مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

القيامة في غزة

Watch Now

Download

القيامة في غزة

منذ أن قامت الحرب في غزة -أكتوبر 2023- ونحن جميعًا كشعوب عربيّة، بل وأيضًا كثير من شعوب العالم المحبين للخير والسلام، قلوبنا اعتصرت وتألمت لما يحدث لأشقائنا في فلسطين؛ حيث إن ما يحدث من قتل وذبح هو ضد الإنسانيّة وضد كل المعاير الأخلاقيّة في كل الشرائع والأديان والثقافات والحضارات.

وستظل قلبونا تدمي ونتحد مع الشعب الفلسطيني لما يحدث في غزة، حتى لو صمت العالم كله، واختلت موازين العدل والعدالة، وخفت صوت الحق، وتمّ مغالطة المنطق والفكر السليم؛ لأن هذا واجبٌ إنسانيٌّ علينا في المقام الأول، وواجبٌ أخويٌّ لشعبنا العربي، الذي نفتخر أننا جزء منه.

ولكن السؤال المطروح في وسط هذا المشهد المظلم الصعب، وفي ظل معاناة شعبنا الفلسطيني وأهالينا في غزة، هل يوجد رجاء؟ هل توجد طاقة نور يمكن أن تتخلل المشهد؟

وبالطبع يمكن الإجابة على هذا السؤال بأكثر من مدخلٍ؛ فيمكن الإجابة من مدخلٍ سياسيٍّ عسكريٍّ، ويمكن الإجابة من مدخلٍ اقتصاديٍّ ماديٍّ، ويمكن الإجابة من مدخلٍ تنمويٍّ إغاثيٍّ، ويمكن أيضًا من مدخلٍ نفسيٍّ اجتماعيٍّ. ولكن أريد في هذا المقال عزيزي القارئ أن أجيب على هذا السؤال من مدخلٍ لاهوتيٍّ مسيحيٍّ؛ حيث إن إيماننا المسيحي يكوِّن لدينا نظرةً عالميّةً World View نستطيع من خلالها رؤية الأحداث المختلفة والتفاعل معها بعدسات الإيمان المسيحي الكتابي.

وفي إطار الإجابة على سؤال هل يوجد رجاء؟ يتزامن صدور هذا العدد من مجلة النسور مع عيد القيامة المجيد -بحسب التقويم الشرقي- الذي يحتفل به المسيحيون جميعًا من مختلف العائلات (الطوائف والمذاهب)، ولذلك أرى أن القيامة هي المدخل اللاهوتي المناسب للرّد على هذا السؤال.

لذا دعنا عزيزي القارئ نلقي نظرة سريعة عابرة على مفهوم القيامة في المسيحيّة وتطبيقاتها العمليّة، ثمّ نربطها بالوضع الحالي في غزة.

القيامة في المسيحيّة

تُعتبر القيامة حجر زاوية في الإيمان المسيحي، حيثُ إنه لا يُمكن أن يكون الشخص مسيحيًّا دون أن يؤمن بالقيامة. فمركز المسيحيّة الأساسي هو يسوع المسيح، والمسيح يسوع في تجسده صُلبَ وماتَ وقامَ مِن بين الأموات، وأكدَّ بقيامته على قيامة جميع المؤمنين به؛ حيثُ أصبح لا سلطان للموت على المؤمنين، إذًا فالقيامة مركزية جدًّا في إيماننا المسيحي.

ومن أهم ما يلفت النظر في بداية الكرازة بالإنجيل، هو تأكيدها على موضوع القيامة؛ فقد كان المبشرون الأوائل على يقينٍ كاملٍ من أن المسيح قد قام، ومن ثم كانوا متيقِّنين أيضًا من قيامة المؤمنين في الوقت المعين، فالأناجيل تقصُّ علينا قصة شخص مات حقيقةً، ولكنه غلب الموت وقام ثانيةً. وحيث إن قيامة المسيح لا تشبهها قيامةٌ أخرى في الديانات الوثنية، فمن الحق أيضًا أن موقف المؤمنين بالمسيح من قيامتهم -التي هي نتيجة لقيامة سيدهم- يختلف اختلافًا جذريًّا عن أي شيء في العالم الوثني. فليس هناك ما يميز الفكر العالمي اليوم، مثل عجزه التام أمام الموت، لذلك كان من الواضح جدًّا أن تكون القيامة في الدرجة الأولى من الأهمية للإيمان المسيحي.

القيامة حدث تاريخي، بحسب الإيمان المسيحي المبني على الكتاب المقدّس. فالكتاب يشهد بوضوح عن أن القيامة حدث تاريخيًّا للسيد المسيح، فهو قام من بين الأموات في اليوم الثالث من صلبه وموته ودفنه بالقبر، ويذكر أن هذا حدث عام 27م تقريبًا.

القيامة معنى لاهوتي، تؤكد القيامة على قوة وقدرة الله، وتعلن نصرته الحاسمة على الخطية، وعلى قوات الشر الروحيّة، وأنه تم إنجاز الخلاص الذي تم في المسيح يسوع للبشريّة. كما تعلن القيامة ايضًا لاهوت المسيح وتؤكد أنه قادر على هزيمة الموت والانتصار عليه. 

القيامة خبرة روحيّة، نؤمن كمسيحيين أن العلاقة مع الله هي اختبار روحي داخلي، يأتي عندما يقرر الإنسان أن يقبل نعمة الله الخلاصيّة بالإيمان، فيتم التحرير من الخطية وتبدأ رحلة الإيمان في حياة التقوى والقداسة، هذه الخبرة التي تمثل الانتقال من الموت الروحي إلى الحياة الروحية مبنية على قيامة يسوع المسيح من الأموات.

القيامة رجاء مستقبلي، تؤكد قيامة المسيح على قيامة المؤمنين في نهاية الزمان، وهذه حقيقية لاهوتيّة نؤمن بها كمسيحيين؛ فنحن نعيش في ضوء هذا الرجاء وهو أن آلام الزمان الحاضر ليست هي المطاف النهائي ولكن يوجد نهاية مختلفة تقضي على الألم والشر إلى الأبد.

بالطبع يعوزنا الوقت لشرح حقيقة القيامة، سواء من الناحية التاريخيّة الكتابيّة أو اللاهوتيّة، وكذلك التطبيقات العمليّة والروحيّة، ولكننا استعرضنا سريعًا لمحةً عن القيامة، حتى نستطيع الإجابة على السؤال المطروح بشأن قضية غزة، هل من رجاء؟ وهل تستطيع حقيقة القيامة والإيمان بها أن يتفاعل مع الوضع الراهن في فلسطين؟ وهل نستطيع كمسيحيين أن نحتفل بذكرى القيامة دون أن ننفصل عن أشقائنا في غزة، ودون أن نغترب عن السياق الذي نعيش فيه؟

لذا ننتقل في الجزء القادم في المقال لمحاولة إيجاد رابط بين القيامة وواقع غزة. 

  القيامة في غزة

            بناءً على ما تمّ تقديمه عن القيامة، أرى أن في القيامة نستطيع أن تتفاعل مع حال إخوتنا في غزة، وتقديم رجاء حقيقي لهم في ظل هذه الكارثة الإنسانيّة الحادثة والواقعة عليهم.

القيامة رمز التجديد، يُعتَبَر مفهوم القيامة بمثابة استعارة قوية للتجديد والبدايات الجديدة. في سياق الحرب، حيث يتفشى الدمار والخسارة،  ففكرة أن الحياة يمكن أن تبدأ من جديد تعتبر فكرة مُلحة جدًّا، حيث تتوفر منارة للأمل، ويُخلق الرجاء الحقيقي في الحياة من بعد الموت. فالقيامة تذكِّر الناس دائمًا بأنه حتى في أحلك الأوقات، هناك إمكانيّة لإعادة البناء والتعافي لأهالينا الفلسطينيين في غزة.

القيامة قوة أخلاقيّة وروحيّة، كما ذكرنا أن القيامة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحياة الروحيّة والأخلاقيّة، فالقيامة تؤكد أيضًا على موضوعات الثبات الأخلاقي والمرونة الروحيّة. وهذا يمكن أن يزود الأفراد بالقوة الداخليّة اللازمة لتحمل المصاعب، والحفاظ على قيمهم، ومواصلة النضال من أجل ما يعتقدون أنه صحيح، حتى عندما تكون الظروف قاسية. وكذلك على المستوى المجتمعي، يمكن لفكرة القيامة أن تعزز الشعور بالمرونة الجماعية. يمكن للمجتمعات التي دمرتها الحرب أن تعتمد على هذا المفهوم للتوحيد والعمل معًا من أجل إعادة الإعمار والشفاء، ويمكن أن يلهم التضامن والدعم المتبادل، التغلب على الآثار الطويلة الأجل للصراع، ومن ثمّ أمل حقيقي للأشقاء في غزة.