العبادة من البدء إلى القرن السادس عشر
- Sermon By: ق. كرم لمعي
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
في إحدى المرّات، دعوتُ “مرنمًا” ليقود التسبيح في اجتماع الأحد، وأخبرته مُسبقًا بترتيب العبادة وموضوع القراءات الكتابية والصلوات، فقال لي إنّه يفضّل أن تكون فترة التسبيح متّصلة دون “مقاطعة”. ومرةً أخرى دعوت شخصًا آخر وأخبرته بموضوع العظة واقترحتُ عليه في أي اتجاه يمكن أن تسير الترانيم، فأخبرني أنه سيعدُّ الترانيم حسبما يرشده الروح! واعترض ثالثٌ على طلبي بحذف ترنيمة لأنها ليست صحيحة لاهوتيًّا. اعتدتُ أيضًا أن أرسل النّص الكتابي للعظة إلى الشعب قبل يوم الأحد ليقرأوه ويصلّوا ويستعدوا، فأرادني البعض ألا أفعل هذا لأنهم يفضلون أن يتفاجأ الناس بالعظة دون أن يكون لديهم تخمينات مسبقة.
كل هذه الأمثلة وغيرها يكشف لنا مقدار العوار الكبير في فهم الناس لماهية العبادة وكيفية ممارستها بما يعكس كلمة الله بالحقيقة وبالطريقة التي تكرّس للفكر المصلح والتقليد الآبائي الذي لا يتعارض مع الكلمة. والحق أنّ غالبية كنائسنا وشعبنا والكثير من القسوس والمجالس لا تعير هذا الأمر أي اهتمامٍ، واستسلمت الغالبية للتيارات الطاغية على الساحة الكنسية، ويمكن القول: حيث لا ليتورجيا كنسية صحيحة عبد كل واحد كما يحسن في عينيه.
في هذه المقالة سأتتبّع، بإيجاز، تاريخ العبادة منذ بدء الخليقة وحتى عام 1516، عام الإصلاح، وأتمنى أن يكون هذا الجهد البسيط نواةً لمزيد من الدراسات والمناقشات التي تخلق تحركًا جادًّا ومسؤولًا نحو إصلاح العبادة بما يمجّد الله فعلًا. والدافع لهذا هو أنّ الله، المستحق للمجد قد سبق وأعلن في الكلمة كيف يجب أن يُعبد بدءًا من جنّة عدن. فهيّا بنا.
أولًا: العبادة في العهد القديم
- ما قبل الآباء
من الإصحاحات الأولى في سفر التكوين نتبين أن العبادةَ في جنّة عدن تركزت في طاعة الإنسان لوصية الله، وبنوع من الشركة والحديث، وقد خلق الله الإنسان على صورته لتكون له القدرة على التواصل مع الله وعبادته، وبكسر الوصيّة فقد أعلن الإنسان أنه لا يريد أن يعبد الله، فَحُرم الإنسان من الشركة والعلاقة مع الله. ثم نلتقي مع قايين وهابيل وتقديم القرابين لله، فنجد أنّ الإيمان كان ضروريًّا ليقبل الله القربان (عب 11: 4) وكان لا بد أن يقترن الإيمان والقربان بالسلوك الصالح في نفس الوقت (1يو 3: 12). ومع الوقت تزايد شر الإنسان، ورفض الخضوع لله، إلا أن نوح تعّبد للرب وسلك في وصاياه… وصولًا إلى برج بابل، الذي كشف إصرار الإنسان على التمرد ونبذ التعبّد لله وانتهى الأمر بتبديد الإنسان على وجه الأرض.
- عصر الآباء
دعا الله إبراهيم ووعده بالبركة، فتجاوب إبراهيم مع الدعوة وعَبَد الله (تك 13: 18)، ثم ظهر ملكي صادق ليقود العبادة بتقديم الخبز والخمر، وقام إبراهيم بإعطائه العشور يمكن اعتبار الخبز والخمر والعشور والبركة عناصر العبادة، وسار إبراهيم وإسحاق ويعقوب على نفس الدَّرب (تك 26: 25، 33: 20).
- موسى والخروج وكنعان
بالخروج من مصر تأسّس الفصح اليهودي ليتذكّر الشعب به خلاص الله، وفي سيناء أعطى الله لوحي الشريعة مع كل التفاصيل الخاصة بإقامة خيمة الاجتماع ونظام الذبائح والكهنوت، الأمر الذي يبيّن الأهمية القُصوى للعبادة في فكر الله، حيث أعطى تعليمات وتفاصيل دقيقة ومحدَّدة لكيفية الاقتراب إليه، لاحظ تكرار كلمة “كما أمر الرب موسى” في (سفر العدد الإصحاحات 16- 33). فنرى الله بنفسه يحدِّد نوعيَّة وكيفيّة العبادة التي يجب أن يقدّمها إسرائيل له. لكن سرعان ما قاد هارون الشعب إلى عبادة عجل ذهبي (خر 32: 1- 6) وكان هذا مناقضًا للوصايا واختزالًا لله في القوّة وتشبيهًا له بآلهة مصر. وفى أرض كنعان عبد الشعب آلهة الأمم وعلى رأسها البعل.
- من داود إلى السبي
أحيا داود العبادة بإرجاع تابوت العهد إلى أورشليم التي جعلها العاصمة الدينية (2صم الإصحاحان 6، 7)، كما أعدَّ المواد اللازمة لبناء الهيكل، ثم أدخل الآلات الموسيقية إلى العبادة، ونظم فِرَق اللاويين للترنيم، وكتب المزامير، ثم جاء سليمان وبنى الهيكل وانتظمت العبادة فيه (1مل 5- 9)، ولكن انحرف سليمان وراء آلهة الوثن فانقسمت المملكة عقابًا له، ثم حدث السبي ودمار الهيكل وأورشليم (2مل 25: 9)، ولم يعد الهيكل مركز العبادة؛ ففي السبي التفَّ الشعب حول الشريعة وصار المجمع هو “الإكليسيا”، ومركز التربية الدينية والاجتماعية. وتركّزت العبادة في المجمع في قراءة الكلمة وشرحها (Webber, 27). ولعب المجمع دورًا مهمًّا في تثبيت الإيمان وحفظ الصلاة والكلمة المقدَّسة، ويقسم دينس (Deddens, 16-17) العبادة في المجمع إلى:
- الشِّماع (تث 6: 4)
- الصّلاة، وتختم من الشعب بالقول: “آمين”
- البركة الهارونية (عدد 6: 24- 27)
- قراءة وشرح الكلمة (الشريعة والأنبياء) (لوقا 4: 16- 27، أع 13: 14- 41).
وصار للمجمع اليهودي أكبر أثر فيما بعد على العبادة المسيحيّة. وبعد السبي، أعيد بناء الهيكل وأورشليم، وأصبحت الشريعة قانون الحياة، وارتبطت هوّية الشعب بالأرض، إلى أن غزا الإسكندر الأكبر فارس وانتشرت الهلنستية وأثَّرت في الفكر اليهودي والعبادة، خاصةً في المجامع، وانقسم اليهود إلى: محافظين رفضوا الهلنستية، مثل الفريسيين، ومتحرّرين قبلوا التأثير الهلنستي بمرونة، مثل الصدّوقيين.
- خلاصة العبادة في العهد القديم
- تمثلت عناصر العبادة في إعطاء الشريعة في جبل سيناء، الهيكل والمجمع والأعياد اليهودية وأهمها الفصح والخمسين.
- مبادئ العبادة هي أن الله وحده هو المعبود، ولا بد من عبادته وفق النموذج الإلهي الذي أقرّه هو.
- رغم أنّ الله مرتفعٌ فوق الكلّ إلا انّه أراد أن يسكن وسط شعبه (الخيمة ثم الهيكل).
- لا يمكن الاقتراب المباشر إلى الله إلا عن طريق الوساطة (الكهنوت) والذبائح.
- طاعة الشريعة عمليًّا لا تنفصل عن التعبد لله.
ثانيًا: في العهد الجديد
- موقف يسوع
صادَقَ يسوع على العبادة اليهودية (لو 2: 21- 51، يو 7: 14- 49، 10: 22- 23)، لكنه بيَّن أن دور العهد القديم كان في التمهيد لمجيئه، غير أنه لا يوجد ما يشير إلى أن يسوع قدَّم ذبائح في الهيكل، أو وافق على نظام الذبائح (Webber, 43). ووَصَف يسوعُ نفسَه بأنه أعظم من الهيكل (مت 12: 6) ومركز الكتب المقدسة (لو 4: 16- 30) وهاجم يسوعُ زيفَ ورياء العبادة والتناقض بين الممارسات والسلوك اليومي.
والعبادة الحقيقية، كما أقرَّها يسوع، تكون للرب وحده، بالروح والحق مع حياة السلوك القويم (مت 4: 4، 7، 10، يو 4: 17- 24). وعندما انشقَّ حجابُ الهيكل عند موت يسوع دلَّ على انتهاء الأنظمة القديمة (عب 9: 6، 24؛ 8: 2) ويوجز Reed ريد (Reed, 58) النتائج المترتبة على موت يسوع في التالي:
- انتهاء دور الهيكل كمركز للعبادة.
- انتهاء الكهنوت اللاوي كوسيط للاقتراب إلى الله.
- انتهاء دور الذبائح الحيوانيّة كطريق الاقتراب إلى الله.
ويستبدل (Webber, 35) عهد سيناء Sinai- event كمصدر للعبادة بـعهد المسيح Christ – event ويطلق عليه الخروج الثاني، الذي هو دخول المسيح إلى العالم لفداء شعبه.
- العصر الرسولي
بقراءة سفر الأعمال نجد أن الرّسل والكنيسة الأولى واظبوا على العبادة في الهيكل دون الشعائر أو الطقوس اليهودية، وظهر تمييزٌ واضح بين العبادتين اليهودية والمسيحية؛ فنجد في أع 2: 42 مواظبة التلاميذ على تعليم الرسل، والشركة، وكسر الخبز، والصلوات. أما عن تأثير الهلنستية فيقول ويبر: “تميزت العبادةُ المسيحية الهلنستية بالتخلي عن الطقسية اليهودية، ونظر المسيحيون إلى الشعائر اليهودية على أنها تحققت وأُعِيد تفسيرُها في يسوع” (Webber, 35).
تم استبدال الفصح اليهودي بالعشاء الرباني (الشركة) وأضيف إلى عناصر العبادة المجمعية؛ كالشكر وتعليم الرسل والمعمودية باسم يسوع. وأضيفت كلمات خاصّة مثل؛ “أبّا”، “ماران آثا”، “آمين” بالإضافة إلى “التحيّة” و”البركة الرسوليّة” (Deddens 16, 17). ويُجمل ريد مبادئ العبادة في القرن الأول كالآتي:
- الله وحده موضوع العبادة.
- على الإنسان أن يعبد الله وفق الوسائل التي يعطيها الله في كلمته.
ليس مسموحًا بتعديل أو تبديل العبادة كما هي معلنة في كلمة الله (Reed, 58).


