مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

القضية الأخلاقية بين نسبية المعتقد وحتمية المضمون

Watch Now

Download

القضية الأخلاقية بين نسبية المعتقد وحتمية المضمون

القضية الأخلاقية بين نسبية المعتقد وحتمية المضمون

تتميم جزئي لسلسلة فكرية بعنوان “النسبي والمُطلق”

المقدمة

منذ فجر التاريخ والإنسان في رحلة بحث دائمة ودؤوبة عن الله وهويته ووجود معنى حقيقي لوجوده على الأرض. وقد حَلم في سبيل ذلك بالمدينة الفاضلة التي نادى بها أفلاطون منذ عقود سحيقة. وهي التي ربما لم تظهر بعد للوجود، ولكنها ظلت وستظل تراود مُخيلة الإنسان من دور فدور. فالتاريخ الإنساني، يُخبرنا بالكثير عن الممالك والإمبراطوريات التي قامت وظهرت للوجود منذ بداية الخليقة، وعلى مر العصور وكر الأجيال. وقد حاولت أن تسطر بأحرف من نور أساسًا ومعيارًا أخلاقيًّا تستطيع أن تعيش البشرية في كنفه. معيار يُحقق هدف البشرية المنشود في تحقيق مجتمع متكامل ومتناغم تتحقق فيه العدالة الكاملة. هذه العدالة التي نُسخت لأجلها الشرائع، وسُنت القوانين في سبيلها، وتعددت المفاهيم، وكثُرت المصطلحات. فنستطيع أن نرصد بدقة في القديم شريعة حمورابي، وشريعة مادي وفارس التي لا تُنسخ. ونستطيع ألا نرصد ثمة تغيير في مضمون هذه الشرائع عن المواثيق والأعراف القانونية والدولية لحقوق الإنسان التي تُنادي بها المنظمات الدولية مثل هيئة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن وغيرهما من المؤسسات ذات الصلة.

وفي الواقع، إن كل هذه المحاولات سالفة الذكر ترسخ لأمر واحد فقط، هذا الأمر هو بمثابة صرخة الإنسانية في محاولة جادة لاستعادة الصورة لحياة أخلاقية متكاملة كانت يجب أن تكون، ولكن تشوهت ملامح وجودها. هذه النوعية من الحياة، هي التي صيغت لأجلها النظريات الأخلاقية المتعددة. وذلك ربما دون أن يكون أصحابها على علم أو وعي كامل بأن، هذه النظريات نسبية الوجود لا تزيد في كينونتها عن كونها ظلًّا للحقيقة. هذه الحقيقة الكاملة والمُطلقة القابعة في عقل وقلب ووجدان الكيان الإنساني. هذه الحقيقة المُطلقة هي بصمة ولمحة من لمحات كائن مُطلق وواجب الوجود. هذا الكائن الحامل لكل الأشياء والمعايير بكلمة قدرته. هذا الكائن السرمدي هو الله.   

ومن ثم، سوف يناقش الباحث في هذه الورقة القضية الأخلاقية بين نسبية المعتقد وحتمية المضمون. وسوف أنبر على مدى تراكبية وتعقيد ونسبية القرار الأخلاقي في الفصل الأول. ثم، نسبية النظريات الأخلاقية في الفصل الثاني، متخذًا من النظرية النسبية الأخلاقية مثالاً واضحًا في هذا السياق الفكري. مستعرضًا ومؤكدًا في الفصل الثالث من الورقة البحثية على حتمية وجود معيار وقانون أخلاقي طبيعي متجذر داخل البشر. هذا المعيار هو بمثابة بصمة الله الواضحة في الإنسان. وهو الأمر الذي يُمثل هدف وذروة أطروحتنا وبحثنا في تلك القضية الشائكة، والتي تسمى بالقضية الأخلاقية. 

الفصل الأول:

تراكبية (تعقيد ونسبية) القرار الأخلاقي:

إن الفلسفة الأخلاقية، هي فرع من فروع الفلسفة الذي يتضمن مفهومي السلوك الصائب والخاطئ. فالأخلاق هي المتممة لمفهوم الجمال في مبحث الأكسيولوجيا[1] الفلسفي. وهي التي تهتم بالسلوك الأخلاقي لدى البشر، وكيف ينبغي على البشر التصرف حيال الأمور والمواقف الحياتية المختلفة.[2] 

وتجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن هناك توجهين أساسيين في هذا الشأن لبحث التراكبية والتعقيد في كيفية اتخاذ القرار الأخلاقي. وهما، الأخلاق الماورائية Meta Ethics “طبيعة القرار الأخلاقي، الصواب/الصلاح”، والأخلاق المعيارية[3] Normative ethics “مبادئ القرار الأخلاقي، الكيف”.

وسوف يعتمد الباحث الأخلاق المعيارية، كمنهجية فكرية لإبراز التراكبية الموجودة في أركان الموقف الأخلاقي الناجم عنه تعقيد في اتخاذ القرار نفسه. وكذلك، سوف يكون المدخل الفلسفي واللاهوتي هو سبيلنا في الوصول إلى غايتنا المنشودة من هذا الطرح، وليس الكتابي.   

في الواقع، إن أي قضية أخلاقية لا تخلو من تعقيد في كيفية اتخاذ قرار أخلاقي معين حيالها. وهذا التعقيد أو تراكبية الموقف الأخلاقي ناجم عن وجود ثلاثة أطراف مختلفة لطبيعة هذا الموقف. وتتمثل الأطراف الثلاثة في الآتي: الفرد (الأنا)، المجتمع (الآخر)، الله (الله).

في سياق مُتصل، سوف أنبر في هذا السياق على البُعدين الفردي Morality والجماعي Ethics  في هذا الفصل. تاركًا البُعد المتعلق بالله للفصل الثالث. وذلك في ضوء مناقشة حتمية وجود المعيار الأخلاقي المُطلق داخل الكيان الإنساني. 

في الحقيقة، ليس كل ما يتناسب مع البُعد الفردي يتناسب مع البُعد الجماعي والاجتماعي، والعكس صحيح. وذلك مثل، القصة الشهيرة الخاصة بروبن هود[4]. وبالتالي، يسبب ذلك نوع من أنواع التشويش والنسبية في اتخاذ وتقييم القرارات الأخلاقية المختلفة. فلابد من وجود وحدة واحدة في اتخاذ القرار بيني وبين القرين أو الآخر، وكيفية وماهية تناول العلاقة بين الفرد والجماعة. وهو الأمر الذي يصعب تحديده في إطار واحد أو يُصنف وفق منهجية أو نظرية واحدة.

ومن ثم، تظهر نسبية القرارات الأخلاقية وتتباين من موقف لآخر، ومن مجتمع لآخر. وهذه النسبية ناجمة عن تعقيد العلاقة بين الفرد والجماعة كما أشرت. وتأخذ نسبية القرارات الأخلاقية مناحي عديدة تتبلور من خلالها. ولكن نظرًا لضيق مساحة الطرح الممنوحة لذلك. سوف أنبر على ثلاثة مناحي أو جوانب أو صور مختلفة لتلك الطبيعة النسبية للقرارات الأخلاقية والتي تُسبب تعقيدًا بها، وهي كالتالي:

أولاً، العلاقة بين الأخلاق والعبارات الحقائقية:

هناك فرق بين العبارات الأخلاقية والعبارات المعيارية والتقييمية. هذا الخلط يؤدي إلى حدوث تشويش. وهو بدوره يؤدي لتعقيد في الموقف الأخلاقي. وهو الأمر الذي يتمخض عنه نسبية في كيفية اتخاذ القرار ذاته. فعلى سبيل المثال لا الحصر، إن مقولة “الحياة غير عادلة” هي عبارة حقائقية. ولكن عندما تؤخذ بشكل معياري يؤدي ذلك لحدوث مشكلة أخلاقية. ويؤدي ذلك بدوره لنسبية في الطريقة التي يتم بها اتخاذ القرارات الأخلاقية تجاه هذه الحياة غير العادلة. ويرسخ هذا الأمر طرقًا متعددة لتقييم القرارات المختلفة تجاه الحياة، لاسيما في ظل زمن ما بعد الحداثة[5] الذي نحيا في غماره.

[1]   الأكسيولوجيا: هو المبحث الفلسفي المعني بالأخلاق، لاسيما المتممة لمفهوم الجمال.

[2] https://ar.wikipedia.org/wiki/ تم الدخول عليه 21/9/2020

[3]  الأخلاق المعيارية: تتعلق بالأساليب العملية لتحديد نهج أخلاقي للأفعال المعقدة، والمبادئ الواجبة التي ينبغي   أن أحيا بها.

[4]  روبن هود: هو شخصية إنجليزية برزت في الفلكلور الإنجليزي. وهي تمثل فارسًا شجاعًا، مهذبًا، طائشًا وخارجًا عن القانون، عاش في العصور الوسطى وكان يتمتع ببراعة مذهلة في رشق السهام. تمثل أسطورة روبن هود في العصر الحديث شخصًا قام على سلب وسرقة الأغنياء لأجل إطعام الفقراء، بالإضافة لذلك حارب روبن هود الظلم والطغيان.

[5]  زمن ما بعد الحداثة: مرحلة جديدة في تاريخ الحضارة الغربية تتميز بالشعور بالإحباط من الحداثة، ومحاولة نقد هذه المرحلة والبحث عن خيارات جديدة. وكان لهذه المرحلة أثر في العديد من المجالات. وتتميز بنسبية في كل شيء.