مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

النسور صيف 2025_العدد (15)

فهرس موضوعات عدد صيف 2025م

محتويات العدد

افتتاحية العدد د. ق أندريه زكي مدير التحرير

في هذا العدد تقرأ ق. محسن منير مدير التحرير

مقالات ودراسات حول القيامة

القيامة في واقع شرق أوسطيّ د. ق. أندريه زكي

بين الظلام الباقي والحجر المرفوع ق. محسن منير

الكنيسة من القيامة للصعود ق. عيد صلاح

ملف العدد: الكوارث

التكيف والمرونة في مواجهة الكوارث والأزمات “نظرة على المفاهيم وتطورها” يسري مصطفى

التفكير اللاهوتي والكوارث الطبيعية د. ق. موريس يوسف

الكوارث الطبيعية في الكتاب المقدس وكيف نكون فهمًا لاهوتيًّا لها ش. د. إيهاب الخراط

المسيح والكوارث الطبيعية ق. بيتر عادل

تفسير المصلح جان كلفن لظاهرة محيّرة رافقت موت المسيح على الصليب ق. سهيل سعود

إلى مُخْتَبِري الحَزَنِ! قراءة نقديَّة في كتاب «ضَحِكُ سَارَّة: الشَّك والدُّموع والرَّجاء المسيحيّ» لـ فينوث رامتشاندرا، ش. جورج إسحق

تجارب إعلامية في تغطية الكوارث الطبيعية: خبرات وتحديات أ. يوسف إدوارد

الكوارث الطبيعية والإبداع الفني أ. أمجد

شذرات كتابية: ش أسامة رشدي

ملحق النسور:

مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط، للدكتور القسّ فهيم عزيز، تقديم وتحرير القسّ عيد صلاح

الكوارث الطبيعية وصلاح الله جدل قديم جديد وأسئلة لا تنتهي

اسم الكاتب: الدكتور القس أندريه زكي

ليس سؤال الإنسان حول الكوارث الطبيعية وليد اليوم، وفي نفس الوقت هو سؤال لا يتقادم، واجتهد الإنسان عبر التاريخ في محاولة الإجابة عنه. إذ يُعتقد أن عديدًا من الأديان القديمة -من الأساطير اليونانية والرومانية إلى ديانات قبلية مختلفة- قد نشأت استجابةً لظواهر طبيعية متعددة، بما في ذلك الكوارث. وكان التصور السائد أن الكوارث تحدث لأن الآلهة غاضبة، وترسل الكوارث لعقاب البشر المذنبين. ومن هنا، نشأت الحاجة إلى تهدئة غضب الآلهة، فظهرت الطقوس والقرابين، ومعها طبقة الكهنة التي تختص بتحديد ما هو مطلوب للترضية وتنفيذه. فعلى سبيل المثال، وبحسب المؤرخ هيرودوت، المعروف بـ”أبي التاريخ”، فإن أقدم تسونامي سُجِّل، في عام 479 ق.م، أرسله إله البحر بوسيدون Poseidon، لمعاقبة الفُرس على حصارهم لمدينة بوتيديا Potidaea. وربما كانت مثل هذه التفسيرات هي الأقرب لكونها القاعدة السائدة في معظم العصور القديمة.

ويسرد الكتاب المقدس أحداثًا يقول فيها صراحةً عن بعض الكوارث الطبيعية إنها كانت بقرار من الله كالطوفان وقصة سدوم وعمورة وغرق فرعون بعد عبور شعب إسرائيل… وغيرها من الحوادث. وهذه بالطبع رؤية صريحة لهذه الأحداث بعينها، وفي العهد الجديد -إنجيل لوقا 13- يشير السيد المسيح إلى حادثتين؛ واحدة بفعل البشر، وهي قتل بيلاطس لمجموعة من الجليليين، والثانية هي سقوط برج على 18 شخصًا في سلوام وقتلهم جميعًا. وكان رد المسيح على هذا أن سقوط البرج على هؤلاء لا يعني أنهم كانوا أشر من غيرهم. وكانت العقلية اليهودية تفسر الشرور التي تحل بالإنسان على أنها نتاج خطية الإنسان أو عقاب من الله، ونجد صدى لهذه الأفكار في معجزة المولود أعمى حين سأل التلاميذ الرب يسوع: “يَا مُعَلِّمُ، مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟”، أَجَابَ يَسُوعُ: “لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ…” (يوحنا 9: 2-3).

ومع تطور الفهم العلمي لطبيعة الكون بدأ الإنسان ينظر إلى هذه الأحداث والكوارث باعتبارها ظواهر طبيعية، وصار الإنسان يفهم أن العالم يسير وفق قوانين طبيعية، تؤدي أحيانًا إلى أحداث مدمرة مثل الزلازل والتسونامي والأعاصير والفيضانات… وغيرها من الكوارث. لكن رغم وجود هذه التفسيرات العلمية، يعمد البعض أحيانًا إلى تفسير الكوارث الطبيعية باعتبارها غضبًا من الله.

وظل اللاهوتيون والمفكرون يختلفون حول علاقة الله ورعايته ومحبته للإنسان وحدوث هذه الكوارث التي تقتل مئات وأحيانًا آلاف الأبرياء.

ولعل واحدة من أشهر الكوارث الطبيعية التي أثارت جدلًا كبيرًا في هذا الأمر هو زلزال لشبونة في نوفمبر 1755 وما تبعه من تسونامي وحرائق أودت بحياة عشرات الآلاف من الأشخاص. وقد أثار زلزال لشبونة العظيم ردود فعل لاهوتية وفلسفية وعلمية من قِبَل مفكرين بارزين مثل فولتير، وجان جاك روسو، وإيمانويل كانت، ويوهان فون غوته، وآدم سميث، وجون ويسلي. ففي السنوات الخمس التي أعقبت هذه الكارثة، نُشرت مئات الكتب والمقالات والرسائل العلمية والقصائد والخُطب والمواعظ والنصوص العلمية حول الموضوع في أنحاء أوروبا… هل كان الله هو المسؤول الوحيد؟ أم أن الطبيعة، أو مزيجًا من القوى الطبيعية، لعب الدور الأساسي؟ وربما الأهم: كيف يمكن لإله عادل وكلي القدرة أن يسمح بموت هذا العدد الكبير من الأبرياء؟ لقد كان الجدل اللاحق من أكثر الجدالات أهميةً في عصر التنوير الأوروبي.

غير أن نمط زلزال لشبونة يتكرر في كل حادث أو كارثة طبيعية تحدث. ففي عام 2020 ثار الجدل الكبير حول فيروس كورونا، وهل هو غضب من الله أم لا؟ وفي يناير 2025 في أثناء حرائق كاليفورنيا الرهيبة، أُثِيرت ردود فعلٍ كثيرةٌ جدًّا بحجم النيران المشتعلة في ذلك الوقت، وربط كثيرون الكارثة بتصرُّف الممثِّلة الأمريكيَّة نيكي جلازر، في خلال حفل جولدن جلوب وقتها الذي وُصِف بالجريء؛ إذ سخرت من الله وأنكرت وجوده. وامتلأ وسائل التواصل الاجتماعي بكتابات وفيديوهات من مختلف الأديان والطوائف والمذاهب، تصف حرائق كاليفورنيا على أنها غضب من الله.

وفي رأيي الشخصي أرى أنه لا يمكن أن نقول إن الله يريد الكوارث والشرور أو يتسبب فيها. فإذا كان الكتاب المقدس يسرد بعض الأحداث الكارثية باعتبارها ردًّا على الفشل الأخلاقي للإنسان، فإن حوادث أخرى لا ينسبها الكتاب المقدس لشرور الإنسان، مثل المجاعة التي حدثت في عهد يوسف، ويشير سفر عاموس إلى زلزلة حدثت في أيام عزيا ملك يهوذا، ويربعام بن يوآش ملك إسرائيل (عاموس 1: 1). إذن فالكتاب لا يفسر كل الظواهر الطبيعية من منطلق غضب الله.

إن إيماننا بأن الله كلي الصلاح يجعل من غير المنطقي الاعتقاد بأنه يُحدِث مثل هذه الكوارث فقط للتعبير عن غضبه، وتعذيب البشر وقتل الأبرياء. كما أن إيماننا بأن الله كلي السلطان يجعلنا نرى الله بأنه سيد التاريخ، والألف والياء وهو لا يقف موقف المتفرج مما يحدث في العالم، وبأنه يستطيع أن يخرج من صورة الفوضى والدمار حياة جديدةً.

وإن كان الله لا يريد الكوارث، فالعالم خلقه الله “حسنًا جدًّا” كما جاء في سفر التكوين، ولكن دخول الخطية إلى العالم عبر سقوط الإنسان أفسد هذا النظام، ولم تَعُد الخليقة كما كانت. وهذا ما يشير إليه بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية: “إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ ­ لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا -عَلَى الرَّجَاءِ. لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ. فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ”. (رومية 8: 20-22). هذا “الأنين الكوني” يعكس حال العالم في ظل الفساد والانكسار، بانتظار الفداء الكامل.

من هنا، لا ينبغي أن ننظر إلى الكوارث باعتبارها فعلًا مباشرًا من الله لمعاقبة البشر، بل كنتيجة لعالم ساقط متألم، ناتج عن حرية الإنسان وخياراته، وأيضًا عن نظام طبيعي لا ينفصل عن قوانين الخلق. لكن هذا لا يعني أن الله غائب أو غير مبالٍ، بل هو حاضر في عمق الألم، يتألم مع المتألمين، ويبكي مع الباكين، كما بكى يسوع عند قبر لعازر.

ووسط الكوارث، يتجلى دور الكنيسة ورسالتها أكثر من أي وقت، كجسد المسيح الممتد في العالم، إذ تتدخل لتضمِّد الجراح، وتقدم العون، وتشهد لصلاح الله حتى في أصعب اللحظات. فالكنيسة لا تملك تفسيرًا كاملًا لكل ما يحدث، لكنها تحمل رجاءً راسخًا بأن الله يعمل في كل شيء للخير، للذين يحبونه (رومية 8: 28).

إنّ التساؤل حول الكوارث لا يجب أن يدفعنا إلى التشكيك في محبة الله، بل إلى التأمل العميق في ضعفنا البشري، وفي دعوتنا للعمل مع الله في إعادة بناء العالم، وتضميد آلامه، وتمجيد صورته فيه. نحن لا نُدعى لفهم كل شيء، بل للإيمان، والثقة، والانخراط العملي في حياة تُظهر رحمة الله وعدله في آنٍ واحد.

لا يمكننا إذن أن نفصل الكوارث عن السؤال الأكبر المتعلق بالوجود والمعنى والرجاء. لكننا نحن المؤمنين نتمسك بأن الله معنا، وأننا في عالم ساقط لكنه ليس متروكًا، عالم ينتظر أن يُفتدى بالكامل، ويُستعلن فيه مجد الله الكامل. هذا هو رجاؤنا في خضم الألم، وهذه هي رسالتنا في وجه الدمار: أن نظل شهودًا لصلاح الله، حتى وإن عصفت الريح، وتزلزلت الأرض.   

في هذا العدد تقرأ

اسم الكاتب:ق. محسن منير

يفتح العدد الفاضل د. ق. أندريه زكي، رئيس تحرير مجلة النسور، هذ العدد بمقال ثري تحت عنوان “الكوارث الطبيعية وصلاح الله”. وفي البداية يؤكد أن التساؤلات حول الكوارث الطبيعية ليس وليدة اليوم، بل منذ عصور ما قبل الميلاد، ورصد بعناية نماذج مختلفة مثل ما سردها الكتاب المقدس ثم مرحلة ما بعد تطور الفهم العلمي لطبيعة الكون، ويقدم نموذج لواحدة من أشهر الكوارث الطبيعية التي أثارت جدلًا كبيرًا، وهو زلزال لشبونة سنة 1755م وتداعياته الكارثية. ويسرد أمثلةً أخرى حديثة، وفيها يستعرض التغيرات المختلفة لها، ويختم بتقديم وجهة نظره الشخصية المستمدة من فكر الكتاب المقدس أو مناشدة الكنيسة للقيام بدور فعال لمعالجة الآثار المؤلمة لهذه الكوارث في المجتمعات التي تحدث بها، ويختم بضرورة التمسك بحقائق الكلمة المقدسة في هذا الشأن والتي تتبلور في سلطان الله وصلاحه وقدرته.

  • ويتضمن هذا العدد ثلاثة أقسام رئيسية وهي:
  • مقالات ودراسات حول القيامة
  • ملف العدد: الكوارث الطبيعية
  • ملحق العدد: مستقبل التعليم اللاهوتي في الشرق الأوسط

 

  • القسم الأول: القيامة

 

  • يشمل هذا القسم ثلاث مقالات ودراسات يقدمها ١) الدكتور القس أندريه زكي

                                                     ٢) القس عيد صلاح

                                                     ٣) القس محسن منير

 

  • تحت عنوان “القيامة في واقعٍ شرق أوسطيّ” يأتي مقال د. ق. أندريه زكي، الغزير والمتعدد الأبعاد:

    

  • القيامة في زمن التحديات
  • القيامة دعوة للتغيير
  • القيامة وصناعة السلام
  • القيامة ومفهوم العدالة
  • هويتنا الروحية الجديدة في قيامة المسيح
  • القيامة والتغيير، كيف تغير القيامة قلب الإنسان
  • القيامة انتصار على التمركز حول الذات
  • يقدم القس محسن منير تأملات مختصرة في القيامة تحت عنوان “بين الظلام الباقي والحجر المرفوع” وفيها دعوةٌ لرحلة تأمل في ثلاثة أبعاد لحدث القيامة انطلاقًا من إنجيل يوحنا 20: 1-٢٩:
  • التحرك من الدموع إلى الفرح ١-١٨
  • التحرك من الخوف والضياع إلى الشجاعة ووضوح الهدف ١٩-٢٣
  • التحرك من الشك إلى اليقين والإيمان ٢٤-٢٩

 

 

  • تحت عنوان “الكنيسة في الأربعين يومًا– من القيامة إلى الصعود”. يقدم القس عيد صلاح تأملات عميقة ومتنوعة في الفترة الزمنية بعد قيامة يسوع من الموت وحتى صعوده للسماء، ويبلور ذلك في الأفكار التالية:
  • تعلمت الكنيسة السجود
  • أخذت الكنيسة الإرسالية العظمى
  • عرفت الكنيسة الهدف من ظهورات المسيح
  • عاشت الكنيسة على رجاء المجيء الثاني
  • أدركت الكنيسة قوة وفاعلية الروح القدس

 

 

 

 

 

  • ثانيًا: ملف العدد “الكوارث الطبيعية” 
  • تحت عنوان “التكيف والمرونة في مواجهة الكوارث والأزمات- نظرة على المفاهيم وتطورها” يقدم الدكتور يسري مصطفى تحليلًا علميًّا عميقًا لعدد من المفاهيم الأساسية ذات الصلة بإستراتيجيات إدارة الكوارث والأزمات في الوقت الراهن. ويحقق ذلك من خلال شرح علمي وعملي في أربعة أبعاد وهي:
  • الكوارث والأزمات
  • المؤثرات والضغوط
  • التكيف
  • المرونة

ويؤكد في خاتمة المقال أن مجمل هذه المفاهيم هي التعبير عن ظواهر طبيعية أو اجتماعية أو إنسانية متأصلة في الحياة التي نعيشها.

  • مقال لمحات من تاريخ الكوارث والأزمات في مصر:

 يقدم د. رامي عطا صديق عرضًا لما شهدته مصر عبر تاريخها القديم والحديث والمعاصر، فيسرد أمثلة لزلازل (ستة نماذج)، وفيضانات (أربعة نماذج)، وأمثلة لأوبئة وأمراض (أكثر من عشرة نماذج)، ونماذج من الأزمات البيئية (حوالي 16 نموذجًا).

  • تحت عنوان “التفكير اللاهوتي والكوارث الطبيعية” يقدم د.ق. موريس يوسف تحليلًا لاهوتيًّا عميقًا من خلال طرح أربعة محاور أساسية من شأنها إلقاء الضوء على الطريقة التي نفكر بها في الكوارث الطبيعية، وهي:
  • الخليقة الساقطة والطبيعة المتألمة
  • سلطان الله في وجه الألم والدمار
  • المسؤولية المسيحية ودور الكنيسة
  • الرجاء المسيحي والفداء الكامل للخليقة

 

  • يقدم الشيخ الدكتور إيهاب الخراط شذرات لاهوتية بعنوان “الكوارث الطبيعية في الكتاب المقدس وكيف نكوِّن فهمًا لاهوتيًّا لها”. ومن خلال تحليلٍ عميقٍ يبدأ بطرح بعض الرؤى الكتابية مفعمة بالأسئلة أكثر من الإجابات [أربعة أسئلة]. ثم يستعرض أمثلة كتابية ويقدم من خلالها تحليلًا لاهوتيًّا عميقًا لها وهي:
  • الطوفان ونار سدوم وعمورة
  • نار الله من السماء على الغلمان وأبناء أيوب وريح شديدة
  • ابنة إبراهيم قد ربطها الشيطان [لوقا ١٣: ١١-١٧]
  • ظواهر طبيعية تعلن مجد الله وليست كوارث، ويقدم ثمانية نماذج لها من خمسة أسفار في العهد القديم، ثم يلخص ما يعرضه الكتاب المقدس عن الظواهر الطبيعة المخيفة في أربعة أنواع، وفي الختام يؤكد على الحماية الإلهية في عالمٍ ساقطٍ مع تنوع وتعدد أدواته ووسائله في إتمامها ويؤكد على ضرورة ألا نتمهل في السعي بالصلاة والفعل وبالعلم والعطاء والثقة في الرب في المواجهة والتصدي والوقاية من هذه الكوارث.
  • تحت عنوان “المسيح والكوارث الطبيعية” يقدم القس بيتر وديع تحليلًا كتابيًّا لاهوتيًّا عميقًا من خلال التأمل في حياة المسيح وتعليمه لتكون نموذجًا لنا في التعامل مع هذا الأمر؛ حيث نجد التأصيل الصحيح والعميق في تعليم وحياة السيد المسيح من خلال توجهات ومبادئ تصلح لكل جوانب الحياة. وطرح هذا الأمر بشكل رئيسي انطلاقًا من النص الوارد في لوقا 13: 1-٥ من خلال أربع أفكار:
  • عرض وشرح للنص الكتابي
  • الكوارث الطبيعية في ضوء الإيمان المسيحي
  • شخص المسيح وسط الكوارث المؤلمة
  • المسيح والرجاء وسط الكوارث

 

 

  • يصحبنا القس سهيل سعود في جولة عميقة وممتعة بمقاله “چون كالڤن حول أسباب الكوارث الطبيعية”

 

  • يقدم التحليل العميق لفكر ورؤية المصلح الإنجيلي “چون كالڤن” في أسباب الكوارث الطبيعية تحت العناوين الآتية:
  • السقوط لم يطل الإنسان فقط بل كل الخليقة
  • صلاح الله برغم من فساد الإنسان والطبيعة
  • لا تحدث الآلام خارج عناية الله
  • هل للآلام فقط هدف عقابي؟
  • هل الكوارث الطبيعية عقاب يؤدب فيه الله غير المؤمنين؟
  • الآلام تضع على جماعة الإيمان مسؤولية أن يهبوا لمساعدة المتألمين.
  • لسنا قادرين بعد على معرفة وتمييز صلاح العناية الإلهية في الآلام.
  • استعادة الطبيعة بفداء المسيح على الصليب.
  • الكوارث الطبيعية دعوة للصلاة والصوم.
  • يقدم جناب الشيخ چورچ إسحق قراءة نقدية في كتاب “ضحك سارة: الشك والدموع والرجاء المسيحي” لڤينوس رامتشاندرا. يري كاتب المقال أن هذا الكتاب تأمل عميق في معاناة الإنسان من منظور لاهوتي وفلسفي؛ حيث يتناول الكتاب موضوع المعاناة البشرية طارحًا التساؤل عن كيفية التوفيق بين حقيقة وجود الألم، والإيمان بإله مُحب. ثم يقسِّم الكتاب إلى خمسة فصول رئيسية بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة. ثم يطرح بعض الإشارات الأدبية للكتاب مثل تميزه بأسلوب سردي يجمع بين التأمل الشخصي والتحليل اللاهوتي. ثم يستعرض ستة خطوط لاهوتية بارزة في الكتاب. ثم يؤكد في الخاتمة أن هذا الكتاب ربما يفتح عقل القارئ على فهم مختلف للألم، لكنه بالتأكيد سيفتح قلبه على إحساس أكثر رهافة بالمتألمين من حوله.

 

  • تحت عنوان “تجارب إعلامية في تغطية الكوارث الطبيعية.. خبرات وتحديات” يقدم الإعلامي الأستاذ يوسف إدوارد في مقاله بعض الخبرات والتحديات لتجارب إعلامية في تعاملها وتغطيتها للكوارث الطبيعية. مثل حرائق لوس أنجلوس ٢٠٢٤، تسونامي اليابان ٢٠١١. ثم من خلال دراسة التجارب السابقة استعرض ست خبرات وتحديات. وختم بتقديم أفكار للتعامل مع الأخبار الزائفة والمضللة.

 

  • يطرح الأستاذ أمجد شفيق في مقاله المشوِّق عن “الكوارث الطبيعية والابداع الفني” بعد طرح تعريف الكوارث الطبيعية وتأثيرها المدمر سواء على البشر أو البيئة، وبعض النماذج والأمثلة لها. يطرح وجهًا آخر وهو نجاح هذه الكوارث بشكل كبير في تحفيز الفنانين لإنتاج أعمال إبداعية تعكس تجارب الإنسان مع هذه الحوادث الكارثية وتوثيقها بصيغ فنية متنوعة تحمل رسائل إنسانية وعاطفية عميقة. وطرح عديدًا من الأمثلة المتنوعة والتي تساهم في تعزيز التعاطف والتفاهم بين الناس وتساعد في توصيل رسائل عن مخاطر الكوارث الطبيعية، وأهمية وضرورة الاستعداد لها وضرورة وجود تحرك مجتمعي إيجابي للتعامل معها.

 

 

  • ثالثًا: ملحق العدد “مستقبل التعليم اللاهوتي في الشرق الأوسط”

 

  • في شهر مايو من كل عام يكون حصاد كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة بتخريج دفعات للكنيسة والخدمة، ولأهمية الدور الذي تقوم به الكلية في حقل التعليم اللاهوتي اهتم القس عيد صلاح بنشر وتحليل دراسة قام بها طيب الذكر الراحل الدكتور فهيم عزيز [١٩٢٤-١٩٨٣] تحت عنوان “مستقبل التعليم اللاهوتي في الشرق الأوسط” وتم نشرها في مجلة الهدى، المجلة الرسمية للكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر في ثلاثة أعداد على ثلاثة أجزاء.

 

  • يقدم القس عيد صلاح الدراسة في فصلين: الأول، نص الرسالة كما ورد في مجلة الهدى، والثاني عن حياة وإنتاج طيب الذكر الدكتور القس فهيم عزيز، الأكاديمي بقلب راعٍ والراعي بقلب أكاديمي.

 

  • أدعوك عزيزي القاري إلى القراءة الكاملة لهذه الدراسة العميقة والتي تفيض بالتعاليم الراقية والعميقة من خلال العرض الذي يقدمه القس عيد صلاح، سواء للفكر الراقي والتحليل العميق الذي قدم به د.ق. فهيم عزيز دراسته تحت العنوان المذكور سلفًا [ما ورد في الفصل الأول] أو للسيرة الذاتية للدكتور القس فهيم عزيز [النشأة والتربية، الخدمة والدراسات العليا، المشاركة في المجال العام، الإنتاج الفكري واللاهوتي].

 

 

التفكير اللاهوتي والكوارث الطبيعية

اسم الكاتب:الدكتور القس موريس يوسف

على بعد خمسة أميال فقط من البلدة الصغيرة التي أعيش فيها بلوس أنجلوس، كاليفورنيا، اشتعلت النيران في الجبال القريبة من بلدة Altadena في صبيحة يوم الثلاثاء ٧ يناير ٢٠٢٥، لتقضي في غضون ساعاتٍ قليلة على الآلاف المنازل السكنية، ولا سيما تلك القابعة أسفل الجبال مباشرة، وتدمّر آلاف الأفدنة التي لن تصلح لشيءٍ إلا بعد سنوات عديدة من المعالجة والكثير من الجهد. مع انقطاع التيار الكهربائي والمياه وكافة وسائل الاتصالات، تلقينا أمرًا من السلطات المختصة بمغادرة بيوتنا والبحث عن مكان آمن حتى نتبين الأمر. كان المنظر مخيفًا مع سطوة وغضب الطبيعة وتقريبًا انعدام الرؤية بسبب الدخان الكثيف وصوت صفارات الإنذار وأزيز الطائرات. شعرت وكأن هذه البلدة الصغيرة الهادئة بمناظرها الخلابة وجبالها الشامخة قد تحولت إلى منطقة حرب في سويعات قليلة.

تستدعي الكوارث الطبيعية -كحرائق جنوب كاليفورنيا، الزلازل والبراكين، العواصف والأعاصير- كثيرًا من التساؤلات التي تبحث عن إجابة أو تفسير لما يحدث. تحمل معظم هذه الأسئلة بعدًا لاهوتيًّا أو دينيًّا. أين الله من كل ما يحدث؟ لماذا يسمح الله بهذه الكوارث الطبيعية؟ لماذا يسمح الله بكل هذا الدمار للطبيعة، بموت الأبرياء، وخسارة الممتلكات؟ بالطبع ليست لهذه الأسئلة المُعقَّدة إجابة سهلة أو مباشرةً، لذلك اتجه الكثيرون إلى تبريرات كثيرة لوقوع مثل هذه الكوارث الطبيعية كالغضب والانتقام الإلهيَّين اللذين قد يقعان على شعب أو أرض ما بسبب دين معين أو سياسة ما.

تتناول هذه الدراسة المُختَصَرة التفكير اللاهوتي والكوارث الطبيعية. كيف نفكر في الكوارث الطبيعية في ضوء الفكر الكتابي؟ كيف يساعدنا الفكر الإنجيلي المُصلح في التعامل مع هذه القضايا واضعًا النقاط فوق الحروف؟ هل هذه الكوارث الطبيعية هي بحق استعلان لصب جامات الغضب الإلهي؟ ما علاقة الكوارث الطبيعية بالسقوط وتمرد أبوينا الأولين؟ ما هي علاقة الله، الخالق والفادي، بعالمنا اليوم؟ تتناول هذه الدراسة أربعة محاور أساسية من شأنها إلقاء الضوء على الطريقة التي نفكر بها في الكوارث الطبيعية. هذه المحاور الأربعة هي: أولًا: الخليقة الساقطة والطبيعة المتألمة. ثانيًا: سلطان الله في وجه الألم والدمار. ثالثًا: المسؤولية المسيحية ودور الكنيسة. رابعًا: الرجاء المسيحي والفداء الكامل للخليقة.

أولًا: الخليقة الساقطة والطبيعة المتألمة

تعكس الكوارث الطبيعية أمرًا مهمًّا هو الطبيعة الساقطة للخليقة. يخبرنا كاتب سفر التكوين الإصحاح الأول أنَّ الله خلق عالمًا جميلًا كاملًا لا ينقصه شيء. هذه النسخة الأصلية للعالم الذي خلقه الله لم تحمل في طياتها عوامل النقص والضعف أو التخالف وعدم الانسجام. على العكس تمامًا، خلق الله العالم وكل ما فيه، وزوده بكل مقومات الإثمار والاستقرار، النجاح والازدهار، التناغم والتناسق. ما أكبر الفرق بين بداية سفر التكوين 1: 2 حيث كانت “كَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ” وبين نهاية هذا الإصحاح، تكوين 1: 31: “وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا سَادِسًا.”

بالسقوط، وبعصيان أبوينا الأولين دُمِّرت ليس فقط علاقتنا بالله الخالق، بل الخليقة أيضًا. عندما أعلن الله عقاب الخطية، شمل هذا العقاب كلًّا من الإنسان والخليقة معًا. “فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْمَرْأَةِ: “مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟” فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: “الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ”. فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْحَيَّةِ: “لأَنَّكِ فَعَلْتِ هذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ. وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ”. وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: “تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ”. وَقَالَ لآدَمَ: “لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلًا: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ.” (تكوين 3: 13-١٩).

يطول الحديث هنا عن كلمات الله في تكوين 3: 17 “مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ.” جلبت خطية وعصيان أبوينا الأولين على الأرض التي خلقها الله وأحسن خلقها عقابًا قاسيًا؛ فأصبحت الأرض ملعونة. يلقي الرسول بولس في رسالته للكنيسة في رومية 8: 18-٢٣ بعض الضوء على تأثير السقوط على الخليقة، العاقلة وغير العاقلة منها؛ فيقول: “فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا. لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ. إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ -لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا- عَلَى الرَّجَاءِ. لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ. فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ. وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا.”

تستوقفني هنا عبارات استخدمها الرسول بولس في رومية 8 “انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ… إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ… لَيْسَ طَوْعًا… لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ… فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ.” للسقوط والعصيان بجنة عدن تأثير مباشر وقوي على معاناة الخليقة اليوم وأنينها وعبوديتها للكوارث الطبيعية. في معرض حديثه عن هذا الأمر يقول المصلح جون كالڤن: “بالسقوط لم تُدمَّر فقط علاقة الإنسان بالله، بل دُمِّرت الخليقة أيضًا، هذا العالم الجميل الذي رسمته أنامل الخالق. لقد كان السقوط حقًّا دمارًا كاملًا Total depravity”.[1]

 

ثانيًا: سلطان الله في وجه الألم والدمار

حقيقة سلطان الله وسيادته حقيقة معزية جدًّا لنا كأفراد وككنيسة في وجه الألم والدمار. في إنجيل البشير متى 28: 18 قال الرب يسوع هذه الكلمات: “دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ.” سيادة الله المطلقة يجب أن تكون دومًا الأساس الراسخ لثبات المؤمنين وينبوع سلام لمتقيّ الرب. لسلطان الله طبيعة شمولية، فإلهنا له سلطان على البشر والطبيعة؛ فهو رئيس خلاصنا وهو ربّ الطبيعة. سلطان الله ليس كمثل سلطان البشر أو الملوك والحكام الأرضيين الذي له طبيعة محدودة بزمان ومكان معين، سلطان إلهنا من الأزل إلى الأبد، ومن أدنى الأرض إلى أقاصيها.

كيف نفكر إذًا في الكوارث الطبيعية، في الزلازل والبراكين، الحرائق والفيضانات، المجاعات والأوبئة، في ضوء يقين سلطان الله غير المحدود؟ عندما تقدَّم الشيطان لمحضر الله في سفر أيوب الإصحاح الأول، تحدَّى الشيطانُ اللهَ قائلًا: “هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟ أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ. وَلكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ” (أيوب 1: 9-١١). في الآية التالية، قال الربُّ للشيطان: “هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ”. ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ” (أيوب 1: 12).

كانت نتيجة هذه الشكوى فاجعتين، كارثتين لا يحتملهما بشر؛ الأولى هي فقد أيوب لكل ممتلكاته: “وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَبْنَاؤُهُ وَبَنَاتُهُ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ، أَنَّ رَسُولًا جَاءَ إِلَى أَيُّوبَ وَقَالَ: “الْبَقَرُ كَانَتْ تَحْرُثُ، وَالأُتُنُ تَرْعَى بِجَانِبِهَا، فَسَقَطَ عَلَيْهَا السَّبَئِيُّونَ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ”. وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: “نَارُ اللهِ سَقَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ”. وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: “الْكَلْدَانِيُّونَ عَيَّنُوا ثَلاَثَ فِرَق، فَهَجَمُوا عَلَى الْجِمَالِ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ” (أيوب 1: 13-١٧). أرجو أن نلاحظ هنا كيف أن كاتب سفر أيوب يستخدم هذه العبارة لوصف جزءٍ من هذه الكارثة: “نَارُ اللهِ سَقَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ.” ضياع جزء كبير من ممتلكات أيوب هنا يُوصف وكأنه كارثة طبيعية… “نَارُ اللهِ سَقَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ.”

الفاجعة الثانية هي فاجعة موت جميع أبناء وبنات أيوب: “وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: “بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ، وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَعَ، فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ” أيوب ١٨:١-١٩. بالرغم أنَّ الخطب كان جلل، إلاَّ أنَّ رد فعل أيوب لم يركز على الكارثة، لكن على الله: “فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ، وَقَالَ: “عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا”. فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ وَلَمْ يَنْسِبْ للهِ جِهَالَةً” (أيوب 1: 20-٢٢).

وجد أيوب في يقين سلطان الله شفاءً وقوة، حمايةً ورجاء. صحيح أن لطمة الشيطان كانت عنيفةً وقوية، لكن الإيمان بسلطان الله وصلاحه كانا أقوى من كل لطمات الشيطان وهجماته. قد تكون كلمات أليهو، صديق أيوب، ساعدته أن يفهم بعمق أكثر سلطان الله حين قال له: “مِنْ نَسَمَةِ اللهِ يُجْعَلُ الْجَمْدُ، وَتَتَضَيَّقُ سِعَةُ الْمِيَاهِ. أَيْضًا بِرِيٍّ يَطْرَحُ الْغَيْمَ. يُبَدِّدُ سَحَابَ نُورِهِ. فَهِيَ مُدَوَّرَةٌ مُتَقَلِّبَةٌ بِإِدَارَتِهِ، لِتَفْعَلَ كُلَّ مَا يَأْمُرُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ الْمَسْكُونَةِ، سَوَاءٌ كَانَ لِلتَّأْدِيبِ أَوْ لأَرْضِهِ أَوْ لِلرَّحْمَةِ يُرْسِلُهَا. اُنْصُتْ إِلَى هذَا يَا أَيُّوبُ، وَقِفْ وَتَأَمَّلْ بِعَجَائِبِ اللهِ” (أيوب 37: 10-١٤). “لم يكن أيوب يبحث عن إجابات للأسئلة الصعبة التي طرحتها معطيات حياته، لكنه كان يبحث عن إلهٍ موجود، فاعل، صاحب سلطان، حتى في وجه الفقد والألم، الخراب والدمار.”[2]

لا عجب أنَّ الرسول يعقوب يضع أيوب على رأس قائمة هؤلاء الذين آمنوا بسلطان الله وسط الكوارث والخسارة: “خُذُوا يَا إِخْوَتِي مِثَالًا لاحْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ وَالأَنَاةِ: الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِاسْمِ الرَّبِّ. هَا نَحْنُ نُطَوِّبُ الصَّابِرِينَ. قَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الرَّبِّ. لأَنَّ الرَّبَّ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَرَؤُوفٌ” (يعقوب 5: 10-١١). الله، وليس الشيطان، له الكلمة الأخيرة. الله، وليس الشيطان، هو القادر أن يأمر الريح والموج فيطيعانه.

 

ثالثًا: المسؤولية المسيحية ودور الكنيسة

لا يمكن الحديث عن الفكر اللاهوتي والكوارث الطبيعية دون الحديث عن المسؤولية المسيحية. للكنيسة دور واضح وفعّال في وقت الأزمات والكوارث الطبيعية. عبر صفحات الكتاب المقدس نجد أنَّ المؤمنين، شعب الرب، مدعو لمساعدة الفقراء والمحتاجين، الأرامل والأيتام، المضطهدين والمهجّرين، المنكوبين والمهمشين. تنطلق الكنيسة إلى العالم من منظور كتابي ولاهوتي وأخلاقي. فالله، خالق هذا الكون، مهتم به ومشغول بما يحدث فيه، والكنيسة مدعوة أن تشارك الله هذه المسؤولية. يقول اللاهوتي الألماني ديتريش بنهوفر “إنَّ الله مهتم بعالمنا قدر ارتباط الصليب بأرض وصخور الجلجثة. بكلمات أخرى، اللاهوت المسيحي هو في جوهره لاهوت تجسّدي Incarnational Theology إذ إنَّه يحمل لنا عُمق محبّة الله وتضامنه مع الخليقة والإنسان ليس في الحياة فقط، بل في حياة نحن نعلم أنَّ الموت نهايتها.”[3] إنَّ الكنيسة لا يمكن أنْ تصبح كنيسةً حقيقيّةً إنْ لم تتواجد مِنْ أجل الآخرين وتتألّم مِنْ أجل الآخرين. إنَّ الدعوة لمواجهة الأخطار -وحتى الموت مِنْ أجل الآخرين- هي جزء أصيل مِنْ الإيمان المَسِيحي لأنَّ المَسِيحيّة هي إيمان مبني على صليب المَسِيح. وإذ “نحمل بعضنا أثقال الآخرين” في الأزمات والكوارث الطبيعية فنحن نتمّم ناموس المَسِيح ونتبع مثال المَسِيح الذي تألم مِنْ أجلنا.

إن عاشت الكنيسة مسؤوليتها الأخلاقية فلابد أن تهتم بهؤلاء الذين أنهكتهم ظروف الحياة. هذه هي الصورة التي يرسمها لنا الكتاب المقدس عن إلهنا. فهو “أَبُو الْيَتَامَى وَقَاضِي الأَرَامِلِ” (مزمور 68: 5). في قلب الله مكان خاص للمحتاجين وهذا يشمل بالطبع هؤلاء الذين تأثروا بالكوارث الطبيعية. انتشرت المسيحية انتشارًا واسعًا وسريعًا في أرجاء الإمبراطورية الرومانية خلال القرون المسيحية الأولى. لقد كان واحدًا من أسباب هذا الانتشار هو رد فعل المسيحية للأمراض والأوبئة التي انتشرت آنذاك. ففي الوقت الذي هرب فيه المواطنون الرومانيون إلى مناطق آمنة حفاظًا على صحتهم، قدّم المسيحيون يد العون والمساعدة للمرضى والمحتاجين والمنكوبين حتى وإن كلفهم ذلك حياتهم.[4]

مدح المُصلح الإنجيلي مارتن لوثر في القرن السادس عشر هؤلاء المسيحيون الذين شعروا بدعوة الله لهم أن يهتموا بضحايا ما سُمِّي آنذاك بـ”الموت الأسود Black Death”.[5] الموت الأسود هو جائحة اجتاحت أوروبا في القرون الوسطى وحصدت أرواح ما بين ٢٥ مليون إلى ٥٠ مليون شخص، وهو ما يوازي ٥٠٪ من سكان القارة الأوروبية آنذاك. في القرن التاسع عشر، رأى هنري دونانت Henri Dunant معاناة جرحى الحروب في أوروبا الذين لم يهتم بهم أحد فجمع مجموعة من المؤمنين من كنائس سويسرا ووُلد في هذه اللحظة الصليب الأحمر.[6] قصة الأم تريزا وخدمتها في الهند لمرضى الجزام وتجسيد روح المسيح للمرفوضين والمنبوذين هي قصة جديرة بالتأمل في تاريخنا الحديث بخصوص دور الكنيسة ومسؤوليتها وقت الأزمات.

قد لا نستطيع أن نمنع حدوث الكوارث الطبيعية، لكننا بلا شك نستطيع أن نقدّم يد العون والمساعدة للمحتاجين. تتجلى محدودية الإنسان أمام سطوة الطبيعة وهيمنتها، لكن في ذات الوقت تتجلى أيضًا قوة الإنسان في العطاء بلا حدود والبذل والتضحية. عبَّر الرسول بولس عن هذه الحقيقة والروح التي أظهرتها كنيسة فيلبي في أثناء وجوده بالسجن من أجل الإنجيل قائلًا: “ثُمَّ إِنِّي فَرِحْتُ بِالرَّبِّ جِدًّا لأَنَّكُمُ الآنَ قَدْ أَزْهَرَ أَيْضًا مَرَّةً اعْتِنَاؤُكُمْ بِي الَّذِي كُنْتُمْ تَعْتَنُونَهُ، وَلكِنْ لَمْ تَكُنْ لَكُمْ فُرْصَةٌ” (فيلبي 4: 10).

 

رابعًا: الرجاء المسيحي والفداء الكامل للخليقة

كمسيحيين نجد تعزية خاصة ورجاء مفرح في وعد الرب يسوع بالخليقة الجديدة حين يسترد الله الكل في يسوع المسيح وليسوع المسيح. في عظة الرسول بطرس في الهيكل في أعمال 3: 19-٢١ تكلم الرسول بطرس عن الرب يسوع وأزمنة رد كل شيء قائلًا: “فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ. وَيُرْسِلَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ الْمُبَشَّرَ بِهِ لَكُمْ قَبْلُ. الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ السَّمَاءَ تَقْبَلُهُ، إِلَى أَزْمِنَةِ رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ، الَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا اللهُ بِفَمِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ” (أعمال 3: 19-٢١). في كولوسي ١ تكلم الرسول بولس عن المسيح الذي صالح الله به الكل لنفسه، الإنسان والخليقة، ما على الأرض وما في السماوات. “لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ، وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلًا الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ: مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ” (كولوسي 1: 19-٢٠).

يصف لنا الرسول يوحنا في رؤيا يوحنا اللاهوتي الإصحاح الحادي والعشرين السماوات الجديدة والأرض الجديدة لكي يعبِّر عن الاسترداد النهائي للخليقة واكتمال عمل الله الفدائي: “ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا، وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ. وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا. وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا: “هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلهًا لَهُمْ. وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ”. وَقَالَ الْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ: “هَا أَنَا أَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيدًا!” وَقَالَ لِيَ: “اكْتُبْ: فَإِنَّ هذِهِ الأَقْوَالَ صَادِقَةٌ وَأَمِينَةٌ” (رؤيا 21: 1-٥). تحيا الخليقة منتظرةً هذا الرجاء وتثق بوعد ذاك القادر أن يصنع كل شيء جديدًا، لكنها في الوقت ذاته لا تتوانى عن القيام بدورها ورسالتها اليوم.

قد يبدو العالم والخليقة اليوم وكأنهما في اضطرابٍ وضيقٍ شديدين، لكننا نتوق إلى هذا الوقت الذي يكتمل فيه فداء المسيح للخليقة فتتناغم معًا وتتصالح مع نفسها ومع خالقها، والى أن يحدث هذا، تتجدّد دعوة الكنيسة ورسالتها في العالم وللعالم فتصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك في تواضعٍ أمام إلهها. تحيا الخليقة المتألمة، المسبية، منتظرةً هذا الرجاء وتثق بوعد ذاك القادر أن يصنع كل شيء جديدًا، لكنها في الوقت ذاته لا تتوانى عن القيام بدورها ورسالتها اليوم بفرح ورجاء.

 

قائمة المراجع

 

Calvin, John. Commentaries on the First Book of Moses Called Genesis Vol. I. Trans. John King.

Grand Rapids, MI: Baker Book House, 1979.

 

John Hall, Douglass. “Dietrich Bonhoeffer and the Ethics of Participation,” delivered for a

seminar at the University of Calgary, Canada on March 8, 2004.

 

Luther, Martin. Martin Luther’s Basic Theological Writings, 3rd Edition, ed. Timothy F. Lull

and William R. Russel. Minneapolis: Augsburg Fortress.

 

MacArthur, John. Job: Trusting God in Suffering. Nashville, TN: Harper Christian Resources,

2020.

 

Moorhead, Caroline. Dunant’s Dream: War, Switzerland and the History of the Red Cross.

London: HarperCollins Publishers, 1998.

 

Stark, Rodney. The Rise of Christianity: A Sociologist Reconsiders History. Princeton:

Princeton University Press, 1996.

[1] John Calvin, Commentaries on the First Book of Moses Called Genesis Vol. I. Trans. John King (Grand Rapids, MI: Baker Book House, 1979), 64.

[2] John MacArthur, Job: Trusting God in Suffering (Nashville, TN: Harper Christian Resources, 2020), 73.

[3] Douglas John Hall, “Dietrich Bonhoeffer and the Ethics of Participation,” delivered for a seminar at the University of Calgary, Canada on March 8, 2004, page 8.

[4] Rodney Stark, The Rise of Christianity: A Sociologist Reconsiders History (Princeton: Princeton University Press, 1996), 38.

[5] Martin Luther, Martin Luther’s Basic Theological Writings, 3rd Edition, ed. Timothy F. Lull and William R. Russel (Minneapolis: Augsburg Fortress), 475-487.

[6] Caroline Moorhead, Dunant’s Dream: War, Switzerland and the History of the Red Cross (London: HarperCollins Publishers, 1998), 8.

 

التكيف والمرونة في مواجهة الكوارث والأزمات "نظرة على المفاهيم وتطورها"

اسم الكاتب:يسري مصطفى

تتناول هذه الورقة التعريفية عددًا من المفاهيم الأساسية ذات الصلة باستراتيجيات إدارة الكوارث والأزمات في الوقت الراهن. والمفاهيم المختارة ليست مفاهيمًا تقنية، بل يمكن أن نسميها إطارية؛ إذ تُستَخدَم كإطار لوضع استراتيجيات وخطط عمل. فإلى جانب مفهومَيِ الكوارث والأزمات، تُستَعرَض ثلاثة مفاهيم أساسية، وهي المؤثرات والضغوط، التكيف، المرونة. وقد انتشرت هذه المفاهيم على نطاقٍ واسعٍ في الأوساط الأكاديمية والإعلامية والسياسية وتلك المعنية بالجوانب السلوكية والنفسية والبيئية والتنموية. وتلقي هذه المساهمة الضوء على مسار تشكُّل هذه المفاهيم وصولًا إلى ما تعنيه الآن، مع بيان ترابطها؛ إذ باتت تشكل في مجملها منظومةً إطاريةً متكاملة.

 

أولًا: الكوارث والأزمات

لا شك أن تاريخ كثيرٍ من الظواهر والأحداث التي نسميها “كوارث طبيعية” قد بدأ قبل ظهور البشر على سطح الكرة الأرضية بملايين السنين. فمفهوم الكوارث، كما الأزمات، لا يرتبط بالظواهر في حد ذاتها -سواء الزلازل أو البراكين، أو الفيضانات أو العواصف أو غيرها- وإنما بتأثير هذه الظواهر على البشر على وجه التحديد. فالكوارث ليست كذلك بذاتها، بل بسبب وجود الطرف المتأثر بها، والذي يَسِمُها أو يستوعبها بوصفها كوارث أو أزمات. وحتى الوعي بالكوارث الطبيعية واستيعابها اختلف عبر التاريخ، فالمجتمعات البدائية كان لها نظامها الخاص في فهم الكوارث والتعامل معها، بوصفها جزءًا من نظام الطبيعة. وكما يقول عالم الأنثروبولوجي الشهير مالينوفسكي في كتابه “الأسطورة في علم النفس البدائي”: “يستخدم البدائيون العلم للتحكم في العالم المادي. وعندما لا يُجدي العلم، يتحولون إلى استخدام السحر. وعندما لا يُجدي استخدام السحر، يتجه البدائيون إلى الأسطورة، ولكن ليس لإحكام السيطرة على العالم… بل العكس، للتوفيق بين أنفسهم وبين سمات في العالم لا يمكن التحكم فيها، مثل الكوارث الطبيعية، والأمراض، وكبر السن، والموت…”[1].

ومن الناحية اللغوية، فإن منشأ الألفاظ المعبرة عن الكوارث ارتبط بتأثيرها، فهي ألفاظ تعبر عن التأثير وليس الظاهرة. فمثلًا من بين معانى الفعل “كرث” في لسان العرب اشتداد الأمر: فنقرأ “كَرَثَه الأَمْرُ يَكْرِثُه ويَكْرُثُه كَرْثًا، وأَكْرَثه: ساء واشتدَّ عليه، وبَلَغَ منه المَشَقَّةَ”. ومع ذلك فقد لا نجد لفظ “كارثة” في مفردات القاموس العربي القديم بقدر ما يُعبَّر عن الأحداث الجسام بكلمات مثل “مصيبة، فاجعة، نازلة، نكبة، محنة، شدة… وغيرها”. وهي، في مجملها، كلمات تعبر عما يشعر به الإنسان نتيجة تعرضه كفرد أو جماعة لمكروه. وهذا ربما ينطبق على معظم الثقافات، لأن المعنى الاصطلاحي لألفاظ الكوارث، الأزمات والمخاطر والضغوط… وغيرها، وليد العصر الحديث ونتاج تطور العلوم الحديثة التي قدمت تفسيراتٍ علميةً للظواهر الطبيعية والإنسانية.

وكما تشير الدراسات، فإن الاستخدام الأقدم لمفهوم الكوارث، والذي لا يزال مقبولًا في بعض المجتمعات، يشير إلى “أن الكوارث قضاء وقدر”، وأنها تحدث “كعقاب إلهي على ذنوب البشر وتقصيرهم”. وقد وجدت دراسة حديثة أن مفهوم الكوارث كقضاء وقدر لا يزال سائدًا في جميع أنحاء العالم، ويتعزز هذا الاعتقاد بعد وقوع كارثة طبيعية كبرى. وتشجع هذه النظرة المتشائمة على قبول العواقب السلبية لمثل هذا الحدث (أو الأحداث) كجزء من مصير الإنسان، وتقترح أن التخفيف من آثار الكارثة يتجاوز القدرة البشرية. وقد يكون هذا الموقف المتشائم أحد أسباب ضعف الاستعداد للكوارث واعتماد تخطيط أفضل لاستخدام الأراضي وتدابير التخفيف من آثار الكوارث في أجزاء كثيرة من العالم. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن مجتمع إدارة مخاطر الكوارث قد ابتعد عن هذه النظرية المتعلقة بالكوارث منذ القرن الثامن عشر… وقد أسهم التقدم في التفكير والمعرفة العلمية بعد عصر النهضة بتغيير مفهوم الكوارث من النموذج الخارق للطبيعة إلى الحقائق الفيزيائية الطبيعية. ولعل زلزال لشبونة· عام ١٧٥٥ كان أول كارثة طبيعية شكّلت وجهة نظر الظواهر الطبيعية والجيوفيزيائية كعوامل مسؤولة عن الكوارث الطبيعية”.[2]  

أما مسار وضع أسس منهجية ومؤسساتية لإدارة الكوارث والأزمات فقد جاء لاحقًا في منتصف القرن العشرين، وكما تشير دراسة متخصصة فقد شهدت فترة معينة من التاريخ الحديث أكبر حركة عامة نحو حماية المواطنين مركزيًّا، وهي فترة تشكيل الدفاع المدني. وفي السياق نفسه، ارتقت وحدات الدفاع المدني بمرور الوقت لتصبح منظمات أكثر شمولية لإدارة الكوارث. بالإضافة إلى ذلك، وُضعت أطر قانونية لدعم هذه المنظمات، ووُضعت أسس الإدارة الحديثة للكوارث.[3] وقد بدأ الاهتمام الأكاديمي بدراسة إدارة الأزمات مع بداية الستينات من القرن العشرين ورافق هذا ظهور أزمات كبرى واجهت المجتمع؛ إذ تصاعدت أزمات الصراعات الدولية والحرب الباردة… ثم أخذ الاهتمام بدارسة المصطلح وينتقل من الإطار السياسي إلى الاجتماعي ثم الاقتصادي والإداري، فظهرت محاولات بحثية ودراسات لوضع تعريفات لمفهوم إدارة الأزمات…”.[4]

وخلال عقد الستينيات أصبحت الكوارث الطبيعية موضع اهتمام المجتمع الدولي؛ إذ اتخذت الأمم المتحدة تدابير جديدة بشأن الكوارث الشديدة وحشد الجهود لمواجهتها. ففي نهاية الثمانينيات أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة العقد الدولي للحد من الكوارث الطبيعية 1990-1999. ومن هنا بات الاهتمام بالكوارث مسألة كونية، وذلك انطلاقًا من إدراك أن تأثيرات بعض الكوارث تتجاوز الحدود القومية في ظل تزايد العولمة والحركة، ولعل المثال الأبرز على ذلك هو كوفيد 19، ذلك الوباء الذي كان كارثةً كونيةً بامتياز، وكونيَّته ليست بسبب تأثيراته المباشرة، بل أيضًا بسبب التدابير التي اتُّخِذَت وكان لها تأثيرات كارثية على قطاعات واسعة في مختلف أرجاء العالم.

 

ثانيا: المؤثرات والضغوط

في ضوء ما سبق يتضح أن الكوارث والأزمات لا تسبب ضغوطًا بذاتها أو لِذَاتها، وإنما لوجود طرفٍ يستشعر أو يتأثر بها فتأخذ سماتها ككوارث أو أزمات؛ فالعلاقة بين المؤثر (الكارثة أو الأزمة) والمتأثر (الفرد أو الكائن الحي أو الجماعة أو المجتمع بشكل عام) تقاس من منظور العلاقة بين التأثير والقدرة على الاستجابة، أو ما يعرف بثنائية “الفعل ورد الفعل”، وهو ما نسميه الضغوط. وبالحديث عن الاستجابة كقدرة فقد ترافق ذلك مع الاهتمام بمفهوم الهشاشة، سواء على مستوى الفرد أو الأنظمة الاجتماعية والسياسية. وقد أصبح مفهوم الضغوط مركزيًّا في حياتنا المعاصرة؛ فنحن نتحدث كثيرًا عن الضغوط التي تحاصرنا من كل حدبٍ وصوبٍ وحتى من داخلنا، فهي جزءٌ لا يتجزأ من تفاصيل الحياة، إن لم تكن تشكل في جانب كبير منها تفاصيل الحياة ذاتها.  والأمر لا يتعلق فقط بمصادر الضغوط التقليدية الاقتصادية والاجتماعية، ولكن بتفاصيل أخرى روتينية ويومية كتعاملاتنا، وأشكال أجسادنا، وما نأكل ونشرب، والسير في الشارع، وتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها. على أي حالٍ لا أحد منا مهما كان وضعه لا يشكو من الضغوط، وليس بمنأى عنها.

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى ثلاثة مفاهيم على صلة بموضوع الضغوط، وهى ضغط Pressure، وإجهاد Stress، وانفعال Strain. وهذه المصطلحات وُجِدَت أساسًا في مجال الفيزياء ثم انتقلت إلى علم النفس والتحليل النفسي. وربما يكون التعريف في مجال الفيزياء أيسر حيث ترتبط الضغوط بالحالة المادية الفيزيائية بين مؤثِّرٍ ومستقبِلٍ، وهي أمورٌ قابلةٌ للقياس، وحتى التعميم وفق قياساتٍ وقوانين محدَّدة، أما في المجال النفسي، فالأمور تبدو أكثر تعقيدًا نظرًا لنوعية الضغوط من ناحية، وطبيعة تأثيرها على الإنسان الذي هو جسد ونفس وإدراك، وبالتالي فإن قوة الضغط قد تختلف حسب  طرق الاستجابة التي تخضع لعوامل متعددة حسب السياق والتجربة وطبيعة إدراك الشخص وتقديره للأحداث والمواقف المؤثرة.

وفيما يتعلق بتعريف هذه المفاهيم، فإن المجالات العلمية تقدم لنا تعريفات تتشابه ولكن يمكن أن نجد بعض الاختلافات كذلك. وإذا انطلقنا من مجال الفيزياء بوصفه المجال الأول الذي أنشأ هذه المفاهيم، فإن مفهوم الإجهاد Stress يعنى “القوة المؤثرة على وحدة المساحات من جسم جامد”، والضغط Pressure هو “إجهاد يؤثر في جميع الاتجاهات”. أما الانفعال Strain فهو نتيجة هذا المؤثر الضاغط؛ إذ يعني “تغير نسبي يحدث في أبعاد الجسم نتيجة وقوعه تحت تأثير الإجهاد”. وثمة علاقة بين الإجهاد والانفعال تعرف بمنحنى الإجهاد والانفعال Stress-strain curve عبارة عن “رسم بياني يوضح تغير الانفعال في جسم مع تغير الإجهاد المؤثر فيه”. وبالتالي فإن المعادلة الفيزيائية تتمثل في وجود مؤثر (ضاغط)، وجسم واقع تحت تأثير الضغط (مضغوط أو منفعل)، ووصف لأبعاد التأثير.[5] وهذا أيضًا ما ينطبق على الضغوط بالمعنى النفسي، فدائمًا ثمة تأثير واستجابة، أو فعل ورد فعل.

ولكن ما نلاحظه هو أن مفهوم “الضغط”، في عديدٍ من المصادر العربية، يأتي كترجمةٍ لكلمتي Pressure وStress. فعلى سبيل المثال تعرف موسوعة علم النفس والتحليل النفسي للدكتور عبد المنعم حفني،[6] هذه المصطلحات كالتالي: الضغط Pressure ويعنى الظروف التي تحاول إجبار الفرد على التصرف بشكل يرضاه أو لا يرضاه، والضغط قد يكون صادرًا من داخل الفرد نفسه internal أو عن البيئة -أي خارجيًّا external- أما Stress فتعنى الانعصاب (أو الانفعال)، وتعنى كلمة Strain إجهاد عضلة أو توتر نفسي طويل الأمد”. وفي معجم علم النفس والتحليل النفسي الذي أشرف عليه د. فرج عبد القادر طه، فإن الضغوط النفسية تعني Stress وهي أيضًا: “وجود عوامل خارجية ضاغطة على الفرد سواء بكُلِّيَّته أو على جزء منه. وبدرجةٍ تُوجِد لديه إحساسًا بالتوتر، وحينما تزداد حدتها يفقد الفرد قدرته على التوازن ويغير نمط سلوكه إلى نمط جديد ولها آثار على الجهاز البدني والنفسي للفرد”. وعلى أي حال، فإن المهم في هذا التعريف أنه يعتبر أن الضغط النفسي حالة، ويوضح خصوصيته من المنظور النفسي بربطه بإدراك الفرد، فنقرأ: “والضغط النفسي حالة يعانيها الفرد حين يواجه بمطلب مُلحٍّ فوق حدود استطاعته، أو حين يقع في موقف صراع حاد. ومصادر الضغوط في حياة الفرد متعددة، فقد ترجع لمتغيرات بيئية. كما قد يكون مصدرها الفرد نفسه، أو طريقة إدراكه للظروف من حوله”.[7]

وتُصنَّف الضغوط عادةً انطلاقًا من مصادرها أو طبيعتها أو من حيث تأثيراتها، فثمة ضغوط اقتصادية أو سياسية واجتماعية وبيئية… وغيرها، ولكن ثمة تصنيفات أخرى من حيث طبيعتها وتأثيراتها وقوتها. ومن المتخصصين من يصنفها إلى ثلاثة أنواع؛ فهناك الضغوط الناجمة عن أحداثٍ مفاجئةٍ خارجيةٍ، وعادة ما تكون صادمة، وهناك ما هو شخصي يتعلق بالفرد ذاته كالضغوط الناجمة عن المرض، وأخيرًا الضغوط اليومية الروتينية الناجمة مثلًا عن الزحام والتلوث بكافة أشكاله. وكما تختلف عمليات الاستجابة لمختلف هذه المصادر، فإن بعضها يمكن أن يتم التعايش معها، وحتى هذا يمكن أن يتطور إلى حد فقدان القدرة على التكيف أو التعايش معه. وعموما فإن الضغط، أو بالأحرى الإجهاد، هو محصلة للعلاقة بين المؤثر والاستجابة ولذلك فإن الضغوط هي عملية تفاعلية بين التأثير والاستجابة أو الفعل ورد الفعل.

وعليه فإن المعالجات التي اقتُرِحت -سواء في مجال علم النفس أو المجال الاجتماعي والبيئي- تركز على ثلاثة محاور، إما العمل على المؤثر أو عامل الإجهاد ذاته، وهذا ما يُسمَّى “التخفيف”، أو تحسين استجابة الطرف المتأثر وهو ما يعني القدرة على “التكيف أو التأقلم”، أو العمل على المحورين في الوقت ذاته.

 

ثالثا: التكيف

تواصلًا مع ما سبق، يمكن القول إن ثمة تشابهًا بين ظواهر التكيف والكوارث والأزمات والضغوط، فالتكيف عملية بيولوجية عرفتها الكائنات الحية قبل زمن طويل من استيطان البشر للأرض، وهو أيضًا ظاهرة اجتماعية ونفسية أساسية في الوجود البشري وتطوره. ففي العالم الطبيعي، تمتلك جميع الكائنات الحية، بما في ذلك البشر، قدراتٍ بيولوجيةً واجتماعيةً ونفسيةً للتكيف مع التغيرات والتطورات والظروف المعاكسة. وهذه التكيفات أساسية ومتواصلة من أجل البقاء. وبينما يؤكد علماء الأحياء أن التكيف ظاهرةٌ حيويةٌ شكّلت جزءًا من تطور الكائنات الحية منذ فجر التاريخ، فقد حوّلت التطورات اللاحقة مفهوم التكيف إلى أداة واسعة الاستخدام في البحث والاستقصاء الفكري.

ولغويا فإن لكلمة “التكيف” أصولًا لاتينية تفيد “التوافق مع شيء ما”، وأصول في اللغة العربية، ربما أقل اتصالًا بالمعنى الحالي للمفهوم كأن نعتبر أن التكيف مشتق من “الكيفية التي يكون عليها الشيء”. إلا أن المعنى الاصطلاحي للكلمة يعود إلى تطور العلوم الحيوية في بداية من القرن السادس عشر، قبل تبلوها أكثر فعليا في القرن التاسع عشر. ففي نظرية التطور، يُعرّف التكيف بأنه الآلية البيولوجية التي تتكيف بها الكائنات الحية مع البيئات الجديدة أو مع التغيرات في بيئتها الحالية. ومن العلماء الذين درسوا التكيف قبل تطوير نظرية التطور جورج لويس ليكلير كونت دي بوفون·. كان عالم رياضيات فرنسيًا يعتقد أن الكائنات الحية تتغير بمرور الوقت من خلال التكيف مع بيئات مواقعها الجغرافية. واقترح مفكر فرنسي آخر، جان باتيست لامارك، أن الحيوانات يمكن أن تتكيف، وتنقل تكيفاتها إلى ذريتها، وبالتالي تتطور. وبينما كان مفهوم التكيف موضوع نقاش بين العلماء قبل القرن التاسع عشر، فقد صاغ تشارلز داروين وألفريد راسل والاس· لاحقا في القرن التاسع عشر نظرية الانتخاب الطبيعي. اعتقد والاس أن تطور الكائنات الحية مرتبط بطريقة ما بتكيف الكائنات الحية مع الظروف البيئية المتغيرة. وفي تطوير نظرية التطور عن طريق الانتخاب الطبيعي، تجاوز كل من والاس وداروين التكيف البسيط من خلال شرح كيفية تكيف الكائنات الحية وتطورها. فكرة الانتخاب الطبيعي هي أن الصفات التي يمكن توريثها تُمكّن الكائنات الحية من التكيف مع البيئة بشكل أفضل من غيرها من الكائنات الحية من نفس النوع. وهذا يُمكّن من بقاء وتكاثر أفضل مقارنةً بأفراد النوع الآخر، مما يؤدي إلى التطور[8].

ولم يظل مفهوم التكيف أسير المجال البيولوجي الحيوي، كما لم يعد التكيف أو سوء التكيف مجرد ظواهر طبيعية نستكشفها، بل سمات وخصائص يمكن اكتسابها أو تجنبها، فالتكيف الإيجابي يعنى قدرات ومهارات ينبغي تعلمها، في حين أن التكيف السلبي يُعَد نوعًا من القصور والانحراف يتحمل مسؤوليته الفرد أو المجتمع أو الدولة. ولم يعد مفهوم البيئة يعني فقط البيئة الطبيعية، بل تنوعت البيئات وتعددت ما بين بيئة اجتماعية وثقافية وسياسية ونفسية… وغيرها، وهي في مجملها تتطلب تكيفات ومواءمات. وفي مجال علم النفس، بعد أن أصبح الفرد عنصرًا مركزيًّا في المجتمع الحديث، فإن قدرته على المواءمة والتكيف من أهم محددات جودة الحياة والسلامة النفسية، والتي هي ضرورية للسلامة الاجتماعية. ففي علم النفس، يُعرَّف التكيف بأنه عملية ديناميكية مستمرة، يهدف بها الشخص إلى أن يغير سلوكه، لينشئ علاقة أكثر توافقًا بينه وبين البيئة… فالتكيف هو القدرة على تكوين العلاقات المُرضية بين المرء وبيئته.[9] التكيف ليس مجرد استجابة ونتيجة، وإنما قدرات ومهارات تشكل الاستجابة وتحسن النتائج.

وبالنظر إلى الخطابات العامة حول “التكيف”، ومنها الخطابات السياسية والتنموية، فربما يكون هناك درجة من الالتباس والغموض. فمن ناحية أولى، يتبين الخلط بين “التكيف” و”التأقلم”؛ لأن الحديث عن تمكين الناس من مواجهة الضغوط والمتغيرات النفسية والاجتماعية والبيئية لا يُعَدُّ “تكيفا” بالمعنى الحيوي، بقدر ما هو دعوة لتكوين استجاباتٍ واعيةٍ من أجل مواجهة هذه الظروف أو التأقلم معها. ومن ناحية أخرى، ثمة ما يمكن أن نطلق عليه “أيديولوجيا التكيف”، حيث يجري تقديم “التكيف” بوصفه الحل، إن لم يكن حلًّا سحريًّا، لمواجهة كوارث وأزمات وضغوط أغلبها من صنع البشر أنفسهم ومن أجل تحقيق مصالح اقتصادية أو سياسية. وبدلًا من علاج أسباب المشكلات، يجري الترويج “للتكيف” كحل للتعايش مع المشكلات التي تبدو كالقَدَر المحتوم، وبالتالي فإن المسؤولية تقع على عاتق المتضررين وليس صانعي المشكلات والأزمات والنزاعات والحروب. ولذلك يرى البعض أن استراتيجيات التكيف جاءت على حساب استراتيجيات “التخفيف” التي تركز على السبب بالأساس. وقد تحول مفهوم التكيف من دائرة الاستجابة الطبيعية التي سادت عبر التاريخ، إلى  استراتيجية واعية للتعايش والبقاء.

 

رابعًا: المرونة

ظهر مصطلح المرونة بوصفه المفهوم الأكثر شمولًا؛ إذ يشير إلى مقاربةٍ تحتوي المؤثرات والاستجابات والنتائج المرجوة. وقد أصبح مصطلح “المرونة” اليوم حديث الساعة. فهو، كنظريةٍ علميةٍ أو مقاربة تنموية أو استراتيجية سياسية، يهدف إلى “إعداد” المجتمعات والمدن والمناطق، بل وحتى الدول بأكملها، لمواجهة تهديداتٍ مثل تغير المناخ والأزمات المالية والأوبئة. وباعتباره مصطلحًا جديدًا في مجال التنمية، حلّت المرونة تدريجيًّا محل مصطلح “الاستدامة” الذي طالما ساد عالم السياسة والأوساط الأكاديمية في العقود السابقة… وقد برزت المرونة، في الغالب، خارج نطاق الخطاب الأكاديمي منذ تسعينيات القرن الماضي من خلال العمل في سياسة المناخ… وفي أبسط صوره، يصف مفهوم “المرونة” القدرة على التعافي بسرعة من الصدمات والأزمات غير المتوقعة من خلال التكيف أو المقاومة.[10]

        ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن المرونة كظاهرة اجتماعية وسلوكية، كانت دائمًا موجودة، فقبل ظهور المصطلح، عرفت المجتمعات الكثير من الممارسات والسلوكيات التي يمكن أن نسميها الآن تقاليد المرونة. فطالما كانت هناك تحديات ومخاطر، فإن تطوير أساليب للتعامل معها يعد شكلًا من أشكال المرونة. ونجد ذلك في عادات الغذاء لدى الفقراء على سبيل المثال لمواجهة الشح وندرة الغذاء، وكذلك في قدرة الكثير من المجتمعات على تطوير أنظمة للري موفرة للمياه في المناطق التي تعاني من شح المياه، وثمة أمثلة عديدة أخرى.

        أما فيما يتعلق بنشأة مفهوم المرونة ليعبر عن ظواهر بعينها، فشأنه في ذلك شأن المفاهيم السابقة (الضغوط والتكيف)، حيث ظهر بدايةً خارج نطاق المجال السياسي والاجتماعي والنفسي، فهو وليد علوم الفيزياء. وكما تشير دراسة عن أصل المفهوم، فقد عرفته اللغة الإنجليزية في أوائل القرن السابع عشر من الفعل اللاتيني resilire، ويعني الارتداد أو العودة للحالة الأولى. ولم يُعثر على أي دليل على استخدام المرونة في أي عمل أكاديمي حتى قدّم مطلع القرن التاسع عشر عندما استُخدِم المصطلح لوصف خاصية من خصائص الخشب، ولشرح سبب قدرة بعض أنواع الخشب على تحمل الأحمال المفاجئة والشديدة دون أن ينكسر. وبعد أربعة عقود، تطور المفهوم كوسيلة لقياس ومقارنة قوة المواد المستخدمة في بناء السفن الحربية التابعة للبحرية الملكية البريطانية.[11]

        وفي القرن التاسع عشر دخل مفهوم المرونة ساحة علم النفس والدراسات الفسيولوجية ليمر بعدة محطات لمعالجة موضوعات بات يُنظر إليها على أنها متطلبات السلامة والمتانة النفسية ومنها آليات الدفاع اللاواعية، واستراتيجيات التأقلم الواعية، وعوامل الحماية وعوامل الخطر. أما بالنسبة للبحوث الفسيولوجية، فقد دُرست المرونة في سياق التوازن الداخلي وفيزياء الكم في عشرينيات القرن العشرين، والإجهاد العاطفي والأمراض في خمسينياته، ومرونة الدماغ في سبعينياته، وعلم المناعة العصبية النفسية منذ ثمانينياته. ولم تبدأ الجوانب الفسيولوجية والنفسية للمرونة بالترابط إلا منذ تسعينيات القرن العشرين.[12]

        ومنذ تسعينيات القرن العشرين بدأ الحديث عن المتانة كنظرية، وخاصةً في مجال العمل الاجتماعي، فهي المدخل لتفسير ومعالجة عوامل الضعف والهشاشة النفسية والأسرية والاجتماعية. وفي الألفية الجديدة بدأت عمليات إدماج المفهوم في المجال البيئي والتنموي، وظهر مصطلح التفكير المرن أو التفكير بالمرونة. فقد برز التفكير المرن المتعلق بالبيئة كمجال استقصائي يُمثّل منصةً للحوار والتعاون بين التخصصات. ويتعلق هذا التفكير بتنمية القدرة على استدامة التنمية في مواجهة التغيرات المتوقعة والمفاجئة، ومسارات التنمية المتنوعة، ونقاط الالتقاء المحتملة بينها. ويرتبط تطور هذا النمط من التفكير بالأنظمة الاجتماعية البيئية، حيث يكون الترابط بين الإنسان والبيئة. وينصبّ التركيز على المرونة، باعتبارها استدامةً وقابليةً للتكيف وقابلية للتحول في الأنظمة الاجتماعية البيئية المعقدة، مما يُوضّح الطبيعة الديناميكية والاستشرافية لهذا المفهوم… وبالتالي، في التفكير المرن، يتم تأطير قضايا التنمية من أجل رفاهة الإنسان والناس والكوكب، في سياق فهم وإدارة الديناميكيات الاجتماعية والبيئية المعقدة من أجل الاستدامة كجزء من المحيط الحيوي الديناميكي.[13]

        ومع ذلك، فإذا كان المعني الفيزيائي الأساسي للمرونة يعنى القدرة على العودة للحالة الأصلية بعد التعرض لحدث ضاغط وهو ما يسمى “التعافي”، فإن مفهوم التكيف لا يعطي المعنى ذاته، طالما أنه يعنى استجابة واعية قد تغير من طبيعة الكائن فلا يعود بالضرورة إلى الحالة الأولى، وإنما يكتسب من الخصائص ما يجعله قادرًا على البقاء. ومع ذلك فثمة تداخل في الخطاب العام عن المرونة والتكيف.

 

ختام

إن مجمل المفاهيم التي تم تناولها (الكوارث والأزمات، المؤثرات والضغوط، التكيف، المرونة) هي تعبير عن ظواهر طبيعية أو اجتماعية وإنسانية، ظواهر متأصلة في الحياة التي نعيشها. وفي حين أن الظواهر كانت دائما سابقة عن المفاهيم التي عبرت عنها، فإن القاسم المشترك بين هذه المفاهيم هو تشكلها في تخصصات علمية محددة في مطلع العصر الحديث، قبل انتقالها إلى الساحات الأكاديمية والعلمية والسياسية والتنموية تباعًا. ولعل مجال علم النفس كان له السبق في استدماج هذه المفاهيم وتطويرها. أما المجال الآخر الذي انتزع هذه المفاهيم من المجالات المتخصصة، فهو المجال البيئي وخاصة بعد تطوير مقاربة المرونة لتكون مقاربة شاملة تحتوي مفاهيم الكوارث والأزمات والهشاشة والتكيف. ونظرًا لأن استخدام هذه المفاهيم في المجالات التنموية مسألة حديثة، فثمة حاجة إلى تطويرها ولكن أيضًا النظر إليها من زوايا نقدية لبيان مدى فاعليتها وملاءمتها، وخاصة في ظل عالم أصبحت فيه الكوارث والأزمات صناعة بشرية، وأن الكثير منها يمكن تفاديه إذا توفرت الإرادة السياسية والحد من استنزاف البشر والأرض. إن الفشل ليس في عدم امتلاك القدرة على التكيف والمرونة في مواجهة ضغوط الأزمات والكوارث، ولكن في عدم توفر الإرادة لعقلنة آليات الحكومة، وفعل ما يلزم للقضاء أو الحد من مسببات الجوع والحروب وتدمير البيئة.

[1]  روبرت إيه سيجال، الأسطورة، مقدمة قصيرة جدًّا، ترجمة محمد سعد طنطاوي، مؤسسة هنداوي، 2017، ص 37.

  • زلزال لشبونة عام 1755 ويسمى أيضا “زلزال لشبونة الكبير” وقع في 1 نوفمبر 1755، يوم عطلة عيد جميع القديسين، في 9:40 صباحًا. وهو من أكثر الزلازل فتكًا وتدميرًا في التاريخ. قتل بين 60,000 و100,000 إنسان (رغم أن العدد الدقيق غير مؤكد). الزلزال أعقبه تسونامي وحرائق، مما أدى إلى تدمير شبه كامل لمدينة لشبونة والدار البيضاء.

https://www.wikiwand.com/ar/articles/%D8%B2%D9%84%D8%B2%D8%A7%D9%84_%D9%84%D8%B4%D8%A8%D9%88%D9%86%D8%A9_1755

[2] Chaudhary, M.T.; Piracha, A. Natural Disasters—Origins, Impacts, Management. Encyclopedia 2021, 1, 1101–1131. https://doi.org/10.3390/encyclopedia1040084

[3] Rajabi E, Bazyar J, Delshad V,Khankeh HR. The evolution of disaster riskmanagement: Historical approach. DisasterMed Public Health Prep. doi: https://doi.org/10.1017/dmp.2021.194.

[4] الموسوعة السياسية  https://political -encyclopedia.org/dictionary

[5]  معجم اللغة العربية: معجم الفيزياء الحديثة، (القاهرة: الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية)، 1983.

[6]  الدكتور عبد المنعم حفني، موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، (القاهرة: مكتبة مدبولي)، 1978.

[7] الدكتور فرج عبد القادر طه وآخرون، معجم علم النفس والتحليل النفسي، (بيروت: دار النهضة العربية)، الطبعة الأولى.

  • جورج لويس ليكلير كونت دي بوفون (1707- 1788م): عالم تاريخ طبيعي، ورياضيات، وكوزمولوجيا فرنسي
  • جان بابتيست لامارك (1744– 1829): عالم تاريخ طبيعي، وأكاديمي فرنسي
  • ألفرد رسل والاس (1823– 1913): عالم طبيعة وأحياء، مستكشف، جغرافي، وأنثروبولوجي بريطاني.

[8] https://education.nationalgeographic.org/resource/adaptation/

[9] دكتور مصطفى فهمي، التكيف النفسي، (القاهرة: مكتبة مصر)، 1978، ص 11.

[10] Eitel, Kathrin. 2023. “Resilience”. In The Open Encyclopedia of Anthropology, edited by Felix Stein. Online: http://doi.org/10.29164/23resilience

[11] Alastair McAslan, THE CONCEPT OF RESILIENCE Understanding its Origins, Meaning and Utility, the Torrens Resilience Institute, Adelaide, Australia 14 March 2010

[12] Grygorenko, Z., & Naydonova, G. (2023). The concept of “resilience”: history of formation and approaches to definition. Public Administration and Law Review, (2), 76–88. https://doi.org/10.36690/2674-5216-2023-2-76-88

 

[13]  https://oxfordre.com/environmentalscience/display/10.1093/acrefore/9780199389414.001.0001/acrefore-9780199389414-e-8?rskey=VQlqI4&result=22

القيامة في واقع شرق أوسطيّ د. ق. أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر

اسم الكاتب:القسّ عيد صلاح

مقدمة: القيامة في زمن التحديات

يا إخوتي وأخواتي، المسيح قام! حقًّا قام! لكن، وبينما نُعلن هذه التحية القديمة المملوءة بالرجاء والنصرة، لا بد أن نعترف بأن منطقة الشرق الأوسط تمتلئ بالتحديات والصراعات المؤلمة. وهنا يبرز التساؤل الأهم: كيف نحتفل بالقيامة وسط التحديات؟ وما هو الواقع الذي يتحدانا اليوم؟ نحتفل هذا العام بعيد القيامة وسط أزمات متلاحقة:

في غزة: الأحياء تحوّلت إلى أنقاض، والعائلات تعيش وسط الدمار، وقد خلّفت الحرب عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى.

في سوريا: ملايين يعيشون في خيام أو بيوت مهدَّمة بلا كهرباء أو مياه.

في لبنان: أزمة مالية خانقة، وغلاء أسعار، وهجرة شبابية جماعية.

في العراق: مجتمعات ما زالت تحاول التعافي من دمار العنف.

اللاجئون: ملايين يعيشون في الخيام، يعتمدون على المعونات، ويحتفلون بالعيد بعيدًا عن أوطانهم.

هذه ليست مجرد إحصاءات؛ بل قصص أناس نعرفهم: جيراننا وأقاربنا.

ورغم كل ذلك، نرفع الشكر لله من أجل بلادنا، مصر، ومن أجل سلامها واستقرارها رغم التحديات الداخلية والخارجية. فستظل مصر بلد الأمان والتماسك.

القيامة: دعوة إلى التغيير

دعونا نعود إلى كلمة الله في رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس (5: 17): “إذًا إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة: الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا.” هذه الآية تُلخّص جوهر رسالة القيامة: لأن يسوع قد قام من بين الأموات، فإن كل من هو فيه يُصبح إنسانًا جديدًا. القيامة ليست حدثًا تاريخيًّا فقط، بل عمل مستمرّ في الحياة اليومية. أن “تعيش القيامة” يعني أن حياتك وهويتك ومستقبلك قد تغيّروا جذريًّا. التغيير الذي تمنحه القيامة ليس رمزيًّا، بل حقيقي يشمل النفس، والعلاقات، والاتجاه، والرجاء.

كنيسة كورنثوس والتحديات

السياق الخارجي

مدينة كورنثوس كانت غنيّة ظاهريًّا، لكنها منقسمة داخليًّا، مليئة بالفساد والانحلال، وتُمجّد القوة وتحتقر الضعفاء.

السياق الداخلي

الكنيسة نفسها كانت تصارع الانقسامات، وتواجه الشكوك في القيادة، والتحديات من كل جانب.

ورغم كل ذلك، يكتب بولس: “أنتم لستم ما كنتم عليه… أنتم خليقة جديدة.”

رسالة في وسط الألم

قوة كلمات بولس تنبع من أنها كُتبت وسط الألم، لا من قصر مريح. كتبها وهو مرفوض ومُضطهد، لكنه آمن من كل قلبه أن قيامة المسيح غيّرت كل شيء. وهكذا يتحدى واقع كورنثوس واقعنا في الشرق الأوسط اليوم، حيث نواجه التحديات الاقتصادية، والصراعات، والقلق، والإقصاء. لكن تبقى القيامة تعلن: “في المسيح نحن خليقة جديدة.”

هذا هو سرُّ القيامة، الله لا ينتظر تحسُّن الظروف ليُجري التغيير. بل يُقيم الحياة من الموت، ويخلق نورًا في قلب الظلام، وينبت رجاءً في الأرض اليابسة.

كيف نعيش كخليقة جديدة؟

  • ترك الحياة القديمة: “الأشياء العتيقة قد مضت.” يشمل ذلك الخطيئة، لكن أيضًا المرارة، والخوف، واليأس. كما ترك المسيح الأكفان في القبر، نحن مدعوون لترك أنماط فكرية قديمة مصدرها الألم.
  • الهوية الروحية الجديدة: هذه الهوية ليست شعارًا، بل مصدر كرامة وثبات، ودافع لخدمة الآخرين.
  • جماعة لها رسالة: نحن سفراء عن المسيح، نحمل رسالة المصالحة. كل عمل محبة، وكل غفران، وكل خدمة للآخرين، هو مشاركة في تجديد العالم.
  • جماعة لها رجاء: رجاء القيامة ليس تفاؤلًا ساذجًا، بل إيمان بأن الله قادر أن يقيم الحياة من الموت. الموت ليس له الكلمة الأخيرة. القيامة لا تُنكر الألم، بل تعلن أن الله يعمل رغم الألم، وأن فجرًا جديدًا آتٍ.

خاتمة: الرجاء في زمن الألم

أحبائي، هذه هي رسالة عيد القيامة لنا في منطقة الشرق الأوسط: في المسيح، نحن خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. والخوف والانكسار واليأس لا يملكون السيادة. هوذا، الكل قد صار جديدًا. آمين.

وفي هذا السياق أود أن أشير على مفهوم القيامة من منظور وواقع شرق أوسطي في القضايا التالية: القيامة وصناعة السلام، القيامة ومفهوم العدالة، هويتنا الروحية الجديدة في قيامة المسيح. كيف تغير القيامة قلب الإنسان، القيامة انتصار على التمركز حول الذات.

القيامة وصناعة السلام([1]):

في صباح يوم الأحد كانت قيامة المسيح إعلانًا جديدًا عن رؤية الله تجاه البشر: الحياة، لا الموت. الرجاء، لا اليأس. المصالحة، لا القطيعة. وفي عالمنا المعاصر، الذي يئنُّ تحت وطأة الحروب، الصراعات، الانقسامات الدينيّة والفكريّة والسياسيّة، يحتاج العالم لصانعي السلام.

نشهد في عصرنا الراهن تزايد الحواجز بين البشر، بين الدول وبعضها، وفي داخل المجتمع الواحد وحتى بين أفراد الأسرة الواحدة؛ فالخلافات لا تهدأ، وتُبنَى جدران من الكراهية والخوف، وصراعات تزدري حياة الإنسان وحقه في العيش آمنًا وسالمًا. وسط هذا المشهد، تطمئننا القيامة بالأمل في تجديد كل شيء، بأن الكراهية لا تنتصر في النهاية.

في العصر الذي عاش فيه المسيح كان الرومان يسيطرون على كل العالم القديم. وساد في العالَم نوع من السلام منذ بداية عهد أغسطس قيصر، حتى إن بعض النقوش الأثرية تصفه بأنه الزعيم الذي أرسلَتْه العناية الإلهيّة. إذ وضع حدًّا للحرب وأسَّس السلام. وقد بنى هذا السلام على أربعة أُسس: أساس عسكري يتحقّق في ميادين المعركة، ويعتمد على قوة الرومان العسكريّة التي بلا منازع. وأساس اقتصادي حيث تزدهر الفنون والحِرَف، وتتطوّر الزراعة، وتنمو التجارة والتبادلات، وتُبنى المدن الجديدة. وأساس قانوني وثقافي؛ حيث يسود القانون، وتنتشر طريقة الحياة الرومانيّة الحضريّة في كلِّ أنحاء الإمبراطوريّة. وأساس ديني؛ بمحاولة إيجاد ديانة موحدة، وكان أغسطس أوَّل مَنْ دعا نفسه ابن الله.

في كل هذه المحاور يُبنَى السلام الروماني على «غياب الصراع». لكن السيد المسيح، رئيس السلام، قدّم نوعًا آخر ومفهومًا آخر للسلام عندما يقول يسوع لتلاميذه: سلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. فإنّه يحرص على أن يحدِّد: لَيْسَ كَمَا يُعْطِى الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. سلام يسوع ينتمي إلى السلام الذي يعنيه الكتاب المقدّس.

أول خطوةٍ نحو السلام الحقيقيّ تبدأ من الداخل؛ فكثيرٌ من الانقسام حولنا نابعٌ من انقسامات داخلية بين ما نؤمن به وما نعيشه، بين ماضٍ لم نتصالح معه وحاضرٍ نحاول أن نحيا فيه. القيامة تعنى أن الإنسان يمكن أن يقوم من ماضيه، فيتحوّل من شخص جريح إلى شخص يُجبر الجراح. والسلام مع الذات هو الأساس لكلِّ سلامٍ آخر. المسيح القائم لم يوبّخ التلاميذ الذين هربوا، بل قال لهم: «سلام لكم». كم نحتاج أن نسمع هذه الكلمات نحن أيضًا، كل يوم!

كثيرون يخلطون بين السلام والمسالمة، بين الغفران والسكوت عن الظلم. لكن قيامة المسيح تعلن أن الله ليس محايدًا أمام الألم والعنف، بل يُقيم المسحوقين، ويرفع المنكسرين، ويعلن أن الكلمة الأخيرة ليست للطغيان بل للحياة، ليست للعنف بل للسلام. والسلام المنشود لا يعنى غياب الحرب فقط، بل حضور العدل، وشفاء القلوب، وتجديد المجتمعات. القيامة نموذج إلهي يفتح الأفق للمصالحة والعيش المشترك، لا تُقصي أحدًا، بل تُرحّب بالجميع. كم من حواجز تُبنى بين البشر تحت مسميات كثيرةٍ، وكم يحتاج عالمنا لمن يكسر الحواجز. نحن مدعوون أن نكون جسرًا، لا حاجزًا. أن نبحث عمّا يوحّد لا ما يفرّق. أن نصنع السلام لا أن نشيع الكراهية.

كثيرون ينتظرون السلام وكأنه سيأتي من الخارج، من جهة حاكمة، أو ظروف مريحة. لكن القيامة تغيّر هذا المنطق؛ تدعونا لنكون نحن صانعي السلام؛ أن نغفر حيث يسود الحقد، وأن نحب حين تشيع الكراهية، أن نمدّ اليد بدلًا من رفع الحاجز. وأن يكون الإنسان مؤمنًا بالقيامة يعنى أن تؤمن بإمكانية تغيير الواقع. أن ترى في عدوك أخًا، وفي الجرح فرصة شفاء، وفي العالم المنقسم حقلًا جديدًا لبناء الرجاء.

نصلي أن تُنير قيامة المسيح دروبنا، فيتحرر العالم من دوائر العنف، والخوف. نصلي لأجل منطقتنا، التي تعاني بعض دولها من نيران العنف والقتل والتخريب، ليسود السلام المبني على العدل والمحبة والحق. نصلي لأجل بلادنا -وهي بحق صانعة للسلام في وسط ساحات الحرب المتعددة والمحيطة بها-أن يحفظها الله ويحفظ قيادتها وسلامها وأمنها وشعبها المحب للسلام.

القيامة ومفهوم العدالة([2]):

في فجر القيامة، لم يكن حجر القبر هو وحده ما تزحزح، بل تزلزلت معه مفاهيم الظلم، فأصبحت نقطة فاصلة في طريق فهم العدالة وتحقيقها. قيامة المسيح هي إعلان إلهي بأن الكلمة الأخيرة ليست للموت، ولا للظلم، ولا للقهر، بل للحياة، والرجاء، والحق.

في تفاصيل أحداث موت المسيح والحكم عليه، والتي وردت في الأناجيل، نرى فيها كم كان حجم الزور والبهتان الذي تعرض له المسيح، إذ حُكم على المسيح زورًا، ووقف أمام محاكمات صورية باطلة. لكن كانت قيامته هي النقطة الفاصلة؛ لأنها كشفت عن الحقيقة الكاملة أن الله لا يصمت أمام الظلم، لأنه هو العدل المطلق.

القيامة لا تقول فقط إن المسيح غلب الموت، بل تعلن أن الحق لا يموت. وكما شهد بطرس الرسول في عظته الأولى أمام آلاف الناس في أورشليم أن السيد المسيح قام «نَاقِضا أَوْجَاعَ الْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنا أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ»، هكذا أيضا لا يمكن للباطل أن يُمسك من الحق إلى الأبد، ولا للعدل أن يُقيَّد من الظلم إلى الأبد.

لقد كتبت قيامة المسيح، نهاية مختلفة تمامًا عما كان في ذهن صالبيه ومن تآمروا عليه، لذلك، فهي إعلان للعدالة الإلهية التي قد تتأخر في نظر الإنسان، لكنها لا تُهمل أبدا.

في خلال حياته الأرضية، اتجه السيد المسيح نحو الضعفاء، والمرضى، والمنبوذين، والفقراء. اقترب من المهمشين والمرفوضين والمظلومين من المجتمع، لقد جسّد المسيح العدل قبل أن يتحدث عنه، وأحب الذين لا يحبهم أحد، ورأى من لا يراه أحد، فقيامة المسيح كانت انتصارًا لكل هؤلاء.

لهذا، فالإيمان بقيامة المسيح ليس مجرد إيمان عقائدي، بل هو التزام عملي، الكنيسة التي تحتفل بقيامة المسيح لا يمكنها أن تظل صامتة أمام الظلم، أو محايدة تجاه القهر، أو بعيدة عن آلام الناس، قيامة المسيح تدعو الكنيسة لتكون صوت الحق والعدل في العالم، الذي يرى المظلوم، ويسمع المكلوم، ويتحرك نحو المهمّشين.

أن تؤمن بقيامة المسيح يعنى أن تؤمن بأن العدل ممكن، وأن تقف مع كل من يُسحق تحت وطأة الظلم، وما أكثرهم في عالمنا اليوم! الكنيسة، متى التزمت بروح المسيح القائم، صارت نورًا في وسط الظلمة، وشاهدًا حيًّا على عدالة الله ومحبته للمهمشين والمظلومين.

قام المسيح ليحررنا من عبودية الخوف، ولكي نعيش بقوة روحه، مدعوين، لأن نقف بجانب المظلوم، لا بالكلام فقط، بل بالفعل: في قراراتنا، في اختياراتنا وفي تقديم المحبة والعون لكل من يعاني. إن عدالة القيامة تُعيد بناء الإنسان، وتُطلق فيه قوة الحياة من جديد.

نصلي لأجل سيادة هذه العدالة في أرجاء العالم، ونصلي لأجل بلادنا الحبيبة، أن تظل دائما أرضًا للكرامة والرجاء، تنبض بالمحبة والخير، ويسكنها السلام، وتكون صوتًا حيًّا للعدالة في المنطقة والعالم بأسره. نصلي أن يلهم الله أبناءها وبناتها ليكونوا شهودًا للحق، وصانعين للخير، وبناة لمجتمع تتجسد فيه قيم العدالة والمحبة.

هويتنا الروحية الجديدة في قيامة المسيح([3]):

نتذكر اليوم قيامة السيد المسيح من الأموات، هذه الحقيقة الجوهرية التي يُبنى عليها إيماننا ورجاؤنا. في رسالته إلى أهل كولوسي، يتحدث الرسول بولس عن تأثير قيامة السيد المسيح وعمله الخلاصي على حياتنا وهويتنا الجديدة. وفي حديثه وشرحه لماهية الإيمان المسيحي، يحرص الرسول بولس على الحديث عن تأثير القيامة في حياتنا وهويتنا الروحية الجديدة. فيؤكد لنا في كولوسي 2: 12 أننا “مَدْفُونِينَ مَعَهُ في الْمَعْمُودِيَّةِ، التي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الذي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ”.

ويقدم الرسول بولس في الإصحاح الثالث في رسالة كولوسي تطبيقات عملية للتغيير الذي يحققه عمل المسيح الخلاصي في حياة المؤمنين: “فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ، فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ”. هذا هو الأساس الذي منه ينبع كل تصرف أخلاقي مسيحي؛ لأن المؤمن بالمسيح لا يعيش لنفسه، بل يسعى إلى التمثل بالمسيح والتشبه به في حياته. ومن يسعى إلى هذه الحياة واختبار قوة التغيير الحقيقي لقيامة المسيح، يسعى ليكون سلوكه وحياته معبرين عن هذه الهوية الروحية الجديدة.

والهُويّة هي ما يُشكّل جوهر الإنسان، ما يُعبّر عن “من نكون” في نظرتنا لأنفسنا وفي تعاملنا مع الآخرين. هي مجموعة من القيم، والمعتقدات، والانتماءات، والتجارب التي تُكوِّن رؤيتنا للحياة. والهُويّة تتشكّل وتتجدّد بتأثير المواقف، والإيمان، والقرارات التي نتخذها في الحياة.

وفي ضوء هذا المفهوم، حين نتحدث عن “الهُويّة الروحية الجديدة” في قيامة المسيح، فنحن لا نتحدث فقط عن تغيير خارجي أو تصرفات أخلاقية، بل عن تغيير جوهري فيمن نكون، في داخلنا، في علاقتنا بالله، وبأنفسنا، وبالآخرين.

لكن ماذا تعنى هذه الهوية الروحية الجديدة في واقعنا العملي؟ هذه الهوية تعنى أولًا أننا مدعوون إلى قيم جديدة. فكما أن المسيح غلب الموت وقام، نحن مدعوون أن نغلب ما يُميتنا من الداخل: الكراهية، الأنانية، الغفران المؤجَّل والظلم. فالقيامة دعوة مستمرة إلى الغفران، إلى إعادة بناء العلاقات، إلى رؤية الآخر كإنسان محبوب من الله، له كرامة وله قيمة.

القيامة والتغيير كيف تغير القيامة قلب الإنسان؟([4]):

ليست القيامة مجرد حدث تاريخي وحقيقة يقينية، وليست مجرد مناسبة دينية تأتى كل عام ونحتفل بها، بل هي حدث يمتد تأثيره إلى الإنسان، إنها دعوة لحياة جديدة وتغيير مستمر. قيامة المسيح تفتح أمامنا باب التغيير الداخلي، الذي يبدأ بتحرير الإنسان من عبودية الماضي، ويستمر بتعميق الرجاء في القلب، ويؤدي في النهاية إلى تجديد الحياة الإنسانية.

القيامة دعوة للانطلاق من جديد:

أولى ثمار القيامة هي دعوة الإنسان للتوبة والانطلاق من جديد. التوبة ليست فقط ندمًا على الخطايا الماضية، بل هي استعداد لبدء حياة جديدة في المسيح. القيامة تُعلن أن الماضي لا يُحدِّد المستقبل. كما أن المسيح نفسه قام من الموت ليمنحنا الحياة، فإنه يدعونا جميعًا أن نخرج من قبورنا الروحية، ونُقام معه. هذه الدعوة لا تقتصر على لحظة معينة، بل هي دعوة مستمرة للإنسان في كل لحظة من حياته.

في الكتاب المقدس، نرى أن القيامة هي فرصة ثانية. مثلما حدث مع بطرس بعد إنكاره للمسيح ثلاث مرات، وعندما عانق المسيح القائم بطرس وقال له: «أتحبني؟» (يوحنا 21: 15). لم يكن السؤال مجرد استفسار عاطفي، بل دعوة لبطرس للقيام من سقوطه الروحي، والعودة إلى حياة جديدة من الحب والخدمة. القيامة تتيح لكل واحد منا فرصة لترك الماضي وراءه، والبدء من جديد.

القيامة باب للرجاء

في العصر الحالي، يعاني كثيرٌ من الناس من الصراعات النفسية والاكتئاب نتيجة لضغوط الحياة، والفقدان، والشكوك في معنى الوجود، يفقد كثيرون الشعور بالرجاء والأمل. لكن تأتى القيامة لتُعلن أن للرجاء مكانًا، وأن التغيير ممكن حتى في أحلك الظروف. رغم كل الألم الذي يعيشه الإنسان المعاصر، تبقى روح القيامة هي المفتاح للخروج من نفق اليأس، وبابًا للرجاء.

الإنسان المعاصر قد يجد نفسه أحيانًا محاصرًا في دوَّامة من القلق والاكتئاب، ولكن القيامة تعطيه رجاءً متجدّدًا. إنها تذكير أن الموت لا يمكنه أن يكون الكلمة الأخيرة، وأن الله قادر على إخراج الخير من الشر، والنور من الظلمة. القيامة تمنحنا قدرة على النظر للألم بنظرة مختلفة، بحيث يصبح كل صراع أو معاناة فرصة للتغيير والنمو الروحي.

القيامة دعوة لاستمرار التغيير والنمو

القيامة هي بداية، ولكنها ليست نهاية الطريق، كانت القيامة بدايةً لانطلاق رسالة المسيح للعالم أجمع، فغيَّرت رسالته كل ربوع المسكونة. هي دعوة مستمرة للنمو والتغيير. بما أن المسيح قام وأعطانا حياة جديدة، فإننا مدعوون أن نعيش هذه الحياة بشكل مستمر، معتمدين على الروح القدس في كل خطوة. إن اختبار قيامة المسيح يجب أن يتجسد في حياتنا يومًا بعد يوم: في صلواتنا، وفي تصرفاتنا، وفي علاقتنا بالآخرين، وفي قدرتنا على مسامحة أنفسنا والآخرين.

ما أحوج عالمنا لروح القيامة، فلقد سيطرت روح الشر والقتل والعنف، وعلا صوت الحروب والدمار، وشعر الناس بالحزن والخوف في أماكن كثيرة من العالم، وهُدِّمت دول، وخُرِّبت أوطانٌ، وشرِّدت شعوب. يحتاج العالم للغة المصالحة النابعة من معنى موت المسيح وقيامته، وللغة الرجاء النابع عن أن الصورة ليست كما نراها لأن الله قادر على تغييرها تمامًا. نصلي أن يختبر عالمنا الجريح هذه الروح الملهمة فتتغير أحواله.

 

 

القيامة انتصار على التمركز حول الذات[5]:

ليست القيامة مجرد حدث تاريخي فاصل في مسيرة البشرية، بل هي معينٌ لا ينضب من الرؤى التي تغيِّر الإنسان ومجتمعه؛ فالكتاب المقدس يعرض قصة الصليب والقيامة كتعبير عن تدخل الله في مسار التاريخ، وإعلانه التضامن مع بشرية غارقة في ظلمات الشر، وتجسِّد القيامة في جوهرها محبة الله وعدله، وسعيه لتحرير الإنسان من عبودية الخطية والموت. ومن أبرز ما تمنحه القيامة: الحرية من سطوة الشر، وفي مقدمة هذا الشرور: الأنانية وتمركز الإنسان حول ذاته، والتي يمكن وصفها بـ «عبادة الذات».

عبادة الذات

في سفر الخروج 20: 3 نقرأ أولى الوصايا العشر وأهمها: “لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي”. وعلى الرغم من أن هذه الوصية جاءت في سياق ثقافي يشهد تعددًا للآلهة، فإنها تحمل معنى أعمق يشمل كل ما يمكن أن يتحوّل إلى صنم أو وثن، حتى وإن لم يكن شيئًا ماديًّا.

أي شيء نتعلق به تعلقًا مفرطًا، حتى وإن بدا إيجابيًّا، قد يتحول إلى نوع من العبودية؛ فالطموح وتحقيق الذات أمران محمودان، لكن حين يطغيان على اهتمام الإنسان بصحته أو بأسرته، يغدو الطموح صنمًا، كذلك فإن محبة الذات صحية وضرورية، إذ تحث على الاهتمام بالنمو الشخصي والعلاقات والراحة النفسية، لكنها قد تنقلب إلى أنانية حينما تفقد توازنها وتتحول إلى عبادة للذات، تجعل الإنسان لا يرى سوى رغباته، مهما كانت التكلفة أو النتائج.

ويعرض لنا الكتاب المقدس كيف أن التمركز حول الذات كان مصدرًا لشرور عظيمة، فقد أظهر رؤساء الكهنة والفريسيون تمركزًا واضحًا حول ذواتهم، جعلهم يفعلون أي شيء لحماية سلطتهم ومكانتهم، حتى لو كان على حساب الحق، شعروا بالتهديد من تعاليم يسوع ومعجزاته، وخصوصًا بعد إقامة لعازر من الموت، فقالوا: “انْظُرُوا! إِنَّكُمْ لاَ تَنْفَعُونَ شَيْئًا! هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ!” (يوحنا 12: 19). لقد هددهم يسوع ليس فقط من خلال المعجزات، بل أيضًا من خلال كشفه لمظاهر كبريائهم وفسادهم، حين قال عنهم: “فَإِنَّهُمْ يَحْزِمُونَ أَحْمَالًا ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ… وَكُلَّ أَعْمَالِهِمْ يَعْمَلُونَهَا لِكَيْ تَنْظُرَهُمُ النَّاسُ” (متى 23: 4-5).

ويظهر التمركز حول الذات أيضًا في شخصية بيلاطس البنطي، الذي رغم إدراكه لبراءة المسيح، خضع للضغوط السياسية والدينية، مفضِّلًا الحفاظ على منصبه على أن ينتصر للحق. حين هددوه قائلين: «إِنْ أَطْلَقْتَ هذَا فَلَسْتَ مُحِبًّا لِقَيْصَرَ» (يوحنا 19: 12)، اختار أن يغسل يديه من دم البريء (متى 27: 24). كل هذه النماذج تؤكد أن عبادة الذات والكبرياء هما في قلب الكثير من مظاهر الشر، لكن القيامة جاءت لتنتصر على هذا الشر، وتعلن تحرر الإنسان منه.

العبور إلى الآخر

في المقابل، عندما يعيش الإنسان حياة متزنة، ويضع ذاته في موقعها الصحيح دون أن يجعل منها مركز الكون، يبدأ في الاهتمام بالآخرين، وتنعكس هذه الروح في محبة ورحمة وعدالة وصدق، عندها لا يسعى الإنسان فقط إلى النجاح الشخصي، بل إلى بناء مجتمع أكثر عدلًا ومساواة، ويدرك أن خدمته للناس هي أيضًا خدمة لله.  إن هذا التوجه يحوِّل الأنانية إلى تواضع، والرغبة في الامتلاك إلى رغبة في العطاء، وما كان في الماضي شغفًا بالمكاسب الذاتية، يتحول الآن إلى شغف بتحقيق الخير وخدمة الغير. 

حين نتأمل في مفهوم المصالحة الإلهية، الذي تجلّى في الصليب والقيامة، نجد أنه مفتاح لتحرير الإنسان ليس فقط من الخوف واليأس، بل من الأنانية والتمركز حول الذات أيضًا، إنه دعوة لتجديد الذهن، كما كتب الرسول بولس: “إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ في الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ…” (2كورنثوس 5: 17). ومن هذا التجديد تنبع نظرة جديدة للآخر، وفهم أعمق لاحتياجات الناس ومعاناتهم. إن القيامة، بما تحمله من رجاء في التغيير، تبدأ من داخل كل إنسان، وتفتح الباب أمام عالم أفضل تسوده المحبة والرحمة والعدل. نصلي من أجل بلادنا العزيزة مصر، قيادةً وشعبًا، أن يمنحها الله القوة في مواجهة التحديات، ويجعلها واحة محبة وسلام وتراحم، ويبارك جميع المساعي الهادفة لبنائها وخيرها وازدهارها.

[1] نشرت في الوطن، الأحد 20 أبريل 2025م، ومتاح على موقعها: https://www.elwatannews.com/

[2] نشرت في اليوم السابع، الأحد 20 أبريل، ومتاح على موقعها https://www.youm7.com/

[3] نشر في المصري اليوم، 20 أبريل 2025م، ومتاح على موقعها في https://www.almasryalyoum.com

[4]

[5] نشر في أخبار اليوم، نشر في أخبار اليوم، 18 أبريل 2025م، متاح على موقعها https://akhbarelyom.com

الكنيسة في الأربعين يومًا من القيامة للصعود

اسم الكاتب:القسّ عيد صلاح

مُقَدَّمَةٌ:

المرحلة التي جاءت بعد قيامة الرب يسوع المسيح من بين الأموات هي مرحلة هامة في تاريخ الكنيسة لأنَّها حملت تأكيدات ودلالات ومعاني كثيرة مرتبطة بالقيامة، والرب ويسوع، وحياة الكنيسة. وقد تناول العهد الجديد في نصوصٍ كثيرة هذه الحقبة الزمنية، وما تحمله من معانٍ (متى 28: 1-20؛ مرقس 16: 1-16؛ لوقا 24: 1-53؛ يوحنا 20: 1-21: 22؛ أعمال الرسل 1: 1-14). سوف نركِّز على هذه الفترة من قيامة الرب يسوع إلى صعوده حيًّا إلى السماء.

هذه الفترة هي أربعين يومًا مليئة بالأحداث المهمة التي كانت بمثابة مرحلة تكوين وإعداد للكنيسة. هذه المرحلة هي عقب القيامة مباشرةً وقبل الصعود، ومهمة جدًّا في تاريخ الكنيسة والإيمان المسيحيّ. وقد أكَّد المسيح حسب رواية البشير لوقا في أعمال الرسل على أنه حيٌّ ببراهين كثيرة. استخدم المسيح البرهان في الحديث عن القيامة وأنه حيّ، وهذا يفتح أمامنا منطق الإيمان ومعقوليته، ولعل أول كتاب كُتِب في الفكر العربيّ المسيحيّ اسمه “البرهان” لعمار البصري يستخدم فيه نفس المنطق للدفاع عن الإيمان. وكتب هيرمان باينك بعده بقرون العقل والإيمان.

 وقد ظهرت في هذه المرحلة إقرارات وقوانين إيمان مثل: “رَبِّي وَإِلهِي” (يوحنا 20: 28). “هُوَ الرَّبُّ” (يوحنا 21: 9). “الرَّبَّ قَامَ بِالْحَقِيقَةِ” (لوقا 24: 34). “إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ” (أعمال الرسل 1: 11).

كما ظهرت أهمية خاصة في هذه الفترة للكلمة المقدّسة التي كان دائمًا يرجع إليها المسيح في كلامه حتى بعد القيامة: مع النسوة حسب إنجيل لوقا يسجل: “لَيْسَ هُوَ ههُنَا، لكِنَّهُ قَامَ! اُذْكُرْنَ كَيْفَ كَلَّمَكُنَّ وَهُوَ بَعْدُ فِي الْجَلِيلِ قَائِلًا: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي أَيْدِي أُنَاسٍ خُطَاةٍ، وَيُصْلَبَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ. فَتَذَكَّرْنَ كَلاَمَهُ.” (لوقا 24: 6-8). ومع تلميذي عمواس: “ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لوقا 24: 27). وللتلاميذ يقول: “هَذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ” (لوقا 24: 44). كما عبَّرت هذه الحقبة عن الاستجابة للكلمة المقدَّسة: “فَقَالَ بَعْضُهُمَا لِبَعْضٍ: أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي الطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا الْكُتُبَ؟” (لوقا 24: 23) “حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ. وَقَالَ لَهُمْ: هكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ. وَأَنْتُمْ شُهُودٌ لِذلِكَ”. (لوقا 24: 45-48).

وإيمان الكنيسة صيغ من خلال الكتب، في إصحاح القيامة، يؤكد الرسول بولس على هذه الحقيقة: “وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِالإِنْجِيلِ الَّذِي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ، وَقَبِلْتُمُوهُ، وَتَقُومُونَ فِيهِ، وَبِهِ أَيْضًا تَخْلُصُونَ، إِنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّ كَلاَمٍ بَشَّرْتُكُمْ بِهِ. إِلاَّ إِذَا كُنْتُمْ قَدْ آمَنْتُمْ عَبَثًا! فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ.” (1كورنثوس 15: 1-5).

عرفت الكنيسة مع تلميذي عمواس كيف أنَّ الكتاب المقدّس يلهب ويحرك قلب الإنسان. مع القبر المفتوح نرى علامتين هما: ذهن مفتوح، وقلب مفتوح. وعرفت أيضًا أن الإيمان يُبنى على كلمة الله.

ما هي دلالة الأربعين يومًا؟

يذكر لوقا البشير في سجِلِّه هذه الكلمات: “اَلَّذِينَ أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ مَا تَأَلَّمَ، وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ” (أعمال الرسل 1: 3). تكرَّرت مدة الأربعين يومًا في الكتاب المقدّس كثيرًا، فمرحلة الطوفان 40 يومًا (تكوين 7: 12، 17)، وأربعون يومًا تسلَّم في خلالها موسى لوحي الشريعة (خروج 34: 28). وإيليا صام أربعين نهارًا وأربعين ليلة (1ملوك 19: 8). المسيح صام أربعين يومًا قبل خدمته الجهارية (متى 4: 2)، وقضى أربعين يومًا مع التلاميذ بعد القيامة وقبل الصعود (أعمال الرسل 1: 2). الأربعون يومًا في الكتاب المقدّس تشير إلى حدثٍ مهمٍّ في الإعداد للتغيير.

تؤكِّد فترة الأربعين يومًا على أن الرب يسوع كان يعد الكنيسة للمستقبل. فهي مرحلة إعدادٍ وتكوينٍ وتدريبٍ وتشكيلٍ كانت الكنيسة في أمسِّ الاحتياج إليها. ومن خلال قراءة هذه الفترة الأربعينية التي جاءت بين حدثين مهمَّيْن هما: القيامة والصعود نجد أنَّه فيها قد تشكَّل فكر الكنيسة من خلال مجموعة من الثوابت الإيمانيَّة والعمليَّة مثل:

  • تعلَّمت الكنيسة السجود،
  • أخذت الكنيسة الإرساليّة العظمى،
  • عرفت الكنيسة الهدف من ظهورات المسيح،
  • عاشت الكنيسة على رجاء المجيء الثاني،
  • أدركت قوة وفاعلية الروح القدس.

أولاً: تعلَّمت الكنيسة السجود

يذكر لوقا عن التلاميذ: “فَسَجَدُوا لَهُ وَرَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ” (لوقا 24: 52). وكذلك متى يقول: “وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ” (متَّى 28: 17). من ضمن سياق عام ببراعة رسم البشير متى في الإصحاح الأخير 28 ثلاثة مواقف من القيامة:

الموقف الاول: وهو حقيقة القيامة (متَّى 28: 1-10) ومفادها: “لَيْسَ هُوَ ههُنَا، لأَنَّهُ قَامَ كَمَا قَالَ! هَلُمَّا انْظُرَا الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ الرَّبُّ مُضْطَجِعًا فِيهِ.” (متَّى 28: 6).

الموقف الثاني: موقف الرفض (متَّى 28: 11-15) رفض القيامة متمثلاً في تحالف الحراس مع رؤساء الكهنة؛ ودفع فضة للحراس لنشر شائعة مغرضة تنكر حقيقة القيامة وهي أن التلاميذ سرقوا جسد المسيح وهم نيام. “قُولُوا إِنَّ تَلاَمِيذَهُ أَتَوْا لَيْلًا وَسَرَقُوهُ وَنَحْنُ نِيَامٌ.” (متَّى 28: 13).

الموقف الثالث: موقف القبول (متَّى 28: 16-28) موقف القبول والتصديق بقيامة المسيح من الأموات والذي عبرت عنه جماعة التلاميذ بخضوع للمسيح وسجود له متلقين منه الإرساليّة العظمى في التلمذة والتعليم.

أمام حقيقة القيامة اختلفت ردود الفعل بين الرفض والقبول؛ الرفض لم يجد شيئًا ولكن القبول كان خيرًا وبركةً على الكنيسة كلها فلنصدق ونقبل بخضوع عمل المسيح المغير في الحياة من خلال القيامة.

الموقف الإيجابي للتلاميذ بعد القيامة وقبل الصعود هو السجود، وفي هذا اعتراف واضح بألوهية الرب يسوع. الذين سجدوا للمسيح هم جماعة التلاميذ كانوا من اليهود الذين تعلموا في الوصايا العشر: “أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ.” (خروج 20: 1-5).

في سجود التلاميذ للمسيح إعلان واضح أنَّ المسيح هو الله الذي ينبغي أنْ يُسجد له، فهو مسجودٌ له وممجد. في السجود أيضًا إعلان واضح على الولاء والخضوع لله. لقد رفض الفتية الثلاثة السجود للتمثال لأن ولاءهم كان لله. “فَأَجَابَ شَدْرَخُ وَمِيشَخُ وَعَبْدَنَغُوَ وَقَالُوا لِلمَلِكِ: “يَا نَبُوخَذْ نَصَّرُ، لاَ يَلْزَمُنَا أَنْ نُجِيبَكَ عَنْ هذَا الأَمْرِ. هُوَذَا يُوجَدُ إِلهُنَا الَّذِي نَعْبُدُهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَنَا مِنْ أَتُّونِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ، وَأَنْ يُنْقِذَنَا مِنْ يَدِكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ. وَإِلاَّ فَلِيَكُنْ مَعْلُومًا لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَنَّنَا لاَ نَعْبُدُ آلِهَتَكَ وَلاَ نَسْجُدُ لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتَهُ””. (دانيآل 3: 16-18).

السجود هو تخصيص النفس والفكر والولاء والطاعة للسيد. والرسالة المعاصرة لهذا الحدث هي في تقديم الولاء والطاعة والسجود للرب ونبذ كل الآلهة والمعبودات الأخرى التي تتمثل في المال أو الجنس أو الشهرة. وليكن سجودنا لله سجود القلب والفكر نعلن فيه عن حبنا وولائنا لشخصه فهو “يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ” (عبرانيين 13: 8).

ثانيًا: أخذت الكنيسة الإرساليّة العظمى

سُمِّيت بالإرساليّة العظمى لأنها جُلَّ اهتمام الكنيسة، وقضية وجودها، وموضوع رسالتها في العالم، قال المسيح: “فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: سَلاَمٌ لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا.” (يوحنا 20: 21). وفي إنجيل متى يؤكِّد على هذه الإرسالية: “فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ” (متَّى 28: 18-20).

وهو نفس التأكيد الذي أكَّد علية المسيح قبل صعوده: “وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (أعمال الرسل 1: 8). وبالمثل الكلمات الواردة في نهاية إنجيل مرقس: “اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ” (مرقس 16: 15-16). وفي لوقا: “وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ” (لوقا 24: 47). يسجل لنا أعمال الرسل أن الرسالة وصلت إلى روما، في الوقت نفسه وصلت إلى الحبشة مع الخصي الحبشي، الإرساليّة تخطت العرق واللون والمكان.

مضمون الإرساليّة هي الكرازة، والكرازة هي الإعلان عمن هو يسوع؟ وما هو عمله؟ وتقديم يسوع المسيح مخلصًا وفاديًا للجميع. فهي الإعلان عن شخص المسيح وعمله. وكذلك تضمَّنت الإرساليّة العظمى التعليم والتلمذة، وهي الأمور نفسها التي كان يفعلها المسيح في أثناء تجسّده وخدمته فهو كان يعلم ويكرز ويشفي. حسب ما ورد في (متى 4: 23؛ 9: 35).

الإرساليّة شكَّلت فكر الكنيسة وسلوكها، وأصبحت قلب الكنيسة ومركز خدمتها. والتاريخ يؤكِّد لنا أن الكنيسة نجحت حين ركَّزت على إرساليتها، وفشلت حين بعدت عنها. الذي يحرك الكنيسة للأمام، ويوحد جهودها، ويستخدم إمكانياتها، ويفعِّل قدراتها هو انتباهها دائمًا وأبدًا لإرساليتها العظمى كأمر وتكليف إلهيَّيْن.

مع الإرسالية العظمى تكون الوصية العظمى: “يَا مُعَلِّمُ، أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ.” (متَّى 22: 36-40). ومع الإرسالية العظمى تكون الضمانة العظمى “وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ. آمِينَ.” (متَّى 28: 20). وفي وقتنا هذا نحتاج إلى أن تنتبه الكنيسة لإرساليتها لأنَّه يوجد كثيرون يصرخون أعبر إلينا وأعنا: “اعْبُرْ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ وَأَعِنَّا” (أعمال الرسل 16: 9).

صناعة التلاميذ هو لب الإرساليّة العظمى، هو التكوين والتشكيل المستمر لجماعة المؤمنين داخل الكنيسة. تموت الكنيسة عندما تبعد عن الإرساليّة وتبقى حية حين تركز عليها.

ثالثًا: عرفت الكنيسة الهدف من ظهورات المسيح

من ضمن البراهين التي أشار إليها البشير لوقا حين قال: “اَلَّذِينَ أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ” (أعمال الرسل 1: 3). هي الظهورات المتعدّدة التي ظهر بها المسيح لتلاميذه بعد القيامة وفي خلال الأربعين يومًا، لم تكن هذه الظهورات مستمرةً كل الوقت، بل كانت في توقيتات معينة ولأغراض خاصة وعلى سبيل المثال لا الحصر: ظهر المسيح للتلاميذ والأبواب مغلقة وحول خوفهم إلى سلام واكتئابهم إلى فرح، قائلاً لهم: لا تخافوا، ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب يوحنا 20. ظهر لمريم وهي حزينة وحول حزنها إلى فرح قائلاً لها: “لماذا تبكين” (يوحنا 20: 15). ظهر للمريمات وأعطاهن أن يكرزن باسمه. ظهر لتوما وحول شكه ليقين راسخ (يوحنا 20: 24-29). ظهر لتلميذي عمواس وحول اليأس إلى رجاء وجعلهما يعودا واثقين ليشاركا التلاميذ أن الرب قام وكيف عرفاه عند كسر الخبز لوقا 24. ظهر للتلاميذ عند بحيرة طبرية وحول فشلهم لنجاح يوحنا 21، ظهر لبطرس 1كورنثوس 15: 5 وردَّ نفسه وثبَّته.

الظهورات ما بين القيامة والصعود في خلال الأربعين يومًا كانت بكثافة شديدة، وقلَّت بعد صعوده للسماء، وجسد المسيح المقام من بين الأموات تجاوز حدود الزمان والمكان فظهر للتلاميذ والأبواب مغلقة، وتلامس في ظهوراته مع واقع الإنسان في عجزه، وفشله، وتقوقعه، وحزنه، ويأسه، وحيرته، وعبر به إلى السلام، والرجاء، واليقين، والنجاح، والفرح، والإرساليّة، ويمكن وضع الظهورات في هدفين رئيسين.

  • الهدف الأول من الظهورات المتكررة للرب يسوع في فترة الأربعين يومًا كان لكي يدرب الكنيسة على حضوره الدائم فيما بعد بروحه وسط الجماعة رغم عدم وجوده في الجسد. ولكي تدرك الكنيسة أن الرب المقام معها على الدوام وفي وسطها فلن تتزعزع. أراد توما أن يلمس المسيح لكي يتأكَّد، “قَالَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِنْ” (يوحنا 20: 25). ولكن المسيح فتح الباب: “لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا” (يوحنا 20: 29). أرادت مريم أن تمسك بيه متعلقةً به، فقال لها ألا تتعلق به ولا تلمسه، بل تذهب وتخبر التلاميذ: “قَالَ لَهَا يَسُوعُ: “لاَ تَلْمِسِينِي لأَنِّي لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي. وَلكِنِ اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ””. (يوحنا 20: 17). أدركت الكنيسة من خلال الظهورات أن يسوع المسيح موجود معها وحاضر فيها على الدوام.
  • الهدف الثاني من الظهورات هو إبطال كل النظريات التي حاولت إنكار حقيقة القيامة مثل: السرقة، القبر الخاطئ، الهلوسة، والإغماء. وظهورات المسيح أكدت بكل يقينٍ كما ذكرت لنا الأناجيل أن قيامة المسيح حقيقةٌ مؤكدة: “الَّذِي أُسْلِمَ مِنْأَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا” (رومية 4: 25). والخبرة الروحية: “وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (أفسس 2: 6). ويصبح الهدف الأكبر في الحياة هو: “لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ” (فيلبي 3: 10). من خلال الظهورات عرفت الكنيسة أنَّ المسيح حيٌّ وحاضرٌ في حياة الكنيسة ليس بالعيان بل بالإيمان، وليس بالمشاعر والأحاسيس بل بيقين الإيمان.

رابعًا: عاشت الكنيسة على رجاء مجيء المسيح الثاني

أشار لوقا في مقدمته لأعمال الرسل إلى حدثٍ مهم، وهو صعود المسيح للسماء، ولي تساؤل في هذا الموضوع: لماذا يحتفل المسيحيون بالتجسّد وتوجد مظاهر احتفالية كثيرة بهذا الحدث في الوقت الذي لا يحتفلون فيه بصعود المسيح للسماء؟

إنَّه موقف غريب وفريد يسجله لوقا بالقول: “وَلَمَّا قَالَ هذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ. وَفِيمَا كَانُوا يَشْخَصُونَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ، إِذَا رَجُلاَنِ قَدْ وَقَفَا بِهِمْ بِلِبَاسٍ أَبْيَضَ، وَقَالاَ: أَيُّهَا الرِّجَالُ الْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ” (أعمال الرسل 1: 9-10).

يقدم الملاكان تفسيرًا لما حدث أن المسيح سيأتي ثانيةً كما صعد، ورغم كل التفسيرات والنظريات التي قيلت حول المجيء الثاني نجدها هنا في بساطةٍ وعمق: “سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ” عاشت الكنيسة على رجاء هذا المشهد فهو الرجاء المبارك المحبب للنفوس، فإما أن يأتي إلينا أو نذهب نحن إليه لنكون معه كل حين.

وأصبح حلم الكنيسة أن تتنظر بشوقٍ مجيء المسيح الثاني، ولعل الأمثال التي قال المسيح حول هذا الحدث توضح لنا كيف ننتظر حدث المجيء الثاني؛ ففي إنجيل البشير متى 24: 1-13، يَرِد مثل العذارى الحكيمات والجاهلات، وهو إمكانية السهر في يقظة روحية بحسن تصرف.

وفي مَثَل السيد المسافر الذي أعطى عبيده الوزنات (متَّى 24: 14-30)، نتعلم كيف نستثمر وزناتنا في ضوء الانتظار. وهو الاستعداد العامل. لنكن في انتظار مجيئه ساهرين مستعدين عاملين.

خامسًا: أدركت الكنيسة قوة وفاعلية الروح القدس

حين ظهر المسيح لتلاميذه كانوا في حالةٍ من الضعف والخوف والعجز، أعاد المسيح لهم الرجاء والأمل في الحياة بقيامته وظهوره لهم، ولكن صعوده للسماء قد يسبب لهم صدمة، فوعدهم قبل صعوده بقوة وعمل الروح القدس في خدمتهم وشهادتهم. فحل الروح القدس عليهم يوم الخمسين لتصل الرسالة لجميع الحاضرين بلغاتهم. يعمل الروح القدس في كنيسته بالمواهب الروحية (رومية 12، 1كورنثوس 12، أفسس 4) ومن خلال ثمر الروح أيضًا (غلاطيَّة 5)، فتكون الشهادة قوية. فمهما كانت القدرات والامكانيات للكنيسة فمن دون الروح القدس لا تستطيع أن تفعل شيئًا.

خَاتمة

الكنيسة من القيامة للصعود ليست أحداثًا تاريخيّة مرت بها وانتهت، بل إذا أرادت أن تحيا خبرة القيامة لتصل إلى مرحلة الصعود الروحيّ والفكريّ فعليها أن تسجد لشخص المسيح، وتقوم بالإرساليّة العظمى التي كُلِّفت بها، وتدرك باستمرار حضور المسيح الدائم معها، وتعيش على رجاء المجيء الثاني للمسيح. بهذا تكون الكنيسة مُقامةً وصاعدةً في آنٍ واحد.

مركزية المسيح،

مركزية الكلمة،

مركزية الرسالة،

أمل ورجاء المجيء الثاني للمسيح،

فاعلية وعمل الروح القدس.

 

 

الكوارث الطبيعية في الكتاب المقدس كيف نكوِّن فهمًا لاهوتيًّا لها؟

اسم الكاتب:ش. د. إيهاب الخراط

يزخر الكتاب المقدس بذكر الكوارث الطبيعية، بدايةً من طوفان نوح -الذي غطى المسكونة المعروفة- إلى الأوبئة والجراد، إلى زلازل وأرضٍ تنشق وتبلع المتمردين، إلى نار الله النازلة من السماء على سدوم وعمورة (وهل هي ثورة بركان أم عاصفة كبريتية أم شيء آخر؟) والجوع الذي حدث في زمن إبراهيم، ثم في زمن يعقوب، وتلاه في فترة قصيرة الجفاف الذي ضرب أرض مصر وأنقذته منه نبوءة يوسف من خلال تفسير الحلم، وبطبيعة الحال ضربات مصر العشر… ولا تقف الكوارث عند ما حدث لأولاد أيوب الذين سقطت عليهم نار الله من السماء (بركان؟) والآخرين الذين هبت الريح من عبر القفر فأسقطت سقف البيت عليهم فماتوا، ثم المرض العضال الذي أصابه هو نفسه، ومرورًا بتعامل الرب يسوع مع المولود أعمى وتفسيره له، وتأمله في البرج الذي سقط على الذين كانوا يتقدمون بذبيحةٍ، ثم إنذاره بوقوع مخاوف وزلازل وأوبئة قبل نهاية الزمن. ولا ننسى في هذا السرد -غير الوافي- اللعنات على الشعب إذا لم يلتزم بالعهد عند دخوله الأرض، ومنها كوارث طبيعية لا تخطئها العين، الضربات ذاتها التي ضُربت بها مصر، ولعنات طبيعية أخرى عند مخالفة عهد دخول الأرض، وواضح فيها أنها كوارث آتية من عند الله مباشرة. أما الكوارث التي حلت بأبناء أيوب فهي من الشيطان مباشرةً أيضًا كما أوضح الكتاب. والضربة التي ضرب بها الرب الشعب بعد إحصاء داود كانت من الرب بنص العهد القديم. لكن كوارث كثيرة لا يصرح الكتاب بأن وراءها قوةً فائقةً للطبيعة، ثم نرى العواصف التي ضربت سفينة بولس ونجاة ركابها بمشورة الرسول. وفي السفر الختامي للكتاب المقدس نرى كوارث طبيعية ضخمة من صب الجمرات بواسطة ملائكة الله، ونرى أيضًا الشيطان وقد نزل وبه غضب عظيم لسكان الأرض يسبب أيضًا كوارث أخرى.

ونبدأ بطرح رؤى كتابية لعلها مفعمة بالأسئلة أكثر من الإجابات.

  • سؤال الكوارث كعقاب من الله يتبعه مباشرةً سؤال هل كل الكوارث الطبيعية هي عقاب من الله؟ أم كوارث بعينها في زمنٍ بعينه في سياق بعينه ويعلن عنها نبيٌّ بعينه في وقتها؟
  • هل هناك كوارث من الشيطان؟ وهل هذه “ضد مشيئة الله” أم بسماح منه؟ هل يستخدمها الله لخير المدعوين حسب قصده؟ أم هي أصلًا في خطته وما الشيطان إلا منفِّذ لهذه الخطة عن طاعةٍ أم عن غير قصدٍ في تمرد الشيطان الدائم على خطط الله ومقاصده؟
  • هل هناك كوارث ليس مصدرها الله أو الشيطان؟ وما معنى وجودنا في عالم ساقط نتعرض فيه “لخليقة تئن وتتمخض” وقد “أُخضعت” هذه الخليقة أي الطبيعة نفسها “للبُطل” أي للعبث وغياب المعنى؟
  • ما معنى “الحماية الإلهية” للمؤمنين في كل هذه الكوارث الطبيعية؟ هل المؤمنون محصنون دون غيرهم ضد الكوارث الطبيعية، فينجون من الزلازل والبراكين، ولا تصيبهم الأمراض ولا الشدائد التي تصيب عامة الناس؟ أم “يُشفَون” منها جميعًا فلا تستمر ولا تستقر عصا الشرير على نصيب الأبرار؟

 

ولعلنا في هذه الشذرات نفحص بعض الإجابات -التي نراها مقنعةً لنا- ولكننا قطعًا حتى في هذه الإجابات نوقن أننا سنثير مزيدًا من الأسئلة للقارئ النشط روحيًّا المستعد “لفحص الكتب” بكل يقظةٍ وانفتاح.

الطوفان ونار سدوم وعمورة

لا يمكن لمنصف ألا يلاحظ أن لغة الإصحاحات الأحد عشر الأولى من سفر التكوين مختلفة عن لغة ما يعقبها من أسفار موسى الخمسة. فلا نستطيع أن نفهم مثلًا الأعمار الطويلة بشكلٍ لا تستوعبه عقولنا اليوم؛ مئات السنوات. وإن كنت أذكر في أول محاضرةٍ لمادة الصحة العامة في كلية الطب أن الأستاذ ذكر أنه لولا الملوثات والميكروبات وما يتعرض له الإنسان من أخطار الصحة العامة لكان متوسط عمره سبعمائة عام!

لكن هذه المنطقة من العالم شهدت مرارًا وتكرارًا فيضاناتٍ كارثيةً ضخمةً مُسجَّلةً في تاريخ أمم ما بين النهرين ومصر والآراميين وغيرهم. ولعل طوفان نوح قد غمر “الأرض” بمعنى الأرض المعمورة بالسكان كما يعرفها قُرَّاء الأسفار الخمسة في عصرهم، وفق عددٍ كبير من المفسرين كاليكوت ولانج… وغيرهما (Ellicott’s Commentary, Lange’s Commentory) . في كل الأحوال ارتبط الطوفان بعبارات لا شك فيها بقرار أن يمحو الرب عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقه مع بهائم ودبابات وطيور السماء (تكوين 6: 7).

يتسق هذا الإعلان تمامًا مع إعلانٍ آخر عن غضب الله على سدوم وعمورة؛ إذ “أَمْطَرَ الرَّبُّ عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتًا وَنَارًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ” (تكوين 19: 24) وهل نتصور أن النار والكبريت ما هما إلا نشاط بركاني؟ هذا ما يشير إليه إليكوت أيضًا. بينما بارنز Barnes يقترح نشاطًا بركانيًّا أو زلزالًا يؤدي إلى أن يقذف البحر الميت موادًا ملحيةً وأسفلتيةً مُحرِقة، أو عاصفة رهيبة مصحوبة ببرق وصواعق ومطر مُحمَّل بكبريت. ولا يختلف تفسير جايمسون وفوست وبراون JFB المحافظ عن هذين الاحتمالين أيضًا.

 

نار الله من السماء على الغلمان وأبناء أيوب وريح شديدة

من جهةٍ أخرى، لا يخفي الكتاب مصدر كارثتَيْن طبيعيَّتَيْن حدثتا لغلمان أيوب وأبنائه فقضت على حياتهم، الشيطان الذي أطلق الله حريته كان وراء هاتين الكارثتين (أيوب 1: 12). لكن يقول الكتاب إن “نار الله” سقطت من السماء فأحرقت الغنم والغلمان (أيوب 1: 16). وهنا يرى إليكوت أن نار الله هي صاعقةٌ على الأغلب. ويوافقة بنسون Benson في هذا مؤكدًا أنه رغم أن هذه الصاعقة أو العاصفة الرعدية الضخمة المحملة بالصواعق- موصوفة أنها “نار الله” فهذا ليس إلا وصف لضخامتها. فمصدرها ليس “إلهيًّا” بل “رئيس سلطان الهواء” الشيطان نفسه، في حين يفسرها جاميسون وفوست وبراون بأنها رياحٌ حارقةٌ، ومثلها يحدث بتواترٍ في الجزيرة العربية موضع أحداث أيوب. جيل Gill -من جهةٍ أخرى- يقول إن الخادم الذي حمل الأنباء الكارثية هو الذي وصف هذه النار بأنها “نار الله” بينما الوصف غير دقيق؛ لأن الشيطان -من رأي جيل– هو الذي ضلل الخادم ليقول هذا.

هذه النار/ الكارثة الطبيعية، أيًّا كانت هويتها -عاصفة رعدية، رياح محرقة، نشاط بركان… أو أي من هذا- أحرقت الغنم والخدم (الغلمان) لكن كارثةً طبيعيةً أخرى “رياح شديدة” هي التي “جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَعَ، فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ” (أيُّوب 1: 19) هنا أولاد أيوب وبناته يموتون من جراء العاصفة الضخمة. لم تتنوع آراء المفسرين إلا قليلًا هنا، فالريح الشديدة هذه هي إما زوبعةٌ أو إعصارٌ أو عاصفة، وهذه ليست مترادفات بل ظواهر طبيعية مختلفة تعبِّر عن قوة رياحٍ مدمِّرة. في كل الأحوال، مصدر هذه الكوارث ليس الله، بل الشيطان.

ابنة ابراهيم قد ربطها الشيطان

في لوقا 13: 11-17 نرى المرأة التي ظلت منحنيةً لا تقدر “أن تنتصب البتة”؛ لأن بها “روح ضعف”. وتتنوع آراء المفسرين؛ من قائلٍ إنه كان بها “نوع طفيف” من سكنى الأرواح الشريرة JFB، إلى قائلٍ إن روح الضعف هذا الذي تبدَّى في اضطرابٍ مزمنٍ في العمود الفقري هو تعبيرٌ عن سلطان “رئيس هذا العالم” الشيطان القائم حتى مجيء المسيح، ومن ثم نجدهم ينسبون كل الأمراض والأوبئة والإعاقات والكوارث الطبيعية أيضًا إلى وجود هذا العالم الآن “في الشرير”، لكن الله يستخدم حتى هذه الكوارث لخير الذين يحبون الله، المدعوين حسب قصده– زمنيًّا أو أبديًّا.

 

ظواهر طبيعية تعلن مجد الله وليست كوارث

الكارثة الطبيعية وفق تعريفها هي ما يؤدي إلى أذًى شديدٍ على البشر أو الكائنات الحية أو الثروات التي يعيش عليها البشر أو الكائنات. إنما حدوث زلازل لا يصاب فيها أيٌّ مما ذكرنا، لا يمكن أن نسميه “كارثة” وكذا البراكين أو العواصف والأعاصير، بل إن بعض الانبثاقات البركانية في المحيطات مثلًا أدت إلى ظهور جزرٍ غنيةٍ بالموارد الطبيعية؛ كالأرض شديدة الخصوبة التي تسمح بنشوء الحياة. وبعض العلماء يعتقدون أن نيازك صغيرة ضربت الأرض في زمنٍ بعيد فأسهمت بما أضافت من موارد كيميائية في ظهور بيئة طبيعية تسمح بنشوء الحياة.

ونرى ريحًا شديدةً هبت مثلًا على السفينة السكندرية التي تحمل بولس الرسول، والمُعذَّبة من عواصف أخرى، فألقت بها على بر الأمان فنجى كل من في السفينة (أعمال الرسل 27: 14-44).

  • في كل الأحوال يمتلئ الكتاب أيضًا بإعلان الله عن مجده؛ إذ يسمع المؤمنون صوته في الزلزلة وفي العاصف وفي مظاهر عنيفة مفعمة بالقوة– وقد لا تؤذي أحدًا.

“… هُوَ جَالِسٌ عَلَى الْكَرُوبِيمِ. تَتَزَلْزَلُ الأَرْضُ” (مزمور 99: 1).

“أَيَّتُهَا الأَرْضُ تَزَلْزَلِي مِنْ قُدَّامِ الرَّبِّ…” (مزمور 114: 7).

“مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْجُنُودِ تُفْتَقَدُ بِرَعْدٍ وَزَلْزَلَةٍ وَصَوْتٍ عَظِيمٍ، بِزَوْبَعَةٍ وَعَاصِفٍ وَلَهِيبِ نَارٍ آكِلَةٍ” (إشعياء 29: 6).

  • والعواصف أيضًا سمع فيها المؤمنون صوت الرب:

“فَأَجَابَ الرَّبُّ أَيُّوبَ مِنَ الْعَاصِفَة وَقَالَ…” (أيُّوب 38: 1).

“يَأْتِي إِلهُنَا وَلاَ يَصْمُتُ. نَارٌ قُدَّامَهُ تَأْكُلُ، وَحَوْلَهُ عَاصِفٌ جِدًّا” (مزمور 50: 3).

“… الرَّبُّ فِي الزَّوْبَعَةِ، وَفِي الْعَاصِفِ طَرِيقُهُ، وَالسَّحَابُ غُبَارُ رِجْلَيْهِ” (ناحوم 1: 3).

  • وعلامة على شدة رضاه عن إيليا أنه أصعده إليه “في العاصفة إلى السماء” (1ملوك 2: 1).

“سَبِّحِي الرَّبَّ مِنَ الأَرْضِ… النَّارُ وَالْبَرَدُ، الثَّلْجُ وَالضَّبَابُ، الرِّيحُ الْعَاصِفَةُ الصَّانِعَةُ كَلِمَتَهُ” (مزمور 148: 7، 8).

وفي هذا يرى بول تيليش -اللاهوتي الألماني/الأمريكي الكبير- أن الكون مُفعَمٌ بقوى جبارة: زلازل وبراكين وعواصف، بل وكواكب تُولَد وتُدمَّر، ونجوم جبارة تختفي في دمارٍ رهيبٍ، ومجرات بأكملها تصطدم بمجرات أخرى أو تتلاشى في ثقوب سوداء. يرى تيليش أننا لسنا في قصة أطفال مخملية آمنة ونهايتها لطيفة وليس فيها أي عنف. بل في عالم يتشكل بظواهر جبارة تعبر عن إله جبار قدير مهوب، وليس بالضرورة غاضبًا، بل هو هكذا عظيم مُرهب.

كوارث طبيعية لا يُنسب لها أي سبب خارق

يذكر عاموس بشكل عابر زلزلة فارقة حدثت في زمن عزيا النبي ولا يكترث بأن ينسبها لا للرب ولا الشيطان. (عاموس 1: 1) والزلزلة ذاتها يذكرها زكريا (زكريا 14: 5).

وحتى نبوات الرب يسوع عن المجاعات والأوبئة والزلازل في أماكن (متى 24: 7) لا يحدد لنا يسوع مصدرًا لها؛ شيطاني أم إلهي أم هي مجردة من أي مصدر فائق للطبيعة. صحيحٌ أنها أتت في سياق أعمال واضح أن مصدرها شرير -حروب بين أمم وأنبياء كذبة ومضلين وإخوة يسلمون المؤمنين ويخونونهم– لكن لا ينسبها يسوع صراحةً لأي قوى فائقة للطبيعة. ولوقا يضيف لسرد ما قال يسوع: “وَتَكُونُ مَخَاوِفُ وَعَلاَمَاتٌ عَظِيمَةٌ مِنَ السَّمَاءِ” (لوقا 21: 11).

وفي كل هذه الظواهر المخيفة والجبارة لا يخبرنا الكتاب بكونها إعلانًا لمجد الله ولا أنها تعبيرٌ عن غضب رئيس سلطان الهواء ولا أنها تعبيرٌ عن الغضب العادل لله.

بيان الكتاب المقدس عن الكوارث الطبيعية

يحق لنا إذا أن نحصي بيان الكتاب المقدس عن الظواهر الطبيعية المخوفة على أنها:  

  • كوارث تعبر عن غضب الله.
  • كوارث تعبر عن أعمال الشيطان.
  • ظواهر غير كارثية تعبر عن مجد الله وأحيانًا حتى عن عنايته.
  • ولا واحد من المسببات عاليه.

 

ونرى أيضًا أن الرب يعلن أحيانًا للمؤمنين السبب الفائق للطبيعة وراء الكارثة الطبيعية وأحيانًا لا يعلن. لاح أن أيوب نفسه لم يعرف إطلاقًا عن هذا الحوار بين الله والشيطان ولا عن سماح الله. وكان يظن أن عليه أن يقبل من الله الخير كما يقبل الشر. وحتى في الإعلان الختامي له ولأصحابه لم يخبرهم الرب عما وراء ما حدث من كوارث رهيبة.

 

الحماية الإلهية في عالم ساقط

هل يمكننا أن نجزم أن آدم وحواء في جنة عدن كانا مُحصَّنين تمامًا من الكوارث الطبيعية؟ نعم كانا يأكلان من شجرة الحياة وكانا سيعيشان إلى الأبد. لكن هل كانا سيعيشان إلى الأبد في جنة أرضية؟ أما كانا سينتقلان إلى المدينة السماوية بعدها؟ لا نستطيع أن نجد إجابة نهائية عن هذه الأسئلة في سفر التكوين أو في أي ذكر في الكتاب لآدم وحواء قبل السقوط.

وبينما يذخر العهد القديم بوعود عن الحماية الإلهية من الوباء الخطر ومن افتراس الوحوش مثلًا في مزمور 91. ونجد مزمور الراعي يذكر بالامتنان أن الرب يربضه في مراعٍ خضر وفي مياه الراحة إلا أنه أيضًا لا يعفيه من “وادي ظل الموت” بل يشمله بمعيته هناك. وفي فتح ختوم سفر الرؤيا السبعة لا يخبرنا الرائي أن المؤمنين سيجدون القمح والشعير في المحنة التي أطلقها الجالس على الفرس الأسود (رؤيا 6: 6) ولا يخبرنا أنهم معفيون من مقتل “ربع سكان الأرض” بالسيف والجوع والموت ووحوش الأرض (رؤيا 6: 7، 8).

بينما في موضع لاحق وقبل سلسلة كوارث أخرى يطلب ملاك آخر عدم الإضرار بالأرض والبحر والأشجار حتى “نختم عبيد إلهنا على جباههم” (رؤيا 7: 3) بما يوحي أنهم سيكونون محميين من هذه الويلات.

وعودة للحياة في الزمن الحاضر نقرأ في قائمة الأمور التي “لا تفصلنا عن محبة المسيح” فنجدها تشتمل على الأقل على كارثة طبيعية واحدة: الجوع، في حين أن “الخطر” و”العري” يحتملان تفسيرات أخرى (رومية 8: 35). لكن الرسول لا يقدم بالروح وعودًا بحمايتنا من “الجوع”. يقدم فقط في الإصحاح ذاته وعدًا أن “كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ” (رومية 8: 28)، ووعدًا بأن “آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا” (رومية 8: 18).

وفي هذا السياق يُطرح سؤال: كيف ننظر إلى تقدم الإنسانية في الوقاية من الكوارث الطبيعية: القضاء على أوبئة كانت رهيبة مثل الجدري وشلل الأطفال والسيطرة على التيفويد والكوليرا، والتنبؤ بالزلازل والعواصف والأعاصير والفيضانات والانبثاقات البركانية، بما يعني إنقاذ عشرات الملايين كانوا يهلكون أو يتضررون من جراء مفاجأة هذه الكوارث لهم؟ فنقرأ إجابةً صريحةً أن “كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ” (يعقوب 1: 17)، والتقدم العلمي الذي يخدم البشر هو عطية صالحة وموهبة نازلة من عند أبي الأنوار. لذا لا نعتقد أن البشرية تتدهور في كل مناحيها إلى فساد أفدح، بل نراها تتقدم علميًّا واجتماعيًّا وأخلاقيًّا؛ فمعدل العمر يزيد، وفيات الأطفال تقل، القدرة على التعامل مع الكوارث تتقدم.

ويقول الحكيم إن “… الرَّحْمَةُ وَالْحَقُّ فَيَهْدِيَانِ مُخْتَرِعِي الْخَيْرِ” (أمثال 14: 22) والوعد بهداية الرحمة والحق ليس لمخترعي الخير من المؤمنين. ولعله لا يتعلق بالخلاص الأبدي. إنما هو في السياق واضح الدلالة: المقصود الرحمة والحق يهديان المخترعين في طريق اختراع الخير.

 

نهاية الأمر كله: خليقة تئن وتتمخض

أعتقد أن هذه الفقرة تجمع التحليل النهائي للرؤية الكتابية للكوارث الطبيعية، وسواء كانت غضبًا من الله، عامًّا أو خاصًّا أو كانت من أعمال إبليس في عالم ساقط أو غير هذا:

الخليقة كل الخليقة أخضعت الآن “للبطل” أي للعبث أو الإحباط أو أشياء تحدث بلا معنى والخليقة أيضًا أُخضعت “لعبودية الفساد” لكنها تنتظر العتق من هذه “العبودية” إلى حرية مجد أولاد االله (رومية 8: 18–39). الكوارث الطبيعية هي أحد التعبيرات عن أنين الخليقة من جهة، وتقدم التعامل معها هو أحد التعبيرات عن تمخضها في تطلع لحرية مجد أولاد الله. والأنين والتمخض الآن هو مقدمة لازدياد المعرفة وازدياد غمر مجد الله للأرض، ليس فقط روحيًّا ولكن أيضًا في العلوم والاقتصاد والسياسة والثقافة والفنون، وأدوات فعالة في مواجهة الكوارث الطبيعية وقاية منها وإقلالًا من أثرها.

إذن لعل علينا أن نتريث كثيرًا في فهم ما وراء الكوارث الطبيعية من أسباب في العالم الروحي لكن علينا ألا نتمهل في السعي بالصلاة والفعل وبالعلم والعطاء والثقة بالرب في مواجهة والتصدي والوقاية من هذه الكوارث.

الكوارث الطبيعية والإبداع الفني

اسم الكاتب: أمجد شفيق

علاقة الإبداع الفني بالكوارث الطبيعية هي علاقة عميقة ومتجذرة؛ حيث يلعب الفن دورًا فريدًا في التعبير عن تجارب الناس مع هذه الكوارث، خاصة التجارب العاطفية والإنسانية منها. كما أن الأعمال الفنية -مثل الرسم والشعر والتصوير الفوتوغرافي والأفلام الوثائقية والدرامية- يمكنها أن تروي قصصًا كثيرة ومؤثرة تتخطى الحواجز الثقافية والجغرافية، وتدعم عمليات التعافي لضحايا هذه الكوارث، وأيضًا لجميع متابعيها.

ويمكن تعريف الكوارث الطبيعية على انها أحداث مفاجئة، تحدث بسبب بعض الظواهر الطبيعية التي تحمل خطورة كبيرة، وتتسبب في دمار واسع يؤثر على حياة الإنسان والممتلكات والبيئة. تعرفها المنظمات الدولية بأنها حالات مفجعة تعطل نمط الحياة اليومية، وتؤدي إلى معاناة الناس واحتياجهم للحماية والرعاية الطبية والاجتماعية. كما تتسبب في خسائر جسيمة تفوق قدرة الموارد الوطنية على مواجهتها، التي تتطلب معها الاعتماد على المساعدات الدولية.

وتنتج هذه الكوارث عن عوامل طبيعية مثل حركة القشرة الأرضية، والتي تؤدي إلى حدوث الزلازل، واندفاع المواد المنصهرة في البراكين، وارتفاع منسوب المياه في الفيضانات. إضافة إلى ظواهر طبيعية أخرى مثل ازدياد حرارة الشمس، وحركة باطن الأرض التي تتسبب في حدوث الأمواج العاتية الملقبة بتسونامي. كما يمكن أن تؤثر الأنشطة البشرية في زيادة تأثير هذه الكوارث، سواء بحرق المخلفات الصناعية بكثرة، أو صرفها في مياه الأنهار. بالإضافة إلى ممارسة الأنشطة الصناعية الخطرة. والتعدي الجائر على البيئات الطبيعية. هذا وتتفاوت شدة الكوارث الطبيعية حسب قوة الحدث وموقعه ومدى استعداد السكان له. وعادةً ما تؤدي هذه الكوارث إلى خسائر بشرية وبيئية كبيرة، بالإضافة إلى خسائر اقتصادية جسيمة. كما أنها تؤثر بشكل خاص على الفقراء الذين يعانون من فقدان الأصول والموارد الاقتصادية. مما يؤدي إلى حدوث إضرابات خطيرة في البيئة والمجتمع. هذا وتحاول كثير من الدول بذل مزيد من الجهود للحد من هذه الكوارث، بالإضافة إلى كيفية إدارتها والتعامل معها للحد من أضرارها.

ويمكن تصنيف الكوارث الطبيعية إلى عدة أنواع رئيسية مثل الكوارث الجيوفيزيائية -مثل الزلازل التي تعتبر اهتزازات مفاجئة في الأرض، ناجمة عن حركة القشرة الأرضية، وتسبب دمارًا واسعًا في المباني والبنية التحتية للمواقع التي تحدث فيها- والبراكين وهي عبارة عن ثوران للمواد المنصهرة والغازات في باطن الأرض تنطلق إلى خارجها بقوة، مما يؤدي إلى تدمير المناطق المحيطة بها. وتُعتبر أمواج تسونامي أيضًا من الكوارث الجيوفيزيائية، وتنتج عن زلازل أو براكين تحت الماء. مما يسبب فيضانات مدمرة على السواحل التي تحدث عندها. وهناك نوع آخر من الكوارث الطبيعية وهي الكوارث المناخية، مثل الأعاصير والعواصف، وتكون على هيئة عواصف هوائية دوارة وعنيفة. عادة ما تنشأ فوق البحار الاستوائية. وتسبب فيضانات وأضرارًا ماديةً وبشريةً كبيرة. وتُعتَبَر موجات الحر الشديدة واحدةً من هذه الكوارث، التي تؤدي بدورها إلى سرعة انتشار حرائق الغابات، وفيها تشتعل آلاف الأفدنة من أشجار الغابات، نتيجة لعوامل طبيعية مثل البرق، أو لعوامل بشرية مثل الحرق العشوائي، وقد تستمر لفترات زمنية طويلة. ويمكن أن تتسبب في كوارث اقتصادية وبشرية كبيرة. وهناك أيضًا كارثة الجفاف، وفيه تقل الأمطار لفترات طويلة، مما يؤدي إلى نقص المياه، الذي يقود بدوره إلى المجاعات. أيضًا هناك الكوارث الهيدرولوجية والتي تتمثل في الانهيارات الثلجية والفيضانات. وهي ارتفاعات مفاجئة في منسوب مياه البحار والمحيطات والأنهار. والتي تنتج عن أمطار غزيرة أو ذوبان أو انهيار بعض المناطق الثلجية، مما يؤدي إلى اندفاع هذه الفيضانات إلى الشواطئ، مسببة كثيرًا من الخسائر سواء البشرية والمادية. وأيضًا هناك الكوارث البيولوجية مثل انتشار الأوبئة في العالم كله أو في إحدى المناطق به. مثل وباء الإنفلونزا أو ما عرف بالأنفلونزا الإسبانية، هذا الوباء الذي أصاب العالم عام ١٩١٨، وأودى بحياة ٥٠ مليون شخص. ومثله منذ سنوات قليلة كان انتشار فيروس كورونا في جميع أنحاء العالم مع نهاية عام ٢٠١٩ وبداية عام ٢٠٢٠، الذي أدى إلى وفاة ملايين البشر في وقت محدود جدًّا. وهذا يقودنا إلى بعض أشهر الكوارث الطبيعية التي ضربت العالم عبر التاريخ. نذكر منها فيضان نهر اليانجتسي في عام ١٩٣١، وهو الفيضان الأكثر دموية في التاريخ، إذ غمر مناطق شاسعة من الصين وأثر على أكثر من ٤٠ مليون شخص. وتتراوح تقديرات الوفيات نتيجة لهذه الكارثة ما بين ٣ إلى ٤ ملايين شخص. إما بسبب الغرق او المجاعة أو الأمراض التي سببها هذا الفيضان. أيضًا هناك زلزال هايتي، تلك الجزيرة الموجودة على البحر الكاريبي بأمريكا اللاتينية. هذا الزلزال المدمر الذي حدث عام ٢٠١٠ بقوة ٧ درجات. وأدى إلى مقتل ٣٠٠ ألف شخص، بالإضافة إلى نزوح مئات الآلاف من السكان بسبب انهيار البنية التحتية والهزات الأرضية المتكررة. أيضًا هناك تسونامي المحيط الهندي، والذي حدث عام ٢٠٠٤ نتيجة حدوث زلزال قوي تحت مياه المحيط الهندي بقوة ٩ درجات، واستمر لمدة ١٠ دقائق كاملة قبالة أحد السواحل الإندونيسية، مطلقًا موجات من المياه وصل ارتفاعها إلى ٣٠ مترًا، وسرعتها إلى ٨٠٠ كم في الساعة. مما أودى بحياة ٢٣٠ ألف شخص، وتشريد حوالي ٢ مليون شخص. بالإضافة إلى الأضرار المادية والاقتصادية الجسيمة. والتي وصلت إلى تدمير كثير من الموانئ والطرق في هذه المناطق. أيضًا هناك زلزال طوكيو– يوكوهاما، الذي حدث عام ١٩٢٣، وبلغت قوته ٨ درجات، وأدى إلى مقتل أكثر من ١٤٠ ألف شخص. أيضًا هناك إعصار بورما أو إعصار نرجس عام ٢٠٠٨، والذي أدى إلى مقتل ٨٥ ألف شخص، بالإضافة إلى مئات الآلاف من المشردين. وأخيرًا كارثة جفاف القرن الأفريقي بين عامي ٢٠١٠ و٢٠١٢ والذي تسبب في وفاة ٢٦٠ ألف شخص، معظمهم من الأطفال.

ورغم المآسي والمصائب والخسائر البشرية والمادية التي خلفتها الكوارث الطبيعية، إلا أن تلك الكوارث قد نجحت وبشكل كبير في استفزاز كثيرٍ من الفنانين لإنتاج أعمال إبداعية، تعكس تجارب الإنسان مع هذه الحوادث الكارثية، وتوثقها بصيغ فنية متنوعة تحمل رسائل إنسانية وعاطفية عميقة. فالفن لا يقتصر دوره في مواجهة الكوارث على مجرد توثيقها فحسب. بل يلعب دورًا مهمًّا في التواصل مع الجمهور، ونقل فهم أعمق لمخاطر الكوارث وتأثيراتها على حياة الناس وسبل عيشهم. وهذا ما نجده ف تاريخ الفنون وحتى عصرنا الحالي؛ حيث استلهم كثيرون من الفنانين والمبدعين من الكوارث الطبيعية والأوبئة والحروب رؤى مختلفة لإنتاج أعمال خالدة. مثل لوحة “انتصار الموت” للرسام الهولندي بيتر بروجل، والتي رسمها في عام ١٥٦٢ ميلاديًّا، وفيها قدم تصورًا لأجواء الاضطراب الاجتماعي والرعب الذي جاء بعد انتشار مرض الطاعون القاتل في أجزاء واسعة من أوربا في أثناء القرون الوسطى. أيضًا لوحة “الموجة العظيمة” للفنان الياباني هوكوساي. التي رسمها ما بين عام ١٨٢٩– ١٨٣٣ ميلاديًّا، والذي استلهم من موجات تسونامي بعض الأفكار التي خدمت رؤيته الفنية. وغيرها من الأعمال الفنية الإبداعية، التي جسدت الصراع بين الحياة والموت، كنتيجة لتأثير هذه الكوارث الطبيعية على المجتمعات. 

أما في وقتنا الحالي فقد استمر الفن في لعب هذا الدور من خلال طرح فهم أعمق لمخاطر تأثير الكوارث الطبيعية على نفوس وعقول الناس وطريقة معيشتهم. حيث استخدم الفنانون أعمالهم للتعبير عن الألم والآثار النفسية للكوارث، وأيضًا للتضامن مع الضحايا. كما حدث في عديد من المعارض الفنية التي عبرت عن تأثير جائحة كوفيد ١٩ على العالم بأكمله. كما حفزت الكوارث الطبيعية الإبداع الإنساني على تقديم الكثير من الرؤى الإنسانية التي تتعلق بالكوارث الطبيعية. إذ اعتبرها عديدٌ من الفنانين والكُتَّاب مصدرًا لإلهامهم للتعبير عن أفكارهم، وبطرق فنية متعددة، مما ساعد على نقل رسائلهم إلى المتلقي بصورة خاصة جدًّا. وذلك لكثير من الأسباب التي نذكر منها أن هذه الكوارث الطبيعية تثير كثيرًا من المشاعر القوية لدى الفنانين كالخوف والحزن والأمل والصمود. مما يدفعهم إلى التعبير عن هذه المشاعر سواء عبر الرسم أو التصوير أو الموسيقى. وذلك لتوثيق هذه التجارب الإنسانية والتواصل مع المتلقي على المستوى العاطفي. ومنها أيضًا أن الفن هو وسيلةٌ لسرد قصص المجتمعات المتضررة، وتجاوز الحواجز الثقافية. مما يعزز التعاطف والتفاهم بين الناس، ويساعد في توصيل رسائل حول مخاطر الكوارث الطبيعية، وأهمية الاستعداد لها. أيضًا تساعد الأعمال الفنية المختلفة على التعافي النفسي للمجتمعات المتضررة، وتعمل كجسر للتواصل والتضامن مع المتضررين من هذه الكوارث. كذلك تحفز الكوارث الطبيعية الفنانين على تناول قضايا البيئة والتغير المناخي، مما يساهم في نشر وعي جديد، حول العلاقة بين الإنسان والطبيعة. ويعيد الفن أيضًا صياغة الذاكرة الجماعية للكارثة، ويحولها إلى قيمة جمالية تحمل دروسًا إنسانية وتاريخية، مما يخلق توازنًا بين المعرفة والعاطفة في فهم الكوارث.

ومن هنا نرى أن الكوارث الطبيعية تخلق بيئة خصبة للإبداع الفني من خلال تحفيز المشاعر الإنسانية. بالإضافة إلى توفير موضوعات للتأمل والتوثيق. كما تعزز دور الفن كأداة للتوعية والتعافي والتضامن الاجتماعي والإنساني. واحد من هذه الفنون التي اتخذت من الكوارث الطبيعية مادة لها هو الفن السينمائي؛ إذ استطاعت السينما تقديم عديدٍ من الإعمال التي صورت الكوارث الطبيعية وتأثيرها على الإنسان والمجتمع، من خلال سرد كثير من القصص الشخصية والعائلية، التي عبرت عن الجوانب الإنسانية التي ظهرت وسط هذه الكوارث، مثل جوانب الألم والخوف والصمود، مما يعمق فكر المشاهدين تجاه معاناة الضحايا، ويحفز مشاعرهم للتعاطف والتضامن مع المتضررين. كما تعمل هذه الأعمال السينمائية على تسليط الضوء على عديدٍ من القيم الإنسانية. حيث تعرض الأفلام التي تتناول الكوارث الطبيعية كيف تظهر قيمة الكثير من القيم وسط الأزمات، مثل قيمة التعاون والمسئولية والأمل وقت الألم. مما يعزز هذه القيم في الوعي الجمعي، ويشجع على ممارستها في الواقع. كما تقدم الأفلام السينمائية كيفية تأثير هذه الكوارث الطبيعية على الفئات المهمشة والضعيفة. مما يسلط الضوء على أهمية العدالة الاجتماعية، ودعم الفئات الأكثر تضررًا، وتعزز القيم الإنسانية المتعلقة بالكرامة والمساواة.

وكنموذج تطبيقي لما سبق طرحه من أفكار، سنتناول واحدًا من الأفلام الهامة التي اعتمدت مادتها على إحدى أصعب الكوارث الطبيعية التي حدثت في القرن الحادي والعشرين، وهو تسونامي الذي ضرب سواحل المحيط الهندي عام ٢٠٠٤. وهو فيلم “المستحيل” أو “The Impossible” من إخراج المخرج الإسباني خوان أنطونيو. هذا الفيلم الذي اعتمدت قصته على الأحداث المأساوية التي خاضتها إحدى الأسر الإنجليزية في أثناء قضائها إجازة أعياد الكريسماس في تايلاند، في اليوم نفسه الذي ضرب فيه تسونامي سواحل الشاطئ الذي يقضون فيه إجازتهم. عُرِض الفيلم لأول مرة في مهرجان تورنتو بكندا عام ٢٠١٢. وحصد إيرادات ضخمة عند عرضه في دور العرض السينمائي. قصة الفيلم هي قصة حقيقية حدثت بالفعل لأسرة إسبانية -تم تقديمها في الفيلم كأسرة إنجليزية- مكونة من زوج وزوجة وثلاثة أبناء سافروا جميعًا لقضاء إجازة الكريسماس في تايلاند. وخلال وجودهم في واحد من الفنادق الشاطئية على ساحل المحيط الهندي، ضرب تسونامي شاطئ الفندق فأطاح به وبمن فيه. حيث قذفت الأمواج بالشاليهات، وغطت الأمواج الشاطئ بمن فيه. فاندفعت الأم مع ابنها الأكبر في ناحية. وجرفت الأمواج الأب وباقي الأبناء في ناحية أخرى.

تقدم أحداث الفيلم مأساة هذه الأسرة في رحلة البحث عن بعضهم البعض. ويركز صانعوه على الجانب الإنساني أكثر من الجانب التسجيلي. حيث ابتعد الفيلم عن تصوير الكارثة كمجرد حدث مادي أو ظاهرة طبيعية، بل ركز على تجربة عائلة واحدة، مما حول الكارثة العالمية إلى كارثة شخصية وعاطفية. وذلك من خلال تقديم الصراع من أجل البقاء، والبحث عن أفراد العائلة المفقودين. وأيضًا التعامل مع الإصابات والدمار الحادث في المكان. ومدى تأثير هذا الدمار على الأفراد الذين تعرضوا له، سواء التأثيرات النفسية أو التأثيرات المجتمعية. ويقول مخرج الفيلم خوان أنطونيو عن هذا الأمر: “إننا نشاهد نشرات الأخبار ونحن في حالة أشبه بالتخدير أو انعدام الحس. النشرات تعرض علينا الأحداث لا الناس. كان هدفي أن أعرض ما لا تستطيع نشرات الأخبار أن تعرضه. أردت أن أصور تجربة عاطفية أو رحلة عاطفية وليس رحلة فكرية. رحلة عن الألم وكيف أن الألم الجسماني يصبح ألمًا عاطفيًّا. بالإضافة إلى أن هناك ألمًا ومعاناة في النجاة. إن المأساة حدثت على نحو سريع جدًّا وفي ساعات قليلة، إلى حد أن الذين عايشوا التجربة لم يملكوا الوقت الكافي للتفكير فيها. هنا نجد الإنسان الضئيل في مواجهة القوة العاصفة، في معركة غير متكافئة. فالإنسان أعزل إلا من العاطفة الإنسانية وغريزة البقاء. مواجهًا محنته بالوحدة والتضامن والمحبة.”

ويستمر حديث مخرج الفيلم: “من خلال البحوث التي أجريناها على الكوارث الطبيعية اتضح لنا أن الأفراد الذين يفقدون كل شيء يكونون الأكثر عطاءً وكرمًا وعطفًا على الآخرين. وبسبب هذا يبدو الفيلم أكثر صدقًا واقناعًا؛ إذ يحتفي بطاقة البشر على الحب والعطاء، ويؤكد انتصار الروح الإنسانية.”

المراجع:

  • همام طه، هل يفكك الخيال الإبداعي كوابيس اليأس والفجيعة والاغتراب الكوني بعد الوباء؟ تحولات الفن التشكيلي في عصر كورونا، مؤمنون بلا حدود، متاح على: https://surl.lu/xbfbca

 

 

  • ادريس لكريني، أنسنة الأزمات: دور “الدبلوماسية الإنسانية” في تخفيف أضرار الكوارث الطبيعية، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، متاح على: https://surl.li/urxuay

 

  • الكوارث الكبرى – لماذا التعلم مهم، مجموعة البنك الدولي، متاح على: https://surl.lu/rchjkx

 

  • كيف تسهم السينما في تعزيز الحوار الثقافي بين الشعوب، متاح على: https://surl.lu/zbbefy

 

  • تأثير السينما في الأزمات الإنسانية، القاهرة الإخبارية، متاح على: https://surl.li/putjoc

 

  • جواهر عبدالله القاسمي، السينما تعزز القيم الإنسانية لدى النشء، الشارقة ٢٤، متاح على:

https://surl.li/ukjwvh

 

  • أمين صالح، فيلم المستحيل.. التغلب على الظروف المدمرة، الوطن، متاح على: https://surl.li/wrtgwq

 

  • المستحيل The Impossible – في أحلك اللحظات هناك دائمًا أمل، سوريا، متاح على: https://surl.lu/ejeoev

 

  • ريم عبد المجيد، السينما البيئية.. تغير المناخ في تناول هوليود وحدود التأثير، المركز العربي للبحوث والدراسات، متاح على: https://acrseg.org/41465

 

  • الكوارث الطبيعية الأكثر دموية في التاريخ، مصراوي، متاح على: https://surl.lu/zgvqeb

 

  • أسوء ١٠ كوارث طبيعية منذ عام ٢٠٠٠، واشنطن، عربي ودولي، متاح على: https://surli.cc/bgouoe

 

  • أسوء الكوارث الطبيعية التي ضربت العالم عبر التاريخ. تعرف عليها، لندن، الشرق الأوسط، متاح على: https://surl.li/dbeldm

 

  • الكوارث الطبيعية: التفسيرات العلمية، الآثار الاجتماعية، وتدبير المخاطر، الدار البيضاء، المؤسسة، متاح على: https://surl.li/oeysct

 

  • صهيب خزاعلة، مفهوم الكوارث الطبيعية، موضوع، متاح على: https://surl.li/koxbjw

المسيح والكوارث الطبيعية

اسم الكاتب: ق. بيتر وديع

المقدّمة 

 في كل مرة تهزّنا كارثة طبيعية مثل: زلزال، فيضان أو وباء، يعلو السؤال القديم الجديد: “أين الله مِن هذا؟”، وبصيغة أخرى: “أين المسيح؟”. البعض يرى في هذه الكوارث غضبًا إلهيًّا، والبعض الآخر يشكك في صلاح الله أو حتى في وجوده. لكنّ النظرة الكتابيّة العميقة، خاصة في ضوء شخص المسيح، تقدّم إجابة مختلفة، من وجهة نظري هي ليست إجابة تفسيريّة بقدر ما هي إجابة وجوديّة، وهي تعلن أن الله ليس بعيدًا، بل حاضر في وسط الألم.

وبما أن كل المسيحيين في كل العالم يؤمنون بأن الرّب يسوع المسيح هو مركز إيمانهم، فهو إعلان الله الكامل والنهائي عن نفسه كما يقول الرسول يوحنا “الله لم يَرَه أحد قط، الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر” (يوحنا 1: 18)، فالله تكلم بأنواعٍ وطرقٍ كثيرة، ولكن في المسيح نرى الله معنا، فكمال الحضور الإلهي ظهر وتجسد في المسيح يسوع. وبهذا يعتبر المسيح هو المرجعية الأساسية والحاسمة لإيماننا وعقائدنا وسلوكنا المسيحي، لذا نحن نذهب دائمًا للمسيح في أي طرح لاهوتي نقوم به.

إذًا في ضوء ذلك ونحن نقترب من قضية الكوارث الطبيعية بطريقةٍ لاهوتيّةٍ وكتابيّة، لابد وأن نذهب للمسيح في حياته وتعليمه حتى نرى كيف نتعامل نحن المسيحين مع هذه القضية. مع العلم أنه ليس بالضرورة أن نجد لكل مواضيع الحياة والوجود تأصيل في تعليم وحياة المسيح، ولكننا نجد في تعليم وحياة المسيح توجهات ومبادئ تصلح لكل الحياة في كل الجوانب.

لذلك سيرتكز هذا المقال بشكل رئيسي على النص الوارد في إنجيل لوقا والإصحاح الثالث عشر والأعداد من 1 إلى 5، ونسعى في هذا المقال أن نقدم الأفكار الآتية:

  • عرض وشرح للنص الكتابي لوقا 13: 1-5.
  • الكوارث الطبيعية في ضوء الإيمان المسيحي.
  • شخص المسيح وسط الكوارث المؤلمة.
  • المسيح والرجاء وسط الكوارث.

 

 أولًا: النص (لوقا 13: 1–5)

وكان حاضِرونَ في ذلِكَ الوقتِ يُخبِرونَهُ عنِ الجَليليّينَ الذينَ خَلَطَ بيلاطُسُ دماءَهُم بِذَبائِحِهِم. فأجابَ يَسوعُ وقالَ لهُم: “أتظُنّونَ أنَّ هؤلاءِ الجَليليّينَ كانوا خُطاةً أكثرَ من كُلِّ الجَليليّينَ، لأنَّهُم كابَدوا مثلَ هذا؟ كَلاَّ، أقُولُ لكُم! بل إنْ لم تتوبوا فجميعُكُم كذلكَ تَهلِكون. أو أولئكَ الثَّمانيةَ عَشرَ الذينَ سَقَطَ عليهمُ البُرجُ في سِلوامَ فقَتَلَهُم، أتظُنّونَ أنَّ هؤلاءِ كانوا مُذنِبينَ أكثرَ مِنْ جميعِ السّاكِنينَ في أُورُشليمَ؟ كَلاَّ، أقُولُ لكُم! بل إنْ لم تَتوبوا فجميعُكُم كذلكَ تَهلِكون.”

يتحدث النص هنا عن كارثتين: الأولى هي مذبحة سياسيّة، والثانية هي حادثة طبيعية. الكارثة الأولى هي الجليليون الذين قتلهم بيلاطس وهو يخلط دمهم بذبائحهم، أي على الأغلب داخل الهيكل. والكارثة الثانية هي أن برج في سلوام سقط على 18 شخصًا بشكل تلقائي ومفاجئ.

وفي ذلك الوقت، كان هناك اعتقاد شائع أن من يموت بطريقة مأساوية أو يصاب بكارثة، فلا بد أنه أخطأ خطية عظيمة، وهذا ما رأيناه مثلًا مع المولود أعمى في (يوحنا 9: 2) عندما سُئِل المسيح عنه هذا السؤال: “مَن أخطأ، هذا أم أبواه؟”، فالكوارث المختلفة والمتنوعة كانت تُرى كعقوبة مباشرة من الله.

ولكننا هنا نرى الرّب يسوع يرفض هذا المنطق تمامًا، ويؤكد أن لا الجليليين كانوا أشرّ، ولا ضحايا البرج كانوا أكثر خطية، وأيضًا لا يتوقف عند هذا النفي، بل ينتقل إلى دعوةٍ جماعيةٍ للتوبة. فالرّب هنا يؤكد بوضوح وحسم أن الكوارث ليست دائمًا نتيجة مباشرة لخطيئة فردية، ولكنها تذكير بأن الحياة على هذه الأرض هشّة ومحدودة، وبدل مِن أن نسأل: “لماذا هم؟”، الأفضل أن نسأل: “هل أنا مستعد؟ هل أنا تائب؟” فدعوة المسيح هنا ليست لفهم سرّ كل كارثة، بل للاستعداد الروحي الدائم.

ونستطيع من هذا الحدث أن نستنتج بعض الدروس اللاهوتيّة والروحيّة مثل:

  • تصحيح فكرة الجزاء الفوري: فليس كل ألم أو موت نتيجة لخطية معينة، هناك أبرياء يتألمون، وأشرار ينجون مؤقتًا، فالعدالة الإلهية لا تُقاس دائمًا بمعاييرنا الزمنية
  • التوبة كاحتياج أساسي في العالم الساقط: يسوع لا يعطينا جوابًا عن الكارثة، بل دعوة لتغيير القلب، فالكارثة تذكّرنا بأننا لسنا خالدين، وأن الوقت الآن هو وقت التوبة.
  • مساواة الجميع في الحاجة إلى النعمة: سواء كنت من الجليليين أو من سكان أورشليم، الكل مدعو للتوبة، فلا فرق في الخطورة الروحية بين مَن مات في حادثة وبين مَن ما زال حيًّا.

 وبعد أن استعرضنا النص الأساسي الذي نبني عليه موقف المسيح من الكوارث الطبيعية، نريد الآن أن نقدم فكرة الكوارث الطبيعية في ضوء الإيمان المسيحي.

 

ثانيًا: الكوارث الطبيعية في ضوء الإيمان المسيحي

منذ السقوط الأول الذي حدث في جنة عدن في قصة آدم وحواء، دخل الشر إلى العالم، ليس فقط من خلال البشر، بل في الخليقة نفسها، فيقول الرسول بولس: “الخليقة أُخضِعت للبُطل… تئن وتتمخّض معًا إلى الآن” (رومية 8: 20–22)، فنستطيع أن نستنتج من الكتاب المقدس أن الزلازل، البراكين، والأعاصير، كلها تعبير عن عالم ساقط ينتظر التجديد، فالعالم الطبيعي لا يعمل كما صُمم في الأصل.

والسقوط لم يؤثر فقط في العلاقة بين الإنسان والله، بل أيضًا في النظام البيئي والخليقة كلها، وهذا ما نراه في الأنات المتكررة في الطبيعة. لذلك الله لا يسرّ بالكوارث لكنه يعمل من خلالها، فالكارثة ليست من فعل الله بمعزل عن رحمته، لكنها في بعض الأحيان مجال لعمل نعمته، كما نرى في قصة يوسف عندما قال: “أنتم قصدتم لي شرًا، أما الله فقصد به خيرًا” (تكوين 50: 20).

ثالثًا: شخص المسيح وسط الكوارث المؤلمة

نرى في لقب المسيح “عمانوئيل” الذي تفسيره “الله معنا” خير تعبير لموقف الله من الإنسان والبشرية كلها، فنحن من خلال التجسد، ومن خلال ما رأيناه في حياة المسيح وتعليمه، وأيضًا موته وقيامته، نستطيع أن نجزم أن المسيح يتألم معنا، ففي إنجيل يوحنا والإصحاح الحادي عشر خلال سرد قصة لعازر، يذكر النص الكتابي أن يسوع بكى عند قبر لعازر،  وهذا يكشف عن عمق مشاركته في حزن الإنسان، فهو ليس إلهًا بعيدًا، بل قريب من المنكسرين، وكما يقول كاتب العبرانيين: “لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ.” (عبرانيين 2: 18).

كما إننا نرى أيضًا في حادثة تسكين العاصفة، المذكورة في إنجيل مرقس والإصحاح 4 الأعداد من 35 إلى 41، أن المسيح يهدئ الرياح والبحر بكلمة، مظهرًا سلطانه على الطبيعة. ولكنه يوبخ تلاميذه ليس لأنهم أيقظوه، بل لأنهم خافوا ولم يثقوا، فالمسيح معنا في السفينة، حتى إن كانت العاصفة قائمة.

لم يكتفِ المسيح بالكلام عن الألم، بل حمله في جسده على الصليب، وبهذا أعطى للألم معنى، وأصبح الألم طريقًا إلى القيامة. فالصليب بكيفية ما يُعتبر كارثة من الكوارث التي حلت على المسيح، وهو من أصعب الكوارث التي يمكن لأي إنسان أن يواجهها. وهنا نرى الله في المسيح، لا يقدّم تفسيرات وتبريرات، بالقدر الذي فيه يقدّم ذاته لأجلنا ومعنا، فالصليب كان ولا يزال هو أسمى تعبير عن تضامن الله مع الإنسان وسط الكوارث المؤلمة.

رابعًا: المسيح والرجاء في وسط الكارثة

في آخر إصحاحات وفي آخر سفر في الكتاب المقدس، نرى إشارات للحالة الأبدية التي سنكون فيها مع المسيح بعد القيامة، ونرى هذه الآيات البديعة: “هوذا مسكن الله مع الناس… وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم” (رؤيا 21: 3–4)، وهنا نتأكد من جمال وروعة الرجاء المسيحي، فهو ليس تجاهل الألم، بل هو تجاوز له بقيامة المسيح وتجديد كل الأشياء، وشفاء الله الأبدي. فالمسيحية لا تدّعي أن الألم سينتهي الآن، لكنها تعلن أن له نهاية، وأنه يحمل بذور الحياة في طياته، فدموعنا ليست بلا معنى، لأن المسيح بكى قبلنا، وقام ليعطينا حياة لا تزول.

كما إننا نجد أيضًا في الكنيسة التي هي جسد المسيح في العالم المجروح، رجاء وسط الكوارث. ففي أزمان الأوبئة والكوارث، اشتهرت الكنيسة بخدمتها للمرضى والضعفاء، والعمل على مواجهة الأزمات بالخدمة العملية والصلاة أيضًا، فالكوارث تدعونا لنكون شهودًا على الأمل من خلال الرعاية، والحضور، والعزاء.

ختامًا، في الكوارث الطبيعية، كثيرون يسألون: “أين الله؟”، “أين المسيح؟”

والرد المسيحي الكتابي اللاهوتي على هذا السؤال هو: الله هنا، في المسيح، معنا وفينا. فالمسيح لا يفسّر الألم فقط، بل يحمله. لا يقدّم تحليلًا للأزمات، بل يقدم ذاته. وفيه، يتحوّل الحزن إلى رجاء، والموت إلى قيامة، والعالم المكسور إلى خليقة جديدة.  

بين الظلام الباقي والحجر المرفوع

اسم الكاتب: القس محسن منير

في إيماننا المسيحي، حدث قيامة السيد المسيح من الموت يمثل حجر الزاوية؛ فالرسول بولس يعلن بالروح القدس في رسالته الأولى لكنيسة كورنثوس الإصحاح ١٥ والعدد ١٤: “وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ”، وهذا الحدث الفريد يمنح للمؤمن به القوة التي يحتاجها ليحيا وفق مشيئة الله، وهذا ما سجله الرسول بولس بقيادة الروح القدس في رسالته إلى كنيسة فيلبي الإصحاح 3 والعدد 10: “لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ”.

لذا ومنذ البداية كانت المحاولات المتعددة من أعداء المسيح إنكار حقيقة قيامته؛ حيث أشاع قادة اليهود حينذاك أن تلاميذ المسيح سرقوا جسده من القبر.

أدعوك عزيزي القارئ إلى رحلة تأمل في ثلاثة أبعاد لحدث القيامة الفريد، تمثل قوة متجددة لنا حتى اليوم بعد أكثر من ألفي عام على هذا الحدث كما نراها في يوحنا ٢٠: ١-٢٩

1- التحرك من الدموع إلى الفرح (١-١٨)

2- التحرك من الخوف والضياع إلى الشجاعة ووضوح الهدف (١٩-٢٣)

٣- التحرك من الشك إلى اليقين والإيمان (٢٤-٢٩)

أولًا: التحرك من الدموع إلى الفرح (١١٨)

جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا، حيث كان الظلام مازال قائمًا، ووجدت الحجر مرفوعًا عن القبر، فظنت أنه يوجد من جاءوا إلى القبر وأخذوا جسد يسوع وأسرعت إلى بطرس ويوحنا اللذين جاءا أيضًا إلى القبر لتخبرهما بذلك، وظلت مريم واقفة عند القبر تبكي (آية ١١).

“لماذا تبكين؟” استقبلت مريم هذا التساؤل مرتين، في الأولى من الملاكين والثانية من الرب يسوع نفسه. وهذا السؤال استنكاري وليس استفهاميًّا… بمعنى أنه لا داعي للبكاء فالقبر المفتوح دليل على القيامة.

الأعداد من ١٧-٢٨ من الإصحاح ١٦ في إنجيل يوحنا، التي تسجل جزءًا من حديث يسوع مع تلاميذه، فيها يعلن بوضوح أن الصليب والموت ليسا نهاية المطاف، لكن سيكون هناك لقاءً جديدًا معهم بعد موت الصليب، ومع ذلك فإن استسلامهم للحزن حال دون إدراكهم المبكر لحقيقة قيامة يسوع، وهو الأمر الذي عبرت عنه مريم المجدلية بما ورد في يوحنا ٢٠: ١١-١٣.

لذا ونحن نعيش مشاعر حزن فراق الأحباء، أو شدة آلام المرض أو معاناة ضغوط المشاكل… التأمل في حقيقة قيامة يسوع قادر أن يبدل الموقف تمامًا… المسيح قام؛ فلا تستسلم للدموع، المسيح انتصر على الموت وقادر أن يمنحك قدرة الانتصار على كل ما يمكن أن يجعلك تذرف الدمع وينقلك من الدموع إلى الفرح.

ثانيًا: التحرك من الخوف والارتباك إلى الشجاعة ووضوح الهدف (١٩٢٣)

بعد صلب يسوع وقبل إدراك قيامته، عاش التلاميذ في حالةٍ من الخوف من المستقبل المجهول، ومن الأعداء المتربصين، ماذا يفعلون ومن تركوا كل شيء ليتبعوه قد مات؟!

تعلن الآية ١٩ أن التلاميذ كانوا في حالة خوفٍ من اليهود الذين صلبوا يسوع، وكانوا في مكان أغلقوا أبوابه عليهم، لكن جاء يسوع إليهم ووقف في الوسط وقال لهم “سلام لكم”، وأراهم يديه وجنبه. تسجل الكلمة المقدسة “ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب” ولم يتوقف الأمر عند مجرد رؤيته، لكنه قال لهم: “سلام لكم، كما أرسلني الآب أرسلكم أنا”، فمع منحهم السلام الذي بدد مشاعر الخوف أيضًا كلفهم بمسؤولية استكمال رسالته لكل العالم.

ونحن عندما نعيش في قلق وتوتر في حاضر مؤلم ومخاوف من مستقبل لا نعلمه نسعى بكل السبل لتأمينه، ألا نجد في حقيقة قيامة يسوع، ما يفيض في قلوبنا بسلام الله الذي يفوق كل عقل ويمنحنا قدرة مواجهة كل الأعباء ونحن لدينا يقين النصرة الذي نستمده من الرب الذي هزم أقوى الأعداء وهو الموت؟!

ثالثًا: التحرك من الشك إلى اليقين والإيمان (٢٤٢٩)

تخبرنا الآية ٢٤ أن التلميذ توما أحد الاثني عشر، لم يكن مع التلاميذ حين جاء يسوع، ورفض تصديق أن يسوع قد قام عندما أخبره التلاميذ بذلك، وأعلن أنه إن لم يبصر في يديه أثر المسامير، ويضع أصبعه في أثر المسامير، ويضع يديه في جنبه، لا يؤمن.

ما قاله وما فعله توما يعبر عن يأس وإحباط، وعن ثقة فقط بالمحسوس والملموس والعيان. وكلها سمات ما قبل إدراك حقيقة ومعنى قيامة يسوع. لكن لنرى كيف تبدل الحال تمامًا بعد ما رأى يسوع.

في الآيات ٢٦-٢٩ نرى مشهد مجيء يسوع للتلاميذ مرة أخرى، وفي هذه المرة كان توما معهم، وخاطب توما قائلًا: «هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا»، فأجاب توما قائلاً: «رَبِّي وَإِلهِي!»، فقال له يسوع: :«لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا». وكأن يسوع يعلن بوضوح أن الإيمان والثقة بشخص يسوع أقوى وأفضل من البحث عن الملموس والمحسوس البشري.

حدث القيامة يعلن لنا بوضوح أن التمسك بالمحسوس والملموس من مال، مركز اجتماعي وغيرها من المحسوسات كسبيلٍ للثقة والراحة، ليس هو البديل الأفضل.. فكلمات يسوع لتوما “آمنت يا توما، لأنك رأيتني، هنيئًا لمن آمن وما رأى” فكلمة “طوبى” تعني “يا لهناء!” وفي هذا إعلان واضح عن أن السعادة والهناء الحقيقيان ينبعان من الإيمان والثقة بالله كما عرفناه في المسيح وليس من مصادر مادية أيًّا كان قدرها وقيمتها. وهذا هو ما يحررنا من الاستمرار في طاحونة اليأس والإحباط مع تغير وتبدل الظروف المحيطة. الثقة بمن لا يتغير في محبته وقدرته (يسوع المقام من الأموات) هي السند الحقيقي لنا في حياتنا اليومية في مواجهة كل الأحداث والظروف التي قد نتعرض لها.

 

تجارب إعلامية في تغطية الكوارث الطبيعية خبرات وتحديات

اسم الكاتب: يوسف إدوارد

تعد الكوارث الطبيعية من الأزمات التي تختبر قدرة الإعلام على التعامل مع الأوضاع غير المتوقعة، خصوصًا في ظل التطور التكنولوجي الهائل وانتشار وسائل الإعلام الرقمية. أصبح الإعلام، اليوم، يتحمل مسؤولية كبيرة في تحقيق التوازن بين نقل الحقائق وتقديم الدعم المجتمعي، مما يجعله أداة محورية في إدارة الأزمات. من خلال دراسة تجربتَيْ حرائق لوس أنجلوس 2024 وتسونامي اليابان 2011، يمكننا استنباط دروس مهمة حول كيفية تحسين التغطية الإعلامية للأزمات الطبيعية ورفع مستوى الأداء الصحفي في مثل هذه الظروف.

حرائق لوس أنجلوس 2024: تغطية استثنائية بتحديات كبيرة

في ديسمبر 2024، اجتاحت حرائق ضخمة مدينة لوس أنجلوس الأمريكية، مسببةً دمارًا هائلًا شمل احتراق أكثر من 38 ألف فدان، بالإضافة إلى مقتل 24 شخصًا وتسببها في خسائر اقتصادية تقدر بـ275 مليار دولار. وساعد الجفاف المزمن والرياح العاتية على انتشار النيران بسرعة، مما جعل الإعلام في حاجة إلى الاستجابة السريعة لتوعية السكان وتوجيههم بفاعلية خلال هذه الأزمة.

دور الإعلام في الحدث

  • الخرائط التفاعلية والبث المباشر: اعتمدت وسائل الإعلام الكبرى مثل CNN وFox News  على تقنية الخرائط التفاعلية لتوضيح الوضع بشكل مرئي للمشاهدين، ما ساعد السكان على اتخاذ قرارات سريعة بشأن الإجلاء.
  • التغطية المحلية: لعبت وسائل الإعلام المحلية دورًا حيويًّا في تقديم معلومات دقيقة حول خطط الطوارئ ومراكز الإيواء، وهو ما ساعد على تسهيل التنقل والاتصال بين السلطات المحلية والسكان.

تسونامي اليابان 2011: نموذج للتغطية المتكاملة

في 11 مارس 2011، وقع زلزال عنيف بقوة 9.0 ريختر قبالة سواحل اليابان، مما أدى إلى حدوث تسونامي مدمّر ضرب السواحل بقوة هائلة. أسفر الحادث عن وفاة أكثر من 18 ألف شخص وتشريد آلاف آخرين، بالإضافة إلى خسائر مادية هائلة. كان هذا الحدث اختبارًا حقيقيًّا لقدرة الإعلام على التغطية العالمية للأزمات.

التغطية الإعلامية للحدث

  • استخدام التكنولوجيا: اعتمدت قنوات مثل NHK  وBBC على الرسوم التوضيحية ثلاثية الأبعاد لشرح كيفية حدوث الزلزال وأمواج التسونامي، مما ساعد في توصيل المعلومات بشكل علمي ودقيق للمشاهدين.
  • البث المباشر: تم الاعتماد على صور جوية من فرق الإنقاذ لعرض حجم الدمار في المناطق الساحلية، مما ساهم في نقل الواقع المؤلم للكارثة.
  • تسليط الضوء على الجانب الإنساني: ركز الإعلام على قصص الناجين والجهود البطولية لفرق الإنقاذ، مما عزز التضامن الدولي مع اليابان.

خبرات وتحديات

من خلال دراسة تجارب حرائق لوس أنجلوس وتسونامي اليابان، يمكن استنباط مجموعة من الدروس التي يجب أن يتبعها الصحفيون والإعلاميون في تغطية الكوارث الطبيعية:

  1. الدقة أولًا: في الأوقات العصيبة، من المهم أن يكون الإعلام دقيقًا في نقل المعلومات. يجب توخي الحذر خاصةً في الساعات الأولى للأزمة لتجنب نشر أخبار مغلوطة تساهم في نشر الذعر.
  2. استخدام التكنولوجيا كأداة رئيسية: أصبح استخدام الأدوات الحديثة مثل الخرائط التفاعلية، الطائرات المُسيَّرة، والرسوم التوضيحية ضرورة أساسية في تقديم تغطية شاملة وواضحة. هذه الأدوات توفر للصحفيين والجمهور فهمًا أعمق للكارثة.
  3. التغطية الإنسانية: تسليط الضوء على قصص الناجين والمعاناة الإنسانية يسهم في تعزيز التضامن المجتمعي والدولي، مما يساعد في تسريع الاستجابة للكارثة. الإعلام لا يجب أن يكون مجرد ناقلٍ للأحداث، بل يجب أن يكون جسرًا للتواصل الإنساني.
  4. التنسيق مع الخبراء والجهات الرسمية: لضمان تقديم معلومات دقيقة ومحدثة، يجب على الصحفيين التنسيق مع العلماء والخبراء والسلطات المحلية. هذا التعاون يضمن تقديم رسالة علمية سليمة وحلول عملية.
  5. مكافحة الشائعات: يجب على الصحفيين التحقق من الأخبار قبل نشرها، واستخدام المصادر الرسمية الموثوقة لتجنب تضليل الجمهور.
  6. التغطية المستدامة: التغطية الإعلامية لا تنتهي عند نهاية الحدث، بل يجب أن تستمر بعده للتركيز على جهود الإغاثة والتعافي. يجب أن يستمر الإعلام في تسليط الضوء على التحديات التي يواجهها المجتمع في مرحلة ما بعد الكارثة.

إدارة الأخبار الزائفة والمضللة

في عصر الإعلام الرقمي، ومع سرعة انتشار المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تصبح الأخبار الزائفة والمضللة أحد أكبر التحديات التي تواجه الصحفيين والإعلاميين في تغطية الكوارث الطبيعية. فبينما تسعى وسائل الإعلام التقليدية إلى تقديم تغطية دقيقة وموثوقة، تتسلل الأخبار المغلوطة بسرعة، مما قد يضاعف من تأثير الأزمة على الجمهور ويزيد من الذعر. لمكافحة هذه الظاهرة، يمكن للصحفيين اتخاذ عدة استراتيجيات فعّالة:

  • التحقق المستمر: يجب على الصحفيين التعاون مع منصات تحقق الأخبار مثل “فيسبوك” و”تويتر” والجهات المعنية مثل مواقع “PolitiFact”  و”Snopes” للتأكد من صحة الأخبار التي يتم تداولها. التعاون مع هذه المنصات يساعد في تصحيح الأخبار المغلوطة فور انتشارها، مما يحافظ على مصداقية الإعلام.
  • إعطاء الأولوية للمصادر الرسمية: في أوقات الأزمات، تصبح المعلومات الرسمية المصدر الأكثر موثوقية. يمكن للصحفيين أن يكونوا في مقدمة من يطلبون معلومات من الجهات الرسمية المعتمدة، مثل وكالات الأنباء الحكومية أو الوكالات الدولية مثل “الأمم المتحدة” أو “منظمة الصحة العالمية”. هذا التعاون يساهم في ضمان نقل معلومات دقيقة وموثوقة.
  • التواصل مع الخبراء: في بعض الحالات، يكون الخبراء المتخصصون في العلوم البيئية أو الطوارئ قادرين على تقديم التوضيحات التي تكشف الحقيقة وراء المعلومات المضللة. استشارة الخبراء المتخصصين من خلال المقابلات أو المقالات يمكن أن يساهم في تطهير المجال الإعلامي من الشائعات.

أهمية التغطية متعددة الثقافات

الكوارث الطبيعية تؤثر على مختلف الفئات الاجتماعية، بما في ذلك المجتمعات متعددة الثقافات التي قد تتأثر بطرق مختلفة بناءً على خلفياتهم العرقية أو الاقتصادية. يجب على الصحفيين أن يكونوا حساسيين لاحتياجات هذه المجتمعات، لضمان تقديم تغطية شاملة وعادلة:

  • التركيز على الفئات المُهمَّشة: في عديدٍ من الكوارث، قد تكون الفئات المهمشة مثل المهاجرين أو الأقليات أو الأشخاص ذوي الإعاقة هي الأكثر عرضة للمعاناة. ينبغي للإعلاميين تسليط الضوء على معاناتهم وتقديم التقارير حول كيفية تأثرهم، من خلال مقابلات مع أفراد من هذه الفئات أو عرض قصصهم. يساعد هذا في ضمان عدم تجاهلهم ويعزز من المساواة في تلقي الدعم.
  • الاهتمام بالتنوع اللغوي والثقافي: في المجتمعات متعددة الثقافات، يمكن أن تكون اللغة حاجزًا في الوصول إلى المعلومات الحيوية. لذا، من الضروري أن تعمل وسائل الإعلام على تقديم التغطية بعدة لغات، خاصة في المناطق التي يتحدث فيها السكان لغات مختلفة. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يُراعي الإعلام التقاليد الثقافية والاعتبارات المحلية عند نقل الأخبار، لتجنب أي إساءة قد تحدث نتيجة لتفسير خاطئ أو تقديم غير حساس للمواضيع.
  • تعزيز الشفافية والشمولية: يجب على الإعلاميين أن يتأكدوا من أن جميع فئات المجتمع لديها الفرصة للوصول إلى المعلومات الحيوية خلال الكارثة. هذا يشمل توفير تغطية متوازنة، حيث لا يتم تجاهل أو تهميش أي مجموعة اجتماعية بسبب خلفياتها العرقية أو الاقتصادية.
  • الاستماع إلى أصوات المجتمع: في أثناء التغطية، من المهم أن يعطي الصحفيون الفرصة للأشخاص من مختلف الأعراق والطبقات الاجتماعية للتعبير عن أنفسهم. يمكن للصحفيين الوصول إلى هذه المجتمعات من خلال الشراكة مع منظمات المجتمع المدني التي تخدم هذه الفئات، مما يضمن تمثيلًا دقيقًا ومتوازنًا.

في عالم مليء بالتحديات الإعلامية، يبقى دور الإعلام حاسمًا في تقديم تغطية دقيقة وشاملة للكوارث الطبيعية. من خلال التحقق المستمر من الأخبار، إعطاء الأولوية للمصادر الرسمية، والتركيز على تمثيل جميع فئات المجتمع، يمكن للإعلام أن يلعب دورًا رئيسيًّا في تقديم الأمل والمعلومات الضرورية في أوقات الأزمات.

لمحات من تاريخ الكوارث والأزمات في مصر

اسم الكاتب: د. رامي عطا صديق

إعداد المادة العلمية: رشا إسماعيل

  • كوارث وأزمات طبيعية منذ عصر المصريين القدماء
  • زلازل وفيضانات وسيول وحرائق.. والأبرز حاليًّا مشكلة التغيرات المناخية

شهدت مصر، عبر تاريخها القديم والحديث والمعاصر، منذ عهد المصريين القدماء وإلى عهد المصريين المحدثين، العديد من الكوارث والأزمات والمخاطر والمشكلات، التي ترجع أساسًا لظروف وعوامل طبيعية مثل الزلازل والفيضانات والسيول والجفاف. كما تتنوع الكوارث والأزمات بين أزمات اقتصادية وأخرى سياسية وثالثة اجتماعية ورابعة صحية وخامسة بيئية… وغيرها.

وبشكل عام فإن هذه الكوارث والأزمات قد أثَّرت على حياة المواطنين وظروفهم المعيشية، فضلًا عن تأثر البيئة والمجتمع ككل، ففي الغالب يكون للكارثة أو الأزمة أبعاد كثيرة، اقتصادية واجتماعية وربما سياسية أيضًا.

التقرير التالي يلقي الضوء على بعض هذه الكوارث والأزمات التي واجهها المواطنون المصريون، قديمًا وحديثًا، نستعرضها زمنيًّا من الأقدم إلى الأحدث.

زلازل

الزلازل التاريخية في مصر:

زلازل مصر القديمة:

تعرضت مصر القديمة للعديد من الزلازل، ورغم صعوبة تحديد تفاصيلها بدقة، فإن بعض الهزات الأرضية الكبيرة أثرت على المعابد والمنشآت الفرعونية. ووفقًا لبعض المصادر، شهدت مصر نحو 31 هزة أرضية كبيرة منذ القرن التاسع عشر قبل الميلاد.

زلزال الفيوم 1847م:

في 7 أغسطس 1847م، ضرب زلزال قوته 6.9 درجة بمقياس ريختر منطقة جنوب غرب القاهرة، وتحديدًا محافظة الفيوم. ويُعتبر هذا الزلزال من أشد الزلازل التي ضربت مصر في القرن التاسع عشر.

زلزال 1903م:

في عام 1903م، ضرب زلزال آخر مصر، لا تُعرف قوته ولا مكانه بالتحديد، ولكنه تسبب في وفاة نحو 10 آلاف شخص.

زلزال شرم الشيخ 1969م:

في 31 مارس 1969م، ضرب زلزال عنيف قبالة السواحل الجنوبية لشبه جزيرة سيناء في شمال شرقي مصر، بالقرب من جزيرة شدوان جنوب غربي مدينة شرم الشيخ عند التقاء البحر الأحمر وخليج السويس. بلغت قوة الزلزال 6.6 درجة بمقياس ريختر.

زلزال بحيرة السد 1981م:

في عام 1981م، وقع زلزال بمنطقة بحيرة السد في محافظة أسوان، بلغت قوته 5.6 بمقياس ريختر. لم يتسبب الزلزال في أضرار، لا سيما في السد العالي الذي بُني ليتحمل زلازل تصل قوتها إلى 8 درجات.

زلزال القاهرة 1992م:

وقع زلزال القاهرة في 12 أكتوبر 1992م، في الساعة الثالثة وتسع دقائق عصرًا. كان مركزه بالقرب من قرية دهشور بمحافظة الجيزة، على بعد 18 كيلومترًا إلى الجنوب الغربي من القاهرة. استمر الزلزال نصف دقيقة تقريبًا، وبلغت قوته 5.8 درجة بمقياس ريختر، وقد تسبب في بعض الخسائر على الرغم من أن قوته لم تكن كبيرة.

زلزال خليج العقبة 1995م:

يعتبر زلزال خليج العقبة الذي وقع في 22 نوفمبر 1995م، أعنف زلزال ضرب مصر في العصر الحديث، إذ بلغت قوته 7.2 بمقياس ريختر. ضرب الزلزال مدينة نويبع المصرية في مياه البحر الأحمر، ونتج عنه وفاة 5 أشخاص وإصابة العشرات.

فيضانات

فيضانات النيل التاريخية والسيول:

فيضان النيل قبل السد العالي:

قبل بناء السد العالي في أسوان (الذي اكتمل بناؤه عام 1970م)، كان فيضان النيل حدثًا سنويًّا يبدأ في الصيف، ويصل ذروته في أغسطس وسبتمبر. اعتمد المصريون القدماء على هذا الفيضان لري أراضيهم وتجديد خصوبة التربة.

فيضان 1887م:

يُعتبر فيضان عام 1887م من أقوى وأشرس الفيضانات التي شهدتها مصر في العصر الحديث، وبالتحديد في القرن التاسع عشر. بلغ إيراد مصر من المياه في هذا الفيضان نحو 150 مليار متر مكعب، وهو حجم هائل جدًّا مقارنة بالحصص المائية الحالية.

فيضان 1946م:

يُعد فيضان عام 1946م من الفيضانات الكبرى التي شهدتها مصر في القرن العشرين، ووُصف بأنه “أعظم فيضان منذ نصف قرن”. كان الفيضان قويًّا لدرجة أنه هدد بإغراق منطقة الدلتا وحطم العديد من الجسور التي كانت وسيلة المقاومة الرئيسة للفيضانات آنذاك.

السيول في مصر الحديثة:

بالإضافة إلى فيضانات النيل التقليدية، تعرضت مصر، خاصة في المناطق الصحراوية والساحلية وسلاسل جبال البحر الأحمر وسيناء، لسيول مفاجئة وشديدة عبر العقود، خصوصًا في فصلي الخريف والربيع.

أوبئة وأمراض

الأوبئة والأمراض التاريخية في مصر:

لم تكن الكوارث الطبيعية وتلك التي من صنع الإنسان هي وحدها ما شكل تحديًا لمصر عبر تاريخها، بل لعبت الأوبئة والأمراض دورًا كبيرًا في تشكيل مسار البلاد، وقد حصدت أرواح الآلاف وأثرت على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.

الأوبئة في مصر القديمة:

تشير الدراسات الأثرية وتحليل المومياوات إلى أن المصريين القدماء عانوا أمراضًا مختلفة، بعضها كان وبائيًّا. يُعتقد أن أمراضًا مثل الملاريا والسل والبلهارسيا كانت منتشرة. حتى إن بعض الدراسات تشير إلى أن الملاريا ربما كانت سببًا في وفاة الفرعون الشاب “توت عنخ آمون”.

الطاعون (الموت الأسود وما بعده):

  • الموت الأسود: (منتصف القرن الرابع عشر) ضرب الطاعون الدبلي، المعروف بالموت الأسود، مصر بقسوة شديدة ابتداءً من عام 1347 واستمر حتى عام 1349م.
  • موجات طاعون لاحقة: لم يتوقف الطاعون عند هذه الموجة، بل عاود مهاجمة مصر بشكل متكرر خلال العصرين المملوكي والعثماني، ففي عام 1791م، ضرب طاعون آخر البلاد.
  • عهد محمد علي: أدرك محمد علي باشا خطورة الطاعون على مشروعه لبناء جيش حديث ودولة قوية، فاتخذ إجراءات وقائية صارمة، منها إنشاء أول حجر صحي منظم (كرنتينا) في منطقة “الأزاريطة” بالإسكندرية لعزل القادمين عبر البحر، مما أسهم في الحد من انتشار الوباء القادم من الخارج.

الكوليرا:

  • وباء 1883م: انتشرت الكوليرا بسرعة بعد وصولها عبر السفن القادمة إلى الموانئ المصرية، خاصة الإسكندرية. ويُقال إن موظفًا إنجليزيًّا مُصابًا نقل العدوى، وانتشر المرض في الداخل، مُتسببًا في وفاة نسبة كبيرة من سكان الإسكندرية (ربما ربع السكان) والعديد من الضحايا في مناطق أخرى.
  • وباء 1902م: موجة أخرى من الكوليرا ضربت البلاد في مطلع القرن العشرين.
  • وباء 1947م: كانت هذه آخر موجة كبرى للكوليرا تضرب مصر، وتزامنت مع ظروف صعبة بعد الحرب العالمية الثانية. حصدت هذه الموجات الثلاث (1883م، 1902م، 1947م) أرواح ما يقدر بنحو 95 ألف شخص.

أوبئة أخرى:

  • الملاريا: كانت الملاريا متوطنة في مصر، وتفاقمت في بعض الفترات، خاصة بعد فيضان عام 1946م الذي أغرق مساحات واسعة، مما وفر بيئة لتكاثر البعوض الناقل للمرض.
  • الحمى الراجعة والتيفوس: انتشرت هذه الأمراض أيضًا في فترات مختلفة، خاصة خلال الحروب والأزمات، مثل فترة الحرب العالمية الثانية (1939-1945م).
  • الإنفلونزا الإسبانية (1918-1920): تأثرت مصر كباقي دول العالم بهذا الوباء العالمي المدمر، وإن كانت السجلات التفصيلية حول تأثيره في مصر أقل وضوحًا مقارنة بأوروبا وأمريكا.
  • أوبئة حديثة: في العقود الأخيرة، واجهت مصر تحديات صحية مرتبطة بأمراض مثل إنفلونزا الطيور(H5N1) التي ظهرت عام 2006م، وإنفلونزا الخنازير (H1N1) عام 2009م، وأخيرًا جائحة كوفيد-19 التي بدأت في 2020م.

 

                                              أزمات بيئية

الأزمات البيئية في مصر:

أزمة المياه:

  • ندرة المياه: تعاني مصر من شح المياه العذبة، حيث يبلغ نصيب الفرد من المياه حوالي 560 مترًا مكعبًا سنويًّا، وهو أقل بكثير من خط الفقر المائي العالمي المحدد بـ 1000 متر مكعب للفرد سنويًّا. ومع النمو السكاني المتسارع، من المتوقع أن ينخفض نصيب الفرد إلى ما دون 500 متر مكعب بحلول عام 2030م.
  • تلوث المياه: يُعد تلوث نهر النيل من أخطر القضايا التي تعيق تنمية مصر
  • تدهور البحيرات الشمالية: أدت الأنشطة البشرية وتدفق المياه الملوثة إلى أنظمة المياه في منطقة الدلتا إلى زيادة تركيزات المواد العضوية والمغذيات الكيميائية مثل النيتروجين والفوسفور.
  • تسرب المياه المالحة: يتعرض نظام المياه الجوفية في منطقة الدلتا بشدة إلى تسرب مياه البحر.
  • المخاطر الصحية: يؤدي تلوث المياه إلى انتشار العديد من الأمراض المعدية مثل الكوليرا والتيفويد والإسهال، فضلًا عن الأمراض المزمنة الناتجة عن التعرض المستمر للمعادن الثقيلة والمواد الكيميائية السامة.

تلوث الهواء:

  • السحابة السوداء: تعاني مصر سنويًّا من ظاهرة “السحابة السوداء” الناتجة عن حرق مخلفات المحاصيل الزراعية، خاصة قش الأرز، في دلتا النيل خلال فصل الخريف.
  • عوادم السيارات والصناعة: تسهم عوادم المركبات والمصانع في زيادة تركيز الملوثات في الهواء، خاصة في المدن الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية.
  • الغبار والأتربة: تعاني مصر من موجات متكررة من الغبار والأتربة، خاصة خلال فصل الربيع، ما يؤثر سلبًا على جودة الهواء ويسبب مشكلات صحية للمواطنين.

التغيرات المناخية وآثارها:

تعد مصر من الدول الأكثر عرضة لآثار التغير المناخي، وتتمثل أبرز التحديات في:

  • ارتفاع منسوب مياه البحر: يهدد ارتفاع منسوب مياه البحر المتوسط المناطق الساحلية المنخفضة في دلتا النيل، حيث تشير التقديرات إلى أن ارتفاع منسوب البحر بمقدار متر واحد قد يؤدي إلى غمر حوالي 15% من أراضي الدلتا، مما يهدد ملايين السكان والأراضي الزراعية الخصبة.
  • الجفاف وندرة المياه: يؤدي التغير المناخي إلى زيادة معدلات التبخر وتقليل هطول الأمطار، مما يفاقم من مشكلة ندرة المياه في مصر ويؤثر سلبًا على الزراعة والأمن الغذائي.
  • الظواهر المناخية المتطرفة: تشهد مصر تزايدًا في الظواهر المناخية المتطرفة مثل موجات الحر الشديد والعواصف والفيضانات المفاجئة، خاصة في مناطق سيناء والبحر الأحمر.

التصحر وتدهور التربة:

  • زحف الرمال: تهدد الكثبان الرملية المتحركة الأراضي الزراعية والمناطق السكنية، خاصة في المناطق المُتاخمة للصحراء.
  • تملح التربة: يؤدي الري غير المناسب واستخدام المياه ذات الملوحة العالية إلى زيادة ملوحة التربة، ما يقلل من خصوبتها وإنتاجيتها الزراعية.
  • تآكل التربة: تتعرض التربة للتآكل بفعل الرياح والمياه، ما يؤدي إلى فقدان الطبقة السطحية الخصبة وتدهور جودة التربة.

النفايات الصلبة والخطرة:

  • تراكم النفايات: تنتج مصر حوالي 22 مليون طن من النفايات الصلبة سنويًّا، ولا تتم معالجة سوى نسبة ضئيلة منها بطرق سليمة بيئيًّا، ما يؤدي إلى تراكم النفايات في المناطق السكنية والزراعية.
  • النفايات الخطرة: تفتقر مصر إلى البنية التحتية اللازمة للتعامل مع النفايات الخطرة، مثل النفايات الطبية والصناعية، ما يؤدي إلى تلوث التربة والمياه الجوفية.
  • حرق النفايات: يلجأ بعض المواطنين إلى حرق النفايات للتخلص منها، مما يؤدي إلى انبعاث غازات سامة تلوث الهواء وتضر بالصحة العامة.

فقدان التنوع البيولوجي:

  • تدمير الموائل الطبيعية: أدى التوسع العمراني والزراعي إلى تدمير العديد من الموائل الطبيعية للكائنات الحية، ما أدى إلى انقراض بعض الأنواع وتهديد أنواع أخرى.
  • الصيد الجائر: يهدد الصيد الجائر العديد من الأنواع البرية والبحرية في مصر، مثل الغزلان والسلاحف البحرية وبعض أنواع الطيور المهاجرة.
  • الأنواع الغازية: تهدد الأنواع الغازية التوازن البيئي في بعض النظم البيئية المصرية، مثل ورد النيل الذي يُغطي مساحات واسعة من المسطحات المائية، ويؤثر سلبًا على جودة المياه والتنوع البيولوجي المائي.
  • استراتيجية الطاقة الجديدة والمستدامة: تبنت الدولة استراتيجية الطاقة الجديدة والمستدامة للتغذية الكهربائية للمشروعات القومية التنموية التي تعتمد على الرياح والطاقة الشمسية بالتعاون مع شركات القطاع الخاص والخبرات للوصول إلى ما نسبته 42% من الطاقة من مزيج الطاقة الكهربائية من الطاقة المتجددة مع حلول عام 2035م.

تخطيط جيد وإدارة واعية

هكذا عبر متابعة مسيرة الإنسان وقراءة التاريخ بدقة وعي، نكتشف أنه لا يخلو أي مجتمع من المجتمعات، سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي أو الوطني، من الكوارث والأزمات على تنوعها واختلافها، ما بين زلازل وبراكين وفيضانات وسيول وأمراض وأوبئة وغيرها، ومن ثم تظل هناك حاجة دائمة إلى إدارة واعية لتلك الأزمات والمخاطر والمشكلات والكوارث في كل مؤسسات المجتمع، بحيث يعمل فريقها في إطار من التنسيق والتخطيط الجيد والواعي، بالإضافة إلى الاهتمام بتدريس مقرر إدارة الأزمات في المدارس والمعاهد والكليات، وتدريب الطلاب من مختلف التخصصات العلمية على كيفية مواجهتها، والخروج بأقل الخسائر وإمكانية تحويل الأزمة إلى فرصة، من أجل مجتمع أفضل ينعم سكانه بالسلام والاستقرار والنماء والرخاء.

 

جون كلفن حول أسباب الكوارث الطبيعية

اسم الكاتب: القس سهيل سعود

الشخص الأول، في تاريخ الكنيسة الذي تكلم عن موضوع الشرّ وأصله وأسبابه وتسبّبه بالآلام والأوبئة والكوارث الطبيعية، هو القديس أوغسطينوس (354-430). اعتقد أوغسطينوس أنّ الشرّ يظهر في العالم، بأشكال متعددة: كوارث طبيعية، أمراض، مجاعات، حروب، عنف… وغيرها. لقيت أفكاره قبولًا واسعًا، لدى آباء الكنيسة الذين جاءوا بعده، ولدى المصلحين الإنجيليين الأساسيين، والذين منهم المصلح الإنجيلي الفرنسي جون كلفن. قبل تكوّن قناعاته المسيحية، انتسب أوغسطينوس لمدة تسع سنوات، إلى تيار فكري وفلسفي هو “المانوكية”، الذي ادّعى أنّ الشرّ له كيان حقيقي مستقلّ وغير معروف، ويمتلك في ذاته حياة غير عقلانية، وهو يقف كقوة مواجهة لقوة الخير. إلاّ أنه عاد وتخلّى عن قناعته تلك، بعد أن اختبر الإيمان المسيحي. قال: “لا يمكن أن ينشأ الشر من قوّة الله الخلاّقة مباشرةً، أو من إرادة الله الصالحة، لكنه نشأ نتيجة الابتعاد عن الله”. آمن القديس أوغسطينوس، أنّ الله هو كليّ الصلاح والجودة، وهو لا يتغير في جوده وصلاحه. أما كلّ ما دون الله، فهو قابل للتغيّر، إما للأفضل أو للأسوأ. لم يؤمن أوغسطينوس بوجود أية إمكانية شرّ في الله، كما أنه لم يؤمن أنّ الشرّ، يقدر أن يؤذي الله.

توافق كلفن مع القديس أوغسطينوس في قوله: “يظهر جود الرب بشكل أساسي وراء هذه الخليقة الجيدة”. قال كلفن: “في ترتيب خلق الأشياء، يجب أن نتأمّل بمحبة الله تجاه الإنسان؛ إذ إنّ الله لم يخلق آدم، حتى أنهى خلق كلّ شيء، ليكون آدم سيّد الخليقة”. اعتقد أوغسطينوس أنّ الله لم يخلق الشر، بل أنّ أصله يرجع إلى العدم، الذي منه خلق الله الكون. لهذا، نظر إلى الشرّ على أنه ليس إلاّ العودة ثانيةً إلى العدم. اعتقد أيضًا أنه لا يمكن للشر أن يوجد بشكل مستقل عن الخير، بينما يمكن للخير أن يوجد بشكل مستقل عن الشر.

في كتابه حول “أصل وطبيعة وحلول مشكلة الألم والشر في العالم”، ذكر أوغسطينوس بأن خليقة الله جيدة في الجوهر، لأنّه عندما خلق الله الكون، فقد خلقه جيدًا، كما يذكر النصّ الكتابي: “وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ” (تكوين 1: 12). آمن أوغسطينوس أنّ أصل وسبب الشر والألم في العالم يرجع إلى الخطيئة الأولى، إلى سقوط آدم وحواء، لأنهما رفضا طاعة وصية الله لهما، بعدم الأكل من شجرة معرفة الخير والشر، التي كانت وسط الجنة. اتخذ الله إثر ذلك قرارين، قاصص الله فيهما آدم وحواء: الأول، طردهما من الجنة، “فَطَرَدَ الإِنْسَانَ، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ” (تكوين 3: 24). والثاني، لعن الأرض بسببهما “لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ” (تكوين 3: 17). قال أوغسطينوس: “لو لم يخطئ آدم، لكان امتلك جسدًا لا يمرض، ولا تصاب خلاياه بالخلل والتحوّل. لولا الخطيئة، لكان جسده تحوّل إلى جسد روحي، لا يموت”. آمن أوغسطينوس “أنه بما أن الخطية أفسدت فكر وإرادة وقوى الإنسان، وشوّهت صورة الله فيه. لهذا، فإنه بحاجة ماسة إلى نعمة الله الخارجة عنه، كيما بالإيمان بيسوع المسيح، يستعيد صورة الله فيه”.

 

السقوط لم يطل فقط الإنسان بل كلّ الخليقة

رأى المصلح الإنجيلي الفرنسي جون كلفن أنّ الكتاب المقدّس، لا يحصر نتائج السقوط في الخطية فقط بالإنسان، لكن للسقوط نتائج وتأثيرات على كلّ الخليقة، على الطبيعة وعلى علاقات الجنس البشري مع الخليقة والعالم؛ لأنه اعتقد أنه لا يمكن فصل الإنسان عن الكون. في تعليقه على قصة سقوط آدم وحواء في الخطية الأولى المذكورة في سفر التكوين، كتب كلفن: “منذ أن ابتعدت الإنسانية عن حالتها الأصلية، كان من الضروري أن يتقهقر العالم معها. لهذا، عندما ننظر إلى هذا العالم الحاضر الفاسد، الذي سقط بسقوط الإنسان، نتذكّر قول الرسول بولس، “إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ -لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا- عَلَى الرَّجَاءِ” (رومية 8: 20). وهذا أمر يُحزِن، لأنّ فساد الإنسان تسبّب بفساد العناصر التي يتحكّم فيها الإنسان”.

لم يحمّل كلفن الكون والأرض مسؤولية الفساد الذي تسلّل إليهما، لكنه حمّل آدم وحواء المسؤولية بسبب تمرّدهما على الله. قال كلفن: “سبب هذا العقاب ليس الأرض نفسها، وإنما الإنسان وحده؛ لأنّ الأرض لا تحمل ثمارها من أجل نفسها بل من أجل الإنسان، حتى تزوّدنا بالطعام من لدنها… أراد الله أن يكون غضبه بسبب خطية الإنسان، مثل الفيضان الذي يفيض على كلّ أجزاء الأرض، حتى أينما ينظر يمكنه أن يرى ويدرك فظاعة ما اقترفه بتمرّده على الله. فإنه قبل السقوط، كانت حالة العالم مرآة مسرّة للفضل الإلهي والغفران الأبدي تجاه الإنسان. لكن بعد الخطيئة، نرى أنفسنا ملعونين في كلّ عناصر الخليقة، على الرغم من قول النبي داود، “امْتَلأَتِ الأَرْضُ مِنْ رَحْمَةِ الرَّبِّ” (مزمور 33: 5)”.

يؤكّد كلفن على علاقة التضامن الروحي التي توحّد الإنسان بالكون، وتشركه في سقوطه. يشدّد على المعنى المباشر لتلك العلاقة، قائلًا: “بسبب علاقة التضامن بين الإنسان والطبيعة. فإنه بعد خطية السقوط، أصبحنا نرى في الكوارث الطبيعية، مشهد غضب ودينونة الله”. آمن كلفن أنّ حكمة وقوة وصلاح وبرّ الله تظهر في عمله في الطبيعة. ورأى في الظواهر الطبيعية، مثل الزلازل والبراكين، مظاهر قوة الله. في تفسيره للمزمور 29، الذي يتحدّث فيه النبي عن  صوت الله الذي يضرب الأرض، والبرق، والرياح، قال كلفن: “عندما يتأمل كلٌّ منا بطبيعته، يجد أنّ هناك إلهًا واحدًا يحكم كل الطبائع (الطبيعة والبشر).

اعتقد كلفن أنّ النظام والترتيب الدقيق الذي وضعه الله في بداية الخليقة، أصبح يفشل في كثيرٍ من الأحيان منذ سقوط آدم. وهذا الأمر، ينطبق أيضًا على قسوة الهواء، وعدم انتظام فصول السنة. إنّ قساوة الهواء، والجليد والرعد والأمطار غير الموسمية والجفاف والبرد، وكلّ ما هو غير منتظم في العالم، إنما هو نتيجة الخطية. وهذا أيضًا ما تعلّمنا إياه الكوارث الطبيعية، وعدم الانتظام في الحصاد والإنتاج. قال كلفن: “بما أنّ كل العالم خُلِق من أجل الإنسان حتى يستخدمه، لا نستطيع أن نتعجّب عندما نرى انتقام الله يمتد أيضًا إلى الحيوانات والمخلوقات البريئة التي لا مشاعر لديها. إلاّ أنّ الله لا يقاصص الحيوانات أو ثمار الأرض، لكنه يظهر مدى سخطه على الإنسان؛ إذ إنّ علامات غضبه تصل إلى كلّ العناصر. وبالتالي، نحن نعلم اليوم أنّ كلّ شيء  يتألم من القصاص الذي استحقه الإنسان الأول، آدم. لهذا قال بولس إنّ كلّ الخليقة تئنّ وتتمخّض معا، وكأنها تلد لأنّ العناصر تتقدّم نحو فدائها وخلاصها… إنّ المخلوقات خاضعة للفساد رغمًا عن إرادتها، وليس بسبب طبيعتها، وإنما بسبب تعدّي آدم ورذائله.

اعتقد كلفن أنّ الله قد يستخدم إبليس العدو الأول، حتى يكون خادم غضبه الذي ينفّذ دينونته. إلاّ أنّ الله نفسه لا يفعل الشرّ، لكنه فقط يدير استعداد الإنسان الطوعي للانسجام مع الشيطان بناءً على أهدافه. قال كلفن: “فإنه ليس فقط لا يشارك الله في الشرّ الذي يستخدمه، لكنّ محبته تحوّل عدم البرّ لصالح خلائقه. فالله الذي هو صالح كله، لن يسمح بحصول الشرّ، لكن حيث إنه القدير، فإنه يستطيع أن يخرج الصالح من الشرّ. وهذا ظهر بشكل واضح في ذبيحة ابنه يسوع المسيح على الصليب، على الرغم من تحقّقها من خلال خيانة تلميذه يهوذا الإسخريوطي”. قال كلفن: “بما أنّ الآب أسلم ابنه، والمسيح أسلم جسده، ويهوذا أسلم سيّده، كيف يكون الله في معادلةٍ كهذه صالحًا والإنسان مذنبًا، إن لم يكن ببساطة في الفعل الواحد الذي قاموا به. إلاّ أنّ الأسباب التي دفعتهم للقيام بهذا الفعل كانت مختلفة. وبالتأكيد هناك أساس قليل لوضع ملامة الجريمة على الله، لكنّ الله كان مسرورًا بأن يسلّم ابنه المسيح نفسه للموت”.

 

صلاح الله رغم فساد الإنسان والطبيعة

على الرغم من كلّ ما حدث، آمن كلفن أنّ الله رحوم وصالح، يمطر رحمته وصلاحه في كلّ مكان، مع أننا لا نرى ذلك أحيانًا ظاهرًا وشفّافًا كما كان يظهر ذلك للإنسان سابقًا قبل السقوط. إلاّ أنّ النبي داود يهتف بشكل حقيقي، قائلًا: “الأرض ملآنة من صلاحه”. وبالتالي، مع أنّ خطية الإنسان سبّبت انحطاط الخليقة بعد أن خُلِقَت كاملة، فإنّ خطية آدم لا تستطيع أن تنتصر على إرادة الله الخيّرة لخليقته، ولا يستطيع الشرّ أن ينتصر ويدمّر عمل الخليقة بشكل كامل، لكن تبقى خطة الله غير متغيّرة، تهدف إلى استعادة الكون كما كان في البدء، عندما منح الله الحياة للإنسانية. فالله يعمل من أجل إعادة خلق الكون من البداية، وهو ينفّذ خطته من أجل استعادتها. قال كلفن: “إنّ عدوى خطيتنا وصلت إلى الأرض. لهذا، نرى اللعنة فيها. نرى عدم انتظام كبير، إلى حدّ نعتقد أنّ كلّ شيء يجب أن يُحرق بحرارة الشمس. لهذا، لنأخذ الوقت، لنتأمل وندرك أنّ الله يعاقبنا على خطايانا، بسبب تمرّد أجدادنا آدم وحواء، وعدم طاعتهم. وبسبب الشرور التي نستمر في فعلها ضده. لكن كيف أنّ الشمس والقمر، لا يزالان في السماء، والأرض تحمل ثمارها، والناس تسكن فيها، والحيوانات تجد لها مأكلًا؟ السبب، هو صلاح الله الذي يمتدّ إلى كلّ البشر، مؤمنين كانوا أم غير مؤمنين. لهذا، دعونا نؤمن أنّ الرب يسوع المسيح لا يزال يصوننا في هذه الحياة، ولا يزال يسدّ حاجاتنا، ونحن لا نزال نستمر بفضله وجوده. ولا يزال هناك بعض النظام في العالم، والإدارة. وليس كلّ شيء في فساد وفوضى مطلقة. لهذا، دعونا نعظّم صلاح الله باستمرار ونمجّد مخلّصنا يسوع المسيح الذي جعل هذا الأمر متاحًا لنا”.

 

لا تحدث الآلام خارج عناية الله

لم يعتبر كلفن، أنّ الآلام الإنسانية، تحدث خارج عناية الله. تنطبق كتابات كلفن حول الألم، على كلّ أنواع الكوارث الطبيعية، من فيضانات وزلازل وحرائق غابات، وفقر واضطهادات. في تفسيره للمزمور 107، كتب كلفن: “يعلّمنا المرنّم، أنّ المصائب لا تحدث خارج العناية الإلهية. ولا تنشأ المصائب بدواليب الحظ المزاجية غير اليقينية، لكن يجب أن نرى فيها دينونة الله في تقلّبات الحياة المتغيِّرة التي تحدث في العالم، لكن قد يتخيَّل للناس أنها تحدث بالحظ… إنّ كلّ المصائب التي يتعرّص لها الناس، مثل: مجاعات، كوارث، حروب، تحطّم السفن… وغيرها، يجب أن يُنظر إليها على أنها تظهر عدم رضى الله على خطايا الناس، وكحسابٍ لخطاياهم أمام عرش الدينونة. إلاّ أنّ على المؤمنين أن يغيّروا أنفسهم، بمعرفة أنّ هذه الأمور لم تكن لتحدث لو لم يكن الله قد علم بها، أو حتى أمر بها… فالآلام ليست مسألة حظ، لكن غايتها طاعة الله تحت يده، ولهدف ما يسرّه”.

 

هل لدى الآلام فقط هدف عقابي؟

تأثّر كلفن كثيرًا بكل أنواع الآلام التي يختبرها الناس، وقد حزن حزنًا عميقًا عليهم. في تفسيره لسفر التكوين، يسلّط كلفن الضوء على القصد التعليمي من العقاب والألم عامةً، ويعتبره طريقة الله في التعليم. قال كلفن: “لا يأخذ الله بعين الاعتبار عندما يؤدّب الإنسان المؤمن ما هو مستحقّ له،  ولكن ما سيكون مفيدًا له في المستقبل. وهكذا يتّخذ الله موقع الطبيب وليس موقع القاضي. لهذا، فإنّ الغفران الذي يقدّمه لأولاده هو غفران كامل وليس منتقصًا، والتأديب الذي يؤتيه عليهم، يجب أن ينظر إليه كنوع من الدواء للمستقبل، ولا يجب أن يُعتَبَر عقابًا انتقاميًّا على الخطية المُقتَرَفة. فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار كم هو كبير فسق الإنسان وتمرّده وطيشه، فإننا لن نتعجّب من قساوة الله في إخضاعه. لأنه، إذا ما أدّب بالكلام لا يسمع، وإذا ما أضيف السوط لا يفيد إلاّ قليلًا. وعندما يسمع، فإنّ الجسد في كبريائه يرفض بازدراء التأديب. هناك قاعدة عامة يجب حفظها، أنّ كل الآلام التي تتعرّض لها حياة الناس، هي تمارين ضرورية، وهي جزئيًّا تعلّمنا التواضع. إذ إنّ الله من خلالها يدعونا للتوبة، ويعلّمنا حي نكون أكثر حرصًا وانتباهًا، لكي نحفظ أنفسنا من إغواءات المستقبل.

اعتقد كلفن أنّ الله يعيّن الآلام من أجل خير شعبه، حتى يوجّهوا قلوبهم إليه، فيطهّرها ويمنحهم نعمة حتى يستطيعوا أن يثبتوا وسط الآلام ويواظبوا على عبادته وتمجيده. تكلّم عن أسباب عديدة وراء تألّم المؤمنين والمؤمنات، منها: الحثّ على الصلاة، الثقة بقوة الله، تعليم الصبر، تشجيع الرجاء، قيادة الإنسان إلى طلب معونة الله، إظهار الرحمة للآخرين تحضيرًا للمجد الأبدي.

أشار كلفن، في سفر أيوب (الإصحاحات 32-37)، إلى أليهو الذي صحّح آراء أصدقاء أيوب، الذين اعتقدوا أنّ آلام أيوب لديها فقط هدف عقابي. وفي تفسيره للإصحاح الثامن من سفر أيوب 8: 13-22، قال كلفن: “إذن لنتعلّم أن لا نضع ثقتنا بهذا العالم، أو بأيّ وسيلة ناقصة، بل دعونا ننحني ونعتمد على الله، الذي أعطانا ربنا يسوع المسيح حتى نتطعّم فيه، ونستمدّ منه هكذا قوة، مع أنّ حياتنا مستترة فيه، حتى وإن واجهنا الموت لا نتوقّف عن أن نكون هادئين وفي حالة جيدة، ننتظر هذا الإله الصالح حتى يخلّصنا من اضطراباتنا ومن كلّ المآسي الأرضية. فنحن مجبرون على التألّم هنا، بانتظار أن يدعونا الله إلى ملكوته السماوي، ونعاين المجد الذي اشتراه لنا بدم ربنا يسوع المسيح الثمين”.

 

هل الكوارث الطبيعية عقاب يؤدّب فيه الله غير المؤمنين؟

شدّد كلفن، أننا نحن المسيحيين يجب أن نعتبر أنفسنا جزءًا من مشكلة حدوث الكوارث والأوبئة بسبب خطيئة السقوط الأولى. لم يقل إنّ علينا أن نتّهم الآخرين غير المؤمنين، بل نتّهم أنفسنا. لم يقل كلفن إنّ الكوارث هي مذكِّر للذين لا يعرفون الله، حتى يرجعوا إليه بالتوبة، (مع أنّ هذا صحيح)، ولكن نحن المسيحيين علينا أن نتذكّر أننا جزءٌ من المشكلة. لهذا علينا أن نتواضع ونصرخ إلى الله. قال كلفن: “عندما يرسل الله الكوارث والأوبئة والأمراض والمجاعات ومثيلها، علينا أن نتعلّم أن نضطرب أمام جلاله، وأن نعرفه كقاضٍ لنا. وبالتالي، إنّ أولئك الذين يعتقدون أنفسهم الأكثر براءة، عليهم أن يتواضعوا ويشعروا أنهم وكلّ عائلاتهم يتحاسبون، ولا يستثنى أحد عندما يرغب الله أن يتعامل بصرامة، لكن مع ذلك فالله، هو دائمًا إله منصف وعادل”.

 

الآلام تضع على جماعة الإيمان مسؤولية أن يهبّوا لمساعدة المتألمين

 اعتقد كلفن أنّ تلك الآلام تضع عليه وعلى الجماعة المؤمنة مسؤولية أن يهبّوا إلى مساعدة المتألمين بكلّ أنواع المساعدات. وآمن أنّ التعاطف وتقديم المعونة للمتألمين، هي دعوة ومهمة أساسية لا يمكن للبشرية أن تهرب منها. لهذا، شدّد على المسؤولية المشتركة في تقديم المساعدة للمتألمين.

لسنا قادرين بعد على معرفة وتمييز صلاح العناية الإلهية في الآلام

لم يدّعِ لا القديس أوغسطينوس ولا المصلح جون كلفن، أنهما فهما واستوعبا تمامًا مشكلة وجود الشر في العالم والمسبّبة للكوارث الطبيعية والآلام. إلا أنهما رفضا تحميل الله، المسؤولية. استطاع أوغسطينوس أن يرى حتى في الألم، رسالة روحية مسيحية. قال: “الله يسمح بآلامنا، كيما يبقينا متواضعين، ويحفظنا من خطيئة الكبرياء، التي اعتبرها من أسوأ الخطايا”. إلا أنه أضاف قائلًا: “الله يمنحنا أيضًا نعمته، لتساعدنا وتسندنا وتسير معنا وسط آلامنا”. وفي عظته حول سفر أيوب، يذكر كلفن: “علينا أن نعترف أننا لسنا قادرين بعد على معرفة وتمييز صلاح العناية الإلهية في الآلام التي تحدث لنا، لكننا في نهاية المطاف سنراها في معناها الحقيقي”. وأضاف: “إنّ جهل العناية الإلهية هي أكبر المآسي، ومعرفة العناية الإلهية، هي السعادة الأسمى”.

 

استعادة الطبيعة بفداء المسيح على الصليب

آمن كلفن أنّ استعادة الإنسان إلى حالته الأصلية، في فداء المسيح على الصليب هي على رأس قائمة استعادة الله للطبيعة التي فسدت بسبب خطيئة السقوط الأولى، ولن تتحقّق بشكل كامل حتى نهاية العصور، عندما تؤسّس مملكة المسيح بشكل حاسم ومرئي. فالطبيعة ليست غير متأثّرة بالعمل الروحي في الفداء الذي حقّقه المسيح، ولكن على العكس فهي تشارك فيه بشكل كامل، فالإنتاجات والكيانات المادية لها قيمة روحية للجنس البشري. إنها إحدى التعبيرات عن نعمة المسيح، وقد قصد لها أن تمثل للعيون البشرية، عمل المسيح الفدائي العجيب. فالمسيح، هو الوريث الشرعي للسماء والأرض، والذي من خلاله يستعيد الإنسان المؤمن ما خسره في آدم، إلاّ أنه لم يدخل بعد في حالة الامتلاك الكامل لمملكته وسلطانه. ولن يتحقّق ذلك حتى يزال الموت. فإذا ما أخضع كلّ شيء للمسيح، فإنه لن يبقى شيء مؤذٍ لأعضاء الجسد. ويبقى رجاء الحياة الأفضل من الحالة الحاضرة.

آمن كلفن أنه بعد أن تألّمت الأرض من نتائج سقوط الإنسانية الروحي، فإنّ المسيح استعادها بفدائه وسفك دمه على الصليب، بموازاة ما فعله مع الإنسان الذي مات لأجله على الصليب ليصالحه مع الله، ويعيد صورته إليه. وبالتالي، إنّ عمل الفداء واستعادة الخليقة الساقطة، هو غير محصور في الحياة الجديدة للإنسان، لكنه يتضمّن استعادة الخليقة إلى الحالة السابقة، لكي تعيد استقامتها الأصلية، في كل الكون دون حدود الزمان والمكان، والتي كانت قد أفسدتها الخطية الإنسانية في السقوط، بانتظار أن يتحقّق ذلك بشكل كامل عند مجيء المسيح ثانية في المجد.

توقّف كلفن عند قول الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية: ” لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ. إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ -لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا- عَلَى الرَّجَاءِ. لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ. فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ. وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا” (رومية 8: 19-23). علّق كلفن قائلًا: “ليس هناك عنصر أو جزء من العالم، لم يتأثّر ببؤسها الحاضر، ولا يتشوّق بقوة إلى استعادتها وقيامتها. فالخليقة غير مسرورة بحالتها الحاضرة. لكنها أيضًا غير محبطةٍ إلى حدّ أن لا يكون لديها أي رجاء للشفاء. لكنها هي الآن في حالة المخاض، مثل المرأة التي تتمخّض وهي تضع ولدًا. وبالتالي، فالاستعادة إلى الحالة الأفضل تنتظرهم”.

وبالتالي، آمن كلفن أنّ الطبيعة مدعوة أيضا إلى المشاركة في عمل الاستعادة العظيم الذي ابتدأ بفداء ابن الله يسوع المسيح. قال: “لقد فسد كلّ شيء في آدم الأول. نعلم أنّ الأرض قد تغيّرت عما كانت عليه. والسماوات نفسها تحمل علامات على ذلك. لهذا، كل الخلائق أصبحت خاضعة للبُطْل (الفساد)، لكن لم يحدث هذا الأمر بسبب ميل الطبيعة الطبيعي، بل بسبب خطية الإنسان، لكن يجب أن تتجدّد الأرض، ويجب أن يشرق مجد الله فيها.

 

الكوارث الطبيعية دعوة للصلاة والصوم

عندما ضرب وباء الطاعون مدينة جنيف عام 1542، كتب كلفن قائلًا: “إذا عصفت أوبئة أو مجاعات أو حروب، أو إذا ظهرت كارثة تهدّد أي منطقة أو شعب، فإنه من واجب قسوس الكنيسة أن يصوموا، ملتمسين الربّ حتى يهدّئ غضبه، لأنّ ظهور أخطار كهذه ينذر بأنّ الله مستعد للانتقام. لهذا، كما أنّ المتّهمين في الأيام الماضية كانوا معتادين أن يتواضعوا ويترجّوا الله بلحى طويلة، وشعر منكوش ولباس أسود… فإنّ علينا أن نطلب رحمة القاضي. كما أنه مفيد لنا أن نتضّع ونصلّي حتى نتجنّب قساوته”. أيضًا ذكر في مكان آخر: “يحدث في بعض الأوقات أنّ الله يضرب بالحرب أو الوباء، أو بمصائب أخرى. لكن تحت هذا العقاب العام، على كلّ الشعب أن يتّهموا أنفسهم، ويعترفوا بذنبهم”. وبالتالي، آمن كلفن، أنّ غضب الله يدعونا إلى التواضع والتوبة، والصلاة والصوم.

شذرات كتابية عدد الصيف

اسم الكاتب: الشيخ أسامة رشدي

شذرة كتابية (1)

كل شِباكك… وليست واحدة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«وَلَكِنْ عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ».

(لوقا 5: 5)

هل تَعِبت الليل كله مثل التلاميذ ولم تأخذ شيئًا؟

هل سحبت بيأسٍ شباكك كلها إلى البَرِّ؟

هل ضاعت منك فرصةٌ ولم تنجح في استردادها؟

لا تخف… الرب يسوع يُجدد الأمل والرجاء فيك،

إنه لم يُعطِك روح الفشل، بل أعطاك روحَ القوة والمحبة والنصح،

إن كانت الخبرة تقول لك: “كفاك العمق”، هو يقول “ابعد إلى العمق” (آية 4)،

إن كان العيان يقول لك: “اغسل شِباكك”، هو يقول: “ألقوا شباككم” (آية 4)،

 إن كان المنطق يقول لك: “ألقِ شبكةً واحدة”، هو يقول: “ألقوا شباككم (كلها) للصيد” (آية 4).

فاتكل على إلهك وثق بكلمته ووعده؛ لأن خيره وجوده وإكرامه لك تفوق كل التوقعات.

 

 

شذرة كتابية (2)

حُرّاس خلفك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي وَأَسْكُنُ فِي بَيْتِ الرَّبِّ إِلَى مَدَى الأَيَّامِ.»

(مزمور 23: 6)

قد لا تعلم ما تحمله أيام حياتك القادمة من أفراحٍ أو أحزانٍ، من رحبٍ أو ضيق، من صحةٍ أو مرض، من احتياجٍ أو غنًى، لكنك بإيمانٍ عميقٍ تثق بأن خيرًا ورحمةً يتبعانك، وأنه مُمسِكٌ يدك بقوة، ولن يتركك أبدًا، إيمانك إنه كما كان معك في مراعٍ خُضرٍ، فشَبعتُ بجودهِ (آية 2)، كما قادك لمياه الراحة، فارتويت بسلامه (آية 2)، كما ردَّ نفسك من الضياعِ، فاهتديت إلى سبل البر من أجل اسمه (آية 3)، كما رافقك في وادي ظل الموت، وعصاهُ كانت لحمايتك وعكازهُ لتعزيتك (آية 4)، كما حفظك بسلامٍ من أخطارٍ وأمراضٍ قد هددتكَ طوال الرحلة، ثق أيضًا بأنه سيقودك بنعمته إلى بيته للسكن فيه إلى مدى الأيام (آية 6)، فياله من افتخار بأعظم راعي! و يا له من رجاءٍ سعيدٍ بأبديةٍ ستقضيها معه!

 

شذرة كتابية (3)

هؤلاء ليس لهم… إلا  “ليس”!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قالت أرملةُ صـرفة صيدون لإيليا: «ليست عندي كعكة»،

قالت المرأة المديونة لأليشع: «ليس لجاريتك شيء»،

قالت الأم المُطوَّبة مريم للرب يسوع: «ليس لهم خمر»،

قال التلامـيذ للرب يسـوع: «ليس عندهم ما يأكلون»،

لكن عجيب ما صنع الرب مع كل هؤلاء!

فكوارُ الدقيقِ لم يفرغ، أوعيةُ الزيتِ امتلأت،

أجرانُ الخمرِ فاضت، ســلالُ الخبزِ فضلت،

عاشتُ الأرملة أيامًا، سددت المرأة كل ديونها،

 فَـِرح المتكئون، شَبِعَت الجمـوع،

فثق بأن إلهك قادرٌ أيضًا أن يملأ ويسدد احتياجك،

بحسب غناه في المجد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشواهد الكتابية: (ملوك الأول 17: 12)، (ملوك الثاني 4: 2)، (يوحنا 2: 3) (مرقس 6: 36)، (فيلبي 4: 19).

 

شذرة كتابية (4)

إلهك… خلف الستار

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الوقت الذي كان يعقوب يبكي بالدموعِ، نائحًا على ابنه المفقود؛

كان الله خلف الستار يرتب الأحداث بحكمة عجيبة ليقود يوسف لعرش مصر.

وفي الوقت الذي كان موسى الرضيع يبكي بالدموع داخل سفطٍ من برديٍّ على حافة النهرِ؛ كان الله خلف الستار يرتبُ الأحداث بحكمةٍ عجيبةٍ ليحفظ حياته ليكون قائدًا لخروجٍ عظيمٍ من أرض مصر.

وفي الوقتِ الذي كان داود يبكي بالدموع على مدينته المحترقة بالنار، كان الله أيضًا خلف الستار يرتبُ الأحداث بحكمةٍ عجيبةٍ ليسترد لداود كل ما ضاع منه.

هل قلبك مكسور؟ هل عيناك ممتلئتان دموعًا؟ هل تتألم من خسارة؟

اطمئن… دموعك غاليه جدًّا على قلبهِ، هو ليس ساكتًا كما تظن، هو يعمل، ويدير، ويرتب أحداث حياتك بحكمةٍ فائقة، وسترى فيها يدهُ القديرة الممدودة لك بخيرٍ، وإحسانٍ، ومراحم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشواهد الكتابية: (تكوين 37: 35)، (خروج 2: 6)

(صموئيل الأول 30: 4).

 

إلى مُخْتَبِري الحَزَنِ! قراءة نقديَّة في كتاب «ضَحِكُ سَارَّة: الشَّك والدُّموع والرَّجاء المسيحيّ» لـ فينوث رامتشاندرا

اسم الكاتب:جورج إسحق

“… لكن السُّؤال ’لماذا؟‘ ليس دعوة لشرحٍ نظريٍّ للمُعاناة والشَّرِّ. إنَّه تعبير عن عذاب وجوديّ بسبب صمت وتراخي الله في وجه التَّهديد والكارثة والمُعاناة التي لا تُخفَّف. إنه هو السُّؤال حقًّا: ’لماذا يا رب أنت مُختفٍ وغير مبالٍ أو غائب؟‘… هذا ما لا يمكن احتماله. تضعف الثِّقة باللهِ. هل قوة اللهِ محدودة بأعمال التَّبرئة التي حدثت في الماضي، أم أنه لا يزال محلَّ ثقةٍ ليصنع فرقًا في العالم اليوم؟”[1]

يُعدّ كتاب «ضَحِكُ سَارَّة: الشَّك والدُّموع والرَّجاء المسيحيّ» Sarah’s Laughter: Doubt, Tears, and Christian Hope بقلم فينوث رامتشاندرا، تأملًا عميقًا في مُعاناة الإنسان من منظور لاهوتيٍّ وفلسفيٍّ. المُميز في هذا الكتاب هو استناد مؤلفه إلى خبراته الشَّخصيَّة بوصفه لاهوتيًّا مسيحيًّا من سريلانكا، عاش في بيئة شهدت كوارث طبيعيَّة وعنفًا بشريًّا، ليواجه التَّحديات الفكريَّة والأخلاقيَّة والسياسيَّة التي تطرحها المُعاناة على الإيمان في عالمنا المُعاصر. هو كتاب لا يُنَظِّرُ عن الألم، بل هو وليد الألم، من رَحِم المُعاناة، لذا فهو يجد طريقه إلى قلبك أوَّلًا، ثمَّ إلى عقلك.

عن الكتاب والكاتب

يتناول الكتاب موضوع المُعاناة البشريَّة، متسائلًا عن كيفيَّة التَّوفيق بين حقيقة وجود الألم، والإيمان بإله مُحب. يُبرز رامتشاندرا أهميَّة التَّعبير عن الحزن والشَّك والتَّساؤل كجزءٍ من الحياة المسيحيَّة، مؤكدًا أنَّ الفرح والاحتجاج، والإيمان والغموض، يمكن أن يتعايشوا في حياة التِّلميذ المسيحيّ. يُشجع على مواجهة الظَّلام في العالم، مُقتديًا بالله المتجسِّد، لنرى الخليقة الجديدة.

صدر هذا الكتاب في الإنجليزيَّة بعنوان: Sarah’s Laughter: Doubt, Tears, and Christian Hope عن لانجهام، عام 2020، في 137 صفحة من القطع المتوسط. وترجمه القسّ سامح إبراهيم، وصدر عن دار إنسباير للنَّشر والتَّوزيع عام 2023، حاملًا رقم ISBN: 978-977-85609-6-1. ورقم إيداع: 3166/ 2023.

أشهر ما قيل عن الكتاب، هو ما قاله مارك لابيرتون، رئيس كلية فولر اللََّاهوتيَّة: “يُقدم رامتشاندرا في هذا الكتاب دراسة غنيَّة ومؤثرة، تجمع بين التَّجربة الشَّخصيَّة والتَّحليل اللَّاهوتيّ العميق.”[2] كما أشار ستيفن ويليامز، الأستاذ الفخري في جامعة كوينز، إلى أن الكتاب: “يُقدم تشريحًا بليغًا للألم والمُعاناة البشريَّة، ويدعونا للاعتراف بها في حضرة الله.”[3]

يحمل فينوث رامتشاندرا درجة الدكتوراه في الهندسة النَّوويَّة من جامعة لندن. وهو سكرتير الحوار والمشاركة الاجتماعيَّة مع الزَّمالة الدَّوليَّة للطلاب الإنجيليين (IFES)، وهي شراكة عالميَّة تضم أكثر من 150 حركة مسيحيَّة على مستوى الجامعة. كان فينوث الأمين العام المؤسس لزمالة طلاب الجامعات المسيحيَّة (FOCUS)  والأمين الإقليمي لـ IFES جنوب آسيا قبل الانتقال إلى فريق القيادة العليا لـ IFES. شارك فينوث أيضًا في حركة الحقوق المدنيَّة في سريلانكا، وكذلك مع شبكة ميكا العالميَّة (شبكة من منظمات التَّنمية والعدالة) وشبكة روشا (وهي منظمة عالمية لحفظ التَّنوع البيولوجيّ). وهو أيضًا عضو في المجلس الاستشاريّ الدَّوليّ لمعهد فاراداي للعلوم والدِّين، ومقرَّه في كامبريدج، إنجلترا. وهو مؤلف عديدٍ من المقالات والكتب منها: “هدم الأساطير العالميَّة: اللَّاهوت والقضايا العامَّة التي تشكل عالمنا،” و”الكنيسة والإرساليَّة في آسيا الجديدة.” تزوج فينوث منذ ما يقرب من عشرين عامًا من زوجته الدَّنماركيّة كارين، التي توفيت في عام 2018 بعد صراع مع مرض السَّرطان.[4]

تقسيم فصول الكتاب وموضوعاتها

يتألَّف الكتاب من خمسة فصول رئيسة، بالإضافة إلى مقدِّمة وخاتمة:​[5]

الفصل الأوَّل، لماذا، يا رب، تحجب وجهك؟ يناقش رامتشاندرا في هذا الفصل صمت الله في وجه المُعاناة، مستعرضًا تجاربه الشَّخصيَّة، مثل فقدان زوجته، والحروب في سريلانكا، والتَّحديات البيئيَّة. يطرح تساؤلات حول كيفيَّة التَّوفيق بين الإيمان والمُعاناة، مؤكدًا على أهميَّة التَّعبير عن الألم والشَّك كجزء من العلاقة مع الله.​

الفصل الثَّاني، أيوب وفوضى اللَّاهوت: يتناول هذا الفصل قصَّة أيُّوب، مسلطًا الضَّوء على كيفيَّة تعامل أيُّوب مع مُعاناته والرُّدود التي تلقاها من أصدقائه. يشير رامتشاندرا إلى أنَّ محاولات تفسير المُعاناة قد تكون غير مفيدة، وأنَّ الصَّمت والتَّسليم لله قد يكونان أكثر صدقًا في مواجهة الألم.​

الفصل الثَّالث، دموع الله: يستكشف رامتشاندرا في هذا الفصل فكرة أن الله يشارك في مُعاناة البشر، متحديًا المفهوم التَّقليدي الذي يصور الله كغير متأثر. يستند إلى نصوص من العهد القديم وحياة المسيح ليؤكد أن الله يتألم مع شعبه، مما يعزز الرَّجاء في وسط الألم.​

الفصل الرَّابع، الله والشَّر الطَّبيعيّ: يناقش هذا الفصل الكوارث الطبيعيَّة والشَّر النَّاتج عنها، مُتسائلًا عن دور الله في هذه الأحداث. يرى رامتشاندرا أنَّ الخطيَّة البشريَّة تؤثر على الخليقة، وأنَّ الله لا يسبب هذه الكوارث، بل يعمل من خلالها لتحقيق الخير.

الفصل الخامس، الزَّمن المستقبليّ: يختتم رامتشاندرا الكتاب بالتَّأمل في الرَّجاء المسيحيّ، مؤكدًا أنَّ الرَّجاء ليس تجاهلًا للمُعاناة، بل هو الثِّقة بأنَّ الله سيجدِّد كلَّ شيءٍ. يشجِّع القراء على العيش برجاء نشط، يعمل من أجل العدالة والرَّحمة في العالم.​

إشارات أدبيَّة

يتميز الكتاب بأسلوبٍ سرديٍّ يجمع بين التَّأمل الشَّخصيّ والتَّحليل اللَّاهوتيّ ولا يغفل الخطاب العلميّ، لذا فهو يُعدّ خلطة خطابيَّة دقيقة، لا يضبطها إلَّا كاتب ماهر. يستخدم رامتشاندرا أسلوبًا بسيطًا وواضحًا، مما يُسهِّل على القارئ متابعة الأفكار المُعقَّدة. في الحقيقة، على مستوى السَّرد، نجح رامتشاندرا في إشراكي داخل سردياته، جعلني أُصادق شخوصه وأقتفي أثر حكاياتهم، بل وضع أسئلتهم وأسئلته على لساني في صلواتي طيلة قراءتي للكتاب! أنهض الذِّكريات من سُباتها، وحوَّل غرفتي الضَّيقة ذات الجدران الأربعة، إلى ساحات قتال وعراك وألم ومرض وكوارث، حتَّى رأيتها أحيانًا ملطَّخة بالدِّماء، وأحيانًا تئِنُّ، وأحيانًا تبكي! ومع ذلك، ربما يجد بعض القرَّاء أنَّ الانتقالات بين المواضيع ليست دائمًا سلسة، ما قد يُسبب لهم بعض التَّشتُّتِ.​

في الفصل الأوَّل، لغة الألم هي البطل الذي يحوِّل دخولك إلى الكتاب إلى الباب الذي أراده الكاتب، ليُشرك عواطفك أيضًا في موضوعه، فيُجنِّبك جفاف التَّنظير. افتتاحيَّته عن الحرب الأهلية في موطنه سريلانكا، تُظهر أنَّ هذا الكتاب وإن كان مفعمًا بالأمل، فهو نطاق واسع من الألم، بما في ذلك ألمه الشَّخصيّ، فرغم أنَّه لم يذكر وفاة زوجته كارين إلَّا مرَّة واحدة في مطلع الكتاب، إلَّا أنَّ هذا الأمر ألقى بظلاله حتمًا على الكتاب -والكتاب في الأصل مُهدى إليها. يقتبس المؤلف أيضًا من نيكولاس ولترستورف، من كتابه “رثاءُ ابنٍ” قوله: “جُرحي هو ذلك السُّؤال الذي لم يُجَاوب. إنّ جروح البشريَّة كلها هي سؤالٌ لم يُجَاوب.”[6] ينتقد رامتشاندرا كثرة الكنائس التي لا ترثي لتلك الجروح، والتي لا تسمح بالتَّعبير عن هذا الألم.

أمَّا الفصل الثَّاني، فبطله هو السُّؤال. نجحت أسئلة الفصل الثَّاني أن تتقاذفني بين صفحاته، تمامًا كما تنجح دراما سفر أيُّوب في هذا في كلِّ مرّة أقرأه فيها. الأسئلة الكثيرة التي لم يُجب عنها في سفر أيوب هي محور الفصل الثَّاني. في الفصل الثّالث “دموع الله”، يستكشف رامتشاندرا حُزن الله على شعبه وما يعدُّه مُعاناته معهم. البطل في هذا الفصل -في رأيي- هو التّجسيد، حيث يُجاهد رامتشاندرا في إزاحة كلِّ الفواصل، وإزالة كلِّ المساحات بين الألوهة والبشر -اتفقنا أم اختلفنا- كان هذا سبيله ليقنع القارئ أنَّ الله يشعر به، وأظنه قد نجح في هذا.

في الفصل الرَّابع، يتجلى تركيز المؤلِّف على رعاية الله للعالم، والشَّر الطَّبيعي في العالم، مُستكشفًا الشُّرور والكوارث الطبيعيَّة وتبِعاتها على الحياة الإيمانيَّة والمؤمنين. بينما يتطلَّع الفصل الأخير إلى رجائنا المُستقبليّ بوصفنا شعب الله، في لغة وتصوير يَريان في مُعاناتنا الحاضرة رجاءً مُستقبليًّا يُرشد الآخرين إلى المسيح الذي أسَّس هذا الرَّجاء ويدعمه. ويُذكِّرنا أنَّ الكنيسة -تلك الشريحة من البشريَّة التي لمحت فجر أحد الفصح- بينما تُشارك آلام سبت الفصح في شركة مع بقيَّة البشريَّة، تسعى إلى أن تشهد لهذا الفجر.

اختيار البنية الأدبيَّة لهذا الكتاب اختيار صائب أفاد موضوع الكتاب -وهذه واحدة من المهارات التي يجب على الكُتَّابِ التَّدرب عليها. فإيقاع الكتاب الذي بدأ بلغة الألم، نجح في اجتذاب القارئ الذي عانى -بالتَّأكيد- الألم يومًا ما بطريقة أو أخرى، ثمَّ جاءت الأسئلة المفتوحة لتربت على كتف القارئ مُطمئنة إياه، وكأن لسان حالها: “لست وحدك الذي لم يصل إلى إجابات بعد.” ما ساعد القارئ في الاستمرار، فيبدو أن أحدهم قد أحضره إلى هنا، لا ليُقرَِّع مشاعره ويسكُب الملح على جراحه ويؤنِّب ضميره ويلوم إيمانه، بل ليربت على كتفه، وهو يُردِّد مع سيدنا له المجد: “ولا أنا أُدينك!” ثمَّ يُعافِر رامتشاندرا لتقريب المسافات بين المتألم والله، حتَّى يلغيها مُقدِّمًا صورة الله لا الذي يشعر بآلامنا فحسب، بل المتألم معنا، في محاولة لتهدئة قارئه. يدلف بعدها فينوث إلى إراحة القلقلة التي أثارتها لغة الألم والأسئلة المفتوحة، مُستكملًا رحلة التَّهدئة من خلال تكوين صورة ذهنيَّة في عقل القارئ، مفادها أنَّ تداخل عناية الله في الخليقة والطَّبيعة يقوم في وجه ما سماه بالشَّر الطَّبيعي. ثمَّ أخيرًا، بعد أن هدئت عواصف قارئه المُهتاجة، يطلق رامتشاندرا نداءات الرَّجاء المليئة بالأمل، وكأنَّه يقول: “خلف كلِّ غيمة سوداء، مطر يُعيد للأرض رونقها!”

إشارات لاهوتيَّة

إنَّ الكتابة في موضوع الشَّرِّ والألم هي عملٌ دقيقٌ جدًّا، ومحفوفٌ بالمخاطر. يتطلَّب دقَّة وشجاعة أيضًا، إذ يدلف الكاتب إلى عمق النَّفس البشريَّة والذَّات الإلهيَّة في آنٍ واحدٍ، وهو مُحمَّلٌ بتوقّعات قُرَّائه أن يكشف غموضًا مُسيطرًا منذ فجر البشريَّة، ويُجيب عن أسئلةٍ مطروحةٍ منذ بداية الخليقةِ. في الحقيقة، هذه التَّوقّعات هي أكبر تحدٍّ في نظري يواجه من يمخُرَ عُباب هذا البحر. لكنَّ التَّحدي الثَّاني، والذي لا يقلّ خطورةً وصعوبةً، هو مُعالجة الموضوع لاهوتيًّا، دون التِّيه في صحراء التَّنظير، أو الخلط الذي يقوِّض ركائز البنية اللَّاهوتيَّة. هذا أدقُّ من التَّجارب النَّوويَّة -في نظري، إذ أنت مُهدَّدٌ بالانفجار في أيَّة لحظة!

واجه رامتشاندرا في هذا الكتاب ستَّة خطوط لاهوتيَّة بارزة على الأقل، سأحاول فيما يلي لفت الانتباه إليها، مُبيّنًا -قدر الطَّاقة والمساحة- مدى التَّقارب والاختلاف، وإلى أي مدى نجحت خلطة رامتشاندرا في الإبقاء على التَّوازن المطلوب.

أوَّلًا، الشَّرّ والألم نتيجةً للسُّقوط: يوافق فينوث رامتشاندرا أنَّ السُّقوط قد أدخل الشَّرَّ والألم إلى الخليقة. يشير إلى أنَّ الطَّبيعة نفسها أصبحت تُعاني “فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ.” (روميَّة 8: 22)، مما ينعكس في الكوارث الطبيعيَّة والأوبئة والحروب. في كتابه، يروي كيف كانت الحرب الأهليَّة في سريلانكا تجسيدًا حيًّا لهذا الانهيار الشَّامل للخليقة. يؤكد أنَّ السُّقوط لا يُفسِّر كل حدث مؤلم مباشرة، لكنَّه الخلفيَّة الكُبرى لكلِّ مُعاناةٍ. في الكتاب المقدَّس، سقوط آدم وحواء (تكوين 3) يمثِّل بداية الألم. يرى اللَّاهوت المُصْلَح أنَّ السُّقوط أفسد الإنسان والعالم، وأدى إلى الشَّر الأخلاقيّ والطَّبيعيّ معًا، ويعدّ هذا أساس الفهم لكلِّ الألم في العالم يصف إقرار إيمان وستمنستر حالة الإنسان بعد السُّقوط بالقول: “من هذا الفساد الأصلي [السُّقوط]، الذي به صرنا نافرين تمامًا من كل صلاح، وعاجزين عن فعله، ومقاومين له، وميالين كليًّا نحو كلِّ شر.”[7]

ثانيًا، الشَّر والألم وقضيَّة حريَّة الإنسان: يُبرز رامتشاندرا أنَّ كثيرًا من الشَّر ينجم عن قرارات الإنسان الحرَّة. يستشهد بأمثلة مثل إزالة الغابات الجائرة التي أدَّت إلى كوارث طبيعيَّة في جنوب آسيا. يرى أنَّ حريَّة الإنسان دون حكمة تنتج ظلمًا بيئيًّا واجتماعيًّا. لكنَّه يرفض فكرة أنَّ الشَّر كلَّه نتيجة أفعال فرديَّة فقط، مُشيرًا إلى أن الخليقة مشوَّهة أيضًا -على حدِّ قوله. في الكتاب المقدَّس، حريَّة قايين قادته إلى قتل أخيه (تكوين 4). يُفسِّر اللَّاهوت المُصْلَح الحريَّة البشريَّة بأنها مقيّدة بالطَّبيعة السَّاقطة، حيث يميل الإنسان إلى الشَّر ما لم يتدخَّل الله بالنِّعمة المُخلِّصة. حرية الإنسان دون الله، تعني انفجار الشَّر وليس وأده. وهنا تظهر مساحة من التقارب والتباعد بين فكرة رامتشاندرا واللَّاهوت المُصْلَح.

ثالثًا، الشَّرُّ والألم عقابٌ على الخطيَّة: ينتقد رامتشاندرا الاعتقاد أنَّ الألم دائمًا عقاب مباشر على الخطيَّة. ويُشير إلى أنَّ أيُّوب كان بارًّا رغم مُعاناته، «…لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ». (أيوب 1: 8)، ومع ذلك اتَّهمه أصدقاؤه ظلمًا. يسرد فينوث تجربة مرض زوجته التي زلزلت إيمانه، مؤكدًا أنَّ المُعاناة لا يمكن اختزالها في معادلة “خطيَّة = عقاب.” يؤكِّد الكتاب المقدَّس أنَّ بعض المُعاناة تأتي كتأديبٍ، «يَا ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ، وَلاَ تَخُرْ إِذَا وَبَّخَكَ. لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ.»  (عبرانيين 12: 5-6)، لكنَّها ليست دائمًا قصاصًا. تقديم هذه الفكرة بصورة منقوصة تكتنفه بعض الخطورة، سواء إن قُلنا إنَّ الألم دائمًا عقابٌ وتأديبٌ، أو إن قُلنا إنَّه دائمًا ليس عقابًا. يُفرِّق اللَّاهوت المُصْلَح جيدًا بين التَّأديب الأبويّ والعقاب القضائيّ، ويُعلِّم أنَّ الله قد يستخدم الألم لتزكية الإيمان وليس فقط لمعاقبة الخاطئ، كما يظهر في قصَّة أيُّوب وتجربة بولس مع شوكة الجسد.

رابعًا، الله متسامٍ، أيْ ليس جزءًا من الخليقة: يؤكِّد رامتشاندرا أنَّ الله متسامٍ، موجود خارج الخليقة وغير محدود بزمان أو مكان. يستشهد برؤية إشعياء للرَّبِّ العالي (إشعياء 6: 1)، ليُعزِّز فكرة التَّسامي الإلهيّ. يوضح أن الله ليس جزءًا من الطَّبيعة أو خاضعًا لتقلبات العالم. رغم ذلك، الله قريب ويتواصل مع مخلوقاته. الكتاب المقدَّس يؤيد هذا (مزمور 113: 5-6) حيث الله “السَّاكِنُ فِي الأَعَالِي” لكنَّه “النَّاظِر الأَسَافِلَ”؛ لاحظ أيضًا كيف واجه برنابا وبولس في أعمال 14 ما انتوت الجموع فعله إزاء المعجزة التي أتياها بناء على فكرة أنَّ الآلهة تشبَّهَت بالنَّاس ونزلت إليهم في صورة بولس وبرنابا، حيث دافعا عن بشريتهما وخطَّآ هذه الادِّعاءات وكان جزء من دفاعهما هذا هو الآية 15: “نَحْنُ أَيْضًا بَشَرٌ تَحْتَ آلاَمٍ مِثْلُكُمْ…” مُنزهين بذلك الذَّات الإلهيَّة أن يعتريها الألم، الذي يستتبعه التَّغيير. يُشدِّد اللَّاهوت المُصْلَح على تسامي الله أيضًا وعدم تغيره، يقول إقرار إيمان وستمنستر مثلًا: “يوجد إله واحد فقط، حيٌّ، وحقيقيٌّ، غير محدود في كينونته وكماله، روح طاهر تمامًا، غير مرئي، بلا جسد، ولا أعضاء، ولا مُعاناة بشريَّة…”[8] لكنَّه، ومع ذلك، يؤكد أيضًا حضوره الفعَّال من خلال العناية الإلهيَّة وحفظ الخليقة بواسطة كلمته وقوته. في الحقيقة، هذا واحد من أدقّ التَّحديات. والسُّؤال هنا، إلى أي مدى نجح رامتشاندرا، وإلى أي مدى يمكن للَّاهوتيين أن ينجحوا في مُصَالحة فكرة أنَّ الله قريب يشعر بآلامنا، ولا يُحرِّكنا كقطع الشَّطرنج، مع حقيقة كونه متساميًا، لا يُعاني الألم البشريّ ولا يتغير؟ هذه مهمة دقيقة جدًّا، أعتقد أنَّ تجربة رامتشاندرا الشَّخصيَّة كما أفادته في هذا الكتاب وقرَّبته من القارئ، ربما أعاقت ظهور هذا الخط اللَّاهوتيّ بصورة واضحة مؤكَّدة، أتفهَّم ذلك، فربما كان من الأسهل للمتألم أن يجتذب الله إلى ألمه عن أن يرتفع إلى الله فوقه.

خامسًا، الله يشعر بآلامنا مع أنَّ اللَّاهوت لا يتألم: يرفض رامتشاندرا الرَّأي المُحافظ، الذي يرى أنَّ الله لا يتألم. يرى في دموع المسيح عند قبر لعازر (يوحنَّا 11: 35) إعلانًا أنَّ الله في المسيح يشارك مُعاناة البشر. يرفض تصور إله غير متفاعل مع الألم. مع ذلك، يميز -حتَّى وإن ظهر هذا التَّمييز ضعيفًا بعض الشَّيء- أنَّ هذا لا يعني أنَّ الله يتغير أو يفقد طبيعته. يُقرُّ اللَّاهوت المُصْلَح المُحافظ، أنَّ طبيعة المسيح البشريَّة تألَّمت حقًّا، بينما طبيعته اللَّاهوتيَّة لم تتغير (اتحاد الطَّبيعتين). هذا يحفظ فكرة الله غير المتغير (ملاخي 3: 6)، ويؤكد في الوقت نفسه أنَّ المسيح تألم من أجل خلاص البشر بطريقة حقيقيَّة وعميقة. وهذه قضيَّة دقيقة أخرى، تحتاج إلى خطابٍ كتابيٍّ دقيق.

أخيرًا، النِّعمة العامَّة هي تدبير عناية الله في وجه الشَّر والألم: رغم أن رامتشاندرا لا يستخدم مصطلح “النِّعمة العامَّة” بشكل منهجيّ واضح، إلَّا أنَّ أفكاره تتَّسق مع هذا المفهوم. يرى أنَّ وجود الخير والرَّجاء وسط الشَّرِّ علامة على استمرار رحمة الله وعنايته بالخليقة. يشير إلى أن العمل الخيريّ، والرَّحمة بين النَّاس، وبقاء النِّظام الكونيّ رغم الحروب والكوارث، كلها أدلَّة على تدخلٍ إلهيٍّ مستمر. يُعلِّم الكتاب المقدَّس أنَّ الله «…يَفْعَلُ خَيْرًا: يُعْطِينَا مِنَ السَّمَاءِ أَمْطَارًا وَأَزْمِنَةً مُثْمِرَةً، وَيَمْلأُ قُلُوبَنَا طَعَامًا وَسُرُورًا.» (أعمال 14: 17). يُطوَّر اللَّاهوت المُصْلَح مفهوم النِّعمة العامَّة كوسيلة لحفظ النِّظام ومنع الانهيار التَّامّ حتى يتمِّم الله مقاصده الخلاصيَّة. يبدو هذا جليًّا في كتابات كالفن،[9] وفي الكالفينية الجديدة التي طوَّرها أبراهام كايبر وفتح من خلالها ملكوت الله من الكنيسة إلى العالم من خلال ما أسماه كايبر “دائرة السِّيادة.”[10]

الخُلاصة

ضَحِك سارَّة، هو شهادة حيَّة أكثر من كونه أطروحة لاهوتيَّة. لا يقدِّم فينوث رامتشاندرا شرحًا نظريًّا للمُعاناة، بل اختبارًا شخصيًّا من قلب الألم. يحاول الكاتب معالجة التَّوتر بين الإيمان والواقع، بين الرَّجاء واليأس، دون تزييف أو تبسيط. ينتقد بشجاعة محاولات الكنائس تبرير المُعاناة بتفسيرات سطحيَّة. يطالب بإفساح المجال للحزن والشَّك والاحتجاج في الحياة الروحيَّة. يُعيد تقديم صورة الله ليس على أنَّه كائن بعيد غير متأثرٍ، بل شخص يتألم مع شعبه ويتحرك نحو خلاصهم. يتحدى هذا الموقف بعض الأسس اللَّاهوتيَّة المحافظة التي تؤمن أنَّ الله لا يتغير ولا يتألم.

يستخدم رامتشاندرا أمثلة من سفر أيُّوب، المزامير، وحياة المسيح، ليؤسس رؤيته. يرى أنَّ التَّجسد هو الدَّليل الأعظم على مشاركة الله في الألم البشريّ. يقترح أنَّ الرَّجاء المسيحيّ لا يعني تجاهل الألم، بل مواجهته بثقة بأنَّ الله يعمل وسط الظُّلمة من أجل تجديد العالم. أسلوبه يجمع بين التَّأمل الشَّخصيّ، التَّحليل اللَّاهوتيّ، والسَّرد القصصيّ. لغته الحيَّة تضع القارئ وسط المُعاناة، وتدعوه إلى التَّفكير العميق في طبيعة الإيمان وسط الألم. رغم بعض التَّكرار والانتقالات المفاجئة أحيانًا، نجح رامتشاندرا في بناء خطاب صادق وحقيقيّ.

أخيرًا،

هذا كتابٌ لمن يُختَبَرُ إيمانهم بالله بفعل الشَّرّ والألم والحزن الذي يحيط بنا في عالمنا المُحَاصَر.

هذا كتابٌ للـ “…غاضبون ليس فقط من الأعمال الإنسانيَّة الوحشيَّة الفظيعة والخداع، بل أيضًا من الذَّبح الوحشيّ للحيوانات وتدمير مواطنها الطبيعيَّة.”[11]

هذا كتابٌ ربما يفتح عقلك على فهم مختلف للألم، لكنه بالتَّأكيد سيفتح قلبك على إحساس أكثر رهافة بالمتألمين من حولك. 

        أعترف، أنّني لم أعُد ذاك الذي كنت عليه قبل قراءة هذا الكتاب!

 

[1] رامتشاندرا، ضحك سارة: الشك والدموع والرجاء المسيحي، ترجمة: سامح إبراهيم (القاهرة: إنسباير للنشر والتوزيع، 2023)، 23.

[2] https://bookshop.org/p/books/sarah-s-laughter-doubt-tears-and-christian-hope-vinoth-ramachandra/14754503?utm_source=chatgpt.com.

[3] https://bookshop.org/p/books/sarah-s-laughter-doubt-tears-and-christian-hope-vinoth-ramachandra/14754503?utm_source=chatgpt.com.

[4] https://thewell.intervarsity.org/book-clubs/sarahs-laughter-discussion-guide?utm_source=chatgpt.com.

[5] للمزيد من الفهم حول محتوى الكتاب، يمكن مشاهدة إطلاق الكتاب الافتراضي الذي يتحدث فيه المؤلف عن أفكاره وتجربته الشخصية.

https://www.youtube.com/watch?v=3CBLw39vGd0.

[6]رامتشاندرا، ضحك سارة: الشك والدموع والرجاء المسيحي، 31.

[7] إقرار إيمان وستمنستر، الفصل السادس، مادة 4. راجع أيضًا: رومية 5: 6؛ 7: 18؛ 8: 7؛ كولوسي 1: 21؛ تكوين 8: 21؛ انظر تكوين 6: 5؛ رومية 3: 10–12؛ متى 15: 19؛ يعقوب 1: 14–15؛ أفسس 2: 2–3.

[8] إقرار إيمان وستمنستر، الفصل الثاني، مادة 1.

[9] جون كالفن، أسس الدين المسيحي، ترجمة: جورج صبرا (بيروت: منهل حياة، 2017)، 191-219.

[10] موريس يوسف، أبراهام كايبر والكالفينية الجديدة: الجذور والملامح (القاهرة: رجاء للجميع، 2024)، 125-156.

[11] رامتشاندرا، ضحك سارة: الشك والدموع والرجاء المسيحي، 18.

مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط للدكتور القسّ فهيم عزيز

اسم الكاتب: القسّ عيد صلاح

في شهر مايو من كل عام يكون حصاد كلية اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة بتخريج دفعاتٍ للكنيسة والخدمة، ويشترك معها كليات اللاهوت العاملة في حقل التعليم اللاهوتيّ، ولأهمية الدور الذي تقوم به الكلية في حقل التعليم اللاهوتيّ ننشر دراسة قام بها طيب الذكر الدكتور فهيم عزيز (1924-1983م) تحت عنوان: “مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط” نُشِرَ في مجلة الهدى، المجلة الرسميّة للكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة بمصر، في ثلاثة أعداد على ثلاثة أجزاء، وهي:

  • مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط (1)، (الهدى، العدد 808، السنة 68 أبريل 1978م)، 8-11.
  • مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط (2)، (الهدى، العدد 809، السنة 68 مايو 1978م)، 8-13.
  • مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط (3)، (الهدى، العدد 810، السنة 68 يونية 1978م)، 38.

وتأتي هذه الدراسة للدكتور القسّ فهيم عزيز في سياق مناقشة قضية مفهوم التعليم اللاهوتيّ في مجتمع مصر المعاصر على صفحات مجلة الهدى عامي: 1977-1978م، وقد شارك في هذا الملف المهم الكتَّاب الآتي أسماؤهم، أذكر منهم، بالترتيب الزمني:

  • وليم فرج، مفهوم التعليم اللاهوتيّ في مجتمع مصر المعاصر (الهدى، العدد 797، السنة 67، مايو1977م)، 22-23.
  • باقي صدقة، مفهوم التعليم اللاهوتيّ في مجتمع مصر المعاصر (الهدى، العدد 800، السنة 67، يونية 1977م)، 26-28.
  • بيتر دركسون، مفهوم التعليم اللاهوتيّ في مجتمع مصر المعاصر (الهدى، العدد 801، السنة 67، يوليو 1977م)، 27-30.
  • إميل زكي، مفهوم التعليم اللاهوتيّ في مجتمع مصر المعاصر (الهدى، العدد 802، السنة 67، سبتمبر 1977م)، 9-14.
  • جون لوريمر، مفهوم التعليم اللاهوتيّ في مجتمع مصر المعاصر (الهدى، العدد 803، السنة 67، أكتوبر 1977م)، 33-34.
  • لبيب مشرقي، مفهوم التعليم اللاهوتيّ في مجتمع مصر المعاصر (الهدى، العدد 804، السنة 67، نوفمبر 1977م)، 1-14.
  • فليب صابر، مفهوم التعليم اللاهوتيّ في مجتمع مصر المعاصر (الهدى، العدد 805، السنة 68، يناير 1978م)، 18-20.
  • يوسف بطرس، مفهوم التعليم اللاهوتيّ والقرية (الهدى، العدد 806، السنة 68، سبتمبر 1978م)، 34-36.
  • يوسف بطرس، التعليم اللاهوتيّ والشباب (الهدى، العدد 807، السنة 68، مارس 1978م)، 33-34.

أهمية الدراسة

دراسة الدكتور القسّ فهيم عزيز والكتابات المشار إليها في القائمة السابقة، وغيرها لم ينشر، اهتمت بالتركيز على معنى التعليم اللاهوتيّ في مصر والشرق الأوسط، ولكن ما ميز دراسة الدكتور فهيم عزيز أنه تكلم عن المستقبل فوضع عنوانًا للدراسة مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط، والذين يهتمون بالمستقبل هم قلة، بدأها طه حسن (1889-1973م) عميد الأدب العربيّ، عندما كتب كتابًا مهمًّا عن: “مستقبل الثقافة في مصر” في القاهرة 1938م. وقبل طه حسين لم تعنون كتب تحت عنوان المستقبل، وقبل فهيم عزيز لم يستخدم أحدًا عنوان “المستقبل” في التعليم اللاهوتيّ. وكلاهما ربطا المستقبل بالتعليم.

قضية التعليم اللاهوتيّ مهمة وضروريّة وسنظل في احتياجٍ شديدٍ إليها، وإعادة نشر دراسة الدكتور فهيم عزيز ستكون مفيدة في رصد لمنظور التعليم اللاهوتيّ وتطوره في مصر والشرق الأوسط، وتعود أهمية هذه الدراسة لكاتبها وموضوعها، وعلى الرغم مرور قرابة نصف قرن من الزمان عليها، إلا أن فيها كثيرًا من الأمور المفيدة. أتمنى أن تكون مفيدة لمن يعملون في حقل التعليم اللاهوتيّ في مصر والشرق الأوسط.

تنقسم الدراسة إلى فصلين: الأول، نص الدراسة في كما ورد في مجلة الهدى، وما بين القوسين [ ] هو من إضافة المحرر، والثاني عن حياة وإنتاج طيب الذكر الدكتور القسّ فهيم عزيز، الأكاديميّ بقلب راعٍ، والراعي بقلب أكاديميّ، وهي نُشرت من قبل في كتاب من تحرير القسّ عيد صلاح: “الخلاص معناه وكيفيته ويقينيته (القاهرة: دار رجاء للجميع للنشر والتوزيع، 2024م)، 69-73. ولكن قد زيد عليها الكثير من المعلومات المهمة هنا.

القس عيد صلاح

عين شمس، القاهرة

26 أبريل 2025م

 

 

 

الفصل الأول

مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط([1])

(1)

من دواعي سروري أنْ أشترك معكم في الحديث عن التعليم اللاهوتيّ الإنجيليّ ومستقبله في منطقة الشرق الأوسط، وأعتقد أنه ليس من قبيل الصدفة أنْ يصبح التعليم اللاهوتيّ في هذا الوقت بالذات قضية تتبناها مجلة الهدى -المجلة الرسمية للكنيسة الإنجيليّة المصريّة- على أوسع نطاق، ويشترك في الكتابة عنها بعضٌ من كُتَّابنا النابهين، أقول إنَّها ليست مصادفة بل أنَّ هذا يدل على أهمية هذه القضية وأنَّها أصبحت الشغل الشاغل لكثيرين من القادة الروحيّين والدينيّين في هذه المنطقة من العالم.

وترجع أهمية التعليم اللاهوتيّ إلى أنَّه ليس علمًا قائمًا بنفسه ولذاته، فالذين يتعلّمون ويعلّمون لا يفعلون ذلك لقصد العلم والتعليم فقط، بل هناك سبب أساسي لذلك وهدف يسعون إليه، هذا الدافع والهدف بل والمناخ الذي يعيش فيه التعليم اللاهوتيّ هو الخدمة أو الإرساليّة الإلهيّة في الكنيسة.

ما هي هذه الخدمة؟ حتى هذه الكلمة أصبحت في هذه الأيام من الكلمات التي ثار حولها الجدل الشديد. أذكر مناقشة جادة بين اثنين من القادة في الكنيسة الإنجيليّة وفى الكنيسة الأفريقيّة، عندما قال المصريّ: إنَّ الخدمة في أساسها معناها إشباع الجوع الروحيّ للإنسان، فتحمس الأفريقيّ وقال: إنَّ هذه لغة استعماريّة بل هي خطية؛ فالخدمة هي إشباع بطن الإنسان أولًا… وهذا الاختلاف هو ضرورةٌ فطالما وُجِدت الكنيسة في عالم متحرك ومتغير فلا بد أنَّ وجه الخدمة في العالم متحرك ومتغير أيضًا.

ولقد ظلت خدمة الكنيسة في كل عصور المسيحيّة تتبع واحدًا من ثلاثة أشكال: الخدمة الخاصة، وهي تتركز في المجموعة الخاصة من الكنيسة وهم الكهنة، أو الخدمة العامة وتتركز في كل الكنيسة وتبنى على عقيدة كهنوت جميع المؤمنين مع التنبير على نوع من التخصص العلميّ أو القياديّ فيها، أو الخدمة العامة من دون أي نوع من الفرز والتخصّص. ولا يخفى أنَّ التعليم اللاهوتيّ في كل فرع من فروع الكنيسة قد تأثر بنوع الخدمة الموجودة فيها على الأقل في أشكاله المتعدّدة.

أما مضمون الخدمة فأعتقد أن الرسول بولس وضَّحه في (أفسس 4: 7-16): “وَلكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أُعْطِيَتِ النِّعْمَةُ حَسَبَ قِيَاسِ هِبَةِ الْمَسِيحِ. لِذلِكَ يَقُولُ: إِذْ صَعِدَ إلى الْعَلاَءِ سَبَى سَبْيًا وَأَعْطَى النَّاسَ عَطَايَا. وَأَمَّا أَنَّهُ صَعِدَ، فَمَا هُوَ إِلاَّ إِنَّهُ نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلًا إلى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى. اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضًا فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلأَ الْكُلَّ. وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، إلى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إلى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إلى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إلى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ. كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالًا مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ، بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إلى مَكِيدَةِ الضَّلاَلِ. بَلْ صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إلى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ، الَّذِي مِنْهُ كُلُّ الْجَسَدِ مُرَكَّبًا مَعًا، وَمُقْتَرِنًا بِمُؤَازَرَةِ كُلِّ مَفْصِلٍ، حَسَبَ عَمَلٍ، عَلَى قِيَاسِ كُلِّ جُزْءٍ، يُحَصِّلُ نُمُوَّ الْجَسَدِ لِبُنْيَانِهِ فِي الْمَحَبَّةِ.”

[أولاً: خدمة المسيح]:

لعل أهم عنصر في هذه الخدمة أنها وقبل كل شيء هي خدمة المسيح. خدمة عبد الرب الذي نزل إلى أقسام الأرض السفلى، وصار بين الناس كمن يخدم، يقول المسيح: “لأَنْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ: أَلَّذِي يَتَّكِئُ أَمِ الَّذِي يَخْدُمُ؟ أَلَيْسَ الَّذِي يَتَّكِئُ؟ وَلكِنِّي أَنَا بَيْنَكُمْ كَالَّذِي يَخْدُمُ.” (لوقا 22: 27). وكانت هذه الخدمة تنطلق في ثلاثة اتجاهات: خدمة الطاعة الله: “وَلكِنْ لِيَكُنْ لاَ مَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ.” (مرقس 14: 36). ثم هي خدمة موجهة إلى العالم، “لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ.” (مرقس 10: 45). ثم هي خدمة لتلاميذه الذين في العالم، “أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إلى الآبِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إلى الْمُنْتَهَى.” (يوحنا 13: 1).

[ثانيًا: خدمة الكنيسة]:

أما العنصر المهم الثاني فهو أن خدمة الكنيسة هي تكملة لخدمة المسيح نفسه… خدمة الجسد تكملة الخدمة الرأس. وتتجه خدمة الكنيسة أيضًا كخدمة المسيح إلى اتجاهات ثلاثة: إلى الله، إلى العالم، وإلى الكنيسة نفسها. فهي خدمة عبادة الله. يقول الرسول بولس: “فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ.” (رومية 12: 1). إنها خدمة الطاعة للرب الذي افتداها. وهي خدمة موجهة أيضًا إلى العالم وهي كذلك لأن مركزها الله نفسه. وعلى هذا الأساس تصبح الكنيسة مملكة كهنة: “وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إلى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ.” (رؤيا 1: 6). “وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ.” (رؤيا 5: 10). “مُبَارَكٌ وَمُقَدَّسٌ مَنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْقِيَامَةِ الأُولَى. هؤُلاَءِ لَيْسَ لِلْمَوْتِ الثَّانِي سُلْطَانٌ عَلَيْهِمْ، بَلْ سَيَكُونُونَ كَهَنَةً للهِ وَالْمَسِيحِ، وَسَيَمْلِكُونَ مَعَهُ أَلْفَ سَنَةٍ.” (رؤيا 20: 6). وكل ذلك لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب، حسب قول الرسول بطرس: “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إلى نُورِهِ الْعَجِيبِ.” (1بطرس 2: 9).

وهي أيضًا موجَّهة إلى الكنيسة نفسها لأن الكنيسة تحتاج إلى تقويةٍ للنضال والجهاد تابعةً سيدها: “لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ. فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إلى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ.” (عبرانيين4: 15-16). ولهذا يقول الرسول: “لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ.” (أفسس 4: 12).

[ثالثًا: خدمة لجماعة مفرزة لنفس الغرض]:

لكن هناك أيضًا خدمة لجماعة مفرزين لنفس الغرض “وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ،” (أفسس 4: 11).

[مكونات التعليم اللاهوتيّ]:

فإذا كان التعليم اللاهوتيّ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالخدمة كما اتضح ذلك في العهد الجديد، وإذا كان شكل الخدمة ومضمونها هو كما سبق وظهر في تعاليم الرسول بولس فيبنى على أن مضمون التعليم اللاهوتيّ يتكون من ثلاثة مكونات: العبادة حيث إن الخدمة موجهة إلى الله، ثم التبشير أو (الكيرجما) وهي إعلان ما عمله الله مجيء-ابنه وحياته، وموته، وقيامته، وصعوده، وإرسال الروح القدس، والوعد بمجيئه مرة أخرى، والمناداة بالتوبة والرجوع إلى الله. وهذا كله يوجهه إلى العالم الذي لم يقبل المسيح مخلصًا وفاديًا. وأخيرًا يتكون التعليم وهو وضع الخبرة المسيحيّة في مواقف مختلفة وعديدة.

[المكون الأول: العبادة]:

ولا نقصد بالعبادة، العبادة الكنسيّة فقط من ترانيم وصلاة وغير ذلك، ولكننا نقصد الحياة الروحيّة للفرد والكنيسة، الحياة التعبديّة المتمثلة في الطاعة الكاملة لله، والإيمان الواثق المتمسك بكلمة الرب. ولعلّ التعليم اللاهوتيّ في غمرة اللاهوتيّات والنظريّات الكثيرة، والدراسات المتعمقة عقليًّا ينسى هذه الوجهة الروحيّة التي تُعَدُّ المركز الحقيقيّ والرئيسيّ للخدمة، وأي خدمة لا تبنى أصلًا على اختبار وفهم الصلة بين الإنسان والرب لا يمكن أن تكون خدمة مسيحيّة كتابيّة. فهذه الدراسة حقيقيّة الخبرة في الطاعة.

[المكون الثاني: الكرازة]:

أما الكرازة فهي تتمركز حول المسيح الذي فيه كان الله مصالحًا العالم لنفسه، ولعل أهم ما يميز هذه الناحية من الدراسة تاريخيّة الخبرة المسيحيّة. أن هذا الأمر، وما كان يميز المسيحيّة عن التعاليم والديانات التي أحاطت بها، فمع أن هناك اصطلاحات كثيرة تشابهت فيها الخبرة المسيحيّة مع الديانات الأخرى، إلا أن العنصر التاريخيّ للاختبار المسيحيّ هو ما جعله حقيقيًّا وواقعيًّا وفعالًا. هذا ما أود أن أنبر عليه في دراستنا للعهد الجديد وللإنجيل. أنه ليس أسطورة myth وأنه لم يأتِ لنا في لغةٍ أسطورية… أنه تاريخيٌّ، والله قد جاء في المسيح فعلًا مصالحًا ومخلصًا العالم بكفارة المسيح.

[المكون الثالث: الخبرة الروحيّة]:

أما التعليم وصياغة هذه الخبرة في تعبيرات وقوانين إيمان فهي ضروريّة جدًّا. إن الأهمية العظمى للعقيدة تكمن في أنَّها تعبر عن الخبرة المسيحيّة بلغة العصر الذي يعيش فيه الإنسان المسيحيّ المتعلّم والمجتمع الذي يحيط به، ومن ابتداء الكنيسة الأولى، إلى الرسول بولس ويوحنا، إلى المراكز المسيحيّة العلميّة في كل عصور الكنيسة، كان التعليم اللاهوتيّ يحاول أن يضع الاختبار المسيحيّ في القوالب التي يفهمها الناس والعصر، وبذلك يستطيع المتعلّم أن يخاطب الناس ويكملّهم. وهذا يتطلب أنْ يأخذ التعليم اللاهوتيّ في اعتباره أن يدرس المجتمعات التي ينبت فيها، وكيفيّة فهمها وإدراكها للأمور حتى يمكن أن يخاطبها فتفهمه.

هذا هو مضمون التعليم اللاهوتيّ، الخبرة المسيحيّة كما تبدو في حياة الطاعة الكاملة لله، وفي الواقع التاريخيّ لها، والذي يتركّز في المسيح يسوع، الذي أعلن لنا الله المحب، وفي معايشتها للتفكير البشريّ حتى تأسر كل فكر لطاعة المسيح.

ولا يمكننا أن نفصل بين الثلاثة فصلًا حادًّا بل كلها متداخلة بعضها في بعض. لكن ما يميزها هو التنبير على الموضوع الذي تُوجَّه إليه الخدمة.

 

مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط([2])

(2)

[أهمية التعليم اللاهوتيّ في منطقة الشرق الأوسط]

تُعتبر هذه المنطقة من أهم المناطق التاريخيّة في التعليم اللاهوتيّ في كل الأديان وخاصة في المسيحيّة، ولا يمكن أن ينسى أيُّ دارسٍ تلك المدارس العظيمة التاريخيّة، وخاصةً مدرسة الإسكندريّة، ومدرسة أنطاكيّة. ولكن يلوح أن جاءت عصور ضعف فيها التعليم اللاهوتيّ، واقتصر على الكتاتيب الملحقة بالكنائس والأديرة التي لم يظهر فيها أي نوع من الثقافة الدينيّة، إلا فيما يختص بالعبادات والطقوس والألحان.

وإذا ذهبنا إلى المدارس البروتستانتيّة فنجد أن في أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأت الإرساليّات تهتم كثيرًا بهذا التعليم ولعل أول مدرسة بروتستانتيّة كانت كليّة اللاهوت الإنجيليّة بمصر 1863م، ثم بدأت الكليّة الإكليريكيّة الارثوذكسيّة 1893م. وفى أورشليم فُتِحت مدرسة 1887م ولكنها لم تستمر كثيرًا. وفى بيروت ظهرت كليّة اللاهوت للشرق الأدنى 1932م بدمج مدرستين إحداهما كانت في أثينا والثانية في بيروت. وهناك مدارس للكتاب المقدَّس كثيرة منتشرة كمدرسة شملان، والمدرسة المعمدانية بالمنصورية، واللاهوت الوسليّة بأسيوط، وغيرها من بعض المدارس البروتستانتيّة الصغيرة التي لها بعض التأثير على التعليم اللاهوتيّ الجاد في هذه المنطقة من العالم.

ولكن لم تكن هناك دراسات جادة لتقييم هذه المدارس إلا دراسة قام بها دوجلاس وبستربوك. ل. ناصر، ونشرت في سنة 1961م. ولكني أعتقد أنَّ منذ الـ16 سنة التي مضت بين كتابة هذا التقرير ووقتنا الحاضر حافلة بالتغييرات الاجتماعيّة، مما جعل الأمر يختلف كثيرًا عما ذكره هذا التقرير. وعقيدتي أنَّ محاضرة كهذه لم تجهز إلا في أيام محدودة، وبإمكانيات صغيرة لا تستطيع أن تلم بالموضوع إلمامًا حقيقيًّا. وإذا كان الأمر مهمًّا بهذه الدرجة أرجو أن أرى لجنة على أوسع مدى تعطى لها كل الصلاحيات للدراسة والتفكير حتى تستطيع أن تقدم تقريرًا مفصلًا عن الحالة التي تعيش فيها هذه المدارس والتعليم اللاهوتيّ في هذه المنطقة.

 وإن كنا نريد أن نأخذ منطلقًا من ذلك التقرير فإنني أعتقد أنه -بجانب التغيير الهائل الذي حدث في المنطقة منذ أن كتب- توجد ناحية هامة جدًّا لم يتعرض لها هذا التقرير وهي الحاجة الماسة للكنائس القائمة، والشعب المنتمي إليها إلى نوع من التعليم اللاهوتيّ، وهذا أمر ليس بمستغرب على اثنين من خارج المنطقة لم يعيشا فيها إلا عشرة أسابيع متنقلين ما بين مصر ولبنان وإيران والأردن. لقد ركزوا على وصف الكنائس ووصف كليّات اللاهوت وما يدرس فيها ولكنه لم يشر إلى الحاجة الماسة للمنطقة ككل، وبالتالي ما هي نوعية العمل الحقيقي الذي يجب أنْ يحقَّقه التعليم اللاهوتيّ.

إن الوصف الواقعيّ الذي ذكره ذلك التقرير عن مدرسة لاهوت الشرق الأدنى وكليّة اللاهوت الإنجيليّة، قد تغير كثيرًا في المباني وهيئة التدريس والمكتبة. ولكن التغيير الواضح لا يخطئه أي دارس هو المواجهة العامة للتعليم والمسؤوليات التي تواجه الكليتين، وهذا ما نود أن نركز عليه في هذه الدراسة. إلى هنا يحق لنا أن نتساءل: ما هو نوع التعليم اللاهوتيّ الذي نود أن نراه في هذه المنطقة من العالم؟ إنني أعتقد اتجاهات ثلاثة:

1-  تثقيف الكنيسة عامة،

2-  تدريب الخدام على كيفية مخاطبة المسيحيّين،

3-  التخصص الذي يهم هذه المنطقة.

[الاتجاه الأول: تثقيف الكنيسة العامة]:

وهنا يجب أن أنبر على هذا الأمر الحيوي والحقيقي وهو أنني عندما أتكلم فإنما من واقعي في كليّة اللاهوت الإنجيليّة وذلك لسببين: الأول، هو أنه ليس من المعقول أن أذكر كثيرًا عن كليّات اللاهوت الأخرى فهناك من هم يعرفون الكثير عنها لأنهم يعيشون واقعها ويعرفون أكثر مني. أما الأمر الثاني، فبحسب ما أفهم هو أنه في بعض نواحي الخدمة والتعليم فإنَّ كليّة اللاهوت الإنجيليّة في الكنيسة المصريّة تواجه تحديات أوسع وأكثر ثقلًا من أية كليّة أخرى، نسبة لموقعها وارتباطها بكنيسة كبيرة نسبيًّا، أمامها تحديات لا حدَّ لها، لهذا السبب سأقتصر في معظم الوقت على الكلام في التحديات التي تواجه هذه الكليّة.  

وإنني أذكر مرة أن الطيب الذكر المستر إيرك ينسلون، وكان صديقًا حقيقيًّا ومخلصًا لكليّة اللاهوت بمصر عارفًا بما يواجهها من مسؤوليات، وما فيها من إمكانيات. قال لنا في أول زيارة له: إن العمل الذي تحتاجون إليه وتحتاج كل كليّة جادة في خدمتها، وتقييم خدمتها تقييمًا صحيحًا صريحًا، أن تدخلوا في حجرة لمدة 3 أيام كاملة، وتدرسوا الكليّة من كل نواحيها، وتكونوا صادقين مع أنفسكم ومع الكليّة ومخلصين للخدمة وللسيد نفسه، وتقوموا بتحصيل صادق لكل ظروف الكليّة وإمكانياتها ومسؤوليتها واحتياجاتها والقصور الذي فيها. ثم تخرجوا بدراسة صحيحة تكون أساسًا لبداية حقيقيّة وخطة واقعيّة لتطوير الكليّة.

أعتقد أن كل كليّة تحتاج إلى هذه الوقفة وتترك كل تفكير سابق وتعمل هكذا. ومن قبيل النقد الذاتيّ أعترف أن كل المخططين للتعليم اللاهوتيّ قد نسوا هذا المجال في تخطيطهم وحسبوا تدريب الخدام هو المنطلق الأساسيّ الذي يجب أن يشغل كل مهم بهذا التعليم، أما تثقيف الكنيسة ككل فلم يرد لهم على خاطر في كثير من الأحيان، وتصحيحًا لهذا الأمر يجب أن يخرج التعليم اللاهوتيّ من قوقعته ويتجه إلى الكنيسة عامة. وهناك دافعان قويان يحتّمان علينا ذلك الاتجاه:

أولاً: الأميّة المتفشيّة في الكنيسة

ولست أقصد بالأميّة عدم معرفة القراءة الكتابة، فأعضاء الكنيسة الإنجيليّة والحمد لله في مجموعهم من رجال وسيدات يعتبرون نسبيًّا على أعلى نسبة من التعليم في مصر. ولكني أقصد الأميّة الكتابيّة واللاهوتيّة.

ومن مظاهر هذه الأميّة عدم معرفة الكتاب المقدَّس من حيث النصّ، وذلك بالمقارنة بأعضاء الكنيسة في ابتداء الخدمة الإنجيليّة في مصر. ففي الأيام الماضية حفظ الأعضاء، والأغلبيّة منهم كانوا لا يقرأون ولا يكتبون، أجزاء كثيرة من الكتاب، وكانوا يتلذذون بمرافقة الواعظ في قراءة الفصول. أما الآن فالحال يختلف وقليلون جدًّا عندهم الشهيّة الحقيقيّة لحفظ أجزاء من الكتاب.

لكن الأمر لا يقتصر عند هذا الحد فهناك ما هو أقسى وأدعى إلى الألم، وهو أنَّ نسبة كثيرة ممن يعرفون الكتاب المقدَّس قد تحولت معرفتهم إلى واحد من اثنين: إما أنها تجمَّدت وتحفظت ووضعت في أكفان من عقائد حجريّة، وأما أنها اختلطت بعضها ببعض، وأصبحت المعرفة القليلة التي لهم سبب تشويش عقليّ، وهذا ما نجده كثيرًا في الشباب المتطلع الذي ينتسب إلى جمعيّات الشباب. ولقد أدى إلى هذا الموقف وعمل على إبقائه وزيادته، عدَّة عوامل تختص بالمنطقة كلها عامة، وبالمجتمع المصريّ خاصة منها:

  1. المجتمع الذي يتأرجح بين الانفتاح والانغلاق:

فبينما نرى الهيئات الكثيرة تدخل المجتمع المصريّ، كل هيئة لها تفكيرها ولها طرقها لجذب الشباب، ولكل منها أفكارها وتفكيرها، نجد أيضًا إلى جانب ذلك مجموعة من القادة الذين يحاربون لأجل العقائد التي شابها كثير من التغيير والانحراف، فاختلط شهود يهوه والسبتيّون وهيئات الشباب المختلفة مع المتزمتين والمحافظين المتمسكين، وكل يحاول أنْ ينقل رأيه وعقيدته.

  1. الدعوة التبشيريّة للإسلام

لقد انقضى الوقت الذي كانت فيه المسيحيّة تُقدَّم لغير المسيحيّ في عقر داره، أو كان يأتي إلى الدور المسيحيّة ليتعلَّمها، أو ليسمع عنها، وأضحى الموقف منعكسًا، وصار التشكيك في الكتاب المقدَّس، وخاصة العهد القديم، موضة العصر، وزادت مهاجمة قوانين الإيمان المسيحيّة لكسب المسيحيّين وجذبهم إلى الإسلام. ومع أنَّ مهاجمة قوانين الإيمان المسيحيّة لكسب المسيحيّين وجذبهم إلى الإسلام.

ومع أن مهاجمة الكتاب المقدَّس تركَّزت في التوراة أو العهد القديم بهدف ظاهر وهو رفض الدعاوى والمستندات اليهوديّة. إلا أنَّها في حقيقتها موجهة إلى المسيحيّين قبل اليهود. أما الوجه الخطر في هذا الأمر فهو موجه إلى الأطفال الصغار والشباب الذين يتعلمون كل شيء ما عدا المسيحيّة.

  1. التغيير الاجتماعيّ

وما له من تأثير على بعض القيم الأسريّة والدينيّة وتأثير المذاهب المختلفة في كثير من تفكير الشباب كالوجودية وحركات الشباب وردود الفعل العنيفة التي تبديها بعض الهيئات ضد السلطة وغيرها. كل هذه نرى أثرها على المجتمع، نعم هذا التأثير لم يتضح بعد كما اتضح في الغرب نظرًا لاختلاف البيئة، ولكن مَن يعمِّق مِن نظره ويدقّق في بينة المجتمع يجد أنَّ التغيير قد بدأ حتى ولو كان وئيدًا.

هذه بعض العوامل التي عمقت أمية المجتمع الدينيّ ووضعت أمام الهيئات القائمة على التعليم اللاهوتيّ تحديًا ضخمًا. فماذا تفعل كليّات اللاهوت؟ هل تكتفى بتدريب القادة وكفى؟ إنني أخشى أنَّ كليّات اللاهوت أو كليّة اللاهوت الإنجيليّة قد تركت الميدان بحسن نية ولقصر الإمكانيات، لحركات ظنت أنها تعلّم الشعب فإذا بها تزيده تعقيدًا وتشويشًا؛ فمثلًا “حركة الترجمة والتأليف” التي تقوم بها جماعات مخصوصة، ليس لها العمق الدينيّ ولا المفهوم الكتابيّ الصحيح، فتخرج إلى السوق كتبًا هي عبارة عن اختبارات جماعة عاشوا في القرن التاسع عشر، وما قبله، حتى الأمثلة التوضيحيّة التي نسمعها في المنبر لا تجد فيها مثالًا شرقيًّا واحدًا بل كلها قصّص من سبرجن ومودي وغيرهما مما لا يستطيع أنْ يفهمه العقل الشرقيّ عامة والمصريّ خاصة، إلا أنَّه شيء حدث بعيدًا عنه ولا يخصه أنَّه ليس شيئًا حيًّا بالنسبة له، حتى وإنْ تأثر فكل تأثيره لا يتجاوز الطريقة التي يتكلم بها الواعظ.

[ثانيًا: مؤتمرات الشباب]

وما زاد الطين بِلّه في تلك التجمعات الهائلة التي نسميها مؤتمرات الشباب في العجمي والمؤثرات الأخرى الكنسيّة في أماكن المؤتمرات العديدة أنه لا يوجد أي نوع من التنسيق الموضوعيّ والفكريّ، وناهيك عن التأثير العاطفي المخيف الذي يمثل عنصرًا هامًّا في هذه المؤتمرات، وقد لمست ذلك في بعض الطلبة الذين يدخلون كليّة اللاهوت متأثرين هذه الاجتماعات ولا أبالغ إنْ قلت: إنهم يمثلون أردأ عناصر الكليّة. وقد سمعت أن في الطريق طلبًا من بعض الشباب الناضجين الذين يهتمون بثقافة الشباب إلى كليّة اللاهوت يطلبون منها التدخل للتنسيق الفكريّ والإرشاد اللاهوتيّ لذلك.

هذه صورة لبعض ما يحدث في وسط الشباب الإنجيليّ وهذه هي حاجته. فهل يليق بكليّة اللاهوت وهيئات التعليم اللاهوتيّ إن وجدت أن تقف بمعزل عن هذا؟ إنَّنا لا نملك السلطان الكهنوتّي الذي يستطيع بجرة قلم أو بكلمة واحدة أن يوقف هذا التعليم أو ينشر ذاك، كما أن الهيئات الكنسيّة المعنية بالتعليم اللاهوتيّ لها صفة الإرشاد فماذا عملت؟

  • لقد شعرت كليّة اللاهوت بذلك، وتحت ضغط الظروف الكنسيّة افتتحت القسّم المسائيّ للعلمانيّين، ورغم القصور الشديد في هيئة التدريس، فإنَّه يؤدى خدمة جليلة، ولكن القصور الواضح فيه هو أنَّ هذا القسّم لا يخدم إلا القاهرة، وعلى نطاق ضيق جدًّا، نظرًا لشروط الالتحاق به.
  • أحس السنودس بذلك وخصوصًا عندما ذكر كثير من الخدام أنهم رأوا أشياء وسمعوا بمعتقدات من هيئات سمح لها السنودس بأن تخدم في كنائسه لا تتمشى مع معتقداتنا وآرائنا وطرق عبادتنا، ولذلك عيَّن لجنة لدراسة كتابيّة لموضوع يشغل بال الكنيسة في هذه الأيام. ولكن كيف يتسنى للجنة واحدة لا تُعطى لها الإمكانيات اللازمة أنْ تقوم بمهمتها على الوجه المطلوب؟

إزاء هذا التحدي الجماعيّ الذي يقف أمام المهيمنين على التعليم اللاهوتيّ يجب أنْ تعرف كليّة اللاهوت في مصر خاصة أنَّها ليست قلعة يسكن فيها جماعة من معلّمين ومتعلّمين لا ينتمون إلى المجتمع بصلة إلا صلة الوعظ، بل ينبغي أن تنتشر الكليّة لتعلّم الشعب، فهذا مجال واسع، ولو أهمل التعليم اللاهوتيّ هذا المجال لخسر موقفًا هامًّا لا أعرف كيف يثبت بدونه.

[الاتجاه الثاني: تدريب الخدام]

هذا هو المجال الثاني للتعليم اللاهوتيّ الإنجيليّ، وهذا هو الهدف الأساسيّ الذي قام من أجله، ولا ننسى أن التقليد المشيخيّ في كل العالم لا يعرف سوى خادمًا للكلمة مثقفًا ومتعلمًا، وهذا ما قامت به كليّات اللاهوت في مصر وفي لبنان وفي كل مکان به معهد لاهوتيّ في الشرق العربيّ، وأننا نشكر الله أن كنائسنا لم تعتمد على المرسلين فقط بل خدم فيها وقادها خدَّام من أهل البلاد مثقفون وقادة لا يمكن أنْ يرقى إلى مقدرتهم أي شك.

ولكن الأمر الهام والملاحظ أن فن تأهيل الخدام ليس فنًّا جامدًا يبقى سنوات طويلة دون أن يتغير؛ لأنَّ فن الخدمة يتغير أسلوبه في بناء جسد المسيح عندما يقدّم الإنجيل للعالم ويبني أعضاء هذا الجسد.

وأعتقد أن الذين سبقونا من الرعيل الأول قد نجحوا نجاحًا كبيرًا في أمرين؛ الأول: هو أنهم قدَّموا للخدام آخر ما توصل إليه علم درس الكتاب وعلم اللاهوت في ذلك الوقت وفتحوا أذهانهم ليعرفوا الكتب.

والثاني: هو أنهم عرفوا البيئة الشرقيّة والعربيّة وعرفوا كيف يدربون الخادم وخاصة في مصر لكي يكون خادمًا للقريّة وللبيئة الزراعيّة، ولعلّ ما ساعدهم على ذلك هـو أنَّ الخدام كانوا من أعماق البيئة القرويّة، وقد تفاعلت في حياتهم كلمة الله، فعرفوا كيف يدرسون الكتاب المقدَّس.

وهنا أذكر ملحوظةً عابرةً ولكنها هامة، وهي أنَّ فهم الكتاب أسهل جدًّا لنا نحن عن الغربيّين لأنَّه نبع في بيئةٍ تشابه إن لم تكن هي بنفسها البيئة التي نعيش فيها.

ولكن إذا سُمِح لي أن أذكر عدة ملاحظات عما يشوب تدريب الخدَّام الآن من قصور، فيمكن تلخيصها في هذه الأمور:

  • كل من يدرس البرنامج يجده من الناحية الاكاديميّة ممتازًا حتى إذا قورن بأي برنامج في آية كليّة أخرى، دراسات كتابيّة ولاهوتيّة وتاريخيّة ومقارنة أديان…وغيرها، وهذا مبعث ارتياحٍ وفخر، ولكني إذ أنظر إلى الناحية الأخرى وهي الناحية العمليّة والتأهيل العمليّ للطالب ليكون راعيًا ومشرفًا تجد هنا نقطة الضعف. أين ما نسميه التدريب الميدانيّ؟ أين التدريب العمليّ الحقيقي للطالب تحت الإشراف الفعليّ؟ هل يستطيع الطالب أن يكون مدرسة أحد أو يرعى الشباب وغير ذلك؟ إننا في الناحية العمليّة أو الميدانيّة مقصرون كثيرًا.
  • من ناحية هيئة التدريس عندنا بعض الأساتذة الأكفاء ذوي المؤهلات من أهم الجامعات الغربيّة. ولكني هنا أذكر محادثة بيني وبين أحد المرسلين ممن عملوا في مصر ولكنه لم يستمر طويلا… قال هذا المرسل: أود بكل قلبي أنْ أرى أستاذًا مصريًّا لا يأتي فقط بما يقوله الغرب ويلقنه للطلبة، أريد استاذًا مصريًّا ذا مدرسة لاهوتيّة مصريّة تضع الإنجيل في قالب مصريّ وتفكير مصريّ. إنَّ هذه الكلمة لا زالت كسوط لاذع لنا كلنا، إنَّ الثقافة واللاهوت الغربيّ الذي أخذناه ودرسناه هو نتاج العقليّات الجبارة التي نعيش على عطائها، ولكنها كتبت للغرب والإنسان الغربيّ. هي في مجملها مسيحيّة ولكنها قيلت لإنسان مسيحيّ غربيّ، قد نفهمها ولكننا لا نحسها، لأننا أناس ما زلنا شرقيّين نعتقد في الملائكة والشياطين والأرواح، لذا عادتنا المتأصلة فينا الغريبة عن الغرب، أننا نريد اللاهوت الذي يحتاجه الإنسان باللغة التي يفهمها. ونحن في منطقة عربيّة اختلطت فيها صراعات الأديان والطوائف، وتكالبت فيها السماء والجنة والفردوس، للديانة فيه أهمية قصوى إنْ لم تكن في داخل الفرد ففي مجتمعه الذي يعيش فيه. ففي هذه البيئة المتراكبة نريد الأستاذ الذي له المقدرة العلميّة والإحساس الشرق والنظرة الثاقبة ليضع لنا لاهوتًا يتكلّم عما يجيش في صدورنا.
  • وما أقوله عن الأستاذ أقوله أيضًا عن المكتبة العربيّة. عندما جاء المرسلون أحسوا أنه لتدريب الخدام لا بد من وجود مراجع عربيّة توفر كثيرًا من جهد الطالب والأستاذ فقط، وخرجت كتب عديدة: علم اللاهوت النظاميّ، تفسير الكتاب، فهرست الكتاب، قاموس الكتاب المقدَّس، الكنز الجليل، السنن القويم… وغيرها كثير. وبعد ذلك لم أرَ كتابًا يمكن أنْ يكون مرجعًا حقيقيًّا ظهر في كليّات اللاهوت ولقد كان هناك لجنة اسمها Text Book حاولت أن تعمل شيئًا فلم تثمر كل مجهوداتها إلا في ترجمة قاموس Arndtxgin المختصر، ولم يظهر رسميًّا حتى الآن. بل والأكثر من ذلك فقد رأت إحدى دور النشر أن تخدم الكنيسة فأعادت طبع كتاب نظام علم اللاهوت القويم كما هو. وهو كتاب قد ترجم وبني أساسًا على کتاب هودج([3]) Systematic Theology وكانت إعادة طبع هذا الكتاب كما هو علامة صارخة على إفلاس المكتبة العربيّة.

 

مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط([4])

(3)

[حركة تأليف مصريّة إنجيليّة عربيّة]:

إنَّنا نريد حركة تأليف تتوخى أمرين وتنبر عليهما:

  • الزمن الذي نعيش فيه.
  • المكان الذي نقطن فيه، وما يلابسه أنْ الكتب التي تتجاهل هذين العنصرين لا يصح أنْ تُكتب.

[الاتجاه الثالث: التخصّص الذي تحتاجه هذه المنطقة]:

هناك مجالان مهمان جدًّا للتخصّص والدّراسات العميقة يجب أنْ يكون لهما الأولويّة في هذه المنطقة: وهما التخصّص في دراسة الإسلام في كل فروعه، ثم التخصّص في دراسة الاكتشافات والحفريات.

ولست أدرى أين يكون التخصّص في دراسة الاسلام إنْ لم يكن في منطقتنا هذه، ولأضرب لكم مثلاً في الاحتياج الشديد إلى التخصّص وليكن في مجال الاكتشافات والحفريّات الحديثة، الذي كان يجب أنْ يزدهر في مصر.

نعم إنَّ هناك أنواعًا من التخصّص يجب أن تشارك فيها كليّات اللاهوت في هذه المنطقة، ولا نقل إن هذا لونًا من الترف العلميّ لم نتوصل إليه بعد.

هناك تحديات ضخمة أمام كليّات اللاهوت سُرِدَ منها بعض الشيء وخصوصًا ما يواجه كليتنا في مصر، وأرجو أنْ نبني على الدّراسات الواقعة خططًا حقيقيّة واقعيّة لخدمة التعليم اللاهوتيّ، لبناء جسد المسيح والمجد الله.

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

الدكتور القسّ فهيم عزيز(1924-1983م)([5])

راعٍ بقلب أكاديميّ وأكاديميّ بقلب راعٍ

إعداد

القسّ عيد صلاح

تتعرض هذه الدراسة لطيب الذكر الدكتور القسّ فهيم عزيز (1924-1982م) من حيث النشأة والتربية، الخدمة والدراسات العليا، المشاركة في المجال العام، الإنتاج الفكريّ واللاهوتيّ وفيها سرد لكتاباته.

أولاً: النشأة والتربية

وُلِدَ الطيب الذكر فهيم عزيز في قرية “كوم بوها -محافظة أسيوط” في 10 أكتوبر 1924مـ وتربى منذ طفولته في أحضان الكنيسة الإنجيلية. بعد حصوله على شهادة الثقافة اشتغل بالتدريس لمدة 4 سنوات ثم التحق بكلية أسيوط الأمريكية، وقضى فيها سنة خامسة، وبدأ دراسته اللاهوتيّة في القسّم التهذيبيّ في كلية أسيوط الأمريكيّة في العام الدراسيّ 1946-1947م، ثم في كلية اللاهوت الإنجيليّة في القاهرة، وتخرج فيها سنة 1950م تزوج من السيدة فيكتوريا فهيم عام 1952م، وهي أول خريجة من القسم المسائيّ في الكلية عام 1970م، وله ثلاثة أبناء: د. نبيل، د. هاني، د.إيمان.

ثانيًا: الخدمة والدراسات العليا

خدم مبشِّرًا في كنيسة مدينة “المراغة- محافظة سوهاج” لمدة أربعة أشهر. وسيم ونُصب راعيًا للكنيسة الإنجيليّة في مدينة “البلينا” في المحافظة نفسها، سنة 1952م وظل يرعاها إلى سنة 1963م. حصل على ليسانس الآداب-قسم فلسفة من جامعة القاهرة. ثم سافر إلى أمريكا للدراسة اللاهوتيّة سنة 1963م، قضى شهرين في جامعة ميتشجان لدراسة اللغة الإنجليزيّة، وحصل على درجة الماجستير في اللاهوت من كليّة لاهوت “لويفيل-كنتاكي” برسالة كان موضوعها “العشاء الربانيّ وصلته بملكوت الله” عُيّن أستاذًا في كلية اللاهوت الإنجيليّة في القاهرة سنة 1964م. سافر إلى “إسكتلندا” سنة 1969م لاستكمال دراسته، حيث حصل على درجة الدكتوراه من جامعة أدنبره، وكان موضوع رسالته “مفهوم البر في رسالة رومية والقرآن دراسة مقارنة.” وذلك بإشراف البروفسير هيو أندرسون أستاذ العهد الجديد والبروفسير مونتجمري وات أستاذ الإسلام.

ثالثًا: المشاركة في المجال العام

وفي المجال العام، انتُخِب عضوًا في جمعية علماء العهد الجديد في العالم سنة 1977م التي تضم نخبة من اللاهوتيّين الدوليين المتخصصين في العهد الجديد، كما شارك في المؤتمرات الثانوية للجمعية، التي عُقدت في فرنسا وإنجلترا وكندا وأمريكا. انتُخِب رئيسًا لرابطة المعاهد اللاهوتيّة في الشرق الأوسط سنة 1970م. عضو جمعية الإخاء الدينيّ في مصر، التي ضمت نخبة من المفكرين المسيحيّين والمسلمين. شارك في أعمال حلقات دراسية لاهوتيّة عديدة في الشرق الأوسط منها: حلقة دراسية عن المرأة في اللاهوت الكنسيّ. تحدث فيها عن نظرة العهد الجديد للمرأة، الحوار بين الكنيستين الأرثوذكسيّة والإنجيليّة بيروت 10-13 نوفمبر (1980م)، وحضر اجتماعات دائرة الاهتمامات اللاهوتيّة التي عُقدت في بيروت في مايو 1978م كما حضر حلقة دراسيّة عن دور كنائس الشرق الأوسط في التعلم، وحلقة أخرى عن التربية اللاهوتيّة للعلمانيين في عمان-الأردن في مايو 1977م. كما حضر مؤتمري أيانابا 2، 3 في قبرص 1979م، 1980م وحضر الحلقة الدراسيّة عن الكتاب المقدّس في حياة الكنيسة (بيروت مارس 1983م).

رابعًا: الإنتاج الفكريّ واللاهوتيّ

تميزت كتابات الدكتور القسّ فهيم عزيز بالعمق، كما أنها تميزت أيضًا بالأكاديميّة ولكن من خلفية رعويّة، فهو راعٍ بقلب أكاديميّ، وأكاديميّ بقلب راعٍ، فترك لنا إرثًا طيبًا تتعلم منه الأجيال، وسنرصد هنا الكتابات والترجمات التي قام بها مُرتَّبةً حسب ورود ظهورها تاريخيًّا.

  • عقيدتنا اللاهوتيّة، إديسون ليتش، ترجمة، القاهرة دار الثقافة، طبعة أولى 1961م، وقد صدر في طبعة ثانية 1978م، وصدر في طبعة ثالثة 2024م.
  • الوصايا العشر (دار الثقافة: القاهرة، 1970م) عدد الصفحات 138.القطع الصغير.
  • تفسير إنجيل مرقس، وليم باركلي، ترجمة (القاهرة: دار الثقافة، 1973م).
  • مواهب الروح القدس أو الكاريسما (دار الثقافة: القاهرة، 1978م) عدد الصفحات 52 من القطع الصغير. والطبعة الثانية 1987م، والطبعة الثالثة 2015م.
  • المدخل إلى العهد الجديد (دار الثقافة: القاهرة، 1980م) عدد الصفحات 768من القطع المتوسط. وأعيد نشره في طبعة ثانية عن دار الثقافة عام 2022م.
  • الشفاعة، سلسلة الأغصان، ملحق مجلة الهدى (القاهرة: دار الثقافة، 1980م). وأعيد نشره في كتاب “مفاهيم العقيدة الإنجيليّة إجابات مبسطة لأسئلة شائكة” عن دار الثقافة، 2023م، صفحات 94-122، تحرير القسّ عيد صلاح.
  • الفكر اللاهوتيّ كتابات بولس (دار الثقافة: القاهرة، 1981م) عدد الصفحات 443. القطع المتوسط. وأعيد نشره في طبعة ثانية عن دار الثقافة عام 2021م، في 287 صفحة من القطع المتوسط.
  • تاريخ الكنيسة، الجزء الأول، جون لوريمر، ترجمة (القاهرة: دار الثقافة، 1981م)، وقد صدر في طبعة ثانية ضمن مؤلف يضم بعض الأجزاء عام 2020م.
  • الروح القدس (دار الثقافة: القاهرة، 1982م). عدد الصفحات 168. القطع الصغير. وصدر في طبعة ثانية عام 1990م، وصدر في طيعة ثالثة 2024م.
  • دارسة في الوصايا العشر (دار الثقافة: القاهرة، 1983) عدد الصفحات 92. القطع الصغير.
  • علم التفسير (دار الثقافة: القاهرة، 1986) عدد الصفحات 516. القطع المتوسط.
  • ملكوت الله (دار الثقافة: القاهرة، 1988م) عدد الصفحات 369. القطع الصغير. وقد صدر في طبعة ثانية عن دار الثقافة في 2023م.
  • اللصّ الذي سرق الجنة (قصة للبسطاء) (دار الثقافة: القاهرة، د.ت) عدد الصفحات 55 من القطع الصغير.
  • الحياة الزوجيّة، بالاشتراك مع السيدة قرينته، 1990م.
  • الفكر اللاهوتيّ في إنجيل يوحنا (القاهرة: دار الثقافة، 2023م).
  • المجيء الثاني للمسيح أبعاده وأحداثه (القاهرة: دار الثقافة، 2024م).

[1] فهيم عزيز، مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط (1) (الهدى، العدد 808، السنة 68 أبريل 1978م)، 8-11.

[2] فهيم عزيز، مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط (2) (الهدى، العدد 809، السنة 68 مايو 1978م)، 8-13.

[3] كتاب “اللّاهوت النّظاميّ” والمنسوب إلى جيمس “أنس” له قصّة: الكتاب هو تلخيص وترجمة لكتاب علم اللّاهوت النّظاميّ للعالم الكالفينيّ المرموق تشارلس هودج (١٧٩٧م-١٨٧٨م)، وقد ساعد جيمس “أنس” في التّرجمة كلٌّ من رزق-الله برباريّ (١٨٣٦م-١٨٨٦م) وإبراهيم الحورانيّ (١٨٤٤م-١٩١٦م). أمّا جيمس هذا فكان عالمًا مشهورًا، واسمه الكامل جيمس شبريد دنيس (١٨٤٢م-١٩١٤م). وغالبًا، استشعر النّاشرون في العالم العربيّ الحرج من اسمه العائليّ، فغيّروا “دنيس” إلى “أنس.” أمّا أستاذنا الرّاحل القسّ منيس عبد النّور فزاد عليه وحذف منه! كلُّ هذا يعني أنّنا يجب أن نرجع إلى كتاب هودج الأصليّ، أو إلى الطّبعة القديمة (عام ١٨٨٨م) والتي كان عنوانها “نظام التّعليم في علم اللّاهوت القويم: وهو يتضمّن العقائد الدّينيّة المبنيّة على كتاب الله موردة على نسقٍ تعليميّ لأجل بيان معتقد الكنيسة المسيحيّة الإنجيليّة.” نقلاً عن الصديق العزيز القسّ وجيه يوسف، صفحته الخاصة بالفيسبوك، بتاريخ 27 مارس 1923م.

[4] فهيم عزيز، مستقبل التعليم اللاهوتيّ في الشرق الأوسط (3) (الهدى، العدد 810، السنة 68 يونية 1978م)، 38.

[5] أخذت بعض المعلومات من على صفحة كلية اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة على صفحتها بالفيسبوك، تحت عنوان: #من_أعلام_كلية_اللاهوت_ الإنجيليّة، المنشور في 4 سبتمبر 2021م. ومن حوار أجراه معه الأستاذ أديب نجيب سلامة في باب “لقاء مع” الدكتور القسّ فهيم عزيز (مجلة الهدى، العدد 804، السنة 67، نوفمبر 1977م)، 23-24. (المحرر).