العقيدة المميزة لوجه الإصلاح الإنجيليّ كهنوت جميع المؤمنين قراءة مصريَّة سسيولاهوتيَّة
- Sermon By: القس عيد صلاح
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
مُقَدِّمةٌ
العقيدة المميزة لوجه الإصلاح الإنجيليّ هي كهنوت جميع المؤمنين، وتُعتبر ركنًا أساسيًّا من أركان اللاهوت والفكر الإنجيليّ المصلح، وهي من العقائد الرئيسية التي نادى بها لا سيما المصلح الإنجيلي مارتن لوثر وباقي المصلحين الإنجيليين. (سعود، 2019، 87). يقول عنها مكرم نجيب: “إنَّها أحد الأسس المحوريَّة في الفكر الإنجيليّ المصلح، والذي تنبع منه وتدور حوله العديد من المبادئ الأخرى” (نجيب، 1997، 25) ويذكر بخيت متى عن هذه العقيدة: “كان هذا هو الإعلان الأكيد في عصر الإصلاح. تحريرًا من العبودية الرهيبة التي سادت على حياة وتفكير الملوك والعامة على السواء. إنَّ اعتبار رجال الدين أنَّهم كهنة، ولهم وحدهم حق التقرب على الله. ولأنَّهم هم وحدهم خلفاء الرسل يمارسون الأسرار التي من شأنها تقديم الخلاص-لهم حق الحرمان والحل-وهذا أصاب الفكر بالشلل” (متى، 2005، 73)، ويصل جورج صبرا إلى أنَّ هذه العقيدة قد “أصبحت مقياسًا للهويّة الإنجيليَّة” (صبرا، 2001، 82).
عقيدة كهنوت جميع المؤمنين ليست عقيدة نظريَّة لكنها مرتبطة بالواقع العمليّ والإداريّ والخدمة داخل الكنيسة، ويمكن أن تُهَمَّش هذه العقيدة نتيجة لطغيان بعض الأنظمة السلطويَّة أو الديكتاتوريَّة، أو تندثر نتيجة فوضى النظام وضياع دور الفرد داخل الجماعة، وفقدان المعنى والمعايير الضابطة. ولعل المصطلح الأكثر قربًا الآن في مصر ويوازي كهنوت جميع المؤمنين هو مصطلح “المواطنة” الذي ينادي بالمساواة بين أفراد الوطن الواحد دون فرق أو تمييز في الدين أو الجنس أو اللون.
سنحاول في هذه الدارسة الإجابة على كيفيَّة تفعيل عقيدة كهنوت جميع المؤمنين في وسط المجتمع المصريّ الكنسيّ الإنجيليّ الذي يركن في بعض الأحيان إلى السلبيَّة، والقدريَّة، واللامبالاة، والاعتماد على الغير، والمدخل في الدراسة هو مدخل لاهوتيّ اجتماعيّ اسميته بسسيولاهوتي، وهي تعبر عن المساحة التي يشتبك فيها علم اللاهوت مع الفكر الاجتماعيّ، وسوف نتناول هذا الموضوع من خلال ثلاث زوايا:
- المفهوم الكتابيّ واللاهوتيّ
- العقبات والمعوِّقات
- التطبيق والممارسة
الزاوية الأولى: المفهوم الكتابيّ واللاهوتيّ
على طول صفحات الكتاب المقدس نجد محاولات عديدة لإقامة علاقة مع الله بدأت هذه العلاقة بعصر الآباء بتدشين المذابح، وبعد ذلك كانت خيمة الاجتماع، ثم الهيكل، بعد ذلك حلَّ المسيح بيننا أي خيَّم بيننا “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا” (يو 1: 14). ومن خلال عمل المسيح أصبحنا هيكلًا للروح: “أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟” (1كو 3: 16). بل ملوكًا وكهنة “وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ” (رؤ 1: 6).
كان الكهنوت في العهد القديم مقتصرًا على جماعة معينة، هي سبط لاوي ونسل هارون. هذا في الوقت الذي كان الشعب ينتمي كله إلى الله في علاقة العهد. والكاهن في العهد القديم “هو الشخص الذي يحق له المثول أمام الله والدخول إليه بدون وسيط، وهو الشخص الذي يستطيع أن يقف أمام إله ليتحدث عن الشعب، وهو الشخص الذي يقف أمام الشعب ليتحدث عن الله” (سعيد، 1987، 18)، وكلمة كاهن معناها عابر قنطرة.
وفي العهد الجديد، أصبح الكهنوت مرتبطًا بالإيمان بالمسيح، أصبح كل المؤمنين شعبًا لله، ومملكة كهنة، كل أفرادها ممسوحون بالروح القدس. يقول إميل زكي: “عندما جاء المسيح كان هو الكاهن الأعظم الذي توسط بين الله والناس، وكان هو الذبيحة، لأنه قدَّم نفسه فدية عن الخطايا. وكهنوت المسيح أسمى وأعظم من كهنوت اللاويين الذين من نسل هارون، نظرًا لسمو شخصيته، وخلوِّه من الخطية، ولسمو ذبيحته وقيمتها غير المحدودة (عب 9: 11-14)” (زكي وآخرون، 1977، 88).
وعلى هذا الأساس تذوب الفوارق بين أعضاء الجسد الواحد؛ فالكنيسة هي جسّد المسيح، وأشار العهد الجديد صراحة إلى التحول الجوهريّ في مفهوم الكهنوت من العهد القديم إلى العهد الجديد “لقد أشار العهد الجديد إلى الوجود المشترك، والمسؤولية المشتركة لكل المسيحيين المؤمنين، ولقد وضع مارتن لوثر عقيدة كهنوت جميع المؤمنين كعلامة للكنيسة الحقيقية” (Handbook, 1958, 251).
وعبر التاريخ الكنسيّ، انقسمت الكنيسة إلى فئتين؛ فئة الإكليروس الذي وضع نفسه في مكانة خاصة، وفئة العلمانيين التي ظُلمت كثيرًا في التاريخ الكنسيّ. وعندما جاء الإصلاح أعاد قراءة الكتاب المقدّس من جديد في ضوء عمل المسيح الكفاريّ الذي بمقتضاه يقرّ يوحنا: “وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً لِلَّهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ” (رؤ 1: 6). ويقول بولس: “لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (غل 3: 28). ويعلن بطرس: “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ. الَّذِينَ قَبْلًا لَمْ تَكُونُوا شَعْبًا، وَأَمَّا الآنَ فَأَنْتُمْ شَعْبُ اللهِ. الَّذِينَ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْحُومِينَ، وَأَمَّا الآنَ فَمَرْحُومُونَ” (1بط 2: 9-10). يصاحب هذا مسؤولية روحية على الجميع بالقول: “كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ، بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ.” (1بط 2: 5). ويضيف كاتب الرسالة إلى العبرانيين هذه المسؤولية بالقول: “فَلْنُقَدِّمْ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ لِلَّهِ ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ، أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسْمِهِ. وَلَكِنْ لاَ تَنْسُوا فِعْلَ الْخَيْرِ وَالتَّوْزِيعَ، لأَنَّهُ بِذَبَائِحَ مِثْلِ هَذِهِ يُسَرُّ اللهُ” (عب 13: 15-16). ثم يقول بولس: “حَيْثُ لَيْسَ يُونَانِيٌّ وَيَهُودِيٌّ، خِتَانٌ وَغُرْلَةٌ، بَرْبَرِيٌّ سِكِّيثِيٌّ، عَبْدٌ حُرٌّ، بَلِ الْمَسِيحُ الْكُلُّ وَفِي الْكُلِّ” (كو 3: 11).
أعاد الإصلاحُ الدينيُّ قراءةَ هذه النصوص وغيرها، ونادى بكهنوت جميع المؤمنين، فلا فرق بين الكهنوت/ الإكليروس (kleros) وبين الشعب/ العلمانيين (Laos) ومن خلال هذا الفكر الثوري التي أتى به الإصلاح؛ إذ سار عكس ما هو شائع، نجد أنَّ هذه العقيدة أحدثت انقلابًا فكريًّا في فكر القرون الوسطى.
وفي إقرار إيمان الكنيسة الإنجيليّة المصريّة الصادر في 2006م، نقرأ الآتي: نؤمن أنه بالتجسُّد صار المسيح يسوع رئيس كهنتنا الأعظم الذي فتح الطريق لكل المؤمنين، مرة واحدة وإلى الأبد، لعلاقةٍ مباشرةٍ مع الله، وبذلك فلا حاجة إلى العودة إلى كهنوتٍ بشريٍّ خاصٍّ من بعده؛ إذ جعل المؤمنين به مملكة كهنة محققًا بذلك كهنوت جميع المؤمنين. ونؤمن أن صعود المسيح إلى السماء كان تعبيرًا عن انتهاء عهد الذبائح التي رسمتها الشريعة، ودور الكهنوت؛ فإن المسيح إذ قدّم نفسه لأجل العالم أجمع لا لأجل شعب بعينه من الشعوب، إلى حضرة الله الحقيقية لا الرمزية وبذلك فهو وسيط عهد جديد فكهونته كهنوت لا يزول وذبيحة نفسه وقد قدمها “مرة واحدة وإلى الأبد” لا تترك أي مجال لتقديم ذبائح أخرى أو حتى للحديث عن تكرار ذبيحة المسيح بأي صورة أو أي تعبير “لأنه بقربان واحد (بتقدمة واحدة) قد أكمل إلى الأبد المقدسين. ونؤمن أن المسيح بصعوده وجلوسه عن يمين الآب هو رئيس كهنة إلى الأبد، وكهنوته لا يزول ونؤمن أنه هو رئيس الكهنة الواحد الذي يجب ألا يدَّعي أحدٌ لنفسه أنه رئيس كهنة من بعده، أو في مكانِه. (عب 7: 26، 27؛ 8: 1؛ 9: 11)، (رؤ 1: 6؛ 5: 10)، (1بط 2: 9)، (عب 9: 24)، (عب 9: 15)، (عب 7: 22)، (عب 7: 24)، (عب 7: 27؛ عب 9: 12، 21؛ عب 10: 10)، (عب 10: 14)، (عب 7: 24). (صلاح، 2016، 316).
كما ورد أيضًا عن مفهوم الكنيسة الآتي: ونؤمن أن الرب جعل الكنيسة جنسًا اختاره من بين البشر، وكهنوتًا ملكيًّا، وأمة مقدّسة، وشعبًا امتلكه بنفسه ولنفسه، وبذلك فالكنيسة أصبحت شعب الله، أبناء إبراهيم الحقيقيين وإسرائيل الجديد. فهنالك استمرارية في تحقيق غرض الله في الخلاص. ورجاء نسل إبراهيم الجسدي هو في قبول المسيح مخلِّصًا، لا أن يقيم لهم مملكة أرضية. (1كو 10: 31)، (يو 17: 18؛ يو 20: 21)، (1بط 2: 9)، (تي 2: 12، 13؛ 2بط 3: 11، 12)، (غل 3: 7– 9، 29)، (كو 1: 18؛ أف 1: 22؛ 5: 23)، (غل 6: 16)، (رو 11: 23)، (مت 23: 8 – 10، 1بط 5: 2-4؛ 2تس 3، 4). (صلاح، 2016، 323).
ولقد ركَّز الإصلاح في هذه العقيدة -كهنوت جميع المؤمنين- على عدة مبادئ أهمها:
أولًا: لا وساطة من حيث العلاقة الشخصيَّة بالله
إنَّ الفكرة الأساسية في الإصلاح الإنجيليّ والذي تدور حوله جميع المبادئ الأخرى هي كهنوت جميع المؤمنين، فكل مؤمن هو كاهن لله، وبإمكانه أن يتصل بالله رأسًا، وبدون وسيط، فقد كان للكنيسة في القرون الوسطى وسائط عدة منهم القديسون ورجال الدين. واعتقد الناس أنّه بهذه الوسائط يمكن الحصول على نعمة الله وغفرانه. أما الفكر الإنجيليّ فتميز في تعليمه بأنَّ هناك إمكانية لكل إنسان أن يقترب إلى الله في أي وقت شاء بدون أي وساطة بشريَّة، أن ينال الرحمة من الله بواسطة الوسيط الوحيد يسوع المسيح البار “لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ…” (1 تي 2: 5-6). والإعلان الواضح هو أن يسوع المسيح هو طريق الخلاص الوحيد “وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ” (أع 4: 12).
يقول فريد عودة: “يعلّم المذهب الإنجيلي أنَّه بإمكان كل إنسان أن يقترب إلى الله في أي وقت شاء، وبدون أي واسطة بشرية، وقد نادى الإصلاح بأن الإنسان ينال الرحمة من الله بواسطة الوسيط الوحيد يسوع المسيح، وإنَّ أحسن طريق للاتصال بالله هو طريق الصلاة والاتحاد الشخصيّ.” (عودة، 1955، 40).
وقد علَّم لوثر وجميع المصلحين من بعده “إنَّ العلمانيّ والكاهن على صعيد واحد في الأمور الروحيَّة، وكلاهما لهما حق الاتصال المباشر بالله، وكلاهما مسؤولان عن نشر ملكوت الله بين البشر. فجميع العلمانيين المؤمنين وحسب تعاليم لوثر مستحقون أن يمتثلوا أمام الله، وأن يصلوا للآخرين، وأن يعلموا بعضهم بعضًا الأمور التي هي من الله” (عودة، 1955، 45-46).
ثانيًا: تزكية المسؤولية الشخصيَّة المبنية على حرية الضمير
لقد حرَّمت الكنيسة في القرون الوسطى على الناس التفكير الحرّ، حتى أنها خلال الأربعين سنة التي سبقت الإصلاح حرقت 1300 شخصًا بسب الهرطقات. هذه العقيدة جعلت كل إنسان يشعر بمسؤوليته الخاصة تجاه الله، وإنَّ السلام والغفران لا يحصل عليهما إلا عن طريق الرب يسوع المسيح. “وقد بدأ الناس يسيرون في الطريق الجديد (رجالًا ونساءً) أقوياء بالروح والأخلاق، إنَّهم تحرروا من السلطة الكهنوتيَّة، وتخلصوا من الخوف الإكليريكيّ، وانعتقوا من السلطان الكنسيّ، ولم يعد لسيف الحرم المسلط فوق رقابهم ثمة قوة كبيرة عليهم.” (عودة، 1955، 45).
شدَّدَ لوثر على أهمية وقيمة الفرد حين قال: “وحدي وُلِدت في هذا العالم، ووحدي يجب أن أجابه واجبات الحياة ومسؤولياتها، ووحدي سأقف أمام الديان العظيم. إذًا لا أحد يقف في نوري، أو بيني وبين الله -لا أسقف، ولا كاهن، ولا مجمع كنسيّ، ولا قانون كنسيّ، ولا تقليد كنسيّ- بل سأقف أمام الله عاريًا، وعليَّ تقع المسؤولية تجاه الديان خالقي” (عودة، 1955، 48). في الوقت الذي أكَّد على دور وقيمة الفرد نادى بكهنوت جميع المؤمنين.
ثالثًا: توطيد أركان الديمقراطيَّة الحديثة
عقيدة كهنوت جميع المؤمنين جعلت للفرد قيمة كبيرة لأنَّها أوضحت أنَّ جميع الشعب هم متساوون أمام الله، ومهدت السبيل إلى الديمقراطيَّة الحديثة التي مَنحت الأفراد حق التفكير الشخصيّ، وحرية الضمير المسيحي. وعلى هذا الأساس يقول مكرم نجيب: “على هذا التعليم تأسست فكرة الديمقراطيَّة المنظمة في الكنيسة الإنجيليَّة في إطار النظام الذي وضعه الرسل في الكنيسة الأولى، وكنظام إداري وضعه الإصلاح (كالفن) الذي من طبيعته “إمكانية التغيير والتطوير بما يتلاءم مع المكان والزمان والبيئة والعصر مع الإبقاء والمحافظة على فكرة النظام أيًّا كان التطوير الذي يحدث بشرط أن يكون النظام وسيلة لامتداد الرسالة وانطلاق الكنيسة من ناحية، وأن يمنع التداخل والفوضى، والتشويش، وضياع الرؤية والأهداف من ناحية أخرى” (نجيب، 1997، 25).
كتب اللاهوتيّ هويغ كير تحت عنوان بماذا يؤمن البروتستانت قائلًا: “إنَّهم يؤمنون بالديمقراطيَّة-ومعظم البلاد الإنجيليَّة هي ديمقراطية في نزعاتها. ويحبذ الإنجيليون الكنيسة الحرة التي لا تخضع لسلطان الدولة. واعتقادهم بالديمقراطيَّة نابع من اعتقادهم بالله الذي هو أب لجميع الخلائق البشريَّة، وهو قد وهب جميع مخلوقاته العاقلة حرية الإرادة والاختيار. وهكذا فالإنجيليّ بدوره يرغب أن يهب الحرية للآخرين، فلا يحرم غيره من حرية الرأي، والقول، والعقيدة” (عودة، 1955، 51).
رابعًا: ألغى الإصلاح الإنجيليّ فكرة الكهنوت الخاص
والذي كان بموجبه يقام نظام خاص أو طبقة خاصة من الناس يتوسطون في العبادة بين الله والناس كما كان الحال في النظام اليهوديّ، وأعلن أن جميع المؤمنين بإمكانهم أن يتصلوا بالله رأسًا دون وسيط. أثَّر هذا الفكر على العبادة والإبداع الفنيّ والأدبيّ، فنجد المرنم يشدو بفرحة ويقين:
لنا وسيط واحدٌ ليس لنا سواه
يسوع فادٍ ماجدٌ حياتُنا رضاه
نتج عن هذا التفكير ولادة فكرة المساواة من جديد، وإحياء الشركة في الجسد الواحد، وتمكين الجميع من المشاركة في اتخاذ القرارات. إنَّ عقيدة كهنوت جميع المؤمنين أعطت للإنسان كرامة كبيرة، فأكدت على حضوره وفاعليته.
أما عن قضية الزي الخاص الذي يلبسه البعض مميزًا لهم على علامة الكهنوت، فليس لها أي مكان في عقيدة جميع المؤمنين التي تساوي بين أعضاء الجسد الواحد. وقضية الملبس في مصر لها جذور تاريخية عميقة؛ فقد فُرِضت هذه الملابس على المسيحيين في عصور العنف والقسوة.
ولقد كتب كيرلس كيرلس يقول: “وقد استمر هذا الزيُّ الأبيض الجميل حتى القرن السابع وبعد الفتح العربيّ لمصر، وفي ظل الحكم الإسلاميّ الذي وصل إلى مشارف أوروبا يذكر المؤرخون -عرب وأجانب- أنَّ الخليفة عمر بن الخطاب أمر بأن لا يتشبَّه أهل الذمة في الدولة الإسلاميَّة بالمسلمين في مظهرهم وملابسهم- يقصد الملابس البيضاء والمدونة… وفي حكم محمد علي (1805-1849م) -وهو الذي نهض بمصر علميَّا وثقافيَّا- ألزم كل الأقباط والأروام بارتداء الزي الأزرق والأسود وألا يلبسوا العمائم البيضاء… ولهذا فالزي الأسود لا يحمل أية دلالة كتابيَّة أو إنجيليَّة أو كنسيَّة إنَّما هو ناتج عن أسباب تاريخيّة مرة لا صلة لها بالكنيسة روحيًّا أو طقسيًّا” (كيرلس، 22 يناير 2001).
كما أنَّه لا يوجد أي تمييز بين أعضاء الجسد الواحد في الكنيسة أو وضع تقسيم على أساسه يقسَّم أعضاء الكنيسة بناءً على مواهبهم (مواهب روحيَّة) أو مكانتهم (الوظيفيَّة أو السياسيَّة أو الاجتماعيَّة)؛ أو زيِّهم، فالجميع أمام الله واحد.


