في الرؤية الإنجيلية المصلحة لعقيدة العمل
- Sermon By: رجائي محي
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
لقد شغلت العلاقةُ بين الإيمان والعمل قلبَ الكنيسة وذهنها منذ القرون الأولى للمسيحية. ويمكن للقارئ الدارس لكلمة الله أن يستخلص عدم وجود أي تصريح كتابي في العهد الجديد يعلِّم بترك المسيحيين لأعمالهم اليومية، أو التقليل من شأن حياتهم العادية لاختبار تبعية المسيح. ورغم أن المسيح والرسل الأوائل باركوا الأعمال العادية بمختَلَف أشكالها، إلا أن المسيحيين، مع مرور الزمن، تأثروا بمناهج فكرية وثقافية عديدة أخلَّت بمفهومهم السليم لعقيدة العمل في حياتهم الطبيعية. وخلال هذه المقالة القصيرة، سأعرض طرحًا موجزًا عن تاريخ الفهم المسيحي لعقيدة العمل خلال ثلاث حقب رئيسية هي: الكنيسة الأولى وعصر الآباء (100- 500م)، حقبة العصور الوسطى (500- 1500م)، وعصر الإصلاح (1500- 1800م). وخلال هذا الشرح المختصر، سنركز على عصر الإصلاح، وبشكل خاص على اثنين من قادته، لوثر وكالڤن. وفي النهاية سيتم طرح محاولة تحليلية لفهم عقيدة العمل في ثقافتنا المصرية، متبوعة بمبادئ مستوحاة من التراث المُصلَح، لإبراز قيمة العمل في اللاهوت الإنجيلي.
وُلِدَت كنيسةُ العهدِ الجديد في بيئةٍ يهوديةٍ من ناحية، وخلال وقتٍ كانت فيه الثقافة الهيلينية مهيمنةً على العالم من ناحية أخرى. ومن الواضح أن الثقافة اليهودية، وقت الكنيسة الأولى، كانت تقدِّر قيمةَ العمل والمِهَن بمختَلَف أشكالها؛ فنرى المعلم، الطبيب، النجار، الصياد، والتاجر… إلخ. وقد أعطى العهدُ القديمُ قيمةً عاليةً للعمل، حتى العمل البسيط؛ إذ كان من العادات المتَّبعة عند الأسر اليهودية تدريب أطفالهم الذكور على الأعمال الحرفية، حتى يقدِّروا قيمة العمل بأيديهم.[1] ورأى اليهود العمل كجزء من مقاصد الله في خليقته. في الواقع، كان من الملاحظ أن المعلمين اليهود، على عكس اليونانيين في زمانهم، لم يكن من المتوقع أن يعيشوا على مساهمات تلاميذهم، ولكن كان معلومًا للجميع أن لديهم عملًا أو حرفةً يمكنهم به إعالة أنفسهم وأسرهم. ربما ترجع جذور هذا الاهتمام بقيمة العمل للعهد القديم وتعليمه عن عقيدة الخلق، وعن رؤيتهم اليهودية لمفهوم ملكوت الله ومجيء المسيا كملك أرضي.
واتسمتِ الفلسفةُ اليونانيةُ بالنظرةِ الثنائية للحياة؛ حيث قسَّمت الحياةَ لما هو ماديّ وما هو غير ماديّ. فبالنسبة لأفلاطون كانت الآلهة تنتمي للعالم غير المادي، ويحتاج الإنسان أن يترفَّع ويسمو عن هذا العالم المادي ليصير كالآلهة، ويشارك في حالة الوجود التأملي الدائم.[2] ولقد وضعت الفلسفةُ اليونانيةُ العملَ الحِرَفيَّ، بكل أنواعه، في مكانةٍ أقل من الاتجاه التأمُّلي الفلسفي. فنجد أرسطو يرى أن الأشخاص الذين لا يعملون يتمتعون بحظ أوفر من غيرهم، لأن لديهم من الوقت ما يسمح لهم بالانشغال بحياة التأمل. فهو يعتقد أن الحياة التأملية تحقق للبشر أعلى مستويات السعادة. وقد تجلى هذا المنهج الفكري خلال الترتيب الاجتماعي الطبقي في الثقافة اليونانية؛ فكانت الطبقة الأرستقراطية تنال قسطًا كبيرًا من الوقت للراحة والتأمل، في حين أن الذين يعملون بالحِرَف المختلفة كانوا من الطبقة الكادحة الأقل مجتمعيًّا، أو العبيد. وبذلك قللت الثقافةُ الهيلينيةُ من شأنِ العمل اليومي؛ إذ كانوا يعتبرونه سمةً من سمات الاندماج في العالم المادي الذي كان يأتي في مستوى متدنٍّ لرؤيتهم الحياتية.[3]
وتأثر الفكرُ المسيحيُّ في بداياته بكلا المنهجين، اليهودي واليوناني؛ فخلال القرن المسيحي الأول لم يكن هناك أيُّ تقليل أو تهميش لقيمة العمل المهني، إذ كان يسوع كإنسان معروف بين اليهود بـ”النجار” (مرقس 6: 3)، وقد كان من بين أتباعه الصياد، الطبيب، جابي الضرائب… وغيرهم. كان بولس أيضًا يعمل في مهنة صناعة الخيام (أعمال 18: 3)، وكان يعول نفسه من خلال عمله. كان العمل، بالنسبة لخدام الكنيسة الأولى، وسيلة مساعدة للاهتمام بالخدمة، وفتح أبواب جديدة لها في أماكن مختلفة. وقد حذر بولس أهل كنيسة تسالونيكي من الكسل، وحثَّهم على العمل، معطيًا نفسه والرسل مثالًا (2تس 3: 6-15). وهكذا اندمج المسيحيون الأُوَّل في العمل اليومي بكافةِ أشكاله، ولكن من منطلق إيمانهم المسيحي وأخلاقياتهم المختلفة عن العالم الوثني آنذاك. إلا أنه مع نهاية القرن الثاني و بداية القرن الثالث، ظهرت بعض التوجهات اللاهوتية المسيحية المتأثرة بالفلسفة اليونانية. فنرى يوسابيوس يكتب عن إيمانه في وجود “نمطين للحياة” يمكن أن يعاشا؛ “الحياة الكاملة” و”الحياة العادية.” والحياة الكاملة، في رأيه، هي تلك النوعية من الحياة التي تتجلى في بعض الوظائف المقدسة والتي تدعو لحياة التأمل وتكرِّس لها، وهي تخص في المقام الأول الكهنة والرهبان والراهبات. وهو يضع هذه النوعية من الحياة في مقابل “الحياة العادية” والتي تتجلى في كل الوظائف الدنيوية الأخرى التي تكرس للعمل “action” في المجال العام، مثل الزراعة، الصناعة، التجارة، السياسة… إلخ.[4] ويقارن أوغسطينوس، أيضًا، بين “الحياة العاملة” و”الحياة التأملية.” ورغم إثناء أوغسطينوس على المهن الحِرَفية بكافة أشكالها، إلا أن حياة التأمل والتفكر لديه كانت تأتي في مقام أسمى. وتأثره بالفلسفة الأفلاطونية انعكس بوضوح على تصوره للمدينة الفاضلة التي كتب عنها من منظور مسيحي متأثرًا بالفلسفة اليونانية.[5]
وهكذا كرست هذه التوجهات لثنائيةٍ دينيةٍ بين الحياة الأرضية ومجالها، وبين المملكة السماوية وقِيَمِها المُثلَى. لذا تضررت أيضًا النظرةُ المسيحيةُ للعمل الأرضي بكونه جزءًا من ملكوت الله، وبرزت على ساحة الإيمان المسيحي بعضُ التوجهات التي تجنح لعزلة العالم والاتجاه إلى العيش في الصحاري والبراري، طالبين حياة التأمل والانشغال بالصلوات والعبادة. وقد أوجد هذا التعليم تربةً خصبةً للنهج اللاهوتي الثنائي الذي تبنته فيما بعد كنيسة العصور الوسطى Roman Catholic Church، والذي يضع الكنيسة والإكليروس في مقام أسمى من باقي مجالات الحياة.
مع اعتلاء قسطنطين عرش الإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع الميلادي، وإعلان المسيحية الديانة الرسمية للبلاد، تغيرت الأوضاع كثيرًا. فتدريجيًّا، صار هناك تمييزٌ واضحٌ بين رجال الدين والعلمانيين. وصار لوظيفة الإكليروس موقعٌ فوقيٌّ على كل المهن الأخرى. ونادت كنيسة العصور الوسطى بأن أي عمل في المجال العام يظل عرضةً لأن يكون وسيلة للشر، وتحت سلطان الخطية مالم تكرِّسه الكنيسة وتعتمده بخضوعه لها. وهكذا صار يُنظر للعلمانيين وأصحاب المِهَن والحِرَف المختلفة، إما داخل الكنيسة في درجة أقل من أصحاب الوظائف الكنسية، أو خارج سلطان الكنيسة بكونهم ملامين ومعرضين ليكونوا أدوات للشر وآنية للإثم. وصار الوجه الآخر من تبجيل حياة الرهبنة والإكليروس هو التقليل من شأن الأعمال الدنيوية العادية.[6] وصار للكهنوت الطقسي شأن ومكانة وسلطان على البشر في كل مجالات الحياة.[7] ولذا تسبب المنهج الكاثوليكي في العصور الوسطى في ازدواجية قاسية، بين ما هو روحي وما هو مادي، ما هو كنسي وما هو عالمي.
بعدما أشعل لوثر بدايةَ ثورة الإصلاح في القرن السادس عشر، عادت الكنيسةُ لتفكر في عقيدة العمل من منظور مسيحي كتابي أصيل. وفي ضوء الصياغة الإيمانية الكتابية لعقيدة “كهنوت جميع المؤمنين” التي نادى لوثر بها، تغيرت النظرة المسيحية للأعمال والمِهَن المختلفة التي يشغلها الناس، ليراها المصلحون فيما بعد على أنها دعوة للمشاركة في العمل في ملكوت الله. وفيما يتعلق بالعمل اليومي، تأثر لاهوت لوثر عن العمل بخلفيته كراهب أوغسطيني. وقد تجلت رؤية لوثر للعمل من خلال مساواة العمل العادي في القيمة مع العمل الكنسي والخدمة، والتأكيد على أهمية ممارسة بر الناموس في فهم عقيدة العمل الأرضي كجزء أصيل فيها.
اتضح في لاهوت لوثر حرصه على تأكيد قيمة العمل الدنيوي، وقدسيته، كالعمل في المجال الديني أو الكنسي تمامًا. فقد كان يعتبر أن قيمة العمل اليومي، عند الله، لا تقل بأي حال من الأحوال عن قيمة الحياة التي تُقضى في عبادة الله وخدمته داخل الكنيسة. وفي الوقت الذي اعتبرت فيه كنيسة روما أن أعمال الخير هي كل ما يتم داخل أو تحت إشراف المؤسسة الكنسية، رأى لوثر الخير في الأعمال العادية اليومية في أي مجال خارج أو داخل الكنيسة، وفي نقده لفهم الكنيسة الكاثوليكية آنذاك لقيمة العمل، كتب لوثر:
“إذا سألت أكثر، هل يعتبرونه أيضًا عملًا جيدًا عندما يعملون في تجارتهم، ويمشون، ويقفون، ويأكلون، ويشربون، وينامون، ويقومون بجميع أنواع الأعمال من أجل قوت الجسد أو من أجل الرفاهية العامة، وما إذا كانوا يؤمنون أن الله يسر بهم بسبب مثل هذه الأعمال، ستجدهم يجيبون “لا”؛ وهم يعرّفون الأعمال الصالحة بشكل ضيق، لدرجة أنها صممت لتشمل فقط الصلاة في الكنيسة والصوم، والصدقة. والأعمال الأخرى يعتبرونها عبثية، ويعتقدون أن الله لا يهتم بها. لذلك من خلال عدم إيمانهم المقيت يحدون ويقللون من شان خدمة الله، الذي تكون خدمته في كل ما يتم فعله أو التحدث به أو التفكير به بإيمان.”[8]
متأثرًا بالفكر الأوغسطيني، بنى لوثر منهجه اللاهوتي في الاعتقاد أن الإنسان المسيحي يعيش صراعًا مستمرًّا في الحياة بين مملكتين Two-Kingdom approach، مملكة الأرض ومملكة السماء، واحدة يرأسها إبليس، والأخرى يسود عليها الله، واحدة الخليقة العتيقة، والأخرى الخليقة الجديدة؛ فالمسيحي هو مواطن ينتمي للمملكتين. والمسيح يحكم في المملكة السماوية بالإنجيل، وفي الأرضية بالناموس.[9] ولذا يتوجب على المسيحي، من وجهة نظر لوثر، ألا يعتزل هذه الحياة، فعليه أن يعيش حياته العادية كمواطن أرضي دون الحاجة إلى معاداة هذا العالم أو الهروب منه. واتفق لوثر مع أغسطينوس في التأكيد على ضرورة أن يعيش المسيحي حياته كسائح أو زائر غريب، ناظرًا ومنتظرًا للبيت السماوي، مما انعكس على رؤيته للعمل لكونه مرحلة انتقالية تحتاج أن نحياها بإيمان وأمانة. لذلك ركز لوثر على أهمية البر والتقوى في التعامل مع عقيدة العمل، أي الالتزام ببر الناموس في مجال العمل، لكونها جزءًا من الحياة الأرضية.[10] وهنا يمكن فهم رؤية لوثر للعمل بكونه تطبيقًا للمبدأ الكتابي المتعلق بمحبة الله والقريب.
[1] Hershey H. Friedman, “The Impact of Jewish Values on Marketing and Business Practices,” Journal of Macromarketing 21 (June 2001), 80.
[2] Lee Hardy, The Fabric of This World: Inquiries into Calling, Career Choice, and the Design of Human Work (Grand Rapids, MI: W.B. Eerdmans, 1990), 6-11.
[3] Paul Marshall. A Kind of Life Imposed on Man: Vocation and Social Order from Tyndale to Locke, (Toronto: University of Toronto Press, 1996), 21-22.
[4]Eusebius of Caesarea, “Demonstration of the Gospel 1.8 ET,” in The Proof of the Gospel Being the Demonstratio Evangelica of Eusebius of Caesarea, vol 1, Trans. W.J. Ferrar (London: S.P.C.K, 1920), 48-50.
[5] Brian J. Walsh and Richard Middleton, Transforming Vision: Shaping a Christian World View (Downers Grove, IL: Intervarsity Press, 1984), 99.
[6] Edward Hahnenberg, Awakening Vocation: A Theology of Christian Call. (Collegeville, MN: Liturgical Press.
2010), 21, 22.
[7] Herman Bavinck, “Calvin and Common Grace,” in Princeton, N.J [Princeton Theological Review Association], 1909, 438-440.
[8] Martin Luther, Treatise on Good Works, 2009, 30.
[9] Steven A. Hein, “Luther on Vacation: An Ordinary Life for Ordinary Saints,” In Reformation & Revival: A Quarterly Journal for Church Leadership (Carol Stream, IL: Reformation & Revival Ministries, 1999), 131.
[10] Ibid, 134-140


