قصة الخلق بين النسبي والمطلق
- Sermon By: ق. جرجس جورج
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
“كي ترى العالم في حبة رمل، والسماء في زهرة برية، حِط بالكون في راحة يديك وبالأبدية في ساعة زمنية” ويليام بليك، الكون في راحة اليد.
يظل الإنسان يبحث في شغف عن أصل الوجود، الحياة، الموت وما بعد الموت. ومنذ القديم، وفكر الإنسان متعلق بالمالانهاية، فسّرها بالأسطورة، وخاف من المجهول، فخلق الخرافةَ. تطور فكرُه وإبداعه ونضوجه العلمي والفلسفي والديني فأطلق لخياله العنان؛ نجده يبحث حائرًا بين الحقيقة والمعتقد، بين المقدس وغيره، بين الثابت والمتغير، حائرًا بين المطلق والنسبي.
وما نقف أمامه متعلقٌ بمدى فهمنا للوحي فيما يتناوله كتابُ التكوين عن الخلق من جهة ونسبية التفسير أو التأويل للقصة الكتابية من الناحية الأخرى.
تعريف الوحي
التعريف البسيط للوحي المكتوب أنه هو كلمة الله مُصاغة في لغة وثقافة البشر. “تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (2بط 1: 21)، وفي الحقيقة هذه الكلمات تحمل أبعاد الوحي بشقَّيْه الإلهي والإنساني، المطلق والنسبي. فالوحي هو نقطة التماس التي التقت عندها القدرة بالعجز، غير المحدود بالمحدود، اللانهائي مع المتناهي، المطلق مع النسبي. إن نقطة الالتقاء هذه هي تفاعل وشراكة، وتكامل بين الله والإنسان، (التكامل في ما يختص بالإعلان والوحي) وليست نقطة صراع أو اضطراب. كما أن فرضيات التوافق هذه تتيح للإنسان حرية التعامل مع النصوص المقدسة وإدراك المتناقضات سواء الظاهرية أو الفعلية.
كاتب الوحي بين النسبي والمطلق
نجد قصص الخلق منتشرة في ثقافات وأساطير عديدة بمثابة إعلان مبدئي ومحاولة إبداعية للفهم. فالله فاعل في التاريخ البشري ومتواصل معه. فقصة التكوين وما قبلها من صور مختلفة للإعلان هي محاولة النسبي أن يفهم المطلق، وربما هناك ثمة تصالح بين المطلق والنسبي. فكلما زاد الوعي ندرك أن القصة المكتوبة ليست بالمُطلق المجرد ولكن فيها يتشابك المُطلق مع النسبي؛ فكاتب التكوين لا يعرض الحقائق المطلقة لتأسيس العالم من وجهة النظر الفيزيائية والرياضية ولكنه يصيغها من وجهة النظر المطلقة الإيمانية، حتى هذه النظرة المطلقة الإيمانية مقولبة في الإطار النسبي للكاتب حسب ما وصل إليه من إعلان. فالصورة المطلقة للخلق لا بد أن يُنظر إليها بمنظور نسبي حيث إنه لا يمكن فهم وتفسير كل أبعادها. فهذا الموجود المادي النسبي –المخلوقات- يشير إلى المطلق الإيماني في صياغات نسبية. “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. يَوْمٌ إِلَى يَوْمٍ يُذِيعُ كَلاَمًا، وَلَيْلٌ إِلَى لَيْل يُبْدِي عِلْمًا” (مز 19: 1-2)، “لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ” (رو 1: 20).
في مرحلة أكثر تلامسًا مع البشر تطوّر الإعلانُ العام إلى وحيٍ مكتوب؛ فالكاتب يحكي قصة الخلق ليس سردًا مجردًا لكنه يزامن -لو جاز التعبير- ثلاثة أزمنة:
- الزمن الأول، زمن الله وهو غير مُدرَك لا في الزمان ولا في المكان المعروفين لدينا.
- الزمن الثاني، زمن حدوث القصة؛ أي الخلق.
- والزمن الثالث، هو الزمن الذي يعيشه الكاتب.
فتعامل مع المطلق على أنه الموجود بذاته، وانتقل بين الماضي والحاضر جعل الزمن يلتقي ماضي القصة بحاضره، إذ استحضر القصة القديمة، قصة التكوين، دامجًا إياها بواقعه المعاصر مستخدمًا مفرداته النسبية، بعقله النسبي ليعبر به عن حقائق.
مصطلحات وتعبيرات
اعتمادًا على فهم الطريقة التي كُتب بها الوحي وكيف استخدم الكاتب مصادره ونظرته الخاصة ليُعبر عن المطلق بلغته النسبية ويزامن الأحداث بلغته القديمة الحاضرة، هكذا يجب على المفسر فعل هذا للوقوف على المتغيرات وتوضيح الثوابت في مرونة حقيقية وثبات غير جامد.
ففي التعبيرات: “في البدء”، “وقال الله ليكن فكان…”.
في البدء، بحث الإنسان في أصل التكوين ليُرجع كل شيء مخلوق من العدم؛ ذلك العدم الذي لا نستطيع أن نُعرّفه. فمن العدم خلق الله الموجودات، بالرغم من أن هذا العدم غير موجود. في حقيقة الأمر لو جاز استخدام كلمة حقيقة إن إدراك الخلق من “العدم” يفوق الإدراك النسبي، ولكنّه سعي مركب لتعريف اللاموجود بأنه العدم الذي من خلاله أوجد الله الموجودات. فالله وحده هو أساس الوجود.
ونجد أيضًا مفردات نسبية مثل: مفهوم النور، اليوم، الترتيب في أيام الخلق، وجود قصتين للخلق، ليس للتناقض أو غموض بل أمانة وفهم واعٍ من الكاتب لشرح معتقد وإيمان.
فما يتعلق بالإنسان في إطار زمانه ومكانه لا يمكن صياغته سوى بشكل نسبي؛ فهي تابعة للإنسان ومتغيرة المفهوم والقصد. وكل ما هو خارج المكان والزمان فهو مطلق غير خاضع لمتغيرات الإنسان.
النور: وهو ليس الشمس أو القمر، ولكن العلماء يفسرونه على أنه السدم الكونية. ويعتقد البعض أن هذه الآيات متعلقة أو تشير إلى خلق الكون. بالرغم من أن قصة الخلق تعنى في الدرجة الأولى بخلق الأرض والمخلوقات لأجل الإنسان الذي هو محور القصة. ونحن لا نرى هذا النور وذلك لوجود الشمس والقمر. ولأنه في الكون الخارجي.
مساء وصباح كان يومًا: نحن نتصارع حول مدة هذا اليوم، هل هو 24 ساعة؟ أم حقبة زمنية غير معروفة من الممكن أن يقدرها العلماء؟
لو عرفنا وفهمنا أن الله خارج إطار الزمن، وأن تلك القضية بعيدة عنه لتصالَحنا مع العلم وتأكدنا أن اللحظة وملايين السنين تتساوى أمام الله فهو القدير الذي ليس لديه زمن حيث إن الماضي والحاضر والمستقبل بالنسبة له تعالى هو حاضرٌ. لذا لا مانع أن تكون أيام الخلق حقبًا زمنية.


