مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

الإنجيليُّون والنهضة العلمية

Watch Now

Download

الإنجيليُّون والنهضة العلمية

    احتدم الصراع في أوروبا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر بين اللاهوت والفلسفة، وكان الصراع بين الأصوليَّة المسيحيَّة -التي تلتزم حرفية النص الديني وترفض إعمال العقل- وبين العَلمَانية -التي تلتزم تأويل النص الديني في ضوء إعمال العقل. وحيث إن الأصولية الدينية شكلٌ من أشكال الدوجماطيقية التي تتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة، فيمكن القول بأن الصراع كان بين الدوجماطيقية والعلمانية، وجاءت حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، وكانت مواكبةً للتقدم العلمي.

 فبينما كانت الكنائس الأرثوذكسية في الشرق في عُزلة عن العالم المسيحيِّ في أوروبا؛ فقد كانت ترزح تحت نير الحكم العثماني، لذا انحصر نشاط الكنيسة في الشرق إلى حدٍّ كبير في التعامل مع واقعها، ولم يكن لها دور في التقدم العلمي، وانشغلت بموضوعات تختلف عماَّ كان يشغل بال أوروبا، سواء من جهة القضايا التي أثارتها حركة الإصلاح أو في التفاعل مع النهضة العلمية، كالحديث عن مركزية الشمس، أو حتى الرجوع للكتاب المقدس في لغاته الأصلية. أما الكنيسة الكاثوليكية في جنوب أوروبا، فبعد الحكم الجائر ضد جاليليو، أوصدت الأبواب أمام أيِّ تقدمٍ علميٍّ في دائرتها، وبذلك جاء عبءُ التقدم العلمي وتشجيعه لقرون على عاتق الإنجيليين؛ ففي الوقت الذي تم فيه كتم أنفاس جاليليو، كان العَالِم الكبير “كبلر” صديق جاليليو وشريكه في البحث العلمي، يعيش في جو الحركة الإنجيلية، وبذلك فإنها حقيقة ثابتة أن الإنجيليين هم الذين احتضنوا التقدم العلمي لقرون، كما أنهم هم الذين قدموا للعالم الكتاب المقدس بمختلف لغاته ولهجاته مع جوانب كثيرة أخرى.

لم تتخذ البروتستانتيةُ موقفًا مساندًا للعلماء والاختراعات فقط، بل هناك الكثير من الدراسات التي تشير إلى أن البروتستانتية أرست نمطًا جديدًا من التفكير، وأضافت تفسيرات جديدة للكتاب المقدس، كما شجعت العلماء، على التفكير بطريقة علمية، ومن ثم كان للإصلاح الإنجيلي تأثيره الإيجابي على التقدم العلمي.


كنيسة القرون الوسطى ومحاربة العلم والعلماء!

الموضوعية تحتم علينا أن نقول إن كنيسة القرون الوسطى لم تكن على وفاق مع النظريات العلمية، ورأت أنها تتعارض مع تفسيرها وفهمها لنصوص الكتاب المقدس؛ فمن المعروف أن أوروبا في العصور الوسطى، كانت تعيش حالةً من الظلام الفكري الدامس، وكانت واقعةً تحت سلطة كنسية طاغية تتعقب المفكرين أينما وُجدوا، وقد ظل الصراع هناك محتدمًا بين العلم والدين، وبين المفكرين واللاهوتيين قرونًا عديدة، ولقد حرَّمت كنيسة القرون الوسطى على الناس التفكير الحر، حتى قيل إنها أحرقت نحو 1300 شخص بتهمة الهرطقة. 

إنّ رجال الكنيسة كانوا يزعمون أنّ الكتاب المقدس يتضمَّنُ كل أنواع العلوم التي يحتاجها الناس، سواء أكانت علوم دين أم دُنيا، وأنَّ أساس كُلَّ علمٍ، عندهم، هو الكتاب المقدّس وتقاليد الكنيسة، وأنَّ الله لم يقصُرْ تعليمنا بالوحي على الهداية إلى الدين فقط، بل علَّمنا بالوحي كلَّ ما أراد أنْ نعلَمه مِن الكون، فالكتاب المقدّس يحتوي من المعرفة على المقدار الذي قُدِّر للبشر أن ينالوه، فجميع ما جاء في الكتب السماوية من وصف السماء والأرض، وما فيها، وتاريخ الأمم ممّا يجب تسليمُه مهما عارضَ العقلَ، أو خالفَ شاهِدَ الحسّ، فعلى الناس أن يُؤمنوا به أولاً، ثم يجتهدوا ثانيًا في حمل أنفسهم على فهمه.

جاء العالم “جيوردانو برونو” بفرضيّةٍ علميّةٍ وصفَ من خلالها الكون بأنه “لا نهائي”، وأنّ هنالك أشكالًا من الحياة خارج الكرة الأرضية مما أثار غضب رجال الكنيسة، الذين كانوا يعتقدون بأن الأرضَ منبسطةٌ، وبناءً على ذلك فقد وجَّهت الكنيسة تهمة (الهرطقة) إلى “جيوردانو برونو”، وقامت بمحاكمته لمدّةٍ قاربت الثماني سنوات، تمَّ خلالها انتزاعُ الاعترافات من “برونو” عن طريق التعذيب، وحُكِمَ عليه بالموت لأنه “متعنّتٌ مُصِرٌّ على “هرطقته”…”. وكان قد جاهد ليشرح أنّ أفكاره ليست خطأً، دون جدوى، وتم حرقُه حيًّا في “كامبو دي فيوري”، وقد كمّموه قبل أن يأخذوه إلى المحرقة، لتفادي أن تتسبّبَ عباراته في قلقلة معتقدات الجمهور، الذي حضر لمشاهدة المحرقة، وقد تم إضفاء رتبة “كبير علماء الكنيسة” عام 1930م على “الكاردينال بلّلارمين” الذي تولّى إدانة “برونو” رسميًّا.

والصراع بين الكتاب المقدس والعلم الحديث في الغرب كان صراعًا محتدمًا بين مرجعية النصوص وقوة ودقة الملاحظة والمشاهدة والتجربة، وأولى لقطات هذا الصراع هو نظرية دوران الأرض، وأول أبطاله هو كوبرنيكوس، والذي قالت عنه الكنيسة إنه نصاب يحاول أن يبين أن الأرض هي التي تدور وليس السماوات أو الشمس أو القمر، وكان مصدر هذه التهمة هو الاستناد إلى بعض آيات الكتاب المقدس، مثل الآية التي تخبرنا بأن يشوع أمر الشمس وليس الأرض أن تقف في مكانها، والآية في (مزمور 93: 1) التي تقول: “أيضًا تثبتت المسكونة لا تتزعزع”، أما المصدر الخفي والحقيقي هو خوف القساوسة والكهنة، وغضبهم من أن إقصاء كوكب الأرض عن وضعه المركزي سيقصي الإنسان هو الآخر عن وضعه المميز في الكون.

ويمكننا القول إن عام 1543 هو بداية الصراع بين الكنيسة والنظريات العلمية، وأيضًا هو بداية بزوغ العلمانية، فلقد اتسع استخدام اللفظ عندما استقل الإمبراطور عن بابا روما، وتجسَّد الانفصال بين ما هو روحاني وما هو علماني في مؤسسات، فانتقلت بعض المسؤوليات من السلطة الكنسية إلى السلطة السياسية، ويُسمَّى هذا الانتقال بـ”العلمانية”. بيد أن هذا الانتقال كان في جوهره تعبيرًا عن نقلة فكرية؛ ففي هذا العام صدر كتاب من تأليف نيقولا كوبرنيكوس بعنوان “في دورات الأفلاك السماوية”، وهذا التاريخ يمكن أن يُعتَبَر حدًّا فاصلًا بين نهاية العصر الوسيط وبداية العصر الحديث، فبفضل كوبرنيكوس لم يعد الإنسان مركزًا للكون، وتوقف الكون عن الدوران حول الإنسان، ولم تكن تنحية الأرض عن مركز العالم بالأمر الميسور، فقد كانت واردةً عند فيثاغورس؛ حيث ذهب إلى أن مركز العالم يجب أن يكون مضيئًا بذاته، ويجب أن يكون ساكنًا، ولهذا فإن الأرض ليست مركز العالم فهي مظلمة، وفيها نقائص كثيرة. بيد أن فيثاغورس كان يحذر تلاميذه من إعلان هذه النظرية، وقد كان فيثاغورس محقًّا في هذا التحذير، فقد أُحرقت الدار التي كان يجتمع فيها الفيثاغوريون، وقيل إن فيثاغورس كان متغيبًا عن الدار يوم الحريق، ويبدو أن كوبرنيكوس كان على وعي بالآثار الخطيرة المترتبة على نظرية دوران الأرض التي دعا إليها فيثاغورس، والتي كان يود إخفاءَها عن الجمهور. وأهدى كوبرنيكوس كتابه للبابا بولس الثالث، وقد جاء في الإهداء أن لديه قناعة قوية بأن ثمة أشخاصًا سيطالبون بإعدامه هو وأفكاره، بسبب ما كتبه عن دوران الأفلاك السماوية، وعن حركة الأرض، وأنه لا يكترث لآراء الآخرين، كما أنه على دراية بأن أفكار الفيلسوف لا تذعن لأحكام الدهماء، لأن غايته البحث عن الحقيقة، ومع ذلك فإنه يرى ضرورة الإفلات من قبضة الآراء المناقضة للعدالة والحقيقة، ولهذا كان عليه أن يختار بين الإعلان عن نظريته التي قد تُواجَه بالسخف من قِبل الذين قد اعتقدوا في ثبات الأرض لعدة قرون، وبين الالتزام بالصمت مثلما فعل فيثاغورس، وقد اختار الإعلان عن نظريته بناءً على ضغوط من بعض الأساقفة، هذا مع ملاحظة أن نظريته عن حركة الأرض كان قد احتفظ بسريتها لمدة ستة وثلاثين عامًا، وبالفعل نشر كوبرنيكوس نظريته، وقد جاءته نسخة مطبوعة من كتابه وهو على فراش الموت في 24 مايو 1543، وفي 5 مارس 1616 قرر ديوان الفهرست (محكمة التفتيش) تحريم كتاب كوبرنيكوس.

وقد لاقت نظرية كوبرنيكوس محاربةً شديدةً من قِبل رجال الكنيسة؛ لأن فيها كما يقولون “مخالفة لما جاء في الكتب المقدسة”، ومن ذلك ما كتبه “فروماندوس” وهو أحد رجال الدين في مقالته التي سماها “أرسطارخس”؛ حيث بدأ أول صفحة منها بلعنة كوبرنيكوس، ثم أعلن “أن التنزيل يقاوم كوبرنيكوس وأنصاره”. ولكي يبرهن على فساد نظرية كوبرنيكوس وأنها ضربٌ من ضروب الإلحاد، رجع إلى النصوص المقدسة التي تتحدث عن شروق الشمس وغروبها وثبات الأرض، حيث استند إلى نصٍّ من التوراة جاء فيه: “أن الأرض ثابتة إلى الأبد”، وأيضًا ماورد في الأصحاح الأول من سفر الجامعة: “ما الفائدة للإنسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس، دور يمضي ودور يجيء والأرض قائمة إلى الأبد، والشمس تشرق، والشمس تغرب، وتسرع إلى موضعها حيث تشرق”.

وفي عام 1609 صنع الإيطالي الشهير جاليليو التلسكوب، فرأى جبال القمر وأقمار المشترى الأربعة وعين حركتها، وأضاف أربعة أجرام سماوية أخرى فوق السبعة التي آمن بها القدماء، فحدث الانزعاج والرفض؛ لأن هذا لا يستقيم مع إشارات الكتاب المقدس، فالأجرام السبعة هي الشمعدانات السبعة التي تحدث عنها سفر الرؤيا، وكانت نتيجة هذا الهجوم ترقية قسيس دومنيكاني بسبب موعظة ألقاها حول نص الكتاب المقدس القائل: “وأنتم يا سكان الجليل لماذا تقفون محملقين في السماء”، ذهب منها إلى أن الهندسة رجسٌ من الشيطان، وأنه ينبغي استبعاد علماء الرياضة باعتبارهم مؤلفي كل الهرطقات.

وفي مارس من نفس العام، نشر جاليليو كتابًا بعنوان “رسول من النجوم”، أعلن فيه انحيازه لنظرية كوبرنيكوس، وفي عام 1613 نشر كتابًا بعنوان “رسائل عن كلف الشمس” فحرصت السلطة الدينية عل قراءته، وانتهت إلى أن الكتاب به آراء جديدة مخالفة للتفسير التقليدي لنصوص الإنجيل، ومن ثم بدأ الصراع بين جاليليو والسلطة الدينية، فراح جاليليو يبحث عن أدلة من الإنجيل، ومع ذلك أعلن المجمع المقدس أن كوبرنيكوس مهرطق، وأصدر البابا بولس الخامس أمرًا إلى جاليليو، بالامتناع عن تعليم نظريات كوبرنيكوس أو الدفاع عنها، فوعد بالامتناع، ولكنه نشر في عام 1632 كتابه المشهور “حوار حول نظامين أساسيين للعالم”، انحاز فيه لنظرية كوبرنيكوس، وفند نظرية بطليموس.  

ونظرًا لأن جاليليو أثبت أن عدد الكواكب يزيد عن سبعة -على خلاف الاعتقاد الكنسي السائد آنذاك- ثارت ثائرةُ الكنيسة وأعلنت هرطقة هذا العالِم، مُستندةً إلى أنَّ أقواله تخالف ما ورد في الكتاب المقدس، وتمَّ تحويل جاليليو إلى محكمة التفتيش في روما، “وأجبرته لجنة المحكمة على الرجوع في رأيه بأن عرضتْ عليه أولًا وسائل التعذيب المستخدَمة إذا ما أصرَّ على رأيه، وكانت أعمالُ “جاليليو” قد أُدينت ووُضِعت في كشف الممنوعات منذ عام 1616م”. وأمضى جاليليو بقية حياته مُعتقَلًا في منزله، إذ أنَّ شهرته العالمية قد سمحت له بتفادي العواقب الوخيمة، فكانت عمليّةُ اعتقاله في منزله هي الوسيلة الوحيدة لتفادي عمليات التعذيب الرسمية التي تمارسها اللجنة، خصوصًا بعد أن صدر الحكم عن محكمة التفتيش بسجنه وتعذيبه بشدّةٍ، مما اضطرّه للتراجع عن نظرياته العلمية (التي أثبت العلمُ الحديث صحَّتها تمامًا)، وأعلن أمام البابا “أربان الثامن” تراجعه وتوبته عمَّا قاله، وقال في إعلانه هذا: “أنا جاليليو، وفي السبعين من عمري، سجينٌ جاثٍ على ركبتيَّ، وبحضور فخامتك، وأمامي الكتاب المقدس، الذي ألمسُه الآن بيدي، أعلن أني لا أشايع، بل ألعنُ وأحتقرُ خطأ القول وهرطقة الاعتقاد بأن الأرض تدور”. ويُقال إنه بعد التوقيع ضرب الأرض برجله وقال: “ومع ذلك فهي تدور”.

كما دخل علماء الجيولوجيا والأحياء في جدل عنيف مع رجال اللاهوت حول قصة سفينة نوح، والتي استنبط منها اللاهوتيون أن كل الحيوانات الموجودة حاليًا تنتمي إلى أنواع تمثلت في الحياة في سفينة نوح، وبذلك فالأنواع ثابتة لا يطرأ عليها التغيير، وكان أي شك في ذلك خاصة من علماء البيولوجيا المؤمنين بالتطور كفيلًا بإلصاق تهمة الكفر. وجاء اكتشاف أمريكا ليحير اللاهوتيين، فأمريكا كانت أبعد ما تكون عن الجبل الذي وُجِدت عليه سفينة نوح، ومع ذلك فقد عُثِر فيها على حيوانات كثيرة ليس لها وجود في الأماكن التي تحتل مركزًا وسطًا، فكيف استطاعت هذه الحيوانات السفر إلى هذه الأماكن النائية؟

وجاء الصراع مع علم الطب والذي كان أكثر احتدامًا وعنفًا؛ ففلسفة المرض عند رجال الدين القدامى هو أنه عقاب من الله. وقد ذهب البعض إلى أن جميع أمراض المسيحيين ترجع إلى الشياطين، وكان للقديسين منزلةٌ كبيرةٌ في جلب الشفاء، فعلى سبيل المثال نجد أن الناس ظلوا لقرون كثيرة يعتقدون في قدرة عظام القديسة روزاليا المحفوظة في بليرمو بإيطاليا على شفاء الأمراض، ولكن عندما قام عالم تشريح دنيوي بفحص هذه العظام اكتشف أنها بقايا عظام ماعز! ولحسن الحظ، أفلت هذا العالمُ من الحظر الذي كان قد فُرِض على علم التشريح، والذي اعتبره القساوسة مانعًا ضد بعث الأجسام من الموت. وامتدت الخزعبلات من الأمراض الجسميَّة إلى الأمراض النفسيَّة، والتي ارتبطت بالسحر اعتمادًا على الآية في (خروج 22: 18) التي تقول: “ولا تدع ساحرة تعيش”. ومن الأشياء الطريفة في تاريخ هذه المحظورات، أن القساوسة وقفوا ضد تلقيح الجدري لدرجة قيام قسيس أنجليكاني بنشر موعظة جاء فيها أن قروح أيوب ترجع دون شك إلى أن الشيطان قام بتلقيحه. واشترك كثير من قساوسة اسكتلندا في إعداد بيان جاء فيه: أن التلقيح يُعتَبَر محاولةً لإصابة حُكم الله وتقديره بالارتباك. وقال أحد القساوسة عن مرض الجدري: “إذا كنا قد ابتُلينا بمرض الجدري، فإن ذلك يرجع إلى ما مارسناه من عربدة في الشتاء الماضي، فقد انغمسنا في شهوات الجسد لدرجة أثارت غضب الله!”.