مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

العهود والتدابير بين الفكر العهديّ والتدبيريّ

Watch Now

Download

العهود والتدابير بين الفكر العهديّ والتدبيريّ

يعتقد الكثيرون أن الاختلاف بين المسيحيين هو فقط الاختلاف بين الكنائس التقليديّة (الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة) وبين الكنائس البروتستانتيّة بمختَلَف بمذاهبها، وكأن هذا هو فقط الاختلاف. ولكن في الحقيقة الأمر ليس كذلك، فبداخل الطوائف البروتستانتيّة توجد اختلافات كبيرة أيضًا؛ فمثلًا يوجد داخل الطوائف البروتستانت تيارات ومذاهب كارزماتيّة تختلف تمامًا عَن باقي الكنائس الإنجيليّة. وتوجد أيضًا تيارات ليبراليّة تختلف كل الاختلاف عَن التيارات الأصوليّة وحتى المحافظة داخل الإنجيليين أنفسهم. وفي ضوء هذه الاختلافات -التي قد لا يُدركها العوام مِن الشعب الإنجيليّ، ولكنها بالطبع مفهومة للدارسين والمتخصصين- يُريد الباحث أن يُلقي الضوء على الاختلاف بين تيارين أساسيين داخل الطوائف البروتستانتيّة واللذين يختلفان عَن بعضهما البعض اختلافًا ضخمًا جدًّا، سواء في طريقة تفسيرهما للكتاب المقدس، وبالتالي التعامل مع نصوصه المختلفة، أو في استخراج المعاني اللاهوتية والعقائد المختلفة.

والتياران اللذان يقصدهما الباحث هما: التيار العهدي، والذي تتبناه الكنائس المُصلحة مثل: الكنيسة المشيخية واللوثرية والأسقفية…، والتيار التدبيري الذي تتبناه كنائس الإخوة في كل العالم وكنائس أخرى مثل الرسوليّة والخمسينيّة والمعمدانيّة…، وبالطبع يصعب أن نرصد جميع الاختلافات بين هذين التيارين من النواحي التفسيريّة أو النواحي اللاهوتيّة، لكن في هذه الورقة البحثيّة سيجتهد الباحث أن يُوضح الاختلافات الأساسية بين بين التيار العهدي والتيار التدبيري في قضية العهود والتدابير وعلاقة الله بالإنسان منذ خلق العالم وحتى أحداث مجيء المسيح الثاني ونهاية الزمان وما يُعرف بالإسخاتولوجي.  

اللاهوت التدبيري

استمد التدبيريون هذا الفكر من نظرياتِ سابقي الألف سنة التاريخيين، والتي تبنَّاها اللاهوتيون القدامى منذ القرن الثاني الميلادي، أما هذا التعليم للتدبيريين المُحدثين فإنه يفصل فصلًا تامًّا بين إسرائيل والكنيسة، وهذا التعليم لم يظهر قبل جون نيلسون داربي (1800 – 1882) وظهر أيضًا على يد سكوفيلد عام 1909، وهذا ما يؤكد الاختراق الصهيوني للمسيحية، ويتفق التدبيريون المحدثون مع أصحاب النظرية التاريخية الذين يقولون إن المسيح سوف يحكم الأرض بصورة حرفية لمدة ألف سنة بعد مجيئه الثاني، ونحن نرى أن الملامح الأساسية لهذا الفكر هي كالتالي:

أولًا: تبني التفسير الحرفي لكل الكتاب المقدس، سواء كان النص أخلاقيًّا أم أدبيًّا أم تاريخيًّا (وهو ما يُسمى التفسير بظاهر النص) وهذا خطأ فادح في فهم قواعد التفسير وتطبيقها، فلا شك أن هناك نصوصًا كثيرة لا تُفسَّر بشكل حرفي.

ثانيًا: تقسيم التاريخ الإنساني إلى حقب تبعًا لتعاملات الله مع الإنسان، واعتمدوا في ذلك على اختلاف أسلوب الله في تعامله مع الإنسان من حقبة إلى أخرى، ولذلك يطلق عليهم أيضًا “الحقبيين”.

ثالثًا: يقسّم التدبيريون تاريخ العالم إلى سبعة عهود أو تدابير، ولذلك عُرِفوا بالتدبيريين، ويشتق التدبيريون اسمهم من كلمة (تدبير Οικονομια أويكونوميا) والتي تعني أيضًا وكالة. وهي مأخوذة من قول الرسول بولس “تدبير ملء الأزمنة” (أف 1: 10). ويرى التدبيريون أن الله تعامل ويتعامل مع البشر من منطلق سبعة تدابير لها جانب زمني وجانب موضوعي (عصور مختلفة وتعاملات مختلفة) هي كالتالي:

  1. التدبير الأول: تدبير البراءة – بدأ مع خلق آدم وانتهى بالسقوط.
  2. التدبير الثاني: تدبير الضمير – بدأ بعد السقوط وانتهى بالطوفان.
  3. التدبير الثالث: تدبير الحكومات – بدأ مع نوح بعد الطوفان وانتهى بالوعد الإبراهيمي.
  4. التدبير الرابع: تدبير الوعد – بدأ مع إبراهيم وانتهى بنزول الشريعة على جبل سيناء.
  5. التدبير الخامس: تدبير الناموس – بدأ بنزول الشريعة وانتهى بنزول الروح القدس في يوم الخمسين.
  6. التدبير السادس: تدبير النعمة – بدأ من يوم الخمسين وينتهي بالاختطاف السري للكنيسة.
  7. التدبير السابع: تدبير المُلك الألفي – سيبدأ بعد ظهور المسيح ويمتد ألف عام وسينتهي بدينونة الأشرار والدخول للحالة الأبدية.

وهذا التقسيم يوضح نظامًا في منتهى التعقيد، لكي يُبين الفرق بين زمن وآخر، وهو يعتمد على تفسير حرفي ثقيل للنبوات، ويعتمد أيضًا على أن كل نبوة يجب أن تُحقَّق بالحرف، وهذه القاعدة غير مقبولة في مبادئ التفسير العلمي الصحيح للنصوص المقدسة؛ حيث يجب الاعتماد على أسلوب واحد في النص الواحد، وتتحدث هذه النظرية عن عودة المسيح ثانيةً يبن التدبير السادس والسابع، وستكون هذه العودة سرية بهدف اختطاف الكنيسة (المؤمنين الحقيقيين) حيث يكونون في السماء أثناء الضيقة وقبل المجيء الثاني للمسيح والذي يُعرف بالظهور لأنه سيتم علنيًّا، وقد اقترح البعض منهم حربًا عالمية ثالثة في نهايتها يظهر “ضد المسيح” وهو إنسان يأتي إلى العالم قبل أن تبدأ هذه الحقبة بمجد غير عادي، كملك أو كرئيس عظيم، تلي ذلك الحقبة السنوات السبع وفيها الضيقة العظيمة على العالم، وقد اقترح البعض الآخر تقسيم هذه الحقبة إلى جزئين كل جزء منها 3.5 سنة أو 42 شهرًا أو 1260 يومًا لكل جزء، في هذه الأثناء يبدأ نشاط ضد المسيح هذا، ويقول عنه دانيآل النبي: “وَيَتَكَلَّمُ بِكَلاَمٍ ضِدَّ الْعَلِيِّ وَيُبْلِي قِدِّيسِي الْعَلِيِّ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُغَيِّرُ الأَوْقَاتَ وَالسُّنَّةَ، وَيُسَلَّمُونَ لِيَدِهِ إِلَى زَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ وَنِصْفِ زَمَانٍ” (دا 7: 25)، وفي أثناء هذه الضيقة سوف تؤمن أغلبية إسرائيل بالمسيح كالمسيّا، وبسبب إيمان هؤلاء اليهود سوف يؤمن عدد كبير من الأمم بالمسيح، وفي ختام السنوات السبع يأتي المسيح ثانيةً بصورة علنية وبمجد، حيث يدخل في معركة مع جميع أعدائه في معركة (هرمجدون) ويدمرهم ويسحقهم، وفي ذلك الوقت يكون قد تم تجميع اليهود الذين آمنوا بالمسيح في أثناء الضيقة العظيمة من كل أنحاء العالم، وبعد ذلك يدخل المسيحُ أورشليمَ ويتم تقييدُ الشيطان ويملك المسيح ألف سنة حرفيًّا على الأرض، وتحت هذا الحكم ستكون لليهود مكانة أعظم من كل الأمم، وسيكون قد تم بناء الهيكل، وستعود الذبائح مرة أخرى، وسيملأ العدلُ والسلامُ الأرضَ، وفي نهاية الألف سنة سيتم حل الشيطان ثمّ يُهزَم نهائيًّا، وعندئذٍ تكون القيامة العامة ودينونة الأموات وتبدأ الحالة الأبدية.

اللاهوت العهدي

تتبنى الكنيسة الإنجيلية المشيخية Presbyterian Church هذا اللاهوت، وهذه النظرة اللاهوتية هي نظرة الكنيسة المُصلحة منذ نشأة الإصلاح، ولم تتغير إلا عندما ظهر اللاهوت التدبيري كما ذكرنا أعلاه. هذا اللاهوت مبنيٌّ على طريقة مُعينة لفهم الإعلان الإلهي، فهي ترى أن إعلان الله عَن نفسه وعَن عهده مع شعبه في الكلمة المقدسة، هو إعلان يتجه تدريجيًّا نحو التقدم والاكتمال حتى يتحقق في العهد الجديد في شخص الرّب يسوع المسيح وعمله ورسالته. الذي جاء في الجسد ليُنجز هذا التحقيق، وسيأتي في المستقبل ثانيةً في مجد ليستكمل عمله، عندما يدين الشر ويتمجد في قديسيه.

ترى هذه المدرسة الكتابَ المُقدس بعهديه كتابًا واحدًا، يسري فيه كله تيار واحد هو تيار العمل الفدائي الكبير، وإقامة الملكوت الذي أعدَّ له الله في العهد القديم وتحقق في العهد الجديد، وفي ترتيب تصاعدي لإعلان العهد والوعد، ووصل ذروته في شخص المسيح. ولذلك يجب أيضًا أن نلاحظ الفرق بين نظرة العهد القديم ونظرة العهد الجديد، فنظرة العهد القديم هي نظرة الإعداد والتطلع، أما نظرة العهد الجديد فهي نظرة الاختبار والتحقيق، في طريق الاكتمال عندما يأتي المسيح ثانيةً ليكمل العمل الذي بدأه.