مسيرة الفكر الإنجيليّ
- Sermon By: القس عيد صلاح
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
مسيرة الفكر الإنجيليّ (ملحق العدد)
هل هي نقطة ثابتة ساكنة أم ديناميكيّة متحركة؟
الدكتور القسّ فايز فارس
تحرير
القسّ عيد صلاح
إنَّنا مدينون للإصلاح الإنجيليّ بالكثير؛ فقد كشف لنا من كنوز الكتاب المقدّس، أبعادًا رائعة عن محبة الله، ونعمته المجانية المتفاضلة والمخلِّصة. وقد أعلن لنا مقام المؤمنين في المسيح، باعتبارهم كهنوتًا ملوكيًّا وأمة مقدسة وشعب اقتناء. فلم يتركنا تحت سلطان كهنوت بشري يحتكر النعمة الإلهيّة، ويمسك في يده مفاتيح ملكوت السماوات والسماء ليفتحها أمام البعض، ويغلقها أمام البعض الآخر. بل جعل مِن جميع المؤمنين كهنة يستطيعون أن يتقدموا إلى الله مباشرةً في شفاعة المسيح، ابن الله الوحيد، ورئيس الكهنة الأعظم.
ومن بين المبادئ الرائعة التي أرسى الإصلاح الإنجيليّ قواعدها، مبدأ حرية الضمير المسيحيّ، وحق المسيحيّ في أن يقرأ كلمة الله، ويجتهد في شرحها وتفسيرها، مستعينًا بكافة الوسائل التي تساعده على ذلك. لقد حَرَّمت كنيسة القرون الوسطى التفكيرَ الحرَّ على الناس، حتى قيل إنها في خلال الأربعين سنة التي سبقت الإصلاح الإنجيليّ، أحرقت نحو 1300 شخص بتهمة الهرطقة. ولقد كانت الهرطقة في مفهوم الكنيسة حينذاك هي أن يفكر الإنسان لنفسه، أو يتساءل متشككًا في سلطة الكنيسة ومجامعها، فقد كان للكنيسة وحدها حق إصدار الأحكام والقرارات المتعلقة بالأمور الدينيّة. وكان على المسيحيّ أن يقبلها بدون سؤال أو استفهام.
لكن فَجْر الإصلاح الإنجيليّ أشرق على الفرد المسيحيّ بنور حرية الفكر والضمير. ولقد وقف مارتن لوثر في محاكمته في ورمس Worms عام 1521 أمام الإمبراطور والنبلاء والأمراء والكرادلة وقال قولته الشهيرة: “ما لم يقنعني أحد بالإقناع العقليّ والكتابيّ أن ما أقوله خطأ، فلن أستطيع أن أغيِّر ما قلت. إنَّ كلمة الله قد استأثرت ضميري، ولذلك لا أستطيع، ولا أريد أن أعدل عن شيء من أقوالي، لأنه ليس من الصواب ولا من الأمانة أن يتلكم الإنسان ضد ضميره”. كما كان من أقوال مارتن لوثر الشهيرة عن قيمة الفرد وعن حرية ضميره المسيحيّ قوله: “وحدي وقفت في هذا العالم، ووحدي يجب أن أجابه الحياة ومسؤولياتها، ووحدي سأقف أمام الديان العظيم. لن يقف أحدٌ مكاني ولا بيني وبين الله، لا أسقف، ولا كاهن، ولا مجمع كنسيّ، ولا قانون كنسيّ ولا تقليد كنسيّ. بل سأقف أمام الله عاريًا، وعليَّ تقع المسؤولية تجاه الله خالقي”.
بمثل هذه الومضات الفكرية بدأ عهد الإصلاح، وكلمة “إصلاح” في اللغات الأوروبية التي نشأت فكرة الإصلاح الإنجيليّ في ربوع بلاد الناطقين بها، هي كلمة Reform أي إعادة التكوين، وهذا دليل قاطع على أنَّ مسيرة الفكر الإنجيليّ، لم تكن، ولن تكون نقطةً ثابتةً ساكنةً جامدةً، بل كانت وستظل ديناميكيّة متحركة. ومن المأثور عن جون كالفن، أبي المشيخيّة، أنَّه رغم اهتمامه بالنظم والقوانين حسب دراسته القانونيّة، وتطبيقاته العمليّة في كنيسة جنيف قال ما معناه: “إنَّ الكنيسة المُصلحة يجب أن تصلح ذاتها دائمًا”. وفي هذا تأييد لحركة الفكر الإنجيليّ. ليست هذه محاولة مستحدثة لإضفاء ديناميكيّة جديدة للفكر الإنجيليّ، ولكنه الفكر الإنجيليّ منذ بداية الإصلاح. ومما يؤيد ذلك أنَّ سنودس برن في سويسرا، وضع إقرارًا للإيمان المسيحيّ الإنجيليّ عام 1532م، جاءت فيه هذه العبارات: “ولكن إذا أتانا من رعاتنا أو من أي مصدر آخر شيء يقربنا أكثر إلى المسيح، وفي ضوء كلمة الله يقودنا إلى وفاق أكثر في محبتنا المسيحيّة، حتى إذا ما اختلف ذلك عمَّا عبرنا عنه في هذا الإقرار، فنحن نقبله فرحين، وبدون أي تعطيل لحركة الروح القدس الذي لا يعود بنا إلى الوراء، بل يدفعنا إلى قدام نحو شبه المسيح يسوع ربنا. وإنَّنا لنتضرع أن يحفظنا دائمًا في نعمته”. (من أنتم شهودي، رسالة اتحاد الكنائس المصلحة العالمي، 17).
دعونا نحاول أن نتأمل في هذا الاتجاه، بقلوب وأذهان مفتوحة لتكون لنا المرونة الكافية، التي تجعل الفكر الإنجيليّ الذي نعتز به، نقطة انطلاق وتقدم نحو تمجيد الله، لا نقطة توقف وجمود، لأن كلام الله لنا “روح وحياة” أي متحرك متجاوب.
المحور الأول: مفهوم هذه الحركة الديناميكيّة في الفكر الإنجيليّ
المفهوم الأول: إنَّ هذه الحركة الديناميكيّة -أي القوة المتحركة المتفجرة- دليل تجاوب الكنيسة مع عمل الروح القدس الخلاق فيها
فمن أقوال السيد المسيح لتلاميذه، في خطابه الوداعي، قوله في (يو 16: 12- 13): “إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ”. ودلالة هذا القول عميقة وعريضة في معانيها؛ فالله لا يكشف أسراره وإعلاناته للبشر إلا بالقدر الذي يستطيعون أن يفهموه ويحتملوه في موقف معين. والله يتعامل مع الناس كأطفال يتدرجون في القدرة على الفهم والاستيعاب. فالمدرس الحكيم لا يبدأ بتدريس النظرية النسبيّة للمبتدئين في الرياضة، ولا يبدأ بتدريس الفلسفة وما وراء الطبيعة لمن بدأوا القراءة والكتابة حديثًا. وعلى هذا الأساس فإن إعلانات الله للبشر متدرجة. وهناك مشكلات كثيرة في الكتاب المقدّس لا نجد لها حلًّا مريحًا إلا إذا فهمنا هذه الحقيقة. فمثلًا يتساءل كثيرون: لماذا سمح الله في فترةٍ ما بتعدّد الزوجات، وبالطلاق، وبقتل الناس بصورة جماعيّة. والجواب يتلخص في قول السيد المسيح لليهود إنَّ موسى أذن لهم بالطلاق لأجل قساوة قلوبهم.
إنَّ روح الله يجدد إعلانات الله للكنيسة عبر التاريخ وأروع ما في الكتاب المقدّس أنَّه لا يغلق على البشر باب الأمل. فالعهد القديم لا يدَّعي أنَّ إعلانات الله قد اكتملت، بل يسود فيه روح الرجاء والانتظار، إنَّه ينتظر نبيًّا أعظم من موسى، وملكًا أعظم من داود، وعهدًا جديدًا ينسكب فيه الروح القدس. والعهد الجديد لا يوقفنا أمام باب مغلق، لكنه يفتح أمامنا باب الرجاء، ويؤكد لنا أننا دائمًا في تفتُّح لإعلانات الله. ويقول بولس الرسول: “فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ.” (1 كو 13: 12).
إنَّ ما يميز المسيحيّة عن كل ديانة أخرى بعد حقيقة الصليب والفداء حقيقة أخرى هي وجود الروح القدس مع المؤمنين وفيهم (يو 14: 17)؛ فالمسيحيّة ليست ديانة متحجرة جامدة، بل متطورة دائمًا، لأنَّ المسيح يحيا بروحه الخلاق المتجدّد في الكنيسة لكي تتجدد دائمًا؛ إذ يرشدها إلى كل الحق. هذا الحق مأخوذ من المسيح، ومُعطَى للمؤمنين، لقد قال المسيح عنه إنَّه “يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ.” (يو 16: 14).
كانت بعض كلمات الكتاب المقدّس غير مفهومة في وقت من الأوقات، حتى جاء وقت معين أنار فيه الروح القدس أذهان بعض قادة الكنيسة لتوضيحها وتفسيرها، فحدثت نهضةٌ كبرى. فمثلًا حقيقة “التبرير بالإيمان” وعدم جدوى الناموس ظلت مكتنزةً غير واضحة عند الكثيرين ولا يعيها غالبية الناس، حتى فجَّرها روح الله في عقل لوثر وقلبه فبدأ عصر الإصلاح الإنجيليّ. وهكذا يجدد الروح القدس إعلانات الله للكنيسة عبر تاريخها.
المفهوم الثاني: التجاوب الصحيح مع عمل الله في التاريخ
والحديث عن التاريخ، يقودنا إلى جانب آخر من مفهوم الحركة الديناميكيّة في الفكر الإنجيليّ، هذا الجانب هو التجاوب الصحيح مع عمل الله في التاريخ. إنَّ علَّة الجمود عند كثيرين هي أنَّهم يعزلون ويفصلون الأحداث التاريخيّة التي جرت وقت كتابة أسفار الكتاب المقدّس، كوحدة مستقلة منفصلة، عن تيار التاريخ المستمر من خلق العالم إلى عصرنا الحاضر.أنأأ””” أأأأأأ
لقد أصبح علماء الكتاب المقدّس يدركون الآن أنَّ ما ورد من تاريخ وأحداث في العهدين القديم والجديد، لم يكن القصد منه تدوين تاريخ العالم أو بعض الشعوب، بل إظهار تعامل الله مع الناس من خلال بعض حوادث التاريخ. لذلك فنحن لا نستطيع أن نفصل تمامًا بين كلمة الله الموجَّهة للبشر في وقت ما، وبين الأحداث التاريخيّة التي عاصرت هذه الكلمة.
وعلى هذا الأساس، استمرت الكنيسة المسيحيّة على مدى عشرين قرنًا من الزمان، تضع القرارات وقوانين إيمانها، في ضوء الظروف التاريخيّة التي عاشت فيها، كنوع من التجاوب الصحيح مع الظروف التي عاشت فيها الكنيسة. فعندما قام “أريوس” بضلالته الشهيرة التي أنكرت لاهوت السيد المسيح، أصدرت الكنيسة قانون الإيمان النيقوي بعد انعقاد مجمع نيقية في عام 325م، وكان التركيز فيه على الرد على تلك الضلالة.
وبعد عصر الإصلاح الإنجيليّ، كانت الكنائس المختلفة، تضع إقرارات إيمانها في ضوء ظروفها التاريخيّة والاجتماعيّة، ولعله من المناسب أن نذكر جانبًا من هذا التاريخ لتوضيح العلاقة بين نظام الكنيسة وإقرارات إيمانها وظروفها التاريخيّة:
- النظام الإداري للكنيسة الذي توصل إليه جون كالفن -الملقب بأبي المشيخيّة- كان في الأصل محاولة منه لتنظيم الكنيسة في مدينة جنيف بعد الإصلاح الإنجيليّ. وكانت سويسرا عبارة عن مقاطعات مستقلة (Cantons) وكانت جنيف تدين كلها بالبروتستانتيّة، وقد حاول كالفن، وهو يجمع بين الزعامة الدينيّة والقيادة السياسيّة، أن يعمق الحياة الأخلاقية بين السكان، وذلك عن طريق برنامج ثقافيّ مكثف للقسّوس، مع التشديد في اختيارهم، والتدقيق في نظم التأديب الكنسيّ بمعرفة الشيوخ المدبرين، وفيما بعد وضع نظام الشمامسة لتوزيع الخيرات، وقد تعرَّض نظامه هذا للانهيار بسبب صرامته، لولا قبضته الشديدة كسلطة مدنيّة ودينيّة، ولولا تأييد الهاربين من الاضطهاد الكاثوليكيّ له، وكذلك اللاجئين من البلاد الأخرى إلى مدينة جنيف، وذلك باعتبار أنَّ النظام المشيخيّ جزء من نظام المدينة الإداريّ.
- كان انتقال النظام المشيخيّ إلى اسكتلندا له أسباب سياسيّة؛ فقد حاول الملوك، وخاصةً الملك جيمس الأول، ملك إنجلترا، أن يجعل اسكتلندا تقبل نظام الأساقفة، لأنَّه رأى أنَّ النظام المشيخيّ يشجع روح التحرر وسط الجماهير، ولما كانت اسكتلندا تسعى لتؤكد استقلاليتها عن إنجلترا، لذلك دافعت اسكتلندا عن النظام المشيخيّ وتمسكت به، وصدر إقرار إيمان اسكتلندي في عام 1560 وضعه ستة أشخاص، اسم كل واحد منهم “جون John”.
- عندما حدث صراع في ألمانيا بين اللوثريين والمصلحين، أصدرت الكنيسة المصلحة الإنجيليّة إقرار إيمان “هيدلبرج” في عام 1560م، تركز فيه على ما تقرُّه الكنائس المصلحة، بالمقابلة مع ما تقرُّه الكنائس اللوثرية.
- في الوقت الذي كانت فيه غالبية البرلمان الإنجليزي من “البيوريتان” المدققين دينيًّا وكان يضم عددًا كبيرًا من اللاهوتيين (1643- 1649م)، أراد البرلمان الإنجليزيّ أن يُجري إصلاحًا قوميًّا وروحيًّا في البلاد، فقام البرلمان بإصدار إقرار الإيمان “الوستمنستري”، وقانون الإيمان الوستمنستري المطول والمختصر، وقد صدر في عام 1647م، وبموجب هذا الإقرار صارت كنيسة إنجلترا شكلًا وقانونًا كنيسة مشيخيّة، لكنها لم تكن كذلك في الواقع، فقد كان فيها كثيرون من المعمدانيين والمستقلين كما ضمت فيما بعد جماعات من “الأصدقاء” Friends وهو الاسم الشعبي للإخوة “الكويكرز” Quakars.
كان هذا كله في أثناء حكم البيوريتان لإنجلترا في عهد أوليفر كرومويل. ولكن بعد انتهاء حكمه وعودة الملكية إلى إنجلترا في عهد الملك شارل الثاني في سنة 1660م، عاد النظام الأسقفيّ إلى إنجلترا، ومما يُذكر أنَّه بعد هذه الفترة بقليل، هاجر كثيرون من الأوروبيين إلى أمريكا، وكان بعضهم هاربًا من الاضطهاد الكاثوليكي، ومِن بين مَن هاجروا كان أولئك الذين أسسوا الكنيسة المشيخيّة في شمالي أمريكا في الفترة ما بين 1713-1773م وهي الكنيسة التي بدأت العمل الإنجيليّ في مصر سنة 1854م، ولذلك لا غرابة إن كانت تحتفظ بقوانين الإيمان الوستمنستريّة، والتي مازالت الكنيسة المشيخيّة في مصر حتى الآن تعتبرها قوانين إيمانها. إلا أنَّ الكنائس المشيخيّة في العالم لم تنظر إلى قانون الإيمان الوستمنستري نظرة جامدة، ولم تعتبره قانونًا معصومًا، لكنها نظرت إليه باعتباره يعبِّر عن حاجة الكنيسة في فترة تاريخيّة معينة.


