العقل النقديّ في عصر الذكاء الاصطناعيّ
- Sermon By: القس عيد صلاح
- Categories: درسات نفسية وأجتماعية
مُقدِّمةٌ:
حول مناقشة هذا الموضوع في ملف النسور: “الذكاء الاصطناعيّ تحديات ورؤى”، ستكون مشاركتي تحت عنوان: “دور العقل النقديّ في عصر الذكاء الاصطناعيّ”، ويعود بنا هذه الموضوع إلى قصة الخلق التي فيها خُلِقَ الإنسان على صورة الله ومعنى هذا، ثم المرور على تعليم المسيح حول أهمية العقل في الحياة المسيحيّة، وتعليم الرسول بولس أيضًا، لكي تعطي لنا نورًا وإلهامًا في موضعنا هذا، للتأكيد على قيمة وكرامة الإنسان وأنه يمتلك أهم سبيكة ذهبية في العالم وهي العقل. هذا هو القسم الأول حول التأصيل اللاهوتيّ، ثم يأتي بعد ذلك في القسم الثاني مناقشة العقل النقديّ في عصر الذكاء الاصطناعيّ.
وفي البداية يُعَرَّف العقل على النحو التالي: ولقد وردت لفظة عقل في المعجم الوسيط، وبعدة تصريفات منها: عاقلة، عقال، عاقول، وعقول، وغيرها، ومن المعاني الواردة قولهم عقل عقلًا أي أدرك الأشياء على حقيقتها. (الطريري، 33). وإنه ما يميز به الحسن من القبح، والخير من الشر، والحق من الباطل. كما أنَّ معنى القلب، والحصن، والملجأ… كلها من المعاني المعبِّرة عن العقل في بعض الاستخدامات. (الطريري، 33).
القسم الأول: التأصيل اللاهوتيّ والكتابيّ لأهمية العقل
يُبنى التأصيل اللاهوتيّ على مبادئ كتابيّة هامة في الكتاب المقدّس تبيِّن قصد الله من خلق الإنسان في قصة الخلق، ثم تعاليم المسيح ومعجزاته، ثم تعاليم الرسول بولس في القدرة على التمييز والحياة بلا عثرة.
أولًا: الإنسان مخلوق على صورة الله
نقرأ في أول تصور عن الإنسان في سفر التكوين الآتي: “وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ وَعَلَى كُلِّ الأرْضِ وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأرْضِ فَخَلَقَ اللهُ الإنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَانْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: اثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأوا الأرْضَ وَاخْضِعُوهَا وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأرْضِ.” (تك 1: 26-28).
السؤال ما هي صورة الله؟ وهل لله صورة؟ وما معنى أن الإنسان مخلوق على صورة الله؟ على هذه الأسئلة يجيب مايكل إيتون Michael Eaton بالقول: “كل عصر يميل إلى أن يقرأ صورة الله حسب رؤيته وأفكاره الخاصة؛ ففي القرن الخامس الميلادي واحدٌ من آباء الكنيسة وهو أثناسيوس كان مهتمًّا بقضية التجسّد بأنَّ المسيح هو كلمة الله (الكلمة العقل)، وقال إنَّ صورة الله قدرتنا على التعقل”. (Michael Eaton, 30)
ويواصل إيتون بالقول: “كان أوغسطينوس مهتمًّا بعقيدة الثالوث (الآب والابن والروح القدس) فقال إن صورة الله هي الذاكرة والعقل والشعور. وفي القرن السادس عشر المصلحون الذين استُخدِموا بواسطة الله لنهضة وإحياء الكنيسة نادوا بأنَّ التبرير بالإيمان فقط، قالوا: إنَّ صورة الله هي بر الإنسان قبل السقوط، وفي عصر التنوير الذي ركَّز على القدرة الإنسانيّة قال المفكرون إنَّ صورة الله تعني النفس المستنيرة للإنسان”. (Michael Eaton, 30-31).
الله ليس له صورة مادية، فليس كمثله شيء “لاَ مِثْلَ لَكَ بَيْنَ الآلِهَةِ يَا رَبُّ، وَلاَ مِثْلَ أَعْمَالِكَ.” (مز 86: 8). وهذا ما يؤكّده العهد الجديد: “وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ” (كو 3: 10). “وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ.” (أف 4: 24).
صورة الله هي القدرة الروحيّة، والضمير الحي، وفهم الأبديّة والمسؤوليّة، هي القدرة على التحكم وضبط الخليقة، هي العلاقة الشخصية مع الله، والقدرة على التحليل والتفكير (تك 2: 20). القدرة على التواصل والكلام معًا، ووجوب العلاقات السليمة: “وَأَمَّا اللِّسَانُ فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُذَلِّلَهُ. هُوَ شَرٌّ لاَ يُضْبَطُ، مَمْلُّوٌ سُمًّا مُمِيتًا. بِهِ نُبَارِكُ اللَّهَ الآبَ، وَبِهِ نَلْعَنُ النَّاسَ الَّذِينَ قَدْ تَكَوَّنُوا عَلَى شِبْهِ اللَّهِ. مِنَ الْفَمِ الْوَاحِدِ تَخْرُجُ بَرَكَةٌ وَلَعْنَةٌ! لاَ يَصْلُحُ يَا إِخْوَتِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأُمُورُ هَكَذَا!” (يع 3: 8-10). “وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا فِي مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ.” (2كو 3: 18). (صلاح، 23).
والتفكير اللاهوتيُّ في قصة الخلق يساعدنا على فهم الهوية الإنسانيّة في أن يدرك الإنسان من هو؟ وما هي رسالته؟ في عصر الذكاء الاصطناعيّ يحفز ويركز التفكير اللاهوتي حول معنى أن تكون إنسانًا عاقلًا راشدًا لديك القدرة على التمييز والاختيار، تقود ولا تُقاد، تسيطر ولا يُسيطر عليك أحد.
الهدف من الخلق والسلطة في أن هناك ثلاثة مبادئ أساسية كما يذكرها ستوت في هذا الصدد وهي: لقد منح الله الإنسان سلطانًا على الأرض، ثانيًا: أن السلطة سلطة تعاونية، ثالثًا: إن سيادتنا سيادة منتدبة وهي سيادة مسؤولة. (ستوت، المسيحيّة والقضايا المعاصرة، 118-122).
والربط بين الخلق والتكنولوجيا أتي المفهوم اللاهوتيّ للوكالة على الخلق يشمل الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا واحد تجلياته الذكاء الاصطناعيّ. قد تنظر بعض وجهات النظر اللاهوتيّة فيما إذا كان تطوير الذكاء الاصطناعيّ جزءًا من خطة الله للخليقة أو ما إذا كان يشكل تحديات أمام العناية الإلهيّة والفاعليّة البشريّة. وهناك زوايا أخرى كثيرة سوف تظهر ويتم مناقشتها في اشتباك علم اللاهوت مع عصر الذكاء الاصطناعيّ.
باختصار، يتضمن استكشاف العلاقة بين اللاهوت والذكاء الاصطناعيّ التعامل مع الأسئلة الأخلاقية والفلسفية واللاهوتية حول طبيعة البشرية، والاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا، والآثار المترتبة على الممارسات والمعتقدات الدينية في عالم يعتمد بشكلٍ متزايدٍ على الذكاء الاصطناعي.
ثانيًا: أهمية العقل في التفكير المسيحي
من منظور قصة الخلق بأن الإنسان مخلوق على صورة الله، وتتجلى هذه الصورة في أنَّ الإنسان كائن عاقل، وبالتالي كان لتعليم المسيح نصيب كبير في التركيز على أهمية العقل في الحياة، فبعد موعظة الجبل يتحدث عن الإنسان العاقل، الذي بنى بيته على الصخر، الذي يسمع ويعمل (مت 7: 24-27)، ثم يتحدث عن العذارى الحكيمات العاقلات (مت 25: 1-13). في الموقفين العقل هو الذي يحسن التصرف ويختار الأفضل باستمرار.
ويدعو المسيح تابعية للتأمل والنظر والتدبر في الخلق بقوله: “اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟” (مت 6: 26). “وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ.” (مت 6: 28).
وفي غياب العقل يدمِّر الإنسان نفسه، ولذا كان تعامل المسيح في معجزة شفاء مجنون كورة الجدريين خير مثال في التأكيد على عودة عقل الإنسان ليكون على صورة الله كما خُلِق، فذهاب العقل بالإدمان أو المخدرات هو دمار للنفس والجسد معًا، ولعلَّ الصورة التي سجَّلها الوحي تعبر عن روعة تعامل المسيح مع المجنون الذي أصبح عاقلًا: “وَجَاءُوا إِلَى يَسُوعَ فَنَظَرُوا الْمَجْنُونَ الَّذِي كَانَ فِيهِ اللَّجِئُونُ جَالِسًا وَلاَبِسًا وَعَاقِلًا، فَخَافُوا.” (مر 5: 15).
ثالثًا: الرسول بولس وأهمية العقل في القدرة على الاختيار والتمييز
كثيرًا ما علَّم الرسول بولس على أهمية العقل في الحياة المسيحيّة؛ فهو يتحدث عن العبادة العقليّة في رومية “فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ.” (رو 12: 1). ثم يُعَلِّم أن يكون لدينا قدرة على الفحص والاختيار، والتمسك بالأفضل: “امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ.” (1تس 5: 21). والقدرة على التمييز بين الأمور المتخالفة والضبابية والرمادية كما هو مبين في رسالة فيلبي: “حَتَّى تُمَيِّزُوا الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيحِ” (في 1: 10). وجب أن يكون لدينا الحواس المدربة، حسب ما ورد في الرسالة إلى العبرانيين: “وَأَمَّا الطَّعَامُ الْقَوِيُّ فَلِلْبَالِغِينَ، الَّذِينَ بِسَبَبِ التَّمَرُّنِ قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.” (عب 5: 14). ومن مواهب الروح القدس القدرة على التمييز ما ورد في قائمة مواهب الروح القدس في كورنثوس: “وَلآخَرَ عَمَلُ قُوَّاتٍ، وَلآخَرَ نُبُوَّةٌ، وَلآخَرَ تَمْيِيزُ الأَرْوَاحِ، وَلآخَرَ أَنْوَاعُ أَلْسِنَةٍ، وَلآخَرَ تَرْجَمَةُ أَلْسِنَةٍ.” (1كو 12: 10). وحسب اختباره الشخصي وما يعيشه: “لِذَلِكَ أَنَا أَيْضًا أُدَرِّبُ نَفْسِي لِيَكُونَ لِي دَائِمًا ضَمِيرٌ بِلاَ عَثْرَةٍ مِنْ نَحْوِ اللهِ وَالنَّاسِ” (أع 16: 24).
ويعطي لأهل كورنثوس منظومةً في التفكير في الضوابط الثلاثة: “كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوَافِقُ. كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تَبْنِي.” (1كو 10: 23). “كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ. كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لاَ يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ.” (1كو 6: 12).
وعلى مدار التاريخ المسيحيّ كان وما زال للعقل في التفكير المسيحيّ قيمته وأهميته ولا سيما في الحوار الدينيّ المسيحيّ الإسلاميّ الذي كان للعقل مساحة كبير في التفكير؛ فمعظم القضايا المسيحيّة الكبرى كانت تُناقَش من العقل (التفكير العقلي) ثم النقل (الكتب المقدَّسة). وهو ما يدعونا إلى الاقتراب من الفكرة الثانية حول الواقع المعاش (الذكاء الاصطناعيّ) والعقل النقديّ.


