب اليوناني وعمل في التجارة، وكان يمتلك عددًا كبيرًا من سفن الشحن. وبسبب اختلاف فكري وعقائدي مع أبيه ترك سينوب وذهب إلى روما سنة 140م.  استمر مارسيون في ممارسة مهنة التجارة وصنع الثروة. حاول أن يتقرب للمؤمنين في روما فتبرع للكنيسة بميلغ كبير من المال، إلا أن المؤمنين عندما تيقنوا من معتقداته الخاطئة أرجعوا له المال وحرموه من الشركة معهم. قام مارسيون بتدوين أفكاره النقدية في كتاب أسماه المتناقضات  Antitheses وهو مجموعة من النصوص والآيات/ بحسب وجهة نظرة، تُعتَبَر متناقضة، كما قام بشرح صراعه مع إله العهد القديم الذي لا يمكن أن يكون هو نفسه إله العهد الجديد المحب.   

[6] Bruce Metzger, Canon of the New Testament: Its Origin, Development, and Significance (Oxford: The Clarendon Press, 1997). 

[7] Angela Tilby, Heresies and How to Avoid Them, Edited by Ben Quash and Michael Ward, Grand Rapids: Baker Academy, 2007.

[8] Rene Girard, Things Hidden Since the Foundation of the World, trans, Stephen Bann and Michael Metteer (Stanford University Press, 1987), 157-58. 

[9] Peter Inns, “Is Peter Inns a Marcionite?”  Rethinking Biblical Christianity (blog), January 17, 2014. 

[10]  Thomas W. Mann, Deuteronomy (Louisville: Westminster John Knox, 1995), 149. 

[11] Eric A.  Seibert, The Violence of Scripture: Overcoming the Old Testament’s Troubling Legacy. (Minneapolis:  Fortress Press, 2012), 9.

[12] Gregory A. Boyd, God at War:  The Bible & Spiritual Conflict (InterVarsity Press, 1997).

[13] Gesenius, W., & Tregelles, S. P. (2003). In Gesenius’ Hebrew and Chaldee lexicon to the Old Testament Scriptures (p. 765). Logos Bible Software.

[14] Koehler, L., Baumgartner, W., Richardson, M. E. J., & Stamm, J. J. (1994–2000). In The Hebrew and Aramaic lexicon of the Old Testament (electronic ed., p. 333). E.J. Brill.

[15] John S. Feinberg, No One Like Him: The Doctrine of God (Wheaton, Illinois: Crossway Books, 2001), 370.

[16] Swanson, J. (1997). In Dictionary of Biblical Languages with Semantic Domains: Hebrew (Old Testament) (electronic ed.). Logos Research Systems, Inc.

[17] C. S. Lewis, The Problem of Pain (San Francisco, HarperOne, 2015), 118. 

[18] John Wenham, Christ and the Bible (Grand Rapids: Baker, 1994), 16-44.

[19] Geerhardus. Vos, The Teaching of Jesus Concerning the Kingdom of God and the Church (Grand Rapids: Baker, 1951), 61-63.

[20] D.A. Carson, “Matthew” The Expositor’s Bible Commentary, Ed., Frank E. Gaebelein(Grand Rapids: Zondervan, 1979). 143.

[21] Alberto R. W. Green, The Role of Human Sacrifice in the Ancient Near East (Scholars Press for the American Schools of Oriental Research, 1975). 

العهد القديم في العصر الوسيط سَعديا الفيوميّ (892-942م) ودوره في ترجمة العهد القديم إلى اللغة العربيّة في القرن العاشر الميلاديّ

اسم الكاتب : القسّ عيد صلاح

مُقَدِّمَةٌ

علاقة الكتاب المقدّس مع اللغة والثقافة العربيّة علاقة لها تاريخ طويل، ظهرت في محطَّات مهمة من خلال عبوره في الفكر والثقافة العربيّة عن طريق الترجمة والتفسير والعبادة والأدب[1]. في التراث العربيّ المسيحيّ هناك دراسات كثيرة حول دور المسيحيّين العرب بعد الحكم الإسلاميّ في نقل الكتاب المقدّس إلى اللغة العربيّة، بعد أن أصبحت اللغة العربيّة هي لغة الثقافة والكتابة والفكر واللاهوت، وقد كان القرن الثالث عشر الميلاديّ هو العصر الذهبيّ لظهور كتابات وترجمات وتفاسير عربيّة للكتاب المقدّس([2])، والقرن التاسع عشر الميلاديّ هو العصر الذهبيّ لظهور الترجمات العربيّة الحديثة للكتاب المقدّس.

ولكن هناك فرعًا آخر في الدراسة، وهو الدور اليهوديّ نحو العهد القديم وعلاقته باللغة العربيّة، ونقف في هذه الدراسة عند ترجمة العهد القديم إلى اللغة العربيّة من خلال محاولة جادة في القرن العاشر الميلاديّ: العهد القديم في العصر الوسيط سعديا الفيوميّ (892-942م) ودوره في ترجمة العهد القديم إلى اللغة العربيّة في القرن العاشر الميلاديّ.

تجيب هذه الدراسة عمَّن هو سعديا الفيوميّ، والترجمات التي قام بها، والسياق الثقافيّ واللاهوتيّ الذي ترجم فيه؟ وما تميَّزت به الترجمة؟ وعرض نماذج للترجمات وتطبيقات على بعض التفاسير التي قام بها؟ والنقد الذي وُجِّه إليها. هذه الورقة ستركِّز تحديدًا على الترجمات التي قام بها الفيوميّ من العبريّة للعربيّة لنصوص العهد القديم في ضوء السياق الثقافيّ واللاهوتيّ في العصر الوسيط، تأكيدًا على الدور الذي قام به، والمنهج الذي استخدمه في الترجمة وعرض لبعض النماذج في الترجمة.

والورقة التي أشارك في ملف “دراسات في العهد القديم” لمجلة النسور شتاء 2025م، تقف عند القرن العاشر الميلاديّ، مع العلامة المصريّ اليهوديّ سعيد بن يوسف الفيوميّ المعروف بسَعْدِيا الفيوميّ، الذي وُلِدَ في قرية أبو صوير بالفيوم-مصر حوالي عام 892م، وانتقل وهو في سن مبكرة إلى فلسطين، ومنها إلى العراق، ثم مات فيها عام 942م حيث كان مديرًا لمدرسة يهوديّة. وقد نقل أجزاء كبيرة من العهد القديم إلى اللغة العربيّة. ونقل أسفار موسى الخمسة إلى اللغة العربيّة بالحرف العبريّ. فنحن مع إسهامٍ لفقيهٍ مصريٍّ يهوديٍّ كتب باللغة العربيّة منذ ما يزيد عن ألف عامٍ، يعبِّر عن التعددية والتنوع الدينيِّ في المشرق العربيِّ، ويساهم في فهم الكتاب المقدّس للقارئ العربيّ.

ولا يمكن إغفال القراءة السياقيّة لكتابات وترجمات الفيوميّ، وقد أشار سامح حنا إلى ذلك في دراسته، أن تفسير سعديا الفيوميّ للكتاب المقدّس في السياق العربيّ الإسلاميّ هو نقطة تحول.([3]) في كل ترجمات سعديا وكتاباته تأثر بالمدرسة الكلاميّة وخصوصًا مذهب المعتزلة. ودافع عن شرعيّة النبوة ووحدانيّة الله، كما رفض الإيمان بالسحرة والمنجمين. وهو أول شخصية عبريّة مهمة تكتب على نطاق واسع بالعربيّة، ويُعتَبَر مؤسِّس الأدب العربيِّ اليهودي في العصر الوسيط. وكذلك هو واحد من أشهر المتكلمين والمفسّرين من اليهود بعد فيلو الإسكندريّ (20 ق.م-50م)، وهو أيضًا مَنْ أسَّس علم التفسير العربيّ اليهوديّ، وساهم في تأصيل علم الكلام اليهوديّ، “وبه بلغ علم الكلام اليهوديّ أوجه.”([4])

ويمكن ملاحظة ذلك في كتابه المهم “الأمانات والاعتقادات“، الذي يعبِّر عن التنوير اليهوديّ في ظل الحضارة العربيّة الإسلاميّة.([5]) قال موسى بن ميمون (1135-1204م))[6]( مشيرًا إلى سعديا الفيوميّ: “ويكاد أن يذهب دين الله تعالى-لولاه طيب الذكر؛ لأنه قد أظهر منه ما خفي، وشدَّ منه ما ضعف، وبثه ونشره ونضده بلسانه وقلمه.”)[7](

ويكمل هذه الصورة التي تشتبك مع الواقع عزُّ الدولة سعد بن منصور ابن كمونة (1215-1284م)([8])، وهو فيلسوف وطبيب يهوديّ، في كتابه “تنقيح الأبحاث للمِلَل الثلاث اليهوديّة المسيحيّة الإسلام.” وقد صدرت له ترجمة إلى اللغة الإنجليزيّة.([9]) ونماذج سعديا الفيوميّ، وموسى بن ميمون، وابن كمونة جديرة بالاهتمام والدراسة في سياقها الثقافيّ واللاهوتيّ. والتأكيد على الوعي بالحالة الدينيّة في تنوعها وغناها وتعدُّدها في المشرق العربيّ قديمًا وحديثًا.

لماذا قام الفيوميّ بالترجمة؟

جدير بنا أن نسأل لماذا قام الفيوميّ بترجماته وكتاباته باللغة العربيّة؟ وهل من ضرورة لذلك؟ نعود إلى القرينة التاريخيّة والثقافيّة في ذلك الوقت لكي نجيب عن هذين السؤالين، فمن القرن السابع الميلاديّ، ظهور الإسلام، حتى القرن العاشر الميلاديّ، وقت ترجمة الفيوميّ لنصوص العهد القديم، ساد الفكر الإسلاميّ وانتشر، وقد قارب اليهود والمسيحيُّون إلى أن يكونوا أقليّة عدديّة في منطقة الشرق الأوسط، وظهرت كتابات فكريّة تشخص الواقع، وتدعو إلى تبني اللغة العربيّة لليهود والمسيحيّين في ظل السيادة والهيمنة الإسلاميّة فكرًا (ثقافةً) وحكمًا (سياسةً).

وإذا نظرنا إلى خريطة الفكر الدينيّ في تلك الحقبة في مصر وأسبانيا والعراق نجد أنَّ الهمّ مشترك، والأزمة التربويّة واحدة، والسياق الثقافيّ عام واحد، والاستجابة أيضا متشابهة، فنجد الآتي:

ساويروس بن المقفع في مصر (القرن العاشر)

في مقدمة الباب العاشر من كتاب “الدر الثمين في إيضاح الدين” يقول ساويروس بن المقفع: “ذَكَرتَ، يا حبيب، أنَّ القبطَ في هذا الزمان قد كثرت فيهم الأقاويل المختلفة في الإيمان الأرثوذكسيّ، وأنّ الواحد منهم يَرى ما لا يرى بغير رأي الآخر ويكفّره، وإنَّك متعجب من ذلك ومحتار. ولا تتعجب من ذلك! فإنَّ السبب فيه جهلهم بلغتهم، فإنَّ اللّغة العربيّة غلبت عليهم، فلم يبقَ أحد منهم يعرف ما يُقرأ عليه في الكنيسة باللّغة القبطيّة. فصاروا يسمعون ولا يفهمون.([10]) فبهذا السبب ضاع منهم علم المذهب المسيحيّ، الّذي، ساد أولًا على جميع قبائل النصرانيّة.([11]) واستجابة للمتغيرات الجديدة كتب ساويرس باللغة العربيّة، ويعتبر أول لاهوتيّ مصريّ يكتب باللغة العربيّة في الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة.([12])

بولس ألڤاروس أسبانيا (القرن التاسع):

إلى أسبانيا حيث نجد بولس ألڤاروس (ت. 860م)، يصف السّياق الثقافيّ الذي عاشه المسيحيّون في إسبانيا الإسلاميّة، ويرصد جوستاف جرونيباوم في كتابه “حضارة الإسلام” هذه الظاهرة الثقافيّة حيث أهمل الأسبان المسيحيّون في القرن التاسع تراثهم القديم إيثارًا منهم للتراث العربيّ. وهذا ألفارو الكاتب المسيحيّ المتعصب-حسب وصف جرونيباوم-يأسى في 854 لهذا الاتجاه مريرًا، ويكتب هذه المرثية بالقول: “يطرب إخواني المسيحيّون لأشعار العرب وقصصهم؛ فهم يدرسون كتب الفقهاء والفلاسفة المحمدين لا لتفنيدها، بل للحصول على أسلوب عربيّ صحيح وشيق. فأين نجد اليوم علمانيًّا يقرأ التعليقات اللاتينيَّة على الكتب المقدّسة؟ وأين ذلك الذي يدرس الإنجيل وكتب الأنبياء والرسل؟ وا أسفا! إنَّ شباب المسيحيّين الذين هم أبرز الناس مواهب. ليسوا على علم بأي أدب ولا أي لغة غير العربيّة؛ فهم يقرأون كتب العرب ويدرسونها بلهفة وشغف، وهم يجمعون منها مكتبات كاملة تكلفهم نفقات باهظة، وأنهم ليترنمون في كل مكان يمدح تراث العرب.”([13]) والجدير بالذكر أن الحفص بن البر القوطي ابن بولس ألڤاروس هو من ترجم المزامير إلى اللغة العربيّة بلغة سجعيّة.

سَعْدِيا الفيوميّ في العراق (القرن العاشر):

يقول في مُقَدّمة كتابهِ “الأمانات والاعتقادات” الذي كَتَبَه عام 933م-وهو النصّ الذي فيه أفكار الفيوميّ الفلسفيّة المتكاملة-ما يصف حالة أمته بالقول: “فلما وقفت على هذه الأصول وسوء فروعها أوجعني قلبي لجنسي جنس الناطقين، واهتزت نفسي لأمتنا بني إسرائيل مما رأته في زماني هذا من كثير من المؤمنين إيمانهم لا خائض واعتقاده غير صحيح وكثير من المبطلين يتظاهرون بالفساد وقد ضلوا عن أهل الحق وهم يضلون ورأيت الناس كأنهم قد غرقوا في بحر الشكوك وقد غمرتهم أمواء([14]) اللبوس)[15]( ولا خائض يصعدهم من أعماقها، ولا سابح يأخذ بأيدهم فيعبرونها. وكان عندي مما علمني ربي ما أجعله لهم سندًا، وفي وسعي مما رزقني ما أضعه لهم رفدًا، رأيت إسعافهم به عليَّ واجب، وإرشادهم إليه لي لازم”.([16])

وبالتالي جاءت ترجمات وتفاسير وكتابات الفيوميّ ضرورية ملبية لحاجات عصره ولبني جنسه الذين غرقوا في بحر الشكوك نتيجة للسياق اللاهوتيّ والفكريّ والثقافيّ الجديد كتحديات خارجيّة من ناحية الأسئلة الإسلاميّة، وداخليّة وأسئلة واردة للعقل اليهوديّ مثل أسئلة حيوي البلخي الذي فنَّدَ كل قصص المعجزات في العهد القديم. وقد كان هدف الفيوميّ من خلال ترجمته للكتاب المقدّس (العهد القديم) العبريّ يهدف لتقديم صورة صحيحة، من وجهة نظره، عن التوراة باللغة العربيّة، التي كانت سائدة في أيامه والتي يتكلّمها العرب أجمعون”([17]) لدرجة أنَّ أحد الباحثين لقَّب هذه الترجمة بالقول: “التوراة الإسرائيليّة بلسان إسماعيليّ (إسلاميّ).” ([18])

سَعْدِيا الفيوميّ في المصادر الإسلاميّة

يعتبر سَعْدِيا الفيوميّ من المتكلمين اليهود حسب وصف ابن حزم له([19]) وهو من أولئك اللاهوتيّين النّظار من يهود تلك الفترة([20]) وقد ترجم كل العهد القديم أو أكثره إلى اللّغة العربيّة ترجمته لمنفعة اليهود الناطقين بالعربيّة وكتبه بحروف عبريّة مستعينًا بترجوم “أونكلوس” والترجمة السبعينيّة، ولكنه ترجم الأسفار الخمسة عن النصّ العبريّ الماسوري وقد طبع هذا الجزء في القسطنطينيّة في 1546 بالأحرف العبريّة، ثم أعيد طبعه بعد ذلك في مجموعة باريس متعدّدة اللغات في 1645م، ثم في مجموعة لندن في 1657 بالحروف العربيّة.”([21])

كذلك يذكر ابن النديم في الفهرست عن سَعْدِيا الفيوميّ بالقول: “ومن أفاضل اليهود وعلمائهم المتكلمين من اللّغة العبرانيّة وبزعم اليهود أنها لم تر مثله الفيوميّ واسمه سعيد ويقال سَعْدِيا وكان قريب العهد وقد أدركه جماعة من زماننا.”([22]) ويعدد ابن النديم إنتاج سَعْدِيا الفكريّ وكتاباته بالقول: “وله من الكتب كتاب المبادئ، كتاب الشرائع، كتاب تفسير إشعيا، كتاب تفسير التوراة نسقًا بلا شرح، كتاب الأمثال وهو من عشرة مقالات، كتاب تفسير أحكام داود، كتاب تفسير النكت وهو تفسير زبور داود عليه السلام، كتاب تفسير السفر الثالث من النصف الآخر من التوراة مشروح، كتاب تفسير كتاب أيوب، كتاب إقامة الصلوات والشرائع، كتاب العبور وهو التاريخ”([23])

أما بخصوص التوراة فقد وُجدت مخطوطات عديدة لـ”توراة سعديا” في خطّ عبريّ (باريس، أوكسفورد، فلورنسا، ليدن). وقد جاءت من مصر وسورية (حماة) وتركيا (مردين). جُعل البنتاتوكس في بوليغلوتة([24]) باريس ولندن بعد أن وُضع في بوليغلوتة اسطنبول سنة 1546 في إطار التوراة المربّعة اللغات: عبريّ، عربيّ، فارسيّ، أراميّ.”([25])

[1] من القرن العاشر حتى الآن الكتاب المقدّس حاضر في الفكر والثقافة العربيّة من ناحية الترجمة والتعليم والتفسير، وحتى في الأدب بصفة عامة بفكر التناص، يمكن الرجوع إلى دراسة لينا فايق بركات مسروجي، “المتناص مع الكتاب المقدّس المسيحيّ في الأدب العربيّ الحديث لبلاد الشام ومصر وعلاقته بتطور الفكر العربيّ: دراسة في علاقة الأدب بالأيديولوجية”، جامعة بيرزيت 2006م.

[2] يمكن الرجوع إلى: عيد صلاح، حضور الكتاب المقدّس في القرن الثالث عشر الميلاديّ ترجمة وتفسيرًا ونقدًا، مجلة قبطيّات سكندرية دورية مركز الدراسات القبطيّة، العدد الثاني (الإسكندرية، مكتبة الإسكندرية، مركز الدراسات القبطيّة، 2022)، 21-50.

[3]Sameh Hanna, Saadia Geon’s Tafsir of the Hebrew Bible in an Arabic-Muslim Context: A Paradigm Shift? The Bible Translator 2024, Vol. 24 (3) 331-349.

[4]  أحمد الجداد، مقدمة لدراسة الفكر العبريّ (المغرب: سوفي جراف، 2010م)، 11.

[5] سعيد بن يوسف المعروف بسعديا الفيوميّ، الأمانات والاعتقادات، تحقيق شريف حاتم سالم، ومراجعة أحمد محمود هويدي (القاهرة: الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 2021م)، 7-29.

[6] يمكن الرجوع إلى بعض الكتب عن موسى بن ميمون (1135-1204م)، مثل: تمار رودافسكي، موسى بن ميمون (القاهرة: المركز القوميّ للترجمة، 2015م). إسرائيل ولفنسون، موسى بن ميمون حياته ومصنفاته (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1936م). حسن حسن كامل إبراهيم، الآراء الكلاميّة لموسى بن ميمون والأثر الإسلاميّ فيها، سلسلة فضل الإسلام على اليهود واليهوديّة العدد (7) (القاهرة: مركز الدراسات الشرقيّة بجامعة القاهرة، 1242، 2003م).

[7] سعديا بن يوسف الفيوميّ (ترجمة وشرح) وشرح تنحوم الإسرائيليّ. سفر دانيال كتاب الممالك والملاحم وما سيكون في ألف 386 سنة، نقله إلى الحرف العربيّ وعلق عليه حسين عبد البديع حسين، 3454 (القاهرة: المركز القوميّ للترجمة، 2006م)، 9.

[8] عُرِفَ سعيد بن منصور بن كمونة بكتابه، تنقيح الأبحاث في الملّل الثلاث: اليهوديّة المسيحيّة الإسلام (القاهرة: دار الأنصار، د. ت.). وهناك رد مسيحيّ على هذا الكتاب في: حبيب باشا (تحقيق وتقديم)، أبو الحسن بن المحرومة، حواشي ابن المحرومة على كتاب “تنقيح الأبحاث للملّل الثلاث لابن كمونة”، سلسة التراث العربيّ المسيحيّ 6 (بيروت: المكتبة البوليسية، 1984م).

[9] Moshe Perlmann, Ibn Kammuna,s Examination of the Three Faiths, A Thirteenth-Century Essay In The Comparative Study of Religion Translated from the Arabic, With introduction and Notes (CA: University of California Press, 1971).

[10] قارن إنجيل مرقس 4: 12.

[11] الأنبا ساويرس بن المقفَّع، الدر الثمين في إيضاح الدين (القاهرة: أبناء البابا كيرلس السادس، د. ت)، 161.

[12] يمكن الرجوع إلى دراستنا عن: ساويروس ابن المقفع نقطة نحول في الكنيسة المصريّة السيرة والتفكير اللاهوتيّ (القاهرة: دار رجاء للجميع للنشر والتوزيع، 2024م).

[13] جوستاف جرونيباوم، حضارة الإسلام، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد، سلسلة الألف كتاب الثاني (القاهرة: الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 1994م)، 81.

[14]  جمع (موه) وهو أصل المياه.

[15] اختلاط الأمر.

[16]سَعْدِيا بن يوسف الفيوميّ، كتاب الأمانات والمعتقدات (نشره لانداور، ليدن، 1880م)، 3. وأيضًا: سعيد بن يوسف المعروف بسعديا الفيوميّ، الأمانات والاعتقادات، سلسلة التراث الحضاري (34)، تحقيق شريف حامد محمد سالم، مراجعة ودراسة أحمد محمود هويدي، مرجع سبق ذكره، 36-37.

[17]المرجع السابق.

[18] Jonathan Kearney, The Torah of Israel in the Tongue of Ishmael Sadia Gaon and His Arabic Translation of the Pentateuch, PIBA 33-34 (2010-11), 55-57.

[19]هاري أ. ولفسون، فلسفة المتكلمين في الإسلام (المجلد الأول)، ترجمة مصطفى لبيب عبد الغني (القاهرة: المشروع القوميّ للترجمة، 2005)، 161

[20]المرجع السابق، 161.

[21]وليم وهبة بباوي (المحرر)، “الترجمة العربيّة”، دائرة المعارف الكتابيّة، الجزء الثاني (القاهرة: دار الثقافة، 2005) 355.

[22]ابن النديم. الفهرست. (سوسة-تونس: دار المعارف للطباعة والنشر، 1994)، 34-35.

[23]المرجع السابق.

[24]المتعدّدة اللغات.

[25]بولس الفغالي، المحيط الجامع في الكتاب المقدّس والشرق القديم (بيروت: المكتبة البولسية وجمعية الكتاب المقدّس، 2003م)، 338.

شذرات كتابية

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب : ش.أسامة رشدي

شذرة كتابية (1)

انقل الأوعية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“ثُمَّ ادْخُلِي وَأَغْلِقِي الْبَابَ عَلَى نَفْسِكِ وَعَلَى بَنِيكِ، وَصُبِّي فِي جَمِيعِ هَذِهِ الأَوْعِيَةِ، وَمَا امْتَلَأَ انْقُلِيهِ”

(ملوك الثاني 4: 4)

ما أعظم وأروع طرق الرب وأفكاره! هو يعطي المنفذ من حيث لا نتوقع. فها هي المرأة المديونة من نساء بني الأنبياء الصارخة لأليشع بسبب المرابي، يبارك الرب دهنة الزيت القليلة التي تمتلكها، ويأمرها أن تستعير أوعيه فارغة من جيرانها ولا تقلل، ومن دهنة الزيت القليلة تمتلئ الأوعية الكثيرة، والعجيب أنه لماذا يأمرها الرب بأن تنقل الأوعية الممتلئة؟ إن الرب يأمرها بأن تنقلها، ليأخذ هو الفرصة كاملة ليملأ لها غيرها، فالسخاءُ الإلهي كالنهر الجاري لا يتوقف، يفوق إدراكك وتوقعاتك، وما عليك إلا أن تثق به، وتتوقع بالإيمان أنه قادرٌ أن يسدد أعوازك، واحتياجاتك، فدع الفرصة لإلهك ليتمجد، ويحول صرختك مثل هذه المديونة إلى بركةٍ وخيرٍ.

 

 

 

 

شذرة كتابية (2)

مخازن وسلال فارغة ولكن…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«هَلِ الْبَذْرُ فِي الأَهْرَاءِ بَعْدُ؟ وَالْكَرْمُ وَالتِّينُ وَالرُّمَّانُ وَالزَّيْتُونُ لَمْ يَحْمِلْ بَعْدُ. فَمِنْ هَذَا الْيَوْمِ أُبَارِكُ»

(حجَّي 2: 19)

نعم، من هذا اليوم يبارك

فالبذارُ خرجت من الأهراء (المخازن) لتُزرَع، والأشجارُ لم يأتِ وقت إثمارها، لكن الرب وعد أن يبارك من هذا اليوم! ما أروعه وعد! هو يبارك حتى وإن لم تتحقق ثمار البركة بعد بالعيان، يعطي بسخاءٍ حتى وإن لم تصلك العطايا حالًا، يُعوض خسارتك حتى وإن كانت أمورك تسير عكس ذلك. ثق بتدريباته لإيمانك، ثق أنه عظيم جدًّا، هو يكفيه كوار دقيقٍ واحدٍ ليعولك أيامًا كثيرة (ملوك الأول 17: 14)، وتكفيه دهنة زيت واحدة معك لتملأ أوعية كثيرة (ملوك الثاني 4: 6)، يُرسل لك غيمة صغيرة قدر كفِّ إنسان لتبشرك بأمطار غزيرة (ملوك الأول 18: 44)، ويضع في يديه خبزاتك القليلة فيُشبع آلافًا جائعين (متى 14: 18).

انتظره، لقد وعد أن يباركك ويقينًا ستأتي البركة.

 

 

 

 

 

شذرة كتابية (3)

في وقته… ستحصد الثمر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«فَلاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ»

(غلاطية 6: 9)

هل زرعت الخير لمن حولك وتعبت من أجلهم؟ هل قدمت محبة وتضحية لهم؟ هل صبرت وحصدت منهم ثمرًا مُفرحًا؟ أم منتظر!

لا تيأس، لأنك زرعت بالدموع ستحصد بالابتهاج (مزمور 126: 5)، ستحصد في الوقت المناسب ثمار تعبك إن تأنيت. إلهك لم يعطِك روح الفشل، بل أعطاك روح القوة والمحبة والنصح (تيموثاوس الثانية 1: 7)، ثق أن كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبهِ، وأن الله ليس بظالم حتى ينسى عملك وتعب محبتك (عبرانيين 6: 10)، فثابر واصبر، واعلم يقينًا أن تعبك ليس باطلًا في الرب (كورنثوس الأولى 15: 58)، وأن الذاهب ذهابًا بالبكاء، حاملًا مبذر الزرع، مجيئًا يجيء بالترنم، حاملًا حزمه.

 (مزمور 126: 6).

 

 

 

 

شذرة كتابية (4)

مئة ضعف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“وَزَرَعَ اسْحَاقُ فِي تِلْكَ الارْضِ فأصاب فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِئَةَ ضِعْفٍ وَبَارَكَهُ الرَّبُّ.”

(تكوين 26: 12)

ما أجمل الطاعة لصوت الرب وإرشاده! ما أجمل الإيمان والثقة بوعوده! ما أجمل الاتكال والاستناد عليه!  فها هي أرض (جرار) تُثمر ثمرًا مُضاعفًا في تلك السنة، وهي الأرض التي قال عنها الرب لإسحاق عندما كان هناك جوعٌ: “تغرّب في هذه الأرض فأكون معك وأباركك”(آية 3)، فمتى وحيث أوجدك الرب في المكان الذي يريده، وزرعتَ بصبرٍ وطول أناةٍ، بدموعٍ وألمٍ، بجهدٍ وعرقٍ، فثق أنك ستحصد بابتهاج وفرح، ستنال مكافأة الغُربة حينما ينظر الرب لطاعتك، وإيمانك وقناعتك وخضوعك لمشيئته، فتدرك وقتها كم هو عظيم رضى الرب عليك، وإنه قد أمر لحياتك بالبركة.

العدل والرحمة في العهد القديم

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب : صفاء صبحي

مقدمة

يُعد اهتمام المجتمع حديثًا بفكرة العدالة من أهم الاهتمامات السائدة اليوم، وهذا الاهتمام يندرج تحت مصطلح حقوق الإنسان، وقد يَظن البعض أن هذه الفكرة حديثة قد نشأت في عصر ما بعد الحداثة! لكن عندما ننظر إلى الكتاب المقدس، نجد أن مفهوما العدل والرحمة واضحان تمامًا. وقد يتصور البعض أن العهد القديم لا يجسِّد هذين المفهومين، ولكن هذا الاعتقاد يشوبه بعضٌ من سوء الفهم للعهد القديم. لذلك سنلقي نظرة على هذين المفهومين وممارستهما في العهد القديم من خلال تعاملات الله ووصاياه لشعبه.

مفهوم العدل

العدل مفهوم واسع له عدّة تعريفات، ويعرفه الأب بولس الفغالي فيقول:

مفهوم العدالة مفهوم أساسيّ في وجود الإنسان. فيها يتعلّق بتنظيم المجتمع البشريّ والنظرة إلى الإنسان، إلى كلّ إنسان.”

وقد يُفهم العدل أيضًا أنه تطبيق مُنصف للقانون، وكذلك الاهتمام بالحقوق، الواجبات، والمساواة دون محاباة، ويرتبط العدل أيضًا بالسلوك تجاه الآخرين. فلقد أوصى الله شعبه في سفر الخروج (خروج 23: 1-9) عن أحكام العدل والرحمة، وكيف يكونون عادلين ورحماء حتى مع الأعداء والغرباء. ويذكر الكتاب المقدس أيضًا أن الله جميع سبله عدل (تثنية 32: 4)، لذلك سوف نتطرق في هذا المقال إلى مفهوم العدل، من خلال ثلاثة محاور وهي: التجاوب مع صراخ المظلوم، عقاب الظالم، والمساواة بين الجميع. وبما أن مفهوم العدل لا يمكن أن نفصله عن مفهوم الرحمة في الكتاب المقدس، فإننا سوف نربط بينهما من خلال مظاهر الرحمة وهي: المساواة، المحبة، ومباركة جميع الشعوب.

التجاوب مع صراخ المظلوم

من المظاهر المهمة للعدل هو التجاوب مع صراخ المظلوم؛ فالعدل هو الدفاع عن الشخص الذي لا يجرؤ أو لا يستطيع الدفاع عن نفسه. وهذا ما يذكره سفر الخروج في الإصحاحات الأولى من السفر، حيث يَذكر في خروج 1: 13-14: “فَاسْتَعْبَدَ الْمِصْرِيُّونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِعُنْفٍ، وَمَرَّرُوا حَيَاتَهُمْ بِعُبُودِيَّةٍ قَاسِيَةٍ فِي الطِّينِ وَاللِّبْنِ وَفِي كُلِّ عَمَل فِي الْحَقْلِ. كُلِّ عَمَلِهِمِ الَّذِي عَمِلُوهُ بِوَاسِطَتِهِمْ عُنْفًا.” حتى وصل الحال لقتل المواليد الذكور، وعندما صرخ بنو إسرائيل من العبودية، سمع الله أنينهم وصراخهم (خروج 2: 23-24) فكان التجاوب من الله سريعًا في (خروج 3: 7-9). لقد تجاوب الله مع صراخهم، وهذا قمة العدل! فإن عدل الله هو أن يرى ويسمع صراخ المظلوم، ويقف بجانبه. فلقد تعدَّى المصريون على الشعب الإسرائيلي، من خلال استعبادهم، وإذلالهم، وقتل أطفالهم. وكان تجاوب الله في خروج 12: 51 أن الرب أخرجهم من أرض مصر. فلقد أظهر الله هنا في قصة الخروج أنه لا يُحب الظلم، وأنه يسمع لصراخ المظلوم، بل ويُخلِّصَه أيضًا، وهنا أرسى الله قاعدة من قواعد حقوق الإنسان، وهي ألّا يقع أي شخص تحت الظلم. ويؤكد مزمور 107: 28 على أن الله يخلِّص المظلومين الذين يصرخون إليه.

عقاب الظالم

 العقاب من مظاهر العدل المهمة، فالعقاب للظالم ليس أقل أهمية من إنصاف المظلوم، فيذكر الكتاب المقدس في سفر المزامير أن الله يسحق الظالم (مزمور 72: 4)، أيضًا (مزمور 98: 9) أن الله يدين المسكونة بالعدل والشعوب بالاستقامة، وهذا هو العدل الذي يطلبه الله.

 نرى في قصة الخروج تعامل الله مع فرعون وشعب مصر، فلقد أذنب المصريون ضدّ شعب إسرائيل، وكان لا بد من تدخل إلهي وإنهاء هذا الظلم (خروج 12-14). أيضًا عندما أخطأ داود إلى أوريَّا الحثِّي وزوجته بثشبع، فأرسل الله له ناثان النبي ليوبخه على فعله، وكذلك ليُعلن له عن عقاب الله له، على الرغم من أن داود كان ممسوحًا من الله، لكنّ الله لا يُحب الظلم، لذلك يعاقب الظالم مهما كانت مكانته (2صم 12).

المساواة بين الجميع

فكرة المساواة غالبًا من أكثر الأفكار التي يتم الهجوم عليها من قِبل البعض خاصةً في العهد القديم، فيقول البعض إن الله ميَّز شعب إسرائيل عن باقي الشعوب، لكن هذه الفكرة بها بعض سوء الفهم لقصد الله؛ فعندما اختار الله إبراهيم، فاختيار واحدٍ لا يُعتَبَر رفضًا للآخرين، بل لأجل فائدتهم “تَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ” (تكوين 12: 3). الله لم يميز شعب إسرائيل عن سائر الشعوب، بل اختاره ليكون قناة بركة لبقية الشعوب، لكن للأسف لم يفهم شعب إسرائيل هذا القصد، فيقول عنهم في (إشعياء 65: 2)      “بَسَطْتُ يَدَيَّ طُولَ النَّهَارِ إِلَى شَعْبٍ مُتَمَرِّدٍ سَائِرٍ فِي طَرِيق غَيْرِ صَالِحٍ وَرَاءَ أَفْكَارِهِ” ويذكر أيضًا في نفس السفر (إشعياء 19: 25) أنه بارك شعب مصر، أشور، وإسرائيل، فلقد أحب الله شعب مصر وشعب أشور أيضًا. فالله لا يُفرّق بين شخص وآخر أيًّا كان معتقده، أو خلفيته الثقافية؛ لكنه يوصي في العهد القديم بالمساواة بين اليهودي والأممي في الأحكام “حُكْمٌ وَاحِدٌ يَكُونُ لَكُمْ. الْغَرِيبُ يَكُونُ كَالْوَطَنِيِّ. إِنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ” (اللاويين 24: 22).

أيضًا قد عاقب الله شعب إسرائيل على أفعالهم الشريرة كما عاقب الأمم، وأوضح مثال على ذلك في سفر القضاة، فكان الشعب يدور في دائرة مغلقة من فعل الشر وترك إلههم والسير وراء آلهة أخرى، فيغضب الله عليهم ويدفعهم ليد أعدائهم، وبعد ذلك يتوبون ويصرخون إلى الله، فيتحنَّن عليهم فيرسل لهم مُخلِّصًا (قاضيًا)، ثم بعد موت القاضي يتركون عبادة الله ويعودون إلى أفعالهم الشريرة، فيغضب الله عليهم مرة أخرى.

كذلك لا يفرق الله بين الإنسان العادي والملوك، فداود أخطأ في حق الله عندما زنا وقتل، على الرغم من أن الكتاب المقدس يذكر أن داوُد كان “يُجْرِي قَضَاءً وَعَدْلاً لِكُلِّ شَعْبِهِ” (1أخبار 18: 14)؛ لكن ما فعله داود في قصَّة أرويا الحثي، عكس ما كان يفعله وما يجب أن يفعله كملك “أن يُجري عدلًا” (2صموئيل 8: 15)، وهنا نال عقابه من الإله العادل، أن السيف لا يفارق بيته إلى الأبد (2صموئيل 12: 10).

لا بد من أن يسود العدل؛ لأنه إن لم يَسُد العدل سوف يسود الظلم والفساد في المجتمع؛ وبذلك تذهب حقوق الإنسان هباءً، وتندثر المعايير الأخلاقية لحقوق الإنسان. وفي المقابل عندما يسود العدل ويحكم الرؤساء بالحق؛ فيتم الاهتمام بتطبيق قوانين حقوق الإنسان، وهذا ما يوضحه العهد القديم ” وَيَكُونُ صُنْعُ الْعَدْلِ سَلاَمًا، وَعَمَلُ الْعَدْلِ سُكُونًا وَطُمَأْنِينَةً إِلَى الأَبَدِ. وَيَسْكُنُ شَعْبِي فِي مَسْكَنِ السَّلاَمِ، وَفِي مَسَاكِنَ مُطْمَئِنَّةٍ وَفِي مَحَلاَّتٍ أَمِينَةٍ” (إشعياء 32: 17-18).

الرحمة

يوجد ارتباط قوي ووثيق بين العدل والرحمة، فعدل الله ورحمته وجهان لعملة واحدة. لا يمكن أن نرى عدل الله في أي موقف دون أن نجد فيه الرحمة واضحةً، وتنم عن إله عادل ورحيم. فيذكر العهد القديم مرارًا كثيرة هذا الأمر ففي مزمور 33: 5 “يُحِبُّ الْبِرَّ وَالْعَدْلَ. امْتَلأَتِ الأَرْضُ مِنْ رَحْمَةِ الرَّبِّ”، كذلك يعتني الله بجميع البشر ويُظهر لهم رحمته ومجده “وَرَأَى جَميِعُ الشُّعُوبِ مَجدَهُ” (مزمور 97: 6). وبالتأمل في مظاهر الرحمة الثلاثة: المساواة، المحبة، ومباركة جميع الشعوب، نجد أن الله في كل موقف يُظهر الرحمة بالتوازي مع العدل. ويتحدث أنسلم عن صلاح الله، قائلًا: “إنه من الأفضل أن تكون صالحًا مع الصالح والشرير، من أن تكون صالحًا مع الإنسان الصالح فقط، وأيضًا إنه من الجيد أن تكون صالحًا مع الشرير في العقاب وفي إنصافه، من أن تكون جيدًا في عقابه فقط”؛ فصلاح الله يتطلب منه أن يكون عادلًا ورحيمًا في الوقت نفسه.

المساواة

تُعد المساواة عنصرًا أساسيًّا في العدل، لكنها تدلُّ على رحمة الله بالبشر، ففي الأمثلة التي تطرقنا لها آنفًا، نجد أن الله يؤكد على إبراهيم ونسله مرارًا وتكرارًا أن فيه وفي نسله تتبارك جميع قبائل الأرض (تكوين 12: 3، 26: 4، 28: 14)، فالله اختار شعب إسرائيل ليعلن اسمه (يهوه) لجميع الشعوب، وهنا يتضح أن بركة الله ممتدة لكل الشعوب، حيث إن الله في إشعياء 19: 25 يُبارك مصر وأشور، ونلاحظ في هذه الآية أن الله وضع مصر وأشور مع إسرائيل؛ ليؤكد على المساواة وأنه يُحب الجميع دون تفرقة، فجميعهم شعبه.

محبة جميع الشعوب ومباركتهم

رحمة الله تدل على حبه الشديد لشعبه، التزامه، وحفظه لوعوده لهم، فحب الله هو الحب الثابت الذي لا يفشل. ففي كل موقف لله مع شعب إسرائيل وغيرهم من الشعوب، نجد أن الله يتدخل بالرحمة النابعة من حبه لهم، فعندما طرد إبراهيم هاجر وابنها إسماعيل، يقول الكتاب في تكوين 21: 17: “فسمع الله صوت الغلام” وهنا رحمة الله النابعة من حبه لخليقته، نرى أيضًا في موقف الله هنا مع هاجر وابنها، أن الله قال لها: “قومي احملي الغلام… لأني سأجعله أمة عظيمة” (تكوين 21: 18). وبارك الله إسماعيل، رغم أن هاجر كانت غريبة.

 لقد أحب الله جميع الشعوب في العهد القديم دون محاباة. فنجد أنه يوجد سفران في العهد القديم يتحدثان عن أُناس ليسوا شعب الله؛ لكنهم كانوا في دائرة محبة الله، كراعوث الموآبية. وكذلك شعب نينوى في سفر يونان، فهذا السفر يؤكد تمامًا على محبة الله لجميع الشعوب وليس فقط إسرائيل. فيونان أراد أن يهرب من وجه الرب حتى لا يقدم لهم كلمة الرب لخلاصهم، لكن عندما أَرجع الله يونان لطريقه، نجد أن شعب نينوى قدم ندمًا وتوبةً صادقة، والدليل على محبة الله أنه قَبِل توبتهم، ويأتي اعتراض يونان على قبول الرب توبة شعب نينوى، أنه قال للرب: “آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ” (يونان 4: 2) فمحبة الله ورحمته بهذا الشعب أحزنت يونان، وكان رد الله على يونان أنه أشفق على شجرةٍ لم يتعب فيها! أفلا يشفق الله على هذا الشعب؟ فهم صنعة يديه!

الخاتمة

العدل والرحمة مهمان في الحفاظ على العالم، لكن وجود أيٍّ منهما منفردًا دون الآخر سيدمره. وهذا ما تعرفنا عليه، فالله عادل وفي نفس الوقت رحيم، فهو لا يميز بين شعب وآخر، بين إنسان وآخر؛ الجميع متساوون أمامه في عدله ورحمته أيضًا. فتعاملات الله ووصاياه في العهد القديم تدل على أنه إله عادل (مزمور 11: 7) ورحيم (مزمور 145: 8). واهتمام المجتمع اليوم بفكرة العدل ليس بشيء جديد كما قد يظن البعض، لكنّ الله قد أعلن عنه في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد.

المراجع

رايت، كريستوفر ج. ه. ت. فينيس نقولا. أخلاقيات العهد القديم لشعب الله: طرق الله بين الماضي والحاضر، القاهرة: دار الثقافة 2011.

رايت، كريستوفر جيه. إتش. ت. هدى بهيج يوسف. إرسالية شعب الله: لاهوت كتابي لإرسالية الكنيسة، القاهرة: دار الثقافة 2014.

شاكر، عزت. إله العهد القديم إله دماء، القاهرة: دار الثقافة 2012.

نعيم، محسن. نبوات ورؤى: النبوات والرؤى في سفر إشعياء، الجزء الثالث، القاهرة: دار الثقافة 2014.

وهبة، وليم. دائرة المعارف الكتابية، الجزء الخامس، القاهرة: دار الثقافة 1999.

يوسف، صموئيل. المدخل إلى العهد القديم، القاهرة: دار الثقافة 1993.

Hahn, Judith and Werner, Gunda. Mercy and Justice: A Challenge for Contemporary Theology, Koninklijke Brill NV, Leiden, the Netherlands 2020.

Newman, Louis E. Balancing Justice and Mercy: Reflections on Forgiveness in Judaism, American Theological Library Association 2016. https://boulosfeghali.org/2017/frontend/web/index.php?r=site/text&TextID=4380&CatID=336&SectionID=39.

ما علاقة العهد القديم بالعهد الجديد؟ المصلح جان كلفن

اسم الكاتب : القس سهيل سعود

آمن المصلح جان كلفن، أنّ العلاقة التي تأسّست بين الله وشعبه، إن كان في العهد القديم أو العهد الجديد، هي علاقة عهدية. قال: “العلاقة العهدية، هي الأمر الأساسي الذي احتفل به الأنبياء. وهذه العلاقة العهدية، تدعو إلى الأخذ بعين الاعتبار الكنيسة المتجدّدة؛ لأنّ الرب عرّف بشهاداته لمفديِّيه، وربط شعبه الذي اشتراه لنفسه من خلال عهد جديد”. فسَّر كلفن مصطلح “عهد”، على أنه يشير إلى نزول الله في وسط شعبه، كي يربط نفسه بشعبه ويربط شعبه به. ووجد أنَّ نبوءة النبي إرميا (إرميا 31: 31-33)، هي من أهم النصوص الكتابية التي تتكلّم عن نوعية العهد الذي أراد الله أن يقيمه مع شعبه. قال كلفن: “إن قول الله: “وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا” (إرميا 31: 33)، يعبِّر عن مضمون وجوهر عهد الله مع شعبه”. توقَّف أيضًا عند قول النبي إشعياء: “وَكُلَّ بَنِيكِ تَلاَمِيذَ الرَّبِّ، وَسَلاَمَ بَنِيكِ كَثِيرًا” (إشعياء 54: 13). معلِّقًا بالقول: “الوعد هو أن يكون كل الناس أبناء وبناء الله. لقد وجَّه هذا الوعد إلى الجميع دون تمييز، ولكن فقط المختارون هم الذي يأتون الى المسيح، لأنهم عُلِّموا من قبل الله”.

تحدَّث كلفن عن عهد زواج بين الله وشعبه في العهد القديم، وعن عهد زواج بين المسيح والكنيسة في العهد الجديد. لتوضيح فكرة العهد كزواج مع شعبه في العهد القديم، اقتبس قول الله في سفر حزقيال: “وَلكِنِّي أَذْكُرُ عَهْدِي مَعَكِ فِي أَيَّامِ صِبَاكِ، وَأُقِيمُ لَكِ عَهْدًا أَبَدِيًّا. فَتَتَذَكَّرِينَ طُرُقَكِ وَتَخْجَلِينَ إِذْ تَقْبَلِينَ أَخَوَاتِكِ الْكِبَرَ وَالصِّغَرَ، وَأَجْعَلُهُنَّ لَكِ بَنَاتٍ، وَلكِنْ لاَ بِعَهْدِكِ. وَأَنَا أُقِيمُ عَهْدِي مَعَكِ، فَتَعْلَمِينَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ” (حزقيال16: 60-62). ولتوضيح فكرة زواج المسيح مع كنيسته في العهد الجديد، يقتبس كلفن كلمات الرسول بولس لأعضاء كنيسة أفسس: “أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ، لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ” (أفسس 5: 25-27). علَّق قائلًا: “عهد الزواج هذا هو علاقة محبة. والمحبة هي رسالة العهد الكبرى”.

عقيدة العهد موضوعٌ بارزٌ في الكتاب المقدَّس

وجد كلفن، أنّ عقيدة العهد موضوع بارز في الكتاب المقدّس. فالعهد موجود من بداية التاريخ الخلاصي وحتى نهايته. لدى تفسيره الإصحاحات الأولى من سفر التكوين، قال كلفن: “يرجع العهد بين الله وشعبه في التاريخ أبعد بكثير من العهد مع موسى. إنه يرجع إلى آدم الذي ابتدأ الله عهد النعمة معه بعد سقوطه في الخطية، فقال الله للحيّة: “وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ” (تكوين 3: 15). وبالتالي، فقد أعطى الله لآدم الوعد الأول بالخلاص حين قال: “نسل المرأة أي المسيح، يسحق رأس الحيّة. وتدريجيًّا، صار هذا العهد يعلن للآباء حتى تحقَّق واكتمل في يسوع المسيح”. اعتقد كلفن أنه في زمن العهد القديم، كانت الكنيسة في مرحلة الطفولة في مرحلة عدم النضج، لهذا كانت تتطلَّب تعليماتٍ واضحةً وبسيطةً. قال: “وجدت الكنيسة نفسها، بين قدّيسي العهد القديم، لكنها كانت في مرحلة الطفولة. وحتى يحافظ عليها، أعطاها الله مواعيد مرئية باكرة، عندما تبنّى إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ونسلهم. وقد وعدهم بإعطائهم أرض كنعان ليرثوها. لكن لم يكن هذا الأمر غاية رجائهم. بل كان هدف الله، أن يدرّبهم ويثبّتهم فيما كانوا يتطلّعون ويتأمّلون في رجاء إرثهم الحقيقي الذي لم يظهر لهم بعد، لأنّ وعدًا إلهيًّا أعظم أعطي لهم. لهذا، لم تكن الأرض الفائدة الكبرى التي وعد بها الله شعبه”. وقال كلفن: “لم يسمح الله لإبراهيم، أن يجلس مكتوف الأيدي، عندما استلم الأرض، لأن فكره ارتفع إلى الرب إلى وعد إلهيّ أعظم”. آمن كلفن أنّ المواعيد الروحية، كانت موجودة في جوهر العهد الأساسي الذي صنعه الله مع الآباء. فامتلاك الأرض كان مرآة، استطاع الآباء من خلالها النظر إلى الإرث المستقبلي المعدِّ لهم في السماء.

أوجه الشبه والفروقات بين العهد القديم والعهد الجديد

حتى يؤسّس كلفن وحدة العهد مع شعبه في العهدين القديم والجديد وفي كل العصور، فإنه عَنْوَنَ الفصل العاشر من الجزء الثاني من كتابه “أسس الدين المسيحي”، بعنوان “أوجه الشبه والفروقات بين العهد القديم والعهد الجديد”. ذكر كلفن قائلًا: “لأن كل القديسين الذين يذكرهم الكتاب المقدس، الذين اختارهم الله منذ بدء العالم، قد شاركوا معنا بنفس بركات الحياة الأبدية والخلاص. لذا، فإنّ الفروقات في إعلانات الله بين العهدين: القديم والجديد، لا تنقص من وحدة الكتاب المقدس”. أظهر كلفن في مقارنته بين العهدين، ارتكازهما على شخص يسوع المسيح، قال: “بهذه الطريقة، لن يكون هناك ما يُعيق وعود العهد القديم والعهد الجديد، من أن تبقى نفسها تنحدر من نفس المصدر الأساسي الذي هو يسوع المسيح”. اقتبس كلفن قول المسيح لليهود في إنجيل يوحنا: “أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ” (يوحنا 8: 56). كما اقتبس قول كاتب الرسالة الى العبرانيين: “يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ” (عبرانيين13: 8).

تكلّم كلفن عن سمات خاصة في العهد القديم، واستخدم مصطلحات خاصة، مثل صور، رموز، علامات، ظلال، مرآة، وغيرها من التعابير التي اعتبرها مقدِّمةً وانعكاسًا للبركات الروحية والسماوية التي تحقّقت في العهد الجديد. رأى كلفن، بأنّ أنبياء العهد القديم تكلّموا في معظم الأحيان عن بركات العصر القادم، من خلال رموز وصور أوحى بها الله لهم. مثلًا، توقَّف عند قول النبي إشعياء: “اِسْتَيْقِظِي، اسْتَيْقِظِي! الْبَسِي عِزَّكِ يَا صِهْيَوْنُ! الْبَسِي ثِيَابَ جَمَالِكِ يَا أُورُشَلِيمُ، الْمَدِينَةُ الْمُقَدَّسَةُ” (إشعياء 52: 1). كما توقَّف عند قوله: “حِينَئِذٍ تَنْظُرِينَ وَتُنِيرِينَ وَيَخْفُقُ قَلْبُكِ وَيَتَّسِعُ، لأَنَّهُ تَتَحَوَّلُ إِلَيْكِ ثَرْوَةُ الْبَحْرِ… وَتَنْفَتِحُ أَبْوَابُكِ دَائِمًا. نَهَارًا وَلَيْلاً لاَ تُغْلَقُ. لِيُؤْتَى إِلَيْكِ بِغِنَى الأُمَمِ… مَجْدُ لُبْنَانَ إِلَيْكِ يَأْتِي. السَّرْوُ وَالسِّنْدِيَانُ وَالشَّرْبِينُ مَعًا لِزِينَةِ مَكَانِ مَقْدِسِي” (إشعياء60: 5، 11، 13). علَّق قائلا: “نقرأ أنّ أورشليم سوف تمتلئ وتفيض بكل أنواع الغنى. وصهيون سوف تفيض بكثير من الأمور”.

اعتقد كلفن أنّ هذه الأمور المشار إليها في هذه المراجع، لا يمكن تطبيقها ولا حتى على أورشليم الأرضية، لأننا نعيش كسائحين روحيين في هذه الحياة وأرضنا الحقيقية هي أورشليم المدينة السماوية، حيث وعدنا الله هناك بالحياة والبركات الى الأبد. يؤكد كلفن مرارًا الحاجة الى هذا النوع من الصور والرموز، لأنه يعتبرها من سمات طفولة الكنيسة. آمن كلفن، أنّ إعلانات الله تتقدّم تدريجيًّا من خلال العهود المتعددة التي أقامها الله مع شعبه، بعد أن ابتدأ عهده الأول مع آدم عند قوله للحيّة، بأنّ نسل المرأة سيسحق رأس الحيّة (تكوين 3: 15). علّق كلفن قائلًا: “هذا الإعلان كان الشرارة الأولى الضعيفة. فالإعلان الإلهي يسير بشكل منتظم في إدارة الله لعهد رحمته. وكلما تقدّمت العهود في التاريخ، كلما زاد إشراقها ولمعانها إلى أن اكتملت اشراقًا في نور شمس المسيح، شمس البر الذي أنار كل الأرض، كما تنبّأ النبي ملاخي: ” وَلَكُمْ أَيُّهَا الْمُتَّقُونَ اسْمِي تُشْرِقُ شَمْسُ الْبِرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا” (ملاخي 4: 2). يسرع كلفن ليؤكِّد أنّ إعلانات الله التي ظهرت تدريجيًّا في التاريخ في العهود اللاحقة، لا تجعل من العهود السابقة فارغة لا قيمة لها. قال: “كلّ العهود التي دخل فيها الله مع الآباء كانت ثابتة وأبدية، لكن تأكّدت وتثبّتت وتبرهنت كل العهود في يسوع المسيح”. أعلن كلفن قائلًا: “تأسّس العهد القديم على نعمة الله الحرة، وتثبّت بشفاعة يسوع المسيح، لأن الوعظ بالإنجيل لا يعلن شيئًا آخر سوى أنّ الخطاة يتبررون بالإيمان وليس باستحقاقاتهم من خلال لطف أبوّة الله. وهذا كلّه يُلخَّص في شخص المسيح”.

فروقات رئيسية بين العهد القديم والعهد الجديد

وجد كلفن خمسة فروقات رئيسية بين العهد القديم والعهد الجديد: الأول، يتضمَّن العهد القديم منافع أرضية وجسدية مؤقّتة، هي مرآة تعكس البركات الروحية والسماوية والأبدية التي نراها واضحة في العهد الجديد. الثاني، يتضمّن العهد القديم فقط صور وظلال الحقيقة الغائبة، بينما العهد الجديد يعلن جوهر الحقيقة الحاضرة. الثالث، يشير الناموس الموسوي إلى ما هو صواب وخطأ، كدليل للإنسان ليوجّهه إلى ما هو للخير ويمنعه من الشر، لكنّ الناموس الموسوي لا يستطيع إصلاح فساد قلب الإنسان الذي سببته الخطية، لهذا هو بحاجة لنعمة المسيح. الرابع، شريعة العهد القديم هي حرفية نقشت على لوحي حجر، أما ناموس المسيح في العهد الجديد، فهو روحي نُقِش على قلوبنا بواسطة الروح القدس المعطى لنا” (2كورنثوس 3: 3). وبالتالي، استنتج كلفن أنّ العهد القديم هو عهد عبودية، بينما العهد الجديد هو عهد حرية من خلال الإنجيل. الخامس، صنع العهد القديم مع شعب واحد هم اليهود، لكن صنع العهد الجديد مع الكنيسة الجامعة التي تضمّ كل المؤمنين والمؤمنات بالمسيح من اليهود والأمم. قال كلفن: “في الأيام الماضية وضع الله عهده في حضن إسرائيل. وقد اختبر الإسرائيليون امتيازات حضور الله معهم. لكن في ملء الزمان، عندما تجسّد المسيح في عالمنا، فقد تصالح اليهود والأمم مع الله، واندمجوا في شعب واحد بدم وروح يسوع المسيح”.

أصرّ كلفن على أنه يجب أن يقرأ كلَّ الكتاب المقدّس كوحدة متكاملة، بالرغم من وجود فروقات هامة بين العهد القديم والعهد الجديد. اعتقد أنّ مشكلة إسرائيليّي العهد القديم، أنهم لم يستطيعوا أن يحقِّقوا كامل شروط الشريعة الموسوية، لهذا، كانت طاعتهم طاعة عبودية، وثمار قلوب مرائية. رأى أنَّ القصاصات الجسدية التي تحمّلها الإسرائيليون المتمرّدون، كانت مؤشرًا على الموت الروحي والعقاب الأبدي الذي كان ينتظر عدم التائبين. “لكنّ العهد الجديد، يجلب معه القوة والرغبة التي يطلبها منا الله لتحقيق متطلّبات الشريعة من خلال الروح القدس”. رأى كلفن أنّ العهد الجديد، هو فعَّال في تحقيق هدفه، من خلال القوة المجدِّدة التي يمنحها الله لأولاده بالروح القدس. قال: “لو لم يضف التجدّد بالروح القدس على مجيء المسيح، لما كان مجيئه كافيًا. فالجديد في العهد الجديد، هو أنّ الله جدّد الإنسان المؤمن بروحه القدوس. وهذا ما يجعل من مجيء المسيح ليس فقط عقيدة تصيب الأذن، لكنها تخترق القلب، وتشكّلنا لكي نخدم الله”.

لم يؤمن كلفن أن الشريعة هي عهد شرائعي تغيب عنه النعمة أو الرحمة، أو أي إشارة إلى الإنجيل. اعتقد أنّ الشريعة هي دليل لأعضاء العهد لتقود حياتهم وتصرّفاتهم في شؤونهم اليومية داخل جماعة إسرائيل. عبّر عن هذه الفكرة في أثناء تفسيره استلام النبي موسى للوصايا العشر في الإصحاح التاسع عشر من سفر الخروج. مما ذكره: “يعلّمنا هذا الفصل، بأيّ وسيلة جعل الله الشعب متنبِّهًا وقابلًا للتعلّم. لقد أعطى الله قبلًا قانون الحياة التقيّة والبارة، لكن بكتابة الشريعة على لوحي حجر، فإنه لم يحتضن فقط العقيدة الكاملة للتقوى والبرّ، بل أثّبت صحّتها بطقسٍ سامٍ، كيما يبقى الإنسان التقيّ مدركًا لها، ويزدهر في الأزمنة المستقبلية”.

وفي تفسيره لقول كاتب اللاويين: “فَتَحْفَظُونَ فَرَائِضِي وَأَحْكَامِي، الَّتِي إِذَا فَعَلَهَا الإِنْسَانُ يَحْيَا بِهَا” (لاويين 18: 5). يؤكِّد كلفن أنّ عبارة، “إذا ما فعلها الإنسان يحيا بها”، تحمل معنى خلاصيًّا. يقول: “وبالنهاية، يَعِد الله بأن يقيم الشعب الإسرائيلي من كسلهم. وإذا ما أطاعوا شريعته سوف يكافئهم. لهذا يجب أن نتذكّر قول المسيح: “كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا، مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ، لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا” (لوقا 17: 10). آمن كلفن، أنّ طاعة الشريعة يجب أن تكون ثمرة القلب الشاكر، من أجل البركات الروحية والمادية التي يمنحها الله. لهذا، فالشعب العهدي، يجب أن يكون مدفوعًا إلى الطاعة الصادقة والأمانة العهدية والتطابق مع الشريعة التي تفيض من قلب شاكر. لهذا، كان على أفراد الشعب الإسرائيلي، أن ينتبهوا كثيرًا، لئلَّا يتسلّل النسيان إلى حياتهم ويسرقهم الغرق في البهجة والسعادة. فإنكار الجميل ما هو إلَّا احتقار لشريعة الله.

آمن كلفن أن شريعة الوصايا العشر، ليست مؤقّتة في مهمتها، بل دائمة لأنها ترينا ما هو صالح. لهذا، يجب أن تستمر الوصايا العشر إلى نهاية العالم. قال: “إنّ الشريعة التي تعهّد فيها الله مع شعبه منذ بداية العالم، هي نفس الشريعة التي تحكم شعب الله، في كلّ عصور التاريخ الخلاصي. فالشريعة التي سار بموجبها شعب العهد القديم، كانت مجرّد ظلّ للإنجيل. لكنّ الإنجيل زوّدنا بوضوح أكبر، ومنح مادة، لم يُشَر إليها في الأزمنة السالفة. فالإنجيل لم يحلّ محلّ الشريعة، لكنه جلب وسيلة مختلفة للخلاص”.

الشريعة الموسوية، تتضمن عهدًا شرائعيًّا، وعهد الإنجيل

رأى كلفن في الشريعة الموسوية، عهدين مختلفين: عهد شرائعي، وعهد الإنجيل. فالشريعة تتضمّن: وعودًا وتهديدات. فهناك الوعد، الذي يقول فيه الله: “الذي يفعل هذه الأمور، يحيا بها”. وهناك التهديد، الذي يعلن: “ملعون هو الذي لا يحقّق ما هو مكتوب هنا”. رأى كلفن أنّ العلاقة بين العهدين متضادة، لأنّ الجانب الشرائعي من العهد، يعمل على تشجيع ما هو صالح، ومنع ما هو شرّ. وهكذا، يعد بالمكافاة للذين يحفظون البرّ، ويهدّد المتعدّين بالعقاب. أيضًا رأى في العهد، الوعد بالحياة الأبدية، التي يمكن أن تنالها إسرائيل بالطاعة. لكن بسبب خطاياها، فإن إسرائيل غير قادرة، أن تحقّق متطلّبات العهد الموسوي. لكن المسيح وحده، قادر أن يفعل ذلك. بهذا المعنى، اعتقد كلفن، أنّ العهدين المختلفين: العهد الشرائعي، وعهد الإنجيل، ينشران وعد الخلاص. الأول، من خلال الطاعة. والثاني، من خلال الإيمان بالمسيح.

يخصّص كلفن فصلًا كاملًا لشرح وجهة نظره حول كيفية استخدام الشريعة الموسوية في عهد النعمة. من الأمور التي يذكرها:

أولًا، إنّ دور الشريعة هو للإعلان عن حقيقة من هو الإنسان. شبَّه كلفن الشريعة بالمرآة التي تشير إلى خطيئة الإنسان، وتكشفه على حقيقته، وتبكّت ضميره، وتعرّضه للدينونة. قال كلفن: “عملت الشريعة على تذكير الإسرائيليين باستمرار بمن كانوا، كما عملت على تحذيرهم من عدم الأمانة لشروط العهد. لأنه نادرًا ما تجد، ربما شخصًا من مئة، الذي شبعه الدائم لمباهج الحياة لا يولّد لديه الاستعداد لعيش حياة الرخاء والبطر”.

ثانيًا، إنّ دور الشريعة هو مراقبة وتقييد الشرّ في الإنسان. قال كلفن: “إنّ المهمة الثانية للشريعة هي أنه بسبب الخوف من القصاص والدينونة، فإنها تقيِّد تصرفات الناس الذين لا اهتمام لديهم بما هو حق وعادل. لأنهم، إن لم يشعروا أنهم مجبرون عند سماعهم تهديدات الشريعة القاسية، فإنهم لن يراقبوا تصرفاتهم وسلوكهم”. وأضاف: “عملت الشريعة أيضًا، على ضبط ميل إسرائيل الطبيعي إلى الخطية، من خلال الدينونات واللعنات والعقابات التي تضمّنتها الشريعة. وهذا التقييد لضبط الميول الخاطئة، كان له أهميته، لا سيما عندما يزيد غنى أفراد الشعب ويبطرون. لهذا كان من الضروري أن يوضع للشعب مؤدِّبًا يقيِّدهم في عنادهم، لكي يضبطوا في ازدهارهم… لأنّ الرخاء يسكرنا جميعا دون مقياس، لازدياد الفجور ضد الله، فننسى أنفسنا وإياه”.

ثالثًا، تحفظ الشريعة المؤمنين الحقيقيين، الذين يسكن فيهم روح الله القدوس، وتجعل دعوة الله مؤثّرة فيهم. كما أنها تعلّمهم الطريق المستقيم التي يجب أن يسيروا فيها كأعضاء في العهد، كونها تعمل معلّمًا وموجِّهًا. قال كلفن: “إنّ الاستخدام الثالث، يتعلّق بالهدف المناسب للشريعة. فالشريعة تجد مكانها بين المؤمنين الذين يسكن في قلوبهم روح الله ويملك مسبقًا. فمع أنّ الشريعة نُقِشت وكُتِبت على قلوبهم بأصبع الله، أي أنهم تأثّروا من خلال توجيه الروح الذي يتوقون لطاعته، فإنهم سوف يستفيدون منها”.

آمن كلفن أنّ جوهر العهد الموسوي هو يسوع المسيح، لكن الشكل هو شرائعي. آمن، أنّ هناك عهد نعمة واحدًا، والمتطلبات المطلوبة للتبرير والخلاص هي نفسها في كلّ تاريخ الخلاص. إنه الإيمان في وعود الله الخلاصية في يسوع المسيح، دون أي استحقاقات بشرية. آمن كلفن، أنّ العهد الموسوي كان بالأصل بمبادرة إلهية، وبإهمال كامل للاستحقاق البشري. كتب قائلًا: “إنّ العهد الذي من خلاله، ربط اليهود الذين هم تحت الشريعة بالله، قد دعم ليس من خلال استحقاقهم الشخصي، وإنما بواسطة نعمة الله”. في ملاحظاته حول الفصل الرابع من سفر التثنية، ذكر كلفن: “بعد أن أصيب الشعب وتأذى باللعنات، وعدهم الله أنهم إذا ما طلبوه، سيجدونه، وسيمنحهم أساسًا صلبًا للرجاء، وسيرحمهم ويغفر لهم، لأنه رحوم بطبيعته، ولأنه قد تبنَّاهم في عهد أبدي”. يذكر اللاهوتي جايمس فينينغا: “منذ عهد إبراهيم، فقد سلّم العهد إلى كلّ جيل، ليس لسبب استحقاق ما من جهة الشعب، لكن لأنّ الله كان أمينًا لمواعيده… ولأنّ الله أمال عقولهم وقلوبهم إليه لكي يؤسِّس عقيدة شريعته. لهذا، فإنَّ دور الله الفاعل، لا ينحصر فقط بخلق العهد، وتأسيس مقاييسه، ودعوة الإسرائيليين إلى علاقة كهذه، لكنّ الله أيضًا مسؤولٌ عن تغيير شعبه ودعوتهم للتوبة، لكي يتمكَّنوا من قبول مكانتهم الجديدة. لهذا، يبقى العهد خلال كلّ تاريخه لا ينقض، رغم خطية الشعب”.

رأى كلفن أنّ شريعة الوصايا العشر، كتبت على ألواح حجرية وأعطيت للشعب العبري، لكي لا ينسوها فيما بعد، كما فعلوا مع العهد الإبراهيمي، بل يحفظوا وصايا الشريعة إلى النهاية. ومن ثمّ كتبت الشريعة في كتاب، حتى إنّ نعمة الله المذهلة التي منحها الله لنسل إبراهيم لا يجب أن تغرق في النسيان. قال كلفن: “يجب أن نلاحظ بالدرجة الأولى، أنه بالرغم من أنّ الشريعة هي شهادة عن تبنّي الله المجّاني، وتعلّم بأنّ الخلاص مؤسَّس على رحمته، وتدعو الناس لطلب الله بالثقة اليقينية، مع ذلك فإنّ لديها هذه السمة الخاصة بأنّ عهديتها مشروطة”. في تفسيره للإصحاح الرابع والعشرين من سفر الخروج، يقول كلفن: “بقدر ما أنّ التعهّد المتبادَل، هو مطلوب في كلّ العهود. فإنه عندما يدعو الله شعبه ليمنحه النعمة، فإنه يحثّه لكي يقدّم له طاعة الإيمان، حتى يجيبوا: آمين”.

علاقة العهد الجديد بالعهد القديم

توقّف كلفن عند نبوءة النبي إرميا حول العهد الجديد، والتالي نصُّها: “هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا. لَيْسَ كَالْعَهْدِ الَّذِي قَطَعْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُهُمْ بِيَدِهِمْ لأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، حِينَ نَقَضُوا عَهْدِي فَرَفَضْتُهُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ. بَلْ هذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَقْطَعُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ، يَقُولُ الرَّبُّ: أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا” (إرميا 31: 31-33). في تعليقه على هذه النبوءة، يؤكّد كلفن على وجود تعامل جديد مع أمة محبطة، وسط الأسر البابلي. يقول: “إنّ الوعد بعهد جديد في سياق الأَسْر، يعمل كمصدر للرجاء والتشجيع؛ لأنّ الإسرائيليين الذين أصبحوا أمة منقسمة، قد طُرِدوا من أرض الموعد. ولم يعرفوا الراحة الموعود بها في العهد. لكن الآن، فإنّ فريقي العهد الجديد، هما مختلفان، لأنّ الوعود في العهد الجديد وُجِّهت إلى شخص واحد وإله واحد، مثّل الشعب وكلّ الكنيسة. فقد صنع العهد الجديد بين الله وجماعة الإيمان، بوجود وسيط أو الوسيط الحقيقي الذي هو يسوع المسيح. فالآباء: إبراهيم وموسى وداود، كانوا مجرَّد ظلال، إلى أن حان موعد العهد الجديد، الذي صُنِع في شخص يسوع المسيح”. في ضوء ملاحظاته حول نبوءة إرميا حول العهد الجديد (إرميا 31: 31-33)، قال كلفن: “لم يُدعَ العهد الجديد بهذا الاسم، لأنه كان في تعارض مع العهد الأول. حاشا أن يكون الله، غير منسجم مع نفسه، أو ليس مثل نفسه. فالذي صنع مرَّةً عهدًا مع شعبه المختار، لم يغيِّر هدفه، وكأنه قد نسي أمانته”. وفي تعليقه على قول كاتب الرسالة إلى العبرانيين: “فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ذلِكَ الأَوَّلُ بِلاَ عَيْبٍ لَمَا طُلِبَ مَوْضِعٌ لِثَانٍ” (عبرانيين 8: 7)، كتب كلفن: “يؤكّد كاتب الرسالة إلى العبرانيين على عظمة العهد الذي صنعه الله معنا من خلال يسوع المسيح. وقد ثبَّته على هذا الأساس، لأنّ عهد الشريعة لم يكن دائمًا بلا عيب، لأنه لو كان بلا عيب، فلماذا يُستَبدَل بآخر؟”.

ميزات العهد الجديد

آمن كلفن أنّ العهد الجديد، يتضمّن ثلاث ميزات جوهرية:

  • الأولى، يسوع المسيح
  • الثانية، نعمة الروح القدس
  • الثالثة، الوضوح في التعليم

أولًا: يسوع المسيح

آمن جان كلفن، أنّ يسوع المسيح، هو أحد أهمّ ميزات وعناصر العهد الجديد. رأى أن المسيح، حلّ محلّ كل نظام الكهنوت والذبائح في العهد القديم. رأى أنّ تجسّد المسيح، أوقف استمرارية المرتبة الكهنوتية، لأنّ المسيح هو تحقيقها كونه الكاهن الأعلى. قال: “لا يمكن لمجرّد إنسان زائل، أن يحقّق المصالحة بين الله والإنسان. إن عدم كفاية الكهنوت الأرضي، يصبح أكثر وضوحًا، عندما نفكّر في فساد ذلك الكهنوت. إنّ الأكثرية الساحقة من الكهنة لم يصبحوا فقط فاسدي الأخلاق، لكنهم أيضا كانوا دنسين. إلاّ أنّ نقصات الكهنة البشريين، انتصر عليها المسيح الإله”.

في تفسيره لقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين “وَأَمَّا الْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ، فَبِالْمَسْكَنِ الأَعْظَمِ وَالأَكْمَلِ، غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ هذِهِ الْخَلِيقَةِ” (عبرانيين 9: 11)، شدَّد كلفن على سمو المسيح كالكاهن الأعلى أو رئيس الكهنة. قال: “لقد جلب رئيس الكهنة الأرضي بركات مؤقَّتة لم تضمن استمرارية الخدمة، لكن المسيح كالكاهن الأعلى، جلب بركات أبدية ضمنت له مركزه إلى الأبد. كان يدخل رئيس الكهنة الأرضي إلى قدس الأقداس في معبد أرضي مرّة في السنة، لكنّ المسيح دخل السماء من خلال معبد جسده مرة واحدة وإلى الأبد. كان يقدّم رئيس الكهنة الأرضي، دماء الذبائح الحيوانية التي كانت فعّالة لسنة واحدة، إذ كفّرت عن خطايا الشعب لسنة واحدة، لكنّ المسيح قدّم ذبيحة نفسه مرّة واحدة وإلى الأبد، وكان لها تأثير أبدي”. هتف كلفن قائلًا: “تنتمي المرتبة الكهنوتية إلى المسيح وحده، لأنه بذبيحة موته محى شعورنا بالذنب، وغفر خطايانا”.

اعتقد كلفن، أن طقوس وذبائح العهد القديم، كانت مجرّد نماذج وصور مؤقّتة لتقود الناس إلى المسيح. استنتج من قراءته للرسالة إلى العبرانيين، أنّ كلّ الذبائح، كانت موجّهة نحو هذه الغاية، والتي هي قيادة الناس إلى المسيح، الذي هو الخلاص الأبدي للنفس. قال كلفن: “لقد صنع الله عهدًا جديدًا، عندما حقَّق من خلال ابنه يسوع المسيح، كلَّ ما كان ظلالًا تحت الشريعة. وبتجسُّد المسيح، فإنّ كلّ تلك الطقوس التي تأسّست سابقًا حتى بالإيمان يتذوّق البعض طعم الخلاص، قد أصبحت بلا فائدة، ومنتهية الصلاحية”.

تمسّك كلفن بشريعة الوصايا العشر، لأنه وجد فيها القاعدة الكاملة للحياة، تساعد الإنسان المؤمن على طمأنة قلق ضميره. قال كلفن: “مع أنّ المسيحي غير ملزم بضميره أن يطيع الشريعة، كونه تحرّر بالإيمان منها، إلاّ أنه عندما يشعر بالقلق في ضميره، حول كيف يجب أن يحصل على رضى الله في تصرفاته وحياته، فإنه يجد الجواب في الشريعة، لأنها تساعده في طمأنة قلق ضميره”. اعتقد كلفن، أنه على الرغم من أن الإنسان المؤمن، يتبرّر بالإيمان وحده، وليس بالشريعة، إلاّ أن هذا لا يعني بأن الشريعة قد أزيلت بشكل كامل في المسيح، لكن يبقى للوصايا العشر، دورها في ضبط حياة الإنسان الاخلاقية. رأى أنّ هدف الوصايا العشر، حثّ الإنسان المسيحي على حياة الطهارة والقداسة والصلاح، عبر تذكيره بواجباته الروحية والأخلاقية أمام الله وأمام الآخرين. حافظ كلفن على التوازن بين الحريّة المسيحية والشريعة، لأنه كان مدركا تمامًا مدى الفساد الكامل الذي سبَّبته الخطية في حياة الإنسان. قال: “إنّ شريعة الوصايا العشر، التي تدعو إلى عدم القتل والسرقة، والكذب، وغيرها، إنما هي بالحقيقة شريعة، تحمي الحريّة المسيحية”

ثانيًا: نعمة الروح القدس

آمن كلفن أنّ ميزة العهد الجديد الثانية، ترتبط بتجديد الحياة بنعمة الروح القدس، وكتابة الشريعة على قلوب المؤمنين. قال: “لن يكون مجيء المسيح كافيًا، لو لم يضف إليه عنصر التجديد بالروح القدس؛ فالله يجدّد الإنسان المؤمن بروحه القدوس، لكي لا يكون الإيمان مجرّد عقيدة حرفية غير فعّالة تدخل الأذن، بل عقيدة حيّة مؤثّرة تخترق القلب وتشكّلنا لخدمة الله. حول العلاقة بين الشريعة والروح القدس، يقول كلفن: “الشريعة نفسها، هي الأداة التي توقظ الآذان والأعين، لكن تمرُّد الشعب على الشريعة، قادهم إلى الطرد من أرض الموعد ووضعهم تحت الأسر من قِبَل مملكة وثنية، لكن يهوه وعد أنه سيجعل شعبه يطيع شريعته، بطريقة فوق عادية، وسوف يليّن قلوبهم بطريقة تجعل شريعته تقود حياتهم وأفكارهم. وهذا هو عمل التجديد الذي يقوم به الروح القدس”. يسأل كلفن: “هل كان الروح القدس غائبًا عن العهد القديم؟ وهل الإسرائيليون القدامى، لم يختبروا خدمة الروح؟” يجيب على هذه الأسئلة، مقتبسًا قول كاتب الرسالة إلى العبرانيين: “وَلاَ يُعَلِّمُونَ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ قَائِلاً: اعْرِفِ الرَّبَّ، لأَنَّ الْجَمِيعَ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ” (عبرانيين 8: 11). يعلِّق قائلًا: “إنّ الفرق في عمل الروح القدس بين العهد الجديد، والعهد القديم، ليس في موضوع الوجود، وإنما في درجة الحضور”. قال: “عندما يعد الله النبي إرميا في نبوءته (إرميا 31: 31-34)، أنه سوف يكتب شريعته على قلوب الشعب في العهد الجديد، فإنه بذلك كان يقارن بين الأقلّ والأكثر. فتضمين الأمم والدخول الجماعي للأمميين في ملكوت المسيح، كان من خلال نفس الروح الذي غيّر الآباء، مما يجعل حضور الروح القدس في العهد القديم أقلّ، ويمنح عنصرًا جديدًا للعهد، بحضور الروح القدس بشكلٍ واسعٍ في العهد الجديد. فالآب وضع بشكل أكمل قوة روحه، تحت ملكوت المسيح، وأفاض بوفرة رحمته على البشر. لهذا، فإنّ هذا الفيض الذي شهدناه في العهد الجديد، هو بالمقارنة لما أعطي للآباء من نعمة في العهد القديم، هو قليل. إلاّ أنّ كلفن آمن، أنّ الآباء القدماء عبدوا الله بقلب صادق وضمير نقي، وسلكوا بموجب وصاياه. ولن يكون هذا الأمر متاحًا، لو لم يكونوا متعلّمين داخليًّا من الروح القدس”.

ثالثًا: الوضوح في التعليم

يستخدم كلفن استعارة الرسول بولس، حول برقع موسى في رسالته إلى كورنثوس، ليوصل نقطته حول الوضوح في التعليم. آمن كلفن، أنه في العهد الجديد، يتكلّم الله بانفتاح أكبر مع المؤمنين، ويكلِّمهم وجهًا لوجه من خلال يسوع المسيح، الذي هو تحقيق الشريعة، وذلك بخلاف تكلُّمه مع مؤمني العهد القديم من خلال الشريعة. في تعليقه على قول الرسول بولس: ” وَلَيْسَ كَمَا كَانَ مُوسَى يَضَعُ بُرْقُعًا عَلَى وَجْهِهِ لِكَيْ لاَ يَنْظُرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى نِهَايَةِ الزَّائِلِ. بَلْ أُغْلِظَتْ أَذْهَانُهُمْ، لأَنَّهُ حَتَّى الْيَوْمِ ذلِكَ الْبُرْقُعُ نَفْسُهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْعَهْدِ الْعَتِيقِ بَاق غَيْرُ مُنْكَشِفٍ، الَّذِي يُبْطَلُ فِي الْمَسِيحِ” (2كورنثوس 3: 13-14)، علّق كلفن قائلًا: “ترافق إعطاء الشريعة من قِبَل موسى، مع برقع غطى وجه النبي العظيم، لكي لا يهاجم الخوف قلوب الإسرائيليين. إلاّ أنّ نفس ذلك البرقع الذي أعاق الناس عن رؤية كلّ مجد الشريعة، كان بمثابة نبوءة عن عماء الإسرائيليين، عن مجيء المسيح مكمّل الشريعة. لقد أظهر الرسول بولس بتعليمه أنّ عماهم قد تصوّر سابقًا. لهذا لم يستطِع الإسرائيليون معاينة وجه موسى، إلا من خلال وسيلة البرقع، وقد توهَّجت الشريعة في ملامح وجه موسى، لأنّ شخص موسى يمثّل الشريعة”. يدافع كلفن عن أهمية الشريعة وجمالها، طالما أنها تظهر وهج نور المسيح. قائلًا: “إنّ هذا البرقع قد أزيل في المسيح، من خلال خدمة الروح القدس وحدها”. اعتقد كلفن أنّ الشريعة بحرفيَّتها تجلب الموت، لكن عندما يحيي المسيح الشريعة في فكر ونفس الإنسان، فإنه يجعله يفهم ويؤمن، وهكذا يصير قول النبي داود حقيقة لديه، بأنّ “نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ. شَهَادَاتُ الرَّبِّ صَادِقَةٌ تُصَيِّرُ الْجَاهِلَ حَكِيمًا” (مزمور 19: 7). آمن كلفن، أنّ جدّة العهد الجديد، تظهر بسيادة حكم الله في قلب الإنسان المؤمن، مما يجعله يحقّق شروط العهد، ويستلم ما يحمله له من بركات ومواعيد، كما يذكر سفر التثنية: “لِيَحْرِصُوا أَنْ يَعْمَلُوا بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هذِهِ التَّوْرَاةِ. لأَنَّهَا لَيْسَتْ أَمْرًا بَاطِلاً عَلَيْكُمْ، بَلْ هِيَ حَيَاتُكُمْ” (تثنية 32: 46-47). قال كلفن: “يربط الله نفسه بشعبه، شرط أن يحكمهم بروحه القدوس، ويكتب كلمته على قلوبهم. وهكذا، عندما يلمسهم بروحه، سيكون منعمًا معهم، ويتحمّل ضعفاتهم بغفرانه خطاياهم. وهكذا، إنّ شرط العهد يبقى نفسه، أي الطاعة للشريعة، لكنّ وعد العهد الجديد، هو أنّ الله نفسه، يكتب الشريعة على قلوب المؤمنين، ويجعلهم طائعين لوصاياه”.

رابعًا: ارتباط أسرار الكنيسة بالعهد

آمن كلفن أنّ المسيح أتى إلى عالمنا لكي يحقِّق وعود العهد. قال: “إنّ إنجيل رحمة الله في المسيح، هو في الجوهر نفسه في العهدين القديم والجديد، وحتى أسرار الكنيسة هي في جوهرها واحد. فالمعمودية التي تحدّث عنها المسيح في العهد الجديد، قد حدثت للشعب الإسرائيلي في العهد القديم. يذكر النصُّ: ” فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا أَنَّ آبَاءَنَا جَمِيعَهُمْ كَانُوا تَحْتَ السَّحَابَةِ، وَجَمِيعَهُمُ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ، وَجَمِيعَهُمُ اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ، وَجَمِيعَهُمْ أَكَلُوا طَعَامًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ” (1كورنثوس 10: 1-4). يعلِّق كلفن على هذا النص قائلًا: “إن بولس يجعل من الإسرائيليين مساوين لنا، ليس فقط في نعمة العهد، ولكن أيضًا في معاني الأسرار، أي المعمودية، وتناول الطعام والشراب الروحي الذي يرمز إلى العشاء الرباني”.

خلال مناقشته لموضوع معمودية الأطفال في الفصل الرابع عشر من كتابه “مبادئ الإيمان المسيحي”، يستخدم كلفن ثلاث وخمسين مرّةً، كلمات عهدية. اعتقد كلفن، أنّ الأسرار ترتبط حصريًّا بالعهد. مثلًا، رأى في شجرة الحياة في جنّة عدن، سرًّا بالنسبة لآدم، وفي قوس القزح سرًّا بالنسبة لنوح، وفي ممارسة الختان سرًّا بالنسبة لإبراهيم. رأى أنَّ السرَّ هو ختم، يختم عهد الله. فسَّر السرَّ، على أنه علامة تعطي المؤمن اليقين في تحقيق الله لوعوده العهدية. استخدم كلفن مصطلحات القديس يوحنا فم الذهب، المتعلِّقة بعلامات وأختام العهد الجديد. أطلق يوحنا فمّ الذهب على الأسرار، اسم “عهود يربط الله نفسه معنا، من خلالها. ونحن نتعهّد أن نكرّس نفوسنا لعيش حياة الطهارة والقداسة”. آمن كلفن أنه من خلال سرَّيِ الكنيسة: المعمودية والعشاء الرباني، فقد أقيم اتفاقٌ مُتبادَلٌ بيننا وبين الله. قال: “الأسرار هي علامات، تجعلنا متأكدين من صدق كلمة الله. ولأنّ الأسرار هي فقط علامات وأختام، فإنّ مهمّتها فقط إعلانية. لا تمنح الأسرار أي نعمة من تلقاء نفسها، لكنها تعلن وتثبّت تلك الأشياء التي أعطيت لنا بفضل الكرم الإلهي. لهذا، لنحرص لكي لا نرتبك ونعتبرها نعمة، ولا نتصرّف على أنها قنوات الخلاص”.

آمن كلفن أنه لكلٍّ من سرَّيِ المعمودية، وعشاء الرب مهمَّةٌ خاصة في الكنيسة. ربط السرَّيْن مع العهد القديم. رأى في سرّ المعمودية علامة الدخول في الكنيسة، والإدخال في مسيرة الإيمان. فإنه بالمعمودية، ينذر الإنسان المؤمن الولاء لشريعة الله، ويلتزم في طاعتها. قال: “إنّ ملخّص النذر، هو أننا ننكر الشيطان ونسلّم أنفسنا لخدمة الله، وطاعة وصاياه المقدّسة، ولا نتبع شهوات جسدنا الشريرة. وبهذا النذر، يشهد المؤمن أنّ الله خلّصه من عبودية الخطية. فإنه كما أنّ الله في العهد القديم قد غطى الشعب بغيمة وأعطاهم برودة لكي لا يضعفوا ويهزلوا تحت حرارة الشمس الشديدة التي لا ترحم. هكذا، فإننا في المعمودية، نقرّ أننا نغطَّى ونحتمي بدم المسيح”.

أيضًا وجد كلفن، أنّ عشاء الرب، لديه جذور عهدية. اعتقد أنّ عشاء الرب، حلّ محلّ وجبة الفصح. لم يقبل كلفن أن يشارك الجميع في عشاء الرب دون تمييز، ولكن فقط أولئك الذين كانوا قادرين على معرفة معناه الروحي، مستشهدا بقول كاتب سفر الخروج: ” وَيَكُونُ حِينَ يَقُولُ لَكُمْ أَوْلاَدُكُمْ: مَا هذِهِ الْخِدْمَةُ لَكُمْ؟ أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: هِيَ ذَبِيحَةُ فِصْحٍ لِلرَّبِّ الَّذِي عَبَرَ عَنْ بُيُوتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي مِصْرَ لَمَّا ضَرَبَ الْمِصْرِيِّينَ وَخَلَّصَ بُيُوتَنَا” (خروج 12: 26-27). آمن كلفن، أنّ الاشتراك في عشاء الرب، يشير إلى الرباط العهدي للإنسان المؤمن مع المسيح. هذا الرباط، هو الروح القدس نفسه، الذي يوحّد المؤمنين مع المسيح في الجسد والروح والنفس، ويغدق عليهم كل البركات وفوائد العهد. كما يشير إلى الرباط بين أعضاء جسد المسيح الواحد. قال كلفن: “يجب أن يكون عشاء الرب طعامًا مستمرًّا يغذّي المسيح عبره جماعة الإيمان. في كلّ مرة نشترك في علامة جسد المسيح، كعربون أعطي لنا واستلمناه، فإننا معًا نربط أنفسنا في كلّ واجبات المحبة، لكي لا يسمح لأحدٍ منا أن يقوم بشيء يؤذي أحدنا الآخر، أو نتغاضى عن شيء يمكن أن يساعد حيث تتطلّب الضرورة”.

قانونية أسفار الكتاب المقدس: The canon of the Bible

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب : ق. د. عاطف مهني المعصراني

معنى كلمة قانونية:

كلمة قانونية هي ترجمة للكلمة اليونانية κανων وهي كلمة تعني في الأصل عصا أو مسطرة وكان يقصد بها المسطرة أو القامة المدرجة التي كانت تستخدم لقياس المسافات الأفقية والرأسية. وبمرور الزمن أصبحت الكلمة تستخدم مجازيًّا للإشارة الي الأعمال الأدبية أو الفلسفية التي يمكن اعتبارها أعمالًا عظيمة أو أعمالًا قياسية في مجالهاstandard or normative) ) مثل كتابات أرسطو وأفلاطون في الفلسفة أو كتابات شكسبير في الأدب.

ربما هذا المعنى هو نفسه المستَخدَم والوارد في عدد من كتابات العهد الجديد، لا سيما في رسائل الرسول بولس، والتي فيها يتكلم الرسول بصور متعددة عن القانون أو المعيار الذي يقيس به عمله وحياته، وفيما يلي بعض الأمثلة:

  • “فكل الذين يسلكون بحسب الإنجيل حسب هذا القانون κανων عليهم سلام ورحمة”. أي أن الذين يسلكون بحسب الإنجيل باعتباره مقياس للحياة الجديدة، عليهم سلام ورحمة (غلاطية 6: 16).
  • “وَلكِنْ نَحْنُ لاَ نَفْتَخِرُ إِلَى مَا لاَ يُقَاسُ، بَلْ حَسَبَ قِيَاسِ الْقَانُونِ الَّذِي قَسَمَهُ لَنَا اللهُ، قِيَاسًا لِلْبُلُوغِ إِلَيْكُمْ أَيْضًا (2كورنثوس 13: 10).
  • “غيْر مُفْتَخِرِينَ إِلَى مَا لاَ يُقَاسُ فِي أَتْعَابِ آخَرِينَ، بَلْ رَاجِينَ إِذَا نَمَا إِيمَانُكُمْ أَنْ نَتَعَظَّمَ بَيْنَكُمْ حَسَبَ قَانُونِنَا بِزِيَادَةٍ، لِنُبَشِّرَ إِلَى مَا وَرَاءَكُمْ. لاَ لِنَفْتَخِرَ بِالأُمُورِ الْمُعَدَّةِ فِي قَانُونِ غَيْرِنَا” (2كورنثوس 13: 15-16).

ثم تطور المعنى لكلمة κανων بعد ذلك لتشير إلى قائمة بالأعمال الصحيحة المشهود لها بأنها قياسية. هذا يشبه مفهوم عصا القياس؛ حيث إنها ليست أي عصا، لكنها مسطرة تتميز بأن لها طول وتدريج خاص، هذا التدريج وما يحويه من كتابة جعلها تختلف عن باقي العصي لتصبح مسطرة قياس، لذلك فعندما نشير مثلًا إلى قائمة موراتوري (Muratori Canon) للأسفار القياسية، والتي تُعَدُّ الوثيقة الأقدم التي تتضمن معظم أسماء أسفار العهد الجديد المتَّفق على قانونيَّتها، فنحن حينئذٍ لا نتكلم عن أية ورقة أو وثيقة عادية، بل عن ورقة قياسية تحوي أسماء مجموعة من الكتب، هذه الكتب هي وحدها المشهود لها بأنها صحيحة وقياسية.

الخلاصة إذًا أن الكلمة اليونانية المترجمة بالعربية في فاندايك دائمًا بـ”قانون” والتي استخدمها آباء الكنيسة للإشارة لأسفار الكتاب المقدس التي آمنوا أنها الأسفار الموحى بها من الله، تعني حرفيًّا “عصا قياس مُدرَّجَة”، وتعني مجازيًّا مقياسًا دقيقًا أو معيارًا تُقيَّم به الأعمال، أو قاعدةً، أو مبدأً، أو قانونًا. وهي كلها معانٍ تشير إلى شيء كامل، وأن سلامة أي شيء غيره تتحدد بمدى تطابقها معه. لذلك فإننا في دستور كنيستنا نطلب من المتقدم للعضوية والمرتسم أن يتعهد بإيمانه أن الكتب المقدسة هي “القانون الوحيد المعصوم للإيمان والأعمال”، أي أن صحة معتقداتنا وسلامة سلوكنا وأعمالنا تتحدَّد بناء على مدى تطابقها مع كلمة الله وليس شيء آخر.     

أهمية القانونية وتزايد الحاجة إليها:

تنبع أهمية القانونية أولًا من إدراك شعب الله لأهمية كل كلمة تخرج من فم الله، فيقول موسى النبي للشعب عن شرائع الله: “لأَنَّهَا لَيْسَتْ أَمْرًا بَاطِلاً عَلَيْكُمْ، بَلْ هِيَ حَيَاتُكُمْ. وَبِهذَا الأَمْرِ تُطِيلُونَ الأَيَّامَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتُمْ عَابِرُونَ الأُرْدُنَّ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكُوهَا” (تثنية 32: 47). ويوصي الرب الشعب في القديم أن يحفظوا الكلمة ويعيشوا بها في كل أمور حياتهم: “اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ.  فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ. وَلْتَكُنْ هذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ، وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ، وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ، وَحِينَ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُ وَحِينَ تَقُومُ، وَارْبُطْهَا عَلاَمَةً عَلَى يَدِكَ، وَلْتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ، وَاكْتُبْهَا عَلَى قَوَائِمِ أَبْوَابِ بَيْتِكَ وَعَلَى أَبْوَابِكَ” (تثنية 6: 4-9). كما يصفها داود النبي في عديدٍ من مزاميره بأنها “ترد النفس” و”تصيِّر الجاهل حكيمًا”، وأنها “أحلى من العسل وقطر الشهاد…” (انظر مزموري 19؛ 119). كما قال الرب يسوع نفسه عنها أن “بها يحيا الإنسان” كما بالخبز بل وأفضل منه (لوقا 4: 4).

أيضًا تكمن أهمية تحديد قانونية الأسفار من إدراك قادة شعب الله إلى خطورة زحف تعاليم ووصايا الناس، مهما كانت جيدة، واختلاطها بأقوال الله ووصاياه. لذلك يقول الكتاب في أكثر من موضع “لاَ تَزِيدُوا عَلَى الْكَلاَمِ الَّذِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهِ وَلاَ تُنَقِّصُوا مِنْهُ، لِتَحْفَظُوا وَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكُمُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا” (تثنية 4: 2؛ متى 5: 17-20؛ رؤيا 22: 18).

لذلك فأهمية القانونية تكمن في الوصول إلى قائمة جامعة مانعة لما تؤمن الكنيسة وتعتقد أنه كلمة الله الموحى بها. ولا بد أن نذكر أن في التاريخ المبكر لم يكن الكتاب المقدس مُجمَّعًا ومطبوعًا في نسخة واحدة واضحة معتمدة كما هو الحال في أيامنا هذه، وربما لم يدرك الكثيرون من جماعة المؤمنين الأولين حقيقة الوحي بالصورة التي نفهمها نحن الآن. وبالطبع، فإن قبل أن تتبلور قانونية الأسفار، يمكننا أن نتصور كيف كان من الممكن أن يستخدم المؤمنون الكتابات الدينية المختلفة على أنها كتابات مقدسة.  

ويبدو من العهد القديم كيف نما عند الشعب اليهودي إدراكهم لما هي “الكتب المقدسة”، وحدث هذا النمو على مر الزمن وليس دفعة واحدة. ففي زمن عزرا ونحميا مثلًا يتضح أن أسفار الشريعة الموسوية فقط هي ما اعتبرت آنذاك “الكتب المقدسة”. أما في القرن الأول الميلادي فمن الواضح أن المعتقد لما يُعتبر كتبًا مقدسة ازداد اتساعًا، الأمر الذي يظهر جليًّا في كم الاقتباسات من، والإشارات إلى كتابات الأنبياء والمزامير، والكتب التاريخية، وليس كتب الشريعة فقط (رومية 1: 22؛ 1كورنثوس 15: 4؛ تيطس 3: 15).

ويؤيد التدرج في إدراك وإقرار القانونية أن أقدم محاولات جمع العهد الجديد مثلًا في مخطوط واحد لم تظهر إلا في القرن الرابع الميلادي كما هو الحال في المخطوط السينائية والمخطوطة الفاتيكانية.[1]

 

المعايير التي أقرَّت عليها قانونية أسفار العهد القديم:

رغم عدم وجود نصٍّ قديمٍ مكتوب يوضح هذا الأمر، إلا أن المعايير التالية يمكن استنتاجها بعد فحص وملاحظة الكيفية التي قُبِلَت بها كتاباتٌ دينيةٌ قديمةٌ وعومِلَتْ كأسفار مقدسة، صارت فيما بعد تشكل الأسفار القانونية للعهد القديم:

  1. القناعة بأن الكتاب/السفر موحى به من الله بناءً على ما يحمله ملامح نبوية أو رؤيوية تثب تحققها.
  2. أن يكون الكاتب مشهودًا له تاريخيًّا أنه كان نبيًّا أو يمثل قيادة كانت قريبة من الله وسارت في طرقه مثل موسى، يشوع، إشعياء، صموئيل… إلخ).
  3. أن يكون الكتاب قد استُخدِم من الآباء في التعليم أو العبادة، وأن يكون هناك قبول واسع من الجماعات اليهودية المختلفة مثل الكتبة والفريسيين.
  4. توافق السفر، لا سيما النبوي، مع أحداث تاريخية موثقة دون أن يكون السفر كتب بعد وقوع الأحداث ويدَّعي زورًا التنبؤ بها.
  5. توافق السفر فكريًّا ولاهوتيًّا مع أسفار أقدم في اعتبارها قانونية، مثل قبول الكتابات النبوية التي لا تتعارض مع أسفار الشريعة.

 

المعايير التي أُقِرَّت عليها قانونية أسفار العهد الجديد:

هذه المعايير لن تختلف كثيرًا عما ذكرناه أعلاه بشأن معايير قانونية أسفار العهد القديم ويمكن تلخيص هذه المعايير فيما يلي:

  1. التأكد من الكاتب صحة الكاتب (أي أنه ليس شخصًا منتحل الاسم) وكونه من رسل المسيح أو من تلاميذهم حتى يُطمَأنَّ أن التعليم المتضمن هو من شهود عيان عاصروا الرب يسوع أو عايشوا تلاميذه.
  2. ملاءمة مضمون السفر لروح المسيح الموثوق منها وعدم تناقض هذا المضمون مع أيٍّ من الكتب الأخرى الموحاة. ومن هنا نجد أن الكنيسة لم تنخدع بمجرد إسناد بعض الأسفار إلى بعض الأسماء من تلاميذ المسيح مثل إنجيل توما وإنجيل بطرس وإنجيل برنابا.
  3. شهادة آباء الكنيسة الأوائل لهذه الأسفار واعتمادهم عليها في التعليم واقتباسهم منها في كتاباتهم (سنعطي أمثلة لذلك فيما بعد).
  4. قبول المجامع الكنسية الأولى لهذه الأسفار.
  5. تأثير السفر على قارئه: وعلى الرغم من مجادلة البعض بعدم موضوعية هذا المعيار إلا أنه لا يمكن إهمالها تمامًا، فإن كان سفر مُوحًى به من الروح القدس لا بد أن يكون له تأثير خاص على قارئه أو مستمعه.

 

حصر للأسفار القانونية للعهد القديم:

نعلم أن أسفار العهد القديم التي تعترف الكنائس البروتستانتية بقانونيتها هي 39 سفرًا، وهي ذاتها الأسفار القانونية التي كانت عند اليهود، ولكن اليهود اعتبروا عدد الأسفار القانونية 24 سفرًا، بسبب ضمهم الأسفار التالية معًا باعتبار كلٍّ منها سفرًا واحدًا:

  • صموئيل الأول والثاني.
  • ملوك الأول والثاني.
  • أخبار أيام الأول والثاني.
  • عزرا ونحميا.
  • أسفار الأنبياء الصغار.

أما يوسيفوس فقد تضمنت قانونيته 22 سفرًا من حيث العدد، بسبب رغبته في مساواة عدد الأسفار مع عدد حروف الأبجدية العبرية، وقد تبنى يوسيفوس التقسيم السابق، ثم ضم سفر راعوث إلى القضاة واعتبرهما سفرًا واحدًا، كذلك ضم مراثي إرميا إلى إرميا.[2]

وقد قسم اليهود الأسفار إلى وحدات كثيرة من المهم معرفتها لأنها تختلف بعض الشيء عن تقسيمات المسيحيين للأسفار. فشملت أقسامهم التوراة وتتضمن أسفار موسى الخمسة؛ والأنبياء الأولين، ويقصد بهم يشوع – قضاة – صموئيل (الأول والثاني) – ملوك (الأول والثاني)؛ ثم الأنبياء المتأخرين وهم إشعياء – إرميا – حزقيال – الأنبياء الصغار الاثني عشر؛ وأخيرًا الكتوبيم (أي الكتب) وتشمل باقي أسفار العهد القديم التي نعرفها مثل عزرا – نحميا – أستير–أيوب – مزامير…. إلخ.

 

العهد القديم عند الكنيسة الكاثوليكية:

بالإضافة للأسفار القانونية الـ 39 المتعارف عليها من اليهود والمعترف بقانونيتها من الكنيسة البروتستانتية، يضم الكاثوليك عددًا من الكتب التي ظهرت خلال فترة ما بين العهدين مثل: طوبيا– يهوديت– حكمة سليمان– حكمة يشوع بن سيراخ– باروخ– المكابيين الأول– المكابيين الثاني– تتمة دانيآل– تتمة أستير.

أما القديس جيروم (ق. 4م) والمشهور بترجمته المعروفة بالفولجاتا للكتاب المقدس إلى اللغة اللاتينية،  فعلى الرغم من احتواء ترجمته على بعض أسفار القانونية الثانية، إلا أنه أكد قناعته فقط بقانونية الأسفار العبرية، أما الأسفار القانونية الثانية، والمُترجَمة من اليونانية السبعينية، فقد كان رأي جيروم بشأنها أنها كتابات يمكن قراءتها باعتبارها مفيدة للسلوك في الحياة اليومية، دون أن تُبنَى عليها عقيدة أو تعليم مسيحي، ولا تُعتَبَر أسفارًا قانونية. وهذا هو الرأي الذي تبناه المصلحان لوثر وكلفن فيما بعد.

 

تطور قانونية أسفار العهد القديم:

  • لا شك أن الإيمان اليهودي كان موجودًا بغير سجل مكتوب أي دون أي كتاب لأكثر من 400 سنة على الأقل، وهي الفترة ما بين إبراهيم وموسى.
  • يُعتَبَر موسى هو أول يهودي يسجل أحداث تعاملات الله مع شعبه، على الرغم من أن الكتابة كانت معروفة جيدًا أيام إبراهيم وفي منطقته (ما بين النهرين) حيث كانت الكتابة المسمارية للحضارة السومارية البابلية معروفة جيدًا.
  • كانت أسفار موسى الخمسة أول الكتب التي عُومِلَت ككتب مقدسة جاءت مباشرة من الله ونُسِبَت بكاملها في التقليد إلى موسى، ونعلم كيف كان الملوك الصالحون في مملكة يهوذا يعودون إلى الشريعة (أي كتب موسى). لذا فيعتقد العالم E. Rayle أن كتب موسى أصبحت قانونية (بصورة غير رسمية) منذ عام 430 ق. م.[3]
  • في عام 200 ق. م. هناك دلائل شبه مؤكدة أن أسفار الأنبياء صارت أيضًا تُعامَل ككتابات مقدسة جنبًا إلى جنب مع أسفار موسى حيث كانت تستخدم في التعليم في المجامع.[4]
  • ربما مع عام 100 ق.م. كانت أسفار الكتوبيم، بالإضافة إلى كتب موسى والأنبياء كلها معروفة (وهي جملة الأسفار المعروفة لنا اليوم) والمتعارف عليها ككتابات مقدسة.
  • اعتُقِد في فترة ما أن مجمع يامينا (Jamina) والذي عقد عام 90م، هو أول محاولة رسمية من اليهود قادت إلى تقنين الكتابات القانونية. لكن معظم الدراسات الحديثة تنفي ذلك، وترى أن ما حدث في يامينا عام 90م لم يكن مجمعًا مسكونيًّا، وأن الحوار في ذلك التجمع لم يتطرق لحسم قضية القانونية، ولكن كان هناك جدل كبير بين مدرستي شمعي وهليل بشأن مدى جواز اعتبار سفري نشيد الأنشاد وأخبار الأيام ضمن الأسفار المقدسة على قدم المساواة مع كتب موسى والأنبياء، الأمر الذي ربما فتح الباب فيما بعد لاعتبار عدد غير قليل من الكتوبيم أسفارًا قانونية مثل أسفار القضاة، راعوث، 1صموئيل، 2صموئيل، 1ملوك، 2ملوك…).[5]
  • أما أقدم قائمة لدينا لقانونية أسفار العهد القديم فهي تعود لسنة 170م وذلك في مخطوطة تعود إلى أسقف ساردس، المدعو ميليتو Melito of Sardis ويسجل التاريخ أنه قام برحلة إلى فلسطين لمعرفة الأسفار التي يعتبرها اليهود مقدسة وأقسامها وترتيبها.[6] وقد جاءت قائمة ميليتو متشابهة كثيرًا مع الـ 39 سفرًا التي نؤمن بها الآن، إلا أنه استبعد سفر أستير من قائمته، ولكنه لم يقبل الأسفار التي تعتبرها كنيستنا اليوم أبوكريفا، والتي تعتبرها الكنيسة الكاثوليكية قانونية ثانية.
  • واضح أن الكتب الـ 39 هي مختارة من بين قائمة أطول من الكتب الدينية التي كانت معروفة في زمانها والتي ذُكِر بعضها في متن العهد القديم نفسه مثل كتاب حروب الرب (عدد 21: 14)، سفر ياشر (يشوع 10: 13)، أعمال سليمان (1ملوك 11: 41)، أسفار أخبار صموئيل الرائي وأخبار ناثان النبي وأخبار جاد الرائي (1أخبار الأيام 29: 29)، سفر باروخ (إرميا 45: 1).
  • إذًا فالقائمة البروتستانتية للـ 39 كتابًا تتفق في المضمون مع الكتاب العبري، وتتفق في الترتيب مع الفولجاتا، والاحتمال الأكبر أنها هي ذاتها التي كانت تُستَخدَم في العبادة والتعليم أيام المسيح، ولكن لم تظهر قائمة موثقة بتلك الأسفار القانونية إلا في العصر المسيحي على يد الأسقف ميليتو كما ذكرنا.
  • لعل السبب في كون قانونية أسفار العهد القديم جاءت في تاريخٍ متأخِّرٍ يرجع إلى أن الزمن بين كتابات موسى والأسفار التي كتبت بعد السبي البابلي يزيد عن 1000 سنة، وخلال هذه الفترة لم يمتنع اليهود بالطبع عن العبادة وقراءة الكتابات المقدسة لكنهم لم ينشغلوا كثيرًا بمسألة القانونية.
  • أصبحت فكرة القانونية مهمة في فترة ما بين العهدين؛ إذ تعددت الكتابات الدينية من مجموعات دينية مختلفة مثل مجموعة وادي قمران وغيرها، فكان لا بد من محاولة التفريق بين ما يعتقد أنه نبوة أو وحي من الله، وبين كتابات دينية أخلاقية طيبة لكنها من تأليف البشر.

تطور قانونية أسفار العهد الجديد:

لعله من المفيد أن نقدم خلفية تاريخية سريعة عن أسفار العهد الجديد من حيث أسبقية كتابتها أولًا، ثم تطور الدراية بها والاقتباس منها حتى قبولها في القانونية:

  1. رسائل بولس:

يجمع علماء العهد الجديد الآن أن رسائل الرسول بولس هي أول مجموعة أسفار كتبت. فما بين عامي 49م، 58م كان عديد من رسائل بولس قد كُتِبَت بالفعل بل وصارت معروفة بين الكنائس مثل رسائل غلاطية، تسالونيكي الأولى والثانية، كورنثوس الأولى والثانية، ورسالة رومية. أما رسائل السجن (أفسس، فيلبي، كولوسي، فليمون)، والرسائل الرعوية (1، 2 تيموثاوس، تيطس) فيُرجَّح كتابتها فيما بين 61-68م. وواضح من 2بطرس 3: 15 معرفة الكنيسة بكتابات بولس، ودراية الرسل بها: “كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ، كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا”. كما يتَّضح أيضًا لنا من خارج الكتاب المقدس أن أغناطيوس الأنطاكي (107–117م) استشهد بمعظم رسائل الرسول بولس. أما بوليكاريوس، أسقف سميرنا (70-156م) فمن المؤكد أنه كان على دراية برسالتي فيلبي وتسالونيكي. أما القديس أكليمندس الروماني، أسقف روما، فقد كتب رسالة إلى كورنثوس سنة 95م أبدى معرفته بعديدٍ من رسائل بولس، من خلال إشاراته لها واقتباساته منها.

  1. الأناجيل:

هناك جدل كبير حول تاريخ كتابة الأناجيل وترتيب كتابتها، والرأي يتراوح عادة بين عام 50-90. وأن كان معظم العلماء الآن يقبلون تاريخًا ما بين آواخر الستينات (مع أولوية لإنجيل مرقس) وعام 90 ميلادية لإنجيل يوحنا. ومع إن الأناجيل كُتِبَت غالبًا بعد معظم رسائل بولس، إلا أنها قُبِلَت في القانونية من دون أي جدل، وهذا منطقي بسبب كون الأناجيل معنيَّة بحياة وأعمال وتعاليم السيد المسيح مركز إيماننا. وفيما يلي بعض الملاحظات حول تاريخ كتابة الأناجيل واستخدامها ككتب مقدسة حتى قبل إقرار قانونيتها.

  • لم يُشِر الرسول بولس في كتاباته إلى أيٍّ من الأناجيل المكتوبة ممَّا يؤكِّد صحة الاعتقاد بأنها لم تكن قد كُتِبَت بعد، لكن هناك العديد من المواضع في كتاباته تؤكد درايته بتعاليم المسيح، من التقليد الشفهي غالبًا (1كورنثوس 11: 23-25// متَّى 26: 26-29؛ لوقا 22: 17-20؛ 1تسالونيكي 5: 2-6// متَّى 24: 43؛ لوقا 12: 39).
  • يعتقد معظم العلماء الآن أن مرقس هو أول الأناجيل وعرفه واستخدمه لوقا ومتى.
  • البردية P52 تؤكد أن إنجيل يوحنا كان معروفًا في مصر قبل عام 150م.
  • انتشرت في مصر أناجيل الطفولة (وهي غنوصية وغير قانونية)، ويرجع أقدمها إلى القرن الثاني، ومن المؤكد أنها جميعًا كانت على دراية بالأربعة أناجيل القانونية، مما يوضح أن كل الأناجيل القانونية كانت معروفة في مصر ربما من أواخر القرن الأول الميلادي.
  • هيرابوليس (مات سنة 130) عرف إنجيل متى، مرقس، يوحنا. وان كانت شهادته تؤكد أن قانونية هذه الأسفار لم تكن تحددت؛ حيث إنه كان يفضل السؤال المباشر لأتباع المسيح عن التعامل مع الأسفار المكتوبة.
  • رسالة إكليمندس (حوالي سنة 140م) يقتبس فيها الكاتب من الأناجيل على أنها كتب مقدسة، فعندما يقتبس الكاتب من سفر إشعياء ثم يقتبس من متى يقول: “وكتاب مقدس آخر يقول: لم آتِ أدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة” (قارن: 2 أكليمندس 4 مع متى 9: 13).
  • يتضح من كتابات جاستن مارتير (استشهد 165م) أنه عرف الأناجيل الأربعة ويشير إليها باسم الذكريات.
  • مارسيون الهرطوقي (140م)، كان على درارية بالأناجيل كلها وعدد من رسائل بولس، وقد قبل إنجيل لوقا بالإضافة إلى 10 من رسائل بولس بعد أن حذف منها كل ما يتفق مع العهد القديم، لاعتقاده أن إله العهد القديم هو أقل من إله العهد الجديد (الآب).
  • قائمة موراتواي Muratori Canon/Lid تعود كما ذكرنا لسنة 175م وهي بالطبع ذات قيمة عظيمة لتاريخها المبكر، وقد اكتشفت في ق. 18 وهي مكتوبة باللغة اللاتينية ومُتَرجَمة عن اليونانية. لكن المخطوط المُترجَم ليس في حالة جيدة، وربما تكون قد كتبت لتقف ضد مارسيون الهرطوقي، وهي تقر بمعظم أسفار العهد الجديد المعروفة لنا الآن ما عدا: العبرانيين، ويعقوب، ورسالتي بطرس، ورسالة ليوحنا.[7]
  • أول قائمة كاملة تشمل الـ27 سفرًا صدرت سنة 367م من القديس أثناسيوس (من آباء كنيسة الإسكندرية ق. 4م) ويُعَدُّ أحد المدافعين العظماء عن الإيمان، وهي تُعتَبَر وثيقة فردية.
  • كان مجمع قرطاج (397م)[8] هو أول مجمع يُقِرُّ قانونية نفس الأسفار الـ27 التي شملتها قائمة القديس أثناسيوس. وشمل إقرار القائمة أمرًا للكنائس بألا يُقرَأ للتعليم من غير هذه الأسفار (مع أن الأمر في الأساس كان أكثر لكنائس قرطاج).

 

ومن هذا يمكننا ملاحظة التالي:

  1. هناك أسفار شهد لقانونيتها أولًا بلا جدال، وهي العشرون سفرًا التالية:
  • الأناجيل الأربعة 4
  • رسالة يوحنا الأولى 1
  • أعمال الرسل 1
  • رسالة بطرس الأولى 1
  • رسائل بولس 13
  • إجمالي (20) سفرًا
  1. هناك أسفار كان عليها جدل للأسباب التالية:
  • العبرانيين: ترددت الكنيسة الغربية في قبولها بسبب عدم معرفة كاتبها. لكنها قُبِلَت أخيرًا في مجمع قرطاج سنة 397م من سائر الآباء الغربيين والشرقيين بسبب مضمونها.
  • رسالة يعقوب: تردَّدت الكنيسة في قبولها لعدم التأكد من الكاتب، أي يعقوب؟ وربما ساهم التناقض الظاهري مع كتابات بولس في التبرير بالإيمان. وقد قُبلت رسالة يعقوب مع العبرانيين في آخر القرن الرابع ولكن لوثر كان يهاجمها.
  • رسالتا بطرس الثانية ويهوذا: ترددت الكنيسة في قبولهما نظرًا للتشابه الكبير بينهما لدرجة يصعب معها معرفة الأسبقية التاريخية بينهما، وتفسير سر هذا التشابه. ثم قُبلت الرسالتان في أواخر القرن الرابع أيضًا ولكن لوثر ظل معارضًا لهما![9]
  • رسالتا يوحنا الثانية والثالثة: كان التردد بسبب عدم اقتباس آباء الكنيسة منهما. لكن قُبِلتا فيما بعد وكان السبب إدراك أن عدم الاقتباس منهما قد يرجع إلى قصرهما.
  • سفر الرؤيا: ترددت فيه الكنيسة الشرقية خوفًا من أنه يناصر بدعةChilias (سابقو الألف سنة) والتي تبناها بعض آباء الكنيسة مثل ترتليانوس والتي اعتبرتها الكنيسة آنذاك بدعة، ثم قُبل السفر في القرن الثالث من كل الكنيسة بعد التغلب على هذه البدعة.

 

خلاصة قصة تطور القانونية من العهد القديم إلى العهد الجديد:

لا بد أن نتذكر أن أيام السيد المسيح ثم الرسل، كان الكتاب المقدس المعروف لشعب الله اليهودي، ثم الكنيسة الوليدة، هو العهد القديم فقط. فما الذي حدث حتى يُضاف 27 سفرًا اصطُلِح على تسميتها العهد الجديد، إلى الكلمة المقدسة؟ لا بد أن نتتبع التطور التاريخي الذي حدث ونرى المنطق وراء هذا التطور.       

  1. العهد القديم:

مثل سيدها، كان من الطبيعي أن تعتبر الكنيسة العهد القديم هو كتابها المقدس الموحى به من الله؛ حيث نرى الرب يسوع نفسه يستخدمه مرارًا عديدة، سواء في مواجهة تجارب الشيطان (لوقا 4: 3-13)، أو للإشارة إلى نفسه كالمسيا، ابن داود، وأيضًا في الاقتباس منه عند الدفاع عن أفعاله مثل الشفاء في السبت: “أني أريد رحمة لا ذبيحة” (متى 9: 13) أو في قصر الطلاق على علة الزنا: “أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما…” (متى 19: 4) أو في دفاعه عن بعض أفعال تلاميذه كالأكل بأيدٍ غير مغسولة: “حَسَنًا تَنَبَّأَ إِشَعْيَاءُ عَنْكُمْ أَنْتُمُ الْمُرَائِينَ! كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا” (مرقس 7: 5).

  1. التعليم الشفهي للمسيح:

بعد أن عرفت الكنيسة أن يسوع الناصري ليس مجرد أحد المعلمين البارعين ولا مجرد نبي، بل هو كلمة الله المتجسد وابن الله، كان لا بد أن تعامل تعاليمه بصورة مختلفة وأن توضع موازية للكتب المقدسة للعهد القديم بل حتى أسمى منها. وهنا نلاحظ أن حتى العهد القديم، بالنسبة للرسل وأتباعهم أصبح يُقرأ في ضوء الفهم الجديد لماهية المسيح، ولعمله وكذلك في ضوء تعاليم المسيح نفسه.

  1. تعاليم الرسل:

لعل الكنيسة لم تجد حاجة ملحة بعد صعود المسيح مباشرةً لتسجيل تعاليم المسيح، حيث كان التعليم الشفهي لتعاليم المسيح محفوظًا جيدًا وحيث كان تلاميذ المسيح، شهود العيان الذين عايشوه وسمعوا منه مباشرةً، لا يزالون على قيد الحياة. لكن فيما بعد أصبح من الواضح بل والضروري الحاجة لتدوين تعاليم المسيح حتى يمكن أن تغطي التوسع الجغرافي للمسيحية، وحتى يمكن أن تغطي احتياج الأجيال التالية، لا سيما بعد موت شهود العيان.

أصبح واضحًا أن الروح القدس الأزلي قد بدأ حقبةً جيدةً من عمله المتميِّز في الكنيسة من يوم الخمسين حيث تحققت النبوة “أني أسكب من روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى” وعليه فقد قبلت الكنيسة سلطانًا خاصًّا للرسل وكان من الواضح أن الكنيسة مؤسَّسة على المسيح حجر الزاوية، وأيضًا على تعليم الرسل الذين عايشوا المسيح وأعطوا بالروح القدس فهمًا لإرساء تطبيقات وقرارات مهمة مع بداية حياة الكنيسة وفي مواجهتها لعديدٍ من المشاكل والبدع (يوحنا 14: 26؛ 16: 13، 14؛ أفسس 2: 20).

إذًا فقد أصبح هناك 3 مصادر للسلطة والإعلان في حياة الكنيسة هي: العهد القديم، وتعاليم المسيح وتعاليم الرسل، إلا أن أعظمهم هو تعاليم المسيح، بمعنى أننا نفهم العهد القديم وتعاليم الرسل الآن في ضوء تعاليم المسيح. وهنا ظهرت الحاجة إلى قبول ما كُتِبَ عن حياة وتعاليم المسيح (الأناجيل)، ثم التعاليم العملية للرسل (باقي أسفار العهد الجديد).

 

ملحوظات ختامية:

  • إن دراستنا لقانونية الأسفار تذكِّرنا بأن كتابنا المقدس لم يكن إقرارًا لكتاب واحد منزل أو موحى به لنبي واحد. لذلك فلا عجب أن إقرار قانونية الأسفار كانت خطوات في تاريخ الكنيسة وليست حادثة واحدة تاريخية.
  • هنا رسل المسيح، كتاب العهد الجديد، يعادلون أنبياء العهد القديم (لاحظ السلطان الرسولي أفسس 2: 19-20؛ كولوسي 4: 18؛ 2بطرس 3: 15، 16(. لكن أنبياء العهد الجديد والمشار إليهم في سفر الأعمال وكتابات بولس، هم وعاظ ومعلمون، ومفسرون للكلمة المقدسة، بإرشاد الروح القدس وموهبة منه.
  • يمكننا التيقن مِنْ أنَّ مَنْ أشرفوا على إقرار القانونية كانت لديهم قناعة، أن ليس من حقهم إضافة أو حذف شيء من كلمة الله الموحى بها، وهذا يطمئن الكنيسة إلى صحة وصدق ما لديها (رؤيا 22: 18-19// تثنية 12: 32).

 

خلاصة:

إن تحديد الأسفار القانونية، التي يمكن أن تُستَخدَم في العبادة وتعليم شعب الرب، مرَّت خلال رحلة طويلةٍ تراكمية، شهدت عمل الروح القدس وإرشاده لقادة الكنيسة وآبائها الذين استخدموا فكرهم ودراستهم، وضميرهم، لاتخاذ قرارات مصيرية في التمييز بين ما هو موحى به من الله وما هو نتاج فكر البشر فقط. إن هذه العملية الصعبة، هي شهادة رائعة، مكملة لما حدث في الوحي، وما يجب أن يحدث في التفسير الصحيح للكلمة المقدسة، وكذلك في الوعظ والتعليم المؤثرين والمثمرين، من تضافر عمل الروح القدس مع وفي الإنسان. لقد كانت مسرة الله أن يعمل أعماله العظيمة من خلال الإنسان وبالإنسان، وإقرار القانونية هي أحد أعظم هذه الأمثلة.

[1] Codex Sinaiticus: هي واحدة من أهم أربع وثائق متكاملة لنص الكتاب المقدس، وهي مكتوبة على رقوق من جلد بأحرف كبيرة capital مفردة من دون مسافات ما بين الكلمات، وهذا النوع من الكتابة يُسمَّى uncials وهذه المخطوطة تتضمن العهدين القديم والجديد ويعود تاريخها إلى القرن الرابع الميلادي. أما Codex Vaticanus فهي ربما أقدم مخطوطة متكاملة باللغة اليونانية (تنقصها أجزاء من التكوين، والرسائل الرعوية، والعبرانيين، وسفر الرؤيا)، ويعتقد أن من جمعها هو يوسابيوس القيصري في أوائل القرن الرابع الميلادي.

[2] Josephus, Against Apion, 1,8 (38-41).

[3] 11 Herbert Edward Ryle, The Canon of the Old Testament (London: Macmillan and Co., 1892). p. 93.   

[4] Ibid., p. 113.

[5] Bruce, F. F. The Canon of the Scripture. Kjkkj: IVP, 1988, p. 34.

[6] See, The Evangelical Dictionary of Theology pp. 140 – 141

[7]  تنص قائمة موراتوري أن يوحنا كتب رسالتين دون تحديد أيهما، ويظن بعض العلماء أن الرسالة الأولى ليوحنا هي التي سقطت من إقرار قانونيتها، بينما يعتقد البعض أن الرسالة الثالثة هي التي لم يشهد بقانونيتها، كما يعتقد بعض العلماء أن رسائل يوحنا الثلاث ربما كانت مُتَضَمَّنة في الرسالتين المشهود لهما.

[8] قرطاج هي مدينة في تونس الحالية وكان بها أحد المراكز المسيحية المهمة، وهي المنطقة التي كان منها القديس العظيم أوغسطينوس.  

[9] فهيم عزيز، المدخل للعهد الجديد، ص 155.

قانونية العهد القديم

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: مجدي صديق

في اللاهوت المسيحي، تشير كلمة قانونية الكتاب المقدس إلى قائمة الكتب المقدسة التي تعمل كقاعدة أو معيار للإيمان والحياة المسيحية. وبحلول نهاية القرن الرابع الميلادي، اجتمعا عنصرا المفهوم المسيحي لـ”القانونية” معًا: القانونية كقاعدة أو معيار للإيمان والحياة المسيحية، والقانونية كقائمة الكتب المقدسة لدى المسيحيين. تتفق الطوائف المسيحية على القانونية الأساسية التي تشمل الـ٣٩ سفرًا إلا أن الكنائس التقليدية أضافت بعض الأسفار في مرحلة لاحقة والتي اعتبرتها قانونية ثانية.

يقول الدكتور كتناشو: “إن اختيارات جماعة الإيمان وتفسيرها المصاغة في صورة النص النهائية هي الإطار اللاهوتي لاكتشاف الله وإرادته لأي إنسان ينتمي إلي جماعة الإيمان”. وقد قبلت الكنيسة الإنجيلية ما يُسمَّى بالقانونية الصغرى والموجودة في ترجمة فاندايك إلا أن الكنائس التقليدية قبلت ما يعرف عندها بالقانونية الكبرى والتي تحتوي الأسفار القانونية الثانية أو ما يسميها الإنجيليون بأسفار الأبوكريفا”.

وقد أجمع علماء الدراسات الكتابية على أن كلمة “قانونية” مُشتَقَّة من كلمة يونانية تعني مسطرة للقياس أو عصا مستقيمة. ثم استُخدِم هذا التعبير للدلالة على قائمة الأسفار المقدسة أو الموحى بها سواء للعهد القديم أو العهد الجديد منذ أن استخدمها القديس أثناسيوس سنة 367م، كتعبيرٍ عن الأسفار التي تقبلها الكنيسة أسفارًا موحى بها. وبالتالي فالأسفار القانونية هي الأسفار التي قبلتها الكنيسة كأسفار موحى بها تمييزًا لها عن بعض الكتب التي كانت موجودة آنذاك والتي اعتبرها البعض كتبًا مقدسة، مثل التلمود وغيرها من الكتابات اليهودية أو كتابات آباء الكنيسة الأولين. وبالتالي عندما يقال بأن هذ السفر قانوني؛ يعني أنه من ضمن القائمة القانونية للأسفار المقدسة والموحى بها من الله. ويجب أن نذكر بأن ظهور المسيحية كان عاملًا مساعدًا في تحديد الأسفار القانونية اليهودية خوفًا من جذب المسيحية للكثير من اليهود وتحولهم إلى المسيحية. 

شكل القانونية في الوقت المعاصر

في التقليد اليهودي المعاصر، فالأسفار القانونية هي ما يُسمَّى بالتناخ، وهي اختصار للأقسام العبرية لما يسميه المسيحيون بالعهد القديم. وكلمة تناخ هي اختصار للحروف الأولى للتوراة والأنبياء والكتب. وقد ذكر هذا التعبير يشوع بن سيراخ وحفيده في القرن الثاني قبل الميلاد. أما بقية الترجمات للعهد القديم فهي تتبع الترجمة السبعينية والتي قسمت أسفار العهد القديم إلى تسعة وثلاثين سفرًا كما هو واضح في ترجمة فاندايك. عند الكنائس التقليدية أضافوا بعض الأسفار في مرحلة لاحقة وسُمِّيت بالأسفار القانونية الثانية ليس لأنها أقل ولكن لأنها أضيفت في مرحلة ثانية.

مراحل تطور القانونية للعهد القديم

يقول بعضٌ إن أسفار موسى الخمسة أو التوراة قُبِلَت على أنها أسفار قانونية أيام عزرا ونحميا. ثم حدث الانفصال بين اليهود والسامريين والذين اعترفوا بأسفار موسى الخمسة فقط دون بقية أسفار العهد القديم. ويقبل معظم الباحثين بأن أسفار الأنبياء قُبِلت أسفارًا قانونيةً ربما في القرن الثاني قبل الميلاد. أما الكتب وهي الجزء الثالث من القانونية العبرية فقد قُبِلَت ربما في القرن الأول قبل الميلاد أو القرن الأول المسيحي.

مع ظهور المسيحية واستخدام المسيحيين للتناخ (العهد القديم) تخوف يهود فلسطين وعقدوا مجمع جامنيا (حوالي سنة 90م هو مجمع غير معروف عنه كل التفاصيل) وقبلوا فقط أسفار تكوين إلى ملاخي ورفضوا أي كتابات أخرى من طوبيا إلى مكابيين.

قانونية العهد القديم مع ظهور المسيحية

  1. الترجمة السبعينية

تمت هذه الترجمة في الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد وهي ترجمة العهد القديم (التناخ) من اللغة العبرية إلى اللغة اليونانية حتى يتمكن يهود الشتات من قراءة العهد القديم. وقد شملت الترجمة اليونانية على أسفار الأبوكريفا. ويجب أن نعترف بأن معظم اقتباسات كتاب العهد الجديد من العهد القديم هي من الترجمة السبعينية. وتختلف الترجمة السبعينية عن النص العبري في أسماء بعض الأسفار وترتيب بعض الأسفار. ويجب أن نذكر بأن هناك اختلافات في بعض التراجم اليونانية. يقول هارنجتون إن الأدلة على أقدم المخطوطات الكاملة للسبعينية مختلطة بشكل مدهش. مخطوطة سيناء (4ج) تحتوي على طوبيا ويهوديت والمكابيين الأول والرابع والحكمة وسيراخ… الفاتيكان (4ج): لا تحتوي على المكابيين، الإسكندرية (5ج): مزامير سليمان. وهكذا تشير المخطوطات المسيحية المبكرة للكتاب المقدس اليوناني والأدلة الآبائية المبكرة إلى وجود بعض السيولة فيما يتعلق بوضع الكتب “الثانوية”.

  1. القرون الأولى المسيحية

في القرن الأول الميلادي استمر النقاش في الأوساط اليهودية بين الفريسيين والصدوقيين عن الأسفار المقدسة القانونية حتى وسط القرن الثاني الميلادي إلى أن وصلوا إلى قبول الأسفار تكوين – ملاخي. وفي أواخر القرن الثاني الميلادي قبل ميليتس، أسقف ساردس معظم الأسفار إلا أنه رفض سفر أستير. ثم جاء أوريجانوس في القرن الثالث وقبل القائمة اليهودية بعد ضم بعض الأسفار معًا مثل سفري صموئيل والملوك. وقبل أثناسيوس القانونية مضافًا لها بعض الأسفار الأخرى مثل طوبيا ويهوديت ويشوع بن سيراخ.

  1. جيروم والفولجاتا

ترجم جيروم العهد القديم من النص العبري في أواخر القرن الرابع الميلادي إلى اللغة اللاتينية التي كانت لغة الشعب البسيطة آنذاك. وفي البداية لم تشمل الفولجاتا أي أسفار غير قانونية إلا أن الكنيسة أضافت لاحقًا الأسفار غير القانونية. ويجب أن نذكر أن جيروم هو أول من أطلق على الكتب القانونية الثانية اسم الأبوكريفا؛ فقد اقتبس منها وأشاد بمحتواها الأخلاقي لكنه لم يعتبرها جزءًا من القانونية وجادل بأنها لا يجوز استخدامها لتأسيس العقيدة.

  1. آباء الكنيسة

استشهد عديدٌ من آباء الكنيسة -أوريجانوس (185-254)، وأثناسيوس (367)- بالأبوكريفا. في الغرب اللاتيني يبدو أن وضع هذه الكتب داخل قانونية الكتاب المقدس كان ثابتًا منذ ترتليان (أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث) فصاعدًا. كما قبلها أوغسطينوس (توفي عام 430) باعتبارها قانونيةً، مما يعكس ما أصبح الإجماع العام في الغرب وفي أجزاء كبيرة من الشرق. وظل هذا الوضع قائمًا حتى وقت الإصلاح. بشكل عام، تم قبول القانونية الأكبر. ولكن يبدو أنها لم تحدث فرقًا عقائديًّا. في الواقع، أصبح من المعتاد تضمين بعض الأعمال التي لا تعتبر قانونية على الإطلاق في الكتاب المقدس اللاتيني مثل صلاة منسى وعزرا 3-4.

  1. الإصلاح وما بعده

تبنَّى المصلحون مبدأ “سولا سكريبتورا” والتي تعني الكتاب المقدس وحده. وأثار المصلحون من جديد ما الذي يشكل الكتاب المقدس واستبعد لوثر أسفار الأبوكريفا من القانونية، إلا انه ترجَمَها واعتبرها مفيدةً. كذلك في قانون إيمان ويسمنستر استُبعِدَت الأبوكريفا تمامًا.

وكردِّ فعل لحركة الإصلاح، قامت الكنيسة الكاثوليكية في مجمع ترنت سنة 1546 باعتبار الترجمة اللاتينية “الفولجاتا” هي الكتاب المقدس للكنيسة الكاثوليكية المعصوم للإيمان والأعمال من دون أن ترفض الترجمة السبعينية أو النص العبري الأصلي للعهد القديم.

بعد الإصلاح بدأت في الظهور ترجمة تنديل سنة 1529 باللغة الإنجليزية للعهد القديم وهذه الترجمة مأخوذة من النص العبري للعهد القديم. ثم بعد ذلك توالت ترجمات الكتاب المقدس كله بعهديه القديم والجديد. وأخيرًا ظهرت الترجمة العربية التي بين أيدينا والمعروفة بترجمة فانديك- سميث- بطرس البستاني. ويجب أن نذكر بأن دار الكتاب المقدس توقَّفت تمامًا عن إصدار أسفار الأبوكريفا ضمن أسفار الكتاب المقدس من القرن التاسع عشر في كل الترجمات التي تصدرها دار الكتاب المقدس.

اتفقت كل الطوائف المسيحية على الأسفار القانونية الأساسية والتي تحتوي على العقائد الإيمانية الأساسية للإيمان المسيحي.

كيف نقرأ العهد القديم اليوم؟

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب : د. ق. يوسف سمير

في مقدمة كتابه “قراءة العهد القديم وفقًا للكنيسة الأولى”، يكتب رونالد إي هاينه (Ronald E. Heine) عبارات يجدر بنا التوقف أمامها ونحن بصدد التعامل مع موضوع هذه المقالة:

الكنيسة الإنجيلية في خطر أن يكون إيمانها منتَزَعًا من جذوره؛ لأن رسالتها عن المسيح منفصلة بشكل كبير عن جذورها في أسفار العهد القديم. وهذا نتيجة الإهمال أكثر من كونه نتيجة التعمد. أعتبر نفسي جزءًا من التقليد الإنجيلي الذي بدأ في القرن التاسع عشر مع حلم استرداد كنيسة العهد الجديد. وضع قادة هذا التراث تأكيدًا كبيرًا على أهمية العهد الجديد لكنهم أهملوا العهد القديم… كثير من الطوائف الإنجيلية وقعت في نفس الخطأ. وليس منهم كنيسة -بما فيهم كنيستي- تقدر أن تدعي أن العهد القديم غير موحى به أو أنه ليس جزءًا من الأسفار القانونية المسيحية. ومع ذلك فإننا نادرًا ما نفهم اليوم صلة العهد القديم الوثيقة بإنجيل الكنيسة عن يسوع المسيح، وقليلًا ما تعلَم الكنيسة عن هذا.[1]

تعبِّر الفقرة عن التحدي الذي يواجه الكنيسة في العصر الحالي بشأن علاقتها بالعهد القديم. فالواضح أن العهد القديم بأسفاره التسعة والثلاثين بما تحمله من ألوان أدبية وقضايا لاهوتية وخلفيات ثقافية مرتبطة بعصور سحيقة في القدم إنما لا يجد مساحة كافية اليوم ليخاطب إنسان القرن الحادي والعشرين بصورة ملائمة وبأسلوب مفهوم. فالعهد القديم في كثير من الدوائر الكنسية أصبح أقرب ما يكون من الكتابات المتغربة زمانًا ومكانًا عن السياق المعاصر، بل يصل البعض إلى سلبه من أهميته كوحيٍ إلهي والحط من شأنه كجزء من كلمة الله المعصومة للإيمان والأعمال. وكما تشير الفقرة، ينبغي الالتفات إلى أن مثل هذه التوجهات القاصرة بشأن العهد القديم إنما قد تكون نتيجة للصعوبة التي يواجهها الأفراد أو الكنيسة في التعامل مع نصوص العهد القديم بسبب التفافاتها اللغوية أو الصعوبات الفكرية التي تحتويها أو الغموض الذي يلف سياقاتها التاريخية والجغرافية والسياسية، والذي بدوره يجعل من الصعب التعاطي معها والوصول إلى معانيها المحددة التي تصلح لأن تكون أساسًا متينًا لبنية فكرية أو لاهوتية أو سلوكية أخلاقية تناسب العصر الحالي بكل تحدياته وتشابكاته.

يعبر يوحنا كتناشو عن هذه المعضلة في مجموعة من الأسئلة التي تترجم حيرة الإنسان في يومنا الحالي وهو يتعامل مع نصوص العهد القديم؛ إذ يراها غير قادرة على مخاطبته أو التأثير فيه: “هل أطيع النبي موسى كما أطاعه المحارب يشوع (تثنية 7: 1-2)؟… هل أتصرف مثل إبراهيم أو داود أو سليمان وأكون متزوجًا من عدد من النساء؟ هل أطيع قوانين الحلال والحرام في المأكل والملبس والمأوى وغير ذلك؟ هل أحصر القسم الأكبر من رسالة الله في العهد القديم في شعب بني إسرائيل؟ كيف يكتشف المسيحيون رسالة الله لهم في العهد القديم وكيف يطيعونها؟”.[2]

كما يكتب هنري سميث Henry Preserved Smith واصفًا المعضلة:

ما لم أكن مخطئًا، فإن المسيحي اليوم سوف يواجه صعوبة في أن يجد ما يستحثه روحيًّا في كل جزء من أجزاء العهد القديم. فبالتأكيد التفاصيل الطقسية في أسفار الشريعة، وقوائم الأنساب في سفر أخبار الأيام، والقصص الدموية في سفر يشوع لا تساهم في تدعيم حياتنا التقوية. كما أن أجزاء كبيرة من الأسفار النبوية غامضة ليس فقط على القارئ العادي، لكن أيضًا على الدارس المتخصص. وعلى الرغم من الأصالة التاريخية التي تحملها هذه النصوص، إلا أنه من الصراحة بمكان الإقرار بأنها لا تدعم بصورة مباشرة احتياجات المرء الروحية.[3]

أضف إلى ما سبق أن كثيرًا من الأصوات المعاصرة تحاول التقليل من قيمة العهد القديم مقارنةً بالعهد الجديد، وكأن مثل تلك المحاولة -في نظر تلك الفرق- تعلي من قيمة العهد الجديد وموثوقيته وجاذبيته. فعلى سبيل المثال نقرأ ما يقوله اللاهوتي أدولف هارناك: “أن يبقى العهد القديم في البروتستانتية حتى يومنا هذا وثيقة كنسية تعادل في قيمتها العهد الجديد، فهذا هو نتيجة إعاقة دينية وكنسية.”[4] أما هنا فولف فيستخدم عبارات أكثر حدة فيقول في معرض حديثه عن العهد القديم: “إن على الكنيسة أن تعيد العهد القديم إلى اليهود، لأننا نرفض أن نكون بعد اليوم يهودًا أفضل، فنحن مسيحيون بكل بساطة، علينا أن نكون نحن أنفسنا.”[5]

ولا يمكن في هذا المقام أن نغفل عن المحاولات المشابهة التي شهدتها الكنيسة في بداية نشأتها للتقليل من قيمة وفاعلية العهد القديم، بل ومحاولة تجنبه وإلغائه تمامًا من قانونية الأسفار المقدسة. ويبرز اسم ماركيون (أو مارسيون) كقائد لذلك التوجه في القرن الثاني الميلادي. فبسبب آرائه الغنوسية المنحرفة، رفض مارسيون العهد القديم بأكمله لأنه يعبر عن إله العهد القديم (الإله الخالق) الذي في رأيه يختلف عن إله العهد الجديد، الذي هو إله الرحمة والمحبة والغفران. وبالتالي “رفض مارسيون كل العهد القديم وأية أجزاء من العهد الجديد الحالي لم تتفق مع نظرته إلى إله يسوع الذي هو محبة. وهكذا قبل مارسيون من العهد الجديد فقط عشر رسائل مُنقحة للرسول بولس ونسخة مشوهة من إنجيل لوقا.”[6]  أمام هذه الصعوبات الحقيقية التي تقف حائلًا أمام استساغة الإنسان المعاصر -وخاصة جيل الشباب- لقراءة واستيعاب وتفهم رسالة العهد القديم، يُطرح السؤال البديهي: هل يمكن للعهد القديم أن يحمل معنى حقيقيًّا لعالمنا المعاصر؟ هل يمكن لنصوصه المختلفة أن تكون صدى للمعضلات التي تواجهها المجتمعات المختلفة في ظل نظام عالمي أقل ما يوصف به هو معاداته لكل ما هو إلهي وأخلاقي، وفي عديدٍ من السياقات، مسيحي؟ إن إعادة تقييم العهد القديم يتطلب منا البحث في إمكانية تكييف تعاليمه مع مفاهيم العصر الحديث. هل يمكن أن تقدم نصوصه حلولًا للتحديات الأخلاقية والاجتماعية التي نواجهها اليوم؟ وهل يمكن استخلاص دروس منه في سياق تغيراتنا الثقافية والتكنولوجية المستمرة؟ إن السؤال: كيف نقرأ العهد القديم اليوم؟ لا يتعلق فقط بتفسير معاني الكلمات أو الاستخلاص المباشر للتعاليم، بل يتطلب فهمًا معمقًا للسياقات التاريخية والدينية التي نشأ فيها النص، إضافة إلى تحديد العلاقة بين النصوص القديمة والواقع المعاصر من خلال أدوات النقد الأدبي والتاريخي.

التحديات التي تواجه قراءة وفهم العهد القديم اليوم

لا شك أن العهد القديم كواحد من أقدم النصوص المقدسة في العالم التي أثرت ومازالت تؤثر في رؤية البشر لله وطرائق تعامله معهم، وكذلك بأطروحاته اللاهوتية والأخلاقية التي يتفق أو يختلف معها الناس، فإنه يقابل يومًا بعد الآخر تحديات متزايدة في سبيل قراءته وفهمه واستنتاج ما يريد أن يقوله ليوجه به وجدان الإنسان في مسيرته الإيمانية. فالنصوص الموجودة في العهد القديم قد كتبت في سياقات تاريخية وثقافية ودينية تختلف تمامًا عن الواقع المعاصر، مما يجعل قراءتها وفهمها اليوم مسألة معقدة تتطلب تحليلًا نقديًّا عميقًا. فيما يلي رصد لبعض التحديات التي تلقي بظلالها على كيفية استقبالنا للعهد القديم واستجابتنا له وتجاوبنا معه:

  1. التحديات اللغوية

كُتبت أسفار العهد القديم باللغتين العبرية والأرامية، وهما لغتان قديمتان حلت محلهما اليوم العبرية المعاصرة والسريانية، وهي النسخة المعاصرة من الأرامية القديمة. ويمثل إغراق هاتين اللغتين في القدم تحديًا لا يُستهان به أمام الشخص الذي يسعى للوصول إلى فهم دقيق للنصوص الكتابية في العهد القديم. يكتب الدكتور رياض قسيس: “وللبعد الزمني انعكاساته العديدة على فهم العهد القديم. يختلف أسلوب الكتابة في تلك الأزمنة عن الأساليب المتبعة في أيامنا، فاللغة في تطور مستمر من ناحية التعبير والصياغة، فهناك العديد من المصطلحات التي كانت مألوفة ومتداولة في أزمنة كتابة العهد القديم لم تعد مألوفة ومستعملة في أيامنا.”[7] وعائق اللغة ليس بأمر جديد في تاريخ التفسير، فنحن نعلم أن كثيرًا من الترجمات التاريخية قد تمت في فترات متباينة بسبب استشعار الشعب الاحتياج الشديد إلى قالب لغوي مفهوم يقرب إليه المعاني والأفكار الموجودة في اللغات الأصلية. فالترجومات (الترجمات المختلفة من اللغة العبرية إلى لغات معاصرة) كانت واحدة من المحاولات الكثيرة لوضع العهد القديم في قالب مفهوم.

تشير إحدى المقالات التي تعالج الموضوع إلى هذه الحقيقة بالكلمات التالية: “والمعروف أن الضرورة هي التي دعت إلى ترجمة أسفار العهد القديم للغة الأرامية، وذلك بعد أن أصبحت هذه اللغة هي لسان الشعب اليهودي بعد السبي، حيث تقلصت اللغة العبرية التي كُتب بها الناموس لتكون لغة الكتاب المقدس وحسب. وكنتيجة حتمية لذلك أمست الحاجة ماسة في المجامع والمدارس إلى مترجم أو مفسر حينما تُقرأ الكتب المقدسة على الشعب.”[8]

وهكذا كان الحال مع الترجمة السبعينية للعهد القديم إلى اللغة اليونانية؛ حيث “إن الضرورة ذاتها اضطرت المتكلمين باليونانية أن يطلبوا ترجمة يونانية لأسفارهم المقدسة، حتى يفهموا ما كان يُتلى عليهم من القراءات في المجامع، والتي بدأت طبعًا بواسطة مترجم يوالي الترجمة آية فآية أو فصلًا فصلًا كما بدأت الترجومات.”[9] ولا يقتصر هذا الأمر على مجرد صعوبة الكلمات أو التراكيب اللغوية في لغات قديمة مثل العبرية أو الأرامية، لكنه يمتد إلى الأساليب الأدبية/ الفنية التي كُتبت بها أسفار العهد القديم مثل الشعر والنبوة والأدب الرؤيوي أو أدب الحكمة وهي جميعها تتسم بخصائص تحتاج إلى معرفة قد لا يصل إليها القارئ العادي الذي قد يستسهل الابتعاد عن مثل هذه النصوص الصعبة. يلخص جوردون في ودوجلاس ستيوارت طبيعة هذه المشكلة في الكلمات التالية:

ولكي يتمكن الدارس والقارئ من تفسير «آنذاك وهناك» في الكتاب المقدس تفسيرًا سليمًا، عليه لا أن يعرف بعض القواعد العامة التي تنطبق على كل كلمات الكتاب المقدس فقط، بل عليه أيضًا تعلم القواعد الخاصة التي تنطبق على كل نوع من أنواع النصوص الكتابية المختلفة. لأن الطريقة التي يوصل لها الله كلمته إلينا «الآن وهنا» تختلف بين نوع نص وآخر، فعلى سبيل المثال نحتاج أن نعرف كيف يكون المزمور الموجه إلى الله، هو أيضًا كلمة الله لنا. وكيف تختلف المزامير عن الشرائع التي غالبًا ما كانت موجهة إلى الناس في ظروف بيئية لم تعد سارية الآن. أيضًا كيف يمكن لهذه الشرائع أن تتحدث إلينا؟ ما مدى اختلافها عن الشرائع الأدبية التي تصلح لكل الأحوال وفي كل البيئات؟[10]

لمواجهة هذا التحدي الكبير والتقليل من آثاره التي تباعد بين الإنسان المعاصر ونصوص العهد القديمة، وفي سبيل توضيح المعنى الأقرب إلى النصوص الأصلية، تسعى الترجمات المختلفة إلى جميع اللغات للالتزام بمعيارين شديدي الأهمية لتحقيق ذلك الهدف.[11] المعيار الأول هو ما يطلق عليه المتخصصون “المعادل الشكلي”، وهو معيار يولي اهتمامه الأساسي باللغة الأصلية التي يتم الترجمة منها إذ يسعى إلى الحفاظ بقدر الإمكان على الخصائص والقواعد اللغوية للغة الأصلية. ويمكن أن يؤدي هذا الالتزام في بعض الأحيان إلى ترجمة تبدو متكلّفة وخالية من المرونة. أما المعيار الثاني فهو “المعادل الديناميكي”، وهو المختص باللغة التي يتم الترجمة إليها. والهدف من هذا المعيار هو إنتاج ترجمة تبدو طبيعية ومستساغة بقدر الإمكان من جانب المتلقي سامعًا كان أو قارئًا. ولهذا المعيار مخاطره كذلك إذ أن الجهد المبذول لتقديم ترجمة سهلة إلى أقصى حد يمكن أن ينتهي إلى تشويه المعنى الذي يحمله النص الأصلي.

وعندما نقترب من الترجمة الأساسية للكتاب المقدس في اللغة العربية، وهي ترجمة البستاني- فاندايك نرى أنها على قدر كبير من الدقة والاحترافية في الترجمة. بيد أنها -وعلى الرغم من الجوانب الممتازة التي تتضمَّنها- إلا أنها، وبسبب قِدَمِها النسبي -إذ أنها تعود إلى حوالي منتصف القرن التاسع عشر- تحتوي على بعض المآخذ التي يجب الالتفات إليها. المأخذ الأول هو غموض بعض الكلمات والمصطلحات فيها. فبعض الكلمات العربية التي تحتويها هذه الترجمة أصبحت قديمة وغير متداولة، وبالتالي غير مستساغة لإنسان القرن الحادي والعشرين. على سبيل المثال في ميخا 7: 3 نجد كلمة (يعكِّشونها): “اَلْيَدَانِ إِلَى الشَّرِّ مُجْتَهِدَتَانِ. الرَّئِيسُ وَالْقَاضِي طَالِبٌ بِالْهَدِيَّةِ وَالْكَبِيرُ مُتَكَلِّمٌ بِهَوَى نَفْسِهِ فَيُعَكِّشُونَهَا.” والكلمة، كما هو واضح، غير دارجة أو مُستَخدَمة في لغة اليوم. وهي في معجم الوسيط تشير إلى نسج العنكبوت لمصيدته للإيقاع بفرائسه، وهو المعنى الذي يحمله النص[12] لكن الترجمة تستخدم كلمة عربية غير متداولة وبالتالي يغمض المعنى بالنسبة للقارئ. نموذج آخر نجده في أمثال 29: 21: “مَنْ فَنَّقَ عَبْدَهُ مِنْ حَدَاثَتِهِ فَفِي آخِرَتِهِ يَصِيرُ مَنُونًا.” والآية تحمل كلمتين غامضتين: (فَنَّق) و(منونًا) والاثنتان ليستا متداوَلَتَيْن في العربية المعاصرة. وكلمة “فنق” في المعجم الوسيط تعني “نَعَّمَ” شخصًا أو “دلَّله” إلى حد الإفساد؛ أما كلمة “منون” فهي في معجم اللغة العربية المعاصرة تأتي من الفعل “منا” أو “اختبر” أو “ابتلى” والمقصود أن العبد الذي تم تدليله في الصغر يصير عندما يكبر ابتلاءً وسبب ضيق بالنسبة لسيده. ترد الآية بأكثر وضوحٍ في الترجمة العربية المُشتَرَكة: “مَنْ دَلَّلَ عبدَهُ في صِغَرِهِ ا‏بْتُليَ بهِ في كِبَرِهِ”، وفي الترجمة اليسوعية: “مَن دَلَّلَ عَبدَه مُنذُ صِباه، وَجَدَه في آخِرِ الأَمرِ عاصِيًا”، وفي الترجمة العربية المبسطة: “إذَا دَلَّلَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ سَيُصبِحُ عَنِيدًا عِنْدَمَا يَكْبُرُ.”

  1. التحديات التفسيرية

لا يتوقف الأمر عند الترجمة فقط، بل يتعلق أيضًا بتفسير النصوص الكتابية بصورة تعبِّر عن المعاني التي أراد كتبة الأسفار توصيلها للقارئ أو المستمع الأول. فتفسير أسفار العهد القديم هو عملية معقَّدة تتطلب مزيجًا من المهارات اللغوية، التاريخية، الثقافية والدينية. على الرغم من التحديات الكبيرة التي تواجه المفسرين، فإن التفسير الجيد لهذه النصوص يمكن أن يقدم فهمًا أعمق للإيمان والروحانية وللتاريخ البشري. ربما يكون التحدي الأكبر الذي يواجهه قارئ العهد القديم هو كيفية التفريق بين النصوص التي ينبغي التعامل معها رمزيًّا وفهمها من خلال التفسير الرمزي، وتلك التي ينطبق عليها التفسير الحرفي/ التاريخي، وتلك التي ينطبق عليها التفسير الأخلاقي. يسري الأمر على جميع أنوع النصوص وخاصة النصوص الشعرية والنبوية والتشريعية.

على سبيل المثال هنالك صعوبةٌ في تفسير النبوات المختلفة وأسلوب تحقيقها التاريخيّ. فالنبوة الكتابية بصورة عامة، باستثناء نبوات قليلة، لها أكثر من تحقيق في أكثر من عصر وبأكثر من صورة. نموذج لهذه الصعوبات التفسيرية نجده في نص نبوي شهير يستخدمه كثيرون بصورة غير صحيحة؛ حيث يقصرون تفسيره على الواقع المعاصر وكأنه لم يجد أي تحقيق له في عصور سابقة. هذه الآية ترد في إشعياء 19: 23-25 “فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَكُونُ سِكَّةٌ مِنْ مِصْرَ إِلَى أَشُّورَ فَيَجِيءُ الأَشُّورِيُّونَ إِلَى مِصْرَ وَالْمِصْرِيُّونَ إِلَى أَشُّورَ وَيَعْبُدُ الْمِصْرِيُّونَ مَعَ الأَشُّورِيِّينَ. فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ إِسْرَائِيلُ ثُلْثًا لِمِصْرَ وَلأَشُّورَ بَرَكَةً فِي الأَرْضِ بِهَا يُبَارِكُ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلًا: مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ وَعَمَلُ يَدَيَّ أَشُّورُ وَمِيرَاثِي إِسْرَائِيلُ.” الحديث في هذه الأعداد يدور حول العلاقات الطيبة التي سوف تربط بين الدول الثلاث؛ مصر وأشور وإسرائيل، وهو ما تحقق بالفعل في تلك الحقبة التاريخية؛[13] حيث نمت العلاقات المشتركة بينها حتى إنه عُرف في الفترة بين الإسكندر والمسيح أن اليهود ثلاثة أقسام: الأول يعيش في اليهودية، والثاني في أشور، والثالث في مصر. لكن من الواضح أنه كانت هنالك تحقيقات تاريخية أبعد لهذه النبوة في إطار العمل الإلهي وفي سياق الكنيسة المسيحية:

  • فالمخلِّص الذي يأتي إلى مصر كان المسيح الطفل الذي لاذت عائلته بالفرار من بطش هيرودس الكبير لـتأتي في رحلة طويلة إلى مصر استغرقت قرابة العامين وزارت خلالها كثيرًا من المدن المصرية شمالًا وجنوبًا.
  • والمدن التي تتكلم لغة كنعان تشير إلى وصول الإنجيل وانتشاره في ربوع مصر. فسفر الأعمال يخبرنا أن عددًا من المصريين كان متواجدًا في يوم الخمسين في أورشليم وشاهدوا وسمعوا ما حدث (أعمال الرسل 2: 7-11)، كما أننا نقرأ عن أبلوس الإسكندري الجنس الذي كان خبيرًا في طريق الرب (أعمال الرسل 18: 24- 28).
  • يرتبط بذلك أن الفكر المسيحي قد انتشر بقوة بين المصريين في القرون الميلادية الأولى، وربما واحد من دلائل ذلك هو وجود مدرسة الإسكندرية اللاهوتية التي يعتبرها كثيرون المعقل الأكبر للفكر المسيحي والدفاع عنه خلال القرون الميلادية الأولى وقد أفرزت هذه المدرسة كثيرًا من أبطال الإيمان مثل القديس أثناسيوس أكبر المدافعين عن الإيمان ضد هرطقة أريوس.
  • أما العلاقات بين مصر وإسرائيل وأشور فهي لا شك تشير من الوجهة النبوية -الكتابية- الروحية إلى عالمية الإنجيل، بمعنى انفتاح باب الخلاص من خلال موت المسيح وقيامته أمام جميع البشر يهودًا وأممًا. ولعلنا هنا نستطيع أن نصل إلى فهم أفضل لعبارة “مبارك شعبي مصر” عندما نضعها في السياق الذي قيلت فيه: “مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ وَعَمَلُ يَدَيَّ أَشُّورُ وَمِيرَاثِي إِسْرَائِيلُ.” فالمعنى هنا أن كل العالم، المتمثل آنذاك في تلك الكيانات الدولية العظمى، قد أصبح يتمتع ببركات الإنجيل؛ فالرب يقول عن مصر “شعبي” وعن أشور “عمل يدي” وهي عبارات لم تكن تطلق سوى على شعب إسرائيل. وهكذا يخطئ قارئ هذا النص كثيرًا عندما يقصر تحقيق مثل هذه النبوة على تمنيه أن يبارك الرب بلادنا مصر اليوم، وكأن هذا التحقيق الأوحد الذي ما زلنا ننتظره لهذه النبوة متغاضين عن عصور من البركة شهدتها بلادنا في القديم.

نموذج آخر على صعوبة تفسير نصوص العهد القديم نراه في الوصايا العشر مثلًا. يُعَد تفسير الوصايا العشر مُعقَّدًا لأن بعض الوصايا تتعلق بممارساتٍ ثقافيةٍ ودينيةٍ قد لا تكون مفهومة في سياقنا المعاصر. هناك جدل حول ما إذا كانت هذه الوصايا يجب أن تُفهم حرفيًّا في العصر الحالي، أم أنها كانت جزءًا من تشريع ديني خاص بشعب إسرائيل في تلك الفترة. فوصية مثل: “لا تقتل” من العسير فهمها في سياق تاريخ إسرائيل الذي لم يخلُ من حروب وعنف واضح، وبالتالي يجب فهمها في إطار تفسيري وتطبيقي أوسع من سياق معين ومجتمع بعينه. وهذا جزء من صعوبة حقيقية يجابهها الدارس في تعامله مع نصوص العهد القديم.

  1. تحديات أخلاقية

لا يخفى على أي دارس للعهد القديم أنه يحتوي على إشكالية ضخمة في بعض النصوص التي تتضمن أمورًا تبدو في ظاهرها متناقضةً مع طبيعة الله كما يعلن عنها الكتاب المقدس بصورة عامة.[14] يندرج تحت هذا الأمر نصوص تدعو لاستخدام العنف في الحرب ضد الأمم الأخرى، وخاصة الأمم الكنعانية، وكذلك بعض النصوص التي يصلي فيها بعض من رجال الله طالبين أن يُنزل الله بعقابه الشديد على أعدائهم. كما أن هنالك نصوصًا تُظهر الله كإله يندم على ما يصنع أو بما أقدم على صنعه (تكوين 6: 6؛ 1صموئيل 15: 11؛ يونان 3: 10؛ مزمور 106: 11-45… إلخ)، ونصوص غيرها ترسم لنا إلهًا انتقائيًّا يحب بعضًا ويكره آخرين (ملاخي 1: 2-3) ويقسي قلب فرعون حتى يستمر في ظلمه وشره (خروج 4-14)، ومجموعة ثالثة من النصوص يبدو فيها الله -الذي هو الإله الحق- وكأنه يخدع البشر بأن يضع رسائل مضلِّلة على لسان الأنبياء (إرميا 4: 10؛ حزقيال 14: 9). ولا شك أن مضامين كهذه تمثل عثرةً في فهم القارئ لأسفار العهد القديم كوحي إلهي ومصالحتها مع اللاهوت الكتابي بصورة عامة. ولأن المجال لا يسمح لمعالجة كل تلك القضايا الشائكة فإنني أكتفي بالإشارة إلى الاتجاه الذي يرى أنه “لا يمكن فهمها بصورة حرفية نتعامل فيها مع تلك النصوص القديمة بنفس المفاهيم والرؤية التي نتعامل بها مع اللغات العصرية… فمفاهيم اللغة -كلمات وأفعالًا- يتغير استخدامها مع تغير العصور والأزمنة، وبالتالي ينبغي دراستها في ضوء العصر الذي استخدمت فيه الكلمة أو الفعل المعيَّن.”[15]

 هل من طريق وطريقة لفهم العهد القديم اليوم؟

ليس معنى وجود التحديات التي سبقت الإشارة إليها أن ينزع المسيحيون -كما هو حادث بالفعل- إلى الابتعاد عن العهد القديم والاكتفاء منه ببعض النصوص القريبة إلى القلب والفهم مثل سفر المزامير أو بعض الأجزاء من الأنبياء؛ فالعهد القديم هو بلا شك جزء لا يتجزأ من إيمان الكنيسة المسيحية في كل العصور، وفهمه ودراسته والالتزام بتعاليمه إنما مطلب من مطالب الروحانية الفردية والجماعية كما نراها في كل عصور الكنيسة. وهكذا نحن مُطالَبون بأن نبحث عن سبل تفتح أمامنا آفاقًا جديدة لفهم العهد القديم بصورة تخاطب عصرنا. إن فهم العهد القديم اليوم يتطلَّب مقاربةً متعدِّدة الأبعاد تأخذ في اعتبارها التغيرات الثقافية، الفلسفية، والعلمية التي حدثت منذ كتابة هذه الأسفار. ولتحقيق ذلك، يمكن استخدام مجموعة من الأساليب المختلفة التي تساعد على ربط النصوص القديمة مع التحديات والاحتياجات المعاصرة.

  1. القراءة الموضوعية

المقصود بالقراءة الموضوعية هي تلك القراءة ومحاولة الفهم التي تنحِّي جانبًا كل العوامل الشخصية التي تؤثر على الوصول للمعنى الأصيل الذي أراد الكاتب أن يعلنه للقارئ أو السامع الأول بوحي الروح القدس. والعوامل الشخصية يمكن أن تكون عوامل لغوية مثل عدم الإلمام بلغات الكتاب المقدس الأصلية وقواعدها التي ربما تكون مختلفة عن النسخة المعاصرة لهذه اللغة. فقواعد اللغتين العبرية واليونانية القديمتين ومفرداتهما ربما تكون قد اندثر كثيرٌ منها اليوم، وبالتالي لا يمكن التعامل مع نصوص العهد القديم بقواعد ومفردات اللغة العبرية الحديثة التي طرأ عليها الكثير من التحديث والتطوير على مدى الزمن.

وعلى نفس المنوال لا يجب أبدًا النظر إلى نصوص من العهد القديم بنظرة ومعطيات إنسان القرن الحادي والعشرين. ففي عصر يشوع والأمم الكنعانية لم تكن مواثيق حقوق الإنسان قد أبرمت، ولم تكن القواعد التي تحكم الحروب الحديثة اليوم قد ظهرت، وبالتالي لا يمكن بأي حال من الأحوال الحكم على أخلاقية ممارسة ما بصورة منفصلة عن المعطيات التي كانت تحكم ذلك العصر وليست تلك التي تحكم عصرنا الحالي. يقول عيسى دياب في عبارة تلخص هذا الاتجاه: “لا يجوز أن نفهم نصًّا كُتب منذ ثلاثة آلاف سنة في سياق حضارة القرن الواحد والعشرين والمفاهيم الدينية والأخلاقية السائدة فيه.”[16] من جهة أخرى على قارئ العهد القديم أن يكون حياديًّا عند تفسير الرموز والأمثال. ففي أحيانٍ كثيرة تؤثر القناعات اللاهوتية والعقائدية والكتابية الشخصية على رؤية المرء للرموز والإشارات الواردة في الأسفار المختلفة. والتحدي هنا هو محاولة فهم الرسائل العميقة دون فرض تأويلات شخصية أو ثقافية حديثة.

أما البعد الأكثر إشكالية في هذه النقطة فهي أنه في أكثر الأحيان يميل القارئ إلى قراءة أفكار شخصية ليست موجودة أصلًا في النص. فهو ببساطة يقرأ في النص أفكاره الشخصية من خلال نظارته الفكرية ولا يقرأ ما يقوله النص بالفعل. فهو يأتي إلى النص محمَّلًا بسنوات من العظات والتأملات والترانيم التي تعرض لها فيما يختص بهذا النص. ومن دون أن يُعمل نقده ومراجعته الشخصية لهذه الموروثات فهو يقبلها على علاتها ليسقطها بالتالي على فهمه للنص.[17] يشرح جوردون في ودوجلاس ستيوارت هذه النقطة بقولهما: “… علينا ملاحظة أن تعلم التفسير الاستنتاجي ليس المهمة «الوحيدة» إنه بكل بساطة المهمة الأولى؛ لأن المشكلة الأولى في التفسير الاستنتاجي «الانتقائي» هي في أن القارئ أو الدارس كثيرًا ما يرى في النص الذي يقرأه أفكاره الشخصية التي لا وجود لها بالفعل، وبالتالي يجعل من كلمة الله أمرًا يختلف عما تقوله في الواقع… إن استعمال النص الكتابي بحيث يعني شيئًا لم يقصد الله قوله هو في الواقع سوء استعمال للنص.”[18]

  1. القراءة الواعية

القراءة الواعية هي تلك القراءة التي تضع في الاعتبار دائمًا نوعية السفر الذي يُقرَأ أو يُدرَس أو يُفسَّر من حيث نوعيَّته وخصائصه الأدبية التي قد تختلف عن غيره من النصوص. إن أسفار العهد القديم تندرج تحت أكثر من فن أدبي مثل القصة (السردية) والشعر والنبوة والرؤيا والحكمة وغيرها من الأنواع الأدبية. ومن الأهمية بمكان أن يفطن القارئ لنوعية الفن الأدبي الذي يتعامل معه عند قراءة سفر معين لأن المعنى الذي يريد أن يقوله الوحي لا يمكن فهمه بمعزل عن القالب الأدبي الذي جاء فيه هذا الوحي. في دراسة خاصة بمبادئ التفسير الكتابي[19] يشير العالم الكتابي لويس بركهوف إلى أكثر من مستوى من مستويات التمييز الواعي ينبغي أن يتوفروا في كل قارئ للنصوص المقدسة:

  • التمييز بين العهدين القديم والجديد من حيث المحتوى. فالعهد القديم يحوي الوعود والعهد الجديد يحوي تحقيقها. العهد القديم يشير إلى مجيء المسيح ويقود إليه والعهد الجديد يتخذ من يسوع نقطة انطلاقه. وكذلك التمييز بينهما من حيث الشكل. فالعهد القديم نبوي أما العهد الجديد فرسولي. كما أن العنصر الرمزي الذي ينتشر في العهد القديم يقل جدًّا في العهد الجديد.
  • التمييز بين الأسفار الكتابية المختلفة؛ إذ إن كل كاتب من كتبة الوحي وضع طابعًا خاصًّا للسفر الذي يحمل اسمه. فكل كاتب من كتبة الأسفار قدَّم الأفكار التي أوحى بها الروح القدس في صورة متميزة عن غيره من الكُتَّاب. فهنالك اختلاف في المفردات والأسلوب والسياقات التاريخية بين كاتب وآخر، كما أن كل واحد منهم يقدم الحق من وجهة نظر مختلفة عن غيره. بمعنى أن كل سرٍّ كتابي له طابعه الخاص الذي يميزه.
  • التمييز بين الأشكال المختلفة للإعلان الإلهي المكتوب. فالله استخدم القصص السردية التاريخية كأهم شكل من الأشكال الأدبية التي تقدم عرضًا لقصة الله الفدائية مع شعبه. وكذلك أعلن الله عن إرادته من خلال استخدام ما نسميه بالأدب التشريعي، مثل أسفار الشريعة وأسفار الحكمة. وهنالك أدب النبوة الذي نرى من خلاله تفسيرًا لطرق الله في الماضي وإعلانًا لمشيئته في الحاضر واستنارة بشأن تدخلاته المستقبلية لتعزية وتشجيع شعبه. وأخيرًا أعلن الله عن نفسه في الكتابات الشعرية التي فيها نرى محبة وقدرة وإحسان وقدرة الله، ونرى فيها الإنسان وهو يتفاعل مع هذا الإعلان الإلهي في وسط أزماته ومعاناته التي لا تنتهي.

ومع كل هذا، لا ينبغي أبدًا أن نغفل أن العهد القديم -كجزء من الكتاب المقدس- إنما هو أولًا، وقبل كل شيء، كلمة الله الموحى بها والمعصومة من الخطأ. وبالتالي لا يجب أبدًا التعامل معها فقط على كونها مؤلَّفًا أدبيًّا نُخضعه لأدوات التفسير والبحث، لكنها أصلًا كلمة الله الحية التي من المفروض أن تخضعنا نحن لتفسيرها ونورها لتغيير حياتنا وسلوكياتنا وأخلاقياتنا لنصير مشابهين صورة المسيح.

  1. القراءة المتضعة

وهنا نصل إلى النقطة الأخيرة في هذه المقالة، ألا وهي ضرورة القراءة المتَّضعة لأسفار العهد القديم. فمن المؤسف أن كثيرًا من الكنائس اتخذت مسارًا غير منضبط فيما يختص برؤيتها للعهد القديم، لتراه غير جدير بأن يكون جزءًا أصيلًا من كلمة الله، وهي في ذلك ترتدُّ بتفكيرها ومُعتَقَدها إلى ما نادى به مارسيون الهرطوقيِّ في فجر تاريخ الكنسية برفضه للوحي الإلهي المسجَّل في العهد القديم. فالإيمان المسيحيُّ لا يمكن أن يكتمل دون التصديق الكامل لإعلان الله عن ذاته في أسفار العهد القديم التي تشير في جملتها وتفصيلها للرب يسوع المسيح الذي تجسَّد في ملء الزمان. فلا يخفى على الشخص العادي أن الرسول بولس وهو يتحدث عن وحي الكلمة المقدسة في 2تيموثاوس 3: 16 “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ”، وكذلك عندما يكتب الرسول بطرس عن نفس الموضوع في 2بطرس 1: 21: “لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللَّهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ”، إنما كانا يقصدان بالكتب المقدسة أو بالنبوة أسفار العهد القديم؛ إذ لم تكن قانونية العهد الجديد قد أُقِرَّت بعد. وهنا نرى أبرز الرسل يعلنان بوضوح مصدر أسفار العهد القديم الإلهي وضرورة النظر إليها بهذا الاعتبار. يكتب واين جرودم معلقًا: “إن كتابات العهد القديم يُنظر إليها ككلمة الله في صيغتها المكتوبة؛ فبالنسبة إلى كل كلمة في العهد القديم، الله هو الذي تكلم بها (ولا يزال)، مع أنه تعالى استخدم أدوات بشرية لكتابة هذه الكلمات.”[20]

تستلزم القراءة المتضعة أمرين على الأقل:

  • لا يمكن فصل القراءة المتضعة للعهد القديم عن رؤية يسوع المسيح في أسفاره المختلفة؛ ففي قراءتنا للعهد القديم يجب أن يكون كل الجهد الذي نبذله في سبيل فهمه يهدف في المقام الأول إلى رؤية مركز العهد القديم، ألا وهو المسيا المُنتَظَر. فنحن في تنقيبنا في العهد القديم إنما نريد أن نصل دائمًا إلى رؤية اللؤلؤة الكثيرة الثمن. إن مركزية يسوع في أسفار العهد القديم تُعد دون ريبٍ من المفاهيم الجوهرية في الفهم المسيحي للكتاب المقدس. فالعهد القديم ليس فقط تاريخًا لشعب إسرائيل، بل هو أيضًا كشفٌ تدريجيٌّ عن خطة الله لخلاص البشرية من خلال شخص يسوع المسيح. فمن خلال النبوءات، الرموز، والطقوس، نجد أن كل جزء من العهد القديم يشير بطريقة ما إلى مجيء يسوع، مما يجعله حجر الزاوية في الفهم المسيحي للكتاب المقدس. في دراسته عن تاريخ العقيدة المسيحية يشير برنارد لوز إلى قناعة الكنيسة الأولى الراسخة بمركزية يسوع المسيح في العهد القديم فيكتب: “… كانت قناعة الكنيسة الأولى هي أنه إذا فُهم العهد القديم بصورة صحيحة فإنه يكون كتابًا مسيحيًّا يشهد في مجمله ليسوع المسيح… وبالطبع، فإنه حتى لاهوتيي الكنيسة الأولى كانوا على دراية بأن العهد القديم لا يشهد بصورة مباشرة فقط للمسيح. فقد كانوا مقتنعين بأن معنى العهد القديم لا يمكن إدراكه فقط بصورة حرفية، إنما هنالك بالإضافة لذلك معنى أكثر عمقًا لنصوص العهد القديم يمكن فهمها فقط عندما يُقرَأ العهد القديم من وجهة نظر تحقيقه في يسوع المسيح”.[21] إن شهادة يسوع -كما يقول الرائي- هي روح النبوة (رؤيا 19: 10)، وبالتالي فإن المهمة الأساسية لكل قارئ للعهد القديم هو أن يصل إلى الشهادة التي تقدمها هذه الأسفار عن يسوع في تجسده وحياته وكفارته وقيامته وسر عمله الروحي في حياة الكنيسة. فالكنيسة عليها أن “تقرأ العهد القديم على ضوء الحدث الفِصْحِيّ (موت وقيامة المسيح) الذي يعطي المعنى النهائي للكتب.”[22]

تحمينا رؤية يسوع في العهد القديم من أن تتحول قراءتنا للعهد القديم إلى مجرد البحث عن قواعد أخلاقية أو سلوكية في النصوص المقدسة، وكأنها مصادر لأفكار عن التنمية البشرية يمكن العثور عليها في مئات الكتب والمقالات المعاصرة. قراءتنا للعهد القديم ليست قراءة أنثروبولوجية تضع الإنسان في البؤرة، إنما هي قراءة لاهوتية/ مسيحانية تضع يسوع المسيح (الكلمة المتجسد) في بؤرة النصوص المقدسة (الكلمة المكتوبة). وفقط عند رؤيتنا ليسوع على صفحات العهد القديم وربط ذلك بما تم في العهد الجديد في روح الصلاة والتعبد المتضع، أقول إنه فقط عندما نمارس هذه القراءة الروحية العميقة يحدث التغيير في كياننا لتنطبع صورة يسوع الموجودة في الحروف والكلمات على قلوبنا وأفكارنا وسلوكياتنا.

  • يرتبط بالنقطة السابقة نقطة مهمة وأخيرة سبقت الإشارة السريعة إليها وهي أن قراءتنا المتضعة للعهد القديم ينبغي أن تنفتح نفوسنا وعقولنا وكياننا كله من خلالها لأن تفسِّرَنا الكلمةُ التي نقرأها وليس العكس. فما اعتدنا عليه هو الشعور بأن دراستنا للكلمة تضعنا في موضع نكون فيه فوق الكلمة، وهذا وضع مقلوب ومرفوض تمامًا. إن العهد القديم جزء من كلمة الله التي يقول عنها إقرار الإيمان الإنجيلي إنها: “قانون معصوم للإيمان والأعمال والمرجع الأعلى ذو السلطان للحق الإلهي الروحي.”[23] يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين عن كلمة الله في العهد القديم[24] إنها “حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ.” (عبرانيين 4: 12). تبيِّن هذه الآية التأثير الفعال لكلمات العهد القديم في حياة الإنسان؛ فهي تحمل قوة الله ذاته التي تغيِّر حياة الإنسان الداخلية لتجعل منه شخصًا أفضل. يكتب أ. م. ستبس في تعليقه على هذه الآية: “فهذه الكلمة هي كلمة الله ولها صفات الله نفسه. إنها حية ومفعمة بالنشاط والقدرة على العمل. الله نفسه فعّالٌ فيها، ولذلك لا يمكن أبدًا أن ترجع فارغة، فهي تحمل إما الخلاص أو الدينونة. وهي تخترق أعماق كيان الإنسان وتُحدِث، كمبضع التشريح، فصلًا وتمييزًا جذريَّيْن بين الأمور المتخالفة في الحياة البشرية، وتصدر الحكم على الأفكار والآراء الدائرة في عقول البشر ونيّات إرادتهم. إنها الناقد أو «المميز» الذي يُحكَم على كل شيء بمعياره. وعند مواجهة الإنسان لها، فهو يواجه الله الذي لا يخفى عليه شيء.”[25]

وكذلك يكتب ستيوارت أوليوت عن النص نفسه: “إنه ليس كتابًا ميتًا، لكنه حيٌّ جدًّا. إنه لا يتركك دون تأثير، لأنه فعَّالٌ وقويٌّ. إنه ينخس، ويجرح، ويفتك، بفاعلية أكثر بكثير من أحدِّ وأمضى سيف. إنه يخترق إلى حيث لا يستطيع أي شيء آخر أن يصل. إنه يفصل ما لا يمكن فصله!”[26] كلمة الله في العهد القديم هي كلمة الله التي تحمل نوره الذي يستطيع -إن أعطى الإنسان المساحة والفرصة باتضاع- أن يغمر قلب الإنسان الذي أظلمته الخطية ليصنع منه كيانًا جديدًا.

[1]. رونالد إي. هاينه، قراءة العهد القديم وفقًا للكنيسة الأولى: رحلة استكشافية لمراحل تشكيل فكر المسيحيين الأوائل، ترجمة عادل زكري (مكتبة دار الكلمة، 2016)، 7.

[2]. حنا كتناشو، مقدمة إلى العهد القديم، (القاهرة: دار الثقافة، 2024)، 43.

[3]. Henry Preserved Smith, “The Present Value of the Old Testament,” The Biblical World 41, no. 1 (January 1913): 44 (40-46)

[4]. مقتبسة في ميلاد جاويش، “العهد القديم في حياة الكنيسة،”  الدستور العقائديّ في الوحي الإلهيّ، سلسلة دراسات بيبليّة 28، تحرير أيوب شهوان، (لبنان: الرابطة الكتابيّة، 2004)، 190.

[5]. المرجع السابق.

[6]. Randall E. Otto, “The Problem with Marcion: A Second-Century Heresy Continues to Infect the Church,” Theology Matters 4, no. 5 (September/ October 1998): 1. (1-16)

[7]. رياض قسيس، لماذا لا نقرأ الكتاب الذي قرأه المسيح؟ نحو فهم أفضل للعهد القديم (القاهرة: P. T. W للترجمة والنشر، 2010)، 19.

[8]. دار مجلة مرقس،  الكتاب المقدس: النصوص الأصلية- كيف وصلت إلينا أسفاره، أقدم المخطوطات التي تحوي الكتاب المقدس (وادي النطرون:  دير القديس أنبا مقار، 2003)، 96.

[9]. المرجع السابق، 98.

[10]. جوردن في ودوجلاس ستيوارت، خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية (القاهرة: دار الكتاب المقدس، 2009)، 18.

[11]. John Kaltner, Reading the Old Testament Anew: Biblical Perspectives on Today’s Issues (Winona, MN: Anselm Academic, 2017), 17.

[12].ترد ترجمة الآية في الترجمة العربية المشتركة كالتالي: “إِنَّما اليَدانِ لِإتمامِ الشَّرّ. الرَّئيسُ مُتَطَلِّب والقاضي يَقْضي بِالأُجرَة، والكَبيرُ يَتَكَلَّمُ بِهَوى نَفسِه، وكُلُّهم يَحوكونَه.”  أما في الترجمة الإنجليزية القياسية (English Standard Version) فنقرأ:

“Their hands are on what is evil, to do it well; the prince and the judge ask for a bribe and the great man utters the evil desire of his soul; thus they weave it together.”

[13]. انظر حمدي سعد، أشهر النبوات  (القاهرة: دار الثقافة، 1998)، 46-48.

[14] . See Walter C. Kaiser, Toward Old Testament Ethics (Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House, 1983), 249-261.

[15]. يوسف سمير، السلطة والعنف في الكتاب المقدس: قراءة تحليلية في سياق الصليب (القاهرة: دار الثقافة، 2024)، 157.

[16]. عيسى دياب، العهد القديم وعالمه وتحدياته: العهد القديم: مدخل ومسح شامل، الجزء الأول (من خمسة أجزاء)، (منصورية، المتن، لبنان: دار منهل الحياة، 2014)، 205.

[17]. يشبه الأمر ما يقوله الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته “أرى ما أريد،” إذ يقدم في رباعيات شعرية جميلة أمنياته التي يريد ويتمنى أن يراها في العالم المحيط لكنها غير موجودة في الواقع.

[18]. جوردون في ودوجلاس ستيوارت، خطوات عملية، 19-20.

[19]. Louis Berkhof, Principles of Biblical Interpretation: Sacred Hermeneutics (Grand Rapids, MI: Baker Book House, 1950), repr. 1969, 55-60.

[20]. واين جرودم، بماذا يفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي: رؤية معاصرة في ضوء كلمة الله، جزء 1، ترجمة مجموعة من اللاهوتيين، تحرير رياض قسيس، (الأردن: برنامج التعليم اللاهوتي بالامتداد، القاهرة، مصر: مطبوعات إيجلز، 2002)، 59.

[21]. Bernhard Lohse, A Short History of Christian Doctrine: From the First Century to the Present, trans. F. Ernest Stoeffler (PA: Fortress Press, 1966, repr. Revised American Edition, 1985), 24.

[22]. نعمة الله خوري، “تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة،” في أعمال الرسل عنصرة كل العصور، تحرير بولس الفغالي، سلسلة دراسات بيبلية 10 (لبنان: منشورات الرابطة الكتابية، 1995)، 461.

[23]. دستور الكنيسة الإنجيلية بمصر  (القاهرة: دار الثقافة المسيحية، 1985)، 20.

[24]. علينا أن نتذكر أن كل الآيات التي تتحدث عن كلمة الله في العهد الجديد كانت تقصد العهد القديم لأن أسفار العهد الجديد لم تكن قد أُلنت قانونيتها حتى القرن الثالث الميلادي. وبالتالي يكون حديث الكاتب هنا منصبًا على أسفار العهد القديم التي هي كلمة الله.

[25]. أ. م. ستبس، “الرسالة إلى العبرانيين،” في تفسير الكتاب المقدس، تأليف جماعة من اللاهوتيين برئاسة الدكتور فرنسس دافدس، جزء 6 (بيروت، لبنان: دار منشورات النفير، 1988)، 521-522.  

[26]. ستيوارت أوليوت، فهمني الرسالة إلى العبرانيين، ترجمة جويس فيكتور صموئيل (الرابطة الإنجيلية بالشرق الأوسط، 2012)، 54.