الميلاد العذراوي
- Sermon By: ق. باسم عدلى
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
ها العذراء تحبل
وردت كلمتان في الكتاب المقدس عن العذراء؛ الأولى “عالما”، والثانية “بتولة”. وردت كلمة “عالما” في الكتاب المقدس سبع مرات: ست مرات بخلاف المرة المذكورة في إش ٧؛ فهي الكلمة التي وردت عن رفقة قبل زواجها من إسحاق، كما وردت أيضًا عن مريم أخت هارون وموسى؛ ووردت أيضًا في مزمور 68: 25؛ أمثال 30: 19؛ وفي كل المرات السابقة تُرجمت “فتاة”، ثم نشيد الأنشاد 1: 3؛ 6: 8، وفي هاتين المرتين تُرجِمت الكلمة إلى “عذراء”. وعندما تُرجم العهد القديم العبري في الإسكندرية لليونانية في الترجمة السبعينية قبل ميلاد المسيح بأكثر مِنْ قرنين، ولم يكن لدى علماء اليهود حساسية ما في ذلك الوقت، ولا شيء يخشونه، فإنهم ترجموا الكلمة العبرية “عالما” إلى “بارثينون” وهي كلمة يونانية تعني “عذراء” وهؤلاء العلماء اليهود هم أكثر معرفة من غيرهم لدلالة الكلمة ولذلك ترجموها إلى عذراء، وهذا يؤكد أن الكلمة في هذا النص يُقصد بها عذراء. وهي التي اقتبسها متَّى مِنْ السبعينية.
الاختيار الإلهي لمهمة التجسد لأسرة (مريم ويوسف)
جاءت البشارة في متى ليوسف، وشرح له الملاك الأمر كله وفهمنا كيفية الأمر من شرحه ليوسف مت ١: ١٩– ٢٥. وفي لوقا جاءت لمريم وشرح لها جبرائيلُ الأمرَ كلَّه وكيفية حدوثه، وفهمنا الأمر من شرحه لمريم لو 1: ٢٦ – ٣٨. وبالتالي كانت المهمة موكلةً إلى يوسف ومريم. ولا يجب تهميش دور يوسف في الأمر؛ فقد تحمل ما لا يتحمله رجلٌ شرقيٌّ، ولكن لأنه قبل الرسالة وتحمل المسئولية بما لها وما عليها؛ فقد فشلت خطتُه للزواج واحتَمَل تعييراتٍ كثيرةً وربَّى ابنًا ليس من صُلبِه، واهتم بهِ دينيًّا وتربويًّا، وعلَّمَه النجارة، وكان حريصًا عليه حرصَ الأب الحقيقي؛ فمثلًا عندما لم يجداه مع الرفقة في الرجوع من أورشليم كان يبحث عنه بعناء، وهو ما جاء في لوقا ٢: ٤٨: “فَلَمَّا أَبْصَرَاهُ انْدَهَشَا. وَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: “يَا بُنَيَّ، لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!” وتحمَّل عناء الخوف والهروب إلى مصر ثم الرجوع مرة أخرى بما في ذلك من صعوبات كثيرة.
معنى الميلاد العذراوي
تشكل يسوعُ وأصبحَ جنينًا في رحم أم، وصار جسدًا لحمًا ودمًا مثلنا، وقد كانت ولادته طبيعية جدًّا كباقي الولادات، ولكنه لم يكن نتاج علاقة جسدية بين رجل وامرأة. لكن نقف عند عدة أمور في معنى الميلاد العذراوي:
- أولًا: هل لأن العلاقة الجنسية خطية؟
لا، فليس ما يجعل الإنسان خاطئًا هو ولادته عن طريق هذه العلاقة، وعندما يقول داود في مز ٥١: ٥: “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي”. لا يقصد إدانة العلاقة الجنسية بل يقصد أنه خاطئ بالطبيعة قبل أن يعمل شيئًا.
- ثانيًا: هل الميلاد العذراوي لكي لا يرث المسيح الخطية الأصلية من آدم؟
لا، فالذي جعل المسيح بلا خطية ليس الميلاد العذراوي، ولكن لأنه هو الله الظاهر في الجسد؛ فالميلاد العذراوي لا يعفي من وراثة الخطية، ولكنه كسر هذا القانون لأن الله هو الذي تجسد، كما يقول كارل بارت، ولأنه قُدِّسَ من الروح القدس، كما يقول جون كالفن.
باختصار، الميلادُ العذراوي ليس السبب في كونه بلا خطية ولكنه علامة على ذلك.
- ثالثًا: هل الميلاد العذراوي سببٌ في أن المسيح صار آدم الثاني أو الجديد؟
لا، فالميلاد العذراوي ليس السبب في ذلك ولكنه علامة على ذلك.
- رابعًا: هل الميلاد العذراوي جعل المسيح ذا جسد خيالي، أي غير حقيقي؟
لم يكن المسيح جسدًا خياليًّا كما يدعي بعضُ الذين يقولون إن المادة شر ولا يمكن أن يتحد بها الله. لكن المسيح كان له جسد حقيقي من لحم ودم، وله كل الصفات البشرية الحقيقية وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية.
- خامسًا: هل معنى الميلاد العذراوي أن الله تزوج بمريم وأنجب منها المسيح؟
لا، فهذه فكرةٌ وثنيةٌ مرفوضةٌ؛ فالله يقدم نفسَه كخالقٍ وليس كعشيقٍ أو زوجٍ.
- سادسًا: هل هناك عوامل بيولوجية أو كيميائية حدثت لتخصيب البويضة وبالتالي حدث الحمل؟
لا، فالأمر ببساطة معجزة إلهية وعملٌ إلهي وليس حدثًا كيمائيًّا أو مثل هذه التفسيرات، وهذا الأمر المعجزي كان روح الله هو العامل فيه بطريقة معجزية وليست عاديةً فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: “اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أيضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ” (لوقا ١: ٣٥).
أراد تخليتها سرًّا
ما معنى “فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارًّا، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا، أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرًّا (مت ١: ١٩)؟ ولماذا تراجع عن هذا القرار؟ شك يوسف في خطيبته أن يكون هذا الحمل بسبب زنا لذلك أراد فضَّ الخطبةِ التي كانت تجمعهما انتظارًا للزواج، ولأنه كان بارًّا فلم يُرِدْ أنْ يُشهِرَها، أي يفضح أمرها، بل أراد أن يتم الأمر في سرية، وهذا نبل منه. لكن عندما ظهر له الملاك قبل الفكرة وأصبح جزءًا من خطة الله للتجسد وقبل أن يدفع الثمن.
الأدلة على صدق عقيدة الميلاد العذراوي:
- إنها تحقيق لنبوة إشعياء ٧: ١٤ وهي آية ولادة عذراء.
- كان أهل الناصرة يلقبون يسوع بالنجار بن مريم مر ٦: ٣ وهذا لا يحدث إلا عندما يكون هناك تشكيك في أبوة الابن.
- قال اليهود المعارضون للمسيح إنهم ليسوا أبناء زنا يو ٨: ٤١ وذلك كاتهام له بأنه ابن غير شرعي لعدم إدراكهم لفكرة الميلاد العذراوي.
- كانت مريم متعجبةً ومعترضةً على فكرة الملاك؛ لأنها ليست الطريقة الطبيعية في الإنجاب.
- أراد يوسف الانفصال عنها وذلك لأن المولود ليس منه، وعندما ظهر له الملاك، قَبِل الفكرة أي أنه ليس من أب بشري آخر غيره.
- نبوة تكوين ٣: ١٥ 15وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ». وقد أشار بعض المفسرين أنها تتحدث عن المسيح وهو نسل المرأة التي تعطي تلميحا بشكل ما عن الميلاد العذراوي ولكن هناك من لا يري فيها ذلك.
- شهادة متى ولوقا عن هذا الأمر وتدوينه تفصيلًا.
- كان الفكرُ اليهوديُّ ينتظر ولادة المسيا من أب وأم بشريين ولكن إصرار الرسل على تقديم فكرة الميلاد العذراوي بما تحمله من شائعات واتهامات ليوسف ومريم ويسوع، بل وللكنيسة يقول إنها كانت حقيقية ولم يكتبوا إلا الحقيقة حتى لو كانت مكلفة.
- هناك أدلة كثيرة من الكتابات التاريخية وكتابات الآباء القريبين من هذا التاريخ يؤكدون هذه العقيدة مثل اغناطيوس ١١٠م، ارستيدس ١٢٥م، جاستن مارتر١٥٠م.
بعض التحديات الكتابية في موضوع الميلاد العذراوي
1- يوحنا ٦: ٤٢: “وَقَالُوا: “أَلَيْسَ هذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؟ فَكَيْفَ يَقُولُ هذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ؟””، يوحنا لا يقر حقيقة أو يصادق عليها ولكنه ينقل كلمات اليهود نصًّا كما قالوا عليه أيضًا إن به شيطانًا.
٢- لوقا ٢: ٤٨: “فَلَمَّا أَبْصَرَاهُ انْدَهَشَا. وَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: “يَا بُنَيَّ، لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!” هذا قول مريم ويرجع الأمر إلى عادات شرقية قديمة ومازالت في بعض القرى حتى الآن اعتبار الرجل الكبير بمثابة الأب أو العم. كما أن يوسف هو الأب العرفي ليسوع وليس الفعلي وليس أكثر من مريم التي تعرف هذا الأمر جيدًا.
٣- لماذا لم يذكر مرقس أو يوحنا أو بولس شيئًا عن الميلاد العذراوي؟
مرقس كتب مبكرًا وكانت القصة معروفة جيدًا وربما كانت مريم لاتزال موجودةً وهو ركز على معجزات وتعاليم المسيح ولم يذكر شيئًا عن الميلاد وبدأ بمعمودية يوحنا كبداية لخدمة المسيح مباشرةً، أما يوحنا فلم يتحدث عن التفاصيل لكنه تحدث عن جوهر الأمر في تقديمه للمسيح “الكلمة صار جسدًا وحل بيننا” وإشارته للمسيح أنه ابن الله الوحيد. وقد كتب قبله متى ومرقس ولم يكن هناك مشكلة في هذه الفكرة وإلا كان قد كتب مؤكدًا عليها، وبولس عندما يكتب إلى الغلاطيين في رسالة غلاطية ٤: ٤ “وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ”، فإنه يوكد مصادقته للميلاد العذراوي.


