مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

كهنوت جميع المؤمنين بين المساواة والتميز

Watch Now

Download

كهنوت جميع المؤمنين بين المساواة والتميز

مقدمة:

أعتقد عزيزي القارئ -أنه ربما- أعثرتك الدهشة من العنوان “كهنوت جميع المؤمنين” مقارنة بواقع معاش في كنائسنا، ويتصاعد إلى ذهنك العديد من علامات الاستفهام والتعجب؛ إذا كان جميع المؤمنين كهنة، فمن يخدم من؟ وهل هذا النوع من المساواة يعني عدم ضرورة وجود سلطان كنسي؟ وإذا كان موجودًا فمن أين يستمده الذين يمارسونه؟ وهل هذا يعني عدم وجود ضرورة لمن يتفرغ للخدمة الدينية؟ وكيف إذن تتم الخدمة في الكنائس؟ ومن الذي يقوم بكل الأدوار المطلوبة لإتمام رسالة الإنجيل؟ وكيف تسير الأمور في الكنائس لوجود قادة للخدمة الكنسية؟ وهل المساواة “كلنا ملوك وكهنة” تغلق الباب أمام الفروق الفردية والاجتهاد الشخصي؟

كل ما سبق وغيرها أسئلة طبيعية ومنطقية ومشروعة. وسأجتهد عزيزي القارئ في محاولة تناول هذا المفهوم بصورة شاملة يمكن أن تجيب على تلك الأسئلة بصورة تغطي -بقدر الإمكان- كل الأبعاد المرتبطة بهذا الشأن، وذلك من خلال الاجتهاد في الإجابة على سؤالين:

(١) ما المقصود بمفهوم “كهنوت جميع المؤمنين” وفق كلمة الله؟

(٢) متى لا تكون المساواة، والتميز نقيضين؟

أولاً: ما المقصود بمفهوم “كهنوت جميع المؤمنين” وفق كلمة الله؟

كلمة “كاهن” وإن كان لا يُعرف مصدرها على وجه اليقين، إلا أن البعض يرى أنها مشتقة من كلمة “كُن” بمعنى “يقف” في إشارة إلى وقوف الكاهن أمام الله خادمًا له أو ممثلاً أمام الشعب، فهكذا توصف خدمة الكاهن في العهد القديم (عد ١٦: ٩؛ تث ١٨: ٥؛ تث ١٠: ٨؛ تث ١٧: ١٢). وآخرون يرون أن كلمة “كاهن” باللغة اللاتينية تعني “باني القنطرة” فالكاهن يعمل كقنطرة عبور.. إذ يعبر الشعب إلى الله من خلال تقديمه لذبائحهم الحيوانية والمحرقات والقرابين، وتعبر استجابات الله وإرادته للشعب من خلال الكاهن. ولقد كانت فكرة الكهنوت ووظيفة الكاهن موجودة في ديانات كثيرة قديمة وحديثة (قدماء المصريين، الإغريق، البوذيون.. إلخ). ولم تكن هناك رتبة كهنوتية خاصة في بني إسرائيل قبل موسى، فقد كان رب الأسرة هو كاهنها (يقدم بنفسه تقدماته عن نفسه وعن أهل بيته) فهكذا قدم هابيل، نوح، إبراهيم، أيوب، يعقوب. لكن الشريعة الموسوية نظمت الكهنوت وحصرته في هارون ونسله من بعده ووضعت لذلك طقوسًا معينة.

تتكرر كلمة “كَهَنَ” ومشتقاتها نحو ٧٧٥ مرة في العهد القديم، كما تتكرر كلمة “لاوي” وهو السبط الذي كان الكهنة منه ٢٨٠ مرة، ويوجد أكثر من ثلثي هذا العدد من الإشارات إلى الكهنة في أسفار موسى الخمسة، منها ١٨٥ مرة في سفر اللاويين وحده. وتتردد الكلمة ومشتقاتها في سفري أخبار الأيام أكثر مما في سفري الملوك، ولا يتفوق على سفر أخبار الأيام الثاني في ذكر الكلمة ومشتقاتها إلا سفر اللاويين. وترد الكلمة ومشتقاتها في العهد الجديد نحو ١٦٥ مرة، منها نحو ٣٠ مرة “كاهن”. و١٢٥ مرة “رئيس كهنة”. مما يدل على أهمية رئيس الكهنة في الأناجيل، إذا يكاد يقتصر ذكر “الكهنة” و”رئيس الكهنة” في العهد الجديد على الأناجيل الأربعة وسفر أعمال الرسل، والرسالة إلى العبرانيين.

لقد كان الكهنوت العبري يشكل أحد المعالم البارزة في الديانة اليهودية في العهد القديم ويبدو هذا واضحًا ليس فقط من الإشارات الكثيرة إليه، ولكن أيضًا من محتوى العبادة في العهد القديم وضرورة وجود الكهنة بصفتهم ممثلين عن الشعب، وأهمية خدماتهم وعلاقتهم بكل جوانب حياة الشعب. فلقد كانت النظرة العبرانية للعالم وللحياة في العالم تسيطر عليها الغيبية. مما خلق ضرورة شديدة لتوفر علاقات صحيحة مع الله ومقبولة منه، الأمر الذي جعل لوجود الكهنة وخدمتهم أولوية قصوى. فكان الإسرائيلي يرتبط بالله بعهد قومي فريد، وكان هذا العهد يستلزم وجود الكهنوت لضرورة وحيوية خدمته الشفاعية، كممثلين للشعب أمام الله، فعمل الكهنة وسطاء بين الله والشعب لحفظ علاقة العهد.

هل استمر الأمر على ذلك النسق في العهد الجديد بعد إتمام المسيح عمله الكفاري؟ وسأصحبك، عزيزي القارئ، في جولة في نصوص العهد الجديد الحاكمة لهذا الأمر من خلال ما تناوله المصلحين الأوائل من فهم وتحليل لهذه النصوص.

إن “كهنوت جميع المؤمنين” هو أحد المبادئ الرئيسية للإصلاح الإنجيلي. وما نادى به “مارتن لوثر” مرارًا، أن كهنوت جميع المؤمنين يعني أننا جميعًا كهنة.. فالكهنوت هو هوية جماعية. وبالرغم من أن لوثر لم يستخدم تعبير “كهنوت جميع المؤمنين” بنصه هكذا إلا أنه استند في قناعته بهذه العقيدة على فهمه للكتاب المقدس. كذلك أيضًا شجع المصلح “چون كالڤن” على استخدام لقب “كاهن” لكل مسيحي مؤمن وبشكل دائم، حيث قال “يجب أن تصبح كلمة “كاهن” شائعة الاستخدام، كما كلمة مسيحي (مؤمن)”.. لقد كان هذا المفهوم حقًا وصدقًا هو الإعلان الأكيد في عصر الإصلاح لتحرير الشعب حينذاك من العبودية الرهيبة التي سادت على حياة وفكر الملوك والعامة على السواء حينذاك. فلقد كانت هناك فوارق شاسعة انتشرت بين رجال الدين وبقية الشعب.

فوظيفة الكاهن ترتبط أولاً بالكفارة، وثانيًا بالشفاعة، والكتاب المقدس في العهد الجديد يعلن أن المسيح توسط بين الله والناس (يو ١٤: ٦؛ ١تي ٢: ٥؛ عب ٨: ٦؛ عب ١٢: ٢٤) وأنه قدم نفسه ذبيحة كفارية (أف ٥: ٢؛ عب ٩: ٢٦؛ عب ١٠: ١٢؛ ١يو ٢: ٢) وأنه شفع في الشعب ولايزال يشفع فيهم (رو ٨: ٣٤؛ عب ٧: ٢٥؛ ١يو ٢: ١). ولا شك أن المسيح قد أجرى هذه الأعمال الكهنوتية حقيقة لا مجازًا؛ لأنه كان المرموز إليه برموز العهد القديم. والرمز إشارة إلى ما هو حقيقي ولا يكون الرمز إشارة إلى رمز آخر (عب ٩: ١٠- ١٢؛ عب ١٠: ١؛ كو ٢: ١٧). ولقد تمم المسيح هذه الوظيفة العظيمة جزئيًا على الأرض (عب ٥: ٧- ٩؛ عب ٩: ٢٦- ٢٨؛ رو ٥: ١٩) وكليًا في السماء حيث قدم ذبيحة في قدس الأقداس السماوية وهو حي إلى الأبد يشفع فينا (عب ٧: ٢٤، ٢٥؛ عب ٩: ١٢، ٢٤)، وبذلك نتيقن أن المسيح قد تمم فعلاً وظيفة الكاهن.

ولقد كان الكلام في الكتاب المقدس عن كهنوت المسيح مؤسسًا على الإصطلحات والفرائض المختصة بالذبائح والخدمة الكهنوتية في النظام الموسوي، غير أنه ورد فيه أن المسيح كاهن وذبيحة معًا، أي أنه قدم الذبيحة باعتباره كاهنًا وأن الذبيحة التي قدمها كانت نفسه، ولكونه ذبيحة بلا عيب كان كافيًا ومقبولاً وكاملاً لأنه حمل الله المذبوح لأجل خطية العالم وكان باعتبار كهنوته، كاهنًا تمت فيه جميع شروط تلك الوظيفة وما تستلزمه بل ارتفع شأن كهنوته على الكهنوت اللاوي فكان كاهنًا على رتبة ملكي صادق (تك ١٤: ١٨؛ مز ١١٠: ٤؛ عب ٧: ١- ٣).

ومن ذلك يتضح أن المسيح هو كاهننا الوحيد لأنه ليس لأحد من البشر غير الرب يسوع المسيح في تجسده حق القدوم إلى الله لأنهم خطاة ويحتاجون إلى من يقترب إلى الله عنهم ولأنه لا تقدر ذبيحة غير ذبيحته أن تنزع الخطية حيث أن الله يرحم الخطاة بواسطته وحده فقط ولأن كل البركات التي ينالها شعب الرب من خلال رضى وقبول الرب لهم إنما ينالها –فقط– بواسطة المسيح.

ومن المعروف والثابت أنه عند ظهور المرموز إليه ينتهي دور الرمز. ولاسيما إذا تم الرمز أكمل تمام في المرموز إليه. ومن المعلوم أن الكهنوت الرمزي (وفق الشريعة الموسوية) تم في كهنوت المسيح إتمامًا كاملاً أبديًا وبذلك انتهى في المسيح الكهنوت البشري الذي كان قبلاً رمزًا إليه (عب ١٠: ١، ٩، ١٨). ولقد أكمل المسيح مطاليب الوظيفة الكهنوتية حتى لم يبقَ أدنى احتياج إلى الكهنوت البشري (عب ١٠: ١٤؛ كو ٢: ١٠). ولقد علمنا الكتاب المقدس، ودعانا بكل الوضوح أن نأتي إلى المسيح بصورة مباشرة حيث إنه كاهننا العظيم الوحيد (مت ١١: ٢٨؛ يو ٥: ٤٠؛ يو ٧: ٣٧؛ رؤ ٣: ٢٠؛ رؤ ٢٢: ١٧؛ كل الرسالة إلى العبرانيين).

وبما أن المسيحي المؤمن يتحد بالمسيح اتحادًا روحيًا فهو يشترك في بركات موته وفي أمجاد نصرته على الموت بالقيامة، وله حقوق خاصة بنعمة الله مبنية على ذلك الاتحاد وتلك الشركة ومنها حق القدوم رأسًا إلى الله بالمسيح، وحق الدخول إلى الأقداس بدم يسوع (عب ١٠: ١٩- ٢٢)، وإذا نقدم على هذا الأساس بقلب صادق وبنفس مقدسة فله أن يقدم ذبائح روحية -لا كفارية- كالتسبيح والشكر والتضرع باسم يسوع المسيح وأن يشفع في غيره من الأحياء (عب ١٣: ١٥؛ ١تي ٢: ١، ٢؛ ١بط ٢: ٥، ٩).

يوصف كهنوت المؤمنين الحقيقيين بأنه كهنوت مقدس، ليس فقط بسبب ما يقومون به من أعمال مقدسة، بل -وقبل كل شيء- بسبب دعوة الله إياهم للشركة معه؛ لأن هذه الدعوة هي التي بدلت وضعهم من خطاة إلى قديسين في المسيح يسوع (رو ١: ٧) وذلك -كما هو معلوم- بفضل تقديم المسيح نفسه كفارة عن خطايا البشر مرة واحدة على الصليب (عب ١٠: ١٠). فضلاً عن ذلك فإن القداسة العملية والتي يجب توافرها فيهم تنشأ أولاً وأخيرًا بواسطة إنقيادهم بالروح القدس الساكن فيهم. أما محاولة إصلاح الطبيعة البشرية بطرق بشرية مختلفة ومتنوعة فهو غير مُجد على الإطلاق.

يوصف كهنوت المؤمنين الحقيقين أيضًا بأنه كهنوت ملوكي، وذلك لاقترابهم بالمسيح الذي هو الملك والكاهن معًا (رؤ ١٩: ١٦؛ عب ١٠: ٢١) ومن هنا فإن جعل الله إياهم ملوكًا وكهنة لا يراد أبدًا به [كما يرى البعض] أن الله جعل فريقًا من المؤمنين كهنة بالمعنى الحرفي، وجعل الباقين ملوكًا بنفس هذا المعنى الحرفي. حيث أن المقصود بجعلهم ملوكًا وكهنة، هو جعلهم “مملكة كهنة” أي مملكة كل أفرادها كهنة، وذلك وفق معنى الكلمات في أصلها اليوناني.

وبالطبع لا يعنى هذا- بأي حال من الأحوال أنه ليس هناك أدوارًا قيادية في الكنيسة، أو أن السلطة الكنسية يمكن المساومة عليها. بل بالأحرى هذا يعني أن كل مؤمن في جماعة الرب (الكنيسة) هو خادم للإنجيل، البعض مفرز لخدمة متفرغة مقرها الكنيسة كقادة أو معلمين أو مرشدين. أما الباقون فهم مفرزون للخدمة -بدون تفرغ- فمقرها هو مكان العمل والعيش في العالم خارج الكنيسة ليحملوا رسالة الإنجيل إلى الأماكن التي يتواجدون فيها مع الناس. أما بالنسبة للتمييز بين مرتبة الكاهن الذي يخدم الرعية، ومرتبة باقي المؤمنين الذين يشتركون معًا في الكهنوت العام فهو إن خدام الكنيسة (القسوس)، يحملون كهنوت الخدمة ليس بمعنى أن لهم سلطة روحية أعلى من باقي المؤمنين، الذين لديهم أدوار ووظائف أخرى. بل كونهم متفرغين ليكون هذا هو الدور الأول والأساسي في حياتهم.

وأرى أنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى كتب التاريخ الكنسي في تعرضها لهذا الموضوع، حيث نجد إقرارًا بأن كل المؤمنين الحقيقين بالرب يسوع كانوا يعتبرون كهنة لله. فعلى سبيل المثال نجد ما جاء في الدسقولية في ص. ١٤٤ ما يلي “ولا نأمر كل الكهنة أن يعمدوا بل يعمد الأسقف والقس، ويخدم معهما الشماس” وواضح أن أشخاص يتم الطلب منهم عدم القيام بالمعمودية وحدهم وفي نفس الوقت يدعوهم كهنة، هم ولا شك، المؤمنون الحقيقيون العاديون.

وأيضًا ما ذكره كاتب كتاب “الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة” في الجزء الأول ص ١٤٨ من كتابه “إن الكاهن لم يكن يراد به [في أول الأمر] واحدًا من الإكليروس فقط بل كان يراد به أيضًا الواعظ وخادم الكلمة والقارئ والمرتل والبواب”.

وبصفة عامة -في مثل هذه الموضوعات- إذا كنا نعتقد أن الكنيسة هي مجرد (مؤسسة) فعندئذ سيكون من الطبيعي الاكتفاء بفكر لاهوتي جامد، غير أنه إذا كنا ندرك تمامًا أن الكنيسة هي كائن حي، يحركه الرب يسوع، رأس هذا الكائن الحي باستمرار للإنخراط في هذا العالم المتغير لتوصيل رسالة الإنجيل، حينئذ -بالتأكيد- نحتاج إلى فكر لاهوتي كنسي حي ومتجدد وقادر على الاستجابة لما يريده الله منا في هذا العالم.

ثانيًا: متى لا تكون المساواة، والتميز نقيضين:

أعتقد أننا قد توصلنا لفهم واضح لمفهوم “كهنوت جميع المؤمنين” بصورة شاملة، مما يقودنا إلى إدراك حقيقة المساواة الكاملة أمام الله في حق الاقتراب إليه والتشفع به لكل من قَبِل عمل المسيح الكفاري على الصليب وأُتخذ المسيح مخلصنا شخصيًا لحياته وسيدًا وملكًا عليها، لكن هل يلغي هذا حقيقة التميز بين مؤمن وآخر-ليست تميزًا نابعًا من رتبة كهنوتية- لكن في حياته وعطائه وثماره في الخدمة؟ وما الذي يصنع التميز وفي نفس الوقت لا يلغي المساواة بمعناها كما تشرحه الكلمة المقدسة وفق ما سبق شرحه؟ ونحو الاجتهاد في محاولة إجابة السؤال المطروح “متى لا تكون المساواة، التميز نقيضين؟” سأطرح -عزيزي القارئ- بعض الأفكار والمفاهيم التي تمنح من يعيشها التميز المطلوب والمستهدف والذي لا يخدش المساواة أو يصطدم معها، بل على العكس تخلق رغبة صادقة في قلب وفكر كل مخلص في أن ينمو في حياته وخدمته.

(١) بما أن ربنا يسوع المسيح يمارس خدمته الكهنوتية الآن في الأقداس السماوية (عب ٨: ٢) وبما أنه رئيسنا في خدماتنا الكهنوتية الروحية [كما في كل شيء آخر] لذلك تكون الدائرة التي نقوم منها بهذه الخدمات هي هذه الأقداس عينها. لذا علينا أن نتمم ما يقوله كاتب الرسالة إلى العبرانيين لنا (عب ١٠: ١٩- ٢٤) “فإذا لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس [السماوية] بدم يسوع… لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي. لنتمسك بإقرار الرجاء راسخًا لأن الذي وعد هو أمين. ولنلاحظ بعضنا بعضًا للتحريض على المحبة والأعمال الحسنة” وأيضًا ما يقوله لنا في عبرانيين ٤: ١٦ “لنتقدم بثقة إلى عرش النعمة، لكي ننال رحمة ونجد نعمة عونًا في حينه”.

(٢) الحرص والاهتمام بالإقامة -بالإيمان- الدائمة في الأقداس السماوية، السابق الإشارة إليها. أي الوجود المتجدد في محضر الله باتضاع والقراءة والتأمل العميق في كلمته المقدسة بروح الطاعة، هذا يمنحنا فرحًا لا ينطق به ومجيد، كما ينمي علاقتنا الروحية مع إلهنا ومن ثم ننمو في النعمة وإدراك وإتمام مشيئته في كل مناحي حياتنا، واكتشاف متجدد لغنى الكلمة المقدسة وكنوزها التي يعلنها لنا بروحه القدوس الأمر الذي ينمي فينا روح الطاعة والقوة والغلبة. والنصرة على كل المصاعب والمعوقات.

(٣) نجد أيضًا في تلك الأقداس السماوية [كما سبق شرح معناها أعلاه] حياة الرجاء إذا هاجمنا اليأس، التعزية إذا صادفنا ما يسبب الحزن، وفي هذه الأقداس أيضًا ندرك مقدار محبة الله للخطاة ورغبته الصادقة في خلاصهم فتستنير أذهاننا لإدراك هذه المسؤولية وتشتعل عواطفنا فينا محبة لهم وتتشدد إرادتنا للذهاب إليهم وتوصيل الخبر السار إلى أسماعهم والصلاة لأجل عمل الله بروحه فيهم للتجاوب الصحيح مع بشارة الخبر السار.

(٤) (١كو ١٢: ٤- ٧، ١١). لكي تقوم الكنيسة بدورها الذي أوجدها الله في العالم لأجله، وهب أعضاءها تنوعًا في الوزنات والمواهب، ليست تلك المواهب أو المهارات أو القدرات الطبيعية كتلك التي يمكن أن يملكها المؤمنون وغير المؤمنين على حد سواء، لكن هي المواهب التي يمنحها الروح القدس لجميع المؤمنين بطريقة مطلقة السيادة (ع. ٧، ١١) ليمكنهم من أن يبنوا بعضهم بعض روحيًا وهكذا يمجدون الرب. وتتبلور مجموعة المواهب هذه في نوعين أساسييين هما مواهب الكلام، ومواهب الخدمة (راجع ع. ٤- ١٠ مع رو ١٢؛ ١بط ٤: ١٠، ١١). المواهب الكلامية مثل النبوة، العلم، الحكمة، التعليم، التشجيع. ومواهب الخدمة -غير الكلامية- مثل القيادة، العطاء، الرحمة، التمييز، الإيمان، وأي أن كان نوع الموهبة فالغرض منها دائمًا هو بنيان الكنيسة وتمجيد الله. والروح القدس يعطي كل مؤمن موهبة أو مزيج من المواهب فقط وفق مشيئته (ع. ١١). ويقينًا استقبال وتفاعل شعب الكنيسة مع هذه العطية يختلف من شخص لآخر، وكما ندرك أنه – أمام هذه المواهب على كل مؤمن أن: أ) يجتهد أمام الله ليكتشف موهبته أو مواهبه الممنوحة له ثم، ب) يجتهد في استخدامها أفضل استخدام لمجد الرب وليس لتمجيد ذاته ثم، ج) السعي الدؤوب لتنمية وتطوير هذه الموهبة. وواضح أنه مع الاتفاق على المساواة في الرتبة والمكانة لكل مؤمن، إلا أنه سيكون -كنتيجة طبيعية- هناك تميز لمن يجتهد مخلصًا في إتمام الثلاثية السابقة باستمرار.

(٥) عامل آخر من العوامل الهامة للتميز هو الاجتهاد والمثابرة والجدية، فالرخاوة لا تمسك صيدًا ولا تحقق هدفًا. في أمثال ١٣: ٤ “نفس الكسلان تشتهي، ولا شيء بها، نفس المجتهدين تسمن” وواضح المعنى أنه لا مجال للحديث عن نتائج إيجابية فعلية إلا بالاجتهاد والابتعاد عن الكسل. وفي أمثال ١٥: ١٩ “طريق الكسلان كسياج من شوك” أي أن الكسل يحول دون أن يتمكن صاحبه من إزالة المعوقات من الطريق ويؤكد نفس المعنى (أم ٢٢: ١٣) حيث يبرر تكاسله عن الخروج لإنجاز مهامه بوجود الأسد في الخارج وهو يخشى أن يُقتل في الشارع. ولابد أن يتردد صدى كلمات سيد الكرم الذي ترك وزنات مع عبيده (مت ٢٥: ٢٦) للمتاجرة بها في مواجهة موقف العبد صاحب الوزنة الواحدة في وصفه له الشرير والكسلان. والوصية الواضحة في ٢بطرس ١: ٥- ٨. “ولهذا عينه -وأنتم باذلون كل اجتهاد– قدموا في إيمانكم فضيلة وفي الفضيلة معرفة وفي المعرفة تعففًا وفي التعفف صبرًا وفي الصبر تقوى وفي التقوى مودة أخوية وفي المودة الأخوية محبة. لأن هذه إذا كانت فيكم وكثُرت، تصيركم لا متكاسلين ولا غير مثمرين لمعرفة ربنا يسوع المسيح. وأختم هذا الجزء بما جاء في ١تيموثاوس ٥: ١٧ “أما الشيوخ المديرون حسنًا فليحسبوا أهلاً لكرامة مضاعفة، ولاسيما الذين يتعبون في الكلمة والتعليم” والكلمة “يتعبون” هنا تعني “الذين يشتغلون حتى حد التعب أو الإعياء” وتركز الكلمة في اليونانية على الجهد المبذول وراء العمل أكثر مما تُركز على كمية العمل.