مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

انفتاح المصلح جون كلفن على العلم والمعرفة

Watch Now

Download

انفتاح المصلح جون كلفن على العلم والمعرفة

يذكر اللاهوتي المصلح جون موراي: “أن عقيدة النعمة العامة، هي من أهم المظاهر المحررة في اللاهوت الإنجيلي المصلح… تمنح عقيدة، “نعمة الله العامة”، بركة للعالم الذي هو مبيع تحت الخطية، وتسمح لنا أن نتشارك مع العالم في حضارته العلمانية، ونتمتع بالعلاقات مع الآخرين، ونعمل إلى جانبهم في القضايا العامة، نحو أهداف عامة”. يضيف موراي: “كمسيحيين، من الطبيعي أن نفكر في عمل الروح القدس في حياة المؤمنين، لكن يجب ألا نتجاهل أن نفس الروح الذي رفَّ على وجه المياه في بداية الخليقة، هو يمسك مع الآب والابن بكل الأشياء. وهو أيضًا نشيط في منح البشر فيضًا من هبات: الذكاء، والصداقة، والمحبة، والعاطفة، والمهنة، والعائلة، والحضارة، والدولة، والفن، والعلم، وغيرها من الهبات لجميع الناس، من مسيحيين وغير مسيحيين. كما يمنح بفيضٍ هباته الخلاصية على شعبه، عندما يطلب بعض المسيحيين، انخراط الله المباشر في حياتهم”. تعني حقيقة “نعمة الله العامة”، أنه يجب على المسيحيين ألا يحدِّدوا أنفسهم، فقط بما يذكره الكتاب المقدس، بل هم أحرار بأن يبحثوا عن الحقيقة والصلاح والجمال، حيث زرع روح الله هذه الفضائل ووزَّعها على البشر، حتى في المصادر العلمانية. يجب أن نتذكر أنه في الوقت الذي يقودنا فيه الكتاب المقدس إلى الحقيقة المعصومة في يسوع المسيح، فإن عقيدة النعمة العامة، تؤكد أن الله قد أغدق أيضًا على البشر، عطاياه دون تمييز بين مؤمنين وغير مؤمنين. لهذا، من المُتوقَّع من البشر مؤمنين وغير مؤمنين أن يستثمروا في أبحاث أرضية متنوعة.

كلفن حول نعمة الله العامة

أطلق المصلح جون كلفن على عقيدة “عناية الله العامة”، تسمية “المبدأ المحدِّد لكل الأشياء”. لم يكن كلفن فقط مدركًا لعمق الفساد البشري، ولكنه كان مدركًا أيضًا لأهمية الكرامة الإنسانية، وذلك بسبب إدراكه لنعمة الله العامة على البشر. اعتقد كلفن أن مفهوم “النعمة العامة”، يطرح تحديًا على المفهوم التقشفي للمسيحية؛ لأن مفهوم النعمة العامة، يتناول أمورًا عملية. استشهد بقول الرسول بولس: “لأَنَّ كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، وَلاَ يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ الشُّكْرِ، لأَنَّهُ يُقَدَّسُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَالصَّلاَةِ” (1تي 4: 4-5). كما استشهد بقول المسيح في عظته على الجبل أن الله “يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ” (مت 5: 45). رأى كلفن أن المسيح طلب من أتباعه أن يصلوا من أجل أعدائهم، ليس فقط من أجل الغفران، الذي هو بالدرجة الأولى الأهم، بل أيضًا بسبب نعمة الله العامة التي تشمل الأبرار والظالمين. قال: “إن الله في رحمته ونعمته العامة، وضع علامة حتى على قايين القاتل لكي لا يُقتَل، مما جعله قادرًا أن يبني مدينة”. يذكر النص: ” وَجَعَلَ الرَّبُّ لِقَايِينَ عَلاَمَةً لِكَيْ لاَ يَقْتُلَهُ كُلُّ مَنْ وَجَدَهُ… وَكَانَ يَبْنِي مَدِينَةً، فَدَعَا اسْمَ الْمَدِينَةِ كَاسْمِ ابْنِهِ حَنُوكَ” (تك 4: 15، 17).

تمييز كلفن بين نعمة الله العامة ونعمة الله الخاصة

ميز جون كلفن بين نعمة الله العامة، ونعمة الله الخاصة. عرَّف “نعمة الله العامة”، على أنها “هبات الله الطبيعية للإنسان”، وعرَّف “نعمة الله الخاصة” على أنها “هبات الله فوق الطبيعية”، التي يمنحها الله للإنسان بالإيمان من خلال تجديد الروح القدس لحياته. قال كلفن: “كل الناس لديهم معرفة في الفطرة عن الله من خلال الأمور التي خلقها وصنعها (نعمة الله العامة)، والتي هي هبات طبيعية. لكن هذه المعرفة لا تُخلص، ولا تقود الإنسان إلى المعرفة الأسمى، بأن الله هو المخلِّص”. اعتقد كلفن، أن الإنسان لا يزال قادرًا على استلام نعمة الله العامة، ولا يزال قادرًا أن يعكس الله بمعنى ما. آمَن، أن العقل هو أقل تشوُّهًا من الإرادة في الإنسان. قال: “ليس أحد محرومًا من نور العقل في الأمور التي تحكم الحياة الحاضرة. فهناك نوعٌ من الفهم العام، محفورٌ طبيعيًّا في كل البشر. لذا، عندما ينخرط عقل الإنسان في الدراسة، فإنه لا يقوم بذلك باطلًا، دون أن يستفيد من ذلك”. اعتقد كلفن أن الفلاسفة استلموا تنويرًا من الله، لكن هذا التنوير خدم في نهاية الأمر بأن جعلهم، أكثر دون عذرٍ أمام الله. قال: “إني لا أنكر أننا نستطيع أن نرى في كتب الفلاسفة بعض العبارات المُقالَة عن الله والمكتوبة جيدًا، لكن نرى فيها عدم انسجام، الأمر الذي يربك تصوُّرَنا عن الله. صحيح أن الله منح الفلاسفة بعض التذوق من ألوهيته، لكي لا يدعوا الجهل كعذرٍ لعدم تقواهم، إلا أن تنويرًا كهذا لم يخاطبهم بالحقيقة. لهذا، فإنهم لا يزالون بعيدًا عن بلوغها”. أضاف كلفن: “عندما نرى في كتب الوثنيين نور الحقيقة المدهش، فإن هذا يجب أن يعلِّمنا أنه على الرغم من سقوط الطبيعة البشرية، وتضمُّنها كثيرًا من الفساد، إلا أنها لا تتوقف عن كونها مزيَّنةً بالعديد من الهبات الطبيعية التي منحها الله للإنسان”. من هذا المنطلق، نظر كلفن إلى الإنجازات الإنسانية على أنها أدوات لإعلان مجد الله، لكنه حرص على توجيه الاندهاش نحو الله وحده، وليس نحو الإنسان. قال: “إن الدهشة التي تثيرها إنتاجات الفكر الإنساني، يجب ألا توجَّه إلى كاتبيها، ولكن إلى الله الذي هو النبع الأول لها”.

رفض كلفن، التطرف الديني الذي يمنع التأثير الإيجابي من غير المسيحيين على المسيحيين. قال: “عندما نقلِّل من قيمة الحقيقة والصلاح والجمال، التي نجدها لدى بعض غير المؤمنين، فإننا بموقفنا هذا نكون نحتقر الروح القدس نفسه. فإنه في كل مرة نلتقي بقيم كهذه، ليكن موقفنا، بأن ندع نور الحقيقة يُشِعُّ والتي نقدِّرها فيهم، والذي يعلِّمنا أن عقل الإنسان مع أنه ساقطٌ ومنحرفٌ، فإنه مع ذلك، لا يزال يلبس ويتزيَّن بهبات الله الرائعة”. أضاف كلفن: “إذا اعتبرنا أن روح الله هو النبع الوحيد للحقيقة، فإننا لن نرفض تلك الحقائق ولن نحتقرها أينما تظهر، هذا إلا إذا أردنا التقليل من احترامنا لروح الله. وبالتالي، إن لم نقدِّر هبات الروح، نكون ندين الروح نفسه ونعيره”. سأل كلفن: “هل يمكننا إنكار الحكمة المستنيرة للمشرِّعين وواضعي القوانين القديمة، الذين عملوا على تنظيم وإدارة شؤون المجتمع بإنصاف؟ هل يمكننا أن نقول إن الفلاسفة كانوا عميانًا في أثناء دراسة أسرار الطبيعة باجتهاد، أو كتابتها بمهارة كهذه؟ هل يمكننا الادعاء بأن الذين علَّمونا فن الحوار والمنطق، التي هي الوسيلة للتكلم بشكل صحيح، لم يكن لديهم فهم؟ هل يمكن أن نقول إن أولئك الذين اخترعوا الأدوية من أجل أمراضنا، وكرَّسوا جهودهم من أجل فائدتنا، أنهم كانوا أغبياء؟ هل يمكننا أن نعتقد أن الاختصاصات في حقول أخرى هي تفاهات؟ ألم يقر بعض الوثنيين بأنفسهم، أن الفلسفة والقوانين والطب، هي هبات من السماء؟ ماذا عسانا أن نقول عن كل علوم الرياضيات؟ هل نستطيع أن نقول إنها كانت مجرد تخيُّلات أناس غير عقلاء؟ إطلاقًا. نحن لا نستطيع أن نقرأ كتابات القدماء دون انذهال وإعجاب. هل نستطيع أن نقول إنها عظيمة، دون الإقرار بنفس الوقت أنها تأتي من الله. فأولئك الناس الذين يسميهم الكتاب المقدس “الناس الطبيعيين”، كانوا حقيقة أذكياء ومبدعين في استقصاءاتهم. لهذا، دعونا نتعلم من مثالهم، لكي ندرك كم أن الهبات التي تركها الله للطبيعة البشرية هي كثيرة، حتى بعد أن جُرِّد الإنسان من الطبيعة الجيدة”. لكن كلفن حذر أن فضائل الهبات البشرية، لا تمنح الخلاص للإنسان. قال: “إن الفضائل الكبيرة التي نقدِّرها ونُعجب بها في عظماء التاريخ، هي أمام عرش حكم الله، فارغة لا قيمة لها، ولن تنفع مقدار قشة لتبريرهم أمام الله”. كان كلفن يقتبس من كتابات بعض الشعراء والفلاسفة اليونانيين في مواضيع دينية، كما فعل الرسول بولس في الإصحاح السابع عشر من سفر أعمال الرسل، إذ قال: “لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضًا: لأَنَّنَا أَيْضًا ذُرِّيَّتُهُ” (أع 17: 28). توقَّف كلفن عند قول الرسول بطرس: “أَوْ لِلْوُلاَةِ فَكَمُرْسَلِينَ مِنْهُ لِلانْتِقَامِ مِنْ فَاعِلِي الشَّرِّ، وَلِلْمَدْحِ لِفَاعِلِي الْخَيْرِ” (1بط 2: 14)، وقال: “حتى الحكام الوثنيون مارسوا سلطانهم، نتيجةً للعناية الإلهية؛ فالله يحكم الشعوب بسرِّيَّةٍ، كما يحكم الكنيسة”. اعتقد كلفن أن على الدول أن تضع قوانينها لحكم شعوبها بناءً للقانون الطبيعي أو القانون العام، وليس بناءً للقانون الموسويّ. رأى أن الثيوقراطية الموسوية، كانت لشعبٍ محدَّدٍ في زمنٍ محدَّدٍ في العهد القديم. قال: “وُضِعَت الشريعة الموسوية في العهد القديم لشعب إسرائيل التي كانت أمةً مختارةً، لكن لم يَعُد هناك أمة مختارة في العهد الجديد”. آمن كلفن أن القانون الطبيعي مكتوبٌ على ضمير كل إنسان. وهو يسمح بتنوُّعٍ رائعٍ في القوانين؛ إذ بموجبه يمكن أن تتشكَّل الحكومات والممالك. اعتقد أن هذه القوانين ستكون مقبولةً، طالما أنها تحفظ العدالة والإنصاف. وهذا ما يجب أن يكون هدف وحدود القوانين. وبالتالي، استطاع كلفن مصالحة إعجابه بكتابات القدماء، مع عقيدة الفساد الإنساني التي خرجت من سقوط آدم. وبعيدًا عن التقليل من نتائج الخطية الأصلية على الإنسان، استطاع كلفن أن يشدد على التدمير الكبير الذي أجرته الخطية في الإنسان، مع إظهار تقديره لكتابات القدماء. 

مساهمة كلفن في تقدُّم العلوم الطبيعية  

في كتابه “فكر الإصلاح”، يذكر اللاهوتي أليستر ماكيغراث، أنه يمكن اعتبار أن المصلح جون كلفن قدَّم مساهمتَيْن رئيسيتَيْن في تقدُّم وتطوُّر العلوم الطبيعية: الأولى، أنه شجَّع الدراسة العلمية للطبيعة. والثانية، أنه أزال عائقًا أساسيًّا في وجه تلك الدراسة.

ترتبط مساهمته الأولى بشكلٍ خاصٍّ في تشديده على انتظام الكون؛ إذ اعتقد أن العالم الماديَّ والجنس البشريَّ، يشيران إلى سمة الله وحكمته. رأى كلفن الكون مسرحًا يبهر العيون من عظمة إشراق مجد الله. قال: “في كل مكان في الكون نرى إشعاعاتٍ من مجد الله. وبما أن مجد الله هو أكثر إشراقًا في السماء؛ فقد دُعِيَت السماء أنها عرش مجد الله. فكلُّ مظهرٍ من مظاهر الحياة، من العمل إلى العبادة، ومن الفن إلى التكنولوجيا، يُعلن مجد الله”. وأضاف: “ليس لاهوتًا صحيحًا أن يحصر الإنسان أفكاره في نفسه، ويرى أن وجوده هو الهدف الأساسي في الحياة، لكن يجب علينا أن يكون لنا الغيرة الشديدة أن نوضح مجد الله؛ لأننا مخلوقون -أولًا وقبل كل شيء- لله، وليس لأنفسنا، لأن كل شيء هو منه، ويوجد فيه”. أضاف كلفن قائلًا: “لكي لا يُستَثنَى أحدٌ من وسيلة الحصول على السعادة، فقد سُرَّ الله ليس فقط أن يضع في أذهاننا بذور الدين، ولكن أيضًا أن يعلن لنا كماله في كل بنية الخليقة. لهذا، فإننا لا نستطيع أن نفتح عيوننا، دون أن نجد أنفسنا مُجبَرين على ملاحظة كمال الله”. تابع كلفن: “لكي يثبت الله حكمته المميزة، فقد جعل السماء والأرض، تقدمان لنا أدلةً لا تُحصَى، تؤكد أن غاية علم الفلك وعلم الطب وكل بقية العلوم الأخرى، توضيح حكمة الله”. رأى كلفن، أن هذه الأدلة تفرض نفسها على انتباه الفلاح الأمِّي، الذي لن يمكنه أن يفتح عينيه دون أن يراها. على هذا الأساس، أوصى كلفن بدراسة العِلْمَين: عِلم الفلك وعِلم الطب، كونهما قادرين على سبر غور العالم الطبيعي بشكلٍ أعمق من علم اللاهوت، لكشف المزيد من الأدلة عن انتظام الخليقة، وحكمة خالقها. آمن كلفن أن الدراسة التفصيلية للكون، تقود إلى الإدراك المتزايد لحكمة خالقه. وهكذا، يكون كلفن قد أعطى دافعًا دينيًّا جديدًا للغوص في الاستقصاءات العلمية في الطبيعة، كوسيلةٍ لتمييز يد الله الحكيمة في الخليقة، وتعزيز الاعتقاد بوجوده، وتقديم الوقار له. يذكر اعتراف الإيمان البلجيكي الكلفيني الذي كُتِب عام 1561، والذي كان له تأثير كبير، لا سيما في البلدان المنخفضة، التي عُرِفت بشكل خاص في أطبائها وفي علم النبات، “أن الطبيعة أمام أعيننا هي الكتاب الأكثر جمالًا، الذي نرى فيه كل أمور الله المخلوقة لنا، وهكذا نستطيع تمييز الله من خلال الدراسة التفصيلية للخليقة”. التَزَم بهذه الأفكار بحماس “المجتمع الملكي” الذي كان المؤسسة الأكثر أهميةً في تقدُّم الأبحاث العلمية والتعلم في إنجلترا. كان العديد من أعضاء هذا المجتمع الأوائل، معجبين بالمصلح جون كلفن، وكانت كتاباته مألوفةً لديهم، وقد أقروا بأهميتها لحقول دراساتهم. قدم ريتشارد بينتلي، سلسلةً من الحلقات عام 1692 مبنية على مبدأ العالِم نيوتن الرياضي، والذي هو “مبدأ الرياضيات”، والذي تكلم فيه عن انتظامية الكون الذي تكلم عنه نيوتن، معلقًا على أنه دليلٌ على تصميم الله الدقيق للعالم المخلوق. يرى دارسون أن هناك تلميحات واضحة في حلقات بينتلي تأخذ بعين الاعتبار إشارات كلفن إلى الكون كمسرح مجد الله، والذي فيه البشر هم جمهوره المناسب.