التجسّد: تكيّف الله مع حاجات البشرية
- Sermon By: سهيل سعود
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
في مقالته بعنوان: “التجسّد هو فعل تكيّف بامتياز. مفهوم جان كلفن للتكيّف”، “The Accommodating Act Par Excellence: An Inquiry into The Incarnation ,and Calvin’s Understanding of Accommodation” يذكر جان بالسراك، أن الكاتب فورد لويس باتلس، قدّم في مقالته المعروفة “في التجسّد، كان يكيّف الله نفسه مع الامكانيات الإنسانية”، مفهوم كلفن للتكيّف “Accommodation” يذكر الكاتب، أن التنازل أو الانحناء أو التكيّف، هي سمة بارزة في مفهوم كلفن عن الله. تحدّث باتلس عن ثلاث صور استخدمها كلفن في كتاباته، تعكس تكيّف الله مع حاجات البشر، هي صورة: الأب، والمعلم، والطبيب، وكيف أن تلك الصور، عكست اهتمام الله المتكيّف مع حاجات شعبه. إلاّ أنه رأى أن التجسّد، هو النموذج، وفعل تكيّف الله بامتياز، مع حاجات الانسان. يذكر باتلس: “في يسوع المسيح، اتّخذ الله شكلاً بشريُا”، كما يقول الرسول بولس، “اذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله، لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس” (فيلبي6:2-7). وفي هذا الفعل، نرى التنازل والانحناء الالهي نحو حاجات البشر بامتياز.
ميّز كلفن، أثناء دراسته لموضوع التاريخ الكتابي وأدب الحكمة، العديد من تعاملات الله مع البشر، على أنها تكيّف لله مع ضعفات شعبه وهشاشتهم، اذ يظهر هذا التكيّف حينا من خلال التخفيف من أحمالهم وجعل الحياة أكثر سهولة لهم. وأحيانا أخرى، يظهر من خلال السماح لأولاده باجتياز فترات من الضيق، كيما يوجّه أنظارهم الى السماء ويتوقوا للحياة الابدية. يظهر تكيّف الله مع شعبه تحت عدة عناوين. في تفسيره لشرائع العهد القديم، ناقش كلفن، تكيّف الله وتنازله من خلال الشريعة، كيما يكيّف نفسه مع حالات شعبه ويخاطب قساوة قلوبهم. كما ظهر تكيّف الله من خلال عدة صور، منها: الأب والطبيب والمعلم.
في تعليقه على قول سفر التثنية “أنظر قد علّمتكم فرائض وأحكامًا كما أمرني الرب إلهي، لكي تعملوا هكذا في الأرض التي أنتم داخلون اليها لكي تمتلكوها. فاحفظوا واعملوا، لأن ذلك حكمتكم وفطنتكم أمام أعين الشعب الذين يسمعون كل هذه الفرائض، فيقولون هذا الشعب العظيم، انما هو شعب حكيم وفطن”(تثنية 4: 6-5). يسأل كلفن، “لماذا يربك الله نفسه بأن يأخذ مركز ومكانة معلّم كيما يعلّمنا”؟ يجيب، “في هذه الخطوة، تنازل كبير لله من عليائه، لكي يمنحنا الفرصة الذهبية، لنفهم امورًا تتجاوز قدرة استيعابنا. أيضًا اعتقد كلفن، أن الله استخدام الملائكة في نفس سياق التكيّف مع حاجات الناس. قال كلفن، “مع ان الله لا يحتاج للملائكة، إلاّ انه استخدم الملائكة كخدّامه، لكي يسعفنا في ضعفاتنا من خلال الرسائل التي أوصلتها للبشر.
أصرّ المصلح جان كلفن، على أن كل معرفتنا عن الله يجب أن تأتي من خلال يسوع المسيح وحده. وعليه، آمن أن التجسّد هو المحور، والتتويج للإعلان الالهي. اعتقد أن مفهوم التكيّف، يتعلّق بشكل أساسي بإعلان الله عن نفسه للبشرية. آمن أن اعلان معرفة الله، هو فعل خلاصي. نظر كلفن الى حدث التجسّد على أنه جزء أساسي من العناية الالهية. استخدم لغة مشوّقة لوصف هذا التكيّف الذي حصل في التجسّد. مما ذكره، “ليس هناك وقت تنازل فيه الله وانخفض أكثر من وقت إخلاء نفسه في يسوع المسيح”.
ان نفس فكرة كلفن، حول تكيّف الله مع حاجات البشر، ذكرها مجموعة من اللاهوتيين، منهم: اللاهوتي أنتوني باكستر، الذي أكّد أنه “بالنسبة لكلفن، فإن النموذج الأسمى للتكيّف الالهي حصل في تجسّد المسيح”. وسوزان سيلنغر، التي ذكرت أن “التجسّد والصليب، هما التكيّف الأقصى لله، وخلاصة إنزال وتخفيض الله لنفسه”. واللاهوتي ادوار دوري، الذي قال إن “التجسّد هو التكيّف النهائي من الله، نحو الحالة الانسانية الخاطئة”.
في كتابه “أسس الايمان المسيحي” يصف كلفن، بطريقة خلاّقة وسحر لا مثيل له، السبب الذي لأجله تجسّد الله وصار إنسانًا في المسيح. قال “لم يكن المسيح متفرّجًا على حالتنا البشرية، بل كان مشاركًا فيها. في عظة ألقاها في كنيسة جينيف، عام 1558، قال كلفن “لا شيء فينا، سوى الفساد والبرص الروحي. فماذا نفعل؟ والى اين نذهب؟ وممن نطلب المساعدة؟ فهل نطلبها من الملائكة؟ كلا. إنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا من أجلنا. لهذا، يجب أن نسرع الى ربنا يسوع المسيح الذي أظهر استعداده، لأن يخسر جمال صورته، من رأسه الى أخمص قدميه. كان مستعدًا أن يجرح، ويجلد، ويتوّج بالشوك، ويسمّر على الصليب، ويطعن بحربة في جنبه. فإننا بجلدته شفينا. في المسيح دواءنا الحقيقي، لهذا يجب أن نحتضنه بكل ما أوتينا من قوة، لأننا بدونه لن نعيش بسلام داخلي. وانما في المسيح، لدينا كل سبب كيما نعيش له، ونمجّده كل أيام حياتنا.
تحدّث كلفن عن التجسّد، تحت ثلاثة عناوين رئيسية: أولا، ضرورة التجسد. ثانيا، طبيعة التجسد. ثالثا، العلاقة بين التجسد والفداء.
ضرورة التجسّد
يقول كلفن، “حيث أن الانسان قد أخطأ الآن وسقط من النعمة الالهية، أصبح هناك ضرورة ماسة للتجسد. ومع أن الله لم يكن مجبرًا على فعل ذلك، الاّ أنه صمّم أن يخلّص الانسان الساقط. فالتجسد هو عمل حرية محبة الله. لقد أخلى الله نفسه، في جسد بشريتنا في المسيح، كيما يسد احتياجاتنا. علّق كلفن، على قول الرسول بولس، “لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح” (1تيموثاوس2: 5)، قائلا، “كان يمكن للرسول بولس أن يستبدل كلمة “الانسان”، عندما كتب “الإنسان يسوع المسيح”، بكلمة “الله”، لكن الروح القدس الذي كلّمه، أدرك أهمية ملائمة كلمة “الانسان”، لأنها العلاج المناسب لحالتنا الخاطئة. فاستخدام بولس لكلمة “الانسان”، هو كيما يعلّمنا الروح القدس، أن الله قريب منّا، بل يلمسنا، كونه من حقيقة نسيج جسد بشريتنا. فقد تجسّد ابن الله بيننا وصار كواحد منا، كي لا يرتبك أحد حول سبيل الوصول اليه”. وأكمل قائلا، “إن لم ندرك معنى انسانية المسيح، فإننا مثل اليهود، سوف نجدها حجر عثرة كبير”. في تفسيره لقول البشير يوحنا، “والكلمة صار جسدًا” (يوحنا1: 2)، قال كلفن، “تحمل كلمة “جسدا”، “Sarks” “ساركس” باللغة اليونانية معنى قويًا جدا، فهي ترينا الى أية حالة وضيعة نزل ابن الله من أعالي مجده السماوي، وتجسّد من أجلنا. تصف الكلمة “ساركس”، المسافة الكبيرة الفاصلة بين المجد الروحي للكلمة التي صار جسدا، وقذارة جسد بشريتنا. لكن، بالرغم من ذلك، انحنى ابن الانسان انحناء كبيرًا نحونا، كيما يتّخذ جسد بشريتنا المعتاد على الشرور الكثيرة، وضمّ في جسده: مجد الله غير المحدود، بجسدنا الملوّث بالخطية، كيما يخلّصنا ويفدينا على الصليب”.
قال كلفن، “اقتضت الضرورة القصوى، على الذي سيكون وسيطنا، أن يكون إلهًا حقيقيًا وإنسانًا حقيقيا. فآثامنا فصلت كالغيم بيننا وبين الله، وأبعدتنا بشكل كامل عن ملكوته. فالحالة البشرية الخاطئة التي تسكن الانسان، لن تمكّنه من الوصول الى الله دون وسيط إلهي إنساني. فالإنسان مجبول بالخطية، ومغموس بفسادها القاتل، وهي لن تعده إلاّ بالموت والجحيم. فمَنْ من أولاد آدم، يمكنه الوصول الى الله؟ فإنهم، مثل أبيهم، يرتعبون من رؤية الله أو الملائكة؟ فلا يمكن لأي كان أن يكون قادرًا أن يتوسّط ويعيد السلام بيننا، إن لم ينتمي لله؟ لكن، حيث أنه ليس بمقدورنا أن نصعد الى الله في السماء، فقد كان من الضروري ان ينزل الله بنفسه إلينا الى الأرض في شخص ابنه يسوع المسيح، وأن يصبح واحدًا منّا، يصبح عمانوئيل الله معنا، كيما بهذه الطريقة، تتصل بشكل متبادل ألوهيته بإنسانيتنا. لأنه لو لم يفعل الله هكذا، فإن قربه لن يكون كافيًا، لنرجو أن يسكن هو بنفسه معنا، وذلك لأن الفرق كبير جدا، بين كثرة نجاستنا ودنسنا، ونقاء وقداسة الله الكاملة. فالمسيح المتجسّد لمس طبيعتنا الفاسدة، بقداسته المعدية.
قال كلفن، “ان خدمة يسوع في الاناجيل، تظهر لنا حقيقة انسانيته، لأنه يفهم انسانيتنا. إن معظم ما قام به على الارض، هدف الى اظهار كم هو قريب منا”. شدّد، على أن الفداء الذي أتمّه على الصليب، قد حقّقه لنا بواسطة انسانيته. قال، “نحن نعلم أن طبيعتي المسيح الالهية والانسانية، تشكّلتا في شخص واحد. وكل طبيعة حافظت على سماتها. فقد كانت الطبيعة الالهية صامتة، عندما كان على الطبيعة الانسانية أن تعمل لوحدها، كيما تحقق ما يتطلبه عمل الوسيط”. في تعليقه على حياة وعمل المخلّص، قال كلفن “لم يحتج المسيح أن يختبر ما نختبره، ليقنعنا أنه يعرفنا ويهمنا ويتعاطف مع ضعفاتنا، لكنه قام بذلك لنتيقّن أنه يشجعنا في أوقات ظلمتنا. لم يكن يحتج ابن الله أن يعتاد على المشاعر الانسانية، الاّ أنه لن يتمكّن من اقناعنا إن لم يكن مستعدًا لذلك، حتى عندما تضغط الآلام علينا، فإنه سيكون عزاؤنا المباشر، لأنه قد اختبر هذه الآلام قبلنا. وهكذا، يمكنه أن يتعاطف معنا وسط آلامنا وكأنه يتألّم معنا. لقد ذاق المسيح اختبارنا الانساني من الداخل، وبادلنا قوته وثقته، بمخاوفنا وضعفاتنا. لقد تحمّل المسيح حالتنا الانسانية الملعونة، كما هي في داخلنا. وبالتالي، فكل ما ينقصنا نجده في المسيح، وخلاصنا بكامل أجزاءه نفهمه في المسيح. لا يمكن أن نحصل على خلاصنا خارجًا عنه، فخلاصنا هو فقط في المسيح، كما قال الرسول بولس “ومنه أنتم بالمسيح يسوع، الذي صار لنا حكمة من الله، وبرًّا وقداسة وفداء” (1كورنثوس1: 30). إذا ما أردنا قوة، فهي ضمن سلطانه. وإذا ما فتشنا عن نقاء، نجده في طريقة حبل أمه مريم العذراء به بالروح القدس. وإذا ما سعينا وراء لطف، نجده في ميلاده. لأنه في ولادته، صار شبيهًا لنا في كل شيء، كما يذكر كاتب الرسالة الى العبرانيين، “من ثم كان ينبغي أن يشبه إخوته في كل شيء، لكي يكون رحيمًا، ورئيس كهنة أمينًا في ما لله، حتى يكفّر عن خطايا الشعب. لأنه في ما هو قد تألّم مجرّبًا، يقدر أن يعين المجرّبين” (عبرانيين2: 17-18).
طبيعة التجسّد
تعكس عقيدة المصلح جان كلفن، حول التجسد، لاهوتًا شرقيًا يشدّد على شفاء انسانيتنا بالمسيح. شارك كلفن، القديس أنسلم وآباء آخرين، في اعتقادهم أن تصحيح حالة الانسان الخاطئة، يجب أن تتمّ من قبل من يملك هذه الانسانية. الاّ أن الانسانية تفتقر لهذه الامكانية لتقوم بذلك، “لأن الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله” (رومية 3: 23). لكن هذه المعضلة التي لا حل لها، قد حلّت بشكل إلهي من خلال التجسد. فالابن أتى من الأعالي الى انسانيتنا، ليقوم لنا بما لا نستطيع نحن أن نقوم به بأنفسنا. أيضا شارك كلفن، القديس أثناسيوس اعتقاده، أن عقيدة التجسد يجب أن تُصاغ بشكل خلاصي. فقد ظهر المسيح في اسم وشخص الخطاة، كيما يحقق ما لم نستطع أن نحققه. قدّم نفسه كذبيحة، ليس فقط كيما يهدئ غضب الله أبيه، وإنما أيضًا، كيما نصير حقيقة أولاده. لم يكتف المسيح بتقديم جسده ودمه على الصليب، لكنه أظهر استعداده، ليقف امام عرش دينونة الله باسم كل الخطاة، وأن يدان لأجلهم. فقد حمل المسيح ثقل آثامنا وخطايانا، لأنه يحمل اسمنا وطبيعتنا. فحتى أضعف المؤمنين، يمكنه أن ينظر الى المسيح ويجد فيه يقين النعمة والخلاص.
يأخذنا المصلح جان كلفن، بشكل مدهش في عمق أعماق سرّ التجسّد، ليقول، “أصبح الله واحدًا منّا. أصبح جسدنا ولحمنا وعظامنا، فلا حاجة لنا لأن نسعى لهذا الوسيط، لأنه هو الذي سعى نحونا ووجدنا. لم يأت إلينا الله، بطريقة خارجة عنّا، بل من داخلنا، من جسد بشريتنا. يقول كلفن، “إن ما حققه المسيح لنا، ليس أمرًا عاديًا يستطيع أن يحققه آخرون. فقد كانت غاية المسيح، أن يعيدنا الى نعمة الله، وأن يجعل من أولاد البشر اولادًا لله، ومن ورثة الجحيم، ورثة لملكوته السماوي. فمن يستطع القيام بهذا، إن لم يكن، نفس شخص ابن الله هو ابن الانسان؟ فيأخذ ما لنا وينقله إليه، ويعطنا ما له وينقله إلينا، يجعل بنعمته ما هو من طبيعته، جزءًا من طبيعتنا. فيسوع ابن الله، اتّخذ لنفسه جسدا من جسدنا، ولحمًا من لحمنا، وعظامًا من عظامنا، ليصبح واحدًا منا. أخذ طبيعتنا لينقل الينا طبيعته، كيما نصبح بالمسيح أولاد الله وأولاد الانسان. فلا يمكن لله أن يكون أكثر قربًا من ذلك منا، أن يلبس جسد بشريتنا. لقد اتخذ المسيح على عاتقه، مهمة أن يبتلع الموت. فمن غيره الذي هو الحياة، يمكنه أن يقوم بذلك؟ فمن غير البِرّ نفسه، يمكنه أن ينتصر على الخطية وقوات العالم والهواء؟ فأية قوة تستطيع أن تفعل هذا، إن لم تكن أقوى من قوة العالم والهواء؟ فلا وجود للحياة والبِرّ والسيادة والسلطان في السماء، إلاّ في الله وحده”.
قال كلفن، “لم تكن مريم العذراء، مجرّد وسيلة لإنسانية كانت قد صنعت قبلاً في السماء، كما قال أحد الراديكاليين الأناببتست. لم يصبح المسيح انسانًا من رحم العذراء، وانما في رحم العذراء. وهذا تضمن اختباره كل المشاعر التي يشعر بها البشر مع بعضهم البعض”. علّق كلفن، على بكاء يسوع على لعازر عند القبر، قائلاً “عندما لبس ابن الله جسد بشريتنا، فإنه ارتضى أيضًا أن يلبس مشاعرنا الانسانية. فهو لم يختلف شيئًا عن إخوته، ما عدا الخطية. تصبح مشاعرنا خاطئة، عندما تتدفّق منا في بعض الاوقات دون حدود، لكن مشاعر المسيح لم تخطئ”.
في تعليقه، على الصراع المرير الذي اختبره المسيح في بستان جثسيماني، في ليلة القبض عليه (متى 26: 38-46)، قال كلفن “إن الذين آمنوا بألوهية المسيح المطلقة، كان لديهم مشكلة مع اختبار المسيح في بستان جثماني. بدى لهم أن ما ذكره المسيح، “نفسي حزينة جدا حتى الموت” (متى 26: 38)، انتقاصًا من مجد ألوهيته. لم يتقبّلوا تأثّره بهذا الشكل الكبير، بالخوف والحزن أمام الموت. لهذا، فإنهم يحاولون ايجاد طريقة ما، للخروج بتفسير مقنع لما حدث”. لكن اجابة كلفن لهم، إن محاولاتهم هي غير مجدية وغير ذكية. قال كلفن، “لقد جرّب المسيح بالخوف والقلق والحزن، فتنقّل في صلواته من صلاة الى اخرى، بين ارادة الله وارادته. صلّى أن يعبر كأس الموت عنه، إلاّ أنه عاد وامتحن نفسه وخضع لإرادة الله. فغالبًا ما يخلق الحزن والخوف الشديد ضبابًا على عيوننا، فلا نرى الأمور دفعة واحدة. لكن صحّح المسيح موقفه وتراجع عن رغبته، أن يعبر هذا الكأس عنه، وخضع لإرادة الله”. اعتقد كلفن، أنه لم يكن خوف ورعب الموت الذي شعر فيه المسيح بقوة في بستان جثسيماني، وإنما الخوف والرعب من هول الوقوف أمام محكمة الله الحقيقية. لهذا، لا عجب أن يشعر بما شعر به المسيح من الخوف الشديد والحزن، لأنه ليس هناك أمرًا مخيفًا أكثر من الوقوع تحت غضب الله القاضي العادل، الذي غضبه هو أشد وطأة، من كل أنواع الموت. قال كلفن، “لم يتدرّب المسيح على تلك الصلوات، لكن قوة الحزن والخوف أطلقت فيه هذه الصلاة، بأن تعبر عنه هذه الكأس. إلاّ أنه عاد وصحّحها مباشرة، قائلا، “يا أبتاه، ان لم يكن أن تعبر عني هذه الكأس الاّ أن أشربها، فلتكن مشيئتك” (متى 26: 42). قال كلفن، “إذا ما كنا نخجل من خوف وحزن المسيح الذي شعر به، فإننا سوف نفقد فداءنا وخلاصنا. فالذين يدّعون أن ابن الله كان مجرّد من المشاعر الانسانية، فإنهم لا يعتبرونه انسانًا بشكل جدي”. في حين أنه في بعض الاوقات، تتمايز الارادتان الالهية والانسانية في المسيح عن بعضهما، لكن دون حصول تناقض او صراع بينهما. الاّ أنهما تعودان لتتناغما مع بعضهما، لتشكّلا سيمفونية الهية متناسقة.
العلاقة بين التجسّد والفداء
أن يتّخذ ابن الله جسد طبيعتنا البشرية، كيما يفدينا، هو أمر محوري بالنسبة للمصلح جان كلفن. سأل كلفن: “ماذا يعني أن الكلمة صار جسدًا؟”. ثم أجاب، “إن الدافع وراء ابن الله لاتّخاذ جسد بشريتنا، هو كيما يخلّصنا ويفدينا”. في كتابه “أسس الايمان المسيحي”، ذكر كلفن، أن المسيح صالحنا مع الله بمسيرة طاعته. فانه منذ أن، اتّخذ صورة عبد، وصار في شبه الناس (فيلبي2: 7) ابتدأ يدفع كلفة تحريرنا وفداءنا من الخطية، بقبوله أن يتعرّض لضعف الانسان وتجاربه. فمع ان المسيح، كان بلا خطية ولم يوجد في فمه غش، الاّ أنه أخذ ارادتنا المتمردة ثانية الى الله، وتحمّل نتائج قول آدم “سوف أحقق ارادتي” بإرادته الطائعة لله، وقوله له “لتكن ارادتك يا الله”. فالإنسان الساقط غير مؤهل أن يقوم بالفداء. فقط الله المتجسد الذي وحده لم يعرف خطية، قادر أن يقدم نفسه ذبيحة فداء لأجلنا. لقد حمل المسيح كل ما هو خاطئ فينا. حمل كل الدينونة التي نستحقها، بموته على الصليب.
قال كلفن، “اتّخذ الابن اسمنا ومكاننا، وصار لعنة لأجلنا، كما قال الرسول بولس “المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا” (غلاطية3: 13). خضع المسيح للّعنة، ليس في نفسه وانما فينا، على الصليب. حمل المسيح دينونة لعنة الموت، لأن أجرة الخطية هي موت”. قدّم كلفن قصة آلام وموت المسيح، كدراما لاهوتية وتاريخية. قال، “حمل المسيح جريمة خطيتين: الأولى، التجديف، لأنه جعل نفسه معادلاً لله. والثانية، الخيانة: لأنه تمرّد على السلطات الشرعية. الاّ أن حقيقة الأمر أن المسيح لم يجدّف ولم يخن. تحمّل المسيح قصاص الله العادل على خطايانا، بالرغم من أنه أعلن بريئًا أمام المحكمة الانسانية، وهو كذلك أمام كل محكمة في السماء وعلى الار ض. حوكم وكأنه الانسان الخاطئ تحت شريعة الله. فمهما كانت غاية بيلاطس أثناء محاكمة المسيح، أراد الله أن تظهر براءته بهذه الطريقة، ليتّضح لنا بشكل جلي، أن خطايانا قد دينت فيه”. تحدّث كلفن، عن مدى الخزي الكبير، الذي تعرّض له المسيح أثناء آلامه وصلبه. قال “لكم، وبصق على وجهه، كيما يعيد الينا صورة الله التي أفسدتها بل دمّرتها الخطية. اعتبر أشدُ سوءًا من اللصوص، كيما يأتي بنا الى صحبة الملائكة. جرّد من ملابسه كيما نظهر مع الملائكة متسربلين بلباس برّه وملء صلاحه. صمت ولم يتفوه بكلمة، عندما كانت تدفعه الكهنة ورؤساء الشعب من كل صوب وناحية، وذلك كيما بصمته، يفتح أفواهنا حتى نستطيع أن نصرخ بملء أصواتنا “يا أبّا الآب”. قبل بصمت دينونة المحكمة السماوية التي أعلنت أنه مذنبًا، كيما يخلّصنا من ذنوبنا ويحمل دينونة الخطية عنّا. احتمل البشاعة على الأرض، كيما يقودنا بنعمته الى السماء، ويشرق لنا رحمته اللامتناهية. قال كلفن “على هذا الاساس الصلب يستند خلاصنا. هنا تظهر قمة، بل منتهى محبة المسيح لنا، “أحبّ خاصته الى المنتهى” (يوحنا13: 1) إنها أوضح شهادة عن محبة الله لنا، إذ أنه لم يشفق على ابنه الحبيب، بل بذله على الصليب لأجلنا أجمعين. فالمسيح قدّم لنا كل ما هو ضروري لخلاصنا.


