يسوعُ على الهامش
- Sermon By: سامح إبراهيم
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
قراءة روائية في الإنجيل بحسب مرقس
يبدأ إنجيل مرقس لا بأورشليم ولا بالهيكل، والصوت البشري الأول لا يصدر عن كاهنٍ أو رجلِ دينٍ رسمي. هناك في برية يهوذا، يضبط مرقس عدسة سرده لترصد اللقطة الأولى، وبطلها يوحنا المعمدان، رجلٌ بملابس بسيطة خشنة من وبر الإبل، وطعامه عسل وجراد البرية (مر 1: 6)، في مشهدٍ يعود بالقاريء/المستمع إلى الماضي البعيد، إلى نبي الشمال إيليا (2 مل 1: 8)، وإلى الماضي الأبعد، حين حفظ الله شعبه وأطعمهم عسل البرية ممزوجًا بطعم الحرية الذي كانوا قد عدموه طويلا بسبب عبودية فرعون مصر (تث 32: 9-14).
يرتفعُ صوتُ المعمدان، في المرة الوحيدة التي ينطق فيها في إنجيل مرقس، مُبشرًا بمجيء “الأقوى،” قائلًا: “يأتي بعدي من هو أقوى مني” (مر 1: 7). اللقب “أقوى” ίσχυρότερός لن يرد مرة أخرى في رواية مرقس. في الفصل الثالث من روايته، يعرف القراء/المستمعون أنَّ يسوع هو “الأقوى” الذي ربط “القوي” (الشيطان) ونهب أمتعته (مر 3: 27).
يصدم القاريء صدمة شديدة وهو يترقب مجيء هذا “الأقوى” إلى مسرح الأحداث فيكتشف أنه من ناصرة الجليل. يكتب مرقس بطريقته المباشرة المختصرة شديدة الخشونة، قائلًا: “وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واعتمد من يوحنا في الأردن” (مر 1: 9). الناصرة مدينة مغمورة. يخبرنا العالِم اليهودي Geza Vermes ، وهو مهتم بالعهد الجديد وبالبحث عن يسوع التاريخي، في كتابه Jesus and the World of Judaism ، أن الناصرة مدينة حقيرة لا ذكر لها في العهد القديم، ولا في كتابات يوسيفوس، ولا في المشنا اليهودية ولا في التلمود، وأنَّ أقدم إشارة للناصرة، خارج العهد الجديد، جاءت في نقش أثري يؤرخ بالقرن الثالث أو الرابع الميلادي. أمّا الجليل عامة، فكما يقول Vermes، فكان يُنظر لأهله من أهل اليهودية على أنهم بُسطاء وفقراء وأهل الأرض، وكانت سمعتهم سيئة وبلا تعليم ديني حيث أنهم مقطوعون عن الهيكل وبعيدون عن مراكز التعليم في أورشليم، بل إنَّ “الجليلي” كان عادة ما يُشار إليه بلغة الأدب الربيني ب Gelilishoteh، أيْ الجليلي الغبي.
في حقيقة الأمر، يركز مرقس على انتماء يسوع إلى ناصرة الجليل، رغم كل ما يحيط بها من دونية. لاحظ جاك دين كينجسبري في كتابه The Christology of Mark’s Gospel أنَّ مرقس يُحيطُ إنجيله كله بالتأكيد على أنَّ بطل قصته ينتمي للناصرة (1: 9؛ 16: 6). حين ظهر يسوع على مسرح الأحداث، نقرأ أنه من ناصرة الجليل (مر 1: 9) وآخر إشارة ليسوع في الرواية، نقرأ كيف خاطب الملاك النساء في القبر عن قيامته بالقول “يسوع الناصري المصلوب. قد قام” (مر 16: 6). وما بين البداية والنهاية تتكرر حقيقة انتماء يسوع لناصرة الجليل كثيرًا (1: 24؛ 10: 47؛ 14: 67).
يُحبُّ الجميعُ المركز لا الهامش. الهامشُ متروكٌ بعيدًا، دون أضواء، الهامش لا يستقبل الثناء، مساحتُه مهضومةٌ من المتن، لا يجذبُ الانتباهَ، منبوذٌ، منسيٌّ، مهملٌ، تافهٌ. تبدأ الرواية وتنتهي بالناصرة المهمشة، في إصرارٍ لا يلين على وضع الهامش في قلب القصة، في مركز الأحداث. البرية مقابل الهيكل، الجليل مقابل أورشليم، قبر يسوع الناصري المصلوب مقابل قصر بيلاطس الحاكم، إنَّ رواية مرقس كلها هي قصة هذا الصراع، هذه المقابلات. يقول كينجسبري في كتابه Conflict in Mark، إنَّ قصة مرقس عن يسوع هي قصة صراع؛ صراع بين يسوع والقادة اليهود حول السلطة، من جهة، وصراع بينه وبين تلاميذه حول فهم حياة التلمذة والخدمة، من جهة أخرى. الصراع هنا صراع بين المركز والهامش، ينحاز يسوع فيه إلى البرية، لا إلى الهيكل، يختار الناصرة، لا أورشليم. من بداية الإنجيل ومرقس يرصد مجيء الممهد للرب إلى البرية ومجيء “الأقوى” نفسه إلى البرية. لاحظ Ched Myers في تفسيره المهم لمرقس Binding the Strong Man، كيف يحذف مرقس متعمدًا في اقتباسه من ملاخي 3: 1، في مفتتح إنجيله (مر 1: 2)، إشارة ملاخي لمجيء الرب إلى هيكله ويكتفي باقتباس العبارة “ها أنا أرسل ملاكي قدامك،” ليبرز معاداة يسوع للمؤسسة الدينية، الأمر الذي سيتضح في دخوله للهيكل في مرقس 11، وكأننا أمام الجزء الثاني من نبوة ملاخي “يأتي السيد إلى هيكله،” حيث أعلن السيدُ رفضَ الهيكل رفضًا نهائيًا.
يرتبط يسوع الهامشي، وأنا هنا أستخدم عنوان عمل العالم الكبير جون ب ماير، A Marginal Jew، الذي يُعتبر بمجلداته الأربعة واحدًا من أهم الأعمال عن يسوع التاريخي، بالمهمشين. يختار يسوع تابعيه من صيادي السمك (مر 1: 16-20). يصاحب في ولائمه المتكررة المنبوذين والعشارين والخطاة (2: 13-17). روايةُ مرقس هي روايةٌ عن يسوع الذي انتمى كُليةً للهامش وساكنيه. لا تجده يذهب في اتجاه بيت قائد مئة، الأمر الذي نقرأه في إنجيلي متى ولوقا مثلًا، في واحدة من المرات القليلة التي يتحدان فيها معًا ضد مرقس (متى8: 5-13/لوقا 7: 1-10). لا يُحيطُ نفسَه بالأقوياء والقريبين من أصحاب النفوذ، ولا يذكر مرقس أن تابعًا من أتباعه كان معروفا من دوائر السلطة، مثلما يذكر الإنجيل الرابع عن التلميذ الذي كان معروفًا عند رئيس الكهنة (يو 18: 15-16). والرجل الغني الذي حاول أن يكرمه كان يوسف الرامي، وقد أكرمه بعد موته بدفنه (مر 15: 43)، بينما في حياته رفض غنيٌّ أن يتبعه و”اغتمَّ ومضى حزينًا لأنه كان ذا أموالٍ كثيرة” (مر 10: 22).
يذكر مرقس مرتين أنَّ يسوع احتضن أطفالًا. في صراع التلاميذ حول العظمة، قدم يسوع طفلًا واحتضنه واعتبر أنَّ من يقبل طفلًا مثله كأنه يقبل المسيح شخصيًا (مر ٩: 33-37). كذلك احتضن أطفالًا وباركهم، بعد أن حاول تلاميذه إبعادهم عنه وطردهم من حضرته (مرقس ١٠: 13-16). الطفل يمثل الفئات المهمشة التي تعتبر ناقصة الإنسانية في المجتمعات القديمة. الطفل غير منتج وغير مفيد اقتصاديًا ولا يساهم في المعارك ولا الصراعات. تلفت شرين دود في كتابها Reading Mark الانتباه إلى أن كل الأطفال المذكورين في الإنجيل كانوا غير نافعين لأحد، يحتاجون إلى العناية ولا يفيدون غيرهم؛ ابنة يايرس (5: 21-43)، ابنة المرأة الفينيقية (7: 24-30)، ابن الرجل الذي كان يعاني من شيطان الخرس (9: 14-27)، أو أنهم يخضعون لتحكم الأشرار كابنة هيروديا (6: 17-29). يسوع يحتضن الطفل وبهذا يعلن أنه قريب من الصغار، والوضعاء، الذين ليست لهم قيمةٌ.
لعلَّ مشهدًا بارزًا في إنجيل مرقس يدلل على هذا التوجه، وهو مشهد إشباع الآلاف في الأصحاح السادس (6: 30-44). يسوع محاط بالفقراء الذين لا يمتلكون قوت يومهم، يصر يسوع أن يشبعهم وينعش قوتهم الخائرة، يُجلس تلاميذُه الناسَ على العشب الأخضر، وهي عبارة تحيل القاريء، ضمن إيحاءات أخرى، إلى مزمور ٢٣ حيث يربط الراعي قطيعه في مراع خضراء. يتكيء الجميع في وليمة مدهشة معا، يتنقل الطعام من يسوع إلى التلاميذ ومنهم إلى الشعب. حين نعود، نحن قراء الإنجيل، إلى المشهد السابق مباشرة نقابل وليمة أخرى، وليمة ماجنة مميتة. يحيط هيرودس الملك نفسه، لا بعامة الشعب ولا المهمشين كيسوع “ملك اليهود” وممثل ملكوت الله، بل يحيط نفسه بالعظماء وقوات الألوف ووجوه الجليل. ترقص ابنة هيروديا وتطلب رأس يوحنا المعمدان على طبق يقطر دمًا. يتنقل الطبق برأس المعمدان، في مشهد دموي رهيب، من يد السياف إلى يد الصبية ومنها إلى يد أمها الشريرة. بينما يأمر يسوع التلاميذ أن يهتموا بالناس، لا يستطيع هيرودس الملك أن يحفظ حياة المعمدان. تنتهي وليمة هيرودس برفع جثة المعمدان (6: 29)، بينما تنتهي وليمة يسوع برفع اثنتي عشرة قفة مملوة خيرًا فائضًا (6: 43).
هذا الصراع بين الهامش والمركز نجده على مستوى شخوص رواية مرقس. في الاصحاح العاشر نجد مقابلة بين شخصيتين، الرجل الغني (10: 17-27) وبارتيماوس الأعمى (10: 46-52). بينما يظن التلاميذ أنَّ هذا الرجل الغني الذي يحفظ الوصايا منذ حداثته سيرث الحياة الأبدية، رجل في مكانته لا بد من أنه في المركز، يمضي هذا الرجل حزينًا من حضرة يسوع، يطويه النسيان ويختفي ولا يستمر وجوده على مسرح الأحداث إلا قليلًا. كان هذا الرجلُ الوحيدَ في مرقس الذي تُوَّجهُ له دعوةُ التبعية ويرفضها. كان هذا الرجل تربةً شوكية استقبلت كلمة يسوع لكن غرور الغنى منعها من الإثمار فانزوى بعيدًا وانتهى ذكره سريعًا سريعًا (قابل مر 10: 22 مع مر 4: 18). في مرقس ١٠، نرى بارتيماوس الأعمى، شخصًا على الهامش، “على الطريق” (مر 10: 46). في تفسيره لهذا النص يشير يوجين بورينج إلى أنَّ العبارة اليونانية παρὰ τὴν ὁδόνلم ترد إلا هنا وفي مثل الزارع (4: 4، 15؛ 10: 46). وفي تفسير جول ماركوس للنص يقول إنَّ الأعمى الجالس على قارعة الطريق يسمع عن يسوع الناصري، الأمر الذي كان بمثابة كلمة الرجاء له. يحاول كثيرون إسكاته وقتل كلمة الرجاء هذه، متخذين بذلك دور الشيطان وهو يحارب الكلمة محاولًا نزعها.
كان بارتيماوس هذا عنيدًا إلى أقصى حدود العناد وصُلب الإرادة إلى أقصى حدود الصلابة، أثار صخبًا عارمًا وكأنه بحرٌ مضطربٌ هائجُ الموج جعل الناس ينتهرونه كما انتهر يسوع البحر (قابل مر 10: 48 مع 4: 39). تنتهي قصة بارتيماوس الهامشي، الذي كان يجلس على قارعة الطريق في بداية القصة، παρὰ τὴν ὁδόν “على الطريق،” بأنه صار ἐν τῇ ὁδῷ “في الطريق” في المركز. على عكس الغني الذي منعه غناه من تبعية يسوع، يطرح الأعمى رداءه (10: 50) بكل ما فيه من عطايا ويأتي إلى يسوع ويتبعه في طريقه للصليب.
في الاصحاح الثاني عشر أرملة فقيرة لا تمتلك إلا فلسين تقف في مقابلة صارخة مع الكتبة الذين يأكلون بيوت الأرامل وفي مقابلة صارخة مع كل الأغنياء الذين ألقوا في خزانة الهيكل من فضلتهم (مر 12: 38-44). قدمت هذه الأرملة والمرأة التي سكبت قارورة الطيب كثير الثمن على رأس يسوع (مر 14: 3) مثاليْن للعطاء والبذل. كان يهوذا الإسخريوطي في المركز “واحدًا من الاثني عشر” لكنه عكس هذه المرأة التي سكبت الطيب، بحث عن الفضة، مفضلًا الأخذ على العطاء (14: 10-11). على عكس من يظنون أنفسهم في المركز ويستحقون المتكآت الأولى (12: 39) ويستحقون الثناء، مدح يسوع هذه الأرملة التي قدمت كل معيشتها، أو ὅλον τὸν βίον αὐτῆς (“كل حياتها”) وصارت إلى جانب ابن الإنسان الذي أتى “ليبذل نفسه” فدية عن كثيرين (10: 45).
أخيرًا أقول: طوباكم يا من تقتربون من المنبوذين! طوباكم يا من تخدمون بعيدَا عن الأضواء والمركز! طوباكم لأنكم بهذا تقتربون من يسوع، ملك المهمشين، الذي قلب الموازين رأسًا على عقب حين قال “لكنْ كثيرون أولون يكونون آخرين، والآخرون أولين” (مر 10: 31) وأعلن صراحة قانون ملكوت الله، قائلًا: “إذا أراد أحدٌ أن يكون أولًا فيكونُ آخرَ الكل وخادمًا للكل” (مر 9: 35)


