مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

حرب الخليج ونهاية العالم

Watch Now

Download

حرب الخليج ونهاية العالم

حرب الخليج ونهاية العالم

الدكتور القسّ فايز فارس

  تحرير وتقديم   (  القسّ عيد صلاح)

مُقدِّمَةٌ

يتناول طيب الذكر الدكتور القسّ فايز فارس (1928- 2012)، الراعي الأسبق للكنيسة الإنجيليّة الثانية بالمنيا في هذه العظات الثلاث تحت عنوان حرب الخليج ونهاية العالم” نظرةموضوعية لعلاقة الحرب بالنبوات في الكتاب المقدس، والثلاث عظات: الأولى هي: أزمة الخليج ونبوات انتهاء العالم يناقش فيها موضوع علاقة حرب الخليج وأية حروب بالأيام الأخيرة، وموضوع تحديد الأوقات والأزمنة وواجب الاستعداد الدائم ثم المسؤوليّة الحاضرة. الثانية تحت عنوان: صور من انهيار الأمان التي تُبنى على ثلاث أمور، وهي: الطمأنينة الباطلة، الحكمة المضللة، الأنانيّة القاتلة. الثالثة  تحت عنوان: ملكوت الله وحركة التاريخ يتحدث فيها عن أمرين هما: ملكوت الله في التاريخ الإنسانيّ، ودور أبناء الله في التاريخ الإنسانيّ.

وبرغم مرور 31 عامًا على إلقاء هذه الدروس إلا أنَّها مفيدة في سياق الحرب بين روسيّا-أوكرانيا، والتي بدورها أثارت نفس الأسئلة التي أثيرت من قبل في حرب الخليج. ومَنْ يقرأ هذا الملحق تحت عنوان: “حرب الخليج ونهاية العالم” سيجد إجابات مفيدة لأسئلة مثارة حول نصّوص نبويَّة ووقائع سياسيّة معاصرة، وهذه العظات تُعَبّر عن تفاعل المنبر مع الواقع المعاش في شرح كلمة الله بغنى وعمق.

والتوجه الذي اتخذه فايز فارس هو التوجه الذي نحتاجه في التركيز على هل من علاقة بين النبوات الكتابيّة بالأحداث السياسيّة المعاصرة ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، وفي كل مرة يثار فيها ربط ما يحدث من حوادث جارية بالكتاب المقدّس مثل ما يحدث الآن لدى البعض الذي يربطون بين ما يجري في الحرب بين روسيا وأكراينا بالكتاب المقدّس، وهو ربط في ذاته غير منطقيّ، وغير منضبط، وغير كتابيّ.

أسلوب الدكتور القسّ فايز فارس:

في عرضنا لفكر الدكتور القسّ فايز فارس أعود للتحليل الرائع الوارد في كتاب قصة خادم الذي صدر بمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبيّ له وصدر عن الكنيسة الإنجيليّة الثانية بالمنيا، وقد جاء في هذا الكتاب تحليلًا وافيًا في فصل كامل عن فكره وتوجهاته، التقط منها هنا بعض النقاط الهامة قد تميز خطابه الفكريّ بالآتي:

  • التفكير المنظم الذي يصل من المقدّمات إلى النتائج.
  • القدرة على التحليل اللغويّ للنصّ Verbal Analysis واستخدام التعبيرات البيئيّة المتصلة بنشاط الإنسان اليوميّ.
  • إبراز القرائن المختلفة للنصّ سواء القرينة التاريخيّة أو الحضاريّةContextual Analysis
  • يظهر فكر لاهوتيّ متكامل ومترابط. وهو فكر لاهوتيّ ينبع من النصّ الكتابيّ وليس مفروضًا عليه من خارج، أي من الواعظ، فهو يخضع للنصّ الكتابيّ ولا يُخضع النصّ له.
  • من الواضح أنه لا يتقيد بالحرف في النصّوص الكتابيّة، أي لا يفسر بظاهر النصّ لكنه يبحث في المقصود الحقيقي من النصّ من خلال بحث جاد ومضنٍ.
  • من الواضح أيضًا أنَّ هناك قيمًا تظهر خلف كل عظاته وكتاباته، أهما:
  • الدعوة إلى التنوير ورفض التعصب والسلفيّة،
  • دعوة لمستمعين إلى العمل الوطنيّ والإيجابيّ من خلال أمانتهم وفي علاقتهم بجميع المواطنين على حد سواء،
  • رفض فكرة الهجرة لأي سبب من الأسباب على أساس أن مصر بحاجة إلى كل أولادها،
  • الدعوة الدائمة إلى التفكير في المسلمات حتى تكون محكًا دائمًا لتثبيت الإيمان بها،
  • رفض الأحكام المسبقة على شخص أو جماعة دون تعمق معرفي بهم،
  • التأكيد على قيم الحب والسلام والعطاء دون انتظار مقابلًا.
  • المحاولة الذاتيّة لجعل الكتاب المقدّس الذي كتب من ألفي عام يصلح لإنسان العصر، أو كما يقول: ليكن الواعظ هو الكوبري الموصل بين الجريدة اليوميّة بأحداثها المتلاحقة والكتاب المقدّس. (قصة خادم، 1998م، 33- 44).

يبقى أنَّ مشروع الدكتور القسّ فايز فارس الفكريّ-والذي الحقنا سردًا له في نهاية هذا الملحق-يحتاج إلى قراءة ودراسة ونقد لكي نستفيد منه.

المحرر

القسّ عيد صلاح

راعي الكنيسة الإنجيليّة بعين شمس-القاهرة

الفصل الأول

حرب الخليج ونهاية العالم

الدكتور القسّ فايز فارس

مقدمة دار الثقافة عام 1991م:

كانت أزمة الخليج التي نشأت نتيجة استيلاء العراق على الكويت، والحرب التي دارت لتحريرها مثار تساؤلات كثيرة بين الناس، فمنهم من رأى أنَّها تحقيق لنبوات وردت في الكتب المقدَّسة، ومنهم من قال إنها إنذار بنهاية العالم.

وكان لابد أن يقوم علماء الدين بتوضيح رأيهم للناس في هذه الأمور من واقع مسئوليتهم في التعليم.  وهذه محاولة لواحد منهم، يحرص أن تكون رسائله من على منبره مواكبة ومعاصرة للأحداث. لذلك فمنذ أزمة الخليج وهو يحرص في رسائله الروحيّة على توضيح وجهة نظره في هذه القضية الهامة.

وهذا الكتاب يحوي ثلاث عظات حول هذا الموضوع ألقيت في التواريخ الموضحة بكل منها، يمكن أنْ نستخلص منها العديد من الدروس.

(1)

أزمة الخليج ونبوات انتهاء العالم

ألقيت صباح يوم الأحد الموافق 30 سبتمبر 1990م

 

أزمة الخليج والأيام الأخيرة

“هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا، مَتَى رَأَيْتُمْ هذَا كُلَّهُ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَرِيبٌ عَلَى الأَبْوَابِ…لِذلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ.” (مت 24: 33، 44).

نشرت جريدة التايمز الإنجليزيّة مقالاً يوم السبت الموافق (22/ 9/ 1990) قالت فيه إنَّه بالرغم من أنَّ منطقة الخليج تبعد عن أمريكا آلاف الأميال، إلا أنَّ بعض الشيع والجماعات الدينيّة في أمريكا كعادتها في كل المناسبات اتخذت مِن أزمة الخليج برهانًا لتأييد نظرياتها التي تقول إنَّ نهاية العالم قد اقتربت جدًا.

وقد امتلأت المكتبات بالكتب التي تشرح النبوات التي تتحدث عن مجيء المسيح ثانية. وقال البعض إنَّ تقارب أمريكا مع روسيا والاتفاق بين الرئيسين بوش وجورباتشوف هو بداية لأنْ تلعب روسيا دورًا في الشرق الأوسط. تكون نتيجته الحرب مع إسرائيل، والتمهيد لمعركة هرمجدون ونهاية العالم. كذلك تهلل شهود يهوه وهم يطرقون أبواب البيوت مِنْ باب إلى باب ليعلنوا هم أيضًا نظريتهم بأنَّ ملكوت الله قد اقترب.

وقد تطوع أحد المبشرين الغيورين في أمريكا بأنْ يضع رسالة مُسَجَّلة في تليفون خاص تنبه كل مَنْ يطلب الرقم الذي ذكره إلى أنَّ نهاية العالم قد اقتربت، وأنَّ اقتران استخدام الأسلحة النوويّة مع الأسلحة الكيماويّة وتلوث البيئة وظهور أمراض خطيرة لم تُعرف من قبل مثل مرض الإيدز وزيارة التعصب والانفجار السكانيّ وازدياد التوتر بين مختلف القوميّات. كل هذه الأمور تنذر بأنَّ خراب العالم قريب وأنَّ البشر بشرورهم قد عجلوا بقدوم هذا الخراب.

بل إنَّ هذه الرسالة قد وصلت بصورة معتدلة إلى أسماع الرئيس بوش نفسه عن طريق صديقه الواعظ الشهير بيلي جراهام. فقد كان يعظ في موطن الرئيس بوش في Kennebunk port بولاية Maine وكان الرئيس بوش حاضرًا في الكنيسة، ووعظ بيلي جراهام عن المعنى الكتابيّ لبابل وقال للسامعين إنَّ الأحداث التي تجري الآن في الخليج قد تكون لها دلالة روحيّة، فإنَّ الموقع الجغرافيّ لبابل هو الآن في العراق. وقال بيلي جراهام إنَّ هذا المكان هو الذي ابتدأ فيه التاريخ، وإنَّ الكتاب المقدَّس يعلمنا أنَّ التاريخ سينتهي من حيث ابتدأ.

وهنا في مصر، نجد نفس الأفكار والتفسيرات، وقد جاءني كثيرون يستفسرون ما إذا كان ما يحدث الآن يعتبر تحقيقًا لما جاء في نبوات وردت في سفر إشعياء أو دانيال، أو زكريا. هل العراق الآن يمثل أشور الذي قالت عنه النبوة في إشعياء في إصحاح 10 “وَيْلٌ لأَشُّورَ قَضِيبِ غَضَبِي، وَالْعَصَا فِي يَدِهِمْ هِيَ سَخَطِي. عَلَى أُمَّةٍ مُنَافِقَةٍ أُرْسِلُهُ، وَعَلَى شَعْبِ سَخَطِي أُوصِيهِ، لِيَغْتَنِمَ غَنِيمَةً وَيَنْهَبَ نَهْبًا، وَيَجْعَلَهُمْ مَدُوسِينَ كَطِينِ الأَزِقَّةِ. (إش 10: 5- 6).

أو هل ما يحدث الآن خاصة ما يجري بين العراق وإيران هو تحقيق لما جاء في إشعياء 13 عن بابل والماديين؟ والتي فيها تصير بابل هي زينة فخر الكلدانيين كسدوم وعمورة؟ أو هل المحاولات التي يقوم بها اليهود لإعادة بناء الهيكل في أورشليم هي التمهيد لنهاية العالم ومجيء السيد المسيح ثانية؟

 لكل هذا شعرت أنَّه مِنْ واجبي أنْ أقدَّم لكم رسالة توضح الموقف المتوازن الذي يجب أنْ نتخذه مِنْ هذه التيارات الفكريّة المتعدّدة. وسأقصر حديثي على ثلاث نقاط، هي:

أولاً: مجال تحديد الأزمنة ليس من سلطان البشر.

ثانيًا: واجب الاستعداد الدائم لمواجهة الله لا يتطلب تحديد الأزمنة.

ثالثًا: الانشغال بفكرة نهاية العالم لا يجب أن يعوقنا عن مسئولياتنا الحاضرة.

 

أولاً: مجال تحديد الأزمنة ليس من سلطان البشر

من طبيعة البشر حب استطلاع المستقبل، والتلذذ بالقدرة على عمل حسابات وتقديرات تُوحي لهم بأنَّهم تمكنوا من اختراق غياب المجهول، واستطاعوا أنْ يعرفوا شيئًا عن آخر الأيام. وحتى تلاميذ المسيح أنفسهم كانت لديهم هذه الرغبة. ذلك أنَّه فيما كان الرب يسوع نفسه يُحدِّث تلاميذه بعد القيامة عن موعد الروح القدس، إذ بهم يسألونه ما كان شائعًا عندهم عن الأمور المتعلقة بالآخرة. فقال لهم بصورة قاطعة: “لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ” (أع 1: 7). وفي موضع آخر من الأناجيل قال المسيح: “وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ، إِلاَّ الآبُ” (مر 13: 32).

وبالرغم مِنْ ذلك فالناس يصرفون الوقت والجهد في محاولة توفيق تفسير بعض عبارات ونبوات الكتاب المقدَّس، وتطبيقها على ظروف معينة في التاريخ المعاصر، ليستنتجوا مِنْ ذلك أنَّ هذا الحدث أو ذلك الشخص أو تلك الظروف هي المقصودة في النبوات.

والحقيقة أنَّ نبوات الكتاب المقدَّس مكتوبة بأسلوب رمزيّ حتى يمكن أنْ يفهمها كل فرد بالأسلوب الذي يحمل إليه رسالة روحيّة خاصة. وبعض النبوات تحققت في أحداث معينة في الماضي، ويمكن أن تتحقق بصورة أخرى في المستقبل، ولذلك لا يمكن أن تنطبق النبوة وتقتصر على حدث معين بالذات. ولا ينبغي أنْ ننسى أنَّ مختلف الأديان عندها نفس هذه المسألة، ففي تراثها الدينيّ وكتبها المقدَّسة ما يشبه النبوات عن نهاية العالم، وهي متقاربة ومتشابهة مع ما ورد في العهد القديم.

وقد إلتقيت منذ أسابيع مع صديق مسلم من أساتذة الجامعة وذكر لي أنه في التراث الإسلاميّ ما ينبئ أيضًا عن نهاية العالم وظهور المسيح الدجال، وهذا مرتبط أيضًا بالحروب بين الأمم وبعودة اليهود إلى فلسطين. وعند اليهود أنفسهم انتظارات لمجيء المسيح، وهم لا يعتقدون أنَّه قد جاء بالفعل، ويريدون بأساليبهم السياسيّة أنْ يحققوا هذه الانتظارات.

وأغلب الناس يقعون في مصيدة التفسير الحرفيّ لهذه النبوات مع أنَّ الجزم والقطع بتفسير حرفيّ معين يعرض الناس لكثير من الأخطاء. فالذين يظنون اليوم أنَّ صدام حسين هو الوحش، أو المسيح الدجال لأنَّه اتخذ لنفسه أسماء مثل أسماء الله، يقعون في الخطأ الذي وقع فيه آخرون في الماضي، عندما ظنوا أنَّ نابليون أو هتلر أو موسوليني هو المسيح الدجال أو الوحش، وحاولوا توفيق رموز الحروف على اسمه ليجدوا أنَّها 666 بطريقة أو بأخرى وقد ثبت أنَّ واحدًا مِنْ هؤلاء جميعًا لم يكن هو المسيح الدجال.

إنَّ الله وحده يحتفظ لنفسه بسلطان معرفة الأزمنة والأوقات، وهو يمسك بزمام التاريخ وأحداثه ويتمجد في كل ما يحدث. هذا ما يجب أنْ ندركه ونثق به. لكن محاولة اختراق حجب المستقبل أمر ينهي عنه الكتاب المقدَّس.

ثانيًا: واجب الاستعداد الدائم لمواجهة الله لا يتطلب تحديد الأوقات

منذ أربعة أعوام قدَّم أحد الوعاظ المشهورين عظة رائعة في مدينة المنيا. فهم منها الناس أنَّ الشواهد تؤكد أنَّ نهاية العالم ومجيء المسيح ثانية ستكون خلال عام 1988 أو 1989 بحسب استنتاجات أوردها في العظة، وتهافت الناس على اقتناء أشرطة تسجيل هذه العظة.

وقد انتهزت الفرصة لقاء ودي مع هذا الواعظ والصديق العزيز، وسألته لماذا يصّر على أسلوب تحديد مواعيد ولو تقريبيّة لمجيء الرب مع أنَّ هناك احتمال الخطأ في هذا التفسير. فقال لي: وما الضرر إذا كان هذا يساعد على توبة الناس؟

وهكذا يُفَكِّر البعض، مدفوعين بدوافع الغيرة على خلاص النفوس وتقريب البعيدين، كما أنَّ بعض المؤمنين الذين يعانون آلام هذه الحياة يشتاقون إلى مجيء الرب لتنتهي الآلام والدموع، وتزول المتاعب، ومن ثم يبدأون حياة السعادة الأبديّة مع الرب. على أنني اعتقد أنَّ واجب الاستعداد الدائم، لا يقتضي تحديد موعد لمجيء الرب والتركيز عليه، لأسباب كثيرة أذكر منها سببين:

السبب الأول: السيد المسيح نفسه أراد أن يُبقى هذا الأمر مجهولاً ومخفيًا عن البشر، لكي يكونوا مستعدين في كل لحظة. وقد قال بوضوح: “فَإِنْ قَالُوا لَكُمْ: هَا هُوَ فِي الْبَرِّيَّةِ! فَلاَ تَخْرُجُوا. هَا هُوَ فِي الْمَخَادِعِ! فَلاَ تُصَدِّقُوا. لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْبَرْقَ يَخْرُجُ مِنَ الْمَشَارِقِ وَيَظْهَرُ إِلَى الْمَغَارِبِ، هكَذَا يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ” (مت 24: 23- 27).

ومع أنَّه قال: “هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا، مَتَى رَأَيْتُمْ هذَا كُلَّهُ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَرِيبٌ عَلَى الأَبْوَابِ.” (مت 24: 33). لكنه قال أيضًا “اِسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ.” (مت 24: 42) .. “لِذلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ.” (مت 24: 44). فالمسيح يريدنا أن نكون مستعدين في كل وقت. لأنَّه لا يعلم أحد الموعد ولا الساعة حتى أنَّ الرسول بولس قال لأهل كورنثوس مرة: “نَحْنُ الَّذِينَ انْتَهَتْ إِلَيْنَا أَوَاخِرُ الدُّهُورِ” (1 كو 10: 11).

فتحديد سنة معينة في ظروف معينة لنهاية العالم ثم عدم حدوث ما تتوقعه لا يساعد الإنسان على التوبة بل قد يزيد القلوب قساوة، أو يجعل الشكوك تساور البعض في صدق النبوات. والحقيقة أنَّ النبوات صادقة لكن تفسير البعض لها هو الذي جانبه الصواب.

النبوات توضح لنا أنَّ هناك دينونة للشر، وأنَّ هناك فرصًا جديدة يمنحها الله للخير. وأنَّه في وسط الدينونة والخراب، ينبت الله زهرة حياة جديدة، وفي وسط الغضب يذكر الرحمة. هذا هو المضمون الأساسي للنبوات، دون الدخول في تفاصيل محدّدة، قد نتلذّذ بوضع جداول وخرائط لها، لكننا عندما نتبين عدم حدوث ما توقعناه. نضطر إلى تعديلها وإعادة تشكيلها.

السبب الثاني: حتى إذا لم تكن نهاية العالم خلال سنوات عمرنا فإن مواجهتنا لدينونة المسيح كأفراد وكأمة قد تكون في أي لحظة وفي كل موقف. لماذا نتصور أننا سنواجه الله والمسيح عند نهاية العالم فقط؟

إنَّ كل موقف نجتازه، هو مواجهة لنا مع المسيح. وفي كل مناسبة نتخذ فيها قرارًا. وفي كل حالة اضطراب سياسيّ أو اقتصاديّ أو اجتماعيّ. في موقف الاختيارات الصعبة. في أوقات الألم أو الخسارة أو المرض أو الحزن العميق، كل هذه مواقف نواجه فيها المسيح. بل إنَّ بعض النبوات التي يظنها الناس إشارة إلى نهاية العالم، لا تشير إلى انقضاء العالم، بل إلى انتهاء حقبة من التاريخ وبداية حقبة أخرى. وهذا الانتقال من مرحلة إلى أخرى يتضمن قلاقل واضطرابات. أمور تزول وأمور يبزغ نورها من جديد.

وهذا يحدث كثيرًا، وربما عدة مرات في الجيل الواحد. وبعض ما جاء في متى 24، ومرقس 13 كان لا يشير إلى نهاية العالم، بل إلى يوم الرب، الذي خربت فيه أورشليم تنفيذًا لقول المسيح “هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا!” (لو 13: 35). وقد قال المسيح: “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَمْضِي هذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هذَا كُلُّهُ.” (مت 24: 34). كان ذلك اليوم كأنَّه نهاية الدنيا بالنسبة للساكنين في تلك البلاد.

والمسيح لا يسعده أن نظل لاهين عنه، منشغلين بنزواتنا أو أطماعنا أو أنانيتنا. ثم ننتظر لكي يأتينا إنذار من واعظ يقول لنا بحساباته وتفسيراته إنَّ نهاية العالم قد اقتربت، فنترك ما نحن فيه ونبدأ في التوبة والرجوع إلى الله. كلا. إنَّ هذا الأسلوب المسرحيّ لا يتلائم مع رغبة الله أن نحيا له كل الوقت، أن نسلك بحسب وصاياه كل يوم.

أنت تواجه المسيح دائمًا. إنْ لم يأت المسيح لك على سحاب السماء وتسمع أصوات البوق الأخير، فسيأتي إليك المسيح في أزمة تعانيها. في موقف يهزك ويجعلك تعيد حساباتك، أو في دعوة شخصية لك أنْ تلاقي الرب بانتهاء حياتك. فكن دائمًا مستعدًا أنْ تلاقي الرب إلهك.