التأثير الاجتماعي لجائحة الكورونا
- Sermon By: د. ماجد عزمى
- Categories: درسات نفسية وأجتماعية
منذ أيامٍ، استضاف برنامجٌ تلفزيوني شهير أحدَ الخبراء ليتحدث عن الآثار المترتبة على جائحة كورونا، فبدأ الضيف حديثه بالتشبيه التالي:
“في عام 2008 تعرض العالمُ لأزمةٍ مالية ضخمة سبَّبت نتائجَ سيئةً لكل البلدان، وكانت الأزمة المالية شبيهة بتعرُّض إنسانٍ لأزمة قلبية، جلطة سدت الشرايين، فتوقف الدم عن التدفق، ولزم الكثير من العلاج لإذابة الجلطة، وإرسال مزيد من الدم (المال) للأماكن المتضررة. ولكن بشيء من التعاون تجاوز العالم هذه الأزمة، أما الأزمة الحالية، المتعلقة بتأثير جائحة كورونا على العالم، فهي ليست كسابقتها، انسداد، وتعطل لسريان الدم بعدها تعود الأمور لسابق عهدها، لكن الأزمة الحالية تشبه سيارةً ضخمةً صَدَمت هذا الإنسان المسكين الذي تعرض للجلطة في 2008، السيارة هشمت عظامه، وأحدثت جروحًا في أماكن متعددة، وسال دمه على قارعة الطريق وفقد الوعي، لذلك يلزم الكثير من التدخل بصورة تفوق التوقعات لعلاج هذا الحادث الذي سيستمر أثره لسنين طويلة”.
أعجبني هذا التشبيه لأنه يصف بدقة تشعب الآثار المترتبة على أزمة جائحة الكورونا؛ فالأزمة بدأت في القطاع الصحي، لكنها انتشرت لتطال بقية القطاعات: القطاع الاقتصادي والمجتمعي والديني والأخلاقي والثقافي.
اكتسح طوفان الوباء الهادر كل أودية العالم، مغيِّرًا شكل العالم الذي اعتدناه لسنين طويلة. ولفترة طويلة قادمة ستظل سفينة البشرية طافيةً بغير هدى فوق تيارات ولجج الوباء باحثةً لها عن مُستَقَرٍّ ترسو عليه، لتعيد البشريةُ من بعده صياغةَ الحياة فوق الأرض بمعادلاتٍ أخرى تختلف -جملةً وتفصيلًا- عن تلك التي سبقت الوباء. هذا الوباء الذي يشبه الطوفان في أن معظم الآثار المدمرة التي حدثت منه ما كانت لتحدث لو استجاب البشر لتحذيرات واضحة أهملوها، مثلما أهملوا في القديم تحذيرات الطوفان وإن كان الاختلاف هنا هو أن مصدر الطوفان هو الإنسان بسلوكياته الخاطئة عبر السنين.
في السطور التالية سنتناول بالبحث خمس مساحات طالتها مياه طوفان الكورونا بقسوة، فغيَّرت شكلها القديم، وحتى كتابة هذه السطور لا تزال المياه تغمر الكثير منها بصورة تجعل رؤية الوضع النهائي غير متاحة حتى الآن.
1. مساحة الأولويات
كان البشر قبل الجائحة يسيرون بأجندات متخمة بالمواعيد، اجتماعات، لقاءات، سفر، مؤتمرات، حتى العطلات والإجازات كانت تتم بالحجز باليوم والساعة. كان تغيير أحد المواعيد يُعَدُّ من الأمور المستحيلة، الجميع يعملون بدون توقف، والأسرة تدفع الثمن؛ وقت قليل غير كافٍ يقضيه الجميعُ مع أسرهم. الجميع مارسوا التباعد الاجتماعي قبل أن يفرضه الوباء؛ فالتباعد الاجتماعي لا يعني أن أترك مترًا ونصف المتر بيني وبين من يليني في صف السوبر ماركت، وإنما يعني أن أترك أبنائي دون أن أتحدث معهم يوميًّا عن أحلامهم وآمالهم، أن أهمل أهلي الذين باتوا في أمس الاحتياج إليَّ بعد أن طعنوا في السن، التباعد الاجتماعي هو ألا أتواصل مع القريبين مني الذين يشكِّلون الأولوية في حياتي، وأقضي حياتي متواصلًا مع آخرين لا يتذكرون اسمي بعد أن أغيب عن أعينهم. حظر التجوال وحظر السفر وتوقف العمل أثبت للجميع أننا كنا نحيا في وهمٍ صنعناه بأنفسنا عن مشغولية كاذبة وأمور كنا نظن أنها إذا توقفت سيتوقف العالم عن الدوران، ولكنها توقفت واستمرَّ العالم في الدوران، واكتشفنا كم كان مفهوم الأسرة مشوَّشًا في الأذهان، وكم كانت الأولويات معكوسةً في حياتنا، جاءتنا الفرصة لنقضي وقتًا مع الأشخاص الجديرين بذلك، واكتشفنا صدق مقولة “زيج زيجلر”: “إن كلمة “حب” يتم كتابتها هكذا “و ق ت” وقت”. أن أفضل أسلوب للتعبير عن محبتي لأطفالي أن أقضي وقتًا معهم لا أن أسافر إلى آخر الكرة الأرضية لأحضر لهم لعبة غالية يلعبون بها في الليالي الباردة التي يقضونها بمفردهم في وحدة مفتقدين فيها دفء حضن الأهل.
إن إعادة ترتيب الأولويات ستكون من أولويات البشرية في إعادة تقييم حياتهم التي ستشهد اختلافًا جذريًّا في الوقت القادم، بالذات بعد أثبتت الجائحة أن الكثير من الأمور التي كنا نغادر المنزل لأجلها يمكن أن تُنجَز من المنزل، وأن كل من كنا نتركهم لمقابلة آخرين هم الأجدر بالوقت والمحبة والتكريس.
2. مساحة الماديَّة المفرطة والاستهلاك
قبل الجائحة كان العالم يعيش في إطار من الاستهلاك الشديد لكلِّ ما هو مادي، سلع كثيرة يتم خلق احتياج لها في نفوس البشر، ثم يتم دفع البشر لشراء السلع التي تبلى أو تتغير موضتها، لتظل المصانع تعمل على مدار الساعة لتشبع هذا النهم الشديد للاستهلاك المادي.
إن كلمة استهلاك تأتي في الأصل اللغوي من المصدر “هلك” (هـ ل ك)، هذا النمط من الحياة لا يؤدي فقط الى هلاك الإنسان، وإنما هلاك البيئة، وهلاك موارد الأرض. لقد كشفت الجائحة عن نمطٍ غير متوازن كان سيؤدي -إذا استمر بنفس الوتيرة الشرهة للاستهلاك- إلى هلاك الإنسان والطبيعة وموارد وخيرات الأرض.
بعد أيام من الحظر وتوقف المصانع، بدأت سماوات المدن الكبيرة في التخلص من التلوث العالق بها؛ فظهرت السماء صافيةً، وأصبحت جداول المياه أكثر نقاءً، وتنفس البشر هواءً نقيًّا في مدن كان مستوى التلوث فيها وصل إلى نسب قياسية، لم تكن المشكلة الوحيدة التي تكشفت في المادية والاستهلاك هي حجم التلوث، لكن أيضًا في ماذا يصنع البشر في المصانع على مدار السنين؟ وكانت الإجابة المذهلة هي أن ما يصنعه البشر من السلاح وأدوات التدمير والموت يفوق ما يصنعونه من أجهزة أو منتجات تساعد على البقاء على قيد الحياة، وكأن كلمة الاستهلاك هي بالفعل الباب الرحب للهلاك وليس للحياة. سيتعين في المستقبل أن يجلس الساسةُ والقادة ليعيدوا توزيع الميزانيات، وتحويل مسارها من الذهاب إلى مصانع الصواريخ والدبابات لتذهب الى مصانع الأدوية واللقاحات، وسيتعين على البشر إيقاف هذا النمط الاستهلاكي المتنامي ليجعل الحياة أكثر جودة بمنتجات كلما قل عددها زادت السعادة في القلوب وليس العكس.
3. مساحة أودية المعرفة واليقين
يسير تاريخ البشرية كله في دوائر تعود بالإنسان دائمًا الى نفس النقطة، المعرفة، تلك النقطة التي شهدت غواية الحية لحواء وآدم والدعوة لهما أن يصيرا كالله عارفين الخير والشر. كانت شهوة المعرفة المحرِّكَ الأول الذي أسقط الإنسان الأول، ولا يزال حتى الآن هو المحرك الأعظم لخطوات الإنسان ونشاطه اليومي، حتى وإن اختلفت الملابسات، فآدم وحواء طلبا المعرفة بدافع الكبرياء وربما الاستقلال. أما إنسان اليوم فهو يطلب المعرفة بحثًا عن السلام واليقين، فالجهل وعدم المعرفة دائمًا ما يثيران الخوف والرعب في داخل كل إنسان. ربما لهذا السبب رسمت شركة آبل شعارها تفاحة مقضومة للتذكرة بالحلم القديم وللوعد بأنها ستمنح المعرفة لمستهلكي منتجاتها، وللسبب نفسه تحرص وكالات الأنباء على التنافس لنقل المعلومة وقت حدوثها ويتندر البعض بنقل المعلومة قبل حدوثها.
المعلومات تعطي معرفة، والمعرفة تمنح سلامًا للقلوب الحائرة التي لا تعلم من أمر الغد شيئًا. مع الثورة المعرفية والتكنولوجية أصبح تبادل المعلومات أسهل في العصر الحديث، وصارت المعرفة قريبة جدًّا من كل إنسان، حتى صارت مشكلة العقود الأخيرة هي تزاحم المعلومات وتخمة المعارف، وانتقل البشر من مرحلة البحث عن المعرفة والمعلومات إلى مرحلة ماذا نفعل بكل هذه المعلومات المتاحة لدينا. ومثلما شهدت الثورة الصناعية انقلابًا في الإنتاج والاستهلاك وصار الإنسان ينتج أكثر مما يحتاج ويصارع لأجل استهلاك كل ما أنتجه، بالمثل بعد ثورة المعلومات أصبح الإنسان يعرف أكثر مما يستطيع أن يستوعب ويفهم، وصار يصارع للتعامل مع كل هذه المعلومات المتاحة.
حتى أتي طوفان الوباء ومعه أمواج كاسحة من عدم اليقين، الإجابات المسيطرة على كل المسؤولين هي: “لا نعلم، لا نعلم…” طوفان من الأسئلة الحائرة بلا إجابات غمرَ قلوبَ البشرية: من أين جاء الوباء؟ كم سيستمر؟ كيف نتعامل معه؟ متى ينتهي؟
وإلى الآن لا يزال طوفان الأسئلة يملأ العقول. سادت حالة من الهستيريا في مواقع التواصل الاجتماعي، إجابات مفتعلة وتخمينات مبنية على خبرات سابقة لا تتشابه مع الموقف الحالي، واقتراحات لحلول وتناقل إحصائيات عن موعد النهاية. الجميع يفكر بالأمنياتWISHFULL THINKING ؛ أي يطرح ما يتمنى أن يكون كأنه حقائق مؤكدة وذلك في محاولة لاستعادة السلام المفقود.


