القيامة حدث تاريخي أم اختبار يومي؟؟
- Sermon By: القس محسن منير
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
في البدء كان الكلمة، والكلمة صار جسدًا وحل بيننا (يو ١: ١) وعاش يعلن ما جاء من أجله وأتم عمله الفدائي على الصليب ودفن وقام في اليوم الثالث حسب الكتب (١كو ١٥: ٤). وصرنا -كمسيحيين- نحتفل بهذا الحدث كل عام. لكن ترى هل قيامة المسيح يمكن اختزالها فقط في الاحتفال السنوي بها؟ أم هي حدث يتغلغل في كل جوانب حياتنا؟؟
للإجابة عن هذا السؤال بصورة صحيحة، أدعوك عزيزي القارئ لجولة معًا في الإصحاح العشرين من إنجيل البشير يوحنا. ونحو فهم أفضل لهذا الإصحاح نحتاج إلى فكرة سريعة عن مسرح أحداثه.
لقد كان حلول يوم السبت في المجتمع اليهودي يضع قيودًا على السفر والتنقل، لذا كان لزامًا على أتباع يسوع -المتألمين بعد صلبه وموته- أن يقضوا اليوم في حداد، فقد كان التقليد اليهودي يلزم بطقس حدادي معين يتم في القبر أثناء الأيام الثلاثة الأولى بعد الوفاة. وطبقًا لهذا -جاء في الأحد «أول الأسبوع» بعض من تابعي يسوع ليتمموا هذا الطقس، ولقد تمت الزيارة تقريبًا في الساعات ما بين الثالثة والسادسة بعد منتصف الليل. ولقد كان القبر منحوتًا في الصخر ومغلقًا بحجر كبير مستدير ينحدر على منزلق من أعلى إلى أسفل ونهايته في مقابل فتحة القبر لإغلاقه. لقد كان من السهل نسبيًا غلق القبر، لكنه كان يتطلب العديد من الرجال الأقوياء لفتحه.
بعد هذه الفكرة المختصرة عن مسرح الأحداث، نتقدم للتعرف على بعض دروس القيامة وفق يوحنا ٢٠ من خلال التأمل في أربع أفكار:
(١) القبر الفارغ ١- ١٠.
(٢) مريم المجدلية ١١- ١٨.
(٣) التلاميذ ١٩- ٢٣.
(٤) توما ٢٤- ٢٩.
أولاً: القبر الفارغ ١– ١٠:
عندما وصلت مريم المجدلية ثم يوحنا وبطرس بعد ذلك إلى القبر شاهدوا ما لم يكونوا يتوقعوه أبدًا. لقد شاهدوا الحجر الضخم مدحرجًا والقبر فارغ والأكفان موضوعة بطريقة كما لو أنها مازالت تلف جسد المسيح مع الأطياب الملتصقة بها، ومنديل الوجه ملفوفًا بعيدًا قليلاً. وكل هذا خلافًا للوضع الطبيعي. قارن ذلك مع يوحنا ١١: ٤٤ عندما أقام الرب يسوع لعازر من الموت «فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة ووجهه ملفوف بمنديل. فقال لهم يسوع «حلوه ودعوه يذهب».
نرى أول ما يعلنه مشهد القبر الفارغ هو يقين تدبيرات العناية الإلهية، فالحجر المرفوع بالطبع لم يكن ليخرج يسوع من القبر.. بل رسالة بيقين التدخل الإلهي للتعامل مع العجز والمحدودية البشرية. فكما سبق القول أن الحجر الذي أغلق القبر كان يحتاج لعدد من الرجال الأشداء لتحريكه. عزيزي القارئ، مشهد القبر الفارغ يعلن لك أنه مهما كان قدر وعبء ما تواجهه من احتياجات ومشاكل لكنك ابن لهذا الإله القدير صاحب المحبة والقدرة اللانهائية والتي تصنع تدبيرات عنايته الفائقة القادرة على مواجهة كل ما تعاني منه، ومشهد القبر الفارغ يعلن أيضًا لك أين تجد المصدر الصحيح للإيمان. فعدد (٨) يخبرنا أنه عندما دخل يوحنا القبر ونظر المشهد «رأى فآمن». ولقد استخدم يوحنا البشير ثلاث كلمات مختلفة في اللغة اليونانية لكلمة «نظر أو رأى». ففي عدد (٥) كلمة «نظر» تأتي بمعنى «نظر نظرة عابرة» وفي عدد (٦) «نظر» تأتى بمعنى «نظر بتدقيق ولاحظ» ثم في عدد (٨) كلمة «رأى» تأتي بمعنى «رأى بإدراك عقلي واعٍ». كان إيمان بطرس ويوحنا مبنيًا على الدليل المادي والبرهان وغاب عنهما ما سجلته نبوات العهد القديم عن يقين انتصار المسيح وقيامته من الموت. لكن ماذا عنا نحن الآن الذين نعيش بعد قرون عديدة من هذا الحدث حيث لا نستطيع أن نرى الدليل المادي؟؟ لدينا ما هو أسبق وأبقى.. الكلمة المقدسة التي فيها كل ما يريد الله أن يعلنه (عدد ٩). وكل ما سجلته الكلمة المقدسة هو حق. فهذا ما تعلمه بطرس من خلال القبر الفارغ وسجله بقيادة الروح القدس في رسالته الأولى ١: ٢٣- ٢٥ «مولودين ثانية لا من زرع يفنى، بل مما لا يفنى، بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد. لأن «كل جسد كعشب، وكل مجد إنسان كزهر عشب. العشب يبس وزهره سقط. أما كلمة الرب فتثبت إلى الأبد».
ثانيًا: مريم المجدلية ١١– ١٨
نعلم من عددي ١٤ و١٥ أن مريم لم تتعرف على يسوع مع أنها رأته وسمعته، لقد كان الحزن والدموع يسيطران عليها. فقد كان بكاء مريم عبارة عن نحيب بصوت عال وفق عادات اليهود في ذلك الحين تعبيرًا عن حزنهم الشديد (يو ١١: ٣١، ٣٣). بالطبع ليس هناك خطأ في أن يعبر الإنسان عن حزنه الصادق، لكن حزن المؤمن -بعد إدراك حقيقة ومعنى قيامة المسيح- ينبغي أن يختلف عن حزن العالم الذي بلا رجاء (١تس ٤: ١٣- ١٨)، فنحن «ولدنا ثانية لرجاء حي بقيامة يسوع المسيح من الأموات» (١بط ١: ٣). وهكذا دائمًا يحرمنا استسلامنا للأحزان وضغوط الحياة من بركة الحضور والرفقة الإلهية في كل ما يواجهنا.. ونعود لحدث القيامة ليؤكد لنا هذه الحقيقة.. لا تدع دموعك وقلقك يحرمانك من التمتع بالحضور الإلهي في حياتك.
فور إدراك مريم للحقيقة الرائعة.. أن يسوع قد قام من الموت، كان رد الفعل هو مخاطبته بـ «ربوني» أي «سيدي» وهي كلمة في اللغة الأصلية تحمل معنى الاحترام والتبجيل، فقد كان لليهود ثلاثة مستويات من المعلمين» «رآب» Rab [أقل مستوى] ثم «رابي» Rabbi ثم «ربوني» Rabboni [أرفع مستوى]. ومازال حدث قيامة المسيح يجدد الإعلان الدائم والمستمر أننا ننتمي ونرتبط بملك الملوك ورب الأرباب سيد كل الخليقة ونحن تحت رعايتة وعنايته وقيادته وحمايته.
وأخيرًا، نجد أيضًا في عدد (١٧) تأكيد جديد من الرب يسوع إنطلاقًا من حقيقة قيامته أن الرسالة الأساسية لمن ينتمون له. هو إعلان هذا الخبر السار -يسوع قام- حقًا قام.
ثالثًا: التلاميذ ١٩– ٢٣
رغم إخبار مريم المجدلية التلاميذ بأنها رأت الرب وأنه تحدث معها (عدد ١٨) إلا أنه من الواضح أنهم مازالوا أسرى حزنهم وخوفهم، حيث كانوا مجتمعين معًا في غرفة مغلقة الأبواب لسبب الخوف من اليهود (عدد ١٩).. في حزن، قلق وتوتر، خوف، إحساس بالهزيمة وعدم الأمان.. في مناخ كهذا ماذا قدمت لهم قيامة المسيح؟
أول ما قال لهم يسوع «سلام لكم». الكلمة «شالوم» في اللغة الأصلية والمترجمة «سلام» معناها أكثر شمولاً وثراءً من مجرد غياب الحرن والتوتر بل هي تعني «الحياة في أفضل صورها» تحت عناية الله ورعايته. واستخدام يسوع لها في مساء يوم القيامة، يعلن عن أولى هبات قيامة المسيح.. السلام الحقيقي الداخلي والتمتع بأعمال العناية الإلهية.
بعد منح المسيح المقام السلام لتلاميذه، جاءت النتيجة الطبيعية التلقائية كما وردت في عدد (٢٠) «ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب». وبعد منحه السلام لهم جاء تكليفهم بالإرسالية في عدد (٢١). «سلام لكم [مرة أخرى]. كما أرسلني الآب أرسلكم أنا» وما زالت هذه الهبات والامتيازات متاحة لكل من يعيش تحت سلطان يسوع المقام. القيامة كحدث تاريخي مؤكد ينبغي أن تستدعي لإذهاننا دائمًا عطايا السلام والفرح وبركة وامتياز أننا رسل يسوع المسيح لإعلان الخبر السار.
لا ينبغي فهم عدد (٢٣) على أنه سلطان خاص لشريحة خاصة من البشر -دون غيرهم- بمنح الغفران أو حجبه. حيث أن المعنى الصحيح في هذا العدد وأيضًا ما ورد في متى ١٦: ١٩ كما يعلنه الفهم الصحيح للغة الأصلية هو «أي خطايا تغفرونها ينبغي أن تكون قد غُفرت من قبل. وأى خطايا لا تغفرونها [تمسكونها] ينبغي أن لا تكون قد غُفرت من قبل. أي وبكل وضوح ليس سلطان لأن «يُقدم» التلاميذ الغفران للآخرين لكنه فقط أن «يُعلن» التلاميذ الغفران الذي يتم فقط بعمل الرب يسوع، فهو وحده الذي يصنع معجزة الغفران.. فهو وحده الذي دفع ثمنه بفداء الصلب والقيامة. فمتى أمن الخاطئ بالمسيح وقَبِل عمله الفدائي يكون دور الكارز البشري هو -فقط- أن يعلن له أن خطاياه قد تم غفرانها. فنحن فقط نعلن الغفران ولسنا من نمنح الغفران.


