مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

مبادئ الإصلاحِ الإنجيليّ

Watch Now

Download

مبادئ الإصلاحِ الإنجيليّ

بدأت حركة الإصلاح الإنجيلي سنة ١٥١٧ بقيادة المحرِّك الأول لها، الراهب الألماني “مارتن لوثر” وعبر فترة زمنية، عبَّرت هذه الحركة عن فكرها وبلوَرَتْه في خمسة مبادئ أساسية أُطلِق عليها “Five Solas” والكلمة “Sola” هي لفظة لاتينية تعني وحيد، متفرد، حصري.

والمبادئ الخمسة هي:

(١) الكتاب المقدس وحده.

(٢) يسوع المسيح وحده.

(٣) النعمة وحدها.

(٤) الإيمان وحده.

(٥) المجد لله وحده.

أولًا: الكتاب المقدس وحده.. المبدأ الأول

يحتل الكتاب المقدس مكانة خاصة جدًّا في الفكر الإنجيلي، وذلك منذ بداية حركة الإصلاح الإنجيلي؛ حيث حرص المصلحون الأوائل على إعلاء هذا المبدأ.

المقصود بهذا المبدأ أنه ليس هناك أي سلطة تعلو فوق سلطة الكتاب المقدس؛ لأن الله الروح القدس هو كاتبه، وبذلك يكون الكتاب المقدس هو المعيار الذي يُقاس به مدى صواب أيِّ سلطة أخرى بقدر اتفاقها معه.

وانطلاقًا من هذا المبدأ، اعتمد المصلحون الكتابَ المقدسَ كالمقياسِ الوحيد للتمييز بين التعاليم التي يقبلونها وتلك التي يرفضونها، في كل أسفاره الستة والستين بعهديه القديم والجديد.

هذا المبدأ يقود إلى ضرورة أن يكون أسلوب قراءتنا ودراساتنا للكلمة المقدسة معبرًا عن مدى إدراكنا لأهميتها القصوى لنا، الأمر الذي يعلنه بوضوح ما جاء في كلمات الرسول بولس بالروح القدس في رسالته الثانية لتلميذه تيموثاوس (٢تي ٣: ١٦، ١٧) من أن هدف الكلمة المقدس هو إعداد إنسان الله ليكون كاملًا ومستعدًّا لكل عمل صالح وذلك من خلال التعليم، التوبيخ، التقويم، التأديب في البر الذي يقدِّمه الكتاب المقدس.

ولأن الروح القدس هو الذي كتب الكتاب المقدس بقيادته لأشخاص سبق واختارهم وأعدَّهم لهذا الدور، لذا من الضروري واللازم أن نكون حريصين على قيادة الروح القدس لنا أثناء قراءتنا ودراستنا للكتاب المقدس، ليفتح عيوننا على ما يلزم أن نفهمه وندركه ونعيشه، ليتحقق الهدف الروحي من قراءة الكتاب المقدس، وهو التغيير المتجدد والمستمر في حياتنا الروحية نحو هدف مشابهة المسيح يسوع.

لذا عزيزي القارئ، في كل مرة تقرأ الكتاب المقدس، اطلب في روح الصلاة رفقة وقيادة وإرشاد الروح القدس.

ثانيًا: يسوع المسيح وحده.. المبدأ الثاني

ظهرت عبر الأزمنة المختلفة، أفكار وتعاليم وممارسات تعبِّر عن رؤية أصحابها في عدم كمال وكفاية عمل المسيح الفدائي وحده للخلاص. لهذا اهتم المصلحون الأوائل بتصحيح هذا الأمر من خلال الإلحاح على حقيقة كفاية شخص المسيح وحده وأنه من خلال عمله الكفاري على الصليب وقيامته قد حقق الخلاص الكامل الشامل للإنسان.

أدعوك عزيزي القارئ الآن لمطالعةٍ متأنيةٍ لما ورد في رسالة الرسول بولس إلى كنيسة كولوسي الإصحاح الأول بداية من العدد ١٥ إلى نهاية عدد ٢٠.

لعل هذا النص كافٍ لإدراك أن المسيح وحده هو الوسيط الوحيد والشفيع الوحيد بين الله القدوس والإنسان الخاطئ.

ولعله من الواضح أن مبدأ “يسوع المسيح وحده” هو المفتاح التفسيري لمبدأ “الكتاب المقدس وحده” لأنه لا يمكن التيقن من أن يسوع المسيح وحده هو الطريق لخلاص الإنسان إلا بالاعتماد على الكتاب المقدس وحده كمصدر لإعلان وتأكيد هذه الحقيقة.

وضع الإصلاح الإنجيلي عقيدة “المسيح وحده” كمركز الإيمان المسيحي؛ لأن الكتاب المقدس يعلن ويؤكد بوضوح تام أن المسيح وحده هو محور خطة الله لأجل خليقته؛ فهو وحده من قام بالعمل الكفاري المُخلِّص وهو أيضًا من سيقوم بالدينونة وفق ما جاء في يوحنا ٥: ٢٢- ٢٣.

ثالثًا: النعمة وحدها بواسطة الإيمان وحده.. المبدأ ٣ و٤

قبل بدء حركة الإصلاح، كان يتردد أن البشر من الممكن أن يكون لديهم -بمعزل عن الله- القدرة على خلاص أنفسهم. لذلك نادى المصلحون الأوائل بحقيقة أن الخطية دمَّرت حياة الإنسان روحيًّا وفكريًّا وإراديًّا مما جعله لا يقوى ولا يقدر أن يخلِّص نفسه بجهده الشخصي.

عبَّرت حركة الإصلاح عن فكرها في مبدأ “النعمة وحدها” من خلال التأكيد على حقيقتين جوهريتين:

(أ) النعمة بطبيعتها عمل إلهي بمبادرة إلهية بقدرة إلهية لا يقوى عليها الإنسان الساقط.

(ب) أي دور بشرى يتم في أمر خلاصنا هو في حد ذاته عطية من نعمة الله، أي إعداد الإنسان لتقبُّل نعمة الله هو مسبقًا عمل نعمة الله. فالنعمة تقوم بكل شيء يخص أمر خلاصنا، ومساهمة الإنسان تكمن فقط في إقراره بخطيته وعدم استحقاقه.

لذا من الطبيعي والمنطقي أن يكون كل المطلوب من الإنسان هو “الإيمان وحده

يمنحنا الله نعمته -فقط- عندما نعترف ونقر بكفاية عمل المسيح وحده ليصير هو برنا. لذا الإيمان يعني عدم الاعتماد على ذواتنا أو قدراتنا لنوال الخلاص، بل قبول عمل النعمة بكل إيمان واتضاع وشكر والتي بها يشملنا ويغطينا بر المسيح الكامل.

إن النعمة -في مفهوم الفكر المصلح- ليست مجرد أداة معاونة في خلاص الإنسان لكنها ضرورة تفرضها خطية وفساد الإنسان وبالتالي عدم قدرته على خلاص نفسه.

يؤكد الفكر المصلح أيضًا على كفاية النعمة انطلاقًا من كمال وتمام عمل المسيح الفدائيّ على الصليب؛ فبعد أن تقوم بخلاص الإنسان تستمر في رفقته في رحلة النمو من خلال ممارسة كل وسائل النعمة من صلاة وقراءة منتظمة لكلمة الله والاستقبال للوعظ والتعليم بانتظام في الكنيسة. (رو 3: 23- 25؛ رو 5: 1؛ أف 2: 8، 9).

رابعًا: المجد لله وحده.. المبدأ الخامس

كانت هذه العقيدة منذ البداية من أساسيات حركة الإصلاح وتعليمها وممارساتها، إلا أنه لم تتم إضافتها كمبدأ من مبادئ الإصلاح إلا في سنة ١٩٦٥ بواسطة اللاهوتي يوهان مانز.

هذا المبدأ هو بمثابة حجر الزاوية لكل اللاهوت الإنجيلي المصلح؛ فهو الرابط الذي يضم ويجمع المبادئ الإصلاحية الأخرى. فكل المبادئ السابقة تصب في هذا الشريان الذي ينقل الدم إليها.

من أساسيات لاهوت الإصلاح أن الطبيعة البشرية ساقطة وفاسدة بسبب الخطية، لذا فالبشر غير قادرين في ذواتهم وقدراتهم الشخصية أن يكون لديهم استحقاق أمام الله. ومن هنا فإن عمل روح الله بالنعمة وحدها بواسطة الإيمان وحده فقط هما القادران على أن يخرجا الإنسان من حالته الفاسدة فيستعيد صورة الله فيه.

وكنتيجة لذلك فإن الإنسان الذي تبرر وتغير بواسطة عمل نعمة الله وحدها بواسطة الإيمان وحده، عليه، بناءً على ذلك، أن يرفع كل المجد لله وحده.

ما سبق أعلاه يمثل الأساس الأول الذي يستند عليه هذا المبدأ والأساس الثاني هو شهادة الأنبياء والرسل القديسين عن الله في الكتاب المقدس، على سبيل المثال، ما جاء في إشعياء ٤٢: ٨، رومية ١١: ٣٦، ١كورنثوس ١٠: ٣١، ١بطرس ٤: ١١.

خاتمة

انطلاقًا من هذه المبادئ انطلقت حركة الإصلاح الإنجيلي، واستخدمها الرب في بركة كبيرة للكنيسة في كل العالم.