الإصلاح المجتمعي
- Sermon By: ق. بيتر وديع
- Categories: درسات نفسية وأجتماعية
مُقدّمة
في أكتوبر من كل عام، تحتفل الكنائس المُصلحة في كل العالم، بذكرى الإصلاح الإنجيلي الذي قام في القرن السادس عشر، على يد الراهب الألماني مارتن لوثر. والسؤال المطروح علينا ونحن بصدد هذه الذكرى، هل عندما انطلق الإصلاح الديني في أوروبا كان له تداعيات في المجال العام أم ظل حبيس المجال الديني فقط؟ وهل الإصلاح مقتصر فقط على الأمور الدينيّة أم المجتمعيّة أيضًا؟ وهل الكنائس المُصلحة لها دور في عملية الإصلاح المجتمعي؟ وهل للكنيسة دور إصلاحي تجاه القضايا التي تواجه الإنسان وكوكب الأرض اليوم؟
نظرة تاريخيّة على تأثير الإصلاح الديني على المجتمع
انطلق الإصلاح الديني في أوروبا في القرن السادس عشر، في ظل فساد ديني واجتماعي وسياسي ساد لفترات طويلة فيما يُسمى بالعصور المُظلمة؛ إذ كانت الكنيسة تدَّعي أنها سلطة الله على الأرض، وأنها المصدر الوحيد للخلاص وغفران الخطايا. واستحوذت المؤسسة الكنسية ورجال الإكليروس على تفسير الكتاب المقدَّس، وكان غير مسموح لباقي الشعب أن يقرأ أو يُفسر الكتاب المقدَّس، وادعوا أن تفسيرهم هو الحق المُطلق غير القابل للنقاش.
في عام 1517م، قام الراهب الألماني مارتن لوثر بتفجير ثورة الإصلاح ضد استبداد البابا ورجال الدين، وهاجم عملية بيع صكوك الغفران، التي كانت الكنيسة تبيعها للفقراء مقابل مبالغ ضخمة واهمة إياهم بأنهم يملوكن أماكن في السماء لهم ولموتاهم. وكان لحركة لوثر صدى كبير في المنيا وإنجلترا؛ لأنه واجه سطوة الكنيسة، وأنار الظلمات من خلال أفكاره التي أكدت على عدم وجود سلطة بين الخالق والمخلوق، وعملت على ترجمة الكتاب المقدَّس للألمانيّة، ليكون مُتاحًا للجميع، وأكدت على عدم وجود تمييز بين الإكليروس والعلمانيين، ونادت بكهنوت جميع المؤمنين، وأن الخلاص مُقدّم بالنعمة ويُحصل عليه بالإيمان وليس بالأعمال.
كان لحركة الإصلاح هذه أثر كبير على المجتمع فيما بعد؛ فالإصلاح لم يقتصر على الأمور الدينيّة فقط، بل شكَّل وعيًا عامًّا، وأحدّث نقلة في طريقة التفكير في الله، ومِن ثمّ السلطات الحاكمة، وأيضًا فتح الباب أمام الجميع لحريّة تفسير النص الديني، ومِن ثمّ إعمال العقل والحثّ على التفكير النقدي حتى في المُقدسات. وحفز الإصلاح حريّة الفرد مما أنتج تشجيعًا للحكم الديمقراطي في مقابل الحكم الثيوقراطي الذي كان سائدًا، وحريّة العقيدة، والرأي، والتعبير. كما كان لحركة الترجمة -ولاسيما مع ظهور الطباعة على يد يوهان جوتنبرج في ذلك الوقت- أثر على إنتاج الكتب ونشر المعرفة.
ومن المعروف تاريخيًّا أن بعد عصر الإصلاح دخلت البشريّة إلى عصر جديد وهو عصر التنوير، الذي أعطى مساحة حقيقية لإعمال العقل ورفض الكثير من الأمور الغيبيّة، ومراجعة المُسلمات حتى الدينيّة الموروثة، وامتحانها في ضوء العقل والمنطق الإنساني، وبدأ عصر العلم والاكتشافات في كل العلوم سواء الإنسانيّة أو التجريبيّة، وبدأ التطوير في الأنظمة السياسيّة والاجتماعيّة. وانتقل التاريخ، والإنسانيّة والحضارة، مما يُعرف بعصر ما قبل الحداثة إلى ما يُعرف بالحداثة. وكل الفضل يرجع إلى حركة الإصلاح الديني الإنجيلي في أوروبا.
الكنيسة المُصلحة والإصلاح المجتمعي
تطور الفكر المُصلح مع الوقت ورسم لنفسه ملامح عديدة، ومع صعود التنوير والحداثة، بدأت الكنيسة المُصلحة ترى أن الإصلاح ليس قيد الشأن الديني، ولكنه يمتد للشأن العام المجتمعي أيضًا، لذا اهتم الفكر المصلح بتطور بالإنسان وتنميته، وأيضًا بإصلاح الأنظمة المجتمعيّة، التي تنظم علاقة البشر ببعضهم البعض، وذلك بناءً على عقيدة الكنيسة نفسها في الفكر المُصلح. فالكنيسة ليست هدفًا في حد ذاتها، ولكنها تشير لما هو أبعد منها، فهي تشهد عن المسيح. والكنيسة ليست مبنى أو مكانًا، بل هي جماعة المؤمنين الشاهدين على عمل الله في حياتهم. في فكر ما قبل الإصلاح كانت الكنيسة مصدر الخلاص، ويجب أن يأتي الناس إليها حتى يخلصوا، ولكن في الفكر المُصلح الخلاص في المسيح فقط، وعلى الكنيسة أن تكون جزءًا من المجتمع، وتسعى للتأثير فيه، وتعمل على تنميته وتطويره.
لذا نرى اهتمام الكنائس المُصلحة -غير الأصوليّة- بالعمل الاجتماعي التنموي، ونجدها تؤمن أن تنمية المجتمع جزء لا يتجزأ من رسالتها وإرساليتها، فهي موجودة من أجل الإنسان، وليس العكس. فنرى اهتمام الكنائس المُصلحة، بالتعليم وتأسيس المدارس، لبناء الوعي منذ الطفولة. والاهتمام ببناء المستشفيات لمساعدة المرضى، وغير القادرين على العلاج. والاهتمام بالاندماج مع المجتمع المدني من خلال الجمعيات الأهليّة التي تسعى لتنظيم المجتمع، وتمكين أفراده من خلال بناء قدراتهم.
ولكن -للأسف- مع تطور حدّة الحداثة ظهرت الليبراليّة اللاهوتيّة التي رأت أن في العمل الاجتماعي كل رسالة الكنيسة، ورفضت الرسالة الروحيّة، والأمور الفوق طبيعية. ومن الناحية الأخرى ظهرت أيضًا كرد فعل لليبراليّة حركة أصوليّة مُضادة ترى أن لا علاقة للكنيسة بالعمل الاجتماعي، ولا بد من انحصار دور الكنيسة في العمل الروحي الخلاصي فقط. وتأرجحت الكنيسة المُصلحة بين هذين الاتجاهين المتطرفين. ولكن دائمًا كعادة التاريخ يظهر بعد كل تطرف محاولات جادة للاتزان، وبالفعل ظهرت تيارات محافظة، ولكن مستنيرة، ترفض الأصوليّة المُنغلقة، ولكن دون أن تغرق في الليبراليّة.


