مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

الكنيسة في الأربعين يومًا من القيامة للصعود

Watch Now

Download

الكنيسة في الأربعين يومًا من القيامة للصعود

مُقَدَّمَةٌ:

المرحلة التي جاءت بعد قيامة الرب يسوع المسيح من بين الأموات هي مرحلة هامة في تاريخ الكنيسة لأنَّها حملت تأكيدات ودلالات ومعاني كثيرة مرتبطة بالقيامة، والرب ويسوع، وحياة الكنيسة. وقد تناول العهد الجديد في نصوصٍ كثيرة هذه الحقبة الزمنية، وما تحمله من معانٍ (متى 28: 1-20؛ مرقس 16: 1-16؛ لوقا 24: 1-53؛ يوحنا 20: 1-21: 22؛ أعمال الرسل 1: 1-14). سوف نركِّز على هذه الفترة من قيامة الرب يسوع إلى صعوده حيًّا إلى السماء.

هذه الفترة هي أربعين يومًا مليئة بالأحداث المهمة التي كانت بمثابة مرحلة تكوين وإعداد للكنيسة. هذه المرحلة هي عقب القيامة مباشرةً وقبل الصعود، ومهمة جدًّا في تاريخ الكنيسة والإيمان المسيحيّ. وقد أكَّد المسيح حسب رواية البشير لوقا في أعمال الرسل على أنه حيٌّ ببراهين كثيرة. استخدم المسيح البرهان في الحديث عن القيامة وأنه حيّ، وهذا يفتح أمامنا منطق الإيمان ومعقوليته، ولعل أول كتاب كُتِب في الفكر العربيّ المسيحيّ اسمه “البرهان” لعمار البصري يستخدم فيه نفس المنطق للدفاع عن الإيمان. وكتب هيرمان باينك بعده بقرون العقل والإيمان.

 وقد ظهرت في هذه المرحلة إقرارات وقوانين إيمان مثل: “رَبِّي وَإِلهِي” (يوحنا 20: 28). “هُوَ الرَّبُّ” (يوحنا 21: 9). “الرَّبَّ قَامَ بِالْحَقِيقَةِ” (لوقا 24: 34). “إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ” (أعمال الرسل 1: 11).

كما ظهرت أهمية خاصة في هذه الفترة للكلمة المقدّسة التي كان دائمًا يرجع إليها المسيح في كلامه حتى بعد القيامة: مع النسوة حسب إنجيل لوقا يسجل: “لَيْسَ هُوَ ههُنَا، لكِنَّهُ قَامَ! اُذْكُرْنَ كَيْفَ كَلَّمَكُنَّ وَهُوَ بَعْدُ فِي الْجَلِيلِ قَائِلًا: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي أَيْدِي أُنَاسٍ خُطَاةٍ، وَيُصْلَبَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ. فَتَذَكَّرْنَ كَلاَمَهُ.” (لوقا 24: 6-8). ومع تلميذي عمواس: “ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لوقا 24: 27). وللتلاميذ يقول: “هَذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ” (لوقا 24: 44). كما عبَّرت هذه الحقبة عن الاستجابة للكلمة المقدَّسة: “فَقَالَ بَعْضُهُمَا لِبَعْضٍ: أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي الطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا الْكُتُبَ؟” (لوقا 24: 23) “حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ. وَقَالَ لَهُمْ: هكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ. وَأَنْتُمْ شُهُودٌ لِذلِكَ”. (لوقا 24: 45-48).

وإيمان الكنيسة صيغ من خلال الكتب، في إصحاح القيامة، يؤكد الرسول بولس على هذه الحقيقة: “وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِالإِنْجِيلِ الَّذِي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ، وَقَبِلْتُمُوهُ، وَتَقُومُونَ فِيهِ، وَبِهِ أَيْضًا تَخْلُصُونَ، إِنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّ كَلاَمٍ بَشَّرْتُكُمْ بِهِ. إِلاَّ إِذَا كُنْتُمْ قَدْ آمَنْتُمْ عَبَثًا! فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ.” (1كورنثوس 15: 1-5).

عرفت الكنيسة مع تلميذي عمواس كيف أنَّ الكتاب المقدّس يلهب ويحرك قلب الإنسان. مع القبر المفتوح نرى علامتين هما: ذهن مفتوح، وقلب مفتوح. وعرفت أيضًا أن الإيمان يُبنى على كلمة الله.

ما هي دلالة الأربعين يومًا؟

يذكر لوقا البشير في سجِلِّه هذه الكلمات: “اَلَّذِينَ أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ مَا تَأَلَّمَ، وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ” (أعمال الرسل 1: 3). تكرَّرت مدة الأربعين يومًا في الكتاب المقدّس كثيرًا، فمرحلة الطوفان 40 يومًا (تكوين 7: 12، 17)، وأربعون يومًا تسلَّم في خلالها موسى لوحي الشريعة (خروج 34: 28). وإيليا صام أربعين نهارًا وأربعين ليلة (1ملوك 19: 8). المسيح صام أربعين يومًا قبل خدمته الجهارية (متى 4: 2)، وقضى أربعين يومًا مع التلاميذ بعد القيامة وقبل الصعود (أعمال الرسل 1: 2). الأربعون يومًا في الكتاب المقدّس تشير إلى حدثٍ مهمٍّ في الإعداد للتغيير.

تؤكِّد فترة الأربعين يومًا على أن الرب يسوع كان يعد الكنيسة للمستقبل. فهي مرحلة إعدادٍ وتكوينٍ وتدريبٍ وتشكيلٍ كانت الكنيسة في أمسِّ الاحتياج إليها. ومن خلال قراءة هذه الفترة الأربعينية التي جاءت بين حدثين مهمَّيْن هما: القيامة والصعود نجد أنَّه فيها قد تشكَّل فكر الكنيسة من خلال مجموعة من الثوابت الإيمانيَّة والعمليَّة مثل:

  • تعلَّمت الكنيسة السجود،
  • أخذت الكنيسة الإرساليّة العظمى،
  • عرفت الكنيسة الهدف من ظهورات المسيح،
  • عاشت الكنيسة على رجاء المجيء الثاني،
  • أدركت قوة وفاعلية الروح القدس.

أولاً: تعلَّمت الكنيسة السجود

يذكر لوقا عن التلاميذ: “فَسَجَدُوا لَهُ وَرَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ” (لوقا 24: 52). وكذلك متى يقول: “وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ” (متَّى 28: 17). من ضمن سياق عام ببراعة رسم البشير متى في الإصحاح الأخير 28 ثلاثة مواقف من القيامة:

الموقف الاول: وهو حقيقة القيامة (متَّى 28: 1-10) ومفادها: “لَيْسَ هُوَ ههُنَا، لأَنَّهُ قَامَ كَمَا قَالَ! هَلُمَّا انْظُرَا الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ الرَّبُّ مُضْطَجِعًا فِيهِ.” (متَّى 28: 6).

الموقف الثاني: موقف الرفض (متَّى 28: 11-15) رفض القيامة متمثلاً في تحالف الحراس مع رؤساء الكهنة؛ ودفع فضة للحراس لنشر شائعة مغرضة تنكر حقيقة القيامة وهي أن التلاميذ سرقوا جسد المسيح وهم نيام. “قُولُوا إِنَّ تَلاَمِيذَهُ أَتَوْا لَيْلًا وَسَرَقُوهُ وَنَحْنُ نِيَامٌ.” (متَّى 28: 13).

الموقف الثالث: موقف القبول (متَّى 28: 16-28) موقف القبول والتصديق بقيامة المسيح من الأموات والذي عبرت عنه جماعة التلاميذ بخضوع للمسيح وسجود له متلقين منه الإرساليّة العظمى في التلمذة والتعليم.

أمام حقيقة القيامة اختلفت ردود الفعل بين الرفض والقبول؛ الرفض لم يجد شيئًا ولكن القبول كان خيرًا وبركةً على الكنيسة كلها فلنصدق ونقبل بخضوع عمل المسيح المغير في الحياة من خلال القيامة.

الموقف الإيجابي للتلاميذ بعد القيامة وقبل الصعود هو السجود، وفي هذا اعتراف واضح بألوهية الرب يسوع. الذين سجدوا للمسيح هم جماعة التلاميذ كانوا من اليهود الذين تعلموا في الوصايا العشر: “أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ.” (خروج 20: 1-5).

في سجود التلاميذ للمسيح إعلان واضح أنَّ المسيح هو الله الذي ينبغي أنْ يُسجد له، فهو مسجودٌ له وممجد. في السجود أيضًا إعلان واضح على الولاء والخضوع لله. لقد رفض الفتية الثلاثة السجود للتمثال لأن ولاءهم كان لله. “فَأَجَابَ شَدْرَخُ وَمِيشَخُ وَعَبْدَنَغُوَ وَقَالُوا لِلمَلِكِ: “يَا نَبُوخَذْ نَصَّرُ، لاَ يَلْزَمُنَا أَنْ نُجِيبَكَ عَنْ هذَا الأَمْرِ. هُوَذَا يُوجَدُ إِلهُنَا الَّذِي نَعْبُدُهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَنَا مِنْ أَتُّونِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ، وَأَنْ يُنْقِذَنَا مِنْ يَدِكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ. وَإِلاَّ فَلِيَكُنْ مَعْلُومًا لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَنَّنَا لاَ نَعْبُدُ آلِهَتَكَ وَلاَ نَسْجُدُ لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتَهُ””. (دانيآل 3: 16-18).