مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

النسور يناير 2023_العدد (8)

فهرس عدد يناير 2023

  • افتتاحية رئيس التحرير: د. ق. اندريه زكي
  • جولة العدد – ق. عيد صلاح.
  • ميلاد المسيح:
  • دروس من ميلاد المخلص – ق. محسن منير.
  • ميلاد المسيح والجمهورية الجديدة – د. ق. رفيق إبراهيم.
  • ملف العدد:
  • تغيرات مناخية عنيفة…مبادرات مصرية إنسانية – أ. هاني لبيب.
  • العلوم الاجتماعية وقضايا البيئة – أ. د. سامية قدري.
  • المجتمع المدني وقضية التغيرات المناخية – د. رامي عطا.
  • اسمع صوت الخليقة: نظرة على لاهوت البيئة – أ. سمير إبراهيم.
  • التغيرات المناخية وقضاياها مقاربة لاهوتية – ق. عيد صلاح.
  • الموقف اللاهوتي والكنسي من الهجوم النووي على هيروشيما ونجازاكي – د. ق. موريس يوسف
  • التوبة البيئية – ق. سهيل سعود.
  • ليتورجية عبادة في مناسبتي يوم البيئة العالمي، والمؤتمر الدولي للمناخ – ق. أمير إسحق.
  • لاهوت جون كلفن البيئي – تعريب ق. سهيل سعود.
  • عرض كتاب، أوراق بيئية قراءة في لاهوت البيئة – م. جورج إسحق.
  • تأملات وأخبار ومتابعات:
  • شذرات كتابية – ش. أسامة رشدي.
  • أخبار وفعاليات – أ. يوسف إدوارد.
  • ملحق العدد: المناخ الرعوي في زمن كورونا – ق. عيد صلاح.

الميلاد رسالة سلام مع بعضنا ومع الأرض التي نعيش عليها

اسم الكاتب : د.ق.أندريه زكي

  • تأتي علينا ذكرى الميلاد كل عام حاملة صورة مميزة، إذ تزين الكنائس والمنازل، بل وبعض الشوارع، لكن روح الميلاد أعمق بكثير من مجرد شجرة أو زينة. الميلاد هو الحدث الذي نتذكر في أن السيد المسيح ، كلى القدرة والعلم والمعرفة، صار إنسانًا ليشاركنا طبيعتنا. نعم الميلاد هو في الأساس ذكرى التجسد الذي فيه اتحد الله معنا، فهو الذي إن كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلًا لله، بل أخلى نفسه -طواعية- صائرًا في شبه الناس.

    وقد أحاطت بميلاد يسوع اضطرابات عديدة، بداية من أن بشر الملاك الفتاة الصغيرة المطوبة العذراء مريم أنها ستكون أمًّا، تخيل معي يا صديقي هول صدمة فتاة ستكون حبلى وهي غير متزوجة، لكنها بروح متضعة قالت للملاك: “هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ”. (لو 1: 38)

    وحين اقترب موعد ولادة العذراء مريم كان يتحتم على الأسرة بأكملها أن تسافر لبيت لحم من أجل اكتتاب أمر به أغسطس قيصر، وهذا ما جعل أمر إيجاد مكان للسكنى أمرًا صعبًا، فولدت العذراء مريم ابنها في مذود للبقر.

    وحين علم هيرودس بأمر الصبي المولود، أمر بمذبحة شنيعة بقتل كل جميع الصبيان من عمر سنتين فيما دون، إلا أن الله أنقذ الأم والابن ويوسف النجار، إذ ظهر الملاك ليوسف آمرًا إياه بالهرب إلى مصر، وقد كان، وهكذا نجا الطفل يسوع من بطش هيرودس.

    فيما سبق نرى أنه مهما كانت التوترات والاضطرابات إلا أن يد الله تتدخل في الوقت المناسب، ربما حين نواجه مصاعب نقف لنسأل الله أين هو مما نحن فيه، إلا أن الحقيقة أنه متواجد دائمًا، يسمع ويستجيب، يهتم ويعتني ويدبر.

    واليوم لا زلنا نواجه العديد والعديد من الاضطرابات والتوترات، سواء على المستوى المحلي أو على المستوى الدولي، يكفيني أن أذكر حرب روسيا وأوكرانيا وما ترتب عليها من تداعيات طالت الجميع؛ فالعالم أصبح قرية شديدة الصغر.

    وعلى مستوى الصحة ما زال العالم يعاني من فيروسات مثل كورونا بمتحوراته الجديد. ناهيك عن التغيرات المناخية وتأثيرها على الكوكب.

    ومن أجل خطورة التغيرات المناخية انعقد مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي 2022 المعروف أيضًا باسم COP27 هو مؤتمر الأمم المتحدة السابع والعشرون للتغير المناخي، عقد في الفترة من 6 حتى 18 نوفمبر 2022 في مدينة شرم الشيخ، مصر. وقد تولت جمهورية مصر العربية رئاسة هذه الدورة، وتولى رئاستها وزير الخارجية المصري سامح شكري.

    والهدف من إقامة المؤتمر هو أن تتم مناقشة التغير المناخي، ووضع سياسات واستراتيجيات مستدامة لمواجهة الأضرار الناجمة عن التغييرات المناخية ومواجهة الاحتباس الحراري، وزيادة الانبعاثات الكربونية وسبل معالجتها، كذلك الوصول لاتفاق يساعد على زيادة نسبة تخفيض معدلات انبعاثات الغازات الدفيئة وثاني أكسيد الكربون، مما يساهم في تقليل معدل زيادة درجة حرارة الكوكب إلى أقل من 1.5 درجة مئوية.

    كما أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال القمة أن هناك هدفًا أساسيًّا للقمة وهو وضع خارطة طريق لتنفيذ الإجراءات المتفق عليها والتي سبق مناقشتها في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي 2015 في باريس لذلك أطلق عليها السيد الرئيس السيسي “قمة التنفيذ”.

    ومن وجهة نظر لاهوتية، فإن الاعتناء بالأرض وحفظها أمر إلهي، إذ أوصى الله آدم وحواء: “أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ” (تك 1: 28). ويذهب بنا النص في تكوين 2 لمستوى آخر، إذ يقول النص: “وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا [يحرسها].” (تك 2: 15) وهذا البعد يؤكد على أهمية دور الإنسان في حفظ الخليقة والاعتناء بها، وهذا الدور دور أصيل بتكليف من الله.

  • اسمع المقالة من هنا 

أخبار وفاعليات

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب  : يوسف إدوارد

  • مع نهاية ٢٠٢٢.. نشاط رعوي مكثف لرئيس الطائفة الإنجيلية بمصر* 

    *شهد أول لقاء لشبكة خدمة الشباب “CONNECT” بحضور ١١٠٠ من شباب الكنائس الإنجيلية في مصر*

    *وبحضور محافظ أسيوط شارك رئيس الإنجيلية في احتفال الكنيسة الإنجيلية الأولى بأسيوط بمناسبة مرور ١٥٠ عام على تأسيسها*

    *افتتح اللقاء الخامس لخدمة الألف خادم بوادي النطرون تحت عنوان “الخادم المنتصر”*

    شارك رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، الدكتور القس أندريه زكي، في عدد من أنشطة الطائفة الإنجيلية الهامة، كان أبرزها افتتاح مؤتمر شبكة خدمة الشباب الأول “CONNECT”، في شهر سبتمبر ببيت رئاسة الطائفة الإنجيلية “أجابيه” بوادي النطرون، وذلك بحضور أكثر ١١٠٠ مشارك من خدام الكنائس الإنجيلية الشباب من جميع محافظات مصر، كما شارك في برنامج المؤتمر من قيادات الطائفة الإنجيلية بمصر، الدكتور القس جورج شاكر، نائب رئيس الطائفة الإنجيلية، والأسقف عادل هارون، رئيس المجمع العام لكنائس نهضة القداسة، والقس استيفن سعيد، رئيس مجمع كنائس الإيمان، والقس لطيف رمسيس، رئيس المجمع العام لكنائس الله، والقس منير صبحي، راعي الكنيسة المعمدانية الأولى، والدكتور ماهر صموئيل، مؤسس خدمة كريدو لوجوس، وبحضور السادة أعضاء المجلس الملي الإنجيلي العام، القس عادل جادالله، والشيخ ماجد طوبيا، والشيخ ناصر صادق، والشيخ رضا البطل.

    وخلال كلمته رحب رئيس الطائفة الإنجيلية بجميع الشباب والخدام المشاركين، وقال: “أشعر بسعادة كبيرة بمشاركة ١١٠٠ من شبابنا الإنجيلي اليوم من مختلف محافظات مصرنا الغالية، كما أتمنى أن نخرج بحركة شبابية من خدام الكنائس الإنجيلية، حركة قوية قادرة على التغيير، قادرة على الربط بين العقيدة والفعل”.

    وأضاف الدكتور القس أندريه: “نصلي من أجل كنيسة إنجيلية شابة قوية مؤثرة، قادرة على التغيير، بعيدة عن الروحانيات المفتعلة، قادرة على تقديم نموذج حقيقي لكلمة الله”.

    وتضمنت فعاليات برنامج المؤتمر “شبكة خدمة الشباب الأول CONNECT”، مشاركة، الدكتور القس سامح موريس، راعي الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة، القس طوني جورج، مؤسس خدمة TC مصر والشرق الأوسط التابعة لرابطة الإنجيليين، والأستاذة ساندرا رأفت من خدمة TC مصر، والدكتور نادر سامح، من كنيسة قصر الدوبارة، والدكتور يوسف يعقوب من خدمة كريدلوجوس.

    كما شارك رئيس الطائفة الإنجيلية، في شهر نوفمبر، احتفاليَّة مرور ١٥٠ عامًا على تأسيس الكنيسة الإنجيلية الأولى بأسيوط، بحضور سيادة اللواء عصام سعد محافظ أسيوط، والأستاذ الدكتور أحمد المنشاوي رئيس جامعة أسيوط، وسيادة اللواء أركان حرب هشام عبد الغفار رئيس أركان المنطقة الجنوبية، والقس كمال رشدي رئيس سنودس النيل الإنجيلي، والأنبا يؤانس مطران أسيوط للكنيسة الأرثوذكسية، والأنبا دانيال لطفي مطران الأقباط الكاثوليك بأسيوط، وفضيلة الشيخ عاصم القبيصي مدير مديرية الأوقاف بأسيوط، والقس باسم عدلي راعي الكنيسة، والقس صادق مسعد رئيس مجمع أسيوط، بجانب حضور ومشاركة عدد من السادة أعضاء مجلس النواب والشيوخ، والقيادات السياسية والشعبية والتنفيذية بالمحافظة.

    وفي كلمة الاحتفال رحب رئيس الطائفة الإنجيلية بسيادة محافظ أسيوط وجميع السادة الضيوف من القيادات الدينية والسياسية والتنفيذية، وقال رئيس الطائفة: “أشعر بسعادة كبيرة وفرح بوجود ومشاركة أهلنا المسلمين في احتفال اليوم، كما أتقدم بخالص التهنئة لشعب أسيوط العظيم، من أسيوط نعطي رسالة للعالم كله، ونصلي من أجل سلام مصر، ونجاح مؤتمر المناخ ونشكر الله لأجل بلادنا”.

    وأضاف رئيس الطائفة الإنجيلية: “الإنسان يحتاج إلى تغيير، وتجديد الذهن يتطلب فكرا جديدا واختبارا جديدا للحضور الإلهي.
    الله ينظر إلينا أعمق بكثير من نظرتنا لأنفسنا، يحبنا ويستوعبنا.”

    ومن جانبه عبر اللواء عصام عن اعتزازه بالروابط القوية والسماحة الدينية التي تميز الشعب المصري فهو نموذج فريد في الصلات القوية التي تربط بين مواطنيها داعيًا الجميع للعمل والإنتاج لتحقيق مسيرة التنمية مؤكدًا أن مصر بلد الأنبياء والرسالات وتتميز بالنسيج الواحد وتكريس مبدأ المواطنة وقبول الآخر لترسيخ الأخوة والمحبة والتعايش بين كافة أطياف المجتمع المصري لافتًا إلى أن مصر ستظل دائما مثالًا للتعايش بالمحبة والسلام والأخوة بين كل من يسكن أرضها إلى يوم الدين داعيًا الله أن يحفظ مصر وقياداتها وجيشها وشرطتها وأن ينعم عليها بالخير الوفير دائما لاستكمال مسيرة البناء والتنمية ورفعة شأن الوطن العظيم تحت القيادة الرشيدة للرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية.

    ومع بداية شهر ديسمبر شارك الدكتور القس أندريه زكي، اليوم الخميس، في افتتاح فعاليات مؤتمر “الألف خادم إنجيلي” الخامس تحت عنوان “الخادم المنتصر” ببيت رئاسة الطائفة الإنجيلية “أجابيه” بوادي النطرون، وذلك بحضور أكثر 1100 مشارك من خدام الكنائس الإنجيلية من جميع محافظات مصر، بحضور الدكتور القس جورج شاكر، نائب رئيس الطائفة الإنجيلية، والقس كمال رشدي، رئيس سنودس النيل الإنجيلي، والقس تشيب إنجرام، رئيس خدمة Living in the Edge من الولايات المتحدة الأمريكية، والقس فارس ميخائيل، رئيس مجمع كنائس النعمة، والدكتور القس هشام صفوت، راعي الكنيسة الإنجيلية العربية بجنوب كالفورنيا، والقس استيفن سعيد، رئيس مجمع كنائس الإيمان، والدكتور القس شكري شروش، راعي الكنيسة المعمدانية بعمان، وذلك بمشاركة المرنم ناصف صبحي.

    وخلال كلمته، رحب رئيس الطائفة الإنجيلية بجميع الشباب والخدام المشاركين، والسادة المتحدثين، والسادة أعضاء المجلس الإنجيلي العام ورؤساء المذاهب الإنجيلية وأعضاء هيئة الأوقاف الإنجيلية المشاركين في اللقاء، وقال زكي: “فخور بمشاركة 1100 من قادة الكنيسة ونسعى من خلال لقائنا إلى مناقشة التحديات التي تواجه الخادم، من خلال يقيننا المطلق بالكتاب المقدس وكلمة الله القوية، وهي الأساس المتين لإيماننا”.

    وأضاف رئيس الإنجيلية في كلمته لخدام الكنائس الإنجيلية: “نحن ننتمي إلى يسوع المسيح، متكلين على النعمة ويقين الإيمان، لقيادة كنيسة إنجيلية حية فعالة، قادرة على التغيير، كنيسة منتصرة”.

    وشملت فعاليات المؤتمر مشاركة الدكتور ماهر صموئيل، مؤسس خدمة كريدي لوجوس، والقس رفعت فتحي، الأمين العام لسنودس النيل الإنجيلي، والدكتور القس اسطفانوس زكي، أمين عام رئاسة الطائفة الإنجيلية بمصر، والدكتور القس عاطف مهني، مدير مركز دراسات مسيحية الشرق الأوسط بكلية اللاهوت الإنجيلية، والقس عزت شاكر، راعي الكنيسة الإنجيلية بمدينة نصر، والقس عيد صليب، رئيس مجمع كنائس المعمدانية المستقلة، والقس أمجد محفوظ، رئيس المجمع الخمسيني، والقس كمال لطفي، رئيس المجمع العام لكنائس المثال، وذلك بمشاركة فريق ترانيم “الخبر السار”.

ميلاد المسيح والجمهورية الجديدة

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب : الدكتور القس رفيق إبراهيم

  • استقبلت مصر الطفل يسوع مع أمه العذراء مريم ويوسف النجار وحفرت أقدامهم التاريخ في أرض مصر في طول أراضيها، ومن هنا تحققت نبوة هوشع من مصر دعوت ابنى” هوشع ١١ : ١. وبدأت بخروج الشعب وبداية عهد جديد مع الشعب في القديم وانتهت بخروج الطفل يسوع وبداية عهد جديد للبشرية كلها وكان الهدف هو أن تعيش الإنسانية في محبة وسلام، يبني ملكوت الله ومن هذا المنطلق، أكتب وأقول إن دور مصر محوري في تاريخ البشرية كلها، وميلاد المسيح كان هو الحدث الذى اكتملت فيه كمال النبوة بعودة السلام لشعب الله وكل شعوب الأرض. أيضًا واعتقادي أن هذا المنطلق يوحدنا كمصريين فى استعادة الهدف وبناء الحلم من جديد وهكذا عبر سيادة الرئيس السيسي عندما افتتح كاتدرائية ميلاد المسيح فى العاصمة الجديدة وقال “أن طريق الجمهورية الجديدة تتسع للجميع بدون أي تفرقة أو تمييز، نعيش فيها في سلام وأمان معا” وأقول إن هذا المبدأ العام الذى نريده أن يبقى شعارًا للمصريين في الفترة القادمة من تاريخها، فحلم التعايش في محبة وسلام قد تأسس بالميلاد، وفى ملء الزمان جاء المسيح محققًا النبوات، ومؤسسًا ملكوت روحي يملك فيه على النفوس، ولا يطمع فى سلطان أو ملك أرضي؛ بل الى قلوب تعانقت مع الحب، وسيطرت عليها رغبات العطاء تسير تزرع الامل بخطى جادة وهمم لا تخيب مع الزمان.

    وهذا هو المصري الذي بحث عن الخلود وصنع حضارة علمت الإنسانية كلها زراعة الحب والسلام والأمان، وهذا ما أريد أن تتذكره في عيد الميلاد هذا العام، فجميعنا مررنا بظروف صعبة، ولكن تذكر أن عيد الميلاد الأول. وُلِد أمير السلام في مكان يسوده الفقر المدقع، ربما يكون كهفًا قذرًا بعيدًا عن الوطن مثله مثل اللاجئين حول العالم. لم تكن هناك أضواء أو شموع فاخرة. لم تكن هناك صناديق ملفوفة ملونة لملابس الأطفال الجديدة، أو أحدث الأدوات لجعل الحياة أسهل. فالكل يطلب الهدايا من مواقع عبر الإنترنت، فالكل يبحث عن السلام والأمور الأسهل، ولكن سلام المسيح الذي يعطيه إنه سلام داخلي من أمير السلام، إنه سلام مع الله وسلام مع الآخرين وسلام مع النفس، وهناك شيء واحد أعرفه بالتأكيد من خلال خبرتي اليومية كراعي.

    كل شخص في الحياة إما:

    يمر بعاصفة.

    أو خرج للتو من عاصفة.

    أو على وشك الدخول في عاصفة.

    وخلال عواصف الحياة، نتوق إلى السلام في الداخل، وللأسف في ثقافتنا المجنونة العالمية الأن مع فقانون الاستهلاك هو من يسود ويتحكم في علاقاتنا، والحل يكمن في الاقتراب إلى ميلاد المسيح فهو أمير السلام، ومن الرائع أن نعرف أن يسوع يمكن أن يكون أمير السلام لدينا الآن في وسط ظروفك كما أنت وكما هي.

    يخبرنا إشعياء ٦:٩ أن يسوع هو رئيس السلام. هو يعتني باضطرابات الحياة. عندما ظهرت الملائكة للرعاة ذات ليلة وهم يراقبون قطعانهم، يخبرنا الكتاب المقدس أنهم سبحوا الله وقالوا، “الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ” (لوقا 2: 14) الطريقة التي تحصل بها على السلام هي أن تكون في علاقة مع الله. وعندما تكون حياتك مرضية لله، يمكنك تجربة هذا السلام الشخصي.

    بعد ذلك بقليل في قصة عيد الميلاد عندما جاء المجوس لزيارة يسوع، أحضروا له هدايا من الذهب واللبان والمر. تبدو هذه هدايا غريبة لتقديمها للطفل. لكني أعتقد أن لديهم نظرة ثاقبة على الرسالة التي جاء يسوع لإتمامها فى هذا العالم. أعطوه الذهب لأنه كان ملكًا وبخورًا (لأنه كاهنًا) بل سيكون رئيس كهنتنا، ويمثلنا أمام الله، والمر الذي كان عنصر تحنيط يرمز لموته على الصليب فطفل المذود جاء ليموت.

    نقرأ أيضًا في إشعياء 9: 6 أن ” وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ”. لقد مر الكثير من الوقت منذ ولادة يسوع. وعندما يعود مرة أخرى إلى الأرض ويؤسس مملكته، فإنه سيملك بالحق كملك الملوك ورب الأرباب.

    لقد حمل يسوع الصليب على كتفيه، بل جاء ليموت على الصليب. لا نحب أن نفكر في ذلك أثناء الميلاد، لكن الطفل الصغير الجميل، المولود في مذود جاء لغرض وهذا الغرض وتلك المهمة كان الموت من أجل خطايا العالم، فهو الفادي الذي بدخولك في علاقة سلام معه ستكون حياتك مختلفة لا سلام بغيره. هذه الحقيقة تغير حياتك ربما تقول وهل قبل يسوع كان العالم بعيدًا عن السلام وحتى الآن، وحقيقي ليس لدينا سلام كامل بعد فيما يتعلق بعالمنا، ما لدينا هو الأمل والرجاء والاجتهاد بدوافع نقية! أحب كيف يتحدث النبي إشعياء عن ملكوت يسوع المتزايد باستمرار. لأن الحقيقة هي أن مملكته تنمو وتتوسع دائمًا. ينتشر محبة الله وسلامه في جميع أنحاء العالم. يصل الضوء إلى الأماكن المظلمة. ومن المدهش جدًا أن يستخدمنا الله ونكون جزءًا من كل ذلك! وصلاتي أن تكون الجمهورية الجديدة فى مصرنا الحبيبة مكان ينشر سلام المسيح فهو الذي قال  سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ.” يوحنا ١٤: ٢٧ الرب يسوع هو حقًا رئيس السلام.

التغير المناخي قضاياه وكيف نتعامل معه؟ مقاربة لاهوتيَّة

اسم الكاتب: القس عيد صلاح

  • مُقَدِّمَةٌ

    أثناء إعدادي لهذه الورقة استمعت إلى خطبة شيخ الجامع المجاور لبيتي وكان في نهايتها هذا الدعاء الجميل: “اللهم باسمك العظيم الأعظم ارفع عنا الوباء والبلاء والغلاء”. ولعلَّ هذا الدعاء يستخدم ثلاث كلمات مهمة، وهي: والوباء والبلاء والغلاء، وقد تلامسنا معهم بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة، فمن وباء كورونا حتى ارتفاع الأسعار نتيجة للأزمات الاقتصادية الناتجة عن الحرب بين روسيا وأكرانيا، وصولًا إلى قضايا المناخ التي بدأنا نلمسها عن قرب؛ فجيلي الذي تجاوز الخمسين عامًا يشعر بأنَّ الطقس صيفًا وشتاءً لم يكن هكذا منذ أن وعينا به من أربعين عامًا على سبيل المثال لا الحصر.

    المناخ يتغير، وقضايا البيئة بدأت تأخذ حجم الصدارة ولا سيما أن انعقاد “قمة المناخ” في شرم الشيخ بمصر نوفمبر 2022م، ناقش هذا الأمر، وهذا حدث يستحق الإشادة والتقدير، ويكون مدخلًا طيبًا للتركيز على قضايا المناخ والبيئة. ومن الحاضر إلى الماضي استدعي هذا الدعاء للمصريّ القديم الذي كان يقول:

    لم أتسبَّب في تعاسةٍ،

    لم أترك جائعًا،

    لم أتسبَّب في دموعٍ،

    لم أقتُل،

    لم أحرِّض على القتل،

    لم أعذِّب أحدًا،

    لم ألوِّث ماء النهر

    يقول الشهاوي: “ورد هذا في كتاب “الخروج إلى النهار” المُسمَّى غلطًا “كتاب الموتى”، وهو من النصّوصِ الجنائزية، وقد تُرجِمَ كثيرًا عن لغاتٍ عدةٍ كالإنجليزية والألمانية والفرنسية، وأيضًا عن اللغة المصرية القديمة، وقد عنْوَنَ عُلماء المصريات هذا القسم بـ”فصل الاعتراف السلبى، أو فصل المُحاكمة”، لكنَّ العنوانَ الأصليّ هو ما يُقال عند دخُول المرْء قاعة العدالة المُطلقة وتبرئة نفسِه من كلِّ فعلٍ مُشينٍ”. (الشهاوي، الإنترنت). قول المصري في المحاكمة: “لم ألوث ماء النيل”، يُبيّنُ أنَّ البيئة ومخيلتها كانت حاضرة في حياة المصريّ القديم وموته على أمل العبور إلى حياة أفضل من خلال تبرئته من كل فعل مشين، فالتلوث فعل مشين، وتلوث البيئة فعل خطر.  اخترت هذا أن يكون مدخلًا لحديثي عن التغيرات المناخية ودورنا تجاهها من منظور ديني يبعث على الوعي بمجريات الأمور، وموقفنا منها تأكيدًا على المسؤولية ونشرًا للوعي.

    أهمية المساهمات العلمية والعملية:

    كما نحتاج إلى أهمية المبادرات أن تصل بالفكرة إلى حيز التنفيذ العمليّ لما سبق وطرح من مؤسّسات وأفكار ودراسات، نسمع عن: القاعدة القومية للدراسات قائمة ببليوجرافية عن التغيرات المناخية وخلاصة توصيات الدراسات، صدرت عن مركز المعلومات ودعم القرار بمجلس الوزراء، نوفمبر 2021م. بها 24 دراسة صدرت في هذا الشأن. كذلك أصدرت وزارة البيئة التغيرات المناخية وسبل مواجهة أثارها. وهناك بعض المؤسسات الرسمية التي شكلتها الدولة مثل: اللجنة الوطنية لآلية التنمية النظيفة، تفعيل اللجنة الوطنية للتغيرات المناخية، إنشاء الإدارة المركزية للتغيرات المناخية. ثم الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ في مصر وهي منشورة على الإنترنت تحت عنوان: 2050 الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ في مصر ملحص صناع القرارـ إعداد انتجرال كونسلت.  كل هذه المجهودات صدرت من الجهات الرسمية التي بدأت تستشعر الخطر وفق دراسات، ولكن الذي يتزامن مع ذلك هو النزول بالأفكار إلى رجل الشارع عبر وسطاء مؤثرين مثل القيادات الدينية المتمثلة في علماء الدين الإسلامي ورجال الدين المسيحيّ. يضاف إلى هذا الجهد صدور دوريتين كاملتين من مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عن التغيرات المناخية، وهما: مجلة السياسة الدولية وموضوع العدد 230 أكتوبر 2022م عن: قضايا التغير المناخي في أجندة العلاقات الدولية. ومجلة الديمقراطية العدد 88 أكتوبر 2022م تحت عنوان: مصر وقضايا التغير المناخي، وبهما العدد من الدراسات والرؤى حول قضايا التغير المناخي.

     وفي هذا الصدد أشير إلى دراستين منشورتين تعبران عن البعد الفكر المسيحيّ حول البيئة وقضاياها، وهما: كتاب “المسيحية والقضايا المعاصرة” لجون ستوت المترجم إلى اللغة العربية عام 1991م وصدر عن دار الثقافة بمصر، به فصل كامل (الفضل السادس) تحت عنوان “بيئتنا البشرية” (صفحات 116-127)، والكتاب العمدة الصادر عن دار المشرق بيروت لسامي حلاق تحت عنوان: “أوراق بيئية قراءة في لاهوت البيئة” (بيروت: دار المشرق، 2011م)، وهو الكتاب الأول في تخصصه وموضعه، وعليهما بنيت مناقشتي هذه.  وتجدر الإشارة إلى أن مجلس كنائس الشرق الأوسط أصدر كتيبًا عنوانه: اسمع صوت الخليقة وهو دليل للاحتفال 2022 يتناول فيه البيئة وقضاياها وكيفية مناصرتها.

    سأبدأ في البداية بتعريف ما هي التغيرات المناخية؟ يليها تعريف المناخ، ثم حضور قضايا البيئة والمناخ في الليتروجية القبطية، ثم قضايا التغيرات المناخية من حيث المواطنة البيئية والسلام البيئتي وكلاهما مصطلحان حديثان عنا، وصولًا إلى دور القادة الدينية والمؤسسات الدينية ولا سيما الكنيسة في مواجهة التغيرات المناخية. في البداية أنني لست متخصصًا في قضايا البيئة ولكني قرأت كثيرًا واجتهدت قدر الإمكان لتخرج الورقة بهذه الصورة على أمل ان تكون مفيدة لمن يسمعها أو يقرأها.

     

    أولًا: ما هي التغيرات المناخية؟

    يقصد بتغير المناخ التحولات طويلة الأجل في درجات الحرارة وأنماط الطقس. قد تكون هذه التحولات طبيعية فتحدث، على سبيل المثال، من خلال التغيرات في الدورة الشمسية. ولكن، منذ القرن التاسع عشر، أصبحت الأنشطة البشرية المسبب الرئيسي لتغير المناخ، ويرجع ذلك أساسًا إلى حرق الوقود الأحفوري، مثل الفحم والنفط والغاز. (ما هو تغيير المناخ؟ الإنترنت) ينتج عن حرق الوقود الأحفوري انبعاثات غازات الدفيئة التي تعمل مثل غطاء يلتف حول الكرة الأرضية، مما يؤدي إلى حبس حرارة الشمس ورفع درجات الحرارة. (ما هو تغيير المناخ، الإنترنت).

    ما يُعرف بـ “تغير المناخ العالمي” ويسمى أحيانًا الاحتباس الحراري، هو التحول الملحوظ في أنماط المناخ حول العالم، بسبب ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي نتيجة النشاط البشري. (أمين، 2021). وتعتبر ظاهرة التغيرات المناخية ظاهرة عالمية إلا أنَّ تأثيراتها محلية. (سليمان، 2015).

    تشمل أمثلة انبعاثات غازات الدفيئة التي تسبب تغير المناخ ثاني أكسيد الكربون والميثان. تنتج هذه الغازات، على سبيل المثال، عن استخدام البنزين لقيادة السيارات أو الفحم لتدفئة المباني. يمكن أيضًا أن يؤدي تطهير الأراضي من الأعشاب والشجيرات وقطع الغابات إلى إطلاق ثاني أكسيد الكربون. وتعتبر مدافن القمامة مصدرًا رئيسيًا لانبعاثات غاز الميثان. ويعد إنتاج واستهلاك الطاقة والصناعة والنقل والمباني والزراعة واستخدام الأراضي من بين مصادر الانبعاث الرئيسية. (ما هو تغيير المناخ؟ الإنترنت).

     يمكن أن يؤثر تغير المناخ على صحتنا وقدرتنا على زراعة الأغذية والسكن والسلامة والعمل…لقد ساءت الظروف مثل ارتفاع مستوى سطح البحر وتسلل المياه المالحة إلى درجة اضطرت فيها مجتمعات بأكملها إلى الانتقال، كما أن فترات الجفاف الطويلة تعرض الناس لخطر المجاعة. في المستقبل، من المتوقع أن يرتفع عدد “اللاجئين بسبب المناخ“. (ما هو تغيير المناخ؟ الإنترنت).

    سيؤدي تحويل أنظمة الطاقة من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، إلى تقليل الانبعاثات المسببة لتغير المناخ. (ما هو تغيير المناخ؟ الإنترنت). وهذا الأمر لا بد وأن يؤخذ في الحسبان في المواجهة طويلة الأمد.

     

    ثانيًا: ما هي البيئة؟

    وقد ترجمت كلمة Ecology إلى اللغة العربية بعبارة “علم البيئة” التي وضعها العالم الألماني إرنست هيجل Ernest Haeckel عام 1866م بعد دمج كلمتين يونانيتين هما Oikes ومعناها مسكن، و Logos ومعناها علم وعرفها بأنها “العلم الذي يدرس علاقة الكائنات الحية بالوسط الذي تعيش فيه ويهتم هذا العلم بالكائنات الحية وتغذيتها، وطرق معيشتها وتواجدها في مجتمعات أو تجمعات سكنية أو شعوب، كما يتضمن أيضاَ دراسة العوامل غير الحية مثل خصائص المناخ (الحرارة، الرطوبة، الإشعاعات، غازات المياه والهواء) والخصائص الفيزيائية والكيميائية للأرض والماء والهواء. (البيئة ومفهومها وعلاقتها بالإنسان، الإنترنت). البيئة هي بيتنا جميعًا، وهي علم يُدَرس ويدَّرس للحفاظ على بقاء البيئة وبقاء الإنسان.

     

    ثالثًا: المناخ وقضاياه حاضر في الليتروجية القبطيّة

     في القداس يصلي الكاهن هذه الصلاة: اصعد المياه كمقدارها كنعمتك؛ فرح وجه الأرض؛ ليرو حرثها؛ ولتكثر إثمارها؛ أعدها للزرع والحصاد، ودبر حياتنا كما يليق؛ بارك إكليل السنة بصلاحك؛ من أجل فقراء شعبك؛ من أجل الأرملة واليتيم والغريب والضيف من أجلنا، كلنا نحن الذين نرجوك ونطلب اسمك القدوس. لأن أعين الكل تترجاك لأنك أنت الذي تعطيهم طعامهم في حين حسن؛ أصنع معنا حسب صلاحك يا معطيًا طعامًا لكل ذي جسد؛ أملأ قلوبنا فرحًا ونعيمًا لكي إذ يكون لنا الكفاف في كل شيء؛ نزداد في كل عمل صالح. (كامل، الإنترنت).

    وقد رتبت الكنيسة صلوات اللقان (اسم يوناني للإناء الذي يوضع فيه الماء للاغتسال منه ويطلق على الصلوات التي يقدس فيها اللقان وتجري صلوات اللقان ثلاث مرات في السنة: في الغطاس وفي خميس العهد وفي عيد الرسل) في ثلاث مناسبات كنسية، المناسبة الأولى هي عيد الغطاس المجيد؛ المناسبة الثانية هي صلوات خميس العهد؛ المناسبة الثالثة هي صلوات عيد الرسل. وفي هذه المناسبات الثلاثة يوضع اللقان مملوءًا بمياه النيل؛ ففي لقان عيد الغطاس يصلي الكاهن ويقول: نهر جيحون “أي النيل” أملأه من بركاتك؛ بارك إكليل السنة بصلاحك؛ يا رب اسمعنا وارحمنا. (كامل، الإنترنت).

    وفي لقان خميس العهد تصلي الكنيسة من أجل الأرض والنهر فتقول: هكذا أيها المعطي؛ الحق؛ وعظيم الغني؛ ومحب البشر؛ يا إله الرحمة افتقد الأرض. وأروها بصعود النهر فتثمر حسنًا؛ لتكثر ثمارها بصلاحك، نسألك أيها المسيح إلهنا: فرح وجه الأرض؛ جددها دفعة أخرى؛ اصعد النيل كمقداره. (كامل، الإنترنت).

    وأخيرًا في لقان عيد الرسل الموافق 5 أبيب 12 يوليو، وهو موسم الفيضان السنوي الذي كان ينتظره الفلاح المصري بفارغ الصبر، يصلي الكاهن قائلًا: “بقاع مصر أملأها من الدسم؛ وليكثر حرثها؛ وتتبارك ثمارها؛ نطلب إليك أيها المسيح الهنا استجيب لنا وارحمنا؛ ولتفرح كل بلاد مصر. والأرض تتهلل بفرح من جودك. واحرس هذه المدينة وسكانها نطلب إليك أيها الرب إلهنا اسمعنا وارحمنا. (كامل، الإنترنت).

    وخلال صلوات البصخة وأسبوع الآلام: يا الله تراءف على العالم بعين الرحمة والرأفة؛ وبارك في غلات الأرض. وأصعد مياه النهر وهب اعتدالا للمناخ، ونيل مصر باركه في هذا العام وكل عام؛ وعلنا نحن البشر. نسألك يا رب اسمعنا وارحمنا. (كامل، الإنترنت).

    أما في الصلوات الخمس المسائية فتصلي الكنيسة وتقول: صلوا واطلبوا عن صعود مياه الأنهار في هذه السنة. لكي يباركها المسيح إلهنا؛ ويصعدها كمقدارها؛ ويفرح وجه الأرض بالنيل، ويعولنا نحن البشر ويعطي النجاة للشعب والحيوانات. نسألك يا رب اسمعنا وارحمنا. (كامل، الإنترنت).

    والقضايا البيئية حاضرة في ترانيم الكنيسة الإنجيلية عندما نرنم بارك بلادي، وعندما نرنم: احميها من جفاف النهر، واحميها من الإرهاب والفقر. كل هذه الصلوات تعبر عن حضور قضايا البيئة في صلوات الكنيسة، فالكنيسة ليست من منعزلة عن قضايا البيئة، ولكنها تشعر بالمخاطر: الوباء والبلاء والغلاء، تصلي إلى الله ليتنازل برحمته لتخف هذه المخاطر ويعيش الإنسان في طمأنينة وسلام. هذا في الشرق من خلال لاهوت الكنيسة وتفكير الكنيسة في الشرق أما في الغرب فقد تبلور هذا التفكير اللاهوتي حول البيئة، وهو الموضوع التالي.

    رابعًا: لاهوت البيئة

    هل للبيئة لاهوت؟ وهل يمكن للاهوت أن يتناول قضايا مثل البيئة؟ يجيب عن ذلك سهيل سعود بالقول: منذ النصف الثاني من القرن العشرين، برز اهتمام إنجيلي كبير لدى بعض اللاهوتيين الإنجيليين في موضوع العناية بخليقة الله وبالطبيعة والبيئة، فسموا “بلاهوتيي البيئة” Eco-theologians لإعادة قراءة قصة الخلق وعناية الله بخليقته في الكتاب المقدس بطريقة جديدة على ضوء الأزمة البيئية المستفحلة، كيما يوجه المؤمنين إلى طريقة معالجة الأزمة من منطلق روحي وكتابي. فلاهوتيو البيئة الإنجيليين عادوا إلى الكتاب المقدس ليعلنوا ويؤكدوا أن الله الخالق خلق كل الكون على أسس ثابتة ومترابطة ومتكاملة ومتوازنة بعضها مع البعض، لهذا خليقة الله المتنوعة من إنسان ونبات وأشجار وأنهار وحيوانات وغيرها هي بحاجة لبعضها البعض كيما تحافظ على الترابط والتوازن والانسجام والتكامل فيما بينها. (سعود، الإنترنت).

    وقد صرح الأسقف الإنجيلي الأسقفي جيمس بروان قائلًا: “بعد إعادة قراءة الكتاب المقدس على ضوء هذه الأزمة البيئية، فإني أقول نحن بحاجة “للتوبة البيئية” Ecological Conversion، نحن بحاجة للتوبة بكل ما تحمل كلمة “التوبة” من معنى روحي، في الرجوع إلى الله، في إعادة توجيه الله لكامل حياة الإنسان المؤمن في الفكر والقول والعمل. فالتوبة البيئية تتضمن خطوتين، الأولى: الاعتراف بالخطية، الاعتراف بفشل الإنسان في العناية بخليقة الله والإقرار بذنب الإساءة والتدمير التي سببها والندم على الذي فعله. والثانية: التعهد أمام الله بعدم تكرار كل أنواع الخطايا ومنها الخطايا البيئية، التعهد والالتزام بالمسيح وعيش الإيمان بالحفاظ على علاقة روحية تصالحية ليس فقط مع الله، ولكن مع أخيه الإنسان، وأيضًا كل خليقة الله الأخرى، بالعناية بها والمحافظة عليها والعمل بكل الوسائل الممكنة على شفائها من جراحاتها. (سعود، الإنترنت).

    من الأمور التي ابتدأ التركيز عليها في اللاهوت المسيحي منذ القرن الماضي، ما يسمّى بـ”لاهوت تكامل الخليقة”، وذلك بعد إساءة استخدام الإنسان للطبيعة ومواردها. الأمر الذي أدّى إلى احتباس حراري كثيف في الأرض، وتغيّر كبير في المناخ وإحداث ثقب في طبقة الأوزون. مع بداية الثورة الصناعية وتكاثر المعامل التي تطلق الغازات السامة، من الميثان وثاني أوكسيد الكربون، ومع تناقص الغابات والمساحات الحرجية، إذ تشير الإحصاءات، أنه خلال حوالي المئة سنة الماضية، دمّر الإنسان أكثر من 50% من غابات العالم. وكون أن الأشجار هي التي تلعب الدور الرئيسي في استيعاب الغازات السامة وتنظيف المناخ، يواجه العالم اليوم أزمة بيئية كبيرة تهدّد حياة الإنسان. في هذا السياق تأتي أهمية، “لاهوت تكامل الخليقة”. (سعود، الإنترنت).

    من أوائل القديسين الذين آمنوا بلاهوت تكامل خليقة بل بيئة الله، وترابطها مع بعضها البعض: كأجرام سماوية، وأشجار، وطيور، فتعامل معها باحترام ولطف، القديس فرانسوا الأسيزي، الذي تحدّث إلى العصافير، وأخبرها عن محبة الله لها. كما أعلن قائلًا: “القمر هو أخي، والشمس هي أختي، لأنهما خليقة الله”. مما لا شكّ فيه، أننا نحن الإنسان الخاطئ، مسؤولون بسبب جشعنا وسوء استغلالنا لخليقة الله، عن هذا الوضع البيئي الخطير الذي أصبح يهدّد حياتنا وحياة أولادنا. لهذا نحن بحاجة لإعادة التفكير بأن إلهنا الذي نعبده ونمجده هو قبل كل شيء الإله الخالق الذي يعتني بكل خليقته، بالإنسان والأشجار والطيور والمياه وكل الطبيعة. (سعود، الإنترنت). نحن مدعوون في وطننا إلى تغيير أسلوب تعاملنا مع خليقة الله، كجزء من ممارستنا لحياة الإيمان.

     

    خامسًا: قضايا التغير المناخي

    عند الحديث عن قضايا التغير المناخي يتصدر المشهد والدراسات قضيتين رئيسيتين هما: المواطنة البيئية والسلام البيئي وسوف نتعرض لهما.

    القضية الأولى: المواطنة البيئية ماذا تعني؟

    والمواطنة البيئية كمفهوم تتمثل في مجموعة القيم والعادات والتقاليد والأعراف والمبادئ والاتجاهات الإنسانية، التي تعزّز واقع الحقوق البيئية للجماعات البشرية في المناطق المختلفة من العالم، وتدعم قدرات وجود مقومات السلوك الأخلاقي والمسئولية الذاتية للفرد والمجتمع في تجسيد واقع الممارسات البشرية السليمة في العلاقة مع النظم البيئية ومكوناتها الأساسية، والتي يمكن أن تسهم في إيجاد وتأسيس قاعدة واعية قادرة على المساهمة الفعلية في الدفع باتجاه إقامة نظام عالمي أكثر عدلًا ومسؤوليةً في الدفاع عن المصالح العليا للإنسانية، والحفاظ على سلامة كوكب الأرض، وتأمين سبل العيش الكريم للجماعات البشرية، وتحقيق الأمن البيئي للإنسانية. (القاسم، الإنترنت).

    والمواطنة البيئية كفلسفة ومفهوم ذي قيمة وبعد اجتماعي، تجسد في بعدها الوطني مسؤولية الانتماء المعززة بالمبادرات الفردية والجماعية في دعم المشاريع الوطنية بمختلف وظائفها وأهدافها، وتعضيد قدرات حصيلة منجزاتها التنموية والاجتماعية. وتمثل مؤشرًا يحدد مستوى جاهزية ووعي الفرد والمجتمع بضرورة المساهمة المسؤولة والمتفاعلة مع الحدث الوطني بمختلف تجلياته، وهي بذلك تمثل وسيلة تفاعلية في استراتيجية بناء المبادئ والمسؤوليات والالتزامات الموجهة لبناء السلوك البشري وإنجاز أهداف التنمية المستدامة. (القاسم، الإنترنت).

    وتعني المواطنة البيئية أن يكون المواطن متحمسًا وواعيًا للقضايا البيئية ذات الأهمية، ومستوعبًا لأهم مسائلها ومتحفزًا لصون مكان عيشه والاهتمام بصحة كوكبه وملتزمًا بالحفاظ عليه، وهذا ما يدفعه إلى المشاركة الفاعلة والمسؤولة تجاه قضايا البيئة ذات الأولوية في مجتمعه لرد كافة التحديات التي تواجه أجيال الحاضر وأجيال المستقبل. (نهاية القاسم، الإنترنت).

    القضية الثانية: السلام البيئي ماذا يعني؟

    بناء السلام البيئي يشمل كافة الاقترابات والمداخل المختلفة التي يتم من خلالها دمج إدارة القضايا البيئية، بما يدعم منع الصراعات، والتخفيف من حدتها، وحلها والتعافي منها. ويُعد هذا التعريف هو الأكثر شمولًا، حيث إنه يغطي كلا الساحتين الدولية والمحلية، وكذلك الدرجات المختلفة من الصراعات، سواء كانت كامنة أو نشطة. وقد أوضح المقال أن بناء السلام البيئي يشتمل في مضمونه حسب (عبد العزيز، الإنترنت) على ثلاثة أبعاد، وهي الأمن، سبل العيش والاقتصاد، السياسة والعلاقات الاجتماعية:

    • الأمن: حيث إن بناء السلام البيئي بما يعنيه من الإدارة الشاملة والمستدامة للموارد الطبيعية يمكن أن يسهم في تجنب النزاعات حول هذه الموارد أو ما يرتبط بها، ومن ثم فهو يقدم عنصر الأمن والحماية، في ظل أن الاستغلال البيئي مع القليل من الاهتمام بالمجتمعات المحيطة يقوض الأمن البشري بشكل عام، ويمكن أن يؤدي إلى احتجاجات ومقاومة عنيفة. (عبد العزيز، الإنترنت)
    • سبل العيش والاقتصاد: فقد حدد العلماء انعدام الأمن المعيشي وضعف الأداء الاقتصادي كمؤشرات رئيسية للصراع العنيف وفشل بناء السلام. ومن ثم، تُعد الإدارة الفعالة والمستدامة للقضايا البيئية أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق الأمن المائي والأمن الغذائي، ومن ثم تقليص المساحات المتاحة لنشأة الصراعات. فالتركيز على الحوكمة أمر حيوي لاستعادة بناء السلام في حال تم تدمير البنية التحتية البيئية أثناء الصراع العنيف. ويُعد الحد من مخاطر الكوارث أمرًا حاسمًا أيضًا، لتحقيق الأمن المعيشي. (عبد العزيز، الإنترنت).
    • السياسة والعلاقات الاجتماعية، حيث إن التحديات البيئية المشتركة بين الدول قد تعد مداخل مهمة للتعاون الدولي حتى لو كان النمط العدائي هو المسيطر على تلك العلاقات أو أنها تتسم بعدم الثقة. فالتحديات البيئية توفر فرصًا للتعاون لأنها تتجاوز الحدود السياسية، وقد تكون أقل حساسية من حيث التناول من الموضوعات الأخرى ذات الطبيعة السياسية. على جانب آخر، يمكن أن يحفز التعاون البيئي على تدشين مؤسسات تُفضي إلى المزيد من التكامل وحل النزاعات. علمًا بأن هذه المؤسسات المتكيفة والمرنة ستعد ضرورية لبناء القدرة على الصمود، والاستجابة للتحديات العالمية مثل تغير المناخ. كما أن التعاون الإيجابي بشأن التحديات البيئية سيعد مفيدًا في بناء الثقة والتفاهم بين الفئات الاجتماعية والقادة السياسيين. وغالبًا ما يشار إلى هذه الديناميكية باسم صنع السلام البيئي. (عبد العزيز، الإنترنت)

    مستقبل بناء السلام البيئي:

    مر بناء السلام البيئي بعدة مراحل حتى الوصول إلى الجيل الثالث من الدراسات، والذي شمل العديد من الموضوعات والمناقشات التي ظهرت خلال العقدين الماضيين، والتي تعد مركزية لهذا الجيل الثالث من الدراسات والبحوث وإن كانت تواجه العديد من أوجه القصور التي تحتاج إلى معالجة، ومن أهمها حسب عبد العزيز هي:

    • النهج/الاقترابات التصاعدية Bottom-up Approaches: ركزت الأبحاث المتخصصة في مجال بناء السلام البيئي لفترة كبيرة على القيادة من أعلى إلى أسفل، وذلك من قبل المنظمات الدولية ومؤسسات الدولة رفيعة المستوى والمنظمات غير الحكومية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك جهود منظمة Tearfund’s غير الحكومية لحل الصراعات حول المياه من خلال الاهتمام بالبعد الأمني، ومحاولات برنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP لتحسين الوضع البيئي في مجتمعات ما بعد الصراعات، هذا إلى جانب مبادرات النخب داخل الدول بالتعاون مع الداعمين الدوليين لإرساء السلام. إلا أنه وبالرغم مما سبق فقد كشفت الأبحاث أنه -في كثير من الأحيان-تنجح المجتمعات المحلية في إدارة الموارد الطبيعية والتخفيف من حدة الصراعات البيئية أو إدارتها على نحو أفضل من التوجه المركزي للقيادات والنخب. فقد عملت النهج التصاعدية على نحو متزايد على تمكين المجتمعات المهمشة والضعيفة التي تفتقر إلى مقاعد على طاولات صنع القرار، وتعاني من “العنف البطيء” الناجم عن التدمير المتعمد في كثير من الأحيان لسبل معيشتها وأنظمتها البيئية. ونتيجة لذلك أولى الباحثون اهتمامًا متزايدًا بممارسات بناء السلام البيئي على المستوى المحلي من القاعدة إلى القمة، لا سيما فيما يتعلق بالقضايا التي تهم الأمن البشري الأساسي واستدامة سبل العيش. (عبد العزيز، الإنترنت)
    • النوع الاجتماعي: يُعد النوع الاجتماعي هو أحد الموضوعات التي لم تحظَ باهتمام كافٍ في أبحاث وممارسات بناء السلام البيئي، إلى أن وثّق عدد كبير من الأدبيات تأثير النوع الاجتماعي سواء كان ذكرًا أم أنثى على العلاقة بين الإنسان والبيئة، بما في ذلك بعض العلاقات المرتبطة بظروف ما بعد الصراعات البيئية. وقد ارتبط بتلك العلاقة مجموعة واسعة من الموضوعات التي تشمل تسليط الضوء على نقاط ضعف المرأة فيما يتعلق بالوصول إلى مورد الرزق الأساسي والتحكم في ذلك المورد أو إدارته، حيث إن البيئة ظهرت دائمًا كعامل شديد التأثير في تحديد قدرة المرأة على القيام بذلك الدور. على جانب آخر، تم تكريس المزيد من الاهتمام بالنساء كعاملات، وليس فقط كضحايا، بما في ذلك دورهن في عمليات بناء السلام. وعلى الرغم من الخطوات التي تم بذلها في ذلك السياق، إلا أنه ما زالت هناك العديد من التحديات التي تقف حجرَ عثرة أمام الدمج الشامل للنوع الاجتماعي كفئة تحليلية في البحوث البيئية والصراعات. كذلك تشمل التحديات الكبيرة التي تواجه البحث في هذا المجال المخاوف من الخلط بين الآثار قصيرة المدى والتغيير الدائم، وإحداث المواءمة بين الإصلاح القانوني والتغيير المنفذ بالفعل، وكذلك التركيز المفرط على الطابع الرسمي المهمش للنوع الاجتماعي في كثير من الدول. على المستوى المؤسسي، بدأ برنامج الأمم المتحدة للبيئة، بالتعاون مع جهات فاعلة أخرى، في إدراج منظور جنساني في عمله وخاصة في الموضوعات التي تتضمن التقاطع بين البيئة وبناء السلام، وهو ما يتضح من اعتماد جمعية البيئة التابعة له لقرار بشأن هذا الموضوع. (عبد العزيز، الإنترنت).
    • البرمجة الحساسة للصراعات Conflict-Sensitive Programming: يولِي بناء السلام البيئي الاهتمام الكافي للصراعات في عمليات البرمجة الفعالة للبيئة والموارد الطبيعية؛ أي أخذ الصراعات بعين الاعتبار، وهو ما يُعد من العوامل المهمة في تجنب الصراعات ذاتها. حيث إن الفشل في الاستعداد المسبق للصراعات يمكن أن يؤدي إلى حدوث الصراعات أو تجديد حدوثها عن غير قصد. (عبد العزيز، الإنترنت).
    • استخدام البيانات الضخمة والتكنولوجيا الرائدة: في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ظهر الاهتمام الأكاديمي بالأدوار الحالية والمحتملة للبيانات الضخمة والتقنيات الحدودية (مثل: نظم المعلومات الجغرافية، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الكتل) وذلك في مجال بناء السلام البيئي. حيث تم التركيز بشكل كبير على إمكانية تطوير أنظمة إنذار مبكر أكثر قوة بحيث يصبح الاندماج السريع للبيانات أسهل في تحقيقه، بما يسهل عملية تطوير نماذج أكثر موثوقية للحد من عدم اليقين في المجال البيئي. وفي هذا الصدد، تم التركيز على استخدام التقنيات المحمولة مثل الهواتف الذكية على نطاق واسع لتحقيق مجموعة واسعة من الأهداف، بدءًا من التوصيف الدقيق لظروف الأشخاص المعرضين للخطر إلى مراقبة عمليات النزوح القسري والمستوطنات العشوائية وغيرها. ومع ذلك، فإن استخدام البيانات الضخمة في بناء السلام البيئي يواجه العديد من التحديات التي قد يكون من بينها التحديات الإدارية والتقنية. (عبد العزيز، الإنترنت).
    • عمليات الرصد والتقييم: يُساعد الرصد والتقييم على فهم متى تحقق التدخلات أهدافها، ومتى لا تحقق ذلك ولماذا. حيث إن تطوير أدوات الرصد والتقييم سيوفر وسائل أكثر تعقيدًا واتساقًا وانتشارًا لتحقيق أهداف المساءلة والتعلم، وتقديم الدروس المستفادة للمستفيدين والمنفذين والممولين على حد سواء. وفي حين أن هناك عدة مؤلفات حول الرصد والتقييم لبناء السلام وحماية البيئة؛ فإن الأدبيات المتعلقة بالرصد والتقييم لبناء السلام البيئي لا تزال محدودة. قد تُظهر الدراسات الكمية ارتباطات واسعة، ولكنها غير قادرة على تقييم تدخلات سياسية محددة. (عبد العزيز، الإنترنت).

    التحديات والفرص لبناء السلام البيئي:

    يلعب المجتمع المدني دورًا رئيسيًا في عمليات بناء السلام البيئي، سواء اتخذ ذلك شكل حملات المناصرة من قبل المنظمات غير الحكومية على مستوياتٍ مختلفة، أو تحركاتٍ على أرض الواقع بقيادة المجتمع المحلي. وهذا هو واقع الحال في حالات الخلافات السياسية أو النزاعات بين البلدان؛ حيث يمكن للمجتمع المدني بناء الجسور بين الشعوب على الرغم من جمود العمليات السياسية. (ما هو دور بناء السلام البيئي في مواجهة تحديات المياه في الشرق الأوسط، الإنترنت).

     

    سادسًا: دور القادة الدينيين في مكافحة التغيرات المناخية

    في سفر المزامير نقرأ: “لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا. الْمَسْكُونَةُ، وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهَا.” (مز 24: 1). ثم نقرأ أيضًا: “السَّمَاوَاتُ سَمَاوَاتٌ لِلرَّبِّ، أَمَّا الأَرْضُ فَأَعْطَاهَا لِبَنِي آدَمَ.” (مز 115: 16). ويؤكد سفر التكوين على خلق الله بالقول: “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.” (تك 1: 1). وفي خلقه للإنسان أعطاه التكليف الحضاريّ، حيث يرد القول: “وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ. فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ. وَقَالَ اللهُ: إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْلٍ يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا.” (تك 1: 26-28). وتبرز هذه المهمة بالقول: “وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا.” (تك 2: 15).

    يضع جون ستوت، في كتابه: المسيحية والقضايا المعاصرة، ثلاثة أساسيات للتعامل مع البيئة، وهي:

    • لقد منح الله الإنسان سلطانًا على الأرض، وهي سلطة رعاية وعناية وليست تدمير.
    • إن سلطتنا سلطة تعاونية، نتعاون مع الطبيعة.
    • إن سيادتنا سيادة منتدبة، وبالتالي فهي سيادة مسؤولة، فهذه السيادة ليست من حقنا ولكن هي من الله. (ستوت، 118-126).

    ويقول حلَّاق: “إن مسؤولية الإنسان في الطبيعة هي مسؤولية إدارية على الإنسان أن يحسن إدارة استعماله لثروات الأرض. والإدارة تطلب وجود مبادئ وقوانين واحترامها. الإدارة العبثية المزاجية تخرب بدل من أن تبني. لذلك، لا يمكننا أن نكتفي بالعلم أو بالاقتصاد، بل ينبغي أن ندخل البعد الأخلاقي والضمير. وهنا يتم اللقاء بين الدين والعلم. ولكي يساهم اللقاء في بناء الإنسانية. عليه أن يكون لقاء تعاون لا لقاء عداء. الدين والعلم لا يتعاونان من أجل خير الإنسانية وحسب، بل، وخصوصًا، من أجل بقائها.” (حلاق، 22). وعلى القيادات الدينية إسلامية ومسيحية نشر هذا الوعي من خلال المنطلقات الفكرية والإيمانية التي تدعم هذا الموقف.

    سابعًا: دور الكنيسة تجاه قضايا المناخ

    يبنى موقف الكنيسة كمؤسسة دينية داعمة لمواجهة التغيرات المناخية لكي نعيش حياة آمنة على ثلاثة أمور كما أوردها رازق سرياني (سرياني، الإنترنت)، وهي: التوبة، الرؤية، الثقافة الأخلاقية. 

    أولًا: التوبة

    يفترض في الكنيسة أن تتوب عن أفعالها الماضية حين وضعت الإنسان مركزًا لكل شيء في الكون، وحيادها عن فكرة ربط الخليقة كلها مع الله. هذه التوبة هي الانطلاقة الأساس في التأسيس لثقافة بيئية مسيحية متجددة، وسلوك بيئي مسؤول عن كل مكونات الخليقة.

    ثانيًا: الرؤية

    بعد فعل التوبة، تستطيع الكنيسة أن ترسم صورة واضحة لما يمكن أن تكون عليه الأشياء وإلى أين تتجه الخليقة. أعلم النبي إشعياء شعبه عن خطاياهم ولكنه أيضًا وضع لهم تصوّرًا عن مستقبل علاقتهم بالله وإلى أين ستؤدي هذه العلاقة (إشعياء 11: 6 ـ 9): “فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْخَرُوفِ، وَيَرْبُضُ النَّمِرُ مَعَ الْجَدْيِ، وَالْعِجْلُ وَالشِّبْلُ وَالْمُسَمَّنُ مَعًا، وَصَبِيٌّ صَغِيرٌ يَسُوقُهَا. وَالْبَقَرَةُ وَالدُّبَّةُ تَرْعَيَانِ. تَرْبُضُ أَوْلاَدُهُمَا مَعًا، وَالأَسَدُ كَالْبَقَرِ يَأْكُلُ تِبْنًا. وَيَلْعَبُ الرَّضِيعُ عَلَى سَرَبِ الصِّلِّ، وَيَمُدُّ الْفَطِيمُ يَدَهُ عَلَى جُحْرِ الأُفْعُوَانِ.” لا بد أن تكون هناك رؤية إيمانية وحضارية واضحة المعالم توجّه الناس إلى سلوكيات بيئية تحترم وتحافظ فيها على البيئة والخليقة.

    ثالثًا: ثقافة أخلاقية

    تحتاج الكنيسة أن تضع رؤية لأخلاقيات جديدة تساهم في شفاء الأرض المريضة، ومعالجة جذور المشكلة البيئية الكائنة في الإنسان قبل الاختراعات العلمية والقرارات العالمية بخصوص البيئة. وهذه مهمة ليست سهلة ولكنها ليست مستحيلة في آن معًا. وتعتمد هذه الأخلاقيات على المبادئ التالية التي وضعها سرياني في دراسته “المسيحية واحترام البيئة”، وهي:

    • بالإضافة إلى التركيز على أهمية الأخلاق الفردية، فمن المهم أيضًا التركيز على أخلاقيات الجماعة المسيحية، والتشجيع على العمل الجماعي، والحديث عن مسؤوليتنا أمام الأجيال المقبلة، وقيمة “التكنولوجيا ذات الطابع الإنساني”. ولا تقتصر القيم الأخلاقية على المسؤولية تجاه الجيل الحالي والأجيال المقبلة، بل المسؤولية أمام الله خالق الكون. إذ يجب مناهضة مقولات غير مسؤولة مثل: “لـمَ الاهتمام بنضوب النفط الأرضي إذا كان أهل هذا الزمن لن يكونوا موجودين عندما ينفُذ؟ ولـمَ القلق بشأن تراكم المخلفات النووية إذا كانت الأجيال التي ستتعامل معها لم تولد بعد؟ يجب أن يمتد الاهتمام بالبيئة إلى مستقبل أجيالنا أيضًا، ولا يفرّق بين الجيل الحالي والأجيال المقبلة، ولا بين أحياء اليوم ومّن لم يولدوا بعد.
    • الإنسان والطبيعة شيئان مهمان بحد ذاتهما. ومن الخطأ أن نعتبرهما سلعة، بل قيمتان إلهيتان مقدستان. وأن هذه القيمة تنبع من حقيقة المنظر الطبيعي الذي يساعد الأفراد على استشعار بعض الإحساس والمسؤولية في حياتهم تجاه كل الكائنات الحية في الطبيعة.
    • على الكنيسة أن تنصح القائمين على الاقتصاد المحلي والإقليمي والعالمي أن يحسبوا حساب محدودية النظام البيئي. إذ لا يمكن للأرض أن تبقى معطاءة إلى الأبد. إن فكرة النمو والتطور الاقتصادي تعني زيادة مساحة قضم التفاحة. وفي هذه الحالة سيأتي اليوم ولن يبق منها شيء.
    • على الإنسان أن يفهم أن الأرض هي ليست ملك له، بل هو موكـّل بالحفاظ عليها وحمايتها. الأرض قيمة بحد ذاتها ومن غير الجائز استهلاكها بما تحتويه من مصادر بشكل عشوائي لأنها مكان لكل الكائنات الحية. إنه من غير الأخلاقي وغير العادل أن تنمو مساحات أكبر وأكبر من أجل قطعان الخراف لإنتاج لحم الهمبرغر على حساب مساحات الغابات المقطوعة، ومن غير الأخلاقي حفر الجبال بشكل عشوائي وقطع أشجار الغابات من أجل بناء مساحات في أبنية اصطياف للعالم.
    • تلوث البيئة بكل أنواعه وأشكاله السمعي والبصري والشم والذوق، وفقدان الأنواع ودمار الغابات وانقراض الثروة الحيوانية والمائية وغيرها هي كلها أشكال من المشاكل البيئية، كلها جرائم ضد الأرض والإنسانية يقوم بها الإنسان. أما التشريعات والقوانين فلا تجدي نفعًا إن لم ترافقها ثقافة بيئية خاصة.
    • لدينا واجب أخلاقي تجاه الكائنات الحية غير البشرية. عندما قطع الله عهده مع نوح، قطعه مع كل الخليقة وليس مع الإنسان فقط (تكوين 9: 12). ويخبرنا إنجيل يوحنا أن في السيد المسيح: “كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.” (يو 1: 3). لقد قدّم المسيح ذاته عن كل الخليقة كما يقول بولس الرسول إلى أهل رومية: “لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ.” (رو 8: 21). وبالتالي، يجب أن تكون نظرة الإنسان إلى الخليقة نظرة شمولية بحيث أنها كينونة متكاملة بما فيها الكائنات البشرية.
    • الإنسان مسؤول تجاه معاناة ذاته ولكنه مسؤول أيضًا تجاه المعاناة والأذى الذي يسببه للحيوان أيضًا. يتحدث السيد المسيح في لوقا البشير عن هذا بقوله: “أَلَيْسَتْ خَمْسَةُ عَصَافِيرَ تُبَاعُ بِفَلْسَيْنِ، وَوَاحِدٌ مِنْهَا لَيْسَ مَنْسِيًّا أَمَامَ اللهِ؟” (لو 12: 6). هؤلاء الذين يحبون الله، يمتنعون عن أذية أي مخلوق على وجه الأرض لأنها كلها من مخلوقات الله.

    هذه بعض طرق التفكير التي يجب أن تتغير ويجب أن تتبناها الكنيسة وتعلـّمها لأنها من صلب تعاليم الإنجيل. يجب أن ننظر إلى الخليقة على أنها شيء مقدس ووحدة متكاملة. الطبيعة هي أيقونة المقدس، وهي مرآة تعكس صورة الله وروعته في الخلق. وهو حاضر فيها لأن الكلمة في البدء أعطت الحياة للخليقة.

    خاتمة:

    كان الهدف من ورقتي هذه هو رفع الوعي بقضية تغيير المناخ على جميع المستويات من خلال الاقتراب اللاهوتيّ الكتابيّ الكنسيّ، والأهم من ذلك هو التعليم المتواصل والمتتابع عن أهمية الحفاظ على البيئة، زيادة المساحات الخضراء إن أمكن ذلك، ومقاومة الأساليب الخاطئة في التعامل مع البيئة. مع الاعتبار للأجيال القادمة من حيث الحفاظ على البيئة.

    بدأت الورقة بمقدمة ثم تعريف ما هي التغيرات المناخية؟ يليها تعريف المناخ، ثم حضور قضايا البيئة والمناخ في الليتروجية القبطية، ثم قضايا التغيرات المناخية من حيث المواطنة البيئية والسلام البيئي وكلاهما مصطلحان حديثان، وصولًا إلى دور القادة الدينيين والمؤسسات الدينية ولا سيما الكنيسة في مواجهة التغيرات المناخية. ولعل هذا الطرح يفتح لنا طاقة من الوعي والإدراك لكي نحول الصلوات والأدعية إلى عمل في الحفاظ على بيئتنا آمنة.

    أختم دراستي هذه بمقولة للبابا فرنسيس: “إنَّ “التحدي الملح لحماية منزلنا المشترك يشمل الاهتمام بجمع جميع أفراد الأسرة البشرية معًا للبحث عن تنمية مستدامة ومتكاملة، لأننا نعلم أن الأشياء يمكن أن تتغير. الخالق لا يتركنا. لا يتخلى عن خطته المحببة أو يتوب عن خلقنا. لا تزال الإنسانية قادرة على العمل معًا في بناء منزلنا المشترك “. (البابا فرانسيس، 2015م).

    المراجع

    أمين، إميل. الكرة الأرضية ونقطة اللارجوع. الشرق الأوسط، 24 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15579].

    البيئة ومفهومها وعلاقتها بالإنسان، متاح على موقع https://www.env-news.com/in-depth/studies-researches وتم الاطلاع عليه في 9 سبتمبر 2022م.

    حلاق، سامي. أوراق بيئية قراءة في لاهوت البيئة. بيروت: دار المشرق، 2011م.

    ستوت، جون. المسيحية والقضايا المعاصرة، ترجمة نجيب جرجور. القاهرة: دار الثقافة، 1990م.

    سرياني، رازق. المسيحية واحترام البيئة. متاح على موقع https://www.terezia.com وتم الاطلاع عليه في 10 سبتمبر 2022م.

    سعود، سهيل. 5 حزيران: اليوم العالمي للبيئة “التوبة البيئية”. مقال منشور على صفحته في الفيسبوك يوم 5 يونيو 2018م.

    سليمان، سرحان. دراسة اقتصادية على التنمية المستدامة في مصر. سبتمبر 2015 منشور على صفحة Academia.

    الشهاوي، أحمد. قسم المصري. متاح على موقع https://www.almasryalyoum.com وتم الاطلاع عليه في 9 سبتمبر 2022م.

    عبد العزيز، سارة. السلام البيئي رؤية متطورة لمواجهة صراعات الموارد. متاح على موقع https://futureuae.com وتم الاطلاع عليه في 10 سبتمبر 2022م.

    القاسم، نهاية. المواطنة البيئية في العقبة، متاح على موقع https://alanbatnews.net/article وتم الاطلاع عليها في 10 سبتمبر 2022م.

    كامل، ماجد. نهر النيل في صلوات الكنيسة. متاح على موقع https://www.copts-united.com/Article وتم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2022م.

    ما دور بناء السلام البيئي في مواجهة تحديات المياه في الشرق الأوسط؟ متاح على موقع https://water.fanack.com/ar/publications وتم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2022م

    ما هو تغير المناخ؟ متاح على موقع https://www.un.org/ar/climatechange وتم الاطلاع عليه في 10 سبتمبر 2022م

التَّوبًة البيئيَّة دَعْوة إنْجيلية للعناية بالبيئة

اسم الكاتب : القس سهيل سعود

  • مِن أخْطَر الأزمات التي تواجه العالم اليوم، الأزمة البيئية. فنتائج هذه الأزمة تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية والاقتصادية لأي بلد من البلدان، لتضع كل العالم في دائرة الخطر. فمنذ الثورة الصناعية التي أدَّت إلى ازدهار الكثير من الصناعات في القرن الثامن عشر، تمَّ اكتشاف واستخراج واستخدام مصادر الوقود الحفري المُختزن في باطِن الأرض وتحت مياه البحار، وهي الفحم والبترول والغاز الطبيعي والغازات الدفينة. فإن استخدام الإنسان لهذه الوقود وحَرْقها أدَّى إلى زيادة انبعاثات عدد من الغازات في الهواء، أولها غاز ثاني أوكسيد الكربون وغاز الميثان وغيرها. فهذه الغازات حابسة للحرارة وتسبِّب ارتفاع درجات الحرارة في حيّز طبقات الهواء الجوي القريبة من سطح الأرض، ممَّا أثَّر على توازنات الطاقة في العالم وأدى إلى تغيير مثبت في المناخ من فيضان إلى تصحُّر إلى تلوث، كما أدى إلى ازدياد حدَّة الاختلافات بين الفصول وما يتبع ذلك من تغيُّرات في المواسم الزراعية وتأثيره على الزراعة والمراعي والغابات وغيرها. بالإضافة إلى تقلّص الغطاء الجليدي في القارتَيْن القطبيتَيْن الشمالية والجنوبية وخَطَر ذوبان الثلوج فيها، ممَّا يؤدي إلى ارتفاع مستوى مياه البحر وغيرها من النتائج الجدية التي تشكِّل تهديدًا لحياة الإنسان.

    بالإضافة إلى ذلك، فإن إساءة تعامل الإنسان مع الطبيعة والغابات قد زاد من حِدَّة الأزمة البيئية. وتُظْهِر دراسة إحصائية قامت بها مجموعة مؤلَّفة من ألفيّ عالِم فيزيائي أن طريقة تعامل الإنسان مع الغابات قد ساهم في تفاقُم الأزمة، إذ أنه خلال الخمسين عامًا الماضية دمر الإنسان أكثر من 50% من غابات العالم، ممَّا أدى إلى ازدياد الغازات الضارة في الهواء إلى 20% وأثَّر على خصوبة التربة.

    ولخطورة الموضوع، فإن الأزمة البيئية تحتلّ اليوم الصدارة في المناقشات والمداولات في كل دول العالم. أمام هذه الأزمة البيئية المستفحلة نطرح السؤال التالي: ما هو موقف اللاهوت المسيحي واللاهوت الإنجيلي من هذه الأزمة التي تواجه عالم اليوم؟ فإذا كانت إحدى مهام اللاهوت مخاطَبة الواقع الذي يعيش فيه الإنسان المؤمن، في كل ما في الواقع مِن أزمات وصعوبات، لتقديم تصور ما وتوجُّه ما لكيفية معالجته، فما هي التوجُّهات التي يرسمها اللاهوت المسيحي والإنجيلي لمواجهة تلك الأزمة؟ هذه الأسئلة وغيرها تطرح نفسها اليوم على جميع اللاهوتيين والفُقهاء وكل المسؤولين الروحيين في كل الأديان، كما تطرح نفسها على كل المثقفين الذين يؤمنون بأنهم يستطيعون أن يساهموا ولو مساهمة بسيطة في أمر بيئي ما للتخفيف من وطأة الأزمة.

    يتحدث اللاهوت المسيحي الكلاسيكي عن طريقتَيْن أعلن فيهما الله عن نفسه؛ الأولى: بواسطة لاهوت الوَحْي، والثانية: بواسطة اللاهوت الطبيعي. فلاهوت الوحي يتحدث عن معرفة الإنسان المؤمن بالله من خلال كلام الوحي في الكتاب المقدس، ومُفاده أن الله أعلن عن نفسه بشكل كامل في ابنه يسوع المسيح المخلص للإنسان المؤمن. فبينما لاهوت الوحي يشدِّد على إعلان الله الكامل في ابنه يسوع المسيح، فإن اللاهوت الطبيعي يتحدث عن إعلان الله الجزئي عن نفسه للإنسان، بواسطة الطبيعة وكل الخليقة من جبال وغابات وأنهار وغيرها.

    فاللاهوت الإنجيلي الكلاسيكي المستمد من فِكْر المصلحيين الإنجيليين الذين انطلقوا من حركة الإصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر، هو لاهوت يشدِّد على وحي كلمة الله، وبالتالي يشدِّد على مواضيع النعمة والخلاص والتوبة والتبرير بالإيمان وعلاقة الله مع الإنسان، لكنَّه لا يشدِّد على إعلان الله الجزئي في الطبيعة. أضِف إلى ذلك، أنه لَمْ يكُن يواجه العالم أزمة بيئية شبيهة بأزمته اليوم. وبالتالي فالموضوع البيئي لَمْ يكن مطروحًا أمام المُصلحيين الإنجيليين آنذاك كما هو مطروح في عالمنا اليوم. من اللاهوتيين والوعاظ الإنجيليين المشهورين الذين لا يزالون على قيد الحياة اليوم الدكتور القس “جون ستوت” الذي صرف جزءًا من حياته في متابعة ومراقبة أجناس الطيور. فقد علّق قائلًا: “إن موضوع خليقة الله هو موضوع مُهْمَل إنجيليًا، والعناية بخليقة الله هي أيضًا مسؤولية إنجيلية مُهْمَلَة”، لهذا فهو يشجع الإنجيليين على الانخراط في هذه المسؤولية.

    لكن في حين أن بعض الإنجيليين يحصرون جُلَّ اهتمامهم في موضوع لاهوت الوحي، فإنَّنا نرى في النِّصف الثاني من القرن العشرين اهتمام إنجيلي كبير لدى بعض اللاهوتيين الإنجيليين في موضوع العناية بخليقة الله وبالطبيعة والبيئة، فأُطْلِقَ عليهم “لاهوتيُّو البيئة”، وصاروا ينادون، ليس فقط بضرورة الاهتمام باللاهوت الطبيعي أي إعلان الله الجزئي في الطبيعة، ولكن عن الحاجة إلى لاهوت جديد للطبيعة، يدفع المؤمنون إلى إعادة قراءة قصة الخلق وعناية الله بخليقته في الكتاب المقدس بطريقة جديدة على ضوء الأزمة البيئية المُستفحلة، حتى يوجِّه المؤمنون إلى طريقة معالجة الأزمة من منطلق روحي وكتابي. وقد عبَّر عن هذا التوجه الجديد الكاتب الإنجيلي “هارولد أوليفر”، الذي كتب في العام 1992 في مجلة “الأكاديمية الأميركية للدين” مقالة بعنوان:“The neglect and recovery of nature in 20th century protestant thought” . “إهمال واستعادة الاهتمام بالطبيعة في الفكر البروتستانتي في القرن العشرين”.

    فلاهوتيو البيئة الإنجيليون عادوا إلى الكتاب المقدس ليعلنوا ويؤكِّدوا أن الله الخالق خَلَق كل الكون على أسس ثابتة ومترابطة ومتكاملة ومتوازنة بعضها مع بعض. لهذا فإن خليقة الله المتنوعة، من إنسان ونبات وأشجار وأنهار وحيوانات وغيرها هي بحاجة لبعضها لتحافظ على الترابط والتوازن والانسجام والتكامل فيما بينها. ففي (أمثال 8: 27-29) نرى بعض الأسس التي وضعها الله في خلقه الكون فيقول إن الله “رسم أسس الأرض، رسم دائرة على وجه الغمر. أثبت السحب من فوق ووضع للبحر حدّه فلا تتعدى المياه تخمه“. ويعزو بعض لاهوتيي البيئة السبب الأساس للأزمة البيئية إلى الخطيئة؛ خطيئة الإنسان الذي تمرَّد على الله وابتعد عنه ورفض الإصغاء لصوته وتصرَّف بجشع وطمع وأنانية وبعدم احترام ومسؤولية، وليس فقط مع أخيه الإنسان ولكن مع الطبيعة “خليقة الله”. وبالتالي فالأزمة البيئية هي بالدرجة الأولى أزمة روحية. تخبرنا قصة الخلق في الكتاب المقدس أنه عندما خلق الله آدم، فقد سلَّطه على اعمال يديه، ومنحه الامتياز والسُّلطة لكي يسمي الحيوانات بأسمائها وأوْكله على كل خليقته ليستخدم سلطته بمسؤولية وأمانة. لكن ويا للأسف، فقد خان الإنسان هذه الأمانة بسبب خطيئته وجشعه ومصالحه الخاصة، فاستغل السلطة التي منحه إياها الله، وبدلًا من أن يُعْنى بخليقة الله، دمَّر جزءًا كبيرًا منها، وهكذا أفقدها توازنها وانسجامها وترابطها وتكاملها، ممَّا أدى إلى الأزمة البيئية واستغلال السلطة في كل الميادين الروحية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والوطنية نتيجة الأزمات المتعددة.

    صرَّح الأسقف الإنجيلي الأسقفي “جيمس بروان” قائلًا: “بعد إعادة قراءة الكتاب المقدس على ضوء هذه الأزمة البيئية، فإني أقول: نحن بحاجة “للتوبة البيئية” “Ecological Conversion”، نحن بحاجة للتوبة بكل ما تحمل كلمة “التوبة” من معنى روحي، في الرجوع إلى الله، في إعادة توجيه الله لكامل حياة الإنسان المؤمن في الفكر والقول والعمل. فالتوبة البيئية تتضمَّن خطوتَيْن، الأولى: الاعتراف بالخطية، الاعتراف بفشل الانسان في العناية بخليقة الله والإقرار بذنب الإساءة والتدمير التي سببها، والنَّدم على ما فعله. والثانية: التعهُّد أمام الله بعدم تكرار كل أنواع الخطايا وخاصة البيئية منها، التعهد والالتزام بالمسيح وعَيْش الإيمان بالحفاظ على علاقة روحية تصالحية ليس فقط مع الله، ولكن مع أخيه الإنسان، وأيضًا مع كل خليقة الله الأخرى، بالعناية بها والمحافظة عليها والعمل بكل الوسائل المُمكنة على شفائها من جراحاتها.

    لقد بدأت ملامح هذه التوبة الإنجيلية البيئية تترجَم من خلال إقامة روابط وجمعيات إنجيلية في العالم منها “الشبكة الإنجيلية للبيئة”، و”المبادرة الإنجيلية للمناخ”. ومن النتائج الرئيسية لتلك الجمعيات الإنجيلية، لقاء هام انعقد عام 1994 حيث اجتمع حوالي خمسمائة قائد إنجيلي تداولوا في المسؤولية المسيحية في الاهتمام بالعالم الذي خلقه الله، ونتيجة لهذا الاجتماع صدرت وثيقة تسمَّى: “الإعلان الإنجيلي حول العناية بالخليقة”. حيث وقَّعها القادة الإنجيليون الحاضرون وهي تؤكد على أن فهمهم للكتاب المقدس وللإيمان بالمسيح يدفعهم للتعهُّد بالعناية بالبيئة. كما انعقد في العام 2005 لقاء إنجيلي آخَر حول البيئة، صدر عنه وثيقة وتعهُّد آخَر سُمي بـ The Sandy Care Covenant، مِن توصيات ذلك اللقاء: ضرورة تعميق الاهتمام بخليقة الله، تعميق المعرفة البيئية من خلال الاطلاع على نتائج وابحاث علم البيئة.

    كما صدر عن الاجتماع دعوة لكل الكنائس والأديان والمؤسَّسات الحكومية وغير الحكومية وكل أفراد المجتمع للانضمام إليهم وتضافر كافة الجهود للعناية بالبيئة خليقة الله بكل الوسائل المُمكنة، وإلى الالتزام بالآداب البيئية، واتخاذ موقف أخلاقي وديني وأدبي من استغلال البيئة.

    مما لا شك فيه أن مواجهة هذه الأزمة البيئية المستفحلة، تتطلَّب جهودًا دولية كبيرة، وقد قامت منظمة الأمم المتحدة بعقد خمسة عشر مؤتمرًا دوليًا للموضوع البيئي وتغيُّر المناخ، كان آخره مؤتمر “كوبنهاغن” الذي انعقد في الدانمارك في كانون الأول 2009 وحضره ممثلو 192 دولة وقد هدف إلى الوصول إلى اتفاقيات دولية واتخاذ إجراءات مشتركة لخَفْض كمية الانبعاثات الحرارية في الهواء وتغيير المنطق الفكري والصناعي والاقتصادي العالمي بما يخفِّف من وطأة الأزمة.

    وفي الختام، علينا أن نتذكَّر دائمًا أنَّ الله خلق هذا الكون والطبيعة الجميلة لنتمتَّع بها ونحافظ عليها بمسؤولية عالية. فصلواتنا إلى الرب يسوع المسيح أن يمنحنا روحه القدوس لكي نجسِّد توبتنا عمليًا بالعناية بخليقة الله والحفاظ على بيئة سليمة خالية من التلوُّث. آمين.

العلوم الاجتماعية وقضايا البيئة

اسم الكاتب: سامية قدري ونيس

  • أناشدكم ان تكونوا أوفياء بالأرض يا أخوتي”

                                                                               فريدريش نيتشه

          ربما كانت دعوة نيتشة هذه، التي دعاها منذ أكثر من مائة عام في كتابه الأهم “هكذا تكلم زرادشت” الذي قيل عنه أنه “دهليز فلسفته” التي أثرت في مجالات إنسانية عدة، بمثابة ناقوس مبكر للخطر الذي سوف يلحق الضرر بالبشرية جراء الحداثة وما بعد الحداثة، العمليتان اللتان ساهمتا في كافة المشكلات التي شهدتها البشرية منذُ أن بدأت الحداثة في أوربا نهاية القرن الثامن عشر وصولًا إلى العولمة التي بدأت عملياتها المدمرة منذُ منتصف القرن العشرين.

          وفي مطلع السبعينيات وتحديدًا عام ١٩٦٢، اصدرت عالمة البيولوجيا “راشيل كارسون” كتابها المعنون “الربيع الصامت” التي نبهت فيه إلى حدوث كارثة بيئية عالمية. وذلك بعد أن لاحظت إختفاء واستنزاف الموارد الطبيعية من كوكب الأرض، ولا سيما الطيور التي اختفت خلال ربيع اصدارها للكتاب. وعلى أثر كتاب كارسون، بدأت المحافل الدولية والمنظمات العالمية، والباحثون من مختلف المجالات للتنبه ومن ثم التصدي لهذه المشكلات.

          تبلور هذا الاهتمام بدايةً في مؤتمر استكهولم عام ١٩٧٢ عن “بيئة الإنسان”، ذلك المؤتمر الذي مهد لظهور أحزاب الخضر في أوروبا للنظر إلى الصناعة كمفتاح لفهم التدهور البيئي. وفي العام ١٩٧٤ نشر “نادي روما” تقريرٍ بعنوان “حدود النمو” تكهن فيه بحدوث أزمة بيئية خطيرة في كافة المجتمعات المتقدم منها والأقل تقدمًا، وأكد التقرير أن العالم سيواجه مخاطر عدم استدامة عدد من المكونات البيئية مثل: مستويات السكان، والتصنيع والتلوث، وإنتاج الغذاء واستنضاب الموارد. وفي العام ١٩٨٠، صدرت وثيقة “الإستراتيجية العالمية لصون الطبيعة” تلتها وثيقة “مستقبلنا المشترك” عام ١٩٨٧. كان أهم نتائج تقريرها ظهور مفهوم التنمية المستدامة الذي قدمت له اللجنة تعريفًا: “قدرة الجيل الحالي على أن يضمن إشباع الحاضر دون أن يؤثر ذلك على قدرة الأجيال المقبلة على ان تسد حاجاتها”. توالى الاهتمام في السنوات اللاحقة حتى فوجئ العالم بالعديد من الكوارث، ففي العام 1984 أهتز ضمير البشرية لمأساة الجفاف والموت في أفريقيا، علاوة على كارثة مصنع المبيدات في مدينة بوبال في الهند، ومع مطلع 1985 موت الآلاف في أوروبا وأمريكا من موجة البرود والصقيع التي اجتاحت تلك المناطق. وفي عام 1990 تصدع مصنع تشيرنوبل النووي في روسيا، إلى جانب أزمة المياه في العالم، وخاصة الشرق الأوسط، ارتفاع حرارة الأرض…إلخ. وكان آخر تلك الكوارث “وباء كورونا” الذي أرجعه المتخصصون إلى عوامل بشرية أضرت بالبيئة مثلمًا أضرت بالبشر.

          لقد أعادت جائحة كورونا وتداعياتها مفهوم “مجتمع المخاطر” الذي أشار إليه المفكر الأميريكي”إيرلش بيك” في كتابه الذي يحمل نفس العنوان، يقول بيك: “إن مجتمع المخاطر لا يعني مجتمعًا عصريًا نجح فيه التحكم في الأخطار والتهديدات الناجمة عن الصناعة، بل بالتجارب التاريخية للأزمات البيئية وتقويض أمن الرخاء الحكومي”. وتفرق نظرية بيك بين نوعين من المخاطر: المخاطر القديمة والحديثة، ويفترض أن المخاطر الحديثة تقوم بتعطيل عملية التنبؤ بالكوارث العالمية التي تزعزع أسس المجتمعات الحديثة. يشير بيك إلى أن هذه المخاطر تتميز بسمات ثلاث: ١- التمركز، بمعنى أن أسبابها وآثارها لا تقتصر على مكان أو نطاق جغرافي، بل تتخطى حدود الدول خاصة ما يتعلق بالمخاطر الجديدة وعلى رأسها تغيرات المناخ. ٢- عدم قابلياتها للحساب والتقدير، نتيجة لعدم القدرة على المعرفة، وحيث نتائجها لا يمكن حسابها خاصة وأن الأمر يتعلق بمخاطر افتراضية.٣- عدم قابليتها للتعويض، خاصة ما يتعلق منها بتغير المناخ الذي لا يمكن معالجته، ومن هنا يفقد منطق التعويض مفعوله ويحل محله منطق الحماية عن طريق الوقاية.

         إن مجتمع المخاطر الذي أشار إليه بيك هو مجتمع العولمة، تلك العملية التي اجهدت المجتمعات فأصبح المجتمع يتصف بأنه “مجتمع الإجهاد”، فهو مجتمع مجهد بتناقضاته الاجتماعية (الأغنياء والفقراء، ذوي الموارد وفاقديها، المعترف بهم وغير المعترف، الخائضين في الحياة وغير الخائضين)، كما إنه مجتمع التسارع من حيث سرعة انتشار الظواهر وسرعة تشكل آثارها والذي يؤدي بدوره إلى تعميق التناقضات، كما يوصف بأنه مجتمع الابتكار، بمعنى قدرته على ابتداع أساليب للحياة وأنماط للعيش تمكن البشر من المقاومة والجمع بين البقاء على قيد الحياة في معناه البيولوجي والبقاء على قيد الوجود في معناه الاجتماعي.

          لقد فتح وباء كورونا أو كوفيد ١٩ الطريق إلى عالم جديد إلا أن هذا العالم ما زال موضع تكهنات، وتصورات، ونظريات ومحاولات وضع سيناريوهات للمستقبل والكشف عن مآلات الجائحة، التي لم تنته أثارها بعد، على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولعل مؤتمر قمة المناخ الذي انعقد في شهر نوفمبر من العام 2022 في مدينة شرم الشيخ بمصر لأحد الإجراءات التي اتخذتها حكومات الدول لمناقشة ووضع تصورات حول مستقبل العالم في ظل التغيرات المناخية والبيئة.

           ورغم كافة المحاولات، فإن قدرة المفكرين والباحثين في العلوم الاجتماعية، الذين من شأنهم وضع رؤى للمستقبل أو قل حل مشكلات الواقع المعاش ما زالت موضع شك خاصة فيما يتعلق بإمكانية رسم آفاق للمستقبل، خاصة في وجود حالة “اللايقن” التي وصلت لمستويات لم يسبق لها مثيل. فعلى حد قول الفيلسوف الإيطالي جورجيو آجامبين في تحليله للجائحة: “إن الجائحة قضت على خططنا المرسومة بعناية وأزعجت عقولنا بنفس الوتيرة”، الأمر الذي جعله يذهب بأن الحالة الراهنة التي تعيشها البشرية تتطلب العودة إلى الفلسفة لتأويل ما وصلنا إليه من عدم اليقين، وذلك للإجابة على السؤال: ماذا يجب أن نفعل؟ بدلًا من السؤال الفلسفي الأول: كيف ينبغي أن نعيش؟.

          ونظرًا لصعوبة التنبؤ بحدوث الكوارث الطبيعية ومآلاتها، حيث لم يُقدم العلماء توقعات حول تغير المناخ، وتأثير الوقود على طبقة الأوزون التي تحمي الأرض، والإنبعاث الحراري الذي يؤثر على كمية سقوط الأمطار، وتوقع وجود فيروس…إلخ. ومن هنا فإن التنبؤ يصبح غير ذي جدوى وقد يؤدي إلى تضليل صناع القرار وخداعهم. ومن ثم فإن على صانعي القرار أن يكونوا على أهبة الاستعداد لمواجهة أي احتمالات لكوارث قد تحدث. وهنا بات على العلوم الاجتماعية مسؤولية وضع بدائل أو تصورات حول ما قد ينجم من ظواهر طبيعية أو بشرية على إن تكون هذه التصورات معقولة حتى ولو كانت إلى حد ما بعيدة عن الحدوث. إننا نحتاج، كما ذهب عالم الاجتماع رايت ميلز إلى “الخيال السوسيولوجي” أي القدرة الذهنية التي تساعدنا على استخدام تفكيرنا إضافة إلى حاجتنا إلى كم هائل من المعلومات حتى يتكشف لنا بوضح جوهر الحياة التي يعيشها. ولعل التحول الرقمي يمكن أن يفيدنا في مجالات عدة: أنظمة العمل والتعليم، والخدمات الصحية، وتوفير السلع وغيرها. إلى جانب الدور الذي لعبه في محاربة الشائعات والسيطرة على المعلومات المضللة.

        إن الباحثين من مختلف التخصصات الآن بصدد وضع خريطة جديدة للعالم وإعادة هيكلته للتعامل مع مشكلات البيئة، خاصة فيما يتعلق بالعدالة البيئية، وصحة البيئة التي توازي صحة البشر، بل هي المسؤولة عن صحتهم ومكافحة تغير المناخ قبل أن يصبح كارثيًا وغير قابل للمعالجة. وعلى البشر أن يسرعوا في إعادة تنظيم أنفسهم  متضامنين من أجل تحقيق عالم أفضل من العالم الذي يعيشون فيه.

المناخ الرعوي في زمن كورونا: تسقط أوراق الخريف وتفتح أزهار الربيع

اسم الكاتب: القسّ عيد صلاح

  • مقدمة:

    هذه الدراسة هي خلاصة متابعة ورصد وتحليل للفترة الصعبة التي نمر بها ولم تنه به، وهي تفاعل مع المجريات من منظور رعويّ، وقد كتب خبراتي وتفاعلاتي وعظاتي فيما يزيد عن 400 صفحة في هذه المرحلة وما هذه المشاركة إلا مساهمة في تأسِّيس منظور الرعاية في زمن كورنا من منظور رعويّ عملي. على أنَّ المشاركة بهذه المحاضرة مع الزملاء المعينين في العمل الرعويّ قد تطور منها وتجودها. ولأننا في شهر مارس وعلى عتباب فصل الخريف أخترت أن يكون عنوان ورقتي هو: الرعاية في زمن كورونا: تسقط أوراق الخريف وتتفتح أزهار الربيع. (قَدَمتُ هذه الورقة في لقاء قسوس مجمع القاهرة بالكنيسة الإنجيلية بالعباسية، الاثنين 15 مارس 2021م).

    تتكون الدراسة من ست أجزاء: الوباء الحدث الأزمة والصدمة والرعاية، أسئلة وقضايا مهمة في زمن كورونا، سمات العمل الرعويّ في زمن كورونا، تحدياتالعمل الرعويّ في زمن كورونا، مهمام عملية في زمن كورونا، وأشارك بخبرة فيلسوف معاصر، ثم صلاة رعويّة في زمن كورونا.

    الجزء الأول: الوباء: الحدث، الصدمة، الأزمة

    لم يكن في الحسبان أن نتعرض لمثل هذا الوقت الذي يمثل أزمة بكل المقاييس ليس على المستوى المحلي ولكن على المستوى العالميّ، وحيث أن الوقاية خير من العلاج، ولأن التجمعات خطر كبير تؤدي لانتشار الفيروس كان القرار لكل الكنائس والجوامع في مصر-بلااستثناء-بتعليق كافة الاجتماعات من منتصف مارس لمنتصف يوليو 2020م ثم تم الفتح وبعد ذلك الغلق، ثم الفتح، ومن يدري سنغلق ثالثة ورابعة أم لا.

    يقابل ذلك موقف صعب لدى الرعاة بين الحفاظ على أنفسهم لاتمام رسالتهم -وكونهم أيضًا بشرًا يخافون كما يخاف غيرهم- وبين الرعاية التي هي في الأساس حسب الرؤية التقليديّة هي الوجود مع الناس في كافة الأنشطة والخدمات والزيارات والظروف. فكيف يكون متابعة الرعية وتشجيع الناس في هذا الوقت الصعب؟

              ولأن المرحلة صعبة فيها حالة من الإرتباك الرعويّ، ولم نكن مستعدين لهذه الأزمة، لأننا لم نعاصر فترات وباء سابقة، وفي نفس الوقت ليس لدينا أدبيات كافية عن مراحل الوباء السابقة، ولكن يمكن أن نرجع إلى كتابين مهمي صدران عن الهيئة المصرية العامة للكتاب هما: ليلى السيد عبد العزيز، الأمراض والأوبئة وآثارها على المجتمع المصري (1798-1813م)، سلسلة تاريخ المصريين 324 القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2020م. نسمة سيف الإسلام سعد، الأوبئة والأمراض في المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين (1902-1917م) سلسلة تاريخ المصريين 327. القاهرة: الهيئة المصرية العمة للكتاب، 2020م.

    ولكن دخلنا فيها بدون إعداد أو استعداد، فأرى من خلال الخبرة الشخصية بالإضافة إلى خبرات زملائي الرعاة أهمية استغلال وسائل التواصل الاجتماعيّ والاتصالات الشخصية بالأسر وأعضاء الكنيسة، والتأكيد على دور الأسر في الرعاية بعضهم لبعض والرعاية معًا. المتابعة عن بعد، والرعاية عن بعد، أمر ضروري وحتمي لهذه المرحلة. وكل ما أخشاة أن يكون الناس فريسة للفضائيّات المسيحيّة التي في معظمها تتعامل بسطحيّة مع الأمور.

    وما يمكن قوله إن هذه المرحلة ستخلق واقعًا رعويّا جديدًا يتحدانا، هذا بالإضافة إلى موضوعات كتابيّة ولاهوتيّة يجب أن تدرس بجدية وعناية، لأن الأزمة كشفت عن هشاشة البنية التعليميّة، وصدارة التدين الشعبيّ، وعداء العلم والتخطيط واستخدام العقل، فأوراق الخريف سقطت، لتتقتح أزهار الربيع. فنتمسك في وسط الأزمة بلاهوت الأمل، وفكر الرجاء، والتأكيد على عناية الله وسيادته على الخليقة في مقابل محدوديتنا وضعفنا.

    أولاً: في معنى الرعاية في زمن كورونا

    أتعرض لرؤية مصرية عن الرعاية يقابلها رؤية آبائية، ففي الحظر قرأت السيرة الذاتية للروائي والسياسي عمّار علي حسن، أحب قراءة السير الذاتية، فقراءة السير تزيد على عمري أعمارًا. وقد قرأت سيرة عمار على حسن المعنونة بـ “مكان وسط الزحام” الصادر عن الدار المصرية اللبنانية 2018م، وكم هي شيقة ممتعة حيث تعتبر وثيقة اجتماعية وثقافية هامة قريبة جدًا من جيلي، وهي تجربة ذاتية في عبور الصعاب، تستحق أن تُقرأ، رحلة فكرية ممتعة مع الكاتب، ووثيقة تاريخية شاهدة على العصر، ونافذة تفتح باب الأمل أمام كل مجتهد رغم صعوبة الحياة. لفت نظري كلامه عن الرعاية بحكم خبرته، فيقول:

    “ورعي الغنم يعلّم صاحبه قيمًا عظيمة مثل الصبر واليقظة والدأب والتضامن والتأمل إذ عليك أن تصبر على النعاج والخراف والماعز حتى تشبع، وتراقبها عن كثب في يقظة تامة حتى لا تشرد من المرعى وتهجم على أي حقل فتلتهم زرعه. وتتعلم منها أيضًا كيف يكون بذل الجهد المتواصل من أجل تحصيل القوت وترى بعينيك الأرض سمراء يبابًا وراء الغنم وهي تزحف على النجيل الأخضر وتخلعه من جذوره وفي ساعة الخطر تتلاحم النعاج ليقوي بعضها بعضًا، وعليك أن تغرق في التأمل وأنت ترى كل هذا يجري أمامك” (حسن، 133-134).

    وفي ظني أن هذا الكلام مهم في الرعاية، وقد تذكرت صدى لهذا الكلام في كلام أحمت بهجت في الأهرام عن الرعاية بالقول: “ليس رعي الغنم مهنة سهلة، إنما هو قيادة عامة، أو هو باختصار مدرسة لتعليم أصعب فن في الدنيا. وهو فن قيادة الشعوب. (بهجت، الأهرام 2).

    وقد لفت نظري في وقت جائحة كورونا كتاب “الرعاية في فكر الآباء” لتوماس أودين، يقول توماس أودن عن هدف الرعاية في العصر الحالي: “تهدف العناية الرعويّة المعاصرة إلى أن تعكس رعاية الله للبشريّة كما عرفت وأتمها يسوع، والخدمات المتكررة تكتسب صحتها ومصداقيتها فقط بقدر ما تعبّر وتجسّد حضور يسوع باستمرار، وهذا هو السبب في أن الرعاة مدعوون لدراسة أسلوب يسوع في الخدمة” (أودين، 94-95).

    وبالتالي هناك مواصفات لهذا الراعي أو واجبات يقوم بها، وهي: “الكاهن [الراعي] يجب أن يكون شخصًا عطوفًا جدًا شغوف على الإنسانية فتلك هي وظيفته أن يصلح الضالين، يلاحظ كل المتقلقلين ولا يهمل الأرملة واليتيم والمعوز ورعايتهم دائمًا وفي كل وقت تكون من أجل ما هو صالح في عين الله وعين الناس، والكاهن [الراعي] يجب أن يتجنب تمامًا أي تحيز أو أي سلوك خبيث أو أي محاباة.” (أودين، 95).

    يقول جان فانييه في مقالته عن “الراعي يدعونا لنصبح رعاة”: “علينا أن نتعلم كيف ننمو في العمل الرعويّ. الولادة في الحب والانفتاح في الروح تبدأن بالتقاء راع حق. رسول ليسوع ينقل الحب والرجاء والإيمان ويدعو إلى الحياة الجديدة بكلماته ومواقفه وكامل كيانه. فالصلة بين نقل كلمة الله وبين الراعي جد رهيفة بحيث إذا تصرف الراعي كأحد المرتزقة يبدأ القطيع بالتشتت وبالتفتيش عن مراع جديدة.” (فانييه، 23).

     منذ أن دخلنا في عصر كورونا كنت أسأل نفسي عن ماذا كان يحدث على النطاق الرعوي في زمن الأوبئة السابقة مثل الكوليرا، ولم أجد أي ملامح عن هذا الأمر إلى أن قرأت هذا الأسبوع مذكرات عن حياة المرحوم القس بولس الهوري كتبها ابنه القس ميخائيل يشير فيها إلى تعامل والده رعويًا في زمن الكوليرا ففي المذكرات يقول: “لما كان ينصب الكردون بهور للمصابين بالكوليرا كان يزور المرضى به للصلاة معهم ومع أن مرض المصابين بالكوليرا معدٍ فلم تنتقل إليه العدوى مطلقًا. ولما أساء بعض الموظفين بالكردون معاملتهم للمرضى رفع تظلمهم لمصلحة الصحة فأصغوا لشكواه وأحسن الموظفون معاملتهم.” (دانيآل، 12). فقرة قصيرة ولكن بها معاني كثيرة من ناحية العمل الرعوي في زمن الأوبئة.

    ثانيًا: وعي الراعي لذاته ومسؤوليته الروحية

    هناك علاقة وثيقة بين فهم الراعي لذاته وبين مسؤوليته الروحية يقول أودين: “فهم الكاهن [الراعي] لذاته هي عملية تسبق وتساهم في تشكيل كل الأعمال الكهنونيّة [الرعويّة]. إن هوية وقوة شخصية معطي الرعاية هي عملية تسبق أي عمل رعويّ” (أودين، 11). هذا الفهم للذات يقود إلى فهم للمهمة والإرسالية، وجزء هام من إرسالية الراعي هي الإرشاد، يقول أودين “فالإرشاد الكهنوتي [الرعويّ] لا يمكن اختصاره في الإرشاد الاقتصادي أو النصيحة السياسية والتي تعتمد على أمور عقلانية ولا تنتظر بالضرورة وجود الخطية والغفران. ولكن المجال المحدد لمسؤولية الكهنوت [الرعاية] في النفوس المتعبة وكلمة الله عن الغفران، ولو عمل الكهنوت [الرعاية] جيدًا في هذا المجال سوف يكون له تأثير أكبر في كل القضايا المالية وتطبيق العدل السياسي والاقتصادي.” (أودين، 27).

    وجاء في البيان الختامي للشركاء المنظمين لمنتدى القيم الدينية لمجموعة العشرين لعام 2020، القول: “وفي هذه الظروف العصيبة، التي تسببت بها جائحة كوفيد-19 بخلق اضطراب اقتصادي واجتماعي عالميين غير مسبوقين، توجب على صانعي القرار أن يدركوا بأن منظور التقاليد الدينية يؤثر على الحياة اليومية بقواعدها وعلاقاتها بالنسبة لأكثر من 80% من سكان العالم. وتذهب القيادات الدينية في أجزاء كثيرة من العالم إلى أبعد من مجرد ممارسة العبادة والإشراف الرعويّ، حيث تجسد أيضا المُثل الروحية والعملية للأعمال الخيرية والأمن ووحدة الهدف وحقوق الإنسان والتماسك للجميع، بما في ذلك الفئات الأكثر ضعفًا في جميع المجتمعات. (البيان الختامي للشركاء المنظمين لمنتدى القيم الدينية لمجموعة العشرين، الأنترنت).

    العطش للقيمة والجوع للمعنى قد يدفعا الإنسان إلى تضخيم أمور صغيرة أو التغني بانجازات وهمية. ولعل الخدمة هي مصدر الشبع الحقيقي للخادم في التفاعل اللحظي مع الناس بعيدًا عن الشهرة وبعيدًا عن الكاميرات. جيد أن يرى الراعي قيمته الحقيقية ويكتشف معنى الحياة والوجود فيشبع ويأمن، لكي لا يبحث عن سراب، أو يعيش في وهم. سرعان ما ينتهي على عتبات الواقع والحقيقة.

    ثالثًا: الرعاية في زمن كورونا بين الدور والرسالة

    في زمن كورونا يكون البحث عن دور أم عن رسالة؟ الرسالة منشئة للدور وليس العكس، والرسالة أطول وأبقى من الدور، من له رسالة يقوم بدوره على أكمل وجه ممكن، فتتحول الخدمة من الأداء إلى الفاعلية، ومن الشكلانية والمظهرية إلى الجوهر والمضمون. الرسالة الرعويّة في زمن كورونا أشمل وأعم من الدور الرعويّ، كما أن الرسالة تشكل الدور الرعويّ.

    وفي نموذج مضيء وسط الأزمة كتب د. حنا الخضري عن كارل بارت هذه الكلمات: “ولقد كان همه الأكبر في هذه الفترة أن يعرف كيف يجب أن يوصل الراعي رسالة الإنجيل إلى الناس فردًا فردًا، أسبوعًا بعد أسبوع. ثم كيف يفتح أعينهم ويلفت أنظارهم إلى حاجاتهم الماسة إلى هذا الإنجيل. إنجيل الخلاص. ولقد زاد إنشغاله بهذا الموضوع في أثناء الحرب العالمية الأولى إذ أنه شعر في ذلك الحين أن الناس الذين تركت الحرب في قلوبهم جرحًا عميقًا كانوا في حاجة آلى الإنجيل أكثر من أي وقت أخر.” (الخضري، 10).

    وهذا يقودنا إلى أن تكون لنا استقلاليتنا في الرؤية فلا نرى الآخرين بنظارة غيرنا، وهذا مبدأ رعويّ هام، لنا عيون نستخدمها، ورؤية مستقلة نحاول أن نلتزم بها، عندما رأينا الأخرين بنظارة الغير حبسنا وسجنا في رؤيتهم الضيقة، وعندما تحررنا وكسرنا هذه النظارات كانت الرؤية مختلفة. في العمل الرعويّ الأذن مستقلة، والعين مستقلة والخبرة الذاتية في التعامل مع الآخرين هي المفتاح الحقيقي لاكتشاف الآخر، بعيدًا عن الصور النمطية المأخوذة سلفًا عن البشر. الغنى والتنوع ثراء فكري وروحي.

    رابعًا: خصوصية الخبرة الرعويّة في زمن كورونا

    ذات مرة سأل الغزال زرافة واقفة على ضفة النهر إلى أين يصل عمق ماء النهر؟ فأجابته الزرافة إلى الركبة. قفز الغزال في النهر، فإذا بالماء يغطيه، سعى جاهدًا أن يخرج رأسه من الماء بجهد مضن وبمشقة استطاع أن يقف على صخرة في النهر وصرخ في وجه الزرافة قائلًا: ألم تخبريني أنَّ الماء يصل إلى الركبة؟ قالت: نعم يصل إلى ركبتي!

    الخلاصة أن خصوصية الخبرة الرعويّة مهمة فلا نقيس أمور الغير علينا، فكل راعي وكل خبرة رعويّة هي نسخة غير قابلة للنسخ، فمعطيات الزمان والمكان والمتاح وطريقة التعاطي مع الأمر في حدث واحد تختلف من شخص لأخر.

    الجزء الثاني: أسئلة وقضايا مهمة في زمن كورونا

    أثارت فترة كورونا مجموعة من الأسئلة، وهي: فكرة الصلاة على الموتى الذين انتقلوا بسبب كورونا وماذا يُقال فيها؟ كيفيّة التعامل مع مريض كورونا ومع أسرته؟ المضارين من الأشغال ومراعاة الوضع الاقتصادي لهم؟ التعامل مع كبار السن ولا سيما الذين ليس معهم أحد في البيت؟ المشكلات التي قد تنشأ من استمرار وضع الحجر الصحي داخل الأسرة؟ كيف تكون المشورة؟ ما هي الوسيلة المثلى للتواصل مع أعضاء الكنيسة؟ ما هي الموضوعات التي يمكن أن نعظ فيها؟

    المستجدات الرعويّة التي ظهرت أمام الكنيسة في زمن كورونا، ويحاول الراعي أن يفكر فيها، ويطرحها على بساط البحث للدراسة، المرحلة الحالية تتطلب تجاوبًا رعويّا مختلفًا عن ما هو تقليدي ومعتاد وذلك يتطلب الابداع في الرعاية. أصيغها في مجموعة من القضايا، في الآتي:

    • قضية الرعاية عن بعد، كيف نرعي في ظل الحظر الإجباري، والتباعد الجسدي؟
    • قضية العبادة عن بعد، كيف نتعبد معًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل هي كافية؟
    • قضية إدارة الأزمة عن بعد، كيف ندير الخدمة تحدي أمام مجالس الكنائس والرعاة وخدام الكنيسة؟ الرعاة ومجلس الكنيسة في ورطة، مفهوم الإدارة الكنسية؟ مفهوم القيادة في ظل الجائحة.
    • قضية التعليم المتوازن، الشطط في التعليم من النقيض للنقيض، وخلط الخرافة بالشعبية بالروحانية.
    • قضية كيفية تسديد الاحتياجات الضرورية الملحة لبعض أعضاء الكنيسة ولا سيما الذين أضيروا اقتصاديًا من كورونا.
    • التعليم اللاهوتي عن بعد، وقضية التعليم المسيحيّ بصفة عامة.
    • الكنيسة المبنى في مقابل الكنيسة الافتراضية.
    • كنيسة البيت مكملة للكنيسة العامة أم بديلة لها.
    • مفهوم الشركة في ظل التباعد الاجتماعي، كيف؟
    • العمل الاجتماعيّ في ظل غياب الكنيسة المبنى.
    • إعادة النظر في المفهوم اللاهوتي عن الله والعلاقة به بين الإله المنتقم والإله المحب، ورؤية الوبأ بين الغضب الإلهي ومحبة الله.
    • أزمة الدعم الماليّ في ظل تأكل الاحتياطي الاستراتيجيّ للكنيسة.
    • طبيعة التعليم المقدم في عصر الأزمة بين البعد الاسخاتولوجيّ والواقع المؤلم، أو الهروب للمستقبل على حساب الحاضر، أو تغييب العقل على حساب الرؤية الصحيحة للأمور.
    • طبيعة خدمة الراعي بين الاتاحية (الوجود مع الناس) والعزلة الإجبارية.
    • تحدي الكنيسة المحلية منفردة في مواجهة الأزمة سيزيدها من استقلاليتها، وهذا تحدي الآن أمام المجامع والسنودس.
    • اختبار الأولويات، والتفكير البديل، وارتباك الخطط التي كانت موضوعة سابقًا.
    • دور الرعاة في وسط الأزمة بين أولوية الرعاية وضرورة التعليم. وذلك في ظل غياب المنبر التقليدي والرعاية التقليدية.

    الجزء الثالث: سمات العمل الرعويّ في وقت كورونا

    هذه المرحلة من العمل الرعويّ لها سماتها وهي: مرحلة قلق وتوتر، مرحلة كاشفة ومؤسِّسة، مرحلة رجاء وأمل، مرحلة التبادل الرعويّ: الكنيسة جماعة رعويّة، مرحلة الانتقال من الرعاية الجماعية للرعاية الفردية، مرحلة الالتزام الرعويّ، مرحلة اكتشاف الفرص المتاحة.

    أولاً: مرحلة قلق وتوتر

    القلق والتوتر أمران متلازمان مع الراعي في أزمة كورونا، خوف على العائلة الصغيرة، وقلق على العائلة الكبيرة. المسؤوليّة الرعويّة تمثل حالة من التوتر المستمر، ولاسيما إذ احتلت الرعية في قلب الراعي مكانة كبيرة. الاهتمام زاد أكثر والإنشغال أكثر من وقت الرعاية في الزمن العادي. تبيَّن لي أن خدمة الرعاية لا توصيف لها، ويمكن تلخيصها في أنها توتر دائم وقلق مستمر. وأصبح من الضروري وضع توصيف لهذه الخدمة.

    القلق الرعويّ يزداد يومًا بعد يوم ولا سيما في هذه الحالة الرمادية بل والضبابية أيضًا التي فيها يزداد العدد من الناحية غير الرسمية، في ظل أن البيانات الرسمية تقول إن الأمور عادية وذلك لأن الناس لا تذهب للمستشفيات الحكومية إلا نفر قليل. بين قرار الغلق ورغبة الإستمرار في الفتح وعدم وضوح الرؤية يزداد الاهتمام والشغف على ما هو أت، ومعه يزداد القلق والتوتر، وهذه هي ضريبة الرعاية.

    وحتى في ظل اقامة الاجتماعات الكنسيّة في الظروف الاستثنائية حرية الحركة مقيدة، والعلاقة داخل الكنيسة في ظل التقارب الاجتماعي بها مشكلات كثيرة. ثم القلق بين عدم القدرة على الغلق وفي نفس الوقت عدم التمتع الكامل بالفتح أسميتها مرحلة البين بين غير واضحة المعالم.

    ثانيًا: مرحلة كاشفة ومؤسِّسة

    كورونا أظهرت ثقافة الشعوب وكشفت أيضًا ثقافتنا المصرية التي تدور في منطقة التناقض بين الحرص والإهمال، بين العطاء والاستغلال، بين التنظيم والفوضى، بين الجد والهزل. بين زيادة الوعي الصحي وزيادة عدد المصابين. نحن نعيش في مصر الشيء وعكسه، وقد تجلَّت هذه الأمور في تعاملنا مع أزمة كورونا. لقد كشفت كورونا التناقض الكبير الذي في داخلنا، ويظهر في سلوكياتنا وتصرفاتنا.

    كورونا مرحلة كاشفة لطريقة تفكير تقليديّة للرعاية في أدواتها وأسلوبها. وهي في نفس الوقت مؤسِّسة لنظام جديد يحتل فيه الإنسان مكانة وكرامة أفضل ويحتل فيه العمل الرعويّ مكانة أكبر. وطرق أفضل للعبادة، فمثلاً يمكن أن نصلي بدون دوشة، ونرنم بدون موسيقى، ونعظ وقت قليل.

    العبادة في عصر كورونا عبر زووم بدون مكياج أو مساحيق، هكذا بدت، بدون عزف بأدوات موسيقية كثيرة، بدون ضوضاء. الخادم لا يتنطط على المنير، والمرنم لا يصرخ في الناس، ولا يدعو إلى علو الصوت أو خفضه. الإنسان عادي في عبادة عادية لكنها مؤثرة لأن خلف الشاشة أمام نفسه وأمام الله فقط وليس أمام الشعب. حرص المتعبدون على الوجود معًا خلف الشاشة بدون أية مظهرية أمر طيب. المظاهر جذابة ولكنها لا تعبر عن الحقيقة.

    كذلك الرعاية تخلصت من بعض الشوائب مثل: الشكلانيّة، والمظهريّة، والروتينيّة. أزمة كورونا تعيد اكتشاف الكنيسة من جديد وتؤكِّد الاحتياج المستمر والضروري للرعاية، وتنهض التفكير اللاهوتيّ ليجيب على الأسئلة الصعبة لماذا وكيف؟ والأسئلة المتعلقة بالشر والألم.

    التحدي الرعويّ وأعني بهذا العنوان نوعية الإيمان في مجتمعاتنا المسيحيّة في الشرق. وهو سؤال جوهري، ذلك إن الإيمان هو تاريخ أيضًا. والظروف التاريخيّة التي مر بها المسيحيّون في القرون الأخيرة كان لها أثر بالغ على نوعية إيمانها. أرجو ألا أخطىء إن قلت أن هذا الإيمان تحول الى ظاهرة اجتماعيّة، بدل أن يكون خيارًا إيمانيًا شخصيًا. وهذا ما يؤثر تأثيرًا عميقًا على الحضور المسيحيّ في الشرق. (خوري، الأنترنت).

    يقول محمود محيي الدين: “وقد جاءت هذه الأزمات المتزامنة “كاشفة ومعجلة ومنشئة” في آن واحد؛ فالنسبة لكونها “كاشفة” فقد اسهمت في إظهار أوجه القوة والضعف في أنظمة الدول ومؤسساتها، ومدى فاعلية متظومات سياساتها العامة في التعامل مع الصدمات المفاجئة والمتوالية. كما أنها تعد “معجلة” لما كان متوقعًا من قبل فيما يخص التغيرات في التوازنات الدولية، وقواعد العولمة، وتأثيراتها على حركة التجارة ورأس المال وانتقال العمالة، فضلاً عن بزوغ أنشطة اقتصادية جديدةكمستحدث تكنولوجيا المعلومات، وإنحسار أخرى كانت مهددة من قبل جائحة كورونا بفعل ما أطلق عليه “المربكات الكبرى”، ومنها ماهو مرتبط بالثورة الصناعية الرابعة، وكذلك الإسراع بإجراءات كتلك المتعلقة بالتغيرات المناخية. أما عن كون الأزمات “منشئة” فهو ما يعتمد على مدى تغيير طبيعة العلاقات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة بفعل تأثير الأزمات، وردود الأفعال، والسياسات المتبناة حيالها، وأنتشار الدعوات والمبادرات بعقود اجتماعية جديدة أو على الأقل اتفاقات جديدة، كتلك التي اتبعت في شكل برامج اقتصادية لإغاثة المتضررين وإنعاش الاقتصاد وإصلاح نظمه ومؤسساته بعد الوقوع في الكساد الكبير في العقد الثالث من القرن الماضي. ويمهد لذلك كله تصورات عن واقع جديد يشهده عالم ما بعد كورونا، ومتغيرات وترتيبات جديدة تشكل معالمه.” (محيي الدين، 5).

    ثالثًا: مرحلة رجاء وأمل

    على فم سعيد مهران في رواية “اللص والكلاب” يُسَجِّل نجيب محفوظ، هذا المشهد العبقريّ: “لا يمر يوم دون أن تستقبل القرافة ضيوفًا جدد. وكأنَّ لم يبق من غاية إلا أن تقبع وراء الشيش لترى الموت في نشاطه الدائب. والمشيعون أحق بالرثاء. يذهبون في جموع باكية، ثم يعودون وهم يجففون الدموع ويتحادثون. وقوة أقوى من الموت نفسه هي التي تقنعهم بالبقاء.” (محفوظ، 88).

    خبرة صلاة التعزية في عصر كورونا صعبة ومؤلمة أكثر من ألم الفراق هذا ما شعرت به اليوم أثناء الصلاة على أحد أعضاء الكنيسة. وداعٌ صامتّ، لا أصدقاء ولا مُحبين العُزلة أقسى ما يُمكن أن يتوقعه أحدٌ.

    العزلة المفروضة علينا صحيًا والتي منعت التجمعات أثبتت قيمة ومكان الكنيسة في قلوبنا وقيمة الاجتماعات الروحية للعبادة. الكنيسة هي جسد المسيح مرسلة من الله إلى العالم. الكنيسة هي نحن وإن تباعدنا بسبب الظروف ولكن نرتبط معًا في علاقة شركة روحية بالصلاة والدعاء إلى الله مع الشكر، لنعود ونتمتع بشركة الجسد الواحد، وما زلنا نتوق للقائنا معًا ثانية.

    القصص الإنسانية التي نسمع عنها في زمن كورونا كثيرة، بالطبع توجد قصص قاسية وصعبة للتصرفات اللإنسانية في زمن كورونا. ولكن الغالب الأعم في الحكايات الإنسانية كثيرة ومتنوعة ومبدعة في التواصل والتعامل مع المصابين والرغبة الصادقة في المساعدة. هذه القصص تعبر عن المعدن الأصيل للإنسان ولا سيما ناحية المريض الوحيد المتألم، على قدر ما تخرج الأزمات أسوأ ما في البشر من استغلال وأنانية تظهر أيضًا أفضل ما في البشر من تضامن وتأخي ورحمة وحب ومساعدة.

    الترقب هو السمة الغالبة، والسؤال الذي يدور في أذهاننا: هو حتى متى؟ وماذا بعد؟ كورونا حطمت كل ما هو ثابت في التصرفات والمواقف، في الوقت الذي نشعر في بالعجز والضعف نتوقع بصبر الخلاص من هذا الوباء. حتى متى؟

    رابعًا: مرحلة التبادل الرعويّ: الكنيسة جماعة رعويّة

    فكرة الحظر والعزلة وإغلاق الكنائس عمَّقت من شغف العلاقة مع الأخرين، وكلما يزداد الحظر ويزداد الخطر سيزداد هذا الشوق للقاء. من المتوقع وما تم فعلاً أن يسأل الراعي على الشعب، ولكن أن يحدث العكس فيسأل الشعب على الراعي، فتكون العلاقة تبادلية في المشاعر لهو أمر مفرح ومشجع، ويجعل الراعي والرعية في موقف واحد ودائرة واحدة من الرعاية والاهتمام، ويدرك أنه ليس وحيدًا في الازمة ولكن معه جمع كبير. وفي مرحلة كورنا سجل بعض الزملاء خبراتهم برصد حالة الجفاء معهم اثناء مرضهم والبعض سجل اهتمام الكنيسة بهم وهذا التباين يعبر عن مدى الفهم الرعويّ لدى الكنائس تجاه راتها.

    في بدايت وباء كورونا Covid 19 كان خبر إصابة سيدة من سيدات الكنيسة خبرًا صادمًا للجميع، ولا سيما أن هذه السيدة من الرعيل الأول الذي انتمى للكنيسة وكبر فيها، وانتقلت الإصابة إلها عبر زوجها الذي كان يعمل في منطقة سياحية ثم إلى أولادها. انضمت إلينا في الخدمة عبر برنامج زووم صلينا معها ولأجلها وعبر كل المشاركين لها بكلمات حب وتشجيع.

    انتقل زوجها للعزل في المستشفى الخاص بذلك ولحقته هي أيضًا، كنا نتواصل معها تليفونيًا، ولكن وهي في مستشفى الحميات ثم مستشفى العزل بعد ذلك كانت تدخل معنا في العبادة عبر زووم، وأيضًا تشارك مع اجتماع السيدات على ذات الوسيلة كل يوم أربعاء.

    الكنيسة في كورونا انتقلت إلى مستشفيات العزل وأخترقت أبواب المستشفيات عبر هذه السيدة التي عبرت عن قلقها وخوفها على نفسها وأسرتها وفي نفس الوقت أعلنت ثقتها في الله الشافي. هذه الخبرة تستحق أن تدرس في زمن كورنا كيف تكون الكنيسة مشجعة معضدة لمن هم في أزمات صحية، في نفس الوقت من الضروري أن يكون للفرد جسد يشعر به ويصلي من أجله ويتابعه.

    دور الكنيسة في وسط أزمة كان وما زال -في دائرة الكنائس المحلية- دورًا إيجابيًا، حيث تعاملت مع الموقف بسرعة مقدرة ما يحدث ومعلية من قيمة الإنسان وبالخوف عليه فكان قرار الغلق دليلًا على ذلك. وفي نفس الوقت بحثت كل كنيسة محلية عن منصة تفاعلية خاصة بها-عبر وسائل التواصل الاجتماعي- للتواصل لتكون منبرًا تعليمًا، وفرصة تفاعلية في العبادة. في الوقت ظهرت مبادرات تجاه المتضررين والمصابين بالصلاة والدعم المادي. لقد أغلقت الكنيسة كمبنى ولكنها الخدمة استمرت خارج المبنى. مفهوم الكنيسة بدأ في حالة تعريف مختلف وفي طريقه للنضج، كذلك الخدمة أيضًا.

    لفت نظري أن خدّام خدمة المساعدة في الكنيسة يقابلون المخدومين في الشارع ليعطوهم المساعدة، فأصبح الشارع مكانًا للخدمة، اقتربوا منهم أكثر. انتقلت الكنيسة إلى الشارع، وخرج الخدام في حالة سعي دائم واجتهاد، معرضين نفسهم للخطر لمقابلة المحتاجين الذين يمرون بظروف صعبة. المكان ينظم الخدمة وبدلًا من أن تكون الخدمة داخل جدران الكنيسة خرجت خارجها. إن ما فعلته أزمة كورونا يمثل تحديًا حقيقيًا لتطوير أداء الخدمة، وتحدي للخدام بكسر الصور النمطية عن بعض أشكال الخدمة التي اعتدنا عليها.

    خامسًا: مرحلة الانتقال من الرعاية الجماعية للرعاية الفردية

    الرعاية تحولت في زمن كورونا من الاهتمام الجماعي الذي كان يعتمد على الحضور والتواجد وبنظرة من على المنبر كان الراعي يعرف من حضر ومن تغيب، وفي فترة السلامات والتحيات الأخيرة كان الراعي يطمئن في وقت قليل على الكل.

    أما في زمن كورونا يتطلب كل شخص اهتمام خاص بالسؤال وهذا يتطلب وقتًا وجهدًا ولا سيما مع الذين يمرون بظروف مرضية صعبة بسبب كورونا أو أسر من أنتقلوا بسببها. مجهود أكثر من مضاعف. وأيضا الاحتياج للرعاية والاهتمام صار مُلح وصار ضرورة.

    في زمن الكورونا تحولت الرعاية: من رعاية الجماعة ممثلة للأفراد. إلى رعاية الأفراد ممثلين للجماعة. الاهتمام الفردي-الفردي أصعب من الاهتمام الفردي-الجماعي، وهو أحد إهم التحديات الرعويّة في زمن كورونا.

    التعليقات على بيان الطائفة الأخير عندما نشر على موقع الطائفة كانت ردود الفعل حول تعليق الزيارات الرعويّة إنها البند الوحيد الذي سينفذ. بالطبع رغبة الناس في الزيارات الرعويّة رغبة صادقة ملحة، وتفتح الباب أمام الرعاة في إعادة التركيز على هذا البعد المفقود. ولكن في المقابل نحن في حالة استثنائية الزيارات الرعويّة تمثل خطرًا حقيقيًا ومحتملاً على الطرفين. كيف نوازن بين القيمة وتجنب المخاطر، لم نتعلّم من جائحة كورونا ماذ يعني التفكير الاستثنائي.

    الكنيسة في الأساس مجتمع رعائي (راعوي)، فهي عائلة تكبر وتنمو معًا بالسؤال والمعايشة. إدراك الكنيسة لوقت المحن والخطر والأزمات والوباء يزيد من إحساسها بالغير، وكل شخص يهتم بالأخر إهتمامًا خاص. لتتعلم الكنيسة أن يقوم أعضائها ومتردديها بالرعاية والسؤال عن الآخرين، هذا ما يجب أن نتعلمه في وقت الوباء.

    مازالت الكنيسة تتعامل مع ابنائها بفكرة الوصاية التي تفرض أن التابعين لها أطفال يحتاجون لمن يأكلهم بالمعلقة، وليسوا إشخاصًا ناضجين يمكنهم أن يتغذوا بأنفسهم. في الظروف الاستثنائية التي من المفترض أن تظهر فيها الكنيسة قوية تعامل أبنائها على أساس أنهم أطفال، فتقوم باعتناء مفرط يضيع من شخصية التابعين للكنيسة. الرعاية هي إن تصل الكنيسة لحالة من النضج من خلالها تستطيع الكنيسة تربية الضمير حتى لو لم يتمكن الفرد من حضور الكنيسة لظروف الوباء يستطيع إن يحيا حياته بمسؤولية ووعي، وبذلك تكون الكنيسة نجحت ففي ظل غيابها المادي في حياة البشر تحضر روحيًا من خلال تصرفاتهم وسلوكياتهم.

    سادسًا: مرحلة الالتزام الرعويّ

    أول مريض توفى بالكورونا في دائرة خدمة الكنيسة هو والد شيخ فاضل له خدمة طيبة في كنيستنا وعندما عرفنا الخبر اتصلنا به لتعزيته وعرض أي مساعدة يمكن أن نقوم بها ككنيسة، فقال كل شيء قد أعدّ، ستتم الصلاة عليه في المستشفى، لان الوالد الراحل كان يصلي في الكنيسة الارثوذكسية فاحترمنا ذلك.

    وبعد ساعة اتصل بي الشيخ ثانية يخبرني بسؤال هل يمكن أن تأتي لتصلي في المقابر للتعزية في انتقال والدي؟ (وقد أعطى لي حرية الاختيار دون ضغط عليّ) فقلت له: نعم يمكن ذلك. فأدركت على الحال أن الأخرين تخلوا عن التزامهم بالصلاة.

    ذهبت إلى المقابر وتقابلنا هناك، وضع الصندوق أمام القبر، شاركت بكلمة مختصرة، ثم صلاة ختمتها بالصلاة الربانية لكل الحاضرين معًا، ثم اثناء وضع الصندوق في القبر شاركنا بترنيمة مع الحاضرين. عزينا الأسرة ثم أنصرف المعزون (وهم عدد قليل من الأسرة والمحبين لهم. ولو كان الوضع طبيعيًا لحضر المئات نتيجة لمكانة الرجل، وعلاقات الابناء الطيبة بالجميع.

    ما تم من جهتي هو رؤيتي للالتزام الرعويّ الذي لا يمكن أن أتخلى عنه أبدًا تحت أي ظرف من الظروف، ولا سيما في الظروف الصعبة، وتجاه طلب مساعدة يكون في مقدوري فعله. أنتهى الأمر على خير، وستنتهي أيضًا أمور كثيرة على خير بنعمة الله.

    حالة غريبة من الشعور عشتها في وداع الأحباء من مرضى كورونا. من ناحية العدد، وحجم المشاركة ضعيف من ناحية التقارب الجسدي حتى السلام باليد ممنوع. العيون تحمل الكثير من الكلام وتعبيرات الوجه خلف الكمامة غير ظاهرة، فقط صوت حزين يعلن عن مشهد صعب، وألم لا يمكن التعبير عنه، وتساؤلات حائرة تبحث عن اجابات. الوحدة في الحزن صعبة، لكن على قدر هذه الوحدة تكون السندة من رب العباد أقوى. هو أختبار صعب ومحنة أصعب، لكن مع المحنة منحة ربانية تعدي بنا بحار الحزن والفقد واليأس.كم هو جميل جو الشركة الوجود معًا في الحزن والفرح. في زمن زادت مساحات الحزن بسبب فراق الكثيرين والقريبين. وقلت مساحات الفرح مع الاحباء والقريبين لمنع الأفراح. يبقى التعبير المسموح من خلال شبكات التواصل الاجتماعي كوسيلة من وسائل التواصل الإنساني قد تكون غير مشبعة لكنها المتاح.كورونا فرضت ثقافة جديدة في مناسبات مصيرية صعبة، بدأ الخضوع لهذه الثقافة ولا سيما في ظل زيادة مساحة الخطر.

    بادرتني قبل الاجتماع على برنامج زووم، أما المشتركين، بالقول: لما لم تذهب معهم إلى المقابر وتصلي قبل دخول الصندوق القبر؟ سؤال وجه لي من أخت المتوفاه. شاركت في صلاة التعزية، واعتذرت عن الذهاب معهم للدفن لأننا كنّا في ذروة كورونا في ذلك الوقت. العبرة هي أن سقف توقعات الناس من الراعي عالية وفي نفس الوقت كثيرة وكبيرة، ولكن من وجهة نظري يفضل أن يفعل الراعي ما يمكن القيام به وليس ما يُطلب منه، أو يفرض عليه ولا سيما ونحن في وسط أزمة.

    سابعًا: مرحلة اكتشاف الفرص المتاحة

    ما هي الفرص المتاحة أمام الراعي في وقت الحظر ووقت جائحة كورونا؟ سؤال سألته لنفسي كثيرًا، فالحظر يمكن أن يكون فرصة لأمور كثيرة، أنهيت دراسات عالقة من سنوات مضت، ومازلت أنهي بعض المشروعات التي حلمت كثيرًا بأن أنهيها. فرصة للتواصل الفردي مع شعب الكنيسة للسؤال والاطمئنان عليهم. هي فرصة أيضًا للراحة فكم تعب الجسد كثيرًا عبر سنوات مضت. فرصة لقضاء وقت أطول مع الأسرة، والتي أنشغلت عنها أيضًا بسب المشغوليات الكثيرة. فرصة للتفكير في أمور كثيرة ومراجعات لبعض المواقف. فرصة للتعلم من الواقع والأحداث الجارية. وفرصة للقراءة والاطلاع. وأيضا فرصة لقضاء وقت أطول مع الله سواء مع كلمته أو بالصلاة. فكثيرًا ما كانت المسؤوليات والمشغوليات حائل دون ذلك. ورغم كل هذه الفرص المتاحة يبقى الملل قرين الفرص.

    يقول حسن أبو طالب: “انكفاء الأسر على ذاتها وبقاء الأباء في المنازل بفعل الخطر، والعمل عن بعد من المنزل لنسبة معتبرة أعاد الأعتبار مرة أخرى للتواصل بين الأجيال في داخل الأسرة الواحدة، وكثيرًا ما اكتشف الأباء التغيرات الجيلية والعمرية للأبناء من خلال التعايش المباشر واليومي، وليس من خلال الملاحظات العابرة التي تحدث على فترات متباعدة، ما يمثل تطورًا ستكون له نتائجه على مجمل عملية التربية والتنشئة. وكلما أمتدت المساحة الزمنية لهذا النوع من التفاعل الأسري غير المعتاد سابقًا، يرجح تغييرات سلوكية ايجابية للأجيال الشابة.” (أبو طالب، 95).

    عدت لمقعد التلميذ في عبر أون لاين في دراسة لكورس عن العهد القديم مع الدكتور القس يوحنا كتناشو. استمعت 22 حلقة كل حلقة 30 دقيقة بالإضافة إلى ساعتين ونصف في حوار معه عبر برنامج زووم. وقد كتبت 20 تفاعلًا كل تفاعل يصل إلى 500 كلمة. وقرأت ثلاثة كتب متعلقة بالكورس بالإضافة إلى قراءة 200 إصحاح من العهد القديم. أعطى الدكتور كتناشو لنا منهجًا في الدراسة أكثر من معلومات، وطريقة تفكير أكثر من تشظي المعرفة. واطلاع على كافة المصادر مع الإيمان بمصداقية الكتاب، أعطى لنا صورة المعلم المتضع بعيدًا تعالي المدرس. كانت رحلة ممتعة استفدت منها كثيرًا، عرفت من خلالها أن ظلمنا كثيرًا في دراسة العهد القديم. التعليم عن بعد إمكانية تبني الراعي في زمن كورونا وبعدها.

    الجزء الرابع: التحديات الخمسة في زمن كورونا

    طرح يوحنا كتناشو في مقال مهم له تحت عنوان: “الكنيسة الافتراضية واجتماعاتها: مفاكرة لاهوتية” حسب (كتناشو، الأنترنت) تحديات خمسة في زمن كورونا وهي تواجه الكنيسة والعمل الرعويّ، وهي:

    التحدي الأول: يتطلب تكوين العلاقات المسيحية العميقة التفاعل البشري وجها لوجه. وتشمل العلاقات هويةً جماعية تشترك في كونها نورًا وملحًا للمجتمع.

    التحدي الثاني: ممارسةُ الفرائض فعليًا وليس افتراضيًا مكونٌ أساسي لمفهوم كنيسة. وعندما لا يكون هناك ممارسة للمعمودية وكسر الخبز والوعظ فإن المجموعة لا تكون كنيسة.

    التحدي الثالث: تتطلب ممارسة التأديب الكنسي تفاعلاً فعليًا وليس افتراضيًا. لا يوجد مساءلة كافية وشفافية في علاقاتنا الافتراضية. ولا يوجد آليات صحيحة للتأديب الكنسي.

    التحدي الرابع: ممارسة مراسيم الزواج والجنازات تتطلب حضورا فعليًا وليس افتراضيًا بسبب التعاطف والتكاتف والسلطة الكنسية وأهمية الحدث. وكذلك خدمة زيارة المرضى تستلزم حضورا فعليا لتجسيد التعاطف والمحبة.

    التحدي الخامس: رسامة الخدام تتطلب وضع الأيدي وحضورا فعليا. فالكنيسة الافتراضية لا تستطيع أن تضمن مصداقية الخدام دون التواجد الفعلي والتفاعل الشخصي معهم.

    الجزء الخامس: مهام عملية في زمن كورونا

    أولا: الوعظ في زمن كورونا

    حين أغلقت الكنائس اشتعل الفيسبوك بالوعظ، وهذه ظاهرة يجب أن تدرس، هل هي رغبة في التغذية بالكلمة أم رغبة في التواجد، هل سيموت الناس إذا لم نعظ لهم؟ وهل الوعظ ضروري لهذه الدرجة؟ وهذه الظاهرة قلت رويدًا وريدًا.

     ومن خلال الطفح الوعظي على صفحات التواصل الاجتماعيّ جعل يفضل الرعاية والسؤال على الناس بدل الوعظ، ولعل هذاالاقتباس يبرهن على ذلك: “أرى أن المؤسسة الدينية مازالت حاضرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فنجد اجتماعاتهم وواعظاتهم مستمرة، ولكننا نحتاج من القائمين على هذه المؤسسات سواء المسيحية أو الإسلامية أن يجعلوا خطابهم أكثر إنسانية بالاهتمام بظروف الناس المؤلمة الحالية، ويتوقفوا قليلاً عن الحث على التوبة والوعظ، و يعلو في خطابهم الآن الدور التوعوي والتعليمي والاقتراب من الناس ليكون ذلك جزءًا أساسيًا من هذه اللقاءات، مع تعليم أساسيات الوقاية من المرض، فمع الظروف الحالية نجد ضروريات أخرى تعلو، وعلى كافة المؤسسات التكاتف للمساندة. (صموئيل، الأنترنت).

    ويبقى اختيار نصّوص الوعظ في وقت الأزمات في غاية الصعوبة. خبرة الوعظ في وقت الأزمات مرهقة لكنها ضرورية. الوعظ رسالة وله قيمة كبيرة في البناء والتشجيع، لو لم نعظ الناس في هذه الأيام فمتى نعظهم. أن تضع نفسك مع الناس كواحد منهم ولست أميرًا عليهم يجعل لغة الخطاب تصل إلى القلب دون تعالي على البشر. نحميا في صلاته في الإصحاح الأول، فقد وضع نفسه مع الذين سمع عنهم في سلة واحدة.

    والتأكيد هو أن الفكرة ليست عظة والسلام، أداء واجب أو إنجاز مهمة، ولكنها رسالة توجه للشعب في زمن الوباء فكيف تكون؟ هي معاناة فعلية لا يصلح فيها التسكين ولا الازعاج ولا الاكثار من الوعود الاستهلاكية ولا التطمينات التي لا أساس لها. بالفعل هي حالة مزعجة ومربكة لي. هذا ما عشته في أثناء التحضير لعظة رأس السنة 2020م.

    مدة العظة عبر وسائل التواصل يجب أن تكون قصيرة مركزة، كما أن مدة العبادة كلها لا تزيد عن ساعة لأسباب كثيرة منها ما هو خاص بالتركيز والمتابعة ومنها ما يخص قدرة احتمال المستمع فإذا طال الخيط ضاعت الإبرة. دربت نفسي على التركيز والاختصار. فالعظة عندي هي فكرة يجب أن تصل للمستمع بوضوح وفي وقت قصير. فأنا أميل إلى ما قل ودل، ومع الاختصار غير المخل.

    يوقل مهاب عادل عن رؤيته للخطاب الديني في زمن كورنا: “وهكذا، تبدو عملية الإسراع في عمليات تطوير الخطاب الدينيّ للحاق بمرحلة ما بعد جائحة كورونا بخطاب دينيّ معاصر يتوافق مع طبيعة تلك المرحلة التي ستكون فاصلا مهمًا في حياة الشعوب من الناحية الدينيّة. حيث سيسعى الغالبية من البشر إلى البحث عن ما يعيد إليهم الأمل، ويحفزهم على العودة إلى دائرة النشاط اليوميّ والأعمال الحياتية بعد هذا الركود، ومحاولة ملء الفراغ الروحيّ لديهم بعد أن فقدوا الكثير من أحبائهم بجائحة كورونا، وذلك عبر مساحة الدين. ولن يتأتى ذلك بدون إجراءات جادة للتطوير والتجديد في شكل وأدوات الخطاب الدينيّ” (عادل، 142).

    ومن أروع الأمور التي أسست في زمن كورونا هو أنَّ الإنسان أهم من الأديان هكذا أفتت دار الإفناء المصرية معاقبة في ذلك من أفتى بعدم جواز إعطاء الزكاة لغير المسلمين. الإنسان هو الأهم، والإنسانية هي القيمة الجامعة، والمواطنة الشاملة لا تفرق بين شخص وأخر.

    الخطاب الديني يجب أن يكون دافعًا نحو القيم المشتركة في الإنسانية، ومحترمًا للعقائد المختلف عليها. المساواة حلم يمكن أن يتحقق في الواقع المصري إذا أمنت المؤسسات التي تصنع القرار بذلك، واستقامت الثقافة، وحسن التطبيق.

    ثبت أن الناس يمكن أن يعيشوا دون بهرجة الاحتفالات الخاصة بالأعياد، والكنائس يمكن تؤدي رسالتها دون مهرجانات أو نهضات أو دعوة مشاهير أو نجوم شباك أو أحداث ضخمة. المواجهة مع الواقع قد تجعل الناس تفكر في حياتها بطريقة غير معتادة لتخرج منها بأكثر فائدة.

    في زمن الكورونا والكنيسة الافتراضية لم يعد لوجودك المكاني أهمية فتستطيع أن تخدم وتتابع من أي مكان أنت فيه، وهذا قد يؤثر على موضوع الانتماء. الرعاية التقليدية تلزم الراعي أن يكون بين الرعية، ولكن في ظل كورونا، وفي ظل التركيز على التباعد الاجتماعي، تكون المتابعة عبر وسائل التواصل وهي لا ترتبط بمكان، فيمكنك من أي مكان أن تتابع. كنت في المنيا وتابعت الكنيسة في القاهرة، وكنت في القاهرة وقدمت عظة لكنيسة في لندن.

    يتساءل الراعي معكم عن شكل الكنيسة ما بعد كورونا، ستكون الصدارة للعلم، والتركيز على الإنسان في تناغم دوره مع دور الله. والتركيز على العلاقات في مقابل التفكك والصدام، وأيضًا التركيز على الخدمة في مقابل الأنشطة. ثم البناء الواعي للكنيسة في مقابل الأحداث الضخمة. بالإضافة إلى العقلانية في مقابل الدروشة.

    ليس المطلوب منا أن نعود كما كنا نستخدم نفس الأدوات ونفس التفكير ونفس الصراعات، ونفس الصور النمطية عن الخدمة. من ينجو من كورونا ويكتب له النجاة، يجب أن يضع الخمر الجديد في زقاق جديد. وكذلك الثوب الجديد لا يوضع على قماش عتيق. نتجدد أم نتبدد تلك هي قضيتنا الكبرى، وفكر جديد أم الكارثة. الاختيار خيار لنا، بيدنا لا بيد عمر.

    حين يرتبط اللاهوت بالواقع تكون الحياة، وفي ذلك يقول تيموثي وير: “اللاهوت والتصوف والروحانية والمناقب والفن، كل هذه أشياء لا ينبغي فصل بعضها عن بعض. فالعقيدة لا يمكن فصلها إلا من خلال الصلاة. ويقول ايفاغريوس: “اللاهوتي إنسان يحسن الصلاة، ومن يصلي بالروح والحق هو لاهوتي”. والعقيدة التي تدرك في ضوء الصلاة يجب أن تكون أيضًا معاشة: فاللاهوت الذي لا يترجم عملًا هو، كما قال القديس مكسيموس المعترف هو لاهوت شياطين.” (وير، 27).

    ثانيًا: لا شيء بديل عن الكنيسة والرعاية

    من أهم الدروس العملية التي تعلمناها في جائحة كورونا هو أن لا شيء يمكن أن يكون بديلاً عن الكنيسة، لا شيء يمكن أن يكون بديلًا عن الوجود معًا، والشركة معًا، والعبادة معًا، والخدمة معًا. وفي وجهة نظري يمكن استثمار هذا الأمر في إعادة أكتشاف معنى الكنيسة من التحول من التركيز على الكنيسة المبنى (مع أهميته) إلى الكنيسة المعنى (مع أهمية وجوده) فتتعمق الوجود والشركة والعبادة معًا، وهو أهم المقومات التي تبنى عليها الكنيسة. ولا شيء بدل عن الرعاية الحقة التي تهتم بالبشر وللبسر.

    كان في المرحلة الأولى برنامج زووم مبهر للكنيسة، ولكن في مرحلة الغلق الثاني العودة إلى زووم لم تكن مبهرة كالمرة الأولى، والعدد بدأ في التناقص ورغبة الناس لم تكن بنفس الحماس الأول، بعض الاجتماعات قررت أنها لم تلتق عبر زووم ثانية، والبعض الأخر ضعيف جدًا. هذه ظاهرة تحتاج لدراسة هل للتعود أم أن الوسيلة غير مشبعة، أم أن العودة كان في وقت أعياد والناس مشغولة. مهما كانت هذه الأسباب أو غيرها يثبت أننا في وضع مختلف لا تستطيع أن تتنبأ بما سوف يحدث، ولكن هي خبرات يجب أن نتعلّم منها إن أردنا سواء في الوسيلة المستخدمة أو محتوى الرسالة ومن يقوم بها أو مدة الرسالة. يبقى برنامج زووم هو برنامج طيب للتواصل والتفاعل معًا وجهًا لوجًه. وتبقى الحقيقة أنه لا غنى عن التفاعل الجسدي الاجتماعي في الحضور معًا، وهذا مما يدعم فكرة وجود الكنيسة معًا ويقوي وجودها ويثري وحدتها.

    برنامج زووم أو أي وسيلة لا تغني عن الوجود والتفاعل الانساني الطبيعي، فالانسان كائن اجتماعي وعلائقي. صحيح انه زمن الميديا والتطور في وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن التواجد الجسدي مع الاخرين جزء من تكوين الفرد!

    المقياس الآن للنجاح ليس هو أمتلاء الكنيسة من المتعبدين ولكن النجاح هو في حضور عدد قليل وذلك تجنبًا لاحتمالية العدوى. التنسيق أن من يحضر صباح الأحد لا يحضر مساء الأحد أمر مهم لاتاحة الفرصة لعدد كبير بالمشاركة. العدد الصغير ينوب عّن بقية الشعب في الصلاة والشكر لله، والذين لم يحضروا يتواصلوا وجدانيًا بالصلاة والدعاة مع الشكر. بالطبع حين يغيب شخص عن الكنيسة نسأل عنه لكن لا نطلب من الحضور في هذا الظروف الصعبة لأن البشر الذين مروا في ظروف صعبة مع ذويهم قد تعلموا الدرس جيدًا.

    هل الكنيسة في خطر في ظل كورونا؟ هل يوجد خوف من تسرب الأعضاء؟ هل هل يوجد احتمال لضعف عزيمة الكنيسة؟ كل هذه هي أسئلة مشروعة ولكنها تطرح في ظرف استثنائي لا يمكن القياس عليه. ولكن الخطر الحقيقي الفعلي هو موت الناس بسبب الفيروس، وكل ما فقد بعد ذلك من إمكانيات مالية وخدمية يمكن أن تعوضه الكنيسة ولكن ما لا يمكن تعويضه هو موت البشر.

    يمكن أن تعيش الكنيسة بدون بهرجة الاحتفالات أو المغالاة فيها هكذا اختبرنا هذا الأمر فبرغم التباعد الجسدي أدركنا التقارب الروحي عن بعد عبر منصات التواصل الاجتماعي. بالطبع ما تعودنا عليه من تجمعات افتقدناه هذا العام، ولكنها خبرة جديدة تقول: إنه ليست بالاحتفالات تحيا الكنيسة. ويمكن أن يكون الاحتفال برب الاحتفال في شخص المخلص ورسالة الخلاص.

    اعتقد أن الاحتياج الحقيقي في الخدمة عمومًا هو (الرعاية) ولكن زمن الكورونا أظهر أهميته من جديد. لست من هواة الفصل بين الوعظ والرعاية ولكن في وسط الأزمة الناس يحتاجون إلى الرعاية التي في ذاتها هي أسلوب مميز للتعليم فتقدم في ذاتها عظة معلمة للناس. أي أن التعليم لا ينفصل عن الرعاية والرعاية لا تنفصل عن التعليم هكذا أرى. ولذلك الراعي هو من يحول الكنيسة إلى رعاة إلى مجتمع رعائي يسأل بعضه على بعض. الأهتمام في زمن كرونا هو رسالة رعويّة ضرورية.

    مرحلة كورونا مرحلة مهمة ومغيرة في طريقة التفكير، ولا سيما في مفهومنا عن العبادة، فقد كسرت كل ما تعودنا عليه من شكل سواء حضور الكنيسة والترانيم وروعة العلاقة معًا، الأمر الذي حرمنا منه عن أضطرار وليس عن اختيار، فاكتشفنا أنه في هذا الظرف الاستثنائي يمكنا أن نتشارك معًا في العبادة من خلال برنامج مثل زووم، نصلي معًا نسمع كلمة الله معًا، نرنم معًا حتى ولو بدون موسيقى، نختبر ونحن في وحدتنا ووجودنا معًا في البيت خلف الشاشة إننا ضمن أسرة كبيرة وجسد واحد، رغم التباعد نختبر القرب.

    ثالثًا: الإدارة اللغز والحل

    إدارة الأزمة تختلف عن الإدارة في المفهوم الطبيعي، يجب أن تدرك مجالس الكنائس والمؤسسات الكنسية الظرف الاستثنائي التي تمر فيه الكنيسة هذه الأيام في زمن الوباء. وفي ظل ضبابية المشهد ينظر المجلس والمؤسسات الكنسية بثقة ويقين في الله مع القيام بالدور المنوط القيام به في حكمة وثبات والنظر للمستقبل.

    القرارات المدروسة تريح كافة الأطراف، ولا سيما في القرارات المصيرية. وإدارة الازمات فن ومهارة، الادارة بالتوقع والخيال الذي يخص المستقبل ضرورة فلا ننظر تحت أقدامنا لكن بثقة ويقين في المستقبل. غلق الكنائس ليس كارثة وليس هدفًا في ذاته ولكن هو وسيلة من وسائل الحماية في وسط الوباء. فتح الكنائس في تحدي للقرار لا يقف مع الكنائس لكن يعمل لصالح الوباء. مزيد من الدراسة مع مزيد من المشورة لأن الحدث أكبر من الكل.

    انتقلنا من النظرية للتطبيق في مفهوم نظام الادارة الذي نتبعه، القرار الأخير وعدم الخضوع والامتثال له بين أننا كنيسة لا تعرف عن المشيخية شيء غير الأسم فقط وغير أن مجلس إدارتها من الشيوخ. نحن في أقل تقدير كنائس استقلالية بامتياز. وظهر هذا الأمر في التحدي الصارخ لقرارات اللجنة التنفيذية بفتح الكنائس رغم أن الظرف التاريخي لا يسمح بهذا. من جرَّف عقل الكنيسة لنصل لهذا المستوى؟

    من فتح وضع زميله المجاور الذي التزم في مأزق، وهذه قضية أخلاقية لم ننتبه إليها. كما أن الزملاء الذين لم يخضعوا كيف يقنعون مجالس كنائسهم فيما بعد (أفتراضيًا) بتطبيق زيادات أو علاوات مالية أقرها السنودس على سبيل المثال، إذا قلت لهم : هذا قرار السنودس سيقولون لك: ما أنت ضربت قرار السنودس بعرض الحائط، فاكر ولا أفكرك. وهذه قضية أخرى، نحن من نضعف نظامنا ونحن من نقويه.

    الخضوع للنظام وللادارة والمؤسَّسة يكبر بالمؤسسة في أعين الشعب وأكبر أنا مع المؤسسة الكبيرة. وعدم الخضوع تصغير من شأن المؤسَّسة في أعين الشعب، وأصغر أنا مع المؤسَّسة الصغيرة. الخضوع علامة نضوج وعدم الخضوع علامة مراهقة. الخضوع تعبير صادق عن الروحانية الحقيقية والتمرد خطية كالعرافة.

    رابعًا: ومن الخيال ما قتل

    كنت أتوقع أن نتغير أو نرى نغييرًا في الناس، فهذه جائحة وبلوى كبيرة، ولكن لا شيء قد تغير فالكل عاد إلى ما كان عليه قبل بنفس الفكر بنفس الأسلوب بنفس الأدوات. بل البعض في الأساس يستنكر وجود كورونا ويعيش في دائرة نظرية المؤامرة.

    حين توقعنا التغيير كنّا حالمين طفوليين في تفكيرنا، فالحياة أعقد مما كنّا نظن، التغير يبدأ من الداخل للخارج وليس من الخارج للداخل. اعتياد الأمور هو أعتى مرضى يضرب البشر!

    التاريخ يقول إن الأوبئة لم تغير من سلوكيات البشر، غير أنها فقط غيرت الأهتمام بالصحة من ناحية الأمصال. التغيير قضية معقدة ولا يحدث لحظيًا لكنه رحلة عمر . التغيير الدراماتيكي السريع هو عامل محبط، وخيال طفولي، لكم الواقع يقول إنَّ التغيير رحلة حياة من خلال الثقافة والتعليم والنظم والقواعد.

    في نهاية مسرحية سكة السلامة لسعد الدين وهبة ونهاية فيلم بين السما والأرض لنجيب محفوظ يبينان أن التوبة تحت تأثير الظروف لا فائدة منها. وأن اللعب على المشاعر واتخاذ قرارات مصيرية تحت ضغط الظروف والاحتياجات والخوف تتبخر هذه القرارات وتصبح في طي النسيان، وتعود ريمة لعادتها القديمة، وكأنك يا أبو زيد ما غزيت.

    توقعت بفكر طفولي حالم أن الجائحة التي نمر بها هي قادرة على ضبط السلوك في الالتزام والخوف على الآخر والحد من المظاهر التي لا قيمة لها …إلخ، وذهب توقعي وحلمي أدراج الرياح، فالنفس البشرية معقدة وأصلاح الإنسان لا يأتي بقوة قهرية من خارجه، فما يأتي مع الظرف القاهر يذهب معه، ولكن يتغير الإنسان بتحرك داخلي. فالتغيير يبدأ من الداخل للخارج وليس العكس. تجديد الذهن الداخلي يؤي إلى تغيير الشكل الخارجي. المدخلات الصحيحة تؤدي إلى مخرجات صحيحة كما نتعلّم من المنطق أن المقدمات الصحيحة تؤدي إلى نتائج صحيحة.

    خامسًا: الرعاية والعلاقة بين العلم والدين

    للأسف أصيب بكورونا من قال إن كورونا تصيب الكفرة فقط وهو شيخ سلفي مصري. ومات القسيس الأمريكي الذي قال: أن الله فوق كورونا. الهوس الديني يجعلنا نحارب الفيروس بالأدعية والتعالي حاسبين أن الله ملك لنا فقط وهو الذين يحمي فئة معينة فقط. وأصيب الكاهن المسيحي الذي قال إن كورونا هي عقاب من الله.

     الوباء يصيب الجميع دون تفرقة وينهش الأجسام دون تمييز، وأجساد المؤمنين ليست محصنة ضد الفيروس، والحرص ليس ضد الإيمان والخضوع للعلاج ضرورة إيمانية. يجب أن يكون الخطاب الديني منضبطًا وقت الأزمات. فربما كلمة تقود الناس للهلاك وأخرى تقود الناس للحياة.

    الطريق الثالث في التفكير هو التفكير الخرافي، يفكر الناس علميًا ويفكرون دينيًا ويفكرون خرافيًا، ولأن العلم والدين لدى البعض غير كاف أو مشبع يلجأون للخرافة، قد تأخذ ثوب الدين أو تلبس ثوب العلم.

    يلجأ الإنسان للخرافة بحثًا عن تفسيره للأمور الصعبة. والخرافة مشبعة تعطي بعض المبررات للعقل ليشبع بالوهم. الخرافة منافية للحقيقة ومجافية للواقع حتى لو أكتست بثوب الدين أو ولدت من رحمه. فلنتخلص من أوهام الخرافة في زمن كورونا وما بعدها.

    حين يقوم التفكير اللاهوتى على السبب، ويطرح سؤالًا: لماذا؟ يتعامل العلم مع نفس الأمر بطرح سؤال: كيف؟ تكامل لا تضاد. هذا يساعدنا في الموقف من كورونا ومن أي وباء، بين لماذا وكيف؟

    يقول أسعد قطان يحيلنا الخطاب الدينيّ في زمن الكورونا إلى التوتّر القديم بين العلم والدين ويواصل بالقول: “أمّا الطامة الكبرى، فهي حين نسمع من هنا وهناك أنّ المشكلة الفعليّة ليست المرض في ذاته، بل خوف البشر المتصاعد منه وكأنّ الاتّكال على الله في أزمنة الضيق قادر بسحر ساحر أن يبدّد خوف البشر من الموت، أو كأنّ الإيمان بالله في القلب البشريّ عمليّة ميكانيكيّة لا تعرف التقلّب والصعود والنزول. (قطان، الأنترنت).

    ثم يشرح قطان: “هذا التوتّر في عمقه له مفاعيل صحّيّة على الدين. العلم لا يشفي البشر فحسب، بل يشفي المُؤَسّسة الدينيّة أيضاً من أوهامها وترّهاتها، وذلك على قدر ما يذكّرها بأنّ ليس من شأنها أنّ تسيطر على مجالات الحياة الإنسانيّة برمّتها، بل إنّ اختصاصها هو مساعدة الإنسان على التبصّر في علاقته بالمطلق والتعبير عنها وتدبّر مسألة معنى الوجود الإنسانيّ وما يخالطه من أسئلة كبرى، وأهمّها السؤال عن الموت. العلم، بهذا المعنى، قادر على تطهير الدين من شوائبه وممّا تختزنه المُؤَسّسة الدينيّة من نزعة إلى التسلّط، كما أنّ الدين وظيفته تذكير العلم بأنّ الأسئلة الأخلاقيّة الكبرى أمر يتخطّى المناهج العلميّة بحيث لا يمكن استمداد الأجوبة عنها من المختبر. (قطان، الأنترنت).

    الجزء الخامس: خبرة فيلسوف فرنسي معاصر

    يأمل الفيلسوف الفرنسي وعالم الاجتماع إدغار موران أن “يجعلنا هذا الوباء القاتل ندرك أننا ندخل مغامرة مذهلة للبشرية”، وأن “ندرك أيضًا أننا نعيش في عالم الشك والمأساة على حد سواء”. وقد قدَّم لنا خبرته في الحجر التي قد تتشابه أو تقترب من خبراتنا، وهي:

    أعلم أن الحجر لمدة طويلة سيشكل بدوره عائقًا كبيرًا. لا يمكن لمقاطع الفيديو أن تحل محل ارتياد السينما، ولا يمكن أبدا أن يعوض “التابليت” زيارة المكتبات. كما أن التطبيقات الرقمية مثل “سكايب” و”زووم” لا تشكل بديلًا لضرورة الاتصال الحقيقي المباشر. حتى أن الطعام المنزلي على الرغم من جودته، لا يعوض الرغبة في الذهاب إلى المطاعم. والأفلام الوثائقية بدورها لا تلغي الشغف بمشاهدة المناظر الطبيعية بأم العين والتجوال في المدن وزيارة المتاحف.

    لن تنجلي رغبتي في زيارة إيطاليا وأسبانيا؛ لا ننسى أن النقص في الأساسيات يمنح تعطشا لأمور غير ضرورية. كما آمل أن تسهم تجربة الحجر في التخفيف من هوس الترحال، والهرب نحو بانكوك من أجل جلب ذكريات تُحكى للأصدقاء. أتمنى أن يساعد ذلك على الحد من النزعة الاستهلاكية والطاعة العمياء للحوافز الدعائية، لصالح الأطعمة الصحية واللذيذة والمنتجات المستدامة وليس تلك الصالحة للاستعمال مرة واحدة. لكن هذا الأمر سيتطلب بواعث أخرى ووعي جديد لإحداث ثورة في هذا المجال، ومع ذلك هناك أمل في تسارع هذا التطور الذي بدأ بالفعل.

    لقد عبر هذا العالم الجليل والفيلسوف عما يدور في دواخلنا ونعيشه برغم بعد المسافات واختلاف الثقافات.

    الجزء السادس: صلاة رعويّة زمن كورونا

    لكَ الحـَمدُ مهما استطالَ البـــلاء
    ومهمــا استبـدٌ الألـم
    لكَ الحمدُ إن ٌالرزايـا عطـــاء
    وإنٌ المَصيبــات بعض الكـَـــرَم

    (السياب، الأنترنت)

    نصلي أن يعطنا الله روح الحكمة في التصرف في هذه الأيام الصعبة، إن حكمة الله تهذب ألسنتنا وتضبط أفكارنا ومشاعرنا، أن يعطنا الله أن نحيا في سلام رغم كل الظرف الصعبة في الحياة التي نمر بها في زمن كورونا.

    نصلي لأجل مصر حفظ ورعاية وعناية، لأجل المصابين بالفيروس شفاء، لأجل الأسر الحزينة عزاء، نصلي لاجل حفظك للكنيسة يا رب في مصر والعالم. نصلي من أجل خدّام وشعب الكنيسة في كل مكان في مصر أن تحفظ الجميع تحت رعايتك، من أجل عين شمس وكل أحياء القاهرة ومصر، وجيراننا حماية ورعاية. أجعلنا يا رب أكثر قريًا من كلمتك وثبتنا وقدسنا في حقك، ولا تدع الشك يفترسنا.

    الأسرة في هذه الأيام بين يديك يا رب لتعطي نعمة ومعونة لها لكي تقوم بدورها الروحي مسددًا كل احتياج لها. نصلي أن لا تجعلنا فريسة للشك أو الخوف بل أعطنا شجاعة المواجهة في الظرف الصعب. هبنا ثبات لعقولنا واستقرار لمشاعرنا ولا تدعنا نعثر أو نضطرب، دربنا وشكلنا وأعمل فينا لنفهم قصدك ومشيئتك في هذه الأيام.

    نصلي لأجل الأطباء والممرضين في المستشفيات قوة ومعونة وحكمة وإرشاد، نصلي لأجل العلماء في معاملهم إرشاد ومعونة لاكتشاف الدواء المناسب، نصلي من أجل توافر الدواء والخبز والأمور الضرورية لاستمرار الحياة. نصلي لأجل كل من يضار اقتصاديًا من خلال تعطل العمل ولا سيما العمالة اليوميّة دبر أنت حالهم يا رب، وساعدنا لتنفتح أعيننا عليهم لنساعدهم.

    نصلي لأجل يقظة الوعي لدى بلدنا في كل شيء في التعليم والصحة والرعاية والنظافة. نصلي أسرنا أولادنا زوجاتنا زوجاتنا أن نحتمل بعضنا بعضًا ولا سيما في الإقامة الجبرية في البيت. نصلي من أجل من لديهم أمراض مزمنة وكبار السن بين يديك الجميع. نصلي من أجل من هم في وحدة حقيقية ويقيمون بمفردهم في بيوتهم أن تكون أنت معهم يا الله. أعطنا أن نحتمل هذه الأيام التي فيها إلزام جبري بالبيت وأحفظ كل من يخرج للعمل للضرورة. نصلي أن يمنحنا الله الصبر وسط الضيق والقوة وسط الضعف، والمعونة وسط الشدة. يا إلهنا المحب، عندما يداهمنا الخوف لا تتركنا للشكوك. وعندما يصيبنا الفشل لا تتركنا للمرارة. وعندما نقترب من السقوط تأتي إلينا وترفعنا. وعندما نصاب بالضعف لا تدعنا نخور في الطريق. يا رب أعطنا أن نكون دائمًا بالقرب منك، شاعرين بدفء محبتك.

    ونحن نصلي نثق في سيادتك المطلقة وسلطانك على كل شيء وأنت تعلم دوافعنا ودواخلنا، نأتي إليك بدموعنا وصراخنا وصلواتنا أنْ تمنحنا قوة وشفاء رعاية وحماية لبلادنا ولنفوسنا. آمين.

    المراجع

    أبو طالب، حسن. كورونا والإشكاليات الثمانية. مجلة أحوال مصريّة، العدد 77 يوليو 2020م. القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجيّة.

    أودن، توماس. الرعاية في فكر الآباء. إعداد القمص إشعياء ميخائيل. القاهرة: إشعياء ميخائيل، 2015.

    بهجت، أحمد. المدرسة الثانية، الأهرام، باب صندوق الدنيا، 1 مارس 1993م.

    بولس، دانيال. مذكرات عن حياة المرحوم القس بولس ميخائيل الهوري يشتمل على لمحات من سيرة حياة الفقيد وإحدى رسائله وعظة له. القاهرة: د. ن. د. ت.

    البيان الختامي للشركاء المنظمين لمنتدى القيم الدينية لمجموعة العشرين لعام 2020، متاح على موقع https://www.kaiciid.org تم الاطلاع عليه في 20 أكتوبر 2020.

    حسن، عمَّار علي. مكان وسط الزحام تجربة ذاتية في عبور الصعاب. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2018م.

    الخضري، حنا. المسيح إله أم إنسان قراءة في فكر كارل بارت. القاهرة: دار الثقافة، 2014م.

    خوري، المونسنيور رفيق. الحضور المسيحي في الأراضي المقدسة، متاح على https://almoutran.com وتم الاطلاع عليه في 1 مارس 2021م.

    السياب، بدر شاكر. سفر أيوب. متاح على https://www.aldiwan.net وتم الاطلاع عليه في 1 يناير 2021م.

    صموئيل، نبيل. حوار. متاح على https://www.wataninet.com وتم الاطلاع عليه في 21 يونية 2020م.

    عادل، مهاب. جائحة كورونا والمقاربة الدينيّة. مجلة أحوال مصريّة، العدد 77 يوليو 2020م. القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجيّة.

    فانييه، جان. الراعي يدعون لنصبح رعاة. مجلة لوجوس، د. ن. د. ت.

    قطان، أسعد. الخطاب الديني في زمن كورونا. متاح على https://www.telosmagazine.org وتم الاطلاع عليه في 5 مارس 2021م.

    كتناشو، حنا. الكنيسة الافتراضية واجتماعاتها: مفاكرة لاهوتية. متاح على موقع http://www.comeandsee. تم الاطلاع عليه في 20 أكتوبر 2022م.

    محفوظ، نجيب. اللص والكلاب. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، مهرجان القراءة للجميع، 1994م.

    محي الدين، محمود. أزمات متزامنة الانعكاسات الاقتصادية لجائحة كورونا. الملف المصري. العدد 72 أغسطس 2020م. القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجيّة.

    وير، تيموثي. الكنيسة الأرثوذكسية إيمان وعقيدة. لبنان: منشورات، 1982م.

المجتمع المدني وقضية التغيرات المناخية

اسم الكاتب :د. رامي عطا صديق

  • آثار سلبية: ارتفاع مستوى سطح البحر.. تسلل المياه المالحة.. خطر المجاعة.. حرائق الغابات.. تآكل الشواطئ.
  • الحل: التربية البيئية والتحول إلى مصادر الطاقة النظيفة والاعتماد عليها مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
  • تعمل جمعية الصعيد للتربية والتنمية في مجال التوعية البيئية بمشاركة مختلف أطراف العملية التعليمية: المُعلمين ومشرفي الأنشطة والطلاب وأولياء الأمور.
  • الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية تنفذ مبادرات توعوية تثقيفية وأخرى تنفيذية ميدانية.

 

 

فرضت قضية التغيرات المناخية “Climate changes” نفسها بقوة على حديث الكثير من اللقاءات والمنتديات ومضامين وسائل الإعلام، المحلية منها والعالمية، باعتبارها واحدة من بين أبرز القضايا التي تواجه العالم خلال الفترة الحالية، إن لم تكن هي القضية الأبرز على الإطلاق، خاصة وأن لها آثارًا متعددة تهدد الحاضر والمستقبل أيضًا.

وحسب موقع الأمم المتحدة فإنه يُقصد بتغير المناخ تلك التحولات طويلة الأجل في درجات الحرارة وأنماط الطقس، وهي تغيرات قد تحدث بسبب تغيرات في الدورة الشمسية، وقد تحدث بفعل البشر، فمنذ القرن التاسع عشر، أصبحت الأنشطة البشرية هي المسبب الرئيس لتغير المناخ، ويرجع ذلك أساسًا إلى حرق الوقود الأحفوري، مثل الفحم والنفط والغاز، ما ينتج عنه انبعاثات غازات الدفيئة التي تعمل مثل غطاء يلتف حول الكرة الأرضية، ما يؤدي إلى حبس حرارة الشمس ورفع درجات الحرارة.

آثار سلبية متنوعة

للتغيرات المناخية الكثير من الآثار السلبية، المعقدة والمتشابكة، على الصحة والسكن والسلامة والعمل والزراعة، فقد ساءت الظروف مثل ارتفاع مستوى سطح البحر وتسلل المياه المالحة إلى درجة اضطرت فيها مجتمعات بأكملها إلى الانتقال، كما أن فترات الجفاف الطويلة تعرض الناس لخطر المجاعة.

ليس هذا فحسب، بل من المتوقع أن يرتفع عدد اللاجئين بسبب تغيرات المناخ، فضلًا عن حدوث ظواهر أخرى مثل حرائق الغابات وتآكل الشواطئ، وغيرها من مشكلات.

مسئوليتنا نحو الأجيال القادمة

ثمة إجماع على أهمية التحرك الآن وليس بعد قليل، اليوم وليس غدًا، من خلال التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة والاعتماد عليها، مثل الطاقة الشمسية وطاقة المياه والرياح، ما يؤدي إلى تقليل الانبعاثات المُسببة لتغير المناخ. ويلزم الأمر بناء تحالف قوي بين مختلف دول العالم لخفض الانبعاثات، ذلك أن مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الحكومات ورجال الأعمال، في مواجهة تلك المشكلة/ الظاهرة، من حيث مساعدة الدول الصناعية الكبرى والغنية، بالإضافة إلى مساعدات الأغنياء ورجال الأعمال، للدول النامية والفقيرة، في تقليل استخدام الوقود الأحفوري والاتجاه نحو مصادر الطاقة النظيفة، ومن ذلك أن هناك مطالبات بأن تلتزم البلدان الصناعية بتقديم 100 مليار دولار سنويًا إلى البلدان النامية، حتى تتمكن من التكيف والتحرك نحو اقتصادات أكثر إخضرارًا وأكثر أمانًا، إذ على الجميع أن يدرك أننا نعيش في عالم واحد، يتأثر فيه الجميع بأية تغيرات.

ويؤكد موقع الأمم المتحدة أنه يمكننا دفع “الفاتورة” الآن، أو دفع ثمن باهظ في المستقبل، حيث يتطلب العمل المناخي استثمارات مالية كبيرة من قبل الحكومات والشركات، لكن التقاعس عن العمل المناخي يكلفنا ثمنًا باهظًا. 

التربية البيئية

بالإضافة إلى العمل الحكومي والمؤسسي فإن ثمة احتياج لمزيد من الاهتمام بمقررات التربية البيئية، التي تستهدف رفع الوعي بقضية التغيرات المناخية ودور المواطن/ الإنسان فيما يتعلق بالسلوكيات والممارسات الشخصية، في التعامل مع البيئة، باعتبارها كل ما يحيط بنا، وكل ما يوجد من حولنا، ما يستوجب ترشيد استهلاك المياه والطاقة والتعامل الآمن مع النفايات والقمامة.

وهنا فإن ثمة اهتمامًا واجبًا بترسيخ مفهوم “المواطنة البيئية”، التي تعني -حسب بعض الكتابات- مجموعة القيم والعادات والتقاليد والأعراف والمبادئ والاتجاهات الإنسانية، التي تعزز واقع الحقوق البيئية للجماعات البشرية في المناطق المختلفة من العالم، وتدعم قدرات وجود مقومات السلوك الأخلاقي والمسئولية الذاتية للفرد والمجتمع في تجسيد واقع الممارسات البشرية السليمة في العلاقة مع النظم البيئية ومكوناتها الأساسية، والتي يمكن أن تسهم في إيجاد وتأسيس قاعدة واعية قادرة على المساهمة الفعلية في الدفع باتجاه إقامة نظام عالمي أكثر عد لا ومسؤولية في الدفاع عن المصالح العليا للإنسانية، والحفاظ على سلامة كوكب الأرض، وتأمين سبل العيش الكريم للجماعات البشرية، وتحقيق الأمن البيئي للإنسانية.

مستويات الحل

في إطار مواجهة التغيرات المناخية في تعاون المؤسسات الحكومية، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص.

وقد يكون من المهم إدراج هذا الموضوع في الندوات والورش التثقيفية التي يتم تنظيمها في قصور الثقافة ومراكز الشباب والأحزاب السياسية، والمدارس والكليات والمعاهد، وأن يكون حاضرًا في مضمون وسائل الإعلام، والخطب الدينية، وفعاليات المجتمع المدني، فما نصنعه اليوم فإننا نحصده، ويحصده معنا الأبناء والأحفاد، غدًا وبعد غد.

أنشطة وفعاليات

استضافت مصر خلال السنوات القليلة الماضية الكثير من الفعاليات الخاصة بقضية التغيرات المناخية، ومن ذلك أن الدكتورة ياسمين فؤاد وزيرة البيئة أطلقت الحوار الوطنى الأول للتغيرات المناخية من مدينة شرم الشيخ، وأعلنت عن جائزة شهرية في مجال الصحافة البيئية باسم الكاتبة الصحفية الراحلة الأستاذة سوزان زكي، كما تضمنت النسخة السادسة من مؤتمر “مصر تستطيع بالصناعة”، الذي تنظمه وزارة الدولة للهجرة وشئون المصريين بالخارج، جلسة حول الصناعة الخضراء. ونفذت وزارة الشباب والرياضة فعاليات الملتقي العربي الإفريقي لتعزيز دور المتطوعين في مواجهة التغيرات المناخية خلال شهر مارس.

وكان مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية قد نظم في 7 ديسمبر 2021م مؤتمرًا عنوانه “الإستراتيجية الوطنية لمواجهة التغيرات المناخية 2050 وتحول الطاقة في مصر: من جلاسجو إلى شرم الشيخ”، بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية. 

مؤتمر قمة المناخ

جاءت تلك الجهود، وغيرها، في إطار الاستعداد لاستضافة مصر مؤتمر قمة المناخ (COP27)، وهو المؤتمر الدولي الذي استضافته مدينة شرم الشيخ خلال الفترة من 6 إلى 18 نوفمبر 2022م، وافتتحه الرئيس عبد الفتاح السياسي وعدد من القادة والزعماء، حيث شاركت فيه عشرات الوفود من مختلف دول العالم.

ومن بين أبرز نتائج مؤتمر قمة المناخ الإعلان عن تأسيس “صندوق المناخ الأخضر” لدعم جهود الدول النامية في الالتزام بإسهاماتها المحددة وطنيًا وتعزيزها لخفض الانبعاثات، بالإضافة إلى تأسيس “صندوق الخسائر والأضرار”، لمساعدة الدول المتضررة من تغيرات المناخ، والبحث في سبل تمويل هذا الصندوق.

دور المجتمع المدني

يمثل المجتمع المدني، ونقصد به الجمعيات والمؤسسات الأهلية والنقابات المهنية والأحزاب السياسية، وغيرها من المؤسسات غير الحكومية، وغير الهادفة للربح، أحد سواعد الدولة في تحقيق التنمية المستدامة ومواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وحقيقة الأمر أنه لا يمكن الاستغناء عن المجتمع المدني، في تحقيق تنمية الدولة ونهضتها، حيث لا تستطيع المؤسسات الحكومية بمفردها تحقيق تنمية المجتمع واستقراره، ومن هنا كان لا بد من تعاون المواطنين، عبر انتظامهم في جمعيات ومؤسسات أهلية.

في هذا الإطار يمكن الإشارة إلى جهود جمعية الصعيد للتربية والتنمية، والهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، في مجال التربية البيئية والعمل على أرض الواقع.

جهود جمعية الصعيد

في التوعية حول المناخ

تأسست جمعية الصعيد للتربية والتنمية في عام 1940م، بجهود الأب الدكتور هنري عيروط اليسوعي (1907-1969م)، صاحب الدراسة الشهيرة “أخلاق الفلاح وعاداته”، وقد نشرت في كتاب عنوانه “الفلاحون”، حيث نال بدراسته درجة الدكتوراه من جامعة ليون بفرنسا في عام 1938م، لا سيما وأنه كان مهتمًا على نحو رئيس بتنمية القرية المصرية وتنمية الفلاحين الذين كانوا يمثلون نحو ثلاثة أرباع المصريين آنذاك، ومواجهة مشكلات/ تحديات الفقر والجهل والمرض.

تعمل جمعية الصعيد في مجال التعليم والصحة والثقافة والتنمية الاقتصادية والمهارية، في محافظة القاهرة، بالإضافة إلى عملها في عدد من محافظات الصعيد، مثل المنيا وأسيوط وسوهاج والأقصر وقنا.

وقد أولت جمعية الصعيد اهتمامًا خاصًا بمشكلات البيئة، حيث تعمل فعليًا وتوعويًا للحفاظ على البيئة وحمايتها من الأضرار، ومن ذلك أن جمعية الصعيد تطبق مادة التربية البيئية على المدارس بهدف رفع الوعي البيئي لتلاميذ المدارس، سواء المدارس النظامية، أو المدارس الموازية- غير النظامية، وتنشيط درجة تفاعلهم الإيجابي مع الأخطار البيئية المحيطة بهم في مجال عملهم أي بيئة المدرسة أو “وحدة العمل”. والجدير بالذكر أن جمعية الصعيد تملك وتدير نحو “35” مدرسة”، تهتم فيها بالتربية البيئية.

تعمل جمعية الصعيد في مجال التوعية البيئية بمشاركة مختلف أطراف العملية التعليمية، حيث المُعلمين ومشرفي الأنشطة والطلاب، بالإضافة إلى أولياء الأمور، إيمانًا منها بتكامل مختلف الأطراف وضرورة التنسيق فيما بينهم، والاشتراك والتعاون فيما يحقق المصلحة العامة.

أجيال الأمل

نظمت جمعية الصعيد للتربية والتنمية الكثير من الفعاليات الخاصة بالبيئة، ومن ذلك أنها شاركت في حملة “أجيال الأمل” بالتعاون مع منظمة إنقاذ الطفولة الدولية- مكتب مصر، وذلك بمشاركة 829 طفل”ة” من محافظتي أسيوط وسوهاج، تتراوح أعمارهم بين 6 و18 عامًا؛ من الصف الابتدائي حتى الثانوي والتعليم التقني، وذوي الإعاقة.

تهدف الحملة إلى زيادة وعي الأطفال بمخاطر تغير المناخ وعدم المساواة الاقتصادية، والمشاركة في فعاليات ونتائج قمة المناخ  COP27، وتبادل ردود أفعال وملاحظات الأطفال حول المؤتمر، وجاءت اقتراحاتهم كالآتي: زراعة أنواع محاصيل زراعية تتناسب مع التغيرات المناخية علشان يحصل زيادة في إنتاج المحاصيل، إطلاق حملات توعية لزيادة زرع الأشجار وزياده الحدائق الخضراء، تشجيع المصانع على أن تكون صديقة للبيئة وتنتج منتجات لا تضر البيئة –فرض غرامات على السلوكيات الخاطئة ضد البيئة، رصف الشارع الخاص بالمدرسة وتقليل نسبة القمامة أمام المدرسة..، وغيرها من عشرات الاقتراحات الوجيهة التي جاءت من الأطفال.

كما شاركت جمعية الصعيد، شهر أكتوبر 2022م، في المنتدي العربي للمناخ –النسخة الأولى- والتي جاءت تحت شعار “معًا لتعزيز إسهام المجتمع المدني في العمل المناخي”، وهو المنتدى الذي نظمته الشبكة العربية للمنظمات الأهلية تحت رعاية وبحضور صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن طلال بن عبد العزيز رئيس برنامج الخليج العربي للتنمية “أجفند”، وجامعة الدول العربية، حيث تمت مناقشة العديد من أوراق العمل من خبراء وجمعيات وأصحاب تجارب من مصر وبعض الدول العربية، وتناول المنتدى أهم التغيرات المناخية وأثرها في كافة مناحي الحياة.

كما قدمت جمعية الصعيد، من خلال مدير مشروع أخميم، ورقة عمل عن تأثير التغيير المناخي على الحرف التراثية “نموذج حرفة النسيج في أخميم”، خاصة وأن جمعية الصعيد تهتم منذ سنوات بعيدة بالحرف التراثية والمصنوعات اليدوية، وسبل الحفاظ عليها، وهي تنظم معرضًا سنويًا في مقرها بالقاهرة هذا الشأن.

الهيئة القبطية الإنجيلية

والعمل في مجال الدعم البيئي

تأسست الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية (CEOSS) في عام 1950م بجهود الدكتور القس صموئيل حبيب (1928-1997م)، الذي تولى رئاسة الطائفة الإنجيلية في مصر، وتعمل الهيئة تحت شعار “في طاعة الله وخدمة الإنسان”، إذ إن غرضها خدمة الإنسان، كل الإنسان وأي إنسان، في مختلف النواحي والمجالات.

وقد أولت الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية منذ سنوات بعيدة اهتمامًا واضحًا بقضايا البيئة، ومن ذلك قضية التغيرات المناخية، وهي تنشط في هذا المجال من خلال محورين رئيسين:

المحور الأول- أنشطة وفعاليات تنفيذية ميدانية: حيث نفذت الهيئة القبطية الإنجيلية بعض المبادرات التي استهدفت حماية البيئة وتحسين مستوى جودتها من خلال العمل على أرض الواقع، ومن ذلك مثلًا أنها نفذت -ومنذ عدة سنوات- مبادرة “ازرع شجرة” بشارع أحمد حلمي بمحافظة القاهرة، وهو واحد من الشوارع المهمة الذي يصل إلى طريق القاهرة-الإسكندرية الزراعي، وفي غيره من الأماكن ببعض المدن والأحياء.

المحور الثاني- مبادرات تثقيفية توعوية: حيث اهتمت الهيئة القبطية الإنجيلية خلال السنوات الأخيرة وعلى نحو واضح بتنظيم عدد من الندوات وورش العمل التي استهدفت توعية المواطنين المصريين بقضايا البيئة، وفي القلب منها قضية التغيرات المناخية. وتصدر الهيئة مجلة (رسالة النور)، التي تصدر بشكل دوري منذ عام 1956م، وتوزع على الجمعيات والمؤسسات الأهلية، وتتيح أعدادها للقراء مجانًا عبر موقع الهيئة، حيث تولي صفحات (رسالة النور) اهتمامًا واضحًا بقضايا البيئة.

كما تهتم الهيئة القبطية بدعم عدد من المبادرات المجتمعية التي تستهدف التوعية بقضية البيئة، ومن ذلك مثلًا دعم مبادرة “بيئتنا مسؤوليتنا” التي نظمها مؤخرًا مجموعة من الشباب بمنطقة إمبابة، التي تتبع محافظة الجيزة، وهم مجموعة من المشاركين في منتدى حوار الثقافات التابع لقطاع الحوار بالهيئة، حيث نظموا ندوة، تحدث فيها الدكتور طارق أبو هشيمة من دار الإفتاء المصرية، والقس عيد صلاح من الكنيسة الإنجيلية، بهدف التأكيد على دور الأديان في تعزيز حماية البيئة والحفاظ عليها، وأصدر شباب المبادرة نشرة تم توزيعها في مؤتمر قمة المناخ.

خلصت المبادرة إلى أنه على الإنسان أن يحسن إدارة استعماله لثروات الأرض، وهنا لا بد من تعاون العلم والاقتصاد، إلى جانب الدين والأخلاق، من أجل خير الإنسانية وبقائها، وأوصى المشاركون بأنه على القيادات الدينية، الإسلامية والمسيحية، نشر هذا الوعي من خلال المنطلقات الفكرية والإيمانية التي تدعم هذا الموقف.

كما شاركت الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، من خلال وفد ممثل لها، في حضور مؤتمر قمة المناخ في دورته السابعة والعشرين (Cop 27) الذي عقد بمدينة شرم الشيخ من 6 إلى 18 نوفمبر الماضي، وشاركت الهيئة في جناح المعرض الخاص بالمؤتمر.

وخلال المؤتمر نظمت وحدة التنمية المحلية بالهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الإجتماعية، الثلاثاء 15 نوفمبر، لقاءً تحت عنوان “السكن المرن في مواجهة التغيرات المناخية“، وذلك بجناح التحالف الوطني للعمل الأهلي والتنموي، بمشاركة صفاء عشري مدير أول البرنامج لمنظمة هابيتات فور هيومانتي مصر، والمهندسة هدى إبراهيم عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للأبنية الخضراء، وماجدة رمزي مدير التنمية الريفية بالهيئة القبطية الإنجيلية، ونبيل عزت نائب مدير الخدمات التنموية المتخصصه بالصعيد. وخلال اللقاء، تم مناقشة أهمية أن يشمل المبنى السكني منهجية التصميم المعماري البيومناخي كمسكن ملائم، ومواجهة العوامل المناخية، بفكر مباني مطابقة لمواصفات كفاءة الطاقة، ليحقق كافة المتطلبات والاحتياجات الإنسانية فيه.

الجدير بالذكر أن الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات تقوم بالتعاون مع منظمة هابيتات والجمعية المصرية للأبنية الخضراء، بدور كبير في تحسين حياة المواطن ورفع مستوى المعيشة وتمكينهم بالأدوات اللازمة للتصدي لظاهرة تغير المناخ التي تهدد الحق في السكن اللائق وعناصره الأساسية بشتى الطرق، فالظواهر الجوية القصوى يمكن أن تدمر المنازل فتشرد الملايين من الناس.

المجتمع المدني شريك أساسي

على هذا النحو يثبت المجتمع المدني، بجمعياته ومؤسساته، يومًا بعد آخر، أنه لاعب رئيس في تنمية المجتمع وتطويره، ومواجهة مشكلاته وأزماته، وأنه كذلك شريك أساسي للمؤسسات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص في مواجهة مختلف المشكلات، ومنها مشكلة التغيرات المناخية، التي باتت تُمثل قضية مجتمعية ومسؤولية جماعية، وأنه لا مجال عن تخلي أي من أطراف المجتمع في مجال مواجهة تلك الظاهرة، من أجل الحاضر والمستقبل أيضًا.

أوراق بيئيّة: قراءة في لاهوت البيئة- الأب سامي حلّاق

اسم الكاتب: چورچ إسحق

    • في إطار الوعي العالميّ والكنسيّ المتزايد بالأخطار التي يواجهها عالمنا، جاء هذا الكتاب الذي يُشدد على أهمية معالجة المشاكل التي تنشأ عن أفعال البشر. يزودنا فيه الأب سامي حلّاق بمجموعة مختارة من القراءات من المكتبة اللّاهوتيّة، ويعرض تأملاته الروحيّة حول الخلق والطبيعة. يطرح الكتاب أسئلة صعبة دون تجميل، طلبًا لحماية أرضنا مستقبلًا. اليوم، لا يجوز -بأي حالٍ من الأحوال- اعتبار الكتاب ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة عصريّة لو صرخت الأرض لطلبتها مِنَّا! صدر هذا الكتاب في بيروت عام 2011، عن دار المشرق في ستين وثلاث مئات من الصفحات في القطع المتوسِّط، ضمن سلسلة دراسات لاهوتيّة، ويحمل رقم: (ISBN 2-7214-5353-X)، وقبل أن نشرع معًا في حوض غمار الكتاب وفض ختومه، دعني أُعرِّفك أولًا -يا عزيزي- إلى الأب سامي حلّاق اليسوعيّ، كاتب كتابنا هذا.  

      الأب سامي حلّاق اليسوعيّ، هو راهب يسوعيّ، وأستاذ في جامعة القدّيس يوسف- بيروت. من مواليد حلب 1960. درس الهندسة الميكانيكيّة بجامعة حلب، ودخل الرهبنة سنة 1983. درس آداب اللغة العربيّة على يد الأب كميل حشيمة، وأكمل دروسه اللاهوتيّة والفلسفيّة في پاريس. له خبرة في التَّربية ووعظ الرياضات الروحيّة والتَّرجمة والتَّأليف والإرشاد الروحيّ. له مؤلّفات تربو على الأربعين كتابًا، وترجمات من اللغتين الإنجليزيّة والفرنسيّة، بالإضافة إلى مقالاته البحثيّة في مجلّة المشرق؛ وهو مُتبحّر في مجالاتٍ عِدَّةٍ، نذكر منها: فنّ الأيقونوغرافيا، الذي درسه على يد الآباء الروس، واللّاهوت الروحيّ، ولاهوت البيئةِ.

      ماذا سيحدث لو اختفى البشر عن سطح الأرض؟

      يستهل الأب سامي حلّاق كلامه بتقرير صادم نُشر في جريدة التايمز يحمل عنوانه هذا السؤال، جاء فيه:

      بعد أربع وعشرين إلى ثمان وأربعين ساعة سينتهي التلوث الضوئيّ والسمعيّ، وبعد ثلاثة أشهر سيبدأ التلوث الجويّ بالانخفاض، بعد خمس سنوات تعود غالبية الكائنات المهددة بالانقراض إلى مستوياتها الطبيعية، وبعد عشر سنوات سيختفي الميثان من الجو؛ بعد عشرين سنة ستزحف النباتات والغابات على القرى والطرق الريفيَّة، وبعد خمسين سنة سينتعش مخزون السمك في العالم، وسينخفض معدل النترات والملح في المياه العذبة؛ في الفترة ما بين خمسين إلى مئة سنة من اختفاء البشر ستزحف الغابات والنباتات على المدن والطرق ثم ستنهار المباني الخشبيَّة؛ في الفترة ما بين مئة إلى مئتي سنة ستنهار الجسور، وبعد مئتي سنة ستنهار المباني الزجاجيّة والمعدنيّة؛ بعد مئتين وخمسين سنة ستنهار السدود، وبعد خمس مئة سنة سيعود المرجان إلى معدلاته الطبيعيَّة؛ بعد ألف سنة ستختفي معظم المباني المصنوعة من الأسمنت والحجارة والطوب، وستعود نسبة الكربون في الجو إلى معدلاتها الطبيعيَّة لما قبل الثورة الصناعيَّة؛ في غضون خمسة آلاف سنة سيتحلل معظم الزجاج والبلاستيك الموجود على الكوكب، وبعد خمسين ألف سنة ستختفي معظم آثار وجود الإنسان على الأرض ولكن ستبقى بعض المخلفات الكيميائيَّة التي صنعها الإنسان وستختفي بعد مئتي ألف سنة وستبقى النفايات النوويَّة مُميتة، وستستمر لما يقارب المليوني سنة.[1]

      يلي التقرير عدة تساؤلات يطرحها الكاتب، الإجابة عنها هي محور الكتاب. جاء فيها، لماذا خلق الله الإنسان؟ وكيف يمكننا مع تقرير كهذا أن نأمل في عالمٍ يستطيع الإنسان أن يحقق فيه على الأرض ملكوت الله كما هو في السماء؟ ما الذي يجعل الإنسان الذي أوكله الله على الخليقة إذ منحه العقل، يتحول إلى عدوٍّ للطبيعة؟ هل الخليقة دون الإنسان تُرضي الله؟ كانت تلك بعض التساؤلات التي ستحاول الأوراق البيئيَّة أن ترد عليها.[2]

      يمكن للقارئ أن يكتشف ما دونه الأب سامي في مقدمته، إذ يبدو الكتاب مُنفصل الأجزاء -بعض الشيء- وكأنه أقرب لأوراق أو مقالات مُنفصلة جُمعت بين دفتي كتاب واحد، قسَّمها المؤلف إلى ستِ باقاتٍ، كما سنعرض لها:

      ’’أوراق القضيَّة البيئيّة‘‘

      يعرض المؤلف في هذه الباقة إلى المُعضلة البيئيّة، بغرض استحضار القارئ إلى ساحة النزال، وفيها قدَّم الأب سامي دفاعًا عن التُّهم الموجهة إلى المسيحيَّة، وعرض فيها إلى: تحول نظرة الإنسان المعاصر إلى العالم من النظرة الدينيَّة إلى نظرة الأنسنة في مطلع عصر النهضة، وهي (الأنسنة) ما يمكن أن يعبر عنه بمحوريَّة الإنسان في مقابل محوريَّة الإله. بعدما فقدت الأرض مكانتها الكونيَّة مع كوبرنيكوس بعد أن كانت محور الكون في الديانات، ومع اكتشاف الكون ظهر السؤال الكبير، هل الإنسان هو عِلَّة وجود الكون، أم أن هناك عِلَّة أخرى، قد تكون علَّة ذاتيَّة؟ وهل ثمَّة حياة عاقلة أخرى؟ أثارت هذه الأسئلة رُعب الإنسان، ودفعه ورعبه إلى الدفاع عن مكانته والدخول في صراع السّيّد والعبد.

      وُضع كل شيء تحت مجهر العلم والتكنولوجيا، ومع غياب البعد الرمزي أصبح الإنسان نفسه بحثًا موضوعيًا أيضًا، ونُحِّيت كرامته ورمزه الروحيّ إلى البعد الميتافيزيقيّ (الدين) وبات المجالان مُحدَّدي الأطر، ومُنفصلي الحدود، وتلخص الموقف في أمرين، أولًا، قناعة الإنسان بهيمنته الكاملة على العالم وحقه في التدخل في الطبيعة تدخلًا غير محدودٍ، كقول ديكارت: ’’الإنسان سيد الطبيعة ومالكها.‘‘ ساد هذا التفكير في الثقافة الغربيّة وأنشأ بالتبعيَّة استغلالًا جائرًا للطبيعة. ثانيًا، النظر إلى كل شيء من منطلق الغابة ’’القوي يأكل الضعيف‘‘ فسعى الإنسان لالتهام الطبيعة قبل أن تلتهمه، لكنه في طريقه هذا اكتشف -ما سُمي بعد ذلك- بالتوازن البيئيّ، فنشأ على هذا علم جديد يسمى علم البيئة (Ecology) لتستعيد الأرض مكانتها؛ ويعرَّف علم البيئة أنه العلم الذي يدرس الأنظمة التي تسمح لنوع من الكائنات الحيَّة بأن يعيش الحياة التي يعيشها ويسلك السلوك الذي يسلكه وأن ينمو ويستعمل الطاقة الكامنة فيه.[3]

      استعرض الكاتب بعدها موقف علماء البيئة وأزمات اليوم، وصاغه في أربع أنواع من المشاعر، وهي: شعور الإعجاب بمعجزة الحياة، وشعور الثقة في المستقبل من خلال النظر لتاريخ الكون وتطوره، وشعور الخوف من هشاشة الحياة، وشعور التَّرقب من تنافس البشر، إذ لا يكترث الرابح إلَّا لربحه! وهنا يبرز دور الإنسان في حسن إدارة ثروات الأرض، وعدم الانسياق وراء حُمى التنافس والسيطرة وسباق الأفضليَّة، وفي هذا يقول الكاتب:

      إنَّ مسؤوليَّة الإنسان في الطبيعة هي مسؤوليَّة إداريَّة، على الإنسان أن يُحسن إدارة استعماله لثروات الأرض. والإدارة تتطلب وجود مبادئ وقوانين واحترامها. الإدارة العبثيّة المزاجيّة تخرِّب بدل أن تبني، لذلك لا يمكن أن نكتفي بالعلم وبالاقتصاد، بل ينبغي أن نُدخل البعد الأخلاقيّ والضمير. وهنا يتم اللقاء بين الدين والعلم. ولكي يساهم هذا اللقاء في بناء الإنسانيَّة، عليه أن يكون لقاء تعاون لا لقاء عداء. الدين والعلم لا يتعاونان من أجل خير الإنسانيَّة وحسب، بل وخصوصًا، من أجل بقائها. [4]

      يستعرض الكاتب المواقف والآراء المعاصرة تجاه قضيَّة البيئة، ويُفصِّلها في عدة نظرات، وهي: 1) الفلسفة الوضعيَّة، والتي تعتمد بشكل كامل على الموضوعيَّة العلميَّة، دون حساب للمشاعر. 2) قبول الضرورة، ترتبط هذه النظرة بالقدريَّة، فالعقل البشريّ لن يَكُف عن التَّسارع في سِباق الأفضليَّة والهيمنة. 3) الرومانسيَّة، تتسم وتتميز بالمشاعريَّة والحنين (اليوتوبيا)، حيث ينصهر فيها الإلهي مختلطًا بالطبيعة. 4) التشاؤميَّة، ففي عالم يسوده العنف والبقاء للأقوى، على الإنسان أن يبقى مُتحفزًا فكل ما يخالف تفكيره أو يُناقض طبيعته هو عدوه. 5) الديانات التوحيديَّة، نظرة تميز بين الخالق والمخلوق (القدوس والمقدَّس) وتفصل وجودهما وحدودهما، وتتفرع هذه النظرة بين الكون المُسَخَّر للإنسان، أو الإنسان المُوَكَّل على الكونِ.

      وعن تيارات العمل البيئيّ، يشرح الكاتب عن تيار المحافظة على البيئة، مُتمثلًا في (IUCN)، والتنمية المُستدامة، وتيار البيئة التحويليَّة، وحركات العدالة البيئيَّة، ولاهوت التحرير البيئيّ. ويختار حلاق مقالًا لأستاذ التَّاريخ لين وايت، بعنوان ’’الجذور التَّاريخيّة لأزمتنا البيئيّة‘‘، منشور في مجلَّة العلوم، عام 1967، في أوج الحرب الباردة، ضمَّنه في ملحق في آخر الكتاب، ثم يعرض لوجهة نظر وايت، وآراء مؤيديها ومعارضيها. وعن ملخص أفكار وايت في هذا المقال، يبدأ المقال بعرض لبعض التغيرات البيئيَّة، ويُحدد وايت معيارًا لقياس فترة التغيرات البيئيَّة وهو ارتباط العلم بالتكنولوجيا، والذي يظهر بوضوح في القرن الثَّامن عشر، لكن بداياته أبكر من هذا في الحقيقة، فيرى وايت أن بداية استخدام الغرب للطاقة المائيَّة وطاقة الرياح، هو بداية حضارة التَّطور، أي ما يعود إلى القرن الثَّاني عشر، فقبل القرن الحادي عشر كان وجود العلم نادرًا في الغرب اللّاتينيّ. ويُحدد وايت نقطة تحول علاقة الإنسان بالطبيعة من كونه جزءًا من الطبيعة، إلى كونه مُستثمرًا للطبيعة، ويعلن وايت أن الدين هو سبب هذا التحول. فماذا تقول المسيحيَّة عن الطبيعة؟

      بحسب وايت، سِمتان تميزان اللَّاهوت اليهوديّ المسيحيّ، أولًا، تحويل الزمن من مسار حلقيّ إلى خط مستقيم، وهذا يدعم مبدأ التطور المستمر. ثانيًا، سُلطة الإنسان المطلقة الممنوحة له بحسب روايتي سفر التَّكوين. ويقول وايت: ’’إن المسيحية خصوصًا في شكلها الغربيّ هي أكثر ديانة متمحورة حول الإنسان عرفها العالم الغربيّ.‘‘ وبحسب وايت أيضًا، كان الإنسان القديم يحترم الطبيعة لإيمانه بوجود أرواح في الطبيعة، في الشجر والأنهار وغيرهما. يفرِّق وايت بين المسيحيّة الغربيّة والمسيحيّة الشرقيّة، ويلقي اللّوم والمسؤوليّة على عاتق المسيحيّة الغربيّة، واصفًا اللّاهوت الشرقيّ باللّاهوت الفكريّ، واللّاهوت الغربيّ باللّاهوت الإراديّ، إذ كف اللّاهوت الغربيّ عن فك الرموز الملموسة لحديث الله مع الإنسان، واتجه إلى فهم فكر الله من خلال اكتشاف كيف تعمل خليقته. يسعى وايت إلى إيجاد حلٍ لهذه المعضلة، في تبنِّي عددًا من الأُسس الأخرى للحياة المسيحيّة، ضرب لها مثلًا في روحانيّة القديس فرنسيس الأسيزي، الذي حاول خلع الإنسان عن سيادته على الخليقة فالجميع إخوة يسبحون الله، فزالت محوريّة الإنسان وحلَّت محوريّة الله. يختتم وايت مقالته قائلًا: ’’على الدواء أن يكون دينيًا أيضًا في أساسه.‘‘

      ينحصر النقد الموجه إلى مقالة وايت في وجهين، مُعارض ومؤيد. يمكن إجمال وجهة نظر المؤيدين لمقال وايت في مقترحات الباحثة سالي ماك فاغ، التي قدمتها على مقال وايت، وهي عبارة عن ثلاث خطوات للرد مسيحيًا على الأزمة البيئيَّة. أولًا، الاقتصاد النيو كلاسيكي لا يصلح ليكون نموذجًا لتوزيع الموارد الطبيعيّة النادرة، والبديل هو اقتصاد يعتبر لاعتبارات البيئة. ثانيًا، رؤية جديدة للحياة السعيدة الخيِّرة بعيدًا عن الاستهلاك. ثالثًا، دعم الأفكار التي تطرحها الكنيسة عن لاهوت بيئيّ. أما معارضو وايت فانقسموا إلى فريقين، الأول يُعارض مقاله معارضة كليَّة، والثاني يُعارضه مُعارضة جزئيَّة. وعن الفريق الثاني يلخص حلّاق آراءهم في التالي: حُجة ضعيفة، تلك الحُجة التي ساقها وايت بفصل المسيحيّة الغربيّة عن المسيحيّة الشرقيّة، فهذا الفصل بملئه جرى في القرن الثَّالث عشر، وهو وقت متأخر جدًا لإحداث كل هذا التغيير. عرض سُوقيّ، إذا يربط وايت الحدث التَّاريخيّ لظهور المحراث بالمسيح وليس بالميلاد، ليضع المسيحيّة في ارتباط مع العنف على الأرض. لاهوت سطحيّ، إذ تتعارض فكرة وايت في إن إرادة الله هي استغلال الإنسان للكون، مع الإيمان المسيحي المُعلن مثلًا في سفر أيوب. حلٌّ ساذج، ففيما يُجابه وايت المسيحيَّة الغربيَّة ويحملها المسؤوليَّة، يُقدم حلًا غربيًا -أيضًا- في اللّاهوت الأسيزيّ!

      يدون حلّاق عدة ملاحظات على مقال وايت، لخصها في الجذور الفلسفيّة لمفهوم الطبيعة في اللّاهوت المسيحيّ؛ أرسطو ومفهوم الطبيعة؛ حقيقة الاتهام الموجه إلى المسيحيَّة أنها أحطت من قدر الطبيعة. الحل -بحسب وايت- هو في تبجيل الديانات الأنيميَّة الوثنيّة التي تُقر بقدسيَّة للشجر والأنهار وغيرهما، إلَّا إنَّه في الحقيقة لابد أن نأخذ بعين الاعتبار أن المشكلة التي قدمها وايت هي مشكلة غذَّاها دعم الفلسفات الحديثة الإلحاديَّة، عندما نحَّت الله عن المشهد، فجعلت قرار البشر مكان الغاية المرتبطة بالله، فجن جنون الإنسان في السيطرة والهيمنة. السيادة التي يُنادي بها العلم لا تسير أبدًا وفقًا للسيادة التي يُنادي بها سفر التَّكوين، فسيادة سفر التَّكوين هي للسيد الذي يحكم رعاياه من أجل خير الجميع، لا خيره هو. وعليه يقدم حلّاق في الجزء الثَّاني من مُلاحظاته جذور هذه الأزمة مُبرئً المسيحيَّة بالعودة إلى النصوص الآبائيَّة التي خلت من هذا المفهوم الذي قدمه وايت، وينتقل بعدها ليظهر جذور هذه الأزمة في عناصر العصر الوسيط، وأنسنة النهضة الإيطاليّة وفرنسيس باكون، بداية التقليد الحديث وصراع الهيمنة والوكالة في القرن السَّابع عشر. ويُلقي حلّاق باللوم على البروتستانتيَّة، التي -حسب زعمه- ظهرت ثورةً على التقليد، ونادت بالكتاب المقدس وحده، وحرفيّة التفسير، تلك الأخيرة التي يُحمِّلها حلّاق مسؤوليَّة انعطاف الفهم الغربيّ إلى الأنسنة، في حين أن التَّفسير الحرفيّ الذي قدمه كالڨن لتكوين2: 15 يؤكد أن الدعوة أصلًا ’’لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا‘‘ وهذا يعني أن البشر قد عُهِد إليهم بالعناية والإدارة، وليس بالتسلط النَّفعيّ الذي ساقنا إليه باكون، ولا أفهم كيف يمكن تفسير ذلك ضد حركة الإصلاح وليس في صفها!

      يكمل حلاّق فصول كتابه الخمسة الباقية في استعراض دفاعيّ يبدأه في الفصل الثاني بعرض:

      ’’أوراق كتابيَّة‘‘

      أوراق كتابيَّة عن الطبيعة والإنسان في العهد القديم، تقدم صورة لمكانة الطبيعة وعلاقة الطبيعة بالله وحضور الله وعلاقة الإنسان بالطبيعة، ثم يعرض للرواية الأولى للخلق في تكوين 1: 1- 2: 4، مُبينًا مكانة الإنسان في الخليقة وموقف الإنسان بين السلطة والتسلط من حيث الإطار الثقافيّ والمحدوديَّة. ويقدم حلّاق في استعراضه للرواية الثَّانية للخلق تكوين 2: 4ب -25 دور الإنسان في الخليقة، في الحراسة والفلاحة والمُلك والوكالة واحترام الغيريَّة. ينطلق بعدها ليحدثنا عن السقوط في تكوين 3: 1-9 ويُبين خطيئة الإنسان التي أفسدت الطبيعة، وصنم الأنا، وشريعة الإصلاح، ورمزيَّة السَّبت في العبور من العبوديَّة إلى الحريَّة، ذلك الذي ينقلنا مباشرة إلى الجزء الخامس من هذه الباقة التي عنونها حلّاق بـ ’’الخلاص‘‘ الذي يتتبعه حلّاق في الكتاب المقدس مشيرًا إلى الوعد أنَّ ’’فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ،‘‘ والعهد الجديد والبيئة، في إشارة إلى أفكار بولس وكتابات يوحنا، والخلاص في سفر الرؤيا، الذي سيشمل كل قوى الطبيعة وينتهي إلى خليقة جديدة، ويُفرد حديثًا عن المسيح المُخلِّص للعالم بشكل أشمل من مُجرد خلاص البشر، وخلاص الصليب الكونيّ في إشارة إلى كولوسي الأولى 1: 19- 20. وأخيرًا الروح يُتابع هذا العمل الخلاصيّ الذي يمتد بطول التَّاريخ البشريّ، ومن ثمَّ ينطلق إلى ختام هذه الباقة مع حديث عن الرجاء والخليقة الجديدة في المسيح بكر الخليقة الجديدة، وخلاص الأجساد وعالم جديد -أو متجدد- ومُبادرة الله نحو العالم، والتوبة كبداية الشفاء.

      ’’أوراق أساسيَّة‘‘

      في الفصل الثالث يعرض الكاتب إلى عدة موضوعات عن الخليقة ومفهوم الزمن، من حيث الإنسان البدائّي والزمن الدورانيّ أو الحلقيّ الذي يُكرِّر نفسه، والذي لا سبيل للإنسان إلَّا أن يُدرج نفسه فيه. ثم يمر على مفهوم الزمن في الفلسفة اليونانيّة عند أرسطو وبرمنيدس، وكيف أثَّر الأخير على فكر كانط، ثم يتناول فكرة الحاضر كمكان للخلق في فهم أغسطينوس، ويختم هذا الموضوع بعرض لمفهوم الزمن في الكتاب المقدس، والذي يختلف عن سابقيه في كونه موقفا عمليًا يقوم على تاريخ الله مع العالم، مُحددًا بالوعدِ، والعهدِ، والخلاصِ، والفداءِ. ومن هذا المنطلق فإن الورق التالية تتحدث عن الأخرويات والتَّاريخ، حدد فيها بعض المفاهيم، ثم تناول تنسيق الأزمنة التَّاريخيّة التي عاشها البشر أو يعيشونها، وانسجام زمن التَّاريخ مع زمن الطبيعة. جاءت بعدها ورقة محورها السَّماء والأرض، تطرح طرحًا عن السَّماء والأرض والثنائيَّة الوثنيَّة والكتابيَّة، وتجسّد المسيح، وتغير حالة السَّماء (سماء مغلقة/سماء مفتوحة) ومجد الله. وفي الورقة الرابعة من هذه الباقة حديث عن الإنسان وعلاقته بالطبيعة، وهل هو منفصل عنها؟ وبداية الحداثة كبداية انفصال الإنسان عن الطبيعة، ثم يتناول البعد الكونيّ للخلاص والتَّاريخ والطبيعة والتطور وحرية الكون، وفي آخر هذه الباقة حديث عن المأساة والرجاء، مأساة الطبيعة وإشكالية الرجاء.

      ’’أوراق الوِكالة‘‘

      في هذه الباقة يُفرد حلّاق مساحة للحديث عن فكر الوكالة، ويقدم -حسب منهجيته- الاعتراضات على هذا المفهوم المسيحيّ، ويُجملها في ست نقاط، هي: 1) المالك غير العامل (الإله الإقطاعيّ)، 2) الإله الغائب عن عالمه، 3) هيمنة الإله أنشأت تراتبيّة اجتماعيّة قاهرة، 4) ضياع استقلاليَّة الطبيعة ومكانتها وحقوقها، 5) لا يطرح مفهوم الوكالة مسألة إراحة الأرض (السَّبت)، 6) يُعزِّزُ مفهوم الوكالة محوريَّة الإنسان. كما يضع فكرتين أُخريين في نهاية الورقة الأولى من هذه الباقة عن إشكالية الوكالة والانفصال الثلاثيّ بين الله والطبيعة، والإنسان والطبيعة،  والإنسان والله. وبعض الاعتراضات على الجذور التَّاريخيّة لمفهوم الوكالة في العهد القديم، والعهد الجديد، والحياة الرهبانيَّة.

      في الورقة الثَّانية، من الباقة الرابعة، يفرد حلّاق حديثًا عن الإنسان بوصفه وكيل الله على الخليقة. يُحلِّل إشكاليّة التغيير من خلال عدة أسئلة، هي: ما الذي ينبغي علينا تغييره؟ هل التغيير مسموح أم هو إجباري؟ ما الغاية من التغيير؟ ما حدود التغيير؟ ما أخطاء التغيير؟ هل تحتاج الطبيعة وكيلًا؟ ويخلُص في النهاية إلى أنَّ:

      وكالة الإنسان هي أن يعتني بنفسه وأن ينتبه إلى حضوره، وازدياد آثاره على الأرض يعرض المملكة للخطر، والوكالة تطلب أن يَهُبَّ البشر لدرئه. فقد خلقنا الله لنحبه ونعبده، وهذا يتضمن أن ينال البشر قدرًا من الحرية مع أنهم يستطيعون أن يحسنوا استعماله أو يسيئوه. والتَّاريخ يبين إخفاق البشر المتكرر في أن يكونوا وكلاءً صالحين، ليس بحق بعضهم وحسب حين يتجاهلون المصلحة العامة، بل بحق البيئة التي لهم عليها بعض السلطان، لذا ينبغي للإنسان أن يعرف في تلبيته الوصية الإلهية أن يكون وكيلًا مسؤولًا أمام الله.[5]

      في الورقتين الأخيرتين من هذه الباقة حديث عن الوكالة بوصفها مفتاح للاهوت الطبيعة قدم فيها أفكار دوجلاس هال، التي لخصها في ثلاث أفكار، وهي: الإنسان فوق الطبيعة، الإنسان في الطبيعة، والإنسان مع الطبيعة. أما في الورقة الأخيرة في هذه الباقة يفرد حديثًا عن الإنسان بوصفه وكيلًا، وشريكًا، وكاهنًا، فيتحدث عمَّن هو الوكيل؟ وشريك الخليقة ومقدسها وكاهنها، وشريك الخلق والخلاص، والوكالة الضعيفة والقوية.

      ’’أوراق الأخُوَّة‘‘

      في هذه الباقة يقدم حلّاق مسمىً جديدًا بديلًا للوكالة، إذا إنه -بحسب حلّاق- يجب الحذر في استخدام مُسمى الوكالة، وهو ليس المسمى الوحيد الذي قدمه الكتاب المقدس. وعلى خُطى الأسّيزيّ، يُجافي الكاتب فكرة الوكالة زاعمًا أن هذا المفهوم يُعزِّز شعورًا بالفوقيّة، يقود في النهاية إلى استغلال الطبيعة لصالح الإنسان، وعليه ينبغي تلطيف مفهوم الوكالة بمفهوم آخر يلغي الفوارق -أو يتغاضى عنها- بين البشر والكائنات، إذا إنَّ الروابط بين خلائق الله هي روابط أخُوَّة. تلي هذه الورقة الافتتاحيَّة ثلاث ورقات دارت موضوعاتها حول محوريَّة الله ونموذج يسوع المسيح، تناول فيها الكاتب الله بوصفه المعيار الوحيد، والخادم على مثال المسيح، وقراءة تطويبات متى 5: 3- 12 قراءة بيئيَّة، والصلاة الربانيَّة (لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض)، ومشكلة تطرُّف البعض في الدفاع عن البيئة، ذلك الذي دفعهم أن يحظروا تناول الحيوانات. ثم ورقة بعنوان: ’’ودعاء كالحمام والحملان سوف يرثون الأرض‘‘، تناول فيها معنى كلمتي ’الوداعة‘ و’يرثون الأرض،‘ وبركة الله للحيوانات التي تصطدم مع شرائع الذبائح، ثم تعوده فتتصل مع إلغاء المسيح للذبائح جاعلًا نفسه الذبيحة الوحيدة، ورافعًا السكين الليتورچيَّة عن الحيوانات؛ وفي ختامها حديث عن الوداعة والمحبَّة، وقديسين أحبوا الطبيعة وهاموا بها. أمَّا ختام هذه الباقة فيأتي استعراضًا للبيئة المسيحيّة بين القديسَيْن مُبارك النُّرسيّ وفرنسيس الأسّيزيّ، مُستعرضًا التيار البندكتي وسماته، والروحانيَّة الفرنسيسيَّة، والعلاقة الأخويَّة بين المخلوقات.

      ’’ أوراق بيئيَّة للديانات‘‘

      في هذا الفصل الختاميّ يستعرض الكاتب البيئة في الأديان، ويبدأ من الأديان غير التوحيديَّة، فالهندوسيَّة مثلًا تنظر إلى العالم نظرة كليةً، فلا فرق لديها بين الإنسان والحيوان والنبات، وهي تعتبر الكل مقدسًا، لأنه جزء من الألوهيَّة. أمَّا البوذيَّة التي ولدت في أحضان الهندوسيَّة فلا يمكن أن نجد فيها أفكارًا بيئيَّة واضحةً، ويبرر البوذيون هذا بأن النظرة الكونيَّة في تعليم بوذا، والتي تشبه شبكة الإله إندرا، لا تقبل إطلاقًا أن تكون الأرض والمخلوقات في خدمة الإنسان، بل إنَّ الإنسان جزء من هذه الخليقة. أما الكونفوشيَّة فهي في الأصل فلسفة وليست دينًا، وهي تمتلك النظرة المحوريَّة الكونيَّة الإنسانيَّة (Anthropocosmic) لا النظرة المحوريَّة الإنسانيَّة (Anthropocentric)، تقوم هذه المحوريَّة على ثلاثيَّة هي السماء (القوة المرشدة) والطبيعة والبشر، في وحدة متكاملة، ترى فيها الكونفوشية أنَّ العمل الإنسانيّ يكمل هذه الثلاثيَّة، فيظهر على أنه علاقة وليس فردًا. تتفق جميع الديانات غير التوحيديَّة (ما عدا الكونفوشيَّة) مع محوريَّة الكون، ولا يتميز الإنسان فيها عن سائر المخلوقات.

      أما الإسلام فيشارك الديانات التوحيديَّة نظرتها إلى العالم والكون ومكانة الله والإنسان فيه، ويستعرض الكاتب في سبيل تبيان ذلك آيات من سورة الرعد 2-4؛ الإسراء 44؛ والبقرة 30؛ والأعراف 31. كما يُشير لإحصاء أجراه الشيخ محمود عكَّام -مُفتي حَلب- لأكثر من سبع مئة آية قرآنيَّة تناولت البيئة ومكوناتها، كما يُشير الكاتب إلى ما يخص البيئة في الحديث النبويّ، ويتناول بالعرض بعض المصطلحات الإسلاميَّة الخاصة في هذا الصدد، كـ ’’الفِطرة‘‘ و’’التوحيد‘‘ و’’الميزان‘‘ و’’الخليفة‘‘. ذُيِّل الكتاب بملحقين، الأول هو رسالة لين وايت ’’الجذور التَّاريخيَّة لأزمتنا البيئيَّة‘‘ والثاني هو رسالة البابا بنيدكتُس السَّادس عشر في الاحتفال باليوم العالمي للسلام، والتي اقتبس منها الحلَّاق في الورقة الختاميَّة فقرة تقول:

      إنّ سفر التَّكوين وفي أولى صفحاته، يعود بنا إلى المخطط الحكيم للكون، ثمرة فكر الله، حيث في الذروة الرجل والمرأة المخلوقان على صورة الله ومثاله ’’ليملأوا الأرض‘‘ و’’ليخضعوها‘‘ كوكلاء عن الله نفسه. إنّ التَّناغم بين الخالق والإنسانيّة والخليقة، الذي يصفه الكتاب المقدس، شوهته خطيئة الرجل والمرأة اللذين شاءا أن يحلّا محلّ الله، وكانت النتيجة إفساد مهمة ’’إخضاع‘‘ الأرض و’’فلاحتها وحراستها‘‘، ونشأ نزاع بينهما وباقي الخليقة. لقد جعل الكائن البشريّ الأنانيَّة تُسيطر عليه حينما فقد معنى الوكالة الإلهيَّة، وسلك في علاقته بالخليقة سلوك المستقل وهو يريد أن يمارس عليها هيمنة مطلقة، بيد أن المعنى الحقيقي لوصية الله الأولى الواضحة في سفر التَّكوين، ليس منح سلطة وحسب إنما دعوة إلى المسؤولية، وقد أفهمنا الوحي الكتابيّ أنها [الطبيعة] هبة الخالق الذي حدد لها أنظمتها الضمنيّة، ليستمد منها الإنسان التوجيهات اللازمة كي ’’يفلحها ويحرسها‘‘. كل ما هو موجود ملكٌ لله، وقد أوكله إلى البشر شرط ألا يتصرفوا به بطريقة عبثيَّة. في حين يجعل الإنسان نفسه مكان الله، بدل أن يقوم بدوره كمتعاون مع الله، يؤول به الأمر إلى إثارة تمرد الطبيعة، ’’طبيعة تعاني استبداده أكثر من إدارته‘‘ لذلك من واجب الإنسان أن يُمارس إدارة مسؤولة للخليقة فيحميها ويفلحها.[6]

      ’’أمَّا بعد،‘‘…

      في ختام حديث -رُبما طال بعض الشيء- ورُغم أنني ألمس تحاملًا -مفهوم السبب- من الكاتب على اللّاهوت المُصْلح، الذي أراه بريئًا مما نسبه إليه -وهو ما لا يتَّسع المجال هُنا لتفنيده- إلَّا إنَّه لا يَسعني إلّا أن أُثمِّن الجهد المبذول في الكتاب، وفرادة المحتوى، وأهميَّته؛ فموضوع هذا الكتاب موضوع مُهم لتفعيل الدور المجتمعيّ للكنيسة، في أزمة بيئيَّة عالميَّة، ليس هناك بلد بمنأى عنها، ومن هُنا أنَبِّر على أهميَّة هذا الطرح، ووجوب الالتفات إلى هذه القضيَّة، وفرد مساحات لها من النقاش والدرس والتَّدوين، فلاهوت البيئة قادر أن يفتح أبواب الكنيسة على العالم مرة أخرى.

      [1] سامي حلّاق، أوراق بيئيَّة (بيروت: دار المشرق، 2011)، طـ1، ص7-8.

      [2] سامي حلّاق، مرجع سابق، ص8.

      [3] سامي حلّاق، مرجع سابق، ص17.

      [4] سامي حلّاق، مرجع سابق، ص22.

      [5] سامي حلّاق، مرجع سابق، ص222.

      [6] سامي حلّاق، مرجع سابق، ص316-317.

جولة العدد

اسم الكاتب : القسّ عيد صلاح

    • يفتتح رئيس التحرير الدكتور القسّ أندريه زكي العدد بالحديث عن الميلاد بالتركيز على المعنى الأساسي في الميلاد، يقول: “الميلاد هو الحدث الذي نتذكر فيه أن رب الكون، كلي القدرة والعلم والمعرفة، صار إنسانًا ليشاركنا طبيعتنا. نعم الميلاد هو في الأساس ذكرى التجسد الذي فيه اتحد الله معنا.” ثم يلقي الضوء على الاضطرابات التي صاحب الميلاد والمتمثلة في هيرودس وكيف تدخل الله في الإنقاذ ثم يلقي الضوء على الاضطرابات الحالية التي نشأت من جراء فيروس كورونا وتداعياته ولكن الله يتدخل للإنقاذ. ثم تركَّز الافتتاحية أيضًا على قضية التغيرات المناخيّة التي هي ملف العدد، وذلك بمناسبة مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي 2022 المعروف أيضًا باسم COP27 هو مؤتمر الأمم المتحدة السابع والعشرون للتغير المناخي، الذي عقد في الفترة من 6 حتى 18 نوفمبر 2022 في مدينة شرم الشيخ، مصر. وقد ركَّز الدكتور أندريه على المفهوم اللاهوتيّ في التأكيد على دور الإنسان تجاه البيئة من خلال قصة الخلق بالحراسة والعناية للبيئة.

      ميلاد المسيح:

      يحتوي العدد على مقالتين عن الميلاد: الأولى، للقس محسن منير عن دروس في ميلاد المخلص بالتركيز على ثلاثة مشاهد: مريم والملائكة والرعاة وارتباطهم بحدث الميلاد الذي جاء بالعذراء مريم ويوسف من الناصرة، وجاء بالملائكة من السماء، والرعاة من الرعي، وذلك بالتأكيد المستمر على الرسالة الروحيّة في الفداء والتحرير لكل من يؤمن. والثانية للقسّ رفيق فاروق عن الميلاد والجمهوريّة الجديدة وربط الميلاد بالعيش المشترك لكل المصريين في سلام ورخاء. فحلم التعايش في محبة وسلام قد تأسَّس بالميلاد وفى ملء الزمان جاء المسيح محققًا النبوات ومؤسَّسًا ملكوت روحي يملك فيه على النفوس ولا يطمع في سلطان أو ملك أرضى بل إلى قلوب تعانقت مع الحب وسيطرت عليها رغبات العطاء تسير تزرع الأمل بخطى جادة وهمم لا تخيب مع الزمان.

      ملف العدد: التغيرات المناخيّة

      خصَّصت النسور ملف هذا العدد عن التغيرات المناخيّة وذلك بمناسبة مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي 2022 المعروف أيضًا باسم COP27 وهو مؤتمر الأمم المتحدة السابع والعشرون للتغير المناخي، الذي عقد في الفترة من 6 حتى 18 نوفمبر 2022 في مدينة شرم الشيخ، مصر. بالإضافة إلى حضور قضايا المناخ في الحوارات والنقاشات والأدبيّات على الساحة الفكريّة والمجتمعيّة والثقافيّة وأيضًا الدينيّة واللاهوتيّة.

      يكتب الأستاذ هاني لبيب مقالة تحت عنوان: “تغييرات مناخية عنيفة. مبادرات مصرية إنسانية” معطيًا عرضًا طيبًا لتاريخ انعقادات المؤتمر المناخي منذ عام 1994 حتى الآن، ثم بحس نقدي واعي يناقش بعض النتائج والدلالات، ثم المبادرات والتوصيات والمقترحات، بعدها يكون التركيز على مبادرات مصرية أمام قمة المناخ COP27 يعرض لأربعة عشر مبادرة مصرية، ويختم المقال بمقولة السيسي بأن المرأة هي أيقونة التغير. ثم يركَّز الأستاذ هاني لبيب على أن التحدي الأساسي لتنفيذ كل ما سبق من توصيات ومقترحات ومبادرات هو اعتبارها ملزمة التنفيذ لجميع دول العالم. حتى تتحمل الدول الصناعية مسؤولياتها عن الممارسات المضرة بالبيئة خلال كل تلك السنوات الماضية. كما يجب التمسك بالالتزام بتخفيض الانبعاثات حتى لا يتحول الأمر إلى تكرار صياغات مؤتمر جلاسجو للمناخ 2021، وعدم التزام بعض الدول في التحول نحو الطاقة الخضراء.

      ومن وجهة نظر اجتماعية تقدم لنا عالمة الاجتماع الدكتورة سامية قدري دراسة تحت عنوان: “العلوم الاجتماعية وقضايا البيئة” تعرض فيها لنظرة تاريخيّة للاهتمام الاجتماعيّ بقضايا البيئة، وكيف تحول المجتمع بعد جائحة كورونا إلى “مجتمع المخاطر” والسمات المميزة له، وعدم القدرة على التنبؤ بالمستقبل في وجود فكرة اللايقين، ثم تصل الباحثة إلى نتيجة هامة وهي إن الباحثين من مختلف التخصصات الآن بصدد وضع خريطة جديدة للعالم وإعادة هيكلته للتعامل مع مشكلات البيئة، خاصة فيما يتعلق بالعدالة البيئيّة، وصحة البيئة التي توازي صحة البشر، بل هي المسؤولة عن صحتهم ومكافحة تغير المناخ قبل أن يصبح كارثيًا وغير قابل للمعالجة. وعلى البشر أن يسرعوا في إعادة تنظيم أنفسهم متضامنين من أجل تحقيق عالم أفضل من العالم الذي يعيشون فيه.

      وفي نفس السياق يناقش الدكتور رامي عطا في دراسته “المجتمع المدنيّ وقضية التغيرات المناخيّة” بالتركيز على دور المجتمع المدنيّ المصريّ في نشر ثقافة الوعي البيئيّ بالتركيز على نموذجين: جمعية الصعيد للتنمية التي أسَّسها الأب هنري عيروط اليسوعيّ ثم الهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة التي أسَّسها الدكتور القسّ صموئيل حبيب. وقبل أن يعرض لنشاطهما يناقش فكرة مسؤوليتنا نحو الأجيال القادمة والتربية البيئيّة، ثم مستويات الحل، ثم الأنشطة والفاعليات، ودور المجتمع المدنيّ بإلقاء الضوء على الجهود المبادرات التي قامت بها كل من جمعية التنمية بالصعيد والهيئة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة. ليصل إلى نتيجة مفادها أن على هذا النحو يثبت المجتمع المدنيّ، بجمعياته ومؤسَّساته، يومًا بعد آخر، أنَّه لاعب رئيس في تنمية المجتمع وتطويره، ومواجهة مشكلاته وأزماته، وأنه كذلك شريك أساسي للمؤسَّسات الحكوميّة ومؤسَّسات القطاع الخاص في مواجهة مختلف المشكلات، ومنها مشكلة التغيرات المناخيّة، التي باتت تُمثل قضية مجتمعّية ومسؤوليّة جماعيّة، وأنه لا مجال عن تخلي أي من أطراف المجتمع في مجال مواجهة تلك الظاهرة، من أجل الحاضر والمستقبل أيضًا.

      ومن الناحية اللاهوتيّة أو التفكير اللاهوتيّ في قضايا البيئة تأتي مجموعة من الدراسات والمقالات أولها، دراسة الأستاذ سمير إبراهيم حول: “اسمع صوت الخليقة نظرة على لاهوت البيئة”، يناقش فيها التفكير اللاهوتيّ عن البيئة، وبعض عرض للمجهودات المسكونيّة حول البيئة، يعطي الكاتب تعريفات لمعنى مدخل علم البيئة واللاهوت البيئيّ الإيكولوجي، ثم يضع مجموعة من النصائح والتوصيات العملية للحد من المشاكل البيئيّة.

      ثم يقدّم القسّ عيد صلاح دراس حول: “التغير المناخي قضاياه وكيف نتعامل معه؟ مقاربة لاهوتيّة” تبدأ الدراسة بمداخل تعريفيّة حول: ما هي التغيرات المناخيّة؟ يليها تعريف المناخ، ثم حضور قضايا البيئة والمناخ في الليتروجية القبطية، ثم قضايا التغيرات المناخيّة من حيث المواطنة البيئيّة والسلام البيئيّ وكلاهما مصطلحان حديثان عنا، وصولًا إلى دور القادة الدينيّة والمؤسَّسات الدينيَّة ولا سيما الكنيسة في مواجهة التغيرات المناخيّة.

      ثم يناقش الدكتور القسّ موريس أمين قضية الموقف اللاهوتيّ والكنسيّ من الهجوم النووي على هيروشيما ونجازاكي، يحلّل في هذه الدراسة موقف الكنيسة تجاه استخدام أسلحة الدمار الشامل التي تدمر البيئة، مع إقرار الكاتب بحقيقة ندرة الكتابات التي تناولت هذه القضية، ويناقش سؤالين مهمين، هما: لماذا صمت المؤسَّسة الدينيّة في نقد مثل هذه المواقف المدمرة؟ ثم السؤال الثاني هو لماذا يجب أن تنشغل الكنيسة بقضايا الإنسان والبيئة؟ وبعد الإجابة على هذين السؤالين ومناقشة موقف بعض من اللاهوتيّين مثل اللاهوتيّ الألماني المعاصر يورجان مولتمان (١٩٢٦م – الحاضر) الذي يأخذ من مركَّزية المسيح الاهتمام بالخليقة بشكل عام. يضع الكاتب أخيرًا ما اسماه السير نحو -أو تأسيس- أخلاق مسيحية بيئيّة مؤسَّسة على فداء المسيح في شقيها الحضور والحماية. وهذا يقود الكنيسة حسب وصف الكاتب إلى القيام دعا الله الكنيسة –جسده في العالم– لدورين أساسين: دور كهنوتيّ ودور نبويّ، وكلاهما في غاية الأهمية. يعلن النبيّ عن رسالة الله لشعبه، “هكذا قال الرب”، بينما يساعد الكاهن الشعب على طاعة الوصية وقيادة الشعب إلى تحقيق الرسالة النبويّة على أرض الواقع. يهدف الدور الكهنوتيّ إلى المصالحة، بينما يهدف الدور النبويّ إلى إيقاظ ضمير الشعب والأمة. الدور النبويّ والدور الكهنوتيّ للكنيسة هما وجهان لعملة واحدة ويجب أن يسيرا معًا جنبًا إلى جنب.

      يتحدث القسّ سهيل سعود عن التوبة بمفهوم لم نعتد عليه من قبل وهو “التَّوبًة البيئيّة دَعْوة إنْجيلية للعناية بالبيئة” بعد مناقشة مخاطر البيئة يضع سعود تعريفًا هامًا للتوبة البيئيّة بالقول: نحن بحاجة “للتوبة البيئيّة” “Ecological Conversion”، نحن بحاجة للتوبة بكل ما تحمل كلمة “التوبة” من معنى روحي، في الرجوع إلى الله، في إعادة توجيه الله لكامل حياة الإنسان المؤمن في الفكر والقول والعمل. فالتوبة البيئيّة تتضمَّن خطوتَيْن، الأولى: الاعتراف بالخطية، الاعتراف بفشل الانسان في العناية بخليقة الله والإقرار بذنب الإساءة والتدمير التي سببها، والنَّدم على ما فعله. والثانية: التعهُّد أمام الله بعدم تكرار كل أنواع الخطايا وخاصة البيئيّة منها، التعهد والالتزام بالمسيح وعَيْش الإيمان بالحفاظ على علاقة روحية تصالحية ليس فقط مع الله، ولكن مع أخيه الإنسان، وأيضاً مع كل خليقة الله الأخرى، بالعناية بها والمحافظة عليها والعمل بكل الوسائل المُمكنة على شفائها من جراحاتها.

      هل لقضايا البيئة مكان في العبادة؟ نعم، يقود هذا الاتجاه القسّ أمير إسحق بوضع تصور عبادة في شكل ليتورجيا من خلالها يقود المتعبدين إلى التأمل في أعمال الخلق والعناية والرعاية وصلواتهم ودورهم في الحفاظ على البيئة والليتورجيا تحت عنوان: “ليتورجيا عبادة في مُناسبتيّ يوم البيئة العالمي، والمؤتمر الدّولي للمناخ”. ننشر هذه الليتورجيا وفلسفتها وهدفها على أمل أنه يمكن أن تستعمل هذه الليتورجيا في خدمة الكنائس تعزيز لقضايا البيئة ومناصرتها في آن واحد.

      ومن الدراسات المهمة في هذا العدد هو تعريب دراسة عنوانها: “لاهوت جون كلفن البيئيّ”، الفكر اللاهوتيّ عند جون كلفن حول البيئة، عرَّب هذه الدراسة القسّ سهيل سعود حيث ذكر أن اللاهوت البيئيّ في العالم قد أضحى حركة لاهوتيّة عالمية واسعة بسبب أزمة التغيّر المناخي، فإنه تبذل جهود لتطوير لاهوت بيئيّ مبني على دراسات كتابية تشدّد على جودة خليقة الله، وتدعو الانجيليين والمسيحيين والجميع إلى الاهتمام بالبيئة كوكلاء مسؤولين. في هذا السياق يبرز موقف المصلح جون كلفن المميّز نحو البيئة خليقة الله. إذا ما اطلعنا على تفسيرات كلفن لبعض المقاطع الكتابية، التي تتضمّن أصداء بيئيّة، وانعكاساتها على الموضوع البيئيّ، نرى أنه يمكن أن يكون للمصلح جون كلفن مساهمة هامة في الموضوع. يرى علماء كلفن، اننا نستطيع أن نتلمس في كتابات كلفن، لاهوت بيئيّ غير مكتمل، سمته التشديد على الله الحافظ والتعامل بمسؤولية مع ما تقدمه الطبيعة من جمال وخيرات. وتناقش الدراسة المعربة: مكانة ودور الخليقة في علاقتها مع الإنسان، كلفن: الهدف من الخليقة تمجيد الله، السيادة الإنسانيّة على الخليقة، هي سيادة مسؤولة، انكار الذات، يدعو إلى استخدام موارد الطبيعة باعتدال، لاهوت كلفن البيئيّ قبل السقوط، لاهوت كلفن البيئيّ بعد السقوط، لاهوت فداء الخليقة. الدراسة معرّبة بتصرف عن مقالة:

      John Foster. The Ecology of John Calvin. Reformed Perspectives Magazine, Volume 7, Number 51, December 18 to December 24, 2005 .Cited in: https://thirdmill.org/magazine/article.

      في انتهاء ملف التغيرات المناخيّة يعرض المهندس جورج إسحاق لكتاب مهم: “أوراق بيئيّة قراءة في لاهوت البيئة” للأب سامي حلاق، الصادر عن دار المشرق، بيروت عام 2011م، وهو يعتبر من الكتابات الأوليّة المرجعيّة في اللغة العربيّة عن لاهوت البيئة أو التفكير اللاهوتيّ عن البيئة، وكان الب سلامي حلاق سباقًا بكتابته لهذا الكتاب.

      تأملات وأخبار ومتابعات:

      يقدِّم الشيخ أسامة رشدي مجموعة من التأملات الكتابيّة تحت عنوان “شذرات كتابيّة” وتتسم هذه التأملات بالعمق والبساطة والاختصار، فهي كلمات قليلة لكنها تحوي معاني كثيرة، وهو أسلوب تميز به الكاتب، وعرضنا الكثير منه على صفحات النسور، في هذا العدد نقرأ تأملات تحت عنوان: أرباب السهام، مهمة سريعة، حراسة نارية، على حافة النهر.

      يقدَّم الأستاذ يوسف إدوار بعض من الأخبار والمتابعات حول أبرز ما تم في النشاط الرعويّ للدكتور القسّ أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، فيبدأ بلقاء لشبكة خدمة الشباب “CONNECT” بحضور ١١٠٠ من شباب الكنائس الإنجيليّة في مصر وبحضور محافظ أسيوط شارك رئيس الإنجيليّة في احتفال الكنيسة الإنجيليّة الأولى بأسيوط بمناسبة مرور ١٥٠ عام على تأسيسها، ثم افتتاح اللقاء الخامس لخدمة الألف خادم بوادي النطرون تحت عنوان “الخادم المنتصر”.

      ملحق العدد:

      ملحق العدد حول: “المناخ الرعويّ في زمن كورونا: تسقط أوراق الخريف وتتفتح أزهار الربيع” للقس عيد صلاح، تتكون الدراسة من ست أجزاء: الوباء الحدث الأزمة والصدمة والرعاية، أسئلة وقضايا مهمة في زمن كورونا، سمات العمل الرعويّ في زمن كورونا، تحديات العمل الرعويّ في زمن كورونا، مهام عملية في زمن كورونا، المشاركة بخبرة فيلسوف معاصر، ثم صلاة رعويّة في زمن كورونا.

دروس في ميلاد المخلص

اسم الكاتب : القس محسن منير

    • نعم مضى على ميلاد يسوع، أكثر من ألفي عام. كحدث تاريخي، ويتم الاحتفال به سنويًا في ٢٥ ديسمبر في الغرب، وفي ٧ يناير في الشرق، ويسوع في تجسده كان طفلاً شأنه شأن أي طفل صغير في ظاهر الأمر لكن في واقعه كان -ومازال- محور الأحداث والتاريخ لأنه هو الرب المتجسد لمنح الفداء والتحرير لكل من يؤمن به. لذا دائمًا نجد بركات ودروس أعمق وأشمل من مجرد ذكرى الحدث التاريخي. أدعوك عزيزي القارئ لوقفة تأمل أمام ثلاثة مشاهد مرتبطة بحدث الميلاد كما وردت في إنجيل البشير لوقا في الأعداد من ١- ٢٠. ومن الإصحاح الثاني حيث ستجد في كل مشهد العديد من الدروس والأفكار المتجددة والتي تحتاج أن تستدعيها دائمًا وليس فقط في احتفالنا بعيد الميلاد:

      (١) الميلاد جاء بالعذراء مريم ويوسف من الناصرة ٢: ١- ٧.

      (٢) الميلاد جاء بالملائكة من السماء ٢: ٨- ١٤.

      (٣) الميلاد جاء بالرعاة من الراعي ٢: ١٥- ٢٠.

      أولاً: الميلاد جاء بالعذراء مريم من الناصرة إلى بيت لحم: ١٧

      في ذلك الزمان، كانت روما تقوم بإجراء تعداد للسكان كل ١٤ سنة لأغراض اقتصادية (تحصيل الضرائب) وعسكرية (تجنيد الشباب) على كل ذكر يهودي أن يعود إلى مدينة آبائه ليسجل اسمه، ومحل إقامته، وممتلكاته. لذا، وبناء على أمر القيصر تحرك يوسف ومعه مريم حوالي ١٠٠ كم من الناصرة -حيث يسكنون- إلى بيت لحم موطن الآباء.

      والمدهش أن ما نقرأه كأحداث تاريخية في زمن الميلاد كان موضوع العديد من نبوات العهد القديم، وما تلك الأحداث سوى تحقيق دقيق لهذه النبوات. فلقد وعد الله أن المخلص سيكون في صورة إنسان، ففي إشعياء ٩: ٦: «لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنًا، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيبًا، مشيرًا، إلهًا قديرًا، أبًا أبديًا، رئيس السلام». يولد لنا ولد ونعطى ابنًا إشارة إلى الناسوت، وبينما يدعى اسمه عجيبًا مشيرًا، إلهًا قديرًا. تشير إلى اللاهوت، فالرب يسوع -تحقيقًا لهدف فداء البشرية الخاطئة- ليس مجرد ناسوت بدون لاهوت، وليس هو لاهوتًا بدون ناسوت. ولكنه لاهوت متحد بالناسوت، وناسوت متحد باللاهوت. فهو الإله المتجسد. وأيضًا وعد أنه سيكون يهوديًا من سبط يهوذا من بيت داود. تكوين ٢٢: ١٨ قول الرب لإبراهيم «فيتبارك في نسلك جميع أمم الأرض»، تكوين ٤٩: ١٠١١ «لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب. رابطًا بالكرمة جحشه، وبالجفنة ابن أتانه، غسل بالخمر لباسه، وبدم العنب ثوبه»، وفي إرميا ٢٣: ٥٦ «ها أيام تأتي يقول الرب وأقيم لداود غصن بر فيملك ملك وينجح ويجري حقًا وعدلاً في الأرض. وفي أيامه يخلص يهوذا ويسكن إسرائيل آمنًا وهذا هو اسمه الذي يدعونه به الرب برُّنا». وأنه سيولد من عذراء كما نقرأ في إشعياء ٧: ١٤ «ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل» ولقد أشار البشير متى في إنجيله بهذه النبوة (مت ١: ٢٣). وأنه سيولد في بيت لحم كما جاء في سجل ميخا النبي (مي ٥: ٢) «أما أنتِ يا بيت لحم أفراتة وأنتِ صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنكِ يخرج لي الذي يكون متسلطًا على إسرائيل. ومخارجه منذ القديم. منذ أيام الأزل».

      ولقد تحقق كل ذلك تمامًا مثلما جاء بالنبوات، وقيصر روما دون أن يدري، لعب دورًا هامًا في ذلك بأمره بالإكتتاب.

      والآن أمام المشهد الأول وعندما نتوقف بالتأمل قليلاً سنجد ما يلي:

      أ) الله يصنع، ويقود، ويستخدم كل الأحداث لتحقيق مشيئته الصالحة نحو أبنائه. فما يبدو طبيعيًا وأنه مجرد قرار إداري أو إجراء تنظيمي، يمكن أن يكون جزء من خطة الله لتحقيق مقاصده. لذا فقط علينا أن نسمح لكلمة الله أن تشكل قيمنا ومفاهيمنا ورؤانا فنرى أحداث التاريخ كعامل من عوامل إتمام مشيئته في حياتنا.

      ب) علينا أن نتيقن أن الحكام والقادة يحكمون لكن يوجد أعلى منهم من يُسخِّر كل شيء في تحقيق مقاصده في الخليقة.

      ج) في عدد ٧ لابد أن يثير فينا تساؤلاً.. هل صاحب كل هذا السلطان لم يكن قادرًا أن يدبر موضع لائق لولادة المخلص؟! بالطبع قادر لكنه من البداية يؤكد مبدأ أن قيمتنا تستمد من كينونتنا (أبناء الله) وليس من مكانتنا الاجتماعية أو المادية. وتوجيه النظر دائمًا إلى أن القيمة الحقيقية داخلنا وليس خارجنا.

      ثانيًا: الميلاد جاء بالملائكة من السماء: ٨١٤

      في المجتمع اليهودي في ذلك الزمان، كان رعاة الأغنام فئة منبوذة لأنهم وفق طبيعة عملهم يقضون أوقاتًا طويلة في أماكن الرعي بعيدًا عن أورشليم والهيكل، لذا كانوا لا يمارسون غسلات التطهير المطلوبة بانتظام مما يجعلهم في نظر باقي الشعب نجسين.. لذا كان من الغريب في هذا السياق أن يكون هؤلاء الرعاة هم أول المتلقين لبشرى الميلاد ومن ملاك مرسل من الرب خصيصًا لهم. لكن بقليل من التأمل في هذا المشهد يمكن أن نرى ما يلي:

      أ) كون أول المتلقين من البشر لهذه البشرى هم هؤلاء الرعاة، فهذا إعلان إلهي مبكر من أن تعامل الله معنا ليس من منطلق الاستحقاق الذي لا نملكه لكن من فضل نعمة الله علينا رغم عدم استحقاقنا في ذواتنا.

      ب) استخدم الملاك كلمة «أبشركم».. يؤكد أن المسيح في العالم هو خبر سار ولا عجب في ذلك.. فهو المخلص «أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب»

      ج) حيث يوجد المسيح في العالم لابد أن يوجد الفرح، السلام، المجد السلام على الأرض وبالتالي المسرة والفرح، المجد في الأعالي. فليس مجرد غياب الحرب يعني وجود السلام.. السلام الحقيقي، العميق والمتجدد.. فقط في المسيح يسوع.

      ثالثًا: الميلاد جاء بالرعاة من المراعي: ١٥٢٠

      كان الرعاة يرعون في منطقة حول بيت لحم تبعد قليلاً عنها، وبعد صعود الملائكة تحركوا نحو موقع الولادة وتسجل الأعداد ١٥، ١٦ و١٧، ٢٠ كيف كان رد فعلهم يمثل نموذجًا نرى فيه الكثير مما نتعلمه اليوم.

      نرى في الرعاة خير مثال في رد الفعل الصحيح تجاه دعوة الله لنا:

      أ) «الآن»، «مسرعين» عدد ١٥- ١٦ الطاعة الفورية بلا تأجيل.

      ب) «الأمر الواقع، أعلمنا به الرب» (عدد ١٥) تعبير عن الثقة واليقين في الرب.

      ج) «فلما رأوه أخبروا بالكلام» (عدد ١٧) الشهادة عن عمل الله في حياتهم. والشهادة هي إخبار بما سمعنا ورأينا. فقط الذين اختبروا نعمة الله هم الذين يمكنهم أن يقدموا شهادة صحيحة وحية، والوجه الآخر للعملة. هو أن اختبارنا لعمل نعمة الله في حياتنا يلزمنا أن نشهد به.

      وختامًا، ليتنا دائمًا في كل ذكرى لميلاد يسوع، لا نتوقف عند المظاهر الاحتفالية بها بل مزيد من التأمل في حقائق وأحداث الميلاد كما ورد في كلمة الله نحو دروس متجددة لحياتنا.

      المراجع المستخدمة:

      العربية:

      (١) موريس، ليون. التفسير الحديث للكتاب المقدسإنجيل لوقا. ترجمة نيكلس نسيم القاهرة: دار الثقافة ١٩٩١.

      (٢)    إدي، وليم. الكنز الجليل في تفسير الإنجيلالجزء الثاني. بيروت: مجمع الكنائس في الشرق الأدنى، ١٩٧٣.

      (٣)    سعيد، إبراهيم. شرح بشارة لوقا. القاهرة: دار الثقافة، ١٩٨٦.

      الإلكترونية:

      (١)    يعقوب، حلمي. “نبوات العهد القديم عن الميلاد ٤٦ كتاب حتمية التجسد الإلهي.”- st.takla.org- المكتبة القبطية الأرثوذكسية.

      (٢)    يعقوب، حلمي. “نبوات العهد القديم عن الميلاد ٤٧ كتاب حتمية التجسد الإلهي.”- st.takla.org- المكتبة القبطية الأرثوذكسية.

      الإنجليزية:

      (1) Stott, John R.W. The Bible Speaks Today- The Message of Luke. Leicester, Inter- Varsity Press, 1979.

اسمع صوت الخليقة: نظرة على لاهوت البيئة

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: سمير إبراهيم 

    • بدأ الاحتفال المسيحي العالمي بهبة الخليقة في عام 1989م عندما أقرت البطريركية المسكونية القسطنطينية يوم الصلاة من أجل الخليقة، واليوم تتبنى المجموعات المسكونية هذا القرار (دليل الاحتفال المسكوني، 2021، 4). أول من اقر هذا الاحتفال هو البطريرك المسكوني ديميتريوس الأول، ويُشتهر أيضًا باسم برثلماوس الأول. وقد عُرف بلقب البطريرك الأخضر لشدة اهتمامه بالمشاكل البيئية. أعلن ديمتريوس الأول 1 ديسمبر يومًا للصلاة من أجل الخليقة. بعد سنوات، مدد مجلس الكنائس العالمي (WCC) الاحتفال حتى 4 أكتوبر. في عام 2015، اتخذ البابا فرنسيس، بابا روما، فكرة الاحتفال بالخليقة رسميًا في الكنيسة الكاثوليكية. يدعو فيه البابا الجميع للصلاة والعمل على الحفاظ والعناية بالبيئة (https://www.vaticannews.va/). وفي نفس العام، كان قد قدم وخصص رسالته البابوية العالمية العامة والمهمة لهذه القضية والتي كانت تحمل عنوان “Laudato si” “كن مسبحًا.” وقد تركزت هذه الرسالة حول العناية بالبيت المشترك أي البيئة. كما يستخدم فيها تعبير “التوبة الإيكولوجية،” ويقصد به الاعتراف بانتهاك حقوق وموارد البيئة، خليقة الله. فيقول: “إنْ كانت الصحاري الخارجية في عالمنا قد تكاثرت، لأن الصحاري الداخلية أصبحت شاسعة للغاية، فإن الأزمة الإيكولوجية [البيئية] هي نداء إلى توبة داخلية عميقة!” (فرنسيس، رسالة كن مسبحًا، 132). عنوان الرسالة مأخوذ من نشيد قديم شهير بعنوان «نشيد الخلائق» (يمكن الرجوع للنشيد كاملًا في https://holy-mary.org) للقديس “فرنسيس الأسيزي” (1182 – 1226) كتبه في نهاية حياته، والذي يُعتبر الشخصية الملهمة للحفاظ على الطبيعة والبيئة، وهو شفيع المحافظين على البيئة في الكنيسة الكاثوليكية فبعض الأبيات منه تقول:

      كُنْ مُسَبَّحًا، يا سيِّدي، مَعَ كلِّ خَلائِقِكَ، خاصَّةً مَعَ السيِّدةِ أُختِنا الشمس

      التي هي النهارُ وبها نستنير، وَهيَ جميلةٌ ومشعَّةٌ وعظيمةُ البهاء، وتُشيرُ إليكَ أيُّها العلي.

      كُنْ مُسَبَّحًا، يا سيِّدي، لأخينا القمر والكواكبِ التي في السماء، فَقَدْ كوَّنتها صَافيةً فاخرةً وجميلة.

      كُنْ مُسبَّحًا، يا سيِّدي، لأختنا الريح والهواءِ والسُحُب والسماءِ الصافيةِ ولكلِّ الأزمنةِ التي بها تَحفظُ حياةَ المخلوقات

      فأصبح الاحتفال موسمًا كنسيًا حول العالم يبدأ من 1 سبتمبر إلى 4 أكتوبر. الهدف منه التوعية والعمل لصالح البيئة والخليقة، والصلاة لتمجيد الخالق. أعتقد أننا نحتاج لممارسة العناية بالبيئة، ليس فقط كاحتفال موسمي سنوي بل كأسلوب حياة يومي للجميع. إلى جانب الكنيسة القسطنطينية والكنيسة الكاثوليكية، ومجلس الكنائس العالمي، يأخذ مجلس كنائس الشرق الأوسط على عاتقه الاهتمام بتلك القضية المهمة على المستوى اللاهوتي والتعليمي والعملي أيضًا. كذلك تهتم المنظمات الدولية حول العالم الاهتمام بهذا الأمر.

      “اسمع صوت الخليقة،” عنوان مقالي هذا، هو شعار موسم الخليقة، في مجلس كنائس الشرق الأوسط لعام 2022. ولقد اتخذ المجلس هنا من العليقة المشتعلة بالنار التي رأها موسى النبي في البرية تعبيرًا ورمزًا لما يحدث من حرائق ودمار بكوكبنا الأخضر الذي وللأسف الشديد يتحول إلى اللاأخضر (اسمع صوت الخليقة، 2022، 8). الخليقة التي كانت تمجد الله “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ “(مزمور 19: 1) أصبحت تصرخ وتئن في صورة فيضانات وحرائق وتغيير في المُناخ وانعدام الحياة تدريجيًا. فهل نستمع وننتبه لهذا الصراخ؟ في ختام كلمته الرائعة “الكنيسة والبيئة” قال الدكتور ميشيل عبس، الأمين العالم لمجلس كنائس الشرق الأوسط: “موسم الخليقة صرخة الكنيسة في وجه من يُعنِّف بالبيئة ويستخف بسلامتها ويقوم بالإضرار بها. لا تستطيع الكنيسة التي تمجد الخالق وتشكره على عطاياه في كل لحظة أن تقف مكتوفة الأيدي صامتةً أمام ما تتعرض له خليقة الخالق، الهيكل الحياتي الذي جعله مسكننًا ونبع رزقنا ووسيلة استمرارنا” (https://www.youtube.com/watch?v=X3P_zwJLXvg&t=7s).

      ومن الأمور الإيجابية أن الكثيرين على المستوى الفردي والمحلي والدولي يدركون خطورة ما وصلنا إليه من تصحر وتغير الُمناخ عن معدلاته الطبيعية وانقراض بعض الكائنات ومشكلة قلة المياه والتلوث والتعامل مع النفايات والمخلفات وخطورة استخدام المواد المؤذية للبيئة وللصحة، وخاصة البلاستيك الأكثر استخدامًا وانتشارًا. ولمواجهة هذه المشكلة، حدثت فاعليات وحملات ومبادرات توعوية وعملية مثل Green Churches “الكنائس الخضراء”، أي لجوء الكنائس لاستخدام وسائل صديقة للبيئة. كذلك الحملتان المصريتان “اتحضر للأخضر” و”رجّع الطبيعة لطبيعتها” وغيرها والتي تحث الجميع على الحفاظ على البيئة والعمل على تنميتها وتطويرها. وخلال شهر نوفمبر 2022 انعقد الحدث العالمي الأكبر “مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي” أو COP 27 في شرم الشيخ بمصر، والذي يهدف لمواجهة المشكلات البيئية. هذا المؤتمر هو مؤتمر سنوي كانت بدايته من خلال هيئة الأمم المتحدة في عام 1992م بالبرازيل وأطُلق عليه “قمة الأرض” “الأطراف” وشارك ووقع فيه حوالي 154 دولة معلنين التزامهم بمبادئ الحفاظ على البيئة. ومنذ عام 1994م بدأ ينعقد المؤتمر بشكل دوري الى أن وصلنا لدورته ال 27 وتشارك فيه حوالي 197 دولة والكثير من المنظمات العالمية، وشعارها “التنفيذ.” فكم لدينا من معلومات عن خطورة الإساءة للبيئة وكم لدينا من إمكانيات وقدرات للحد من هذه الإساءة لكننا لا نعمل شيئًا لخدمة البيئة والعالم. وقد حثت قمة “التنفيذ” الدول الكبرى على تقليل الانبعاثات الحرارية وتدعيم الدول النامية والمتضررة، والالتجاء والتكيف مع الموارد والوسائل الأكثر صحية والعمل للصالح العام الكوكبي والكوني، من خلال ما يعرف بالاقتصاد الأخضر.

      يتعرض الدكتور هشام القصاص لدراسة الاقتصاد الأخضر والأزرق. الاقتصاد الأخضر يعني الاعتماد على كل ما هو نافع للبيئة في التصنيع ووسائل النقل والطاقة النظيفة وتقليل استخدام البترول الحفري، الأمر الذي “يؤدي إلى تحسين حالة الرفاهية البشرية والإنصاف الاجتماعي، مع العناية في الوقت نفسه بالحدّ على نحو ملحوظ من المخاطر البيئية. أما الاقتصاد الأزرق فهو، بحسب تعريف القصاص، “العناية والاعتماد على مياه المحيطات والتي تحوي 97% من المياه على كوكب الأرض، وتحتوي على 200 مليون صنف حيوي، وعلى كائنات بحرية، يعتمد أكثر من 3 مليار شخص على هذا التنوع وكسب عيشهم، فتقليل التلوث البحري والصيد الجائر يقلل من انقراض بعض الكائنات الحية فلا يحدث فقدان للتنوع البيولوجي الذي يؤثر على البيئة (القصاص، ما البيئة، 81، 100).

      وانطلاقًا من أهمية وخطورة المشاكل البيئية وقلة تعليمنا اللاهوتي، سوف يدور حديثي في السطور القادمة حول النقاط التالية: المدخل للعلم البيئي، والمدخل للاهوت البيئي، وتوصيات عملية.

      أولًا: مدخل علم البيئة

      علم البيئة أو الإيكولوجي Ecoloyg، وهي كلمة يونانية صاغها العالم الألماني ” إرنست هيكل” 1869م، يشير بها لدراسة العلاقة المتبادلة بين الأحياء والبيئة. تتكون الكلمة من مقطعين ” “Eco (إيكو): تعني منزل مكان المعيشة، ” loyg لوجي “: دراسة أو علّم. وبالتالي هو دراسة ما يحدد الحياة وكيفية استخدام الكائن الحي لما هو متاح له حيث يعيش (الجولوجيا والعلوم البيئية، 3).

      علم البيئة هو جزء وفرع من علم الأحياء والجولوجيا، ويدرس تفاعلات الكائنات الحية مع بيئتها وما فيها من كائنات حية وغير حية. ومن ضمن مكوناته: الكيمياء، الفيزياء، الاقتصاد، السياسة، الهندسة، علم الاجتماع، علوم الأرض، الزراعة، الفلسفة. هو علم شامل موسوعي تتداخل فيه جميع العلوم الطبيعية. لذلك يهتم علماء البيئة بدراسة العلاقة بين الكائنات الحية -بما فيها البشر- وبين بيئتهم المادية. ويساعدنا لجمع المعلومات حول فوائد النظم البيئية، وكيف يمكننا استخدام موارد الأرض بطرق علمية وصحية (سبيلمان ووايتنغ، علم وتقانة البيئة، 31–38).

      البعض يفصل ويفرق بين علم البيئة الإيكولوجي Ecology والعلوم البيئية Environmental Sciences. فالإيكولوجي يدرس علاقة الكائنات ببيئتها. أما العلوم البيئية نظرة أكثر شمولية، وباعتبار الإنسان عنصرًا مهمًا من عناصر البيئة يدرس علاقة الإنسان ببيئته والتفاعل الدوار بينها (القصاص، ما البيئة، 16، 18)

      يصف الدكتور هشام القصاص تطور علاقة الإنسان بالبيئة من البداية حتى العصور الحالية. منذ ظهور الإنسان بدأت تتغير أشكال الحياة، لأن الإنسان أكثر الكائنات تأثيرًا على البيئة وأكثر من ساهم في تغيير أشكال الحياة على الأرض. مر الإنسان بمراحل عديدة بداية من جمع البذور والثمار، وكانت علاقة الإنسان بالبيئة علاقة توافق، ثم مرحلة الصيد برًا وبحرًا وتحول الإنسان من آكل لثمار النباتات إلى آكل للحوم، واكتشف في هذه المرحلة النار، واستمرت علاقته بالبيئة توافقية حتى عندما انتقل إلى مرحلة الرعي واستئناس الحيوانات. إلى أن انتقل إلى مرحلة الزراعة منذ زمن بعيد وقد كانت مرحلة الاستقرار والحضارة. دخلت البشرية لاحقًا في مرحلة الصناعة، واكتشف الإنسان الفحم، ونجح في تحويل الطاقة الحرارية إلى طاقة حركية. وظهرت مشكلات الإنسان مع البيئة بسبب حرق الوقود الأحفوري (الفحم والبترول). وعندما حل القرن ال20 بدأ اعتماد الإنسان على الآلة يزيد، وبدأت الصناعة تنتشر في كل عواصم الدول الكبرى، وتزايدت أعداد البشر. وهكذا انتشر التلوث بكل أشكاله في البحر والبر والجو (القصاص، المرجع السابق، 7–9).

      هناك شكل آخر من أشكال التأثير السلبي على البيئة من قبل الانسان في العصور الحديثة وهو ” التبديد” أو “الإهدار” قيل عن مجتمعنا الحديث إنه مجتمع الإسراف والتبديد. يميز جاك ألول بين التبديد الفردي الخاص والتبديد العام. التبديد الخاص: على المستوي الفردي مثل تبديد الطعام أي استعمال الأشخاص والعائلات الأطعمة التي تزيد عن احتياجهم، واستخدام التبريدات وأجهزة التدفئة بطريقة مبالغ فيها. أما التبديد العام فهو إهدار للموارد الطبيعية بشكل عام ودولي واستخدام وسائل غير آمنة على البيئة في التصنيع (الول، خدعة التكنولوجيا، 342–346). في رأيي أيضًا يمكن إضافة الحروب والنزاعات بين الدول واستخدام الأسلحة الفتاكة بين الشعوب هو من أشد وأخطر أنواع التبديد والتأثير على البيئة بالسلب.

      ثانيًا: اللاهوت البيئي الإيكولوجي

      علم اللاهوت البيئي هو مدخل حديث فى العلوم اللاهوتية. تركز مُعظم مداخل علم اللاهوت النظامي الحالية على شقين: الله، والإنسان. أما “لاهوت البيئة” فيهتم بعلاقة ثلاثية وهي: الله، والإنسان، والخليقة. فالخليقة ذلك الجانب الذي أُهمل كثيرًا منا عبر العصور في تعليمنا الكتابي ونال تشويهًا وأنصاف حقائق! حيث نتيجة لقلة تعليمنا في موضوع ما كثيرًا ما تنشأ حوله الخرافات والتأويلات التي لا تستند على معلومات صحيحة. على سبيل المثال، يربط البعض منا كل ما هو مادي وحياتي بالخطية ويعتقدون أنه لا يوجد داعٍ للاهتمام به، ويجب أن نهتم بكل ما هو صالح روحيًا فقط. من وجهة نظري، هذه الطريقة من التفكير هي غنوسية حديثة في ثوب جديد. أدى ذلك لوجود فجوة بين الإيمان والواقع والحياة، إلى ما نحن عليه اليوم من ابتعاد عن قضايا البيئة والأرض. فكما قال الأب هنري بولاد اليسوعي: “لا يستطيع الإنسان المؤمن أن يتجاهل هذه العلوم، من علم الفلك، والذرة والمادة، وعلم الوراثة والتطوّر، وعلم الاجتماع. فإذا أردنا أن نبني إيمانًا قويًا، علينا بعدم تجاهل هذه العلوم الأساسية، فقد أمضينا وقتًا طويلًا ونحن نتوهّم أنها تنافي وتناقض الإيمان” (بولاد، الإنسان والكون والتطور، 9).

      أيضًا اللاهوت البيئي أحد فروع “لاهوت التحرير” والذي ظهر في أمريكا اللاتينية ليدافع عن حقوق المهمشين والمرفوضين والمظلومين، ويعلن أن الله بجانب وبصف تلك الفئات. يقول “ليوناردو بوف،” أحد قادة ومؤسسي لاهوت التحرير: “إذا كان لاهوت التحرير يُدافع عن المظلُومين، فإنَّ الأرض مظلومة فعلى المسيحي أن يدافع عن الأرض” (مقتبس في سامي حلاق اليسوعي، أوراق بيئية). وفي الكتاب الأهم عن لاهوت التحرير وهو كتاب “لاهوت التحرير التاريخ والسياسة والخلاص” لجوستافو جوتييرث الدومنيكاني يقول جوتييرث: “فبقدر رفض الإنسان الاتّحاد مع الله بقدر ما يبتعد عن بناء هذا العالم” ويذكر أيضًا أنَّ “اللاهوت خادم هذه البشرية بملكوت المحبة والعدالة “وأن “عمل الله الخلاصيّ يعطي الحياة على الأرض” (جوتتيرث، لاهوت التحرير، 249،252،49)

      في الإعلان الإنجيلي حول العناية بالخليقة والشهير باسم “إعلان ويتن” Whitten Declaration2016م والمترجم لحوالي 20 لغة يبدأ بالقول: “للرب الأرض وملؤها. كأتباع ليسوع المسيح ملتزمين بالسلطان المطلق للكتاب المقدس ومدركين الطرق التي حططنا بواسطتها من قدر الخليقة، نؤمن أن الإيمان المبني على أساس الكتاب المقدس جوهري لحل المشاكل البيئية.”

      يعتمد اللاهوت البيئي على تعليم الكتاب المقدس عن الخليقة. يخصص اللاهوتي والمفسر الكبير “جون ستوت” في آخر مؤلفاته “التلميذ الأصيل” فصلًا بعنوان “العناية بالخليقة.” يرى ستوت أن الله في الكتاب المقدس أسِّس للِكائنات البشرية ثلاث علاقات أساسية وهي: العلاّقة معه: إذ خلقهم على صورته، والعلاقات مع بعضهم البعض، ثم العلاّقة مع الأرض الطيِّبة ومخلوقاتها التي أقامهم عليها. هذه العلاقات الثّلاث قد تشوِّهت بسبب السقوط. كانت خُطة الله في استرداد خليقته تشمل الجوانب الثلاثة، بما فيها عِتق الخليقة التي تئن. ودورنا الإيجابي كبشر من نحو الأرض يجب أن يحكمه أمران: الأول، ” للرب الأرض ” (مز 24: 1). والثاني، “أما الأرض فأعطاها لبني آدم ” (مز 115: 16). والحقيقتان تتكاملان دون تعارض فالأرض تخُص الله وتخصنا نحن بالتفويض. وعندما نتذكر دائمًا أن الله قد خلقها وفوّض مسؤوليتها لنا، فسوف نتجنب الوقوع في أحد التطرفين: تأليه الطّبيعة، وسوء استغلالها (ستوت، التلميذ الأصيل، 48–50). يؤكد الأمر نفسه واين جرودم ويحذر من تأليه الطبيعة الذي يصل لحد عبادة الكائنات أو المخلوقات مثل مذهب المادية ووحدة الوجود والتأليه الطبيعي. فالخليقة متاميزة عن الله ومعتمدة عليه في آن واحد، أو بمعنى آخر، الله فوق الخليقة ومتداخل فيها دائمًا في الوقت نفسه، أي أنه متسامٍ وملازم معًا (واين جرودم، بماذا يفكر الإنجيليون، 1: 223).                              

       

      إن الكتاب المقدس من بدايته وعبر صفحاته يوصينا بالحفاظ على البيئة. فنقرأ في سفر التكوين، الأصحاح الأول، تقدير الله الشديد للخليقة إذ اعتبر كل خلائقه حسنة جدًا. وكذلك نقرأ “فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ وَأَخْضِعُوهَا وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ” تك 1: 26–27). كثيرًا ما يُساء استخدام هذا النص بسبب مفهومنا عن “التسلط” الذي يتكلم عنه. ولكن الكلمة “تسلطوا ” تعني أن نمارس السُلطة كما يمارسها الله وبتفويض منه وليس حق امتلاك. فالله يمارس سلطانه على المخلوقات بالحب والرعاية والاهتمام، وليس بالسيطرة والدكتاتورية والاستنزاف. فهو الذي يشبع ويهتم بأصغر المخلوقات، كما يقول الكتاب “ما أعظم أعمالك يا رب! كلها بحكمة صنعت. ملآنة الأرض من غناك” (مز 104: 24) وكذلك “تفتح يدك فتشبع كل حي رضى” (مز 145: 16). نحن مخلوقون على صورته الأدبية فلابد أن نتمثل به في الاهتمام بخليقته.

                      في الأصحاح الثاني من سفر التكوين يتأكد هذا التكليف بالاهتمام بالخليقة حيث يقول “وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا”. (تك 2: 15). من خلال هذه الآية أرى أننا أمام الوصية الأولى والمُهملة من الإنسان قديمًا وحديثًا، وهي الحفاظ على خليقة الله فهي وكالة منحها الله لنا، لكن للأسف يطيعها القليلون!

      كذلك في للعهد الجديد، يُسجل لنا الوحي الكثير من تعاليم السيد المسيح وأمثاله التي تدور حول الطبيعة والبيئة مثل مثل الزارع، والبذار النامية، والقمح والزوان، مثل الكرم والكرامين. وفى الموعظة على الجبل التي تُعتبر قلب الإنجيل، نقرأ التطويبة الخامسة “طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض” (مت 5: 5). وكذلك أيضًا قوله: “انظروا إلى طيور السماء… تأملوا زنابق الحقل” (مت 6: 26، 28)..يقول الأب فرنسيس: “لقد عاش يسوع في تناغم مع الطبيعة وهو ما كان يثير دهشة الآخرين”. (فرنسس، كن مسبحًا، 61).

      في آخر سفر بالكتاب المقدس، سفر الرؤيا، هناك عبارة مهمة وخطيرة جدًا ونادرًا ما ننتبه إليها، يقول فيها الكتاب “وليهلك الله الذين كانوا يهلكون الأرض” (رؤ 11: 18). إنه مبدأ الزرع والحصاد إن أردت أن تنجو من هذا الهلاك أنت ومن بعدك من الأجيال القادمة، فعليك ألا تهلك وتهدر وتستنزف موارد الأرض من نباتات وحيوانات وموارد طبيعية. بالتالي، الكتاب المقدس من بدايته، في سفر التكوين، وحتى نهايته، في سفر الرؤيا، يعلن ضرورة الاهتمام بالأرض والخليقة.

      أخيرًا، نصائح وتوصيات عملية:

      • علينا الاهتمام بتوسيع المساحات الخضراء؛ ماذا لو أمام كل بيت أو فوق سطحه قمنا بزراعة الورود والأشجار والنباتات؟!
      • الاهتمام بالنظافة العامة، اهتم بشارعك وبلدك كما تهتم ببيتك.
      • علينا أن نتوقف عن التخلص من النفايات بحرقها، والتفكير في إعادة تدويرها بطريقة علمية.
      • على من يستخدمون السيارات الاهتمام بكفاءة المحرك إذا كانت به مشكلة تُسبب كثرة خروج العوادم.
      • علينا أن نقلل من استخدامنا للمواد البلاستيكية الخطيرة، فبعض أنواع البلاستيك من أخطر المواد المؤذية للبيئة وصحة الإنسان لأنه يحتوي على مواد كيميائية. ولا يتحلل ويتراكم في طبقات الأرض والبحر ويؤثر على الإنسان والحيوان في البر والبحر وعلى الهواء ان قمنا بحرقه.
      • نحتاج لإعادة النظر كدولة وافراد في أهمية وتقدير دور ومكانة كلٍّ من الفلاحين وعمال النظافة.
      • زيادة ونشر الوعي وأخذ القرارات التي تصب في صالح البيئة، بعمل ندوات وبرامج إعلامية تخاطب موضوعات البيئة.
      • على الكنيسة أن تهتم في عبادتها بموضوعات الخليقة والبيئة.
      • علينا أن ندرك أن الإساءة للبيئة جريمة تستحق العقوبة الشديدة وخطية لا تقل عن الإساءة لله وللإنسان.

      أختم بقول الكتاب المقدس والمبدأ العام في حياتنا المسيحية “فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ” (يعقوب 4: 17). فالخطية ليست فعل الشر فقط، ولكن عدم فعل الخير حينما يكون في قُدرتك أن تفعل ذلك.

      المراجع

      سبيلمان، فرانك ر.، نانسي إ. وايتنغ. علم وتقانة البيئة المفاهيم والتطبيقات. ترجمة: الصديق عمر الصديق. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،2012.

      القصاص، هشام. ما البيئة. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2021.

      الول، جاك. خدعة التكنواوجيا. القاهرة: مكتبة الأسرة، 2004م.

      الجولوجيا والعلوم البيئية. القاهرة: وزارة التربية والتعليم المصرية، 2019.

      ستوت، جون. التلميذ الأصيل – الحياة مع المسيح بقلب موحد. ترجمة: ق يوسف سمير. القاهرة: دار النشر الأسقفية، 2020.

      جرودم، واين. بماذا يفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي: علم اللاهوت النظامي، ج 1. القاهرة: مطبوعات ايجلز، 2002م.

      البابا فرنسيس. كن مسبحًا: رسالة عامة بابوية حول العناية بالبيت المشترك. القاهرة: المكتب الإعلامي الكاثوليكي، 2015.

      بولاد اليسوعي، هنري. الإنسان والكون والتطور بين العلم والدين. بيروت: دار المشرق، 2013.

      جوتييرث، جوستافو الدومنيكاني. لاهوت التحرير التاريخ والسياسة والخلاصي. ترجمة: جان رزق الله والأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ. القاهرة: دار الإكويني، 2016.

      الإعلان الإنجيلي العام للعناية بالخليقة إعلان ويتن: رعاية الخلق. يونيو، 2016

      https://atyourservice.arocha.org/en/whitten-declaration-on-the-care-of-creation/

      دليل الاحتفال المسكوني. بيت لنا جميعًا، تجديد بيت الله. موسم الخليقة 2021.

      دليل الاحتفال المسكوني “موسم الخليقة ” اسمع صوت الخليقة ” 2022

      https://www.mecc.org/resourcesar

      الكنيسة والبيئة – كلمة الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط 2022

      https://www.youtube.com/watch?v=X3P_zwJLXvg&t=7s

       نشيد الخلائق – القديس فرنسيس الأسيزي

      https://holy-mary.org

      https://www.islamist-movements.com/3579

       Green Patriarch Brings Environmentalism to U.S. Capital

      https://www.youtube.com/watch?v=GT3pN48GNDE

شذرات كتابية

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب: الشيخ أسامة رشدي

    • شذرة كتابية (1)

      أرباب السهام  

      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      «دَحَرْتَنِي دُحُورًا لأَسْقُطَ. أَمَّا الرَّبُّ فَعَضَدَنِي»

      (مزمور 118: 13)

      بحسب الترجمة العربية المشتركة: “دفعوني دفعًا لأسقط، لكن الرب نصرني.”

      هل خَطّطَ عدو الخير ليدفعك من الخلفِ لتسقط على وجهك؟

      هل جاءك بيأسٍ وإحباطٍ، بفكرٍ حائرٍ، وبروحِ فشلٍ؟

      هل جاءَكَ بمعاركٍ ومكايدٍ ليفُقدُكَ الإيمان والثقة؟

      هل يحاول وبكل الطرق أن يجعلك تَشُك في عدلِ وصلاح إلهك؟

      لا تضطرب، إلهٌكَ سَندُكَ، هو نُصرَتك، ومعونتكَ، هو يُمسِك بيمينك، ويقول لك «لاَ تَخَفْ لأَنِّي مَعَكَ. لاَ تَتَلَفَّتْ لأَنِّي إِلَهُكَ. قَدْ أَيَّدْتُكَ وَأَعَنْتُكَ وَعَضَدْتُكَ بِيَمِينِ بِرِّي» (إشعياء 41: 10)، وعندما تضطهُدك وترميكَ أربابَ السهامِ كيوسف (تكوين 49: 23)، ثق أنه يُشدد سواعد يديك، فتتثبت بمتانةٍ قوسك، من يديه القديرتين. اطمئن، لن يتركك تسقط، لن يتركك تفشل، لن يتركك بمفردك في المعركة، تشجع، النصرة فيه أكيدة.

       

       

       

      شذرة كتابية (2)

      مهمة سريعة

      ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      «إِلَهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ»

      (دانيال 6 :22)

      ما أصعبها أزمه في حياة دانيآل!

      فلا يمكن البراءة من الحُكم، ولا يمكن الهروب من الُجب، ولا يمكن النجاة من الأسود، ولا يمكن الخروج من الحجر، ولا يمكن فك أختام المـلك، حقًا إنها أزمه شديدة ومعقدة!

      لكن هل يستحيل على الرب شيء؟ وهل يترك الرب أتقياءه، مَنْ آمنوا به، ووضعوا ثقتهم فيه؟ كلا، لن يتركهم أبدًا! تأتي النجاة الإلهية من حيث لا نعلم، ويرسل إلهي ملاكهُ سريعًا للمهمة، ونتعجب جميعًا كيف أصعدوا دانيآل حيًا سليمًا!  لم يوجد فيه ضرر. فلا تقلق، مهما اشتدت وضاقت، ستأتي لك أوقات الفرج من وجه الرب.

       

       

       

       

       

       

      شذره كتابية (3)

       

      حراسة نارية

       ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      «وَصَلَّى أَلِيشَعُ وَقَالَ: يَا رَبُّ، افْتَحْ عَيْنَيْهِ فَيُبْصِرَ. فَفَتَحَ الرَّبُّ عَيْنَيِ الْغُلاَمِ فَأَبْصَرَ، وَإِذَا الْجَبَلُ مَمْلُوءٌ خَيْلًا وَمَرْكَبَاتِ نَارٍ حَوْلَ أَلِيشَعَ.»

      (ملوك الثاني 6: 17)

      نعم، هذه هي عينُ الإيمان المفتوحة، والتي لا يمكن أن تُخطئ أبدًا في الرؤية، فترى ما لا يُري، ترى الحماية الإلهية العجيبة وسط الأخطار، ترى أن الّذين معك أكثر من الّذين معهم (ع. 16)، ترى كيف يُحاوطك إلهك بأمانٍ ورضي وسلام في وقت خوف وقلق، ترى كيف أن الجيوش السماوية لا تتأخر لحظة عن معونتك وإنقاذك والوقوف بجانبك في الحربِ مع كل قوى الشرِ المجتمعة عليك. اطمئن، لا تشك لحظة في أمانة إلهك ومحبته، فأنت لست وحيدًا، صلي وقل له “يا إلهي الحبيب: افتح عيون إيماني فُأبصر، احفظ ثباتي فيك، أنا أعلم يا إلهي أن الحرب شديده جدًا علىّ، لكنني أثق تمامًا أن تقودني في موكب نصرتك كل حين في المسيح يسوع. آمين”.

       

       

       

       

      شذره كتابية (4)

      على حافة النهر

      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْهَا انْ تُخَبِّئَهُ بَعْدُ اخَذَتْ لَهُ سَفَطا مِنَ الْبَرْدِيِّ وَطَلَتْهُ بِالْحُمَرِ وَالزِّفْتِ وَوَضَعَتِ الْوَلَدَ فِيهِ وَوَضَعَتْهُ بَيْنَ الْحَلْفَاءِ عَلَى حَافَةِ النَّهْرِ.

      (خروج 2: 3)

      حقًا عظيم إيمان أم موسى. “بِالإِيمَانِ مُوسَى، بَعْدَمَا وُلِدَ، أَخْفَاهُ أَبَوَاهُ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ، لأَنَّهُمَا رَأَيَا الصَّبِيَّ جَمِيلًا، وَلَمْ يَخْشَيَا أَمْرَ الْمَلِكِ.” (عبرانيين 11: 23). فهي لم تستسلم للواقع الصعب، كانت لها جرأة الإيمان، لقد وضعت بذراعيها طفلها الرضيع وهي بالإيمان تثق أنه بين ذراعي إلهها، أخفته بين حلفاء النهر وهي بالإيمان تثق أنه لن يختفي من أمام عيني إلهها، وضعته وهي تتألم لأجل بكاؤه وهي بالإيمانِ تثق أن كل دمعة سيمسحها إلهها، وضعته وقد حُرم من رضاعتها، وهي بالإيمان تثق في حنان إلهها، لقد وضعت أغلى ما تملك في حياتها، وامتلكت أعظم مما تتوقع! وهذا هو الإيمان في عظمته!

      فليزد الرب إيمانك، ولتكن ثقتك في إلهك بلا حدود.

       

لاهوت جون كلفن البيئي

اسم الكاتب:القس سهيل سعود

    • مقدمة عامة

       حيث أن اللاهوت البيئي في العالم قد أضحى حركة لاهوتية عالمية واسعة بسبب أزمة التغيّر المناخي، فانه تبذل جهود لتطوير لاهوت بيئي مبني على دراسات كتابية تشدّد على جودة خليقة الله، وتدعو الانجيليين والمسيحيين والجميع إلى الاهتمام بالبيئة كوكلاء مسؤولين. في هذا السياق يبرز موقف المصلح جون كلفن المميّز نحو البيئة خليقة الله. إذا ما اطلعنا على تفسيرات كلفن لبعض المقاطع الكتابية، التي تتضمّن أصداء بيئية، وانعكاساتها على الموضوع البيئي، نرى أنه يمكن أن يكون للمصلح جون كلفن مساهمة هامة في الموضوع. يرى علماء كلفن، اننا نستطيع أن نتلمس في كتابات كلفن، لاهوت بيئي غير مكتمل، سمته التشديد على الله الحافظ والتعامل بمسؤولية مع ما تقدمه الطبيعة من جمال وخيرات.

       مع أن موضوع الحفاظ على البيئة، ليس موضوعا أساسيا في لاهوت المصلح جون كلفن، لسبب أساسي أن هذا الموضوع لم يكن مطروحا، في ساحة حركة الاصلاح الانجيلي، التي كان همها الأول اصلاح الكنيسة في عقائدها وتعاليمها وممارساتها، ولكون الحفاظ على البيئة موضوع عصري، طرح نفسه بسبب التغير المناخي الكبير الذي يحدث في الكون، الأمر الذي استدعى ويستدعي اقامة قمم دولية حول المناخ. إلَّا اننا نجد في تعاليم وكتابات كلفن، بعض الإشارات الواضحة لاهتمامه في ضرورة الحفاظ على البيئة، والتعاطي مع خليقة الله باعتدال، وليس بإسراف ومبالغة، كون أن الله أوكل الإنسان للحفاظ على الخليقة التي منحنا إياها الله لخيرنا، وعدم استغلالها بشكل نفعي يعكس جموح وطمع الإنسان.

      مكانة ودور الخليقة في علاقتها مع الإنسان

               إن الانطلاقة الصحيحة لتقييم نظرة كلفن البيئية هي، من خلال طرح سؤال: ما هي مكانة ودور الخليقة في علاقتها مع الإنسان؟ نجد في كتابات كلفن القليل من الشك، حول إذا ما كان يعتبر أن الطبيعة هي خانعة وذليلة أمام الإنسان في مكانتها أمام الله، وفي مهامها. في مقالته، “الأصول التاريخية لأزمتنا البيئية”، جادل لين وايت، “أن التقليد اليهودي-المسيحي، هو سبب أزمتنا البيئية، لاعتقاد أتباع أولئك التراثين، أن الله خطّط بأن تكون كل الخليقة من أجل فائدة الإنسان، وتحت سيادته. وأنه ليس هناك في البيئة المخلوقة، أي هدف، ما عدا خدمة أهداف الإنسان. استند لين وايت على قول سفر التكوين، “وباركهم الله (آدم وحواء)، وقال لهم: أثمروا وأكثروا وامتلأوا الأرض، وأخضعوها وتسلّطوا على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى كلّ حيوان يدبّ على الأرض. وقال الله، إني قد أعطيتكم كل بقل يبزر بزرًا على وجه كل الأرض، وكلّ شجر فيه ثمر يبزر بزرًا. لكم يكون طعامًا” (تكوين 1: 28-29).

       تؤكّد كتابات كلفن، على القيمة الداخلية للطبيعة خليقة الله. يذكر كلفن، “ان سمات الطبيعة نفسها، تظهر الغاية منها، وكيف يجب استخدامها، لنتمتع بها كما يجب”. ويضيف، “ألم يزيّن الرب الأزهار بكل ذلك الجمال، الذي يفرض نفسه بعفوية على أعيننا، والرحيق الرائع الذي يسرّ حاسة الشمّ فينا؟ هل يكون الأمر غير مسرّ لنا ان نتمتع بذلك الجمال الخلاّب، وذلك الرحيق العطر؟ ألم يميّز الله بين الألوان، ليجعل بعضها أكثر تفضيلا لنا على ألوان أخرى؟ ألم يمنح الله نوعية مميّزة للذهب والفضة والعاج والرخام، ويجعلها أكثر قيمة من معادن وأحجار أخرى؟ وبالإيجاز، ألم يعطي الله الكثير من الأشياء قيمة في ذاتها، دون أن يكون لها أي استخدام ضروري؟” يؤكّد كلفن على جودة العالم المخلوق. آمن أن الله خلق العالم، ويهتم به ويحفظه، وسيفديه يوما ما بطريقة ما. وهذا كلّه يشير إلى الجودة والقيمة الهامة لخليقة الله. لهذا يرفض كلفن الحطّ من قيمة الخليقة، لأنها انعكاس لجود الله وصلاحه. تصف نظرة كلفن هذه نظرته الكتابية للخليقة، وتزوّدنا بالأساس المتين لتبنّي نظرة ايجابية حديثة إلى الموضوع البيئي.

      كلفن: الهدف من الخليقة تمجيد الله

               نظر كلفن إلى خليقة الله على أنها نقطة الانطلاق لتمجيده. تحدث عن جمال وجلال الطبيعة. أعجب ميكيال بولمور، بتفسير كلفن للمزمور 104، قائلًا: “لقد استطاع كلفن حقًّا أن يرى دلائل عن حكمة وغنى الله في الطبيعة. انجذب كلفن ليمجّد الله على تلك السمات الخاصة. وهنا نرى القيمة التمجيدية في الخليقة”. وأضاف، “إن النظرة الاستغلالية بشكل وحشي للطبيعة، ارضاء لمصالح الإنسان، تلك النظرة التي ترى الهدف الأوحد من وجود الطبيعة مصلحة الإنسان، هي نظرة تترك مساحة قليلة لتمجيد الله في الطبيعة”. اعتقد كلفن، أن الطبيعة تطلق بشكل دائم شرارة تمجيده، من خلال التأمل بجمالها وروعتها وعظمة خالقها. أطلق على الطبيعة تسمية، المرآة التي تعكس عظمة الله.

      إن التركيز على الحفاظ على البيئة، هي اللغة الرئيسية للاهوتييّ البيئة في العصر الحديث. ينذهل القارئ بلغة كلفن المميّزة التي يصف فيها الله الحافظ. فهو يستخدم تعابير حفظ الخليقة ومسؤولية الإنسان في ذلك. اعتقد كلفن أن البشر أوكلوا على مسؤولية الحفاظ على خليقة الله. رأى كلفن في الطبيعة، عطية الله للإنسان لكي يستخدمها، في سياق الضرورات والملائمات في الحياة، لكيلا يعيش الإنسان في احتياج. ربط كلفن الوكالة الإنسانية على البيئة، بالدينونة الأخيرة، الأمر الذي يكشف ليس فقط قلب الله نحو خليقته، وانما توقّعه من أولاده اتخاذ موقف مشابه، والاّ سيكونون عرضة للتأنيب والقصاص. يمنح الله قيمة للطبيعة، ليس لأنه يحتاجها، لكن لأنها التعبير المرئي عن جلاله الخفي وعظمته. لذا فان القيمة التي يجب أن يعطيها البشر للطبيعة، يجب أن تكون أكثر من استخدامها بشكل نفعي، انها قيمة تمجيدية.

       ربط كلفن مفهوم العناية الإلهية بالخليقة، بمفهوم الله الحافظ. آمن أن عنايته الإلهية تمتدّ إلى أدق التفاصيل مهما كانت صغيرة. مثلا، يرجع كلفن إرسال الله الرياح إلى إدارة العناية الإلهية للخليقة. تظهر عناية الله بالخليقة بوضوح، في العهد الذي أقامه الله مع نوح بعد انتهاء الفيضان. قال له: “وها أنا أقيم ميثاقي معكم ومع نسلكم من بعدكم، ومع كل ذوات الأنفس الحية التي معكم: الطيور والبهائم وكل وحوش الأرض التي معكم من جميع الخارجين من الفلك، حتى كلّ حيوان الأرض” (تكوين 9: 9-10). آمن كلفن أن التوجّه الإلهي للحفاظ على الخليقة، هو في صلب قلب الله، مع أن الخليقة تأثرت في الخطية. رأى هذا التوجّه الإلهي في انتهاء الفيضان. يذكر النص الكتابي، “وانسدت ينابيع الغمر وطاقات السماء، فامتنع المطر من السماء. ورجعت المياه من الأرض رجوعًا متواليًا. وبعد مئة وخمسين يوما، نقصت المياه” (تكوين 8: 2-3). رأى كلفن أن قلب الله الحافظ تجاه الخليقة، هو صورة أيضًا عن محبة الله للإنسان. قال كلفن، “نحن نتمتّع بالسماء والهواء بشكل مشترك مع الحيوانات المفترسة، ونتنشق نفس نسمة الحياة، إلَّا أنّ الامتياز ليس مشتركًا معهم، لأن الله يوجّه كلمته إلينا لكي نختبر محبته الأبوية. اعتبر كلفن العهد النوحي، على أنه بالدرجة الأولى عهدا مع نوح وذريته، وعهدًا ثانويًّا مع الخلائق الأخرى. بالرغم من تركيز كلفن، على أولوية الإنسانية في العهد النوحي، لكنه يرى فائدة حقيقية فيه تمتد إلى خلائق الأرض. رأى كلفن أن الفوائد البيئية للعهد، لا تنحصر فقط في الإنسان والحيوانات، بل تمتد إلى كل الخليقة، إلَّا أن التركيز الأساسي على الإنسان. اعتقد أن الله في العهد النوحي، يؤكّد أن البيئة والحياة البرية، ستحفظ من أجل فائدة وخير الإنسان. ان اعتقاد كلفن، بأن العالم خلق بشكل أساسي من أجل خير الإنسان، يجعل عدم قيام الإنسان بالعمل بشكل جيد، خطية أكثر مأساوية.

      السيادة الإنسانية على الخليقة، هي سيادة مسؤولة

      إن عقيدة كلفن حول السيادة الإنسانية على الخليقة، هي سيادة مسؤولة، لا تمنح الإجازة المفتوحة لاستخدام المصادر البيئية بإسراف ومبالغة وتهوّر لسد الحاجات الإنسانية. إن رؤية كلفن للسيادة الإنسانية على الخليقة، لا تستتبع سوء استخدامها. مما ذكره في هذا السياق، قوله للفلاحين والمزارعين، “أن يحرثوا الأرض ويجعلوها أفضل مما استلموها”. مع أن كلفن استخدم لغة توحي بحرية التصرف في الطبيعة، بقوله: “على الإنسانية أن تستخدم مصادر الخليقة لسدّ ضروريات الحياة، لكن يجب علينا وضع كلام كلفن في سياقه الحقيقي، لأنه دعا إلى وضع قيود على استخدام الإنسان للأرض من أجل أهدافه الخاصة. علّق كلفن على قول سفر التثنية: “إذا حاصرت مدينة أياما كثيرة محاربا اياها لكي تأخذها، فلا تتلف شجرها بوضع فأس عليه. إنك منه تأكل فلا تقطعه، لأنه هل شجرة الحقل إنسان، حتى يذهب قدامك في الحصار؟” (تثنية 20: 19). في هذه الآية، يعطي الله تعليمات للإسرائيليين، لكيلا يدمّروا الأشجار في حربهم مع الشعوب الكنعانية. قال كلفن، “لقد وضع الله قيودا على حرية إلحاق الضرر في الأشجار وسط الحرب. كما كانت رغبة الله قوية من شعبه، أن يمتنعوا عن كل الأفعال المؤذية في أوقات السلام. وبالإيجاز، مع أن قوانين الحرب شرّعت الأبواب للسرقة ولاكتساب الغنائم، إلَّا أنّ وصية الله كانت، بأن يكونوا حذرين بالتعامل مع الاشجار قدر الامكان. قال كلفن: “الأشجار معروضة للجميع، فلا يجب شنّ الحرب عليها كما تشنّ على الرجال”. وأضاف، “يمكن قطع شجرة فاكهة، إذا ما تطلّبت الضرورة ذلك، لكن الله وضع قيودا على الاسرائيليين، حتى تحت وطأة الغضب والحقد والنسيان، لا يقومون بتدمير كل شيء”. رأى كلفن أن الحرب على كنعان لم تكن من ضمن الرفاهيات، لكن من الضرورات، لأن الله أوصى الإسرائيليين أن يطهّروا الأرض من الشرور والنجاسة، إلَّا أن كلفن رأى أنه حتى في بعض أوقات الضرورة، فقد وضع الله حدودًا على تطبيق الوصية الإلهية.

      إنكار الذات، يدعو إلى استخدام موارد الطبيعة باعتدال

       من الانعكاسات الايجابية للتعامل برفق مع الطبيعة والبيئة، دعوة كلفن الإنسان المسيحي إلى إنكار ذاته. اعتقد كلفن، ان جوهر الحياة المسيحية تترجم في تقليد المسيح، الذي أنكر نفسه وتحمّل الموت على الصليب لأجل خلاصنا. لهذا، فان أتباع المسيح مدعوون إلى إنكار ذاتهم. قال، “نحن ننكر أنفسنا لأننا ننتمي إلى الله”. كان الهدف من عقيدة كلفن حول إنكار الذات هو القداسة الشخصية، وعدم الوقوع في الخطية بسبب الإفراط والإسراف في استخدام الموارد التي وهبنا اياها الله. يرى علماء كلفن في دعوته لإنكار الذات، دعوة للتعامل مع الطبيعة ليس من باب المصلحة الذاتية، بل من باب إنكار الذات، الأمر الذي يحثّ على مصادقة الطبيعة. طبعا لم يكن في ذهن كلفن ما هو موجود اليوم في ذهن لاهوتيي البيئة اليوم في سعيهم للحفاظ على البيئة، إلَّا أن تطوير عقيدة إنكار الذات، قد تصل بنا إلى نفس نتيجة الحفاظ على البيئة.

               شدّد كلفن على الاستخدام المعتدل لموارد الطبيعة، بالرغم من فيض الله الحرّ للإنسان. علّق على قول المرنم، “وخمر تفرح قلب الإنسان لإلماع وجهه أكثر من الزيت. وخبز يسند قلب الإنسان” (مزمور 104: 15)، قائلا: “كما أن الله يزودنا بفيض من خيراته، إلَّا أنه وضع قانون الاعتدال، حتى أن كلًّا منا يضع طوعًا قيودًا لنفسه في استخدام هذا الفيض. فإن الله يرسل الحمير والعجول إلى البراري، فيقنعون أنفسهم بأكل ما يكفيهم”. وأضاف، “مع أن الله زودنا بأكثر مما نحتاج اليه، لكنه طلب منا أن نحترم قانون الاعتدال لكيلا نستغل فوائده بشكل مسرف، لأن البشر ميّالون إلى اللذة. لهذا يجب عدم فصل قانون الاعتدال، عن التمتع بفيض خيرات وبركات الله، لكيلا نسيء استخدام حريتنا بإسراف وتبذير لا حدود له”.

               مع أن دعوة كلفن للاعتدال، دافعها القداسة الشخصية، وليس الوكالة إلى البيئة لكن لهذه الدعوة انعكاسات على الموضوع البيئي. فالوكالة على خليقة الله، هي تعبير عن شكرنا لله. آمن كلفن أن الله منحنا البركات الأرضية بفضل لطفه، ولكن بشرط أن نكون وكلاء أمناء عليها، لأننا سنقدّم يوما ما حسابًا عن وكالتنا. لهذا علينا أن ندبّرها، وكأننا نسمع كلمات المسيح تطن في آذاننا: أعطِ حسابًا عن وكالتك.

      لاهوت كلفن البيئي قبل السقوط

      آمن كلفن، أن الكون هو مسرح مجد الله، وهو بانتظامه الهائل يعكس عظمة الله وحكمته وصلاحه. لهذا، يجب على البشر أن يقرّوا بعظمة الخلق، ويتأملوا في أعمال الله في الكون. رأى أن فعل الخلق، يعكس سمات الله الخالق. يوجز اللاهوتي هيرمن بافينك، جون كلفن جيدًا عندما يقول، “إن العالم الذي وضع فيه البشر، يقودهم ليس بعيدًا عن الله، ولكن إلى الله. فالعالم هو خليقة الله، ومرآة كمالاته”.

               آمن كلفن أن الخليقة تخضع لسيادة الله ورعاية إدارته المستمرة. علّق على قول المرنم، “الصانع ملائكته رياحًا، وخدامه لهيب نار” (مزمور 104: 4)، بقوله نتعلم من خلال هذه الكلمات أن الرياح لا تهبّ بالصدفة، ولا اللمع يبرق بنزوة مزاجية، لكن الله بممارسته قوة سيادته، يحكم ويتحكّم بكل التقلبات والتغيّرات التي تظهر في الجو. يرفض كلفن فكرة، أن الأشياء المخلوقة تتضمّن في داخلها قوة وراثية ضرورية تبقي وتحافظ على نفسها دون الرعاية الإلهية. فالله يهتم بكل الخليقة، ويتحكّم بمسارها بشكل مباشر وغير مباشر.

      آمن كلفن أن الهدف من الخليقة، دعم الحياة الإنسانية. ربط بوضوح بين إدارة الله للخليقة، والهدف الإلهي منها. قال، “خلق الله الخليقة من أجل الإنسان وديمومته”. رأى كلفن في ذلك، دعوة للإنسان للاعتماد الكامل على الله، وضرورة طاعته كاستجابة ايمان مناسبة.

      ناقش كلفن، كيف كانت واجبات الإنسان نحو الخليقة في مرحلة ما قبل السقوط. رأى أن الله أقام الإنسان كسيّد العالم، ومنحه السلطان لإخضاع الحيوانات، وإخضاع الأرض لنفسه، لكن يضيف كلفن، أنه يجب ألا ينظر الإنسان إلى هذا الامتياز كفرصة لاستهلاك الأرض بشكل مسرف وجامح. علّق على قول سفر التكوين، “وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها” (تكوين 2: 15) بقوله، “كان الإنسان يحرث الأرض قبل السقوط”. اعتقد كلفن أن التكليف الذي كلّف فيه الله آدم لكي يعمل في الجنة ويحفظها، يشدّد على ضرورة العمل ضمن خطة الله. أوصى بالاعتدال في استخدام موارد الأرض، قائلًا: “إن حفظ الجنة كانت المسؤولية التي أوكل بها الله آدم، ليظهر أننا نمتلك الأشياء التي سلّمها الله لنا، لكن شرط أن نكون مقتنعين باستخدام معتدل ومقتصد لمواردها”.

               أبعد كلفن نفسه بوضوح، عن الرأي الذي يربط السيادة على الأرض بالاستهلاك المتهوّر لمواردها. أنهى نقاشه عن تكوين 2: 15 بقوله: “إن الاجتهاد بالنسبة للأمور الجيدة التي منحنا اياها الله لنتمتع بها، يمكن أن يزدهر بيننا، ليعتبر كل واحد نفسه وكيلًا من الله على كلّ الأمور التي يمتلكها، لكيلا نتعامل بفساد واستهتار ونسيء استخدام الأشياء التي طلب منا الله أن نحفظها”.

      يرسم كلفن بوضوح نتائج السقوط على علاقة الإنسان مع خليقة الله. اعتقد أن لاهوت الخليقة في مرحلة ما قبل السقوط، هو لاهوت وفرة وفيض وبركات تجاه البشر، تنسجم مع صفات الله. لهذا، فإن هذا الفيض، يجب أن يثمر في البشر، استجابة استخدام عادل ومعتدل لموارد الخليقة، وليس استهلاك جشع ومتطرّف. قال كلفن، “مع أن فيض الله يؤمّن موارد لا حدود لها للإنسان، لكن يرغب الله من الإنسان، إظهار حدود وقيود في المشاركة في بركات الخليقة”. ويضيف، “لم يطلب الله من آدم أن يجلس عاطلاً عن العمل في الجنة، ويستهلك مواردها بكسل، وإنما طلب منه الوكالة الأمينة على الأرض”.

      لاهوت كلفن البيئي بعد السقوط

               آمن كلفن أن دخول الخطية إلى العالم بسقوط آدم وحواء في الخطية، أثّر بشكل دراماتيكي على الخليقة. بعد تعدّي آدم على وصية الله وسقوطه في الخطية، قال الله لآدم، “ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل منها كلّ أيام حياتك. وشوكًا وحسكًا تنبت لك وتأكل عشب الحقل” (تكوين 3: 17-18). في تعليقه على تأثير الخطية المدمّر، قال كلفن: “إن خطية آدم شوّهت كل نظام الطبيعة في السماء وعلى الأرض…مما لا شك فيه، أن الخليقة تحمل جزءًا من القصاص الذي يستحقه الإنسان بسقوطه”. قارن كلفن، بين حالة الطبيعة ما قبل السقوط وحالتها ما بعد السقوط، باستخدام تعابير مضادة. قال، “قبل السقوط كانت الخليقة عادلة ومسرّة، لكنها أصبحت ملعونة بعد السقوط”.

      اعتقد كلفن، أن كلّ ما هو خارج الانتظام ويبدو فوضويًّا إنما هو نتيجة خطية الإنسان المأساوية. وأن عدم الانتظام هذا، هو مذكّر بكم كانت نتيجة خطيتنا مدمّر للخليقة. اعتقد أن الخطية الإنسانية أتعبت الخليقة وسبّبت لها الاضطراب، لكن الخطية لم تستأصل بشكل كامل قدرة الطبيعة أن تشهد عن الله. وبالرغم من التأثير السلبي للخطية الإنسانية على الخليقة، فقد استمر كلفن في اعتبار الخليقة جيدة، كونها تستمر في كونها المرآة التي تعكس صفات وسمات الله.

      في تعليقه على قول الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية، “إذ معرفة الله ظاهرة فيهم، لأن الله أظهرها لهم” (رومية 1: 19)، قال كلفن: “خلق الله الإنسان ليكون مشاهدًا لهذا العالم. أعطيت له العيون، حتى بمشاهدته لتلك المناظر الجميلة، يمكن أن يقاد إلى مؤلّف الكون وصانعه نفسه”. آمن كلفن، أن الطبيعة حتى في مرحلة ما بعد السقوط، لا تجبر فقط البشر على التأمل بعظمة الله، لكنها بحد ذاتها مصدر معرفة غير مخبّأة ولا مظلمة عن الله.

       آمن كلفن أن سيادة وتحكّم الإنسان في الخليقة والحيوانات قد ضعف بسبب خطية الإنسان، عما كان عليه قبلًا في مرحلة ما بعد السقوط، إلَّا أنه لم يزال بشكل كامل. رأى أن تجميع نوح للحيوانات في الفلك قبل الفيضان، كان أمرًا خارقًا للعادة، لأن آدم كان ينقصه هذا النوع من التحكّم عليهم. في تفسيره لقول سفر التكوين، “ولتكن خشيتكم ورهبتكم على كل حيوانات الأرض” (تكوين 9: 2)، ربط كلفن بين الطبيعة ورعاية الله ومسؤولية الإنسان. رأى كلفن أن بعض السيادة الإنسانية على الخليقة استمرت بعد السقوط من أجل استخدام الإنسان. وهذا يشمل تناول الإنسان للحوم الحيوانات من أجل الغذاء الجسدي. كما آمن أن الله لا يزال يهتم بخليقته، بالرغم من الخراب والتلف الذي أصاب الطبيعة والنظام الطبيعي، بسبب خطية سقوط الإنسان. اعتقد كلفن أنه بعد السقوط، فقد دخلت بعض الحيوانات وحشية جديدة، لكن يبقى هناك بعض السيادة للإنسان عليها والتي منحه لها في بدء الخليقة. قال كلفن، “لو لم يقيّد الله بشكل رائع وحشية تلك الوحوش، لكان قد فني الجنس البشري بشكل كلي، فرعاية الله هي لجام خفي ليقيّد وحشيتهم”.

      لاهوت فداء الخليقة

      آمن كلفن أن الخليقة التي وقعت تحت تأثير خطيئة السقوط الإنسانية، سوف تستعاد أو تسترجع بطريقة ما في نهاية التاريخ. توقف عند بعض النبوءات في العهد القديم التي تتحدث عن استعادة الخليقة أو تجدّدها، مثل: نبوءة إشعياء، “لأني هأنذا خالق سماوات جديدة وأرضا جديدة، فلا تذكر الأولى ولا تخطر على بال” (إشعياء 65: 17). ونبوءة يوئيل، “ويكون في ذلك اليوم، أن الجبال تقطر عصيرًا، والتلال تفيض لبنًا، وجميع ينابيع يهوذا، تفيض ماء. ومن بيت الرب يخرج ينبوع ويسقي وادي السنط” (يوئيل 3: 18). اعتقد كلفن أن العديد مثل هذه النبوءات هي صور وتعابير مجازية عن حقائق أخرى. أو أنها أسلوب تعبير مبالغ فيه. قال كلفن، “إذا ما كانت السماء وطننا، فما هي الأرض سوى مكان غربتنا؟ إذا ما كان الانطلاق إلى السماء هو الدخول في الحياة، ما هو العالم إلَّا مدينة. وما هو السكن فيه، إلَّا الانغماس في الموت؟”.

               إلَّا أن هذا لا يعني، أن كلفن لم يؤمن بحدوث نوع من إعادة الخلق الكوني في الاسكتولوجيا. وهذا ما نراه بوضوح في تفسيره للأصحاح الثامن من رسالة الرسول بولس إلى أهل رومية. قال بولس، “فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر، لا يقارن بالمجد العتيد أن يستعلن، لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله، اذ أخضعت الخليقة للبطل ليس طوعًا بل من أجل الذي أخضعها على الرجاء، لأن الخليقة نفسها ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله. فإننا نعلم أن كلّ الخليقة تئنّ وتتمخّض معا إلى الآن، وليس هكذا فقط، بل نحن الذين لنا باكورة الروح، نحن أنفسنا نئنّ في أنفسنا، متوقّعين التبني فداء أجسادنا” (رومية 8: 18-23). يحاول كلفن من خلال هذه الأعداد الإجابة على سؤال الفداء الاسكتولوجي للخليقة. سأل، “لأي هدف سيصلح العالم؟”. وأجاب، بتصورّه لعالم، يتجاوز بأشواط في الفرح والمسرة، حالة العالم الحاضرة. آمن كلفن، أن الله أودع في الخليقة رجاء لفداء لمجد جوهري الأمر الذي يبقيها ويسمح باستمرارها في فترة الفساد هذه. قال، “إن الخلائق هي اليوم خاضعة للفساد والبطل، ولا يمكن أن تستعاد إلَّا بعد أن يستعاد أبناء الله (استعلان أبناء الله) بشكل كامل. وبالتالي فإن الخليقة تتوق لتجديدها وتنتظر ذلك اليوم الذي يستعلن فيه الملكوت السماوي. إلَّا أن كلفن غامض، حول طبيعة الحالة الأفضل التي تنتظر الخليقة، لكنه يؤكّد أنها ستكون في حالة أفضل. قال، “لن تكون الخلائق مشاركة في نفس المجد مع أبناء الله، لكن ستشارك بناء لطبيعتها، لأن الله سوف يعيد العالم وهي والبشر إلى حالة كاملة”. أضاف كلفن، “إن السؤال حول حالة الكمال بالنسبة للوحوش والنبات والمعادن، فانه ليس من الصواب لنا أن نسأله هذه الأسئلة، ونحقّق بفضولية أكثر من ذلك. جادل هينريخ كونيستروب قائلًا، “بالنسبة لكلفن، فإن مجد الخليقة المستقبلي، يتكوّن بشكل أساسي من استعادتها إلى حالتها الأصلية من البراءة والخلود. وبالتالي، سوف تتمتّع الطبيعة باستعادة مميّزة من نوع ما في الفداء النهائي، لكن تفاصيل هذه الاستعادة، غير معروفة”.

       وبالختام، يرى علماء كلفن أنه يمكن الاستناد إلى نظرة كلفن الايجابية في التعامل مع خليقة الله، لترويج نظرية الاهتمام بالخليقة في الأوساط الانجيلية، وهي تتناغم مع دعوة اللاهوتي الإنجيلي المشيخي فرنسيس شايفر، “حركة العناية بالخليقة”، كردّ على نظرية لين وايت.

      معرّبة بتصرف عن مقالة:

      John Foster. The Ecology of John Calvin. Reformed Perspectives Magazine, Volume 7, Number 51, December 18 to December 24, 2005.Cited in: https://thirdmill.org/magazine/article

ليتورجية عبادة في مُناسبتيّ يوم البيئة العالمي، والمؤتمر الدّولي للمناخ

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب : القس أمير إسحق

    • مُنذ العام 1972 حدَّدت الأمم المُتَّحدة يومًا يحتفل فيه العالم بيوم البيئة العالمي في 5 يونية/حزيران من كلِّ عام. أمَّا الاحتفال في هذا العام 2022 فكان تحت شعار “لا نملك سوى أرضًا واحدة” بهدف تمكين البشر من العيش في وئام مع الطَّبيعة، بصورة أكثر نظافة وأكثر مُراعاة للبيئة. وقد تزامن ذلك، في العام نفسه، مع مؤتمر الأمم المتَّحدة للتغيُّر المناخي، الذي تشرَّفت مصر باستضافته في شرم الشيخ. حيث إن هناك اتِّفاقيَّة دوليَّة منذ عام 1995 لمناقشة التَّغيُّر المناخي، ومواجهة المشكلات المناخيَّة والعمل على حلِّها. وهي معاهدة دوليَّة وقَّعت عليها معظم دول العالم، للحدِّ من النَّشاط البشري على المناخ. بتقييم مدى التَّقدُّم في التَّعامُل مع التَّغيُّرات المناخيَّة، ومنع التَّدخُّل الخطير للأنشطة البشريَّة على نظام المناخ.

      أمَّا دور الكنيسة فيجب أن لا يتوقَّف عند مُجرَّد الصَّلاة لكي يحفظ الله البيئة والمناخ، ويرشد الدُّول والشُّعوب التي تعمل ضدَّ الطَّبيعة، إنْ بقصد أو جهل، بل يجب أن تعمل شيئًا مُرافقًا لصلواتها تلك. مِن جانبٍ، أقدِّم في هذا المقال نموذجًا ليتورجيًّا لتنظيم عبادة يشترك فيها شعب الرَّبِّ للتَّذكير بدور الإنسان في تعمير الأرض والحفاظ عليها، واحترام قوانين الطَّبيعة، فيُصلي شاكرًا صانع الخليقة وحافظها، ويتعهَّد بتأدية دوره الفاعل في العيش بحسب مقاصد الخالق. ومِن جانبٍ آخَر، أدعو أن تقوم الكنيسة بعمل واقعي يُترجِم صلاتها تلك، بزرع أشجار جديدة، أو تنظيف شوارع أو أحياء من المُخلَّفات، أو بنشر وسائل تعليمية للحفاظ على البيئة… إلخ، بما يناسِب الحاجة. ذلك من خلال مجموعات شبابيَّة أو نسائيَّة مُتعاونة، للَفت انتباه المجتمع للتَّمثُّل بما تقوم به الكنيسة من دورٍ توعويّ.

      أمَّا شعار ذلك اليوم، فيمكن أن يأتي بناءً على قوله: “أكل الجميع وشبعوا. ثمَّ رفعوا ما فَضَل من الكِسَر” (متى 18: 15-21). ليس من زاوية انبهار الجموع بتلك المُعجزة التي أجراها يسوع للدَّلالة على ألوهيَّته، بل مِن زاوية حِرصه على إشباع الجموع، وحِرصه أيضًا على الحفاظ على نظافة المكان الذي أكلوا فيه بين أحضان الطَّبيعة، بجمع الكسر بعد استخدام المكان كغرفة سُفرة متَّسعة للآلاف.

      فالأرض هي بيتنا المُشترَك، وكلُّنا معنيُّون بها وبمصيرها، ألَّا تُصبح مكانًا للقِمامة غير قادرة للحياة. هذه أجمل هدية مِن الله للبشر، ويجب أن نُحافظ عليها ونتعاون في ذلك، أغنياء وفقراء، كبارًا وصغارًا، في الشَّرق والغرب، لنحفظ هذه الأرض فتحفَظنا، ونُدرك التَّناغم الكبير بين البيئة الإنسانيَّة والبيئة الرُّوحيَّة.

      ليتورجية من أجل البيئة والمناخ

      موسيقى هادئة

      الدَّعوة للعبادة

      الرَّاعي: المجدُ للآب والابن والرُّوح القدُس الإله الواحد.

      الشَّعب: كما كان في البدءِ، وهو الآن، وسيكونُ إلى دهر الدُّهور، آمين.

      الرَّاعي: للرَّبِّ الأرضُ وملؤها، المسكونةُ وكلُّ السَّاكنين فيها.

      الشَّعب: نعيش في الأرض التي خلقها الله، لسْنا وحدَنا. نتشاركُ بها مع السَّماوات والأرض، مع المياهِ والتُّرابِ، مع الأشجارِ والأعشابِ، مع الأسماكِ والطُّيورِ والحيوانات، ومع الخليقةِ بكافَّة أشكالها، ومع كلِّ إخوانِنا وأخواتنا من البشر.

       

      الرَّاعي: معًا نُشكِّل خيوطَ هذه الخليقةِ الجميلةِ، التي نَسَجَها وحفِظَها الله خالِقُها.

      الشَّعب: معًا، مع كلِّ الخليقةِ نُسبِّحُ الله. آمين.

       

      قائد 1: قراءة مزمور 19: 1-6

      ترنيمة 1

      مُقترح: “يا سيِّدي لما أرى نجومك”

      صلاة تمجيد

      قائد 2: بِكُلِّ مَنْ دُعِيَ بِٱسْمِي وَلِمَجْدِي خَلَقْتُهُ وَجَبَلْتُهُ وَصَنَعْتُهُ.

      الشَّعب: أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ أَيُّهَا ٱلرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ ٱلْمَجْدَ وَٱلْكَرَامَةَ وَٱلْقُدْرَةَ، لِأَنَّكَ أَنْتَ  خَلَقْتَ كُلَّ ٱلْأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ».

      قائد 2: «أَنَا ٱلرَّبُّ هَذَا ٱسْمِي، وَمَجْدِي لَا أُعْطِيهِ لِآخَرَ، وَلَا تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ.

      الشَّعب: حَسَنٌ هُوَ ٱلْحَمْدُ لِلرَّبِّ وَٱلتَّرَنُّمُ لِٱسْمِكَ أَيُّهَا ٱلْعَلِيُّ. أَنْ يُخْبَرَ بِرَحْمَتِكَ فِي ٱلْغَدَاةِ، وَأَمَانَتِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ. أَنْتَ هُوَ ٱلرَّبُّ وَحْدَكَ. أَنْتَ صَنَعْتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَسَمَاءَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَكُلَّ جُنْدِهَا، وَٱلْأَرْضَ وَكُلَّ مَا عَلَيْهَا، وَٱلْبِحَارَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَأَنْتَ تُحْيِيهَا كُلَّهَا. وَجُنْدُ ٱلسَّمَاءِ لَكَ يَسْجُدُ.

      قائد 2: نقدِّم الشُّكرَ لله والتَّمجيد لاسمه، لأجلِ جميعِ عطاياه التي وهَبَنا إيَّاها على مرِّ السِّنين، على جمال الخليقة وسِعَتِها، على الفصول السَّنويَّة وأمجادِها، على الحصادِ وذخائرِهِ الوافِرَةِ.

      الشَّعب: نشكرُكَ لأجل جميعِ بركاتِكَ في الخليقة، على جمالِ الأرضِ وقُبَّةِ السَّماء، على حكمتك التي أبدَعَت زهورَ الأرضِ ونجومَ السَّماء، وأوجَدَتِ الجبالَ والسُّهولَ والأوديَة، وفَجَّرَت المياهَ من الصُّخورِ لتملأ الأنهارَ.

      قائد 2: نشكرُك يا إلهَنا على رَوعةِ الشُّروقِ والغروبِ، وكلِّ ما يُمتِّعُ أنظارَنا ويمنَحُنا سلامَ النَّفسِ المُتأمِّلة في عظيم خليقتك.

      الشَّعب: كلَّها بحِكمةٍ صنَعْتَ، ملآنةٌ الأرضُ من غناك. دعوتَها من العَدمِ فأوجَدتَها، تفتحُ يدَكَ فتُشبعُها من غِناك. فالمجد لك أيُّها الآبُ والابنُ والروحُ القدس، خالقُنا ومُخلِّصنا ومُرشِدنا. آمين

      ترنيمة 2

      مُقترح: “هو الإلهُ ربُّ الخليقةِ”

      دعوة للاعتراف

      قائد 3: أمَّا الأزمَة الأركيولوجيَّة/البيئيَّة فإنَّها تدعونا إلى توبةٍ روحيَّةٍ عميقةٍ عن تصرُّفاتِنا الخاطئةِ ضدَّ الخليقةِ، كأفرادٍ وجماعاتٍ ودولٍ، ويتوبُّ كلُّ واحدٍ منَّا عن طريقته الخاصَّة في الإساءة إلى الكوكب الذي نعيش عليه. نحن مدعوُّون للاعتراف بإسْهامِنا، الصَّغير والكبير، في تشويه البيئة وتدميرها. مع الإدراك التَّام بأنَّ أيَّةَ جريمةٍ ضدَّ الطَّبيعةِ، هي ضدَّ أنفُسِنا، وضِدَّ اللهِ الخالقِ المُعتني، بنا وبكلِّ خليقته ومخلوقاته.

      الشَّعب: أختَنا وأمَّنا الأرضُ تَحْتَجُّ على الأذى الذي نَلحَقَهُ بها، بسبب سوءِ الاستعمالِ غير المسؤولِ، وانتهاكِ الخيرات التي وضعها الله فيها. نعترفُ أنَّنا نَشَأنا ونحنُ نعتقدُ أنَّها ملكِيَّةٌ خاصَّةٌ بنا، وأنَّنا المُسيطرون عليها، ومُباحٌ لنا أن نَنْهَبَها. إنَّها مأساةٌ كبيرةٌ. فاجعلنا يا ربُّ أن نتطلَّعَ للخليقة بنظرة المسيح، في الطَّبيعة والمخلوقات كافَّة.

      قائد 3: وأعطِنا يا ربُّ أن نَصلَ إلى فهمٍ صحيح لما يُعلِّمه الكتاب المقدَّس. فالأرض كانَت قَبْلَنا وأُعْطِيَت لنا، لقد أعطيتَنا يا ربُّ تفويضًا لإخضاعِها، وليس للهَيمَنَةِ المُطلَقَة على سائر المَخلوقات، بل لنَحرُثَها ونَحرُسَها.

      الشَّعب: نحن نحتاج يا ربُّ إلى توبة إيكلوجيَّة فرديَّة وجماعيَّة، فساعِدنا لتكون توبَتنا صادِقةً خالِصةً.

      قائد 3: هذه مُناسبة ثمينةٌ لتجديد التزامِنا بحراسَةِ الخليقةِ، وتقديم الشُّكر لله، وطلبِ معونَتِهِ من أجل حماية خليقته العظيمة.

      الشَّعب: أبانا السَّماوي نأتي إليك في هذا اليوم المُبارَك، مُقدِّمين لكَ الشُّكرَ والتَّسبيحَ على كلِّ النِّعمِ والعطايا والخيراتِ التي تُعطينا إيَّاها مع كلِّ صباحٍ جديد. نشكُرُك لأجلِ عظمَة خليقَتِكَ، ولأجلِ هذه الأرض التي جعَلتَها مَسْكنًا للإنسان والحيوان، مُنبِتًا للنَّباتات، وقد طوَّرتَها في أبهَى صورة.

      قائد 3: السَّماواتُ تُحدِّثُ بمجدِ اللهِ، والفَلَكُ يُخبِرُ بعمَلِ يدَيْهِ.

      الشَّعب: نحمدُك من أجل الجبال والسُّهول، ومن أجل الأشجار والحقول، ومن أجل المحاصيل الزِّراعيَّة والمُنتجات الصناعيَّة. ليتك تبارك المحاصيل في أوقاتها، وتُبارك الأرض لتُعطي غِلالاً ودًسًمًا، قوتًا للإنسان وطعامًا للحيوان. في اسم ربِّنا ومخلِّصنا يسوع المسيح، آمين.

       

      قائد 4: قراءة الرسالة (1تيموثاوس 2: 1-4)

      صلوات طلبات

      قائد 5: باركي يا نفسي الرَّبَّ، وكلُّ ما في باطني ليُبارِك اسمَهُ القدُّوس.

      الشَّعب: نُصلي يا ربُّ من أجلِ جميعِ أصحابِ الحِرَف والمِهَن والصِّناعات، وكلُّ ما يعملون من أجل بناء الأرض ورعايتها واستثمار خيراتِها بحكمةٍ ووعي ومحبَّة.

      قائد 5: بارك يا ربُّ الأيدي التي تعمل في سبيل الخيرِ العام.

      الشَّعب: نشكُرُك يا إلهَنا الصَّالح من أجل حمايتِكَ لبيوتنا وعائلاتنا وأصدقائنا وجيرانِنا. نطلُبُ إليكَ أن ترعاهُم بعنايتك الأبويَّة، وتُعطيَهُم في هذه الظُّروف المَعيشيَّة الصَّعبة نِعمةً وبركةً من لدُنْكَ.

      قائد 5: كما نُصلي من أجل الحُكَّام والقادة مِن أصحاب القرار في هذا العالم، حتى تُباركهم بالنَّزاهة والحِكمة، ليعملوا ما هو لخير البشريَّة والأرض التي نعيش عليها.

      الشَّعب: أعطهم يا ربُّ الحكمة ليقِفوا إلى جانب المُتضرِّرين من جرَّاء  الكوارث الطَّبيعيَّة والبيئيَّة، ويعملوا على وقفِ الحروبِ والقِتال بين الناس في جميع البلاد المُضطرِبَة، وأنْ يَسْعَوْا لاكتشافِ عدلِكَ ومحبَّتك، ويكونوا أدوات سلامٍ في العالَم.

      ترنيمة 3

      مُقترح: “باركي يا نفسي الرَّبَّ ولا تنسي كلَّ حسناته”

      قراءة الإنجيل: قراءة الإنجيل (متَّى 14: 15-21)

      خدمة الكلمة

      مُقترح: إلقاء الضُّوء، في مُعجزة إشباع الآلاف، على ما طلبه المسيح مِن تلاميذه بتنظيف المكان الذي أكلوا فيه بجَمع الكِسَر (مرفق تأمُّل في آخر المقال).

       

      قائد 6: الأرض هي بيتُنا المُشترَك، وكلُّنا مَعنيُّون بها وبمصيرها، ألاَّ تُصبح مكانًا للقِمامة غير قادرة للحياة. هذه أجمل هديَّة من الله للبشر، ويجب أن نحافظ عليها ونتعاون في ذلك، أغنياء وفقراء، كبارًا وصغارًا، في الشَّرق والغرب، لنحفظ هذه الأرض فتحفظنا، ونُدرك التَّناغم الكبير بين البيئة الإنسانيَّة والبيئة الروحيَّة.

      صلاة من أجل كلمة الوعظ.

      + خدمة العطاء مع موسيقى هادئة

      + صلاة شُكر من أجل العطاء

      + إعلانات/تنبيهات

      ترنيمة 4

      مُقترح: “كلُّ معشَر الشُّعوب للمسيح يسجدون”

      الجميع معًا

      لنذهبْ إلى العالم بسلامٍ، ونكنْ أقوياءَ في الروح، لنستطيع أن نتحمَّل مسؤوليَّتَنا تُجاه الأرض التي صوَّرها الله وصنعها مًسكنًا للإنسان وبيتًا للخليقةِ كلِّها. ولنَصنَعْ حقًّا ونُظهِرُ رحمةً تُجاه هذه الخليقة، فنُحِبَّ من كلِّ قلوبنا، ونستخدم موارِدِها لخير كلِّ مَن يعيش عليها. وإلهُنا القدير يمنحُنا نعمةً وقوَّةً لنُحبَّ ونرعى الخليقةَ التي أحبَّها ويرعاها، ونعيش في تناغُمٍ وانسجامٍ. ونعمة ربِّنا يسوع المسيح، ومحبَّةُ الله الآب، وشركة الرُّوحِ القدس، تكون معنا، وتدوم فينا، الآن وكلَّ أوانٍ وإلى أبدِ الآبدين، آمين.

      الصلاة النموذجيَّة

      صلاة البركة الختاميَّة

      تأمُّل

      “أكلَ الجميع وشَبِعوا. ثمَّ رفعوا ما فَضَلَ من الكِسَر” (مت 14: 20)

      في اليوم العالمي للبيئة، يأتي شعار هذا العام “لا نملك سوى أرضًا واحدة”، فالأرض لنا كلّنا. لكن إلى أيّ مدى تتناول الكنيسة مثل تلك الأمور بجدِيَّة، وتُشارك العالم همومه واهتماماته؟ هذا الموضوع يشغل العالم كلَّه اليوم، فهل يشغل الكنيسة أيضًا؟

      ‏نرى أساسًا كتابيًّا للتَّعليم عن الحفاظ على البيئة في (متى 14: 15-21). اعتدنا أن ننظُر إليه كمُعجزة مُبهرة أجراها المسيح، وكثيرًا ما نتناول الحدث من هذه الزاوية فقط. لكن هناك نقطة مُضيئة في هذه المُعجزة، وهي أنَّهم بعدما أكلوا في ذلك الموضِع، وهم في أحضان الطَّبيعة، ‏”رفعوا الكِسَر” أي ما فَضل منهم! هذه عبارة مهمَّة، ليست فقط لإثبات صحَّة المُعجزة وقوَّتها، بل لبيان أنَّ المسيح اهتمَّ بنظافة المكان بعد استخدامه، لأنَّه جُزء مِن الطَّبيعة. فبعد أن أجلسهم بطريقة منظَّمة على العُشب وأكلوا، قاموا بتنظيف المكان.

      ‏ماذا نفعل نحن في مثل ذلك الموقف؟ أنَّنا نأكل في حديقة، ونستمتع بالطَّبيعة، ثمَّ نترك الأكياس الفارغة وبقايا الطَّعام وبقايا الأدوات التي استخدمناها، من دون أيِّ اهتمام بالمكان وبالحفاظ عليه نظيفًا وجميلًا. هل قام التلاميذ بتلك المهمَّة بناءً على توجيه من المسيح؟ أمْ مِن تلقاء أنفسهم؟ الأمر في كلِّ الحالات ليُعلِّمنا نحن. فلو أنَّهم هم الذين قاموا بذلك الأمر، فمِن المُستبعَد أنَّهم كانوا يفكِّرون في إثبات حقيقة المُعجزة، بل للحفاظ على نظافة المكان والحفاظ على البيئة والطَّبيعة.

      ‏ما الذي نُقدِّمه من خدمات منبريَّة في هذا الشَّأن؟ نحن نعظ ونعلِّم دائمًا عن جمال الطَّبيعة وأنَّ الله هو الخالق المُعتني بها، وأنَّه هو الذي يحفظ ويحافظ على هذا الكون في قوَّته ونظامه. هذا ما نُشدِّد عليه كثيرًا، لكن الجانب الآخر هو أنَّني مسؤول أيضًا عن الطَّبيعة، هذا ما لا تنشغِل به منابرنا بالقَدر الكافي، ليس فقط من حيث التَّعليم، بل أيضًا من حيث القيام بعمل منظور يُترجم ذلك التَّعليم.

      نحن مسؤولون أنْ نحافظ على البيئة، وقد سبقنا العالم في ذلك. هل هناك في روزنامة كنيسيَّة سنويَّة تعطي فرصة للتَّعليم عن الحفاظ على البيئة؟ يمكن أن نُحدِّد يومًا سنويًّا نُسمِّيه “يوم الصَّلاة من أجل الطَّبيعة” ندعو فيه شعب الرَّبّ أن يتحمَّل مسؤوليَّاته ‏في الوعي بدوره في الحفاظ على البيئة، وتوعية الآخرين بتلك المسؤوليَّة نفسها. لا يكون يومًا للوعظ والصَّلاة والتَّعليم فقط، بل يومًا تقوم فيه الكنيسة المحليَّة بعمل منظور، بنظافة مكان أو زراعة أشجار أو نشر وعي للعامَّة ‏في القرية أو الحيّ أو المدينة، أو أيَّة أدوارٌ لها علاقة بالبيئة، تُترجم عقيدتها أنَّ الله لم يُخلِّصنا فقط لنفرح به، بل أيضًا لنُحافظ على خليقته ونفرح ونتمتَّع بها. بذلك تحمل الكنيسة رسالة روحيَّة ورسالة بيئيَّة أيضًا.

      ‏إنَّ أصل كلمة بيئة “بيت”، فالأرض بيتُنا جميعًا، ويجب أن نحافظ عليها. لكنَّنا مع الأسف، نشأنا في ثقافة تعلِّمنا أن لا نهتمّ بما خارج بيوتنا، فليس من مسؤوليَّاتنا أن نحافظ عليه أو على نظافته، لأنَّه ليس من أملاكنا، وهكذا نشأنا بذلك الفِكر السَّلبي. فعندما أقود السَّيارة، ماذا أفعل ببقايا الطَّعام أو الشَّراب أو أيَّة أدوات استخدمتُها، ‏هل ألقيها من النَّافذة، أمْ أحفظها في كيس داخل السَّيارة ثمَّ أضعها في سلَّة مُهملات خارج السَّيارة وليس في الشَّارع؟ إنَّ نظافة الشَّارع من مسؤوليَّاتنا، ويجب أن نحافظ عليه وعلى نظافته، لأنَّه جُزء من بيتنا كلِّنا.

      ‏نحن مسؤولون، والكنيسة مسؤولة أن تعلِّم ذلك لأبنائها، وتعلِّمه أيضًا للمُجتمع، كيف نحافظ على الملكيَّة العامَّة وكأنَّها ملكيَّة خاصَّة. وكما ‏نقوم بتوصيل الرِّسالة الروحيَّة واضِحة للنَّاس، يجب أن نوصِّل رسالة بيئيَّة أيضًا. ويوم البيئة العالمي مُناسَبة مناسِبة لتعميق تلك الرِّسالة وذلك الدَّور. هذا هو البيت الذي يجمعنا كلّنا، حتَّى لو كنَّا مختلفين عن بعضنا بعضًا. هذه هي البيئة التي أوجدنا الله فيها، حتى نحرثها (بالثاء) ونحرسها (بالسِّين). أيْ نزرعها ونتمتَّع بإنتاجها، ونكون حرَّاسًا عليها، وليس بإلقاء المسؤوليَّة كاملةً على الله، بأنَّه هو الذي ينمِّي الزَّرع ويحافظ عليه، ونحن لا شأن لنا بذلك.

      ‏نشأت المسيحيَّة بين ثقافتَيْن مُختلفتَيْن. الأولى، الثَّقافة اليهوديَّة، التي شدَّدت على التَّاريخ ورؤية الله من خلال التَّاريخ، وأنَّ البيئة والعالم والأرض هديَّة عظيمة جدًّا من الله، نُسبِّحه من أجلها. ‏فهو الذي خلقها وهو الذي يحفظها ويحافظ عليها. لا يوجد هنا تعليم واضح عن الحفاظ على البيئة ومسؤوليَّة الإنسان. بذلك، ابتعدوا عن كلِّ ما له علاقة بالطَّبيعة، إذْ كانوا يخافون من تسلُّل الفِكر الوثنيَّ، ويتحوَّل الإعجاب بالجِبال أو الأشجار أو بعض الحيوانات إلى عبادتها. وهكذا ركَّزوا على التَّاريخ، ومعرفة الله من خلال التَّاريخ.

      أمَّا الثَّقافة اليونانيَّة فقد شدَّدت على الطَّبيعة أكثر من التَّاريخ، على جمال الطَّبيعة وجمال المخلوقات وجمال الإنسان وجسده، ‏وكلّ ما رأوا أنَّه مُبهِر تحوَّل عندهم إلى إله، واعتقدوا أنَّ الكون هو الإله، وأنَّه أزلي أبدي. ورأوا في قوى الطَّبيعة وانتظام الفصول وحركات النُّجوم قوًى خفيَّة خارقة، ‏فتركوا التَّاريخ وركَّزوا على تلك الأمور المُبهرة.

      ولمَّا جاءت المسيحيَّة أجرَت تزاوجًا بين هاتَيْن الثقافتَيْن، بين التَّاريخ والطَّبيعة، الأمر الذي بدا واضحًا بصورة أكبر في عصر الإصلاح. ‏ومن يعود إلى ليتورجيَّات العصور المسيحيَّة الأولى يجد كثير منها عن الطَّبيعة وجمالها، وشُكرٌ لله من أجل المحصول والأمطار والأشجار والأزهار. ومع الوقت، خاصَّة في عصر الإصلاح، بدأ التَّعليم بأنَّ الإنسان مسؤول عن الطَّبيعة والخليقة.

      والمسيح في تعليمه كان يستخدم عناصر كثيرة جدًّا من الطَّبيعة لشرح أسرار ملكوت السَّماوات والمفاهيم الروحيَّة. ويقول بولس عنه: “الكلُّ به وله قد خُلِقَ” (كولوسي 1: 16). فآدم الأول، الذي خُلِقَت الخليقة الأولى لأجله، أخطأ وكسر وصيَّة الله. وأمَّا آدم الثاني فالكلُّ بِه (بواسطته) قد خُلِقَ، والكلُّ خُلِقَ له (لأجله). عندما نفهم هذه الحقيقة المكوَّنة من حرفَيْن صغيرَيْن “له، به”، سوف نشعر بقداسة الطَّبيعة لأنَّها خليقة الله القدوس، التي خُلِقت بالمسيح ولأجله. وبالتَّالي، يكون التَّعامل معها على مستوى الشَّيء المقدَّس الذي خلقه الله. عندما نفهم هذه الحقيقة سوف يتغيَّر سلوكنا مع الطَّبيعة، فنفهم ونعلِّم وننشُر، من أجل البيئة.

      ‏لقد أسَّس المسيح لعلاقة جديدة بين الإنسان والله، بين الأرض والسَّماء، لأنَّ هناك قيمتان مهمَّتان في هذا الكون: الإنسان الذي خلقَه على صورته، والطَّبيعة التي خلقها لأجله وكلَّفه أن يحرُثها ويحرُسها ويرعاها ويتمتَّع بها ويمجِّد الله.

      ‏فهل نستطيع أن ننقِل تلك الصُّورة وذلك التَّعليم لشعوب كنائسنا؟ إنَّ أكثر المشاكل البيئيَّة سببها الأساس هو الثَّقافة. نحن لم نتعلَّم كيف نحافظ على البيئة، ونرتكب كثيرًا من الأخطاء في حقِّها. وبذلك نكون في حاجة إلى ثلاثة أمور تفكِّر فيها الكنيسة:

      1. التَّوبة

      يجب أن نعترف أنَّنا أخطأنا في حقِّ الطَّبيعة والخليقة والمخلوقات. هذه هي الخطوة الأولى، أن نعترف بتلك الخطايا بصِدق وإخلاص، تلك التي هي ضدّ نفسي، وضدّ إنسانيَّتنا، وضدّ الخليقة، وضدّ الخالق.

      1. الرُّؤية

      قال إشعياء النَّبيّ إنّ÷ في عصر المسيَّا “يسكُن الذِّئب مع الخروف”. لم يكن يتكلَّم عن حيوانات تتآلف معًا، بل عن التَّناغم بين ما هو مُتعارض ومُتضارب ومُتصارع في الطَّبيعة.

      1. الثَّقافة

      أن نتبنَّى أخلاقيَّات جديدة، نقوم بنشرها وتأكيدها، ليس لشعب الكنيسة فقط بل للمُجتمع أيضًا. هذا دورنا، وهذه الأرض لنا جميعًا، وهي ليست ملكنا، بل نحن وكلاء عليها، ولا بدَّ أن نكون وكلاء أمناء، نقوم بواجبنا الأخلاقيّ والإنسانيّ، المؤسَّس على قيمٍ روحيَّة وكتابيَّة.

تغيرات مناخية عنيفة... مبادرات مصرية إنسانية

اسم الكاتب:هاني لبيب

    • استضافت مصر خلال الفترة من 6 إلى 18 نوفمبر 2022 الدورة السابعة والعشرين من مؤتمر اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ COP 27، والتي عقدت بمدينة شرم الشيخ. وشهد المؤتمر تمثيل رفيع المستوى من رؤساء وقادة الدول والحكومات.

      يذكر أن “اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي”، هي معاهدة دولية للحد من تأثير النشاط البشري على المناخ. وقد بدأت في حيز التنفيذ سنة 1994 حيث وقعت عليها 197 دولة، ويعد مؤتمر المناخ جزءًا من تنفيذ هذه الاتفاقية.

      “مؤتمر المناخ” هو قمة سنوية تحضرها الدول الموقعة على الاتفاقية لمناقشة التغيرات المناخية لاستعراض ما تفعله هذه البلدان لمواجهة هذه المشكلة، ويشارك بالحضور المسئولون مع المهتمون بقضايا المناخ والباحثون عن مقترحات حلول هذه المشكلة من كل دول العالم.

      عقد أول مؤتمر سنة 1995 حينما أعلنت الأمم المتحدة عن معاهدة مكافحة التدخل البشري الخطير في النظام المناخي. واستمرت المفاوضات حتى تم الاتفاق على تثبيت تركيز الغازات في الغلاف الجوي في مؤتمر “قمة الأرض” بمدينة ريو دي جانيرو سنة 1993. وتوالت مؤتمرات المناخ حتى وصلنا للدورة 27 التي انعقدت بمصر، في ظل مواجهة تحدي

      “الاحتباس الحراري” بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وما ينتج عن ذلك من ذوبان الجليد وارتفاع

      منسوب مياه البحار والمحيطات.

      ومن الأهمية أن نذكر هنا، أن أول من أطلق فكرة اتفاقية المناخ هو العالم المصري د. مصطفى كمال طلبة (1922 – 2016) مؤسس الدبلوماسية البيئية حيث ساهم خلال الفترة من 1973 وإلى 1992 في إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ثم تولى نائب المدير التنفيذي للبرنامج، ثم المدير التنفيذي له بدرجة نائب الأمين العام للأمم المتحدة. والذي يتصادف مرور 100 عام على ميلاده في ديسمبر 2022.

      ويذكر أنه نتيجة تلك الجهود التراكمية، بدأت دول العالم بالتركيز على أهمية الحفاظ على الماء والهواء والأرض، لكي تكون صالحة للأجيال القادمة. كما يذكر للدكتور مصطفى طلبة أنه أول من طالب بعمل اتفاقية للمناخ والتنوع البيولوجي والتصحر.

      نتائج ودلالات..

      نص الاتفاق النهائي لمؤتمر المناخ على عدد من البنود الهامة، وشهد المؤتمر التوقيع على العديد من الاتفاقيات وآلية تنفيذها، وإحراز خطوات كبيرة من خلالها في جميع مجالات التخفيف والتكيف والتمويل والخسائر والأضرار، بما يتماشى مع رؤية مصر لـ COP27.

      وفي سبيل تحقيق ذلك، طالبت الأطراف المشاركة بتخفيضات سريعة وعميقة ومستدامة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية، وتحديدًا خفض صافي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية بنسبة 43% بحلول عام 2030، مقارنة بمستوى عام 2019 للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، والحفاظ على هدف 1,5 درجة مئوية. كما تم إعداد “خطة عمل شرم الشيخ للتكيف” لتوسيع نطاق طموح التخفيف والتنفيذ. والجدير بالاهتمام، إطلاق برنامج عمل جديد مدته 5 سنوات لتعزيز حلول تكنولوجيا المناخ في الدول النامية، وتخفيف الآثار السلبية لتغير المناخ.

       

       

       اتفاقيات دولية..

      على هامش قمة المناخ COP27، وقعت مصر على العديد من مذكرات التفاهم والاتفاقيات

      والعقود، المقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات. وقد شملت تلك الاتفاقيات العديد من مجالات التعاون في مجال التكيف والتخفيف من آثار تغير المناخ، خاصة في ملف الطاقة المتجددة والوقود الأخضر والزراعة والمياه وحماية التنوع البيولوجي وتعزيز القدرات. وعلى سبيل المثال:

      * توقيع اتفاقية بقيمة 83 مليار دولار لتحويل مصر إلى مركز دولي للطاقة الخضراء المتجددة، وإزالة الكربون باستخدام الوسائل المستدامة.

      * تبادل مذكرات التفاهم بمشاركة قطاع البترول والغاز المصري مع عدد من الشركات العالمية للحد من غازات الاحتباس الحراري، وتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحرار، وإزالة الكربون الصناعي بمنطقة خليج السويس، ودراسة جدوى مشروع استرجاع غازات الشعلة، وتقييم الجدوى لحلول إزالة الكربون بقطاع البترول، وتطوير خارطة طريق إيجاس للاستدامة، ودراسة الجدوى لمشروع الأمونيا الزرقاء كطاقة نظيفة، والحد من انبعاث غازات الشعلة.

      * توقيع عقود إنتاج الوقود الأخضر في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وصندوق مصر السيادي وهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة والشركة المصرية لنقل الكهرباء مع كبري الشركات والتحالفات العالمية الرائدة في مجال الطاقة النظيفة والمتجددة.

      * إنشاء “مركز القاهرة للتعلم والتميز حول التكيف والصمود” بتكلفة 10 ملايين دولار، ليكون مؤسسة دولية في مجال التدريب وبناء القدرات وتبادل الخبرات والمعرفة.

      * تطوير النظام البيئي لبحيرة البردويل بهدف استعادة النظام البيئي لها وتنمية شبه جزيرة سيناء. وذلك من خلال هيئة قناة السويس والشركات الدولية.

      * تمويل وتصميم وإنشاء وإدارة وتشغيل امتداد محطة تداول الحاويات كمحطة ثانية بميناء شـرق بورسعـيد، باستثمارات قيمتها 500 مليون دولار، وتوفير 1000 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة. وذلك ضمن أهداف تطوير الموانئ المصرية لتعظيم دورها في حركة التجارة البحرية في العالم.

      * تعهد الرئيس الأمريكي جو بايدن بمنحة 500 ملين دولار تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا لمصر في سبيل التحول إلى الطاقة النظيفة، والحصول على 10 جيجاوات من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، وخفض الانباعاثات بنسبة 10% في مجال الطاقة.

      * إنتاج طاقة كهربائية مقدرة بـ 5 جيجاوات من الرياح بالشراكة مع النرويج.

      * تعزيز الاستثمار بـ 350 مليون دولار مقدمة من المملكة المتحدة وإيطاليا ودول أخري عبر مؤسسة صناديق الاستثمار في المناخ CIF في التحول الأخضر في الدول النامية والاقتصاديات الناشئة لمواجهة ظاهرة التغيرات المناخية والتداعيات الناتجة عنها من خلال الحلول الصديقة للبيئة.

      توصيات ومقترحات..

      مواجهة كارثة التغيرات المناخية من خلال تخصيص أيام دولية جديدة أو الاستفادة من المقرر دوليًا بالفعل، على غرار:

      * يوم التمويل: إعلان توصيات دليل شرم الشيخ للتمويل العادل لتحفيز جهود تمويل التكيف، وتوفير التمويل الكافي لجهود التكيف مع تداعيات تغير المناخ للدول النامية.

      * يوم المرأة: العمل على تيسير إجراءات التكيف للنساء في أفريقيا، والتغلب على تحدي تراجع مشاركة المرأة في صناعة القرار. والتأكيد على وجود المرأة في مجال العلوم ومؤتمرات المناخ ورئاسة مؤتمرات المناخ، و‏دعم الاهتمام بصحة المرأة والتغذية في الأماكن الأكثر احتياجًا والأكثر هشاشة خاصة في أفريقيا.

      * يوم الكربون: إزالة الكربون مثل استحداث آليات جديدة، تسمح لصناعة الحديد والصلب بأن تكون منخفضة الكربون، والتعاون بين دول العالم باعتبار “الغاز” هو المفتاح لموارد التحول في مجال الطاقة.

      * يوم التكيف والزراعة: الأمن الغذائي والمائي هما أساس تحقيق أهداف التنمية. والتأكيد على زيادة الوعي الدولي بشأن سوء التغذية، لمواجهة الآثار المدمرة التي يواجهها العديد من بلدان العالم.

      * يوم التنوع البيولوجي: ضرورة العمل على زيادة مساحات الغابات، لدورها المهم في طرد غاز ثاني أكسيد الكربون، وما يسببه من تلوث. وبذل جهود مواجهة التصحر للحد من تدهور الأراضي وإعادة النظام البيئي وتدهور الغابات.

      * يوم المياه: اتخاذ إجراءات وتنفيذ مشروعات للتكيف في قطاع المياه.

      * يوم المجتمع المدني: إبراز دور المجتمع المدني في تشكيل جدول أعمال المناخ العالمي، وتنفيذ الالتزامات والتعهدات بموجب اتفاقية تغير المناخ. وما يتطلب ذلك من تأكيد دور المجتمع المدني في مساءلة الدول المتقدمة عن التزاماتها المتعلقة بتمويل المناخ، والمساهمة مع صناع القرار في تنفيذ التوصيات الخاصة بالتغير المناخي.

      * يوم الشباب: الإعلان عن مبادرة جديدة “الشباب من أجل المناخ” التي تركز على مشاركة الشباب في العمل المناخي.

      * يوم العلم: ضرورة دعم بناء القدرات الأفريقية في مجال العلوم والتكنولوجيا. وتكثيف البحوث العلمية التطبيقية، لمواجهة الآثار الناتجة عن التغيرات المناخية، وتخصيص نسبة من تعهدات التمويل الأخضر لصالح دعم البحوث والابتكارات الخضراء في أفريقيا.

      * يوم الطاقة: الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، والحد من التوسع في مشروعات النفط والغاز والفحم للوصول إلى تقليل الانبعاثات بنسبة تتراوح بين 30 إلى 45% عام 2030.

      مبادرات مصرية أمام قمة المناخ COP27

      وهي تتضمن تصورات شاملة حول حل الكثير من القضايا المتعلقة بمواجهة التغيرات المناخية، والإسهامات الفاعلة في تحقيق التنمية المستدامة. وهي:

       1 – مبادرة “المنتدى العالمي للهيدروجين الأخضر”:

      أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي مع ألكسندر دي كرو “رئيس وزراء بلجيكا”، وهي مبادرة عالمية لإنشاء منصة من أجل تعزيز التعاون والاستثمار في مجال الهيدروجين الأخضر، كمصدر رئيسي للطاقة في المستقبل. وتهدف المبادرة إلى إنشاء منتدى عالمي للهيدروجين المتجدد يجمع كل أصحاب المصلحة من الدول المتقدمة والنامية في هذا المجال.

      2 – مبادرة “العمل المناخي والتغذية I-CAN:

      مبادرة عالمية رائدة متعددة القطاعات تساعد في تعزيز التعاون لتسريع العمل التحويلي لمعالجة

      الترابط بين تغير المناخ والتغذية، بالتعاون بين مصر وكل من منظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأغذية والزراعة، ووكالات الأمم المتحدة الأخرى والشركاء. وتهدف المبادرة لدعم الدول الأعضاء في تنفيذ إجراءات سياسة التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، وتحسين التغذية وتحفيز الإجراءات التحويلية لتقديم أنظمة غذائية صحية من أنظمة غذائية مستدامة.

      3 – مبادرة “المرونة الحضرية المستدامة للجيل القادم SURGE:

      تهدف إلى تعزيز تنفيذ أجندة المناخ في المناطق الحضرية، ورفع طموح المساهمات المحددة وطنيًا للحكومات، وإطلاق العنان لتمويل المناخ الحضري عبر العمل مع الحكومات لإنشاء آليات، والعمل مع بنوك التنمية متعددة الأطراف لتسهيل الوصول للتمويل. وتعزيز جهود إزالة الكربون، وبناء أنظمة حضرية مرنة تسمح للسكان بالازدهار وليس البقاء على قيد الحياة فقط.

      4- مبادرة “العمل على المياه والتكيف والمرونة AWARE:

      دعم جهود التعاون الشامل لمعالجة المياه، كخطوة رئيسية للتكيف مع تغير المناخ، وتقديم حلول تكيف انتقالية للكوكب والسكان. وتبني ائتلاف المياه والمناخ، وائتلاف عمل التكيف، ومسار العمل المناخي. وتتضمن أهداف المبادرة: تقليل الفاقد من المياه في جميع أنحاء العالم وتحسين إمدادات المياه، واقتراح ودعم تنفيذ السياسات والأساليب المتفق عليها بشكل متبادل للعمل التعاوني المتصل بالمياه والفوائد المشتركة له، وتعزيز التعاون والترابط بين المياه والعمل المناخي من أجل تحقيق جدول أعمال 2030.

      5 – مبادرة “الغذاء والزراعة من أجل التحول المستدام FAST:

      معالجة تغير المناخ عبر محورين: بناء المرونة عبر أنظمة الأغذية الزراعية وتكيفها مع تغير المناخ، وتوفير النظم الزراعية المستدامة للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، وبناء المبادرات والتحالفات العالمية والإقليمية الجارية لدفع الإجراءات الفعالة، وتعزيز قدرات الدول على تحديد والوصول إلى التمويل والاستثمار في مجال المناخ، وجمع وتحليل البيانات المتعلقة بتمويل المناخ والاستثمار في أنظمة الأغذية الزراعية، وتحديد أفضل الفرص للدول لتلقي الدعم والمساعدة اللازمين، وتحديد الفجوات في القطاعات الفرعية وإعطاء الأولوية لاحتياجات التكيف العاجلة.

      6 – مبادرة “حياة كريمة لأفريقيا”:

      تستند إلى النموذج الذي أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي “حياة كريمة” في مصر خلال عام 2019. وذلك بهدف دعم جهود الدول الإفريقية لتنفيذ المساهمات المحددة وطنيًا، ودمج العمل المناخي في التنمية الريفية المستدامة، وربط التكيف والمرونة والوصول إلى الحلول المبتكرة والتكنولوجيات صغيرة الحجم لتحسين نوعية حياة المجتمعات الريفية، وتزويدهم بالخدمات الأساسية والفرص الاقتصادية والقضاء على الفقر. والوصول إلى تحسين نوعية الحياة في 30% من القري والمناطق الريفية الأكثر ضعفًا وفقرًا في القارة بحلول عام 2030.

      7 – مبادرة “مركز القاهرة للتعلم والتميز حول التكيف والصمود”:

      سيجري إنشاءه بإسهام 10 مليون دولار من الولايات المتحدة الأمريكية ليصبح مؤسسة دولية في مجال التدريب وبناء القدرات وتبادل الخبرات والمعرفة. بالإضافة إلى 25 مليون دولار لمبادرة التكيف في أفريقيا.

      8 – مبادرة “الابتكار من أجل المناخ”:

      دمج وتعبئة وإعادة توجيه قدرات وجهود الخبراء والمتخصصين المصريين من أفريقيا والعالم في مجال البحث والتطوير والابتكار لمعالجة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة في ظل التغيرات المناخية من أكاديميات العلوم والجامعات والمؤسسات البحثية والمنظمات الدولية والصناعة والمنظمات غير الحكومية.

      9 – مبادرة “النفايات العالمية 50”:

      أول تحالف يتعامل بشكل شامل مع جميع أنواع النفايات الصلبة، وتهدف للاستفادة من أكثر

      من 180 دولة للقيام بالمشاركة التطوعية على المستوي الدولي لأفريقيا، وإعادة تدوير ما لا يقل عن 50% من النفايات الصلبة المنتجة في أفريقيا بحلول عام 2050. وتقليل الآثار العامة للتلوث الناتج عن النفايات على صحة الإنسان والتنوع البيولوجي والأنظمة الغذائية وندرة الموارد.

      10 – مبادرة “تحالف الديون المستدامة”:

      تحفيز شركاء التحالف على التوافق مع مجموعة من الالتزامات الحاسمة الجديدة لتخفيف الديون والعبء، وإطلاق مسار جديد للمشاورات عند تقاطع الديون والمناخ والتنمية. وتشجيع وجود استثمارات إضافية مستدامة وخضراء، والتصدي للتحديات البيئية، ودعم النمو الأخضر، ولن يكون التحالف منصة لجهود إعادة تمويل الديون.

      11 – مبادرة “الاستجابات المناخية لاستدامة السلام CRSP“:

      المبادرة الأولى من نوعها في ربط التغيرات المناخية بالسلام واستدامته في المجتمعات، وضمان مساهمة الاستجابات المناخية المتكاملة في السلام والتنمية المستدامين، وتحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030 وأجندة 2036 “أفريقيا التي نريدها”، وتنفيذ مبادرة “إسكات البنادق في أفريقيا”. واستراتيجية عمل التنمية القادرة على الصمود وتغير المناخ في أفريقيا (2022 – 2032).

      12 – مبادرة “التحول العادل للطاقة”:

      تهدف لتيسير الدعم التقني الذي يجعل تحولات الطاقة العادلة مجدية ماليًا، وتأمين الوصول لها بحلول عام 2027 لما لا يقل عن 300 مليون أفريقي، والانتقال نحو الطهي النظيف، والتحول للطاقة الخضراء، وزيادة حصة توليد الكهرباء المتجددة بنسبة 25 نقطة مئوية بحلول عام 2027.

      13 – مبادرة “تقليل تكلفة الاقتراض الأخضر والمستدام”:

      زيادة الاستثمار في التكيف مع تغير المناخ، والتخفيف من آثار الخسائر والأضرار، عبر تقديم

      المنح والتمويل المنخفض التكلفة من خلال بنوك التنمية متعددة الأطراف، كمسألة تتعلق بالعدالة والمساواة، وسد فجوة تمويل أهداف التنمية المستدامة، وتجاوز هدف تمويل المناخ البالغ 100 مليار دولار.

      14 – مبادرة “أولويات المرأة الأفريقية للتكيف مع المناخ AWCAP“:

      إنشاء رابطة تضم رؤساء الآليات النسائية والوزيرات ووزراء البيئة المعنيين بين الدول الإفريقية، وتعزيز الهياكل والأطر القائمة، وتوفير تقنيات المعلومات المناخية وجمع البيانات، وتبادل الخبرات، ودمج المرأة في إدارة مواجهة تغير المناخ، وتعزيز الالتزامات بالاستثمار في المرأة، وبرامج بناء القدرات لدعمها في مختلف المستويات.

      15 – مبادرة “أصدقاء تحضير خطط الاستثمار الوطنية”:

      زيادة حصة المشاريع الخضراء في خطط الاستثمارات الوطنية إلى 30% على الأقل بحلول عام 2030، مع تطوير مراقبة تخصيص الموارد العامة للمشاريع الحساسة للمناخ وتقييم تأثيرها. وتبادل أفضل للممارسات والدروس المستفادة بشأن تخضير خطط الاستثمار الوطنية، وتطوير الأدوات والمنهجيات التي تدعم تلك الجهود.

      السيسي: المرأة أيقونة التغيير..

      شهدت الدورة 27 لمؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ COP27 إطلاق يوم المرأة بحضور عدد من القيادات النسائية العربية والأفريقية والدولية. والذي وجه فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي رسالة إلى نساء العالم في كلمته التي ألقتها نيابة عنه د. ياسمين فؤاد “وزيرة البيئة والمنسق الوزاري ومبعوث مؤتمر المناخ: (رسالتي لنساء العالم لقد أثبتن قوة وحكمة متفردة في مواجهة أزمة جائحة كوفيد 19 التي عصفت بالعالم على مدي السنوات الثلاثة الاخيرة، ونعول عليكن الآن لمواصلة دوركن السامي والنبيل في ظل يقين بأن المرأة سوف تكون أيقونة التغيير لتحقيق تحول تاريخي ونوعي في مواجهة تداعيات تغير المناخ. وأن تحقيق أي تقدم ملموس في ملف تداعيات تغير المناخ، لن يكون دون تحقيق العدالة المناخية للجميع، والتي تشكل بلا شك الادماج والانخراط الكاملين للمرأة في مختلف جوانب التعاون مع هذه الظاهرة. وهو ما يجب أن ينعكس في تأمين احتياجاتها في إطار الاستراتيجيات والبرامج والخطط التمويلية المعنية بتغير المناخ، وبما يمكن أن يسهم بدوره في تشجيع المرأة على المشاركة الفعالة ولعب دور قيادي في مواجهة تلك التداعيات وفي ايجاد الحلول الذكية والمبتكرة في هذا الإطار).

       

      نقطة ومن أول السطر..

      التحدي الأساسي لتنفيذ كل ما سبق من توصيات ومقترحات ومبادرات هو اعتبارها ملزمة التنفيذ لجميع دول العالم، حتى تتحمل الدول الصناعية مسؤولياتها عن الممارسات المضرة بالبيئة خلال كل تلك السنوات الماضية. كما يجب التمسك بالالتزام بتخفيض الانبعاثات حتى لا يتحول الأمر إلى تكرار صياغات مؤتمر جلاسجو للمناخ 2021، وعدم التزام بعض الدول في التحول نحو الطاقة الخضراء.

       

       

       

       

       

       

      ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      * استندت الرؤية السابقة على المعلومات والبيانات والتقارير المنشورة في:

      • موقع الأمم المتحدة (العمل المناخي) un.org/ar/climatechange/cop27
      • التقارير الرسمية المنشورة على موقع مبتدا، ومجلة روزاليوسف، وجريدة المصري اليوم، وجريدة الدستور.

يسوع على أعتاب المراهقة

WhatsApp Image 2024-09-25 at 1.22.04 PM

اسم الكاتب : القس كرم لمعي

    • نحتفل في هذه الأوقات بنهاية سنة وبداية سنة جديدة، وتتزامن الاحتفالات مع حفلات عيد الميلاد المجيد، ويطغي على الغالبية مظاهر الاحتفال وقشورها دون جوهرها. فهذه الأوقات من كلّ سنة يمكن أن تصير وقتًا جيدًا ومناسبًا لمراجعة النّفس والتقييم لتصبح حافزًا ودافعًا لنخطو للأمام ولو خطوةً واحدة. ونعتادُ كوعّاظ أن نركّز في ديسمبر ويناير على قصّة وأحداث ميلاد ربّنا يسوع المسيح كما وردت في بشارتي متى ولوقا وربّما يوحنا (1) مع الإشارة إلى باقي نبوّات الكتاب عن تجسّد مخلّصنا. أمّا حادثة ذهاب يسوع إلى الهيكل وهو في سنّ الثانية عشر فقلّما تحظى منّا باهتمام رغم فرادتها وما فيها من دلالات هامّة عن حياة يسوع وهو شاب صغير، وعن علاقته بأبويه، وبالله الآب، وبالشريعة، ومدى إدراكه لهويّته ورسالته منذ الصّغر، لذا خصّصتُ هذه المقالة لهذا الأمر، مع اعترافي بتغلّب طابع الوعظ عليها.

      تقول الوصيّة: «ثَلاَثَ مَرَّاتٍ تُعَيِّدُ لِي فِي السَّنَةِ. تَحْفَظُ عِيدَ الْفَطِيرِ. تَأْكُلُ فَطِيرًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ كَمَا أَمَرْتُكَ فِي وَقْتِ شَهْرِ أَبِيبَ، لأَنَّهُ فِيهِ خَرَجْتَ مِنْ مِصْرَ. وَلاَ يَظْهَرُوا أَمَامِي فَارِغِينَ. وَعِيدَ الْحَصَادِ أَبْكَارِ غَلاَّتِكَ الَّتِي تَزْرَعُ فِي الْحَقْلِ. وَعِيدَ الْجَمْعِ فِي نِهَايَةِ السَّنَةِ عِنْدَمَا تَجْمَعُ غَلاَّتِكَ مِنَ الْحَقْلِ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي السَّنَةِ يَظْهَرُ جَمِيعُ ذُكُورِكَ أَمَامَ السَّيِّدِ الرَّبِّ.” (خروج 23: 14 -17، أنظر تثنية 16: 9-17). كانت الأعياد جزءًا من حياة الشعب اليهودي الدّينية، وكان أحد أهدافها تأكيد الإجماع على ما يؤمن به الشعب، وتجديد عهد الطّاعة والخضوع لإله العهد وللوصايا، وكان التقاعس عن العيد إشارة لانعدام الجديّة في الإيمان وضعف العلاقة مع الله، وقلّة احترام كلمته.

      وكانت العادة، أنه عندما يصل الولد لسن الثانية عشرة يصعد به أبواه ليظهر أمام الرّب، ويبدأ التعامل معه باعتباره عضوًا في المجتمع اليهودي الديني، ويطلق عليه لقب “ابن الشّريعة” أو “ابن الوصيّة”. وقد حرص البشير لوقا على تدوين هذه الحادثة الفريدة في حياة يسوع ما بين طفولته ومعموديته، ولا نعلم أحداثًا أخرى عن يسوع خلال هذه الفترة من عمره، لا قبلها ولا بعدها، لهذا تستحق أن نقف أمامها طويلًا لنستكشف ما فيها من دلالاتٍ ودروس هامّة.

      كان يسوع على أعتاب مرحلة المراهقة مع ما تمثّله هذه المرحلة من تحدياتٍ كبيرة للوالدين والمعلّمين وللأبناء أنفسهم، ولا شك أن هذه الحادثة في حياة يسوع تكشف لنا كيف نما يسوع إلى هذه المرحلة، كما تنبؤنا بما سيكون عليه الشاب يسوع بعد ذلك، إلى أن نلتقي به في سن الثلاثين في نهر الأردن وهو يعتمدُ على يد يوحنّا المعمدان.

      أولًا: العائلة تعيّد.

      ” وَكَانَ أَبَوَاهُ يَذْهَبَانِ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي عِيدِ الْفِصْحِ. وَلَمَّا كَانَتْ لَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ كَعَادَةِ الْعِيدِ.” (لوقا 2: 41، 42). لدينا أسرة ملتزمة بالشريعة، رغم فقرها ومشقة وكلفة السّفر إلى أورشليم، إلى أنّ العادة كانت الذهاب إلى هناك في كلّ عيد “كعادة العيد”. كان يوسف بارًّا تقيًّا، وهكذا كانت مريم، وقد شهد لهما الكتاب بذلك في تفاصيل قصة البشارة والميلاد. لقد كانا حقًّا وفعلًا سليلا داود جسديًّا وروحيًّا، وسارا في طريقه، وحُسبا من البقية الأمينة المنتظرة فداءً في أورشليم.

      إن حرص يوسف ومريم على الذهاب إلى العيد برهانٌ على طاعة الوصيّة، واتّباع الإيمان، والسّير على درب الآباء والأنبياء. ولا شك أن السّر الذي كانا يعيشانه معًا عزّز لديهما هذا الولاء، لاسيّما وقد أيقنا قرب تحقيق كلّ ما آمنا به وما عاشا لأجله. إنّ استنارة الوعي الرّوحي والانفتاح على الآفاق الإلهيّة يعطي أبعادًا أكثر جلالًا لكل ما نفعله. إنّ مريم ويوسف بالتزامهما هذا يوقظان فينا الشغف والحماس للمواظبة على اجتماع المؤمنين مصطحبين معنا أولادنا، صائرين لهم قدوةً ونموذجًا.

      يخبرنا الكتاب في نفس الأصحاح وقبلها مباشرة، عن يوسف ومريم، عندما ذهبا بالوليد يسوع وعمره أربعون يومًا وهما: “يكملان له كل شيء حسب النّاموس” (لوقا 1: 39) فقدّماه للرّب كبكر فاتح رحم وقدّما عنه فرخي يمام أو زوجي حمام، والآن هما في الهيكل ليقدّمانه “ابنًا للشريعة” وعضوًا شرعيًّا في الجماعة اليهودية. في كل مرة ذهبا إلى أورشليم، وإلى الهيكل، كانا يذهبان للعطاء لا للأخذ، وفي التقديم مسرة تفوق الأخذ. ليت جميع الآباء والأمهات، وجميع الوالدين يتعلّمون منهما هذا الدرس الثمين، لاسيّما والكنيسة تفقد كل يوم شبابًا يهجرون العبادة والخدمة، بل، والإيمان. وأظهرت الدراسات أنّ الغالبية من الشباب الذين يهدرون الكنائس فعلوا هذا بسبب والديهم، قالوا أنّ والديهم يعيشون في ازدواجية، فهم أتقياء في الكنيسة لكنهم عكس ذلك في البيت. أمامنا نموذج يُحتذى لأبوين ربّيا ابنهما جيّدًا، وما حفراه في حياته في صغره أثمر في شبابه وحياته.

      ثانيًا: يسوع تلميذًا.

      يقول الكتاب : “وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَجَدَاهُ فِي الْهَيْكَلِ، جَالِسًا فِي وَسْطِ الْمُعَلِّمِينَ، يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ. وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوهُ بُهِتُوا مِنْ فَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ.” (لوقا 2: 46، 47). لقد ذهب يسوع إلى أورشليم متعطشًا إلى التعليم، كان يعلم أن كبار المعلّمين وجهابذة الشريعة هناك في هيكل أورشليم، حيث الأروقة التي يجلسون فيها وعند أقدامهم يجلس التلاميذ ينهلون من نبع الشريعة وشرحها. كان يسوع وسط المعلمين ثلاثة أيام، يسأل، وكان يسأل لا ليمتحن معلمي الشريعة كما يتصوّر البعض، بل كان يسأل ليعرف وليتعلم وليكتشف. آفة الكثيرين أنّهم لا يسألون، ولا يبحثون، ومع طغيان وسائل التواصل الاجتماعي، وتوافر الأجهزة في كل يد من الكبير إلى الصغير، قلّ عدد الراغبين في القراءة أو البحث أو المعرفة.

      كان يسوع، منذ طفولته، يقرأ ويحفظ الكتب المقدّسة، وكلما قرأ كلما نما فيه الشوق والشغف ليعرف أكثر، لينمو بحجم المسؤولية التي ألقيت على عاتقه من قبل أن يولد. اعتدنا منذ صغرنا أن نرى صورةً ليسوع واقفًا بين المعلمين يعلّمهم، لكن الكتاب يقول بوضوح :”كان جالسًا في وسط المعلّمين، يسمعهم ويسألهم” هذا هو ثنائي التعلّم: الاستماع والسؤال، وعندما كان المعلمون يطرحون أسئلتهم كانوا يندهشون من أجوبته، وهذا دليل فهمه واستيعابه للتعليم. وليس الاندهاش من معرفته الإلهية الفائقة، بل من معرفته الإنسانية العميقة التي حصّلها بالجهد والمثابرة.

      وهذا يطرح علينا السؤال، كآباء وكرعاة وقادة ومعلّمين: “ما حالنا؟ وما حال تعليمنا؟ وما حال أولادنا؟ هل لا زالت الرغبة في التعلّم قائمة؟ هل يعرف أبناؤنا الكلمة المقدّسة؟ وهل نربّيهم ليكونوا مستعدين لمجاوبة من يسألهم عن سبب الرجاء الذي فيهم؟ هل نشجعهم على التساؤل في كلّ ما لا يعرفون، أم أنّنا نحرّم عليهم التفكير والبحث والتقصّي؟ وهل نتأنى عليهم، ونجيبهم على تساؤلاتهم الحائرة؟

      والحقيقة أنّ مريم قد سبقت المسيح في هذا وصارت له نموذجًا، فهي التي كانت “تكتنز جميع هذه الأمور متفكّرة بها في قلبها” (لوقا 2: 19، 40) والكلمة “تحفظ” حرفيًا تعني “تكتنز” وكانت “تتفكّر” في قلبها. ألم تسأل هي الملاك سؤالًا منطقيًا : كيف تحبل العذارء؟! وأجابها الملاك لأنّ غايتها كانت المعرفة لا التشكيك في وعد الرّب. كانت مريم مثل أفنيكي أمّ تيموثاوس التي علّمت ابنها، منذ طفوليته، الكتب المقدّسة.

      ثالثًا: رسالة وأولويّات.

      قالت له أمّه :”يا بنيّ، لماذا فعلتَ بنا هكذا؟ هوذا أبوك وأنا كنّا نطلبك مُعذّبَين؟ فقال لهما :”لماذا كنتما تطلبانني؟ ألم تعلما أنّه ينبغي أن أكون فيما لأبي؟!” وهذا هو الدّرس، درس الأولويّة وإدراك المسؤوليّة مبّكرًا. لم يكن سؤال يسوع ليوسف ومريم استنكاريًا أو بهدف التوبيخ، بل كان يقصد أنهما كان يجب أن يعلما أين يجدانه، وأنّ أوّل مكان، بل المكان الوحيد الذي من المتوقّع أن يكون فيه هو الهيكل.

      اعتاد اليهود أن يدعوا الله “أبانا الذي في السّماء”، وتُعودُ أبوّة الله لهم إلى بدء دعوة إبراهيم وإعطائه إسحاق، واعتقدوا أنّ المسيّا سيكون مُختلفًا لأنّ أبوّة الله له ستكون مباشرة ولن يحتاج المسيّا إلى واسطة، مثلهم، ليتقرّب بها إلى الآب. هذا ما قصده المسيح، وهذا ما كان يعلمه يوسف ومريم كيهوديّين تقيّين، فبما أنّه المسيح، ابن العلي، ابن الله، وابن داود كما أعلن لهما، فكان عليهما أن يدركا أن الهيكل هو بيت أبيه، ومن هنا كان قول المسيح :”ينبغي أن أكون فيما لأبي”. نلحظ أن المسيح لا يقول: “بيت أبينا السماوي” بل “أبي”، وهذا معناه أنّه كان يدرك مبكرًا هويّته ورسالته التي أتى لأجلها.

      وهذا يضع أمامنا تحدّيًا كبيرًا، هل ندرك من نحن؟ وهل نعرف أولوياتنا حقًا؟ فيمَ نصرف وقتنا، ومجهودنا، وأموالنا؟ وهذه التساؤلات الفاحصة هي للجميع؛ للأفراد والمؤسّسات على حدٍّ سواء، للكنيسة وللبيت وكل الكيانات الخادمة في ملكوت الله. أين يجدنا النّاس؟ وأين يتوقّعون حضورنا وتأثيرنا؟ أيّها الآباء والأمّهات، أيّها القادة والمعلّمون؛ أين أبناؤكم؟ لا أقصد مكانهم جغرافيًا بل حالتهم واهتماماتهم وأولوياتهم.

      عبارةً قليلة الكلمات عميقة الدلالة : “ينبغي أن أكون فيما لأبي” تلك العبارة التي صارت ودامت شعار حياته إلى أن ختمها بالقول “لتكن لا إرادتي بل إرادتك” وكانت إرادة أبيه أن يبذله على الصليب لخلاص العالم، فلا نتوقّع أن السّير في طريق الأولويات الصحيحة سيكون سهلًا يسيرًا، بل قد يكلّفنا حياتنا.

      رابعًا: يسوع ابنًا كاملًا.

      ” ثُمَّ نَزَلَ مَعَهُمَا وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ وَكَانَ خَاضِعًا لَهُمَا.” (لوقا 2: 51). كان يسوع يعرف أكثر ممّا يعرفان ويفهم أكثر ممّا يفهمان، لكنّه كان خاضعًا لهما. الوصية تقول :”أكرم أباك وأمّك” وقد كان المسيح كاملًا في كلّ شيء، وكان نموذجًا لإكرام أبويه الأرضيّين. مكتوبٌ عن المسيح انّه “تعلّم الطاعة” وأنّه كان “ينمو” في الحكمة والنّعمة والقامة عند الله والنّاس. كان نموّه فيما لله يُرى جليًا في حياته اليومية.

      يعاني آباء جيلنا من فجوةٍ كبيرة بينهم وبين أبنائهم في طرق التفكير ووسائل التعلّم وطرق المعيشة، ولكن الأمر الذي لا يتغيّر هو قيمة الأب والأم ووجوب احترامهم وإكرامهم وتقديرهم. مهما علا شأن الابن أو الابنة، فالأب يبقى أبًا والأمّ تبقى أمًّا. أقول هذا لأنّنا نسمع ونقرأ يوميًا عن زيادة حالات العقوق والتباعد والفرقة بين الكثير من الوالدين وأبنائهم، وضعف الاحترام والتقدير الذي تربّت عليه الأجيال الماضية. ليس فقط من جهة الوالدين، بل أيضًا من جهة القادة والمعلّمين وكلّ من هم في منصب. أمامنا الكثير من العمل والجهد والمثابرة لاستعادة القيم التي تهرّأت بسبب المدنيّة المعاصرة وتغلّب الفرديّة وشيوع الأنانية والمصلحة الشخصيّة، وإعلاء القيم المادّيّة على القيم الإنسانيّة والرّوحيّة. ولنا في يسوع، حتّى وهو فتى صغير، الأسوة الحسنة.

      أوقف الأستاذ الجامعي سيارته وترجّل منها وسار باتجاه كنّاسٍ في الشارع وقبّل يديه ورأسه ثمّ مضى في طريقه وسط ذهول المارّة، ثمّ تبيّن الجميع بعدها أنّ هذا الكنّاس هو أبوه الذي رفض أن يعيش عالةً على ابنه طالما كان قادرًا على العمل، العمل الوحيد الذي عرفه وأجاده. صارت مثل هذه القصص من النوادر التي تُفغرُ لها الشفاه، والسبب لأنّ الاحترام والعرفان صارا عملتين عزيزتين في أيّامنا.

      خامسًا: يسوع ناميًا.

      ” وَكَانَ الصَّبِيُّ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ، مُمْتَلِئًا حِكْمَةً، وَكَانَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.” (لوقا 2: 40). وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ.” (لوقا 2: 52). العبارة الأولى هي التي قادتنا إلى الحدث موضوع دراستنا، وهي التي قادت إلى العبارة الثانية. فقبل الثانية عشرة كان يسوع ينمو ويتقوّى بالرّوح ممتلئًا حكمةً، والنتيجة كانت هذا النضوج وحسن التصرّف الذي رأيناه منه في زيارته إلى أورشليم، وأكمل يسوع في ذات الطّريق؛ طريق النموّ والتقدّم.

      ما مصدر هذه الحكمة؟ إنّها شريعة الرّبّ التي تربّى عليها، ولاشكّ أنّ البيئة التي نشأ فيها يسوع كان طابعها : “كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ! الْيَوْمَ كُلَّهُ هِيَ لَهَجِي. وَصِيَّتُكَ جَعَلَتْنِي أَحْكَمَ مِنْ أَعْدَائِي، لأَنَّهَا إِلَى الدَّهْرِ هِيَ لِي. أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ مُعَلِّمِيَّ تَعَقَّلْتُ، لأَنَّ شَهَادَاتِكَ هِيَ لَهَجِي. أَكْثَرَ مِنَ الشُّيُوخِ فَطِنْتُ، لأَنِّي حَفِظْتُ وَصَايَاكَ.” (مز 119: 97-100) وهذا ما رأيناه حرفيّا في موقف يسوع ذي الثانية عشرة وبعدها في مواجهاته مع المعلمين الدينيين في خدمته.

      أنظروا إلى الكثيرين الذين يمضون عمرهم كلّه في الكنائس وقد أدمنوا الاجتماعات والمؤتمرات والاحتفالات والنهضات فلا تجد أن نموّهم الروحي ونضوجهم الإيماني متناسبًا مع هذا الكمّ الذي تلقّوه من المعرفة ولا مع طول السنين التي أمضوها يتعلّمون. ألا ينطبق على كثيرين ما قاله كاتب العبرانيين: “لأَنَّكُمْ ­إِذْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ لِسَبَبِ طُولِ الزَّمَانِ­ تَحْتَاجُونَ أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ مَا هِيَ أَرْكَانُ بَدَاءَةِ أَقْوَالِ اللهِ، وَصِرْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى اللَّبَنِ، لاَ إِلَى طَعَامٍ قَوِيٍّ.” (عبرانيين 5: 12).

      لكنّ يسوع كان ينمو، ويتقدّم في المعرفة والحكمة، وكان كلّ المحيطين به يلحظون ذلك بسهولة، “كُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوهُ بُهِتُوا مِنْ فَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ.” (لو 2: 47)، وفيما بعد احتار معلّمو الشريعة وخبراؤها متسائلين :”«مِنْ أَيْنَ لِهذَا هذِهِ الْحِكْمَةُ وَالْقُوَّاتُ؟ أَلَيْسَ هذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟ أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ، وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَسِمْعَانَ وَيَهُوذَا؟ أَوَلَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ جَمِيعُهُنَّ عِنْدَنَا؟ فَمِنْ أَيْنَ لِهذَا هذِهِ كُلُّهَا؟» (متى 13: 54 -56).

      نشكو في أيّامنا من تدهور التعليم والمعرفة على كافّة المستويات، سواء في مدارسنا وجامعاتنا أو في كنائسنا وبين خدّامنا. فهل لنا بوقفة حقيقية وجادّة لينال التعليم الكتابي حقه من الاهتمام ويعود إلى أوّلويّته في كنائسنا ومعاهدنا اللاهوتية؟ هل يمكن أن تحظى أسرنا بما تستحق من الاهتمام لنعدّ آباءً وأمّهات يتولّون مسؤوليتهم عن أبنائهم وبناتهم ليكونوا لهم مثالًا ونموذجًا في محبّة المعرفة والسّعي للنموّ والتقدّم في الحكمة؟ هل آن الأوان لنتخلّى في اجتماعاتنا ومؤتمراتنا عن التلقين والتحفيظ لنشجع شبابنا على التفكير الحرّ دون خوف من مواجهة شكوكهم وتساؤلاتهم بجراءة وشجاعة؟

      هل يقتدي شبابنا في صباهم ومراهقتهم وشبابهم بيسوع الذي عاش كل تحدّيات مراحل عمرهم واجتازها بتميّز فريد صائرًا للكلّ النموذج الذي يُحتذى؟!

الموقف اللاهوتي والكنسي من الهجوم النووي على هيروشيما ونجازاكي

اسم الكاتب: الدكتور القس موريس يوسف

  • على بعد أميالٍ قليلة من منزلنا بجنوب ولاية نيو جيرسي حيث أعيش أنا وأسرتي، هناك كنيسة يابانية مشيخية صغيرة. صحيح أنه ليس بالأمر الغريب أن يرى الإنسان كنائس عرقية عديدة لجاليات كثيرة هاجرت إلى الولايات المتحدة مثل الكنائس العربية والكورية والإفريقية والأسيوية المختلفة والتي ترجع أسباب تأسيسها إلى حواجز اللغة إذ إنَّ الجيل الأول من المهاجرين يجدُ صعوبة في التعبّد بلغة مختلفة أو قد ترجع أحيانًا إلى الحنين والرغبة في إحياء التراث الثقافي والروحي للبلد الأم، إلاَّ أنَّ لتأسيس هذه الكنيسة اليابانية قصة مختلفة. عرفتُ من شيوخ هذه الكنيسة أنها تأسست عام ١٩٤٠م حيث اجتمعت لأكثر من عشر سنوات–وبشكل سري–في منزل أحد قادتها. قبل بداية الحرب العالمية الثانية عام ١٩٣٩م، كانت الجالية اليابانية تصلي في هذه المنطقة جنبًا إلى جنب مع الشعب الأمريكي الأبيض حيث كان الجميع أعضاء في الكنيسة الناطقة باللغة الإنجليزية في هذه البلدة، بل وخدم اليابانيون كشيوخ وشمامسة بالكنيسة وسعوا هم وأولادهم إلى الاندماج الكامل في الثقافة الأمريكية.

    مع بداية الحرب العالمية الثانية وتحالف الإمبراطورية اليابانية مع ألمانيا النازية ودول المحور، واجهت الجالية اليابانية في الولايات المتحدة الأمريكية أوقاتًا عصيبة ليس في المجتمع الأمريكي فحسب، بل حتى داخل الكنيسة المسيحية نفسها حيث شعر اليابانيون أنهم غير مُرحب بهم في الكنائس الأمريكية البيضاء. بعد أن هجمت القوات اليابانية على قاعدة مرفأ اللؤلؤة العسكري الأمريكي (Pearl Harbor) بالمحيط الهادي ودمرتها يوم ٧ ديسمبر ١٩٤١م، رُفض اليابانيون، هُدّدوا بالقتل، بل ومُنعوا من العبادة في بعض الكنائس الأمريكية. ذكر لي أحد شيوخ هذه الكنيسة اليابانية كيف أنهم عاشوا أثناء هذه الفترة في مجتمعات زراعية بعيدة ومنعزلة عن المدنيّة تفاديًا للهجوم عليهم وإيذائهم بسبب الحرب بين اليابان كونها جزء من قوات المحور ضد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

    كيف يمكن أن يكون هذا هو ردُّ فعل الكنيسة؟ كيف صمتت الكنيسة أمام الاستخدام المفرط للقوة العسكرية ولا سيما عندما ضربت القوات الأمريكية مدينتي هيروشيما في ٦ أغسطس ١٩٤٥م ونجازاكي في ٩ أغسطس ١٩٤٥م مستخدمة وللمرة الأولى أسلحة نووية وذرّية؟ أين رسالة المحبة والمصالحة التي لطالما نادت بها الكنيسة؟ كيف تكون الكنيسة ملحًا للأرض ونورًا للعالم إن تشابه ردّ فعلها في أزمة كهذه مع ردّ فعل العالم؟ الغريب في الأمر أنه أثناء إعدادي لهذه الدراسة لم أجد الكثير من الأصوات التي نادت بالسلام والمحبة والمصالحة في أزمة عالمية كتلك التي مرَّ بها عالمنا أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية. كما أنني لم أجد أيضًا الكثير من الأصوات التي دعت المؤسسة العسكرية والسياسية إلى عدم استخدام أسلحة الدمار الشامل. في الواقع هناك ندرة كبيرة حتى في التأريخ لهذه الفترة من منظور مسيحي وكنسي.

    سؤالان أريد أن أطرحهما وأحاول الإجابة عنهما في هذه الدراسة. السؤال الأول هو لماذا هذا الصمت؟ ما الذي يمكن أن يجعل الكنيسة صامتة عن قول الحق في مواجهة الاستخدام المفرط للقوة ضد المدنيين العزَّل؟ السؤال الثاني هو لماذا يجب أن تنشغل الكنيسة بقضايا الإنسان والبيئة؟ في إجابتي للسؤال الثاني سوف أُشير إلى مركزية حدث الفداء كأساس لانشغال الكنيسة بقضايا البيئة مع التنبير بشكلٍ خاص على الفكر اللاهوتي ليورجان مولتمان بخصوص حدث الفداء.

    لماذا هذا الصمت؟

    أولًا: تسييس قضايا الإنسان والبيئة

    هناك خطر كبير قد تقع فيه الكنيسة بخصوص قضايا الإنسان والبيئة وهو “تسييس” هذه القضايا لتصبح ورقة ضغط لتحقيق مكسب أو ربح ما. دعوني أقدم مثالين من التاريخ الحديث لهذا الأمر؛ مثالين من بين مئات الأمثلة التي حدثت خلال الخمسين سنة الماضية. المثال الأول حدث في ألمانيا في النصف الثاني من القرن العشرين. حتى سقوط سور برلين عام ١٩٨٩م ونهاية الصراع بين شطري ألمانيا، ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، استُخدمت قضايا الإنسان والبيئة كسلاح أو أيدولوجية لمحاربة الأخر دون وجود نية حقيقية للاهتمام بكرامة الإنسان المهدورة والحقوق البشرية المهضومة أو التدمير والإيذاء الممنهج للبيئة. من ناحية، شَجَبَت الحكومات الغربية الاتحاد السوفيتي والدول الواقعة تحت سيطرته لأن الاشتراكية انتهكت الكرامة البشرية عندما تغافلت الحريات الشخصية للبشر. ومن الناحية الأخرى، انتقد المعسكر الشيوعي سياسات الدول الغربية التي انتهكت أيضًا الكرامة الإنسانية عندما تغافلت قضايا البطالة والفقر في بلادها. أذاعت القنوات التليفزيونية التي كانت تُبث آنذاك من البلاد الشيوعية صورًا للمشردين والفقراء وهم يبحثون عن الطعام في سلال المهملات في المدن الأمريكية الكبرى. استخدم كل من المعسكرين –المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي– قضايا الإنسان كسلاحٍ ضد الآخر مع أنَّ لا هذا ولا ذاك كان مهتمًا بالفعل بقضية الفقر أو الفقراء أو الكرامة الإنسانية. اليوم نري هذا الانتهاك والتسييس لقضايا الإنسان والبيئة في أوقات الانتخابات عندما يقدِّم السياسيون والمرشحون الكثير من الوعود بالنهوض بمستوي المعيشة، بالمستوى الاقتصادي والتعليمي، بالاهتمام بالفقراء ومحدودي الدخل، بالاهتمام بالقضايا البيئية، كورقة رابحة لكسب أصوات ليس أكثر مع غياب النية الحقيقية للتغيير.

    المثال الثاني لاستخدام قضايا الإنسان لأغراض سياسية يأتي من منطقة الخليج العربي. قبل قيام حرب الخليج الأولى عام ١٩٩٠م بين الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها والنظام العراقي تحت قيادة الرئيس الأسبق صدّام حسين، تكلمت منظمات حقوق الإنسان (مثل Amnesty International) بل وبحَّ صوتها عن وحشية ودموية وديكتاتورية النظام العراقي ضد أقليات مثل الأكراد والأشوريين والتركمان واليزيديين، لكن لم يعرها الغرب اهتمامًا. في هذا الوقت كان الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين ما زال حليفًا قويًا للولايات المتحدة الامريكية ضد إيران للحد من هيمنتها على المنطقة. لم يهتم أحدٌ ولم ينزعج المجتمع الدولي بانتهاك حقوق الأقليات تحت حكم صدام حسين. تغيَّر هذا الموقف تمامًا بين ليلة وضحاها. بعد أن قام النظام العراقي بغزو دولة الكويت وبداية الحرب الأمريكية ضد صدام حسين، لم تتوقف تقارير منظمات حقوق الإنسان في أمريكا وفي أوروبا عن إذاعة انتهاكات نظام صدام حسين ضد الكثير من الأقليات الدينية والعرقية وتدميره للبيئة عن طريق تطوير أسلحة بيولوجية وكيماوية. ومرة أخرى استُخدمت وحشية النظام العراقي كتبرير للتدخل العسكري وغزو العراق والإطاحة بصدام حسين وحزب البعث العراقي.

    يدق لنا هذان المثالان ناقوس الخطر إذ أنَّ قضايا الإنسان والبيئة يمكن أن يُستغلا لأغراض سياسية ليس من ناحية المؤسسة السياسية فقط، بل من الكنيسة أيضًا. لا شك أنَّ هذا التسييس يتعارض تمامًا مع القيمة السامية للإنسان وكرامته الموروثة ومع مسؤوليتنا نحو هذا الكون الذي خلقه الله ووضع الإنسان فيه ليحفظه ويعمله. إنَّ الأخلاق المسيحية يجب أن تدرك هذه الأخطار وأن تحذَّر منها فبينما ينظر العالم الي الإنسان باعتباره سلعة تُباع وتُشتري، تكلم الكتاب المقدس عن الإنسان الذي تسمو قيمته على كل كنوز الدنيا لان “ما يُباع ويُشتري–كما يقول الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط–يمكن استبداله لكن ما لا تُقَّدر قيمته بثمن فهو له كرامة أو Dignity”. (Heinrich Bedford-Strohm, “Human Dignity: A Global Ethical Perspective,” in Scriptura 104 (2010): 218).

    ثانيًا: عدم إدراك الكنيسة لدورها الكهنوتي ودورها النبوي في العالم

    دعا الله الكنيسة–جسده في العالم–لدورين أساسين: دور كهنوتي ودور نبوي، وكلاهما في غاية الأهمية. يعلن النبي عن رسالة الله لشعبه، “هكذا قال الرب”، بينما يساعد الكاهن الشعب على طاعة الوصية وقيادة الشعب الي تحقيق الرسالة النبوية على أرض الواقع. يهدف الدور الكهنوتي إلى المصالحة، بينما يهدف الدور النبوي إلى إيقاظ ضمير الشعب والأمة. الدور النبوي والدور الكهنوتي للكنيسة هما وجهان لعملة واحدة ويجب أن يسيرا معًا جنبًا الي جنب. لا يخطئ الدارس لكلمة الله وجود هذين الدورين في كلا العهدين القديم والجديد.

    في العهد القديم نري هذين النموذجين لكل من النبي والكاهن متمثلين في موسي وهارون. دُعي موسي أن يكون نبيًا ودُعي هارون أن يكون كاهنًا. المشكلة والخطورة هنا أنه يمكن للكاهن والنبي أن يضلوا طريقهما. وقع هارون الكاهن في سفر الخروج أصحاح ٣٢ ضحية إرضاء الشعب والتي قادته الي عمل العجل الذهبي، وبناء مذبح له، بل وقيادة الشعب في العبادة والرقص حول العجل. كيف يمكن لهارون أن يقول: “هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ”؟ كيف حدث هذا؟ إنَّ التجربة للانصياع لما يطلبه الناس، لمجاراة الثقافة، هي تجربة الكنيسة في كل العصور. يمكن أن يقع النبي أيضًا في نفس الخطأ. ضاق موسي ذرعًا بشكوى الشعب وتذمره. ضرب الصخرة وفقد صبره. كم من الأنبياء الكذبة الذين نطقوا بكلام لم يكن من الله على الإطلاق؟ إنَّ تاريخ الكنيسة والفكر اللاهوتي يحتوي على الكثير من هذه الأمثلة. ما أكثر المرات التي فيها يرتدي الكاهن والنبي عباءة العالم فيخفت نور الرسالة وتضيع فاعليتها.

    في العهد الجديد، علّم وعاش الرب يسوع هذين الدورين، الكهنوتي والنبوي. ككاهن، دعا الرب يسوع سامعيه إلى التوبة التي تقود إلى المصالحة. فبالرغم من اتساع الفجوة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، دعا الرب يسوع سامعيه الي عدم التوقف حتى يتصَالح هذان العالمان. لقد صالح واقع الخطاة مع واقع ملكوت الله وقدّم لهم فرصة جديدة لحياة أفضل. كنبيٍ، لم يتوان الرب يسوع في كشف الزيف والخداع والظلم الذي مارسه المتدينون والمؤسسة الدينية بغض النظر عن تكلفة هذا الدور. كان حريُّ بالكنيسة في الولايات المتحدة الأمريكية إبان الحرب العالمية الثانية أن تصالح واقع الحرب والدمار بالدعوة إلى ثقافة السلام ورفض سياسة الاستقواء.

    فداء المسيح والوعي البيئي

    يورجان مولتمان وأهمية فداء المسيح للإنسان والخليقة

    تكلم اللاهوتي الألماني المعاصر يورجان مولتمان (١٩٢٦م – الحاضر) عن مركزية عمل المسيح أو ما أسماه بـ “Christ event” ليس فقط فيما يخصُّ فهمنا للواقع الروحي للإنسان، لكن أيضًا فيما يخصُّ الخليقة بشكلٍ عام. هناك أهمية كبيرة لتجسد وفداء الرب يسوع للخليقة الناطقة وغير الناطقة، للإنسان والبيئة، للحاضر وللمستقبل. لم يرزح الإنسان فقط تحت ثقل الخطية، بل عانت أيضًا الخليقة والبيئة من ممارسات الإنسان التي شوهت جمال البيئة والطبيعة والكون. في رومية ٢٠:٨-٢٢ “عبّر الرسول بولس عن هذه الحقيقة قائلًا “إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ-لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا-عَلَى الرَّجَاءِ. لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إلى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ. فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إلى الآنَ.” تكلم الكتاب المقدس عن مركزية عمل المسيح الفدائي كونة “خليقة جديدة”. في ٢ كورنثوس ١٧:٥ قال الرسول بولس “إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدُ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةُ جَدِيدَةُ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا.”

    في تفسيره لعمل المسيح الفدائي أو “Christ event”، تكلم مولتمان عن أهمية رؤية عمل الفداء ليس فقط من منظور تاريخي كون يسوع الناصري ولد وعاش ومات وقام بالفعل في زمان ومكان معين، بل تكلم أيضًا عن هذا العمل من منظورين هامين هما المنظور الإسخاتولولي Eschatological والمنظور الكوني Cosmic. يؤكد مولتمان أنه لا يمكن أن يكون هناك فداء للإنسان دون فداء للخليقة والطبيعة نفسها. وبالتالي ليس كافيًا أن نرى قيامة الرب يسوع من منظور إسخاتولولي أخروي. يجب أن نفهم فداء المسيح كأول عمل في الخليقة الجديدة للعالم. يقول مولتمان “إنَّ قيامة المسيح ليست حدثًا تاريخيًا مجرّدًا، لكنها حدث كوني شمولي.” .( Jürgen Moltmann, Jesus Christ for Today’s World. 1995, Page 83). هذان الملمحان، الإسخاتولولي والكوني، هامان جدًا لفهم علاقتنا بالكون والبيئة المحيطين بنا.

    البُعد الإسخاتولولي للفداء

    ماذا نقصد عندما نقول إنَّ فداء المسيح هو حدثًا إسخاتولوليا؟ يخطئ من يظن أنَّ الإسخاتولولي هو ما سيحدث في المستقبل. الإسخاتولولي هو ما يحدث أخيرًا أو في الأيام الأخيرة وهي فترة تحياها الكنيسة ما بين مجيء المسيح الأول ومجيئه الثاني. يكتب الرسول يوحنا في ١ يوحنا ١٨:٢ “أَيُّهَا الأَوْلاَدُ هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ. وَكَمَا سَمِعْتُمْ أَنَّ ضِدَّ الْمَسِيحِ يَأْتِي، قَدْ صَارَ الآنَ أَضْدَادُ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ. مِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ.” مرَّ أكثر من آلفي عام وما زلنا نحيا في الساعة الأخيرة. يحيا عالمنا الآن في “الأسخاتون”، أو في الأيام الأخيرة. الإسخاتولولي لا يعني الأشياء التي ستحدث في المستقبل أو في نهاية التاريخ ومجيء المسيح الثاني، لكن المستقبل الإلهي هو هنا بالفعل حلَّ بيننا بقيامة يسوع المسيح. وبالتالي يجب أن ندرك أن فداء المسيح هو حدثًا جاء بالخليقة الجديدة لحيز الوجود.

    لكن في نفس الوقت يجب أن ندرك أن القديم لم ينته تمامًا. الإسخاتولولي هو وقت ما بين وقتين. هو ذاك الصراع بين قوانين القديم وروح الجديد. سوف يستمر هذا الصراع حتى مجيء المسيح الثاني عندما يُحضر كل شيء في السماء وعلى الأرض فيه. في كولوسي ١٩:١-٢٠ نقرأ هذه الكلمات “لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ، وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلًا الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءُ كَانَ: مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ.” ما يقوله الكتاب المقدس هنا أنَّ الفداء والمصالحة تشمل الكل، ما على الأرض وما في السماوات. في أفسس ٩:١-١٠ نجد نفس هذا الأمر أيضًا “إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ، لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ.”

    البعد الكوني للفداء المسيح

    كما أنَّ لحدث الفداء بعدًا إسخاتولوليًّا هنا والآن، هناك أيضًا بعدًا كونيًا. لكنَّ السؤال الآن ماذا يعني أن يكون فداء المسيح حدث له طبيعة كونية شمولية؟ يقول مولتمان “إنَّ قيامة المسيح هي بداية التغيير الإسخاتولولي للعالم عن طريق خالقه.” (Jürgen Moltmann, The Crucified God: The Cross of Christ as the Foundation and Criticism of Christian Theology. 197, Page 162). أمنت الكنيسة الأولى بأن قيامة المسيح لم تكن معجزة منفصلة والتي برهنت فقط ألوهية المسيح، لكنها بداية القيامة العامة لكل الأبرار كما نري في ١ كورنثوس ٢٠:١٥-٢٣ “وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ. فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ. لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ. وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي رُتْبَتِهِ: الْمَسِيحُ بَاكُورَةُ، ثُمَّ الَّذِينَ لِلْمَسِيحِ فِي مَجِيئِهِ.” ما يقوله الكتاب هنا أنَّ قيامة الأموات هي جزء من تجديد الخليقة.

    إنَّ فداء المسيح هو قصة مستمرة ومتجدّدة في التاريخ البشري والتي من خلالها يتشارك الله مع شعبه لخلق عالم أفضل. عندما نتكلم عن فداء الخليقة، الكون والبيئة، ندركُ انه عمل مشترك بين الله وشعبه وبذلك يتحول حدث الفداء إلى حدث كوني له طبيعة شمولية. تكلم مولتمان عن هذين البعدين، الإسخاتولولي والكوني، قائلًا: “في إيماننا بيسوع المقام، يعيش المؤمن بالفعل في وسط عالم يتغير من حالة الموت إلى جدة الحياة بقوة يسوع المقام. هناك بالفعل حياة حقيقية في وسط الحياة المزيفة، بالرغم أن هذه الحياة الجديدة نجدها فقط في شركتنا مع ذاك الذي صلب بهذه الحياة المزيفة. المستقبل بدأ بالفعل. إن قيامة المسيح جعلت المستحيل ممكنًا؛ جعلت المصالحة ممكنة في وسط الصراع؛ جعلت ناموس النعمة ممكنًا في وسط الدينونة؛ جعلت المحبة الخلاقة ممكنة في وسط الناموسية.” (Jürgen Moltmann, 171)

    إنَّ الخليقة الجديدة التي أحضرتها قيامة المسيح وجعلتها واقعًا تشمل كل الكون ولا يجب ولا يمكن أن تُفسّر فقط بشكل شخصي أو بشكل أنثروبولوجي. وبالتالي الأخلاق التي تُصاغ داخل جماعة الإيمان والتي تؤُسس على قوة الرب المقام يجب أن تشمل كل خليقة الله بكل جوانبها التي تتوق الي مستقبل الله الذي بدأ بالفعل.

    نحو أخلاق مسيحية بيئية مؤسسة على فداء المسيح

    السؤال الذي قد يتبادر إلى أذهاننا الآن هو: ما هو شكل ومضمون الأخلاق البيئية Environmental ethics التي يطرحها علينا مفهومنا لفداء المسيح؟  لا شك أنَّ فداء المسيح، للإنسان والخليقة، يعطنا ديناميكية جديدة لفهم العالم الذي نحيا فيه ويعطنا أيضًا أخلاقًا جديدة للتعامل مع الخليقة والبيئة المحيطة بنا. في الختام أودُّ أن أطرح هنا أمران يفرضهما علينا حدث الفداء فيما يخص علاقتنا بالخليقة والبيئة المحيطة بنا. أولًا: الحضور أو Presence. الحضور أو التواجد هو أمر ضروري للشهادة المسيحية في العالم. غابت الكنيسة عن الساحة في مجالات عديدة فاختفت شهادتها وغاب تأثيرها في مجالات الحياة المختلفة مثل الفنون بأنواعها العديدة. ينبغي أن تكون الكنيسة موجودة وفاعلة وناشطة في الحفاظ على البيئة. أصبح هذا الأمر ضروريًا وملحًا جدًا في عالم اليوم ولا سيما في ظل الأزمة البيئية العالمية والممارسات البشرية المتزايدة التي تضر بالبيئة والعالم الذي نحيا فيه. وبهذه الطريقة تتشارك الكنيسة مع الله في عمله الفدائي في العالم. الخلق عملية مستمرة والخليقة ما زالت في تطور مستمر. ثانيًا: الحماية أو Protection. ينبغي للكنيسة أن تقدم كل الدعم لحماية البيئة والخليقة المحيطة بنا. لقد عانت البيئة الكثير من التخريب والممارسات الإنسانية غير المسؤولة. حان الوقت للكنيسة أن تتخذ دورًا إيجابيًا بخصوص حماية البيئة والخليقة المتألمة. إنَّ انتظارنا للسموات الجديدة والأرض الجديدة لا يدعونا الي التوقف عن العمل الآن، لكنه على العكس تمامًا يدعونا إلى العمل المخلص والدؤوب وإلى إدراك مسؤوليتنا ودورنا في العناية بخليقة الله.

    قائمة المراجع

                                                                                                                                                                                    

    Bedford-Strohm, Heinrich. “Human Dignity: A Global Ethical Perspective,” in Scriptura 104

     (2010): 211-220.

    Moltmann, Jürgen. Jesus Christ for Today’s World. London: SCM Press Ltd, 1995.

    _______________. The Crucified God: The Cross of Christ as the Foundation and Criticism of

    Christian Theology. London: SCM Press Ltd, 1974.