العمل.. البدايات والمآلات
- Sermon By: د. سامية قدري
- Categories: درسات نفسية وأجتماعية
في البدء كان العمل، عمل الله من أجل الخليقة، فنقرأ في سفر التكوين الإصحاح الأول عن الله العامل أنه عمل ستة أيام وأبدع فيما صنعه وعندما انتهى من عمله نظر إلى صنعة يديه وقال: “حسن جدًا” ثم استراح في اليوم السابع، إذًا، فالله هو أول عامل في التاريخ، وأول من وضع وطبق قيم العمل وأكد على أهمية جودته، ولأن الله صالح فلابد أن يكون العمل صالح، إذًا فقد قيم الله جودة عمله وفرح بنتيجته ووضع لنا شروطه المتمثلة في أن يكون العمل مثمرًا، وأن يتم بكفاءة حتى يعطي أفضل نتيجة لكي يشعر الإنسان بالفخر، والرضا والسعادة، والحرية وغيرها من المنافع، كما حدد لنا أهمية أن نستريح بعد أن ننتهي من أداء العمل، وهو ما أكده عليه الله عندما قال لآدم وحواء: “أثمروا وأكثروا وأملأوا الأرض.” (تك ١: ٢٨).
إذًا، إن الله لم يعلن عن ذاته من خلال عمله فحسب، بل أظهر لنا منافع العمل لمن يقوم به، فهو يكشف عن دوافعه، وشخصيته، ومهاراته، وقدراته، وسماته. لذلك خلق الله الإنسان على صورته ومثاله لكي يعمل معه على الأرض ويسود عليها، أي أن الله كلف آدم وحواء بالعمل وأكد عليهما إتقانه: فدعوته “أثمروا وأكثروا”، هي دعوة للإتقان والإثمار، دعوة للعمل والحفظ، كما أنها دعوة لا للعمل الفردي فحسب بل العمل الجماعي القائم على التعاون والحب والمشاركة، وقال الرب الآله: “ليس جيدًا أن يكون آدم وحده فأصنع له معينًا نظيره”. لذلك، عندما نهضت المجتمعات وقامت الحضارات، كان ذلك على أكتاف الرجال والنساء وكان العمل التشاركي هو أول صورة من العمل عرفته البشرية وأن تقسيم العمل الذي عرفته البشرية فيما بعد هو الذي أحدث التمييز بين البشر عامة وبين الرجال والنساء خاصة.
هكذا، أصبح العمل هو الذي يخلق التاريخ البشري، ويحول العالم الطبيعي إلى عالم يمكن أن يسكنه الإنسان، أي أنه حجر الزاوية في أي بناء اجتماعي وعلى ذلك فإن أي تغيرات تطرأ عليه وعلى طرق تأديته، لابد أنها تمثل عند حدوثها محطات أو نقاط تحول جديدة في هذا التاريخ. ولهذا تغيرت أنماطه فلم يعد مقتصرًا على المهنة أو الحرفة أو الإنتاج بل قد يمتد إلى الخدمة أو القيام بالمسئوليات التي توجب على شاغلها التزامات معينة، فالمرأة في قيامها بأعمالها المنزلية هي امرأة عاملة والخادم الذي يقوم بدور في الكنيسة هو عامل أيضًا حتى وإن كان يتقاضى كلاهما أجرًا عن عملهما. ومثلما تغيرت أنماط العمل، تغيرت القيم المرتبطة به فلم تعد قاصرة على الجودة والكفاءة والإتقان كشروط لتقدم المجتمعات ورقيها ورفعتها، بل تعداها لأن يكون مرتبطًا بالحب والسعادة والمرونة وأن يكون لائقًا أي يحفظ كرامة البشر وحريتهم.
وعلى الرغم من التطورات فى عالم العمل وفي تغير القيم المرتبطة به عبر العصور، إلا أن عصر الحداثة في أوروبا قد أحدث نقلة نوعية في عالم العمل، فقد شاهدنا كيف حلت الآلة مكان الإنسان وكيف تحول الإنسان من كائن متكيف ومحتمي ومتضامن مع غيره من خلال عمله، إلى إنسان مغترب نتيجة العزلة التي فرضتها طبيعة العمل في المجتمعات الصناعية الحديثة والتي تتطلب تقسيمًا للعمل أطلق عليه علماء الاجتماع “تقسيم العمل الآنومي” أي تقسيم العمل الذي يفتقر إلى القيم والمعايير التي تجعل الإنسان متضامنًا مع غيره ويشعره بقيمة ما يفعله لذاته وللآخرين، خاصة وأن العمل هو القيمة المؤسسة لكل القيم (السعادة، ومزاولة باقي الحقوق، وتحقيق المكانة، والتحرر من التبعية، واللحمة الاجتماعية) .
جاءت العولمة أو ما يطلق عليها أحيانًا “الحداثة المتأخرة” ومعها رياح التغيير الراديكالي العنيف وغير المسبوق الذي جعل العمل وأنماطه وأسواقه يعتمد على التكنولوجيا المتطورة واعتماد الإنسان على الماء والهواء، والأكثر من ذلك تغيرت مفاهيم العمل وأصبح هناك مفاهيم جديدة كالعمل المرن، وهو العمل الذي يعرف أحيانًا بالعمل الجزئي أو العمل عن بعد لبعض الوقت أو من خلال الوجود بالمنزل أو السيارة، والعمل اللائق، الذي يناسب كل من الرجال والنساء في ظروف يسودها الحرية والإنصاف والكرامة، وأخيرًا، العمل السعيد أو ريادة الأعمال، وهو ذلك النمط الذي يجلب لشاغله السعادة والبهجة ويحقق له الشغف الذي يتطلع إليه وهو ما نلحظه من توجه الجيل الحالي للقيام بأعمال تناطح ما حصلوا عليه من تعليم وما راكموه من خبرات.
والجدير بالذكر، أن هذه المفاهيم الجديدة لم تقتصر على دول بعينها، بل انسحبت على كافة الدول الغنية والفقيرة، والتي تقع بينهما إلى درجة ظهور مصطلحات جديدة مثل: “عولمة عالم العمل”، والذي يشير إلى أن العمل وأنماطه ستصبح عالمية أي منتشرة في كافة أنحاء الكرة الأرضية، أو مصطلح “مكدونالية العمل”، والذي يعني العملية التي بمقتضاها تنسحب المبادئ الخاصة بمطاعم الواجبات السريعة “ماكدونالدز” إلى عالم العمل وتتمثل هذه المبادئ في: الكفاءة، والحسابية، والقدرة على التنبؤ، والضبط والسيطرة، والثقافة، حيث تشير الكفاءة إلى الوصول إلى النتيجة المرغوبة بسرعة، بينما تعني الحسابية التركيز على الأشياء التي تحسب كمًا وعدًا، أما القدرة على التنبوء فتشير إلى التطابق في تقديم الخدمة مما يجعل العمل متكررًا بحيث يمكن توسيع الخدمة المقدمة، أما الضبط والسيطرة فيؤديان إلى إحكام إجراء العمليات بفعل التكنولوجيا، وتشير الثقافة أخيرًا إلى التوحيد القياسي في تقديم الواجبات، فالوجبة التي تتناولها في الولايات المتحدة الأمريكية هي نفسها التي يمكن أن تتناولها في أي بقعة من بقاع الأرض. وبهذه المبادئ الخمسة صدرت أمريكا إلى العالم نموذجًا للعمل من خلال ما عرف بإضفاء الطابع الماكدونالي على العمل .


