بين الظلام الباقي والحجر المرفوع
- Sermon By: القس محسن منير
- Categories: دراسات لاهوتية وكتابية
في إيماننا المسيحي، حدث قيامة السيد المسيح من الموت يمثل حجر الزاوية؛ فالرسول بولس يعلن بالروح القدس في رسالته الأولى لكنيسة كورنثوس الإصحاح ١٥ والعدد ١٤: “وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ”، وهذا الحدث الفريد يمنح للمؤمن به القوة التي يحتاجها ليحيا وفق مشيئة الله، وهذا ما سجله الرسول بولس بقيادة الروح القدس في رسالته إلى كنيسة فيلبي الإصحاح 3 والعدد 10: “لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ”.
لذا ومنذ البداية كانت المحاولات المتعددة من أعداء المسيح إنكار حقيقة قيامته؛ حيث أشاع قادة اليهود حينذاك أن تلاميذ المسيح سرقوا جسده من القبر.
أدعوك عزيزي القارئ إلى رحلة تأمل في ثلاثة أبعاد لحدث القيامة الفريد، تمثل قوة متجددة لنا حتى اليوم بعد أكثر من ألفي عام على هذا الحدث كما نراها في يوحنا ٢٠: ١-٢٩
1- التحرك من الدموع إلى الفرح (١-١٨)
2- التحرك من الخوف والضياع إلى الشجاعة ووضوح الهدف (١٩-٢٣)
٣- التحرك من الشك إلى اليقين والإيمان (٢٤-٢٩)
أولًا: التحرك من الدموع إلى الفرح (١–١٨)
جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا، حيث كان الظلام مازال قائمًا، ووجدت الحجر مرفوعًا عن القبر، فظنت أنه يوجد من جاءوا إلى القبر وأخذوا جسد يسوع وأسرعت إلى بطرس ويوحنا اللذين جاءا أيضًا إلى القبر لتخبرهما بذلك، وظلت مريم واقفة عند القبر تبكي (آية ١١).
“لماذا تبكين؟” استقبلت مريم هذا التساؤل مرتين، في الأولى من الملاكين والثانية من الرب يسوع نفسه. وهذا السؤال استنكاري وليس استفهاميًّا… بمعنى أنه لا داعي للبكاء فالقبر المفتوح دليل على القيامة.
الأعداد من ١٧-٢٨ من الإصحاح ١٦ في إنجيل يوحنا، التي تسجل جزءًا من حديث يسوع مع تلاميذه، فيها يعلن بوضوح أن الصليب والموت ليسا نهاية المطاف، لكن سيكون هناك لقاءً جديدًا معهم بعد موت الصليب، ومع ذلك فإن استسلامهم للحزن حال دون إدراكهم المبكر لحقيقة قيامة يسوع، وهو الأمر الذي عبرت عنه مريم المجدلية بما ورد في يوحنا ٢٠: ١١-١٣.
لذا ونحن نعيش مشاعر حزن فراق الأحباء، أو شدة آلام المرض أو معاناة ضغوط المشاكل… التأمل في حقيقة قيامة يسوع قادر أن يبدل الموقف تمامًا… المسيح قام؛ فلا تستسلم للدموع، المسيح انتصر على الموت وقادر أن يمنحك قدرة الانتصار على كل ما يمكن أن يجعلك تذرف الدمع وينقلك من الدموع إلى الفرح.
ثانيًا: التحرك من الخوف والارتباك إلى الشجاعة ووضوح الهدف (١٩–٢٣)
بعد صلب يسوع وقبل إدراك قيامته، عاش التلاميذ في حالةٍ من الخوف من المستقبل المجهول، ومن الأعداء المتربصين، ماذا يفعلون ومن تركوا كل شيء ليتبعوه قد مات؟!
تعلن الآية ١٩ أن التلاميذ كانوا في حالة خوفٍ من اليهود الذين صلبوا يسوع، وكانوا في مكان أغلقوا أبوابه عليهم، لكن جاء يسوع إليهم ووقف في الوسط وقال لهم “سلام لكم”، وأراهم يديه وجنبه. تسجل الكلمة المقدسة “ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب” ولم يتوقف الأمر عند مجرد رؤيته، لكنه قال لهم: “سلام لكم، كما أرسلني الآب أرسلكم أنا”، فمع منحهم السلام الذي بدد مشاعر الخوف أيضًا كلفهم بمسؤولية استكمال رسالته لكل العالم.
ونحن عندما نعيش في قلق وتوتر في حاضر مؤلم ومخاوف من مستقبل لا نعلمه نسعى بكل السبل لتأمينه، ألا نجد في حقيقة قيامة يسوع، ما يفيض في قلوبنا بسلام الله الذي يفوق كل عقل ويمنحنا قدرة مواجهة كل الأعباء ونحن لدينا يقين النصرة الذي نستمده من الرب الذي هزم أقوى الأعداء وهو الموت؟!
ثالثًا: التحرك من الشك إلى اليقين والإيمان (٢٤–٢٩)
تخبرنا الآية ٢٤ أن التلميذ توما أحد الاثني عشر، لم يكن مع التلاميذ حين جاء يسوع، ورفض تصديق أن يسوع قد قام عندما أخبره التلاميذ بذلك، وأعلن أنه إن لم يبصر في يديه أثر المسامير، ويضع أصبعه في أثر المسامير، ويضع يديه في جنبه، لا يؤمن.
ما قاله وما فعله توما يعبر عن يأس وإحباط، وعن ثقة فقط بالمحسوس والملموس والعيان. وكلها سمات ما قبل إدراك حقيقة ومعنى قيامة يسوع. لكن لنرى كيف تبدل الحال تمامًا بعد ما رأى يسوع.
في الآيات ٢٦-٢٩ نرى مشهد مجيء يسوع للتلاميذ مرة أخرى، وفي هذه المرة كان توما معهم، وخاطب توما قائلًا: «هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا»، فأجاب توما قائلاً: «رَبِّي وَإِلهِي!»، فقال له يسوع: :«لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا». وكأن يسوع يعلن بوضوح أن الإيمان والثقة بشخص يسوع أقوى وأفضل من البحث عن الملموس والمحسوس البشري.
حدث القيامة يعلن لنا بوضوح أن التمسك بالمحسوس والملموس من مال، مركز اجتماعي وغيرها من المحسوسات كسبيلٍ للثقة والراحة، ليس هو البديل الأفضل.. فكلمات يسوع لتوما “آمنت يا توما، لأنك رأيتني، هنيئًا لمن آمن وما رأى” فكلمة “طوبى” تعني “يا لهناء!” وفي هذا إعلان واضح عن أن السعادة والهناء الحقيقيان ينبعان من الإيمان والثقة بالله كما عرفناه في المسيح وليس من مصادر مادية أيًّا كان قدرها وقيمتها. وهذا هو ما يحررنا من الاستمرار في طاحونة اليأس والإحباط مع تغير وتبدل الظروف المحيطة. الثقة بمن لا يتغير في محبته وقدرته (يسوع المقام من الأموات) هي السند الحقيقي لنا في حياتنا اليومية في مواجهة كل الأحداث والظروف التي قد نتعرض لها.


