مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

كوكبٌ من الشَّرق

Watch Now

Download

كوكبٌ من الشَّرق

مَن هو يسوع؟ السُّؤال الذي أراد متَّى أن يُجيب عليه. فبيَّن، في صدر إنجيله، أنَّ يسوع جاء كإتمامٍ لقصَّة العهد القديم، الأمر الذي بيَّنه في سلسلة النَّسب، وأنَّه جاء أيضًا كتحقيق للنُّبوءات والوعود التي أعلنها الله بأنبيائه في العهد القديم، الأمر الذي بيَّنه في خمسة اقتباسات من العهد القديم، مع تأكيد إتمامها في شخص يسوع المسيح. هذه كانت طريقته في الإجابة على ذلك السُّؤال، إذ بدأ بالجُذور والأصول، مرورًا بالميلاد العذراوي، وصولاً إلى طفولة يسوع المُبكِّرة في نهاية الأصحاح الثاني. وهكذا يتضمَّن إنجيل الطُّفولة المَتَّاوي (ص 1، 2) خمسة أحداث ترتبط بخمسة نصوص من العهد القديم: الحَبَل المُعجزي بالمسيح (إشعياء 7: 14)، سجود المجوس للطِّفل الإلهي (ميخا 5: 1-3)، الهروب إلى مصر (هوشع 11: 1)، مَقتل أطفال بيت لحم (إرميا 31: 15)، العودة إلى النَّاصرة (تُنسَب لعدد من الأنبياء).

مَن هم المجوس؟ آراءٌ كثيرة لمعرفة من هم أولئك الذين أشار إليهم متَّى، هناك مساحة مُشتركة بين أقوال الباحثين، فيها بعضُ التَّبايُن: “مجوس” كلمة فارسيَّة الأصل، مُعرَّبة من اللغة الفارسيَّة القديمة… هم أتباع الدِّيانة المجوسيَّة الذين يزعمون أنَّ هناك إلهًا للخير هو النُّور، وإلهًا للشَّر هو الظَّلام. بينهما حرب مُتواصِلة للسَّيطرة على العالَم، وسوف تنتهي أخيرًا بانتصار إله الخير والنُّور بفَضل مُعاونة حليفٍ هو “الحقيقة المُجَسَّدة” الذي سيولَد من عذراء لم تعرف رجُلاً. واضحٌ أنَّ تلك الفكرة مُتأثِّرة بالآمال والأحلام الدِّينيَّة التي حملها اليهود معهم في سبيهم عن المسيَّا المُنتظَر.

وقد عبدوا العناصر الأربعة: النَّار والماء والتُّراب والهواء، لكن انحصَرت عبادتهم في النُّور والنَّار، فاهتمّوا بمُراقبة الكواكب السَّماويَّة ودراسة عِلم الفلَك.. كانوا يعظِّمون الملوك ويرفعونهم إلى مرتبة الألوهيَّة، فكلُّ ملكٍ لديهم هو إلهٌ.. ويرى بعض العُلماء أنَّهم يتبعون الدِّيانة الزّرادشتيَّة، وأنَّهم كهنة زرادشت في مادي وفارس. أمَّا الزرادشتيَّة ففيها نقاط تشابه كثيرة مع المُعتقدات الموسويَّة. لكن الأرجح أنَّ المجوسيَّة وُجِدت قبل الدِّيانة الزرادشتيَّة، التي وضَعَت عديدًا من التَّغيرات في الدِّيانة المجوسيَّة.

 

        أمَّا إشارة متَّى إلى تلك الجماعة فقد كانت كافية لقرَّائه، لكنَّها فتحت الباب واسعًا أمام التَّقليد المسيحي اللاحق، ليستكمل الرِّواية فيتحدَّث عن البلاد التي أتوا منها، وعددهم، وأسمائهم، ورمزيَّة هداياهم. أمَّا العدد ثلاثة فكان له النَّصيب الأكبر في تلك التَّقاليد، من جانبٍ نظرًا للهدايا الثَّلاث التي قدَّموها ليسوع، ومن جانبٍ آخر اعتبارهم مُمثِّلي الأرض الثلاثة: سام وحام ويافث. وهناك من اعتبروهم ملوكًا على أساس (مزمور 2: 10)، لكن لا أساس كتابي أو تاريخي لذلك.

        إذن، لسنا هنا أمام سَحَرة مصر، كما في سِفر الخروج، ولا أمام مُنجِّمي بابل، كما في سِفر دانيآل، لكنَّنا أمام فرقة من الحُكماء الذين أثَّروا كثيرًا على الأشوريين والكلدانيين والمادِيين، لذلك تُرجمَت الكلمة التي استخدمها متَّى (2: 1، 7، 16) في الإنجليزية إلى “حُكماء”، رغم أنَّه لا يمدَّنا إلاَّ بعبارة غامِضة أنَّهم جاءوا “مِن الشَّرق”، تاركًا المجال واسعًا للتَّخمينات. وتلعب زيارة المجوس إلى بيت لحم دورًا هامًّا في إنجيل متَّى، لتُعلن من البداية حقيقة شخصيَّة ذلك المولود، باعتباره المسيَّا الذي طال انتظاره تحقيقًا لكثير من النُّبوءات. لم يكُن في ذهن متَّى إلاَّ نبوءة بلعام: “يبرز كوكبٌ مِن يعقوب” (عدد 24: 17/ إشعياء 60: 1-3). والحوار الذي دار بين هيرودس ورؤساء الكهنة والكتبة اليهود يُعلن أنَّ يسوع جاء تحقيقًا لنبوءة ميخا عن بيت لحم التي سيخرج منها المسيَّا (ميخا 5: 2). كما أنَّ الهدايا تستحضِر إلى الذِّهن الوعود النَّبويَّة في (مزمور 29: 68، 72: 10).

        وهكذا تؤكِّد رواية زيارة المجوس على أمرَيْن هامَّين في صدر إنجيل متَّى: الأول أنَّ يسوع هو المسيح الموعود به، وأنَّه لم يأتِ لليهود فقط بل للأمم أيضًا مُمثَّلين في المجوس. الثَّاني هو ذلك الإيمان المُذهِل الذي ظهر عليه المجوس، رغم كافَّة الصُّعوبات التي اعترضَت رحلتهم، لاسيَّما موقف هيرودس، الذي دبَّر مؤامرة قتل الأطفال. وهكذا نجد على صفحات الإنجيل ما يؤكِّد هذه الحقيقة، أنَّ الأمم يؤمنون بينما غالبيَّة اليهود لا يقبلون المسيح (8: 5-13، 15: 21-28، 27: 19، 54).

أين هو المولود ملك اليهود؟ سؤالٌ أوقع اضطرابًا عامًّا، ذلك الذي طرحه المجوس في شوارع أورشليم الضيِّقة، مُستندين في سؤالهم إلى رؤيتهم نجم ذلك الملك في المَشرق. كان الغرض من سؤالهم معرفة المكان لتحقيق الهدف من الزيارة، أن يسجدوا له. إلاَّ أنَّ ذلك السُّؤال أثار مخاوف عظيمة جدًّا في قلب الذين سمعوه، بسبب ما توقَّعوه مِن ردِّ فعل الملك الشِّرير هيرودس عندما يسمع بمولد ملك جديد. وهو ما حدث بالفعل عندما وصل خبر أولئك المجوس إلى القصر، حيث جمع على الفور رؤساء الكهنة والكتبة ليتحقَّق منهم مكان ميلاد ملكهم بحسب كتبهم، ويستدعي أولئك المجوس أيضًا ليتحقَّق منهم مزيدًا من المعلومات عن الملك الجديد.

ماذا كان ردُّ فِعل المجوس عندما لم يجدوا أيَّ اهتمام أو استعداد من قِبَل اليهود بمولد ملكهم ولا علم لأحد من سكَّان القصر بذلك الأمر؟! هل فكَّروا في أنَّ نجمهم قد أضلَّهم فندموا على ما فعلوا؟ هل استأنسوا بقول هيرودس إنَّه يريد أيضًا أن يسجد لذلك المولود، فتجدَّدت آمالهم في الوصول إليه؟ وهل قدَّموا الشُّكر لهيرودس على التَّسهيلات التي قدَّمها لهم؟ وماذا كان ردّ فعل هيرودس نفسه؟ ألم يَعبأ بكلِّ ما حدث، ولم يؤثِّر فيه ما سمعه من أقوال الأنبياء، ولا قصَّة النَّجم العجيب الذي قاد المجوس فأتوا من بلاد بعيدة ليسجدوا لذلك المولود؟ كان موقفه غريبًا، فكيف صدَّق النُّبوءة التي قيلت، ثمَّ عمل أعمالاً ضدَّها؟ ولو أنَّه أنكرها ولم يصدِّق ما فيها، ما توقَّع حدوث ما أنبأت به، فلماذا ذلك الاضطراب؟ وكيف توهَّم أنَّ المجوس سوف يُفضِّلونه على المولود الذي رأوا نجمه، والذي لأجله تحمَّلوا مشاق ذلك السَّفر الطَّويل؟

النَّجم العجيب

ثمَّة حكايات قديمة، وثنيَّة ويهوديَّة، تتحدَّث عن نجوم كانت تُعلِن عن مولد بعض العُظماء. والسُّؤال الذي يطرح نفسه هنا: “أليست هذه علامة تدلُّ على أنَّ التَّنجيم حقيقة؟ فإذا كان خبر ميلاد المسيح قد أُعلِن بهذه الطَّريقة، فلماذا أبطَل الكتاب المقدَّس بعهدَيه التَّنجيم والطَّالع والسِّحر؟ وهل كان ذلك النَّجم أحد النُّجوم الكثيرة؟ أمْ كان غريبًا عنها ومِن طبيعة غير طبيعتها؟ أمْ أنَّ النَّاظر إليه فقط كان يحسبه نجمًا؟”.

بحث العُلماء كثيرًا في أمر ذلك النَّجم العجيب، ودقَّق الفلكيُّون في حساب الظُّهورات الجويَّة النَّادرة، ليروا أيُّها يجوز اتِّخاذه تفسيرًا لظهور ذلك النَّجم. فكانت النَّتيجة أنَّه نحو ذلك التَّاريخ حدث اقتران في النُّجوم السَّيَّارة، الأمر الذي لا يحدث إلاَّ مرَّة بين مئات السِّنين. وظنَّ بعضهم أنَّ هذا الاقتران كان دليل المجوس. وعُلِم أنَّ نَجمًا خارقًا في لمعانه ظهَر في نحو ذلك الزَّمان، وبقي وقتًا وجيزًا ثمَّ اختفى. لكن على كلِّ حالٍ لا يُعرَف على وجه التَّأكيد شيئًا كافيًا عن النَّجم الذي قاد المجوس إلى بيت لحم، ثمَّ إلى حيث كان الصَّبي يسوع.

       

هذا هو العنصر المُعجزي في الخبر. فإذا أخذنا بتاريخيَّةٍ دقيقةٍ لهذا الخبر المَتَّاويّ مع تفاصيله، نكون على مُستوًى يتجاوز الطَّبيعة كما نعرفها. فالرِّواية التي يذكرها متَّى صحيحة جدًّا من النَّاحية التَّاريخيَّة، فضلاً عن أنَّه من غير المعقول أنَّ الكنيسة في مهدها تقع في خِضمِّ صراعٍ مريرٍ مع التَّنجيم والعرافة، وليس مِن المعقول أيضًا أن تخترع قصَّةً يبدو فيها أنَّها تؤيِّد ما نهَت عنه كلمة الله. فالاعتقاد العام هو أنَّ هذه ظاهرة خارقة فوق الطَّبيعة المألوفة، قصَد الله منها إرشاد المجوس إلى المسيح، تتمَّة لنبوءة بلعام التي كانوا يعرفونها (عدد 24: 17).

        هناك رأي شائع أيضًا مؤدَّاه أنَّ تلك الظَّاهرة كانت نورًا خارقًا للعادة، أشبَه بنجمٍ، ظهر في بلاد بعيدة في الشَّرق من أورشليم لرجالٍ كانوا خبيرين بدراسة الظَّواهر الفَلكيَّة، وقد دفعهم ذلك النَّجم للذِّهاب إلى أورشليم لرؤية ملكٍ مولود. ويعتقد آخرون أنَّ “النَّجم” له معنًى آخَر، حيث كان اليهود يعتقدون أنَّ مِثل هذا الاقتران بين الكواكب السَّيَّارة قد حصل يوم مولد موسى، وأنَّه لا بُدّ أن يحدث يوم ميلاد المسيَّا. ويرى أولئك أنَّ المجوس أصلاً من اليهود الذين بقوا في بابل بعد السبي، وكانوا يعرفون نبوءات العهد القديم عن المسيَّا، وأقوال الآباء بشأن مولد العُظماء أمثال موسى والمسيَّا. وقد اشتغلوا بالتَّنجيم ورصْد حركات النُّجوم وعلاقتها بأحداث الأرض، وهم مِن علماء الأمَّة الفارسيَّة الذين يُعلِّمون الفلسفة والفلَك. وأنَّهم ذهبوا من الشَّرق إلى فلسطين في السَّنة الثانية من ميلاد المسيح لزيارته.

        رأي آخر أكثر منطقيَّة يقول بأنَّ ذلك النَّجم لم يكُن أحد النُّجوم الكثيرة، لم يكُن نجمًا بالمعنى المعروف، بل قوَّة من القوَّات غير المرئيَّة ظهرت بهذا الشَّكل. وأدلَّة ذلك:

أ. مسيرة النَّجم: لا يوجد نجم يسير بتلك الطَّريقة. فالنُّجوم تتحرَّك مِن الغرب إلى الشَّرق، أمَّا ذلك النَّجم فقد تحرَّك من الشَّرق إلى الغرب، هذا هو الاتِّجاه مِن بلاد فارس إلى فلسطين.

ب. موعد ظهوره: لم يكُن يظهَر في الليل بل في النَّهار عندما تُشرق الشَّمس، ومثل ذلك الظُّهور ليس للنُّجوم ولا للقمر ولا لتلك الكواكب التي تغيب إذا ظهرَت أشعَّة الشَّمس.

ج. يظهر ويختفي: ظهر في البداية مُرشدًا أولئك المجوس إلى طريق فلسطين، ولمَّا وصلوا أورشليم اختفى عنهم. ولمَّا تركوا هيرودس وتوجَّهوا إلى بيت لحم، عاد وظهر لهم ثانية. هذه الحركة بين الظُّهور والاختفاء ليسَت من طبيعة النُّجوم.