مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

جوج من أرض ماجوج

Watch Now

Download

جوج من أرض ماجوج

يُعتبر الفصلان 38-39 من سفر حزقيال هما الأصعب على الإطلاق من بين أجزاء السفر من حيث عملية التفسير. وترجع صعوبة هذين الفصلين إلى الغموض الذي يتَّسِمان به. يقدم حزقيال جوج من أرض ماجوج كشخصيةٍ غامضةٍ ترافقه دولٌ أجنبية أخرى مثل فارس وكوش وفوط وماشك وتوبال (38: 1- 5؛ 39: 1)، حيث يجتمعون معًا لغزو أرض إسرائيل (38: 8- 9، 16). بدوره، قام يهوه ليدافع عن إسرائيل، فنراه يحارب جوج ويلحق به دمارًا رهيبًا (38: 18- 23). بعد هزيمة جوج، تم تدمير أسلحة ودروع محاربيه في حريق هائل، وتُرِكَت جثث جنوده على الأرض لتلتهمها طيور السماء ووحوش الحقل (39: 3- 5، 17- 20).

إن السمة الغامضة لهذين الفصلين تجعل هوية جوج، العدو القادم من الشمال، موضع جدال بين العلماء لدرجة أن بعض العلماء يقرون “أن الإجماع حول هوية جوج أمر لا يمكن تحقيقه بل سيظل يكتنفه الغموض إلى الأبد.”[1] على أية حال، تقدم العديد من التفسيرات هوية جوج على أنه شخصية تاريخية (فرد أو أمة) إما معاصرة لزمن حزقيال أو عابرة للتاريخ. يتعامل علماء آخرون مع اسم جوج بشكل رمزي أو حتى يرونه كإشارة لقوى شريرة في عداء مع يهوذا/إسرائيل. من بين الكثير من الاقتراحات ستؤيد هذه الورقة اقتراح أن جوج هو شيفرة للإشارة إلى نبوخذناصَّر الثاني، الملك البابلي المعاصر لحزقيال (القرن السادس قبل الميلاد) من خلال تقديم قراءة للفصلين 38-39 من منظور معاصر لزمن السبي البابلي.

من المثير للاهتمام، أنه على مدار السفر كله لم يتم توجيه أي نبوءة للدينونة ضد بابل، كما هو الحال مع باقي الأمم، الأمر الذي من شأنه أن يشكك في معقولية رسالة الرجاء التي قدمها حزقيال في الفصلين 36-37 حيث الوعد باسترداد الشعب إلى أرضهم. إذن، في ضوء رسالة الرجاء هذه، ما هو موقف نبوخذناصَّر من استرداد الشعب؟ هل وافق عليه أم عارضه؟ وكيف حدث الرجوع؟ هل عاد الشعب إلى أرضهم دون حرب أم اضطروا إلى القتال مع نبوخذناصَّر؟ إذا كانت رسالة الرجاء حقيقية، فلماذا لا يوجد دينونة ضد نبوخذناصَّر حتى تتوافق رسالة حزقيال مع نبوءة إرميا عن نبوخذناصَّر التي تقول إنه سينال دينونة من الله (إر 50- 51)؟ مثل هذه الأسئلة تمثل توترات لا يمكن تسكينها بشأن معقولية استعادة إسرائيل إلى أرضهم في غياب مصير نبوخذناصَّر. في الواقع، إن تجاهل مصير نبوخذناصَّر يبدو غير واقعي في سياق السبي البابلي؛ لأن شرف يهوه لم يتم تبريره في أعين الأمم من خلال إلحاق الهزيمة ببابل حتى يدركوا أن نبوخذناصَّر ما هو إلا أداة استخدمها يهوه لعقاب إسرائيل. لحسن الحظ، تتعامل نبوءة جوج مع كل هذه الأسئلة وتساعد في العثور على المعقولية المفقودة وراء استعادة إسرائيل. تؤكد جالامبوش على أهمية نبوءة جوج في سياق رسالة حزقيال حيث تطلق على الفصلين 38- 39 “حبكة” رسالة حزقيال. تقترح جالامبوش أن الاهتمام الجوهري لرسالة حزقيال هو الله وليس الشعب. فشرف يهوه تم الاستخفاف به بواسطة عصيان الشعب؛ لذلك استخدم الله نبوخذناصَّر ليظهر قداسته بمعاقبة الشعب (21: 15- 16، 23: 22- 35).  إلا أن هذا العقاب أدى بدوره إلى إحداث ضرر في سمعة يهوه بين الأمم؛ حيث سُبي الشعب ودُمِّر الهيكل المقدس على يد نبوخذناصَّر. مما أدى بدوره إلى حتمية استرداد شرف يهوه في أعين الأمم من خلال عقاب نبوخذناصَّر.[2] لذلك، بحسب جالامبوش، إن عقاب نبوخذناصَّر ليس رفاهية لكنه أمر حيوي لحبكة السفر. في الواقع، إن احتمال أن يكون جوج هو اسم مشفر لنبوخذناصَّر، ملك بابل، هو اقتراح قوي يمكن تعزيزه من خلال العديد من الأدلة الأدبية.

أدلة أدبية على أن جوج هو شيفرة لنبوخذناصَّر

إن قراءة نبوة جوج من منظور سبي بابلي يتم إثباته من خلال العديد من الأدلة الأدبية التي تؤكد أن جوج هو شيفرة لنبوخذناصَّر. الدليل الأول هو وصف جوج كعدو يأتي من الشمال (38: 6، 16). كان يُنظر إلى الشمال من قِبَل العقليّة اليهوديّة العهد قديميّة على أنه مكانٌ خطرٌ وغامضٌ، موطن الغرباء وغير المعروفين.[3] ومع ذلك، فإن هذا العدو الغامض وغير المعروف قد تم اكتشافه. إنهم يعلمون جيدًا أن العدو القادم من الشمال هو نبوخذناصَّر ملك بابل. يأتي هذا الفهم من اطلاعهم على نبوءة إرميا (إر 25: 8- 11؛ 1: 13- 15؛ 4: 5-18؛ 6: 22)، التي تعلن أن العدو القادم من الشمال هو نبوخذناصَّر، الذي يأتي كأداة لدينونة الله على شعب إسرائيل. علاوة على ذلك، يصرح حزقيال كثيرًا في سفره عن نفس الحقيقة أن نبوخذناصَّر ما هو إلا مجرد أداة للدينونة في يد الله وأن السبي الذي يختبره الشعب الآن هو نتيجة خطايا إسرائيل (الفصول 6، 12، 21). بذلك يكون نبوخذناصَّر، العدو القادم من الشمال، هو تحقيق للنبوات القديمة حسب إرميا. ولا يمكن لأي شخص يقرأ سفر حزقيال (أو إرميا) أن يشك في أن البابليين هم هذا العدو القادم من الشمال لتدمير أورشليم.[4] انطلاقًا من حقيقة أن نبوخذناصَّر هو العدو القادم من الشمال، يعطي حزقيال أهم تلميح لقارئ كتابه معلنًا أن جوج هو نفس الشخصية التي تحدث عنها الأنبياء القدامى. وبالتالي، فإن جوج هو استعارة أو اسم مشفر لنبوخذناصَّر.

تؤكد جالامبوش أن جوج يمثل نبوخذناصَّر اعتمادًا على بعض التشابهات اللغوية في وصف الشخصيتين سواء في سفر حزقيال أو في سفر إرميا. على سبيل المثال، في سفر حزقيال، نجد أن كلاهما يأتي من الشمال (26: 7؛ 23: 24 (السبعينية فقط)؛ 38: 15؛ 39: 2)؛ كلاهما يقود جماعة عظيمة (16: 40؛ 23: 24، 46، 47؛ 26: 7؛ 32: 3؛ 38: 4، 15)؛ كلاهما يكون مصحوبًا بشعوب كثيرة (38: 6، 9، 15، 22؛ 26: 7؛ 32: 3)؛ كلاهما يسلب وينهب (26: 12؛ 29: 19؛ 38: 12، 13).[5] وفي إرميا 49: 28-32، يصف النبي هجوم نبوخذناصَّر على قيدار وحاصور بشكل يتطابق مع وصف هجوم جوج على شعب إسرائيل. فدعوة كليهما للحرب نابعة من يهوه (49: 28؛ 38: 3-9)، كلاهما يعتقدان أن الفكرة نابعة منهما وأنهما ينفذان خططهما الشخصية (49: 30؛ 38: 10-12)؛ كلاهما يهجمان على شعب آمن وبلا أسوار بغرض نهبهم وسلبهم (49: 31- 32؛ 38: 8، 11- 12).[6]

بالإضافة إلى ذلك، فإن قائمة البلدان المذكورة في نبوءة جوج هي بمثابة إشارة أدبية قوية إلى أن جوج هو شيفرة لنبوخذناصَّر. بغض النظر عن هوية هذه الدول أو أهميتها الجغرافية والتاريخية، دعونا نتعامل معها فقط من حيث أهميتها ودلالتها الأدبية في النص. في الحقيقة، يسرد حزقيال هذه الأمم ليس وفقًا لأهميتها الجغرافية بل وفقًا لأهميتها السياسية في السياق الأدبي للسفر. هو يريد فقط أن يؤكد على أن هذه الأمم تقع داخل دائرة النفوذ البابلي بهدف الإشارة إلى أن جوج هو نبوخذناصَّر.

من الجدير بالملاحظة أن قائمة البلدان المذكورة في نبوءة جوج موجودة أيضًا ضمن قائمة الدول التي كانت في تحالفات عسكرية وسياسية وتجارية مع كلٍّ من صور ومصر (الفصول 27 و30 و32). وبسقوط صور ومصر لتكون تحت سلطة نبوخذناصَّر (وفقًا لنبوءات حزقيال في الفصول 26- 32)، تصبح هذه البلدان أيضًا تحت سيطرة نبوخذناصَّر وتنضم إلى إمبراطوريته. على سبيل المثال، يصور الفصل 27 ماشك وتوبال كحليفين لصور تجمعهما معها تعاملات تجارية مشتركة (عدد 13). علاوة على ذلك، تم تصوير ماشك وتوبال في الفصل 32 على أنهما حليفتان لمصر وقد قُتلا بالسيف معها (عدد 26). أما بالنسبة لفارس وفوط، فيقدمهما الفصل 27 كجزء من جيش صور (عدد 10). بالتالي، فإن التحالف العسكري أو الخضوع لصور واضح للغاية هنا. يتحدث حزقيال أيضًا في الفصل 30 عن مجموعة من الدول في تحالف مع بعضهم البعض لدعم مصر. من بين هذه الدول كوش وفوط المذكورين في نبوءة جوج. إلا أن هذه الدول سقطت أيضًا مع مصر بحد السيف على يد نبوخذناصَّر (عدد 6). أخيرًا، يقدم فصل 27 آخر دولة في قائمة الفصل 38، بيت توجرمة، كدولة تنتمي إلى صور تجاريًّا وسياسيًّا (عدد 14). لذلك، مع سقوط صور ومصر ليكونا تحت سلطة نبوخذناصَّر، تصبح جميع هذه الأمم أيضًا موالية له وخاضعة للإمبراطورية البابلية.

البلد الوحيد الذي لم يذكره حزقيال سابقًا في الفصول 27 و30 و32، ولكنه مذكور في الفصل 38، هي جومر. ومع ذلك، لا يمثل هذا أي مشكلة لأن حزقيال لا يلتزم بذكر قائمة البلدان بنفس الترتيب في كل مرة ولا يهتم بألا يفوت بعضًا منها. في كثير من الحالات، لا يريد أن يذكر قائمة الدول واحدةً تلو الأخرى، بل يبحث فقط عن أمثلة. على سبيل المثال، في 30: 5 يتحدث عن مجموعة من البلدان الموجودة في لفيفٍ دون أن يذكرها جميعًا. بالإضافة إلى ذلك، تحدث حزقيال في 27: 15 عن “الجزائر الكثيرة” الذين كانوا حلفاء تجاريين لصور دون ذكر الأسماء. لذلك، قد يكون جومر أحد البلدان التي لم يهتم حزقيال بذكرها في 30: 10 أو 27: 15. ومع ذلك، فإن جومر هو أحد أبناء يافث المدرجين في تكوين 10: 2- 4 و1 أخبار 1: 5- 7. وتتضمن هذه القائمة معظم الأسماء التي انعكست في نبوءة جوج، مثل جومر وتوبال وماشك وتوجرمة وترشيش وماجوج وغيرها. لذلك، لا يربط حزقيال أسماء الأمم بقوائم البلدان السابقة في الفصول 27 و30 و32 فحسب، بل يربطها أيضًا بقائمة أبناء يافث. هذا هو السبب في أننا نجد جومر في نبوءة جوج حتى لو أنه لم يذكرها في الفصول السابقة.

باتباع الطريقة التي يذكر بها حزقيال هذه البلدان، يتضح لنا أنه يذكرها في نبوءة جوج، ليس لأهميتها الجغرافية أو التاريخية كدول، ولكن لأنها تثبت أن جوج هو نفس شخصية نبوخذناصَّر؛ فقد خضعت هذه البلدان سابقًا لنبوخذناصَّر مع سقوط صور ومصر. ومن خلال تصويرهم على أنهم ينتمون إلى جوج في فصل 38، فإنه تلميح ثاقب يشير إلى أن كلًّا من جوج ونبوخذناصَّر هما نفس الشخص.

[1] Katheryn Darr, “Ezekiel,” In The New Interpreter’s Bible, ed. Leander E. Keck, 6:1073–1607 (Nashville, TN: Abingdon, 2001), 1512.

[2] J. Galambush, “Necessary Enemies: Nebuchadnezzar, YHWH and Gog in Ezekiel 38–39,” in Israel’s Prophets and Israel’s Past: Essays on the Relationship of Prophetic Texts and Israelite History in Honor of John H. Hayes , ed. B. E. Kelle and M. B. Moore, Library of Hebrew Bible/Old Testament Studies 446, 254–67 (New York: T&T Clark, 2006), 256.

[3] H. McKeating, Ezekiel, Old Testament Guides (Sheffield: Sheffield Academic Press, 1993), 116. (It is perhaps best to conclude that the names of Gog and his associates are chosen precisely because they are foreign and mysterious.)

[4] Thomas Renz, Rhetorical Function of the Book of Ezekiel, Supplements to Vetus Testamentum 76. (Leiden: Brill, 2002). 118–119

[5] Galambush, “Necessary Enemies: Nebuchadnezzar, YHWH, and Gog in Ezekiel 38–39,” 259.

[6] Ibid., 260.