وقام في اليوم الثالث، حسب الكتب
- Sermon By: د. نقولا أبومراد
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
في رسالته الأولى إلى كنيسة كورنثوس، في الإصحاح الخامس عشر، يتحدَّث الرسول بولس عن قيامة المسيح ومعناها في اتصالٍ مع قيامة الأموات، ويقول، في بداية الإصحاح، في ما يمكن تسميته خلاصة البشارة الرسولية: “وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِالإِنْجِيلِ [أي بالبشارة] الَّذِي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ، وَقَبِلْتُمُوهُ، وَتَقُومُونَ فِيهِ، وَبِهِ أَيْضًا تَخْلُصُونَ، إِنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّ كَلاَمٍ بَشَّرْتُكُمْ بِهِ. إِلاَّ إِذَا كُنْتُمْ قَدْ آمَنْتُمْ عَبَثًا! فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ” (1كورنثوس 15: 1-4). هذه الفقرة غنيَّةٌ بالمعاني والروابط المعنويَّة، سيما أنها تأتي مقدمةً لمقطعٍ طويلٍ يشرح فيه بولس الرسول أهمية الإيمان بقيامة المسيح في سياق الحديث عن الأموات. غير أنني سأكتفي هنا بإلقاء الضوء على عبارة “حسب الكتاب” التي ترد مرتين، وذلك محاولةً مني لتبيان النحو الذي به يربط بولس الرسول ما بين البشارة بالقيامة و”الكتب”، طبعًا، الكتب التي نجدها في ما نسميه “العهد القديم”.
تأتي عبارة “حسب الكتب”، وتعني أيضًا، في أصلها اليوناني (kata tas graphas) “استنادًا إلى الكتب” أو “وفق الكتب”، مرةً مع قوله: “إن المسيح مات من أجل خطايانا”، ومرةً ثانيةً مع قوله: “إنه دُفِن وأنه قام في اليوم الثالث”. أهمية هذه العبارة تكمن في كونها تأتي لتؤكد تجذُّر “الإنجيل”، أي البشارة الرسولية بموت المسيح وقيامته في “الكتب” على اعتبار أن هذه “الكتب”، في استعمال بولس الرسول، تحمل من السلطان الإلهي ما يجعلها معيارًا لكل كلامٍ في الإيمان ومضمونه. وتزداد أهميتها هنا إذا أخذنا في الاعتبار أن ما يورده بولس الرسول عن موت المسيح ودفنه وقيامته، قَبِلَه هو أيضًا كبشارةٍ قبل أن يسلمه بدوره إلى الإخوة الذين يخاطبهم في هذه الرسالة. غير أن هذا لم يَحُل دون أن يقول الرسول إن الإنجيل الذي بَشَّر به والذي كان قد قَبِلهَ، هذا الإنجيل الذي يشكِّل قوام الجماعة المسيحية وسببًا “لخلاصها” إنما هو “حسب الكتب”، أو أنه، بكلام آخر، إنجيل، إذا ما أردنا أن ندرك أبعادَه، فلنا “الكتب”. بمعنى آخر، يريد بولس أن يقول إن موت المسيح إنما هو إنجيلٌ، بشارةٌ، لأنه كان موتًا له لأجل خطايانا، وهذا “وفق الكتب”، وأن قيامته إنما هي أيضًا إنجيلٌ، بشارةٌ، لأنه “قام في اليوم الثالث“، وهذا “وفقَ الكتب”. ولكي ندرك أهمية هذا، لا بد لنا في النظر إلى مدلولات جملتَيْ “لأجل خطايانا”، و”اليوم الثالث”، وذلك في “الكتب” التي يرجع الرسول إليها توضيحًا للإنجيل.
المرجعُ الأهم لجملة “لأجل خطايانا” نجده في سياق الكلام عن آلام عبد الرب في إشعياء 53: 5، في قول النبي: “وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا”. أما السياق الإشعياني فهو الخلاص الذي يتمُّه الربُّ في عبدٍ متألمٍ، انسحق، لا لخطيئةٍ اقترفها هو، أو لذنبٍ حمله، إنما “لأجل خطايا” مَن استكبروا، ورفضوا الرب وأبوا الاتكال عليه (إشعياء 7-8)، بل اتكلوا على ذواتهم وقوتهم الفانية، وسكروا بمجد ذواتهم الباطل وسلطانهم الكاذب، وتحولوا إلى ضلالٍ للناس (انظر إشعياء 28 – 29). يأتي الكلام عن عبدٍ للرب لا خطيئة في فمه، ولا حتى كلام، يصير وجعه شفاءً وتتحول آلامه فرحًا، ويغدو موته حياةً لأن ولئن كان بلا ذنب، إلا أنه عومل معاملةَ المذنبين لأنه حمل خطايا العالم، كقول الرب: “وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا”. وعليه سيعطيه الرب مكانة الأعزاء، “مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ” ( إشعياء 53: 12).
ولأن آلام العبد وموته كانت “لأجل خطايانا”، تلي الكلامَ عنه بشارةٌ إلى “العاقر التي لم تلد” -أي الجماعة الخاطئة- التي أتاها الآن خلاصُ الرب، فجمع شتاتها، وبرَّرها ومجَّدها “بالمشترع [أي صاحب الكلام الإلهي] الذي ستخضع له جميع الشعوب” (إشعياء 54-55)، والتي سيكون كل بنيها تلاميذ للرب (إشعياء 54: 13) حافظين كلامه وعهده دومًا. موتُ العبدِ تحول حياةً لها، وازدهارًا، واتساعًا؛ فالإثم الذي حمله كان إثم بنيها، وهو مات لأجل خطاياهم فبررهم، فصاروا مدعوين إلى سماع كلمة الرب ليكون لهم معه عهد أبدي ورحمة صادقة (إشعياء 55: 3).
حين قال بولس الرسول: “إن المسيح مات لأجل خطايانا حسب الكتب”، أراد، بالتأكيد على “كتابية” موته “لأجل خطايانا”، أن يؤكد على أن الكلام عنها إنما هو حقًّا إنجيلٌ، بشارةٌ، وأنه، لهذا، يكون لمن يقبلونه ويقومون فيه خلاصٌ، ولهذا أيضًا تكون قيامته حياةً للأموات. فهو لم يمت لخطيئته، بل مات لخطيئتهم، وعليه فإن قيامته هي قيامة لهم، ولا سبيل لنكرانها، فإذا قلنا إنهم لا يقومون، فهذا يعني أن المسيح لم يقم، على ما يقول، “فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قِيَامَةُ أَمْوَاتٍ فَلاَ يَكُونُ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ!” (1كورنثوس 15: 13). لم يمت المسيح ولم يقم لذاته، بل “لأجل خطايانا”، وتاليًا لا جدوى من القول بقيامة المسيح إن أنكرنا على الخطاة الخلاص، وتاليًا على الموتى الحياة. ويتابع بولس ليقيم تضادًّا بين موتنا في آدم الذي أخطأ، وحياتنا في المسيح الذي له أخضع الله كل شيء، حتى الموت (1كورنثوس 15: 25-26).
وكما لاحظنا هنا الانتقال في الكلام من الموت “لأجل خطايانا” إلى الحياة في المسيح، يكمل بولس الرسول ليقول إن المسيح “قام في اليوم الثالث حسب الكتب”، ليس كفكرة ثانية، ولكن في اتصال وثيق مع ما قلناه عن موته. وسنرى في كلامي عن مدلول القيامة في اليوم الثالث تأكيدًا لهذا الارتباط الذي يشكِّل أساسًا لفهم هذا الإصحاح في الرسالة. في اعتقادي أن المرجع الكتابي الأساس في موضوع اليوم الثالث هو الإصحاح الأول من سفر التكوين، وخصوصًا في الآيات 1-13. تتحدث هذه الآيات من سفر التكوين عن خلق الله للعالم، الذي يبدأ في اليوم الأول بكسر سلطان الظلمة على الأرض “الخربة والخالية” في اليوم الأول، لينتقل إلى قهر المياه المسيطرة المانعة الحياةَ في اليوم الثاني، وصولًا إلى ظهور الحياة في اليوم الثالث. الظلمة ومياه البحر في التصور والخبرة الإنسانيين عَدُوَّا الحياة. فالخوف دومًا أن تغطي مياه البحار اليابسة فتمحو الحياة عنها، أو أن تسيطر الظلمة وتمنع هذه الحياة من النمو. في كثير من نصوص الكتاب المقدس، تلعب المياه دورًا مدمرًا للحياة. حسبنا أن نذكر، في السياق المباشر لنصِّنا، رواية الطوفان؛ حيث المياه تقضي على كل حياة تكوين 7: 10-24. في رواية الطوفان، حركة معاكسة لما نجده في رواية الخلق الأولى. فالمياه التي كانت قد تراجعت إلى مُستَقَرِّها لتظهر اليابسة في تكوين 1: 9 بأمر الله، تعود فتغطي اليابسة لتبيد الحياة بأمر الله كذلك. وفي مواقع أخرى في الكتاب المقدس إلماحٌ إلى هذا الدور السلبي الذي تلعبه المياه (انظر مثلًا مزمور 93، الذي يصور مبارزة المياه لله الذي يتغلب عليها في نهاية المطاف؛ وكذلك رواية تسكين العاصفة والبحر الهائج في العهد الجديد، في مرقس 4: 35-41، والتي يَرِد فيها أيضًا موضوعا البحر والظلمة).
والظلمة أيضًا في الشرق القديم، إلى جانب المياه، كانت تُعتَبَر من القوى الخوائية المعادية للحياة؛ فحلول الظلام واستمراره مؤشر إلى الموت وانعدام الحركة. في نصٍّ موازٍ لرواية الخلق (إرميا 4: 23) إشارة إلى غياب النور وسيطرة الظلمة على الأرض التي ابتعدت عن الله وسبله. يقول إرميا: “نَظَرْتُ إِلَى الأَرْضِ وَإِذَا هِيَ خَرِبَةٌ وَخَالِيَةٌ، وَإِلَى السَّمَاوَاتِ فَلاَ نُورَ لَهَا…”. نلاحظ في هذه الآية وفي ما يليها استعمالًا للعبارات نفسها والصور نفسها التي تأتي في رواية الخلق الأولى: الظلمة، والخراب، وانعدام الحياة. ولكنها تَرِد في سياقٍ معاكسٍ لقصة الخلق؛ ففي حين تتحدث قصة الخلق عن انتقال الأرض من حال الخراب إلى الحال الحسن، نرى في إرميا 4 انتقالًا للأرض من الحياة إلى الخراب. أما السبب الذي يعطيه إرميا فهو أنه لم يَعُد في الأرض عاملٌ بالبر والعدل والحق؛ أي أنه لم يَعُد هناك مَن يعمل بكلمة الرب، أو مَن يُقِر بسيادته. المسألة إذًا أن حال الأرض مرتبطة بقبول هذه السيادة؛ فهي دونها خربة وخالية، ومعها في أحسن حال. هذه هي الفكرة الرئيسية التي تكمن وراء نص قصة الخلق الأولى.
وعليه فإن حال “الخراب والخواء” في الأرض بسيطرة هذين العنصرين المميتين والقوتين المعاديتين للحياة، أي الظلمة والمياه الطاغية، تنتهي في اليوم الأول بانبلاج النور. فعل الخلق الأول النور. النور عكس الظلمة، وفعله عكس فعل الظلمة. في مواضع كثيرةٍ في الكتاب المقدس النور يرافق حضور الله، وهو علامةٌ له. في مزمور 104: 2 الله يتسربل النور، يلبسه كالثوب (انظر أيضًا دانيآل 7: 9). النور هو رمز الخلاص الذي يعطيه الله (إشعياء 9: 1؛ 58: 8؛ مزمور 18: 29؛ 36: 10؛ 43: 3؛ 97؛ 11؛ أيوب 29: 3). وفي أحيانٍ يَستَعمِل النص الكتابي “السراج” بدل “النور” بالمعنى نفسه (مزمور 18: 29؛ 2صموئيل 22: 29؛ أمثال 13: 9؛ 24: 20). في بعض المقاطع الكتابية يُوصَف الله نفسه بأنه سراج الناس (مزمور 27: 1؛ 2صموئيل 22: 29؛ إشعياء 10: 17). ما تشير إليه هذه الآيات وغيرها هو الأهمية التي لله في حياة الإنسان بكونه مانح الخلاص والمعونة. وينطبق الأمر نفسه على النصوص التي تتحدث عن “نور الرب” (إشعياء 2: 5)، و”نوره [الله]” (أيوب 29: 3). هنا أيضًا النور رمز الخلاص الذي يعطيه الله. في تكوين 1: 3 يأمر اللهُ النورَ أن يكون. في سياق الآية 2 يعني هذا أن النور هنا هو الخلاص الذي يغدقه الله على الأرض المغمورة بالظلمة. هنا النور يصير نقيض الظلمة في الآية 2، فإذا كانت هذه تمثل انتفاء الخلاص والابتعاد عن الله، فالنور هنا يمثل خلاص الله التام، وتنتقل الظلمة بهذا من حال العداء إلى حال السلام.
في اليوم الثاني يفصل الله بين مياهٍ ومياهٍ، ويخلق السماوات. فصل المياه هذا، سيجعلها طيعةً، بحيث تأتي على الأرض حين يريد الله، وتُحبَس حين يريد. فصل المياه إلى ما هو فوق السماوات وإلى ما هو تحت السماوات، يمنعها من أن تغمر الأرض وتعيدها إلى وضع الخراب. أصبحت المياه الآن محييةً، لكونها تنزل، بأمر الله، مطرًا على الأرض فتحييها.
بعد الغلبة على الظلمة والمياه، تظهر اليابسة، وظهور اليابسة سيكون مقدمةً لظهور الحياة؛ فكما أن الظلمة التي كانت قوةً معاديةً تسيطر على الكون، وتحولت إلى حركةٍ زمنيةٍ في تتابع الليل والنهار، هكذا تحولت المياه من قوةٍ معاديةٍ مانعةٍ للحياة إلى سببٍ للحياة. قلنا إن المياه التي فوق السماوات ستنزل مطرًا على الأرض. أما المياه التي تحت السماوات فتحولت إلى بحار، وستكون أيضًا مكانًا للحياة (الآيات 20-23). وتحوُّل المياه التي تحت السماوات إلى بحارٍ يتيح لليابسة أن تظهر، وتشهد البروز الأول للحياة. هذه الحياة سيضمن لها الله الاستمرار، وذلك في صورة “البذر” الذي يبذر، والثمر الذي يحوي البذر، ويؤمِّن الاستمرار للنبات والشجر. صورة البذار والإثمار مهمةٌ جدًّا هنا، لكونها لا تشير إلى الحياة الطبيعية واستمرارها فحسب، ولكن أيضًا، وفي الدرجة الأولى، إلى استمرار حياة الإنسان. هذا يعطي “اليومَ الثالثَ” رمزيةً خاصةً في الدلالة على الحياة التي يعطيها الله. (لا غرابة في أن يكون هذا النص من قصة الخلق هو القراءة الأولى من قراءات قداس سبت النور، يوم الاحتفال بقيامة المسيح).
ما يلفتنا في هذا السياق إسهاب بولس الرسول في استعمال صورٍ وعباراتٍ مأخوذةٍ تحديدًا من رواية الخلق في سفر التكوين، من هذا الإصحاح، وذلك في سياق حديثه عن قيامة المسيح وقيامة الموتى في 1كورنثوس 15: 35-50؛ فهو يستعمل صورة البذور التي أعطى الله لكل منها جسمًا، ويتحدث عن الناس، والبهائم، والسمك، والطيور، والشمس، والقمر، والنجوم، أي كل ما يخلقه الله في تكوين 1. وفي هذا السياق يريد أن يقول إن ما كنا عليه ومتنا عنه بموتنا في المسيح هو غير ما سنكون عليه في حياتنا بقيامته. فكما كانت الأرض “خربة خالية” قبل الخلق وأصبح كل شيء “حسنًا جدًّا” بعده، هكذا كلنا، بقيامة المسيح، إذا قبلناها وأقمنا فيها وسِرنا بها، نتحول من الهوان إلى المجد، ومن الترابي إلى السماوي، ومن الحيواني إلى الحياة بروح الله وكلمته. هذه هي القيامة، وهذه هي الحياة الجديدة، حسب الكتب.


