مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

هل سأصحو غدًا…؟!

Watch Now

Download

هل سأصحو غدًا…؟!

لا تعتقد أنَّك نجوت من الحرب فقط لأنَّك لم تمُت؟ يخبرنا الناجون من القصف أن بعد انتهاء الحرب لم تفارق أصواتُ الطائرات والقنابل أحلامَهم، كل ليلة هي بمثابة غارة لم تتم، يخبرنا الناجون أن النوم بالنسبة لهم صار مقتصرًا على غلق الأجفان، أما العقول فلا تغلق أبوابها أبدًا، بل يبدأ عملها حين تستقر الرأس على الوسادة، وغالبًا بعد استعراض كل الويلات السابقة يكون السؤال الذي لا يغيب: هل سأصحو غدًا…؟Top of Form

الآثار النفسية للحروب والصراعات تطال الجميع الأطفال واليافعين كما تطال الكبار. وتكمن صعوبة ووجع هذه الآثار في أنها غير مرئية، ولكن هذا لا يعني أنها غير موجودة.

نستطيع تفهُّم ألمَ مَن فقد عضوًا من جسمه بسبب الحرب، أو أصيب بحروق في جسده بدرجات متفاوتة، ندرك جميعًا هذا الوجع الملموس لدينا؛ فأمامنا شخص يجلس في سرير مشفى محاط بأجهزة، والمحاليل تسري في جسده لتعوِّضه عن عدم قدرته على تناول الطعام. لكننا لا ندرك آلام من نجت أجسادهم وربما منازلهم، لكن سلام نفوسهم تحطم تمامًا تحت تكرار القصف واختفاء الأمان المعتاد.

هؤلاء الذين يسيرون على قدميهم، وربما المصابين في أروقة المشافي، هؤلاء لم يعودوا كما كانوا، والأسوأ أن معاناتهم ليست واضحة للمحيطين، بل على العكس يمنعهم المجتمع من الكلام تحت شعار “احمد ربنا أنك عايش وجسمك سليم”.

في واقع الأمر كون الإنسان يتنفس ويأكل وتعمل وظائفه الحيوية بصورة جيدة لا يعني هذا أنه “حي” هو فقط على “قيد الحياة”.

في نهاية الحرب العالمة الثانية جمعوا أطفالًا من مدن حطمتها الغارات ففقدوا أهلهم، لذلك وُضِع الأطفال في ملجأ بعيد عن الحرب، آمن تمامًا، لكن الأطفال في الملجأ كانوا يفعلون أمرًا غريبًا كل ليلة حين يذهبون للنوم؛ فبعد ساعة من نومهم يقوم الأطفال فزعين منهارين لينخرطوا جميعًا في نوبات بكاء هستيري لا يستطيع مشرفو الملجأ السيطرة عليها.

حتى جاء يوم اقترح فيه الأخصائي النفسي على مدير الملجأ فكرة بسيطة، الاقتراح كان أن يذهب كل طفل إلى سريره ليلًا وهو ممسك بشطائر الإفطار المخصصة لليوم التالي. ورغم غرابة الاقتراح اقتنع المدير ونفذ الفكرة، كل طفل ذهب لفراشه في هذه الليلة وهو يحتضن إفطار اليوم التالي، وكانت هذه أول ليلة ينام فيها الأطفال بعمق. التفسير الذي قدَّمه الأخصائي النفسي هو أن بكاء الأطفال سببه عدم إحساسهم بالأمان نتيجة ضربات الغارات التي اختبروها على رؤوسهم، والتي لم تغادر مخيلتهم أبدًا فكانوا يذهبون إلى الفراش فاقدي اليقين في أن الغد سيأتي بصورة طبيعية، حتى أمسكوا ببشائر الغد بين أيديهم في صورة شطائر الإفطار.

هذا ما تصنعه الحرب، تحطيم السلام، ونزع الأمان، تغيير شكل الحياة الثابتة المستقرة إلى حياة متقلبة لا تعرف فيها متى ستدوي صافرات الإنذار، من سيموت ومن سيصاب، ومن سيترك وطنه لينتقل إلى مخيمات اللاجئين.

فقدان السلام والأمان لحن حزين، حين يزور قلب الإنسان يعصره ويسلبه كل علامات الراحة والفرح، ربما عُزِف هذا اللحن بآلات مختلفة -شأن أي فرقة موسيقية محترفة- فالبدايات يعزفها القلق والتوتر، واللحظات الحاسمة ينشدها الخوف والعزلة، وأخيرًا يأتي الاكتئاب وأعراض ما بعد الصدمة ليختما المقطوعة البائسة تاركين الفرقة والجمهور يتبادلان الدموع والدماء.

تتحدث منظمات الغوث عن كثير من الأعراض المصاحبة للناجين من ويلات الحروب، مثل الصدمات النفسية الشديدة للأفراد نتيجةً للتعرض للعنف والخطر وفقدان الأحباء والممتلكات، كذلك القلق والخوف والصعوبات العاطفية، واضطرابات النوم والشهية والقدرات التحصيلية للطلبة، والعنف غير المبرر والرغبة في الانتقام، وأخيرًا تأتي مشاعر الحزن الناتج عن الفقد لتتوج الجميع بغلالة سوداء يصعب الفكاك منها.

لكن الحروب لا تصيب النفس والجسد فقط؛ فالحربان العالميتان الأولى والثانية أصابتا أرواح الكثيرين، وزعزعتا الإيمان بعناية الله نتيجة الأهوال التي كابدها العالم بسبب صراعات الساسة. خرج الناجون من الحروب فاقدين الإيمان بالله، هذا الإله الذي سمح بكل هذه البشاعات ولم يمنع هلاك الأبرياء. منذ ذلك التاريخ تراجع الإيمان المسيحي في أوروبا إلى حدٍّ كبير، عكس الولايات المتحدة التي لم تكتوِ بنيران الحرب بنفس المقدار. هنا لا أذكر التأثير الروحي للحروب لمناقشة الإيمان بصلاح الله وسط الألم، فلهذا الموضوع مساحة أخرى للحديث، لكني أشير إليه لما يشكِّل الإيمان من دعامةٍ نفسيةٍ قويةٍ تسند النفس والجسد وقت الضعف، وبالتالي عندما تتزعزع الدعائم، فالسقوط هو الاحتمال الأكبر.

ولكن هل توقُّف الحرب وعدم اندلاعها هو السلام والحالة المنشودة من الأمان والطمأنينة؟

تخبرنا منظمة الصحة العالمية في تعريفها للصحة النفسية بأن غياب المرض لا يعني الصحة، وبنفس القياس نتعلم أن غياب الحروب لا يعني السلام، السلام له مواصفات خاصة، ومسيرة علينا أن نجتازها حتى نصل إلى المنشود من الراحة بعد انتهاء الحرب.

فسكون صوت المدافع هو الخطوة الأولى في هذه المسيرة والتي تُسمَّى “إقرار السلام” أو “حفظ السلام”peace Keeping ، وفي هذه المرحلة يتم الفصل بين القوات المتنازعة بواسطة طرف ثالث يمنع تكرر الاعتداء بين الأعداء.

ثم تأتي المرحلة الثانية وتسمى “صناعة السلام” peace making وفيها يجلس الخصمان لتوقيع اتفاق ينهي النزاع أو يحدد معالمه بصورة تضمن عدم تكرار الحرب.

ثم تأتي المرحلة الأخيرة الأصعب وهي “بناء السلام” peace buildingوفيها تُبنَى علاقة جديدة تحوِّل أعداء أول أمس في ميدان المعركة -والذين صاروا خصومًا بالأمس على طاولة المفاوضات- إلى شركاء اليوم وغدًا، في علاقة تتفهم المصالح المشتركة والرغبة في الخير لكل الأطراف. هذا السلام يبني أساساته على خطاب يتجاوز الكراهية والعنف، يغرس بذار التقبل والتفهم، يعترف فيه كل طرف بالخطأ ويقر بمسؤوليته ويبدأ التعويض للمتضررين والاعتذار عما ارتُكِب من أخطاء، وتحمل نفقات الإصلاح، والتعهد بعدم التكرار، وبالطبع يعلو هذا الأساس بتقديم الغفران والصفح الذي لا يعني نسيان ما حدث وإنما تجاوز الفعل الخاطئ رغم بشاعته للوصول للطرف الثاني ومرافقته في مسيرة السلام.

عندما يحدث هذا تبدأ بعدها علاقة شراكة لا عداوة فيها أو خصومة، وإنما اختيار حياة جديدة يختار فيها الطرفان أن يختبرا الخير وبهجته معًا مثلما تشاركا الشر وآلامه سويًّا.

شعوب كثيرة كابدت صراعاتٍ عبر التاريخ نجحت في أن تسير هذا المسيرة؛ أوروبا بعد الحروب العالمية صنعت اتحادًا أوروبيًّا، الولايات المتحدة مع اليابان تجاوزا صدمات تدمير ميناء بيرل هاربور الأمريكي وقنبلتين ذريتين على هيروشيما وناجازاكي في اليابان، وفي إفريقيا تصالح التوتسي والهوتو بعد مذابح دموية، وتكوَّن في جنوب إفريقيا نظام رائع اتفق فيه السود والبيض على الشراكة بعد عقود من الظلم والحروب.