مجلة النسور

اقرأ المزيد عن النسور

آخر الموضوعات

العهد القديم والحفر عند جذور الكلمات وفهم المصطلحات

Watch Now

Download

العهد القديم والحفر عند جذور الكلمات وفهم المصطلحات

في دراسة العهد القديم يجب أن نقف عن جذور الكلمات ومعانيها في ضوء القرينة والسياق، فنجد الغنى والمعرفة، الكلمات والمصطلحات مهمة في تشكيل الوعي فمثلًا هل نعرف الفرق بين “الفلسطيون” و”الفلسطينيون”؟ وبين “إسرَإيل” و”إسرائيل”؟ وماذا تعني كل كلمة منها؟ وما هي الفائدة التي تحلّ علينا من معرفة هذا الفرق؟

الدراستان المحلقتان هنا ستدهشاننا، وفي الوقت نفسه ستغيران من قناعاتنا وتفكيرنا، وتجعلاننا نعيد النظر فيما كنا نعتقده ونفكر فيه، وما ينسحب ذلك على واقعنا في شرقنا العربيّ. بقدر ما يفيدنا من معلومات بقدر أكبر هو تعلم منهاجية الحفر عند جذور الكلمات. نعرض في هذا الملحق لدراستين:

الأولى: “الفلسطيُّون والفلسطينيُّون” لطيب الذكر الدكتور القسّ عبد المسيح إسطفانوس، وقد سبق نشره في مجلة الهدى، العدد 915، السنة 79، أغسطس 1989م، الصفحات من 16-21.

 والثانية: “إسرَإيل الله” (غلاطية 6: 16) للقسّ أمير إسحق، نُشِرَ من قبل في سلسلة الأغصان رقم (15)، وهي تنشر كملحق مع مجلة الهدى، 2024م، ولأهمية الموضوع نعيد نشره ثانيةً.

وقد وضعت الدراستين تحت عنوان: “العهد القديم والحفر عند جذور الكلمات وفهم المصطلحات: الفلسطيون والفلسطينيون؛ إسرَإيل وإسرائيل”. كلتاهما تشتبك مع الواقع وتوضِّح ما التبس عليه الفهم، وتُصحِّح المسار، وتضبط المعاني. سيُلحَق بالدراستين مقالان تعريفيَّان بالكاتبين: الدكتور القسّ عبد المسيح إسطفانوس والقسّ أمير إسحق، وبإنتاجهما الفكريّ.

(1)

الفلسطيون والفلسطينيون

بقلم

الدكتور القسّ عبد المسيح إسطفانوس

        تخالج البعض في عالمنا العربيّ وهم يقرأون أو يسمعون قصص العهد القديم الخاصة بشعب الرب في علاقتهم بـ”الفلسطيين”، مشاعر متفاوتة. فهناك من اعتادوا قراءة أو سماع تلك القصص، فلا يربطون بينها وبين الأوضاع السياسية في عالم اليوم. وهنالك من يقرأون أو يتحدثون عن هذه القصص من منظور سياسي معاصر بحت، فينفعلون بدرجات متفاوتة تدفع بعضًا منهم أحيانًا إلى اعتبار قصص القضاة وقصة داود وجليات بصفة خاصة، وكأنها أساطير دوّنها بعض الكُتاب لرفع شأن بني إسرائيل ومعنوياتهم، وما يشوب ذلك من نظرة احتقار وازدراء لغيرهم من الشعوب. إلا أن الدراسة المدققة تكشف لنا أن من نُطلق عليهم اسم “الفلسطينيين” في العهد القديم لا صلة بينهم كشعب وبين “الفلسطينيين” اليوم.

نقطـة البدايـة

        رغم أن الكتاب المقدّس لم يُقصد به أن يكون سجلًّا ومرجعًا في علم الأجناس، إلا أن أول إشارة “للفلسطينيين” نجدها في سفر التكوين “وَمِصْرَايِمُ وَلَدَ: لُودِيمَ وَعَنَامِيمَ وَلَهَابِيمَ وَنَفْتُوحِيمَ وَفَتْرُوسِيمَ وَكَسْلُوحِيمَ. الَّذِينَ خَرَجَ مِنْهُمْ فِلِشْتِيمُ وَكَفْتُورِيمُ”. (تك 10: 13، 14). ونعلم أن الياء والميم هي علامة الجمع في اللغة العبرية، ولذلك يمكننا أن نضع مكانها الواو والنون في العربيّة مع التغييرات الطفيفة المناسبة. وبذلك فبدلًا من أن نقول “فلشتيم” يمكننا أن نقول “الفلسطيون” (لأن حرف الشين العبري يُستبدل عادةً بالسين في العربيَّة) ونجد نفس الشيء في (1أخبار 1: 12).

لماذا الفلسطيون وليس الفلسطينيون؟

وقد قصدت أن استخدم كلمة “الفلسطيين” بدلًا من كلمة “الفلسطينيين”. فالكلمة العبرية هي (فلشتيم) التي تشير إلى من اعتدنا في كل ترجماتنا العربيّة للعهد القديم أن نسميهم “الفلسطينيين”، بينما هنالك كلمة عبرية أخرى تُعبّر عن شعب بلاد فلسطين اليوم وهم من نسميهم “الفلسطينيين”. وكان لزامًا علينا أن نستخدم في العربيّة كلمتين متميزتين تتمشى كلٌّ منهما مع اللفظ العبري المناسب. وأرى أن تكون الأولى “الفلسطيين” والثانية “الفلسطينيين”.

        ولعلنا نلاحظ استخدام كلمة متميزة في كثير من ترجمات الكتاب المقدّس للتعبير عن شعب “فلسطين” في العهد القديم تختلف عمن نسميهم “الفلسطينيين” اليوم. فنجد مثلًا كلمة (Philistines) في الترجمات الإنجليزية للعهد القديم التي تختلف عن كلمة (Palestinians) التي تُعبِّر عن شعب فلسطين اليوم، وهكذا في كثير من اللغات. وسوف نرى أن الموقع الجغرافي الذي اعتدنا أن نشير إليه في ترجماتنا العربيّة للعهد القديم باسم “فلسطين” (خروج 15: 14) مثلًا أصغر بكثير من الرقعة الجغرافية التي عُرفت باسم فلسطين منذ أوائل القرن الثاني الميلادي حتى اليوم.

الشعب يعطي للبلاد اسمها

        والذي يقرأ سفر التكوين يلاحظ أن إبراهيم عندما رحل من أرض الكلدانيين ثم من حاران قاصدًا أرض الموعد وصل إلى كنعان. واكتسبت كنعان اسمها من وجود الكنعانيين بها، وكان ذلك قبل أن يحضر الفلسطيون إليها. ولذلك نقرأ كلمة هامة في سفر التكوين (12: 6) “وكان الكنعانيون حينئذٍ في الأرض.” ويُبرز الكاتب هذه الحقيقة لأنه عند تدوين هذه الكلمات يبدو أن الفلسطيين كانوا قد حلوا محل الكنعانيين في تلك البقعة من الأرض.

 فأرض كنعان اكتسبت اسمها من اسم الشعب الذي سكن فيها، أي الكنعانيين. ثم تغيّر اسمها أو على وجه أدق اسم جزء هام منها إلى فلسطيا (فلشت)، عندما حل الفلسطيون بها. فسُمِّيت تلك البقعة من الأرض كنعان، نسبةً للكنعانيين، ثم سُمِّي جزء منها فلسطيا نسبة للفلسطيين.

من هم الفلسطيون؟

        لاحظنا في (تك 10: 14)، أو بعبارة أخرى إلى الفلسطيين والكفتوريين. وكفتور في العهد القديم هي جزيرة كريت اليوم. والارتباط بين الفلسطيين والكفتوريين (الكريتيين) في العهد القديم يتكرر بصورة كبيرة (تثنية 2: 23؛ 1صموئيل 30: 4، 1أخبار 1: 12؛ إرميا 47: 4؛ حزقيال 25: 16؛ عاموس 9: 7؛ صفنيا 2: 5) وخلاصة القول، من دون دخول في تفصيلات كثيرة، يلاحظ من يدرس تاريخ هجرات الشعوب القديمة أنه كانت هناك موجات متلاحقة ممن نزحوا من كريت وجزر اليونان (وكانت كريت دولة هامة قديمًا) واستقروا في المنطقة الساحلية الواقعة في الجزء الجنوبي من الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وأُطلق عليهم اسم “شعوب البحر” ولربما كان من أشهر هؤلاء أبيمالك الذي اتخذ لنفسه اسمًا ساميًّا وعاش مسالمًا لشعب البلاد (تكوين 21: 23، 34؛ 26: 1، 8، 14، 15، 18) ولقد تصدى لتلك الموجات المبكرة فرعون مصر مرنبتاح حيث إن تلك المنطقة كانت ضمن البلاد المصريّة. إلا أنه في أواخر العصر البرونزي المتأخر (حوالي سنة 1200 ق.م.) تزايد عدد أولئك المهاجرين، وكانوا رجالًا أشداء متمرسين في فنون الحروب، واستولوا على خمس مدن حصينة، هي المدن التي أصبحت المدن الفلسطينية الرئيسية: غزة، أشقلون، أشدود، عقرون، وجت (راجع أقطاب الفلسطيين “الفلسطينيين” الخمسة) (يشوع 13: 3). أما بيت شان وجرار فكانتا أقل شأنًا. كما استولوا على الساحل الذي يقع جنوبي هذه المدن الخمس وأطلقوا على هذه المنطقة اسم كريت أو ساحل الكريتيين.

وهنالك ثلاث إشارات للكريتيين في العهد القديم (1صموئيل 30: 14؛ حزقيال 25: 16؛ صفنيا 2: 5)، وكلُّها تخص هذه المنطقة لا جزيرة كريت نفسها. وهنالك أيضًا إشارة إلى (بحر الفلسطيين “الفلسطينيين”) (خروج 23: 31). ولا يمكننا أن نتفهم هذه الآيات دون الإلمام بهذه الخلفية التاريخية الهامة. كما أنه ليس غريبًا أن من ينزحون إلى بلاد غريبة، يطلقون اسم بلادهم التي نزحوا منها على بلادهم الجديدة (أمثلة ذلك كثيرة جدًّا في الولايات المتحدة الأمريكية).