منَ النكسةِ إلى السلامِ
- Sermon By: القس عيد صلاح
- Categories: دراسات متنوعة
تتناول هذه الدراسة الخطاب الدينيّ المصريّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ؛ أي الكتابات العربيّة المسيحيّة الإنجيليّة التي ظهرت في الكنيسة الإنجيليّة بمصر عبر منابرها الإعلاميّة في فترة السادس من أكتوبر 1973م، وقبلها منذ عام يونيو 1967م، وبعدها وصولاً إلى اتفاقية كامب ديفيد 1978م. والأسئلة التي سوف تجيب عليها الدراسة: كيف كان الخطاب الدينيُّ وقت الحرب؟ وما هي القضايا التي ركَّز عليها؟ هل القضايا التي فجرتها قضايا الحرب انتهت بها أم ما زالت قائمة (أقصد هنا القضايا اللاهوتيّة والكتابيّة والسياسيّة)؟ ما هي ملامح الخطاب الدينيّ المصريّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ في تلك الفترة المهمة؟
والمنهج الذي اتبعته هو المنهج التحليليّ للخطاب الخطاب الدينيّ المصريّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ، وما احتواه من مضامين وقضايا وملامح، وما خطه من مواقف من سبعينيات القرن الماضي حتى الآن، ولا سيما بالتركيز على الدراسات التي نُشِرَت وقت الأحداث وما بعدها في هذا الصدد وحتى الآن. وبالطبع يُقرأ هذا في ضوء السياق المصريّ العربيّ العام والخطاب العام في تنوعاته المختلفة ثقافيًّا ودينيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا.
مواقف الخطاب الدينيّ المصريّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ في وقت الحرب
يحتوي الخطاب الدينيّ المصريّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ على مواقف ومحطات مهمَّة ركَّز عليها الخطاب الدينيّ من النكسة إلى السلام، في الآتي: الوضوح رغم صعوبة الموقف، ومع الأزمات والخوف يدعو الخطابُ إلى الطمأنينة، ثم تمت قراءته قراءة روحيّة شخصية مثل التركيز على خطورة الكبرياء، وكيف تكسب المعركة الروحيّة، والعبور الروحيّ الأعظم. والتأكيد على اللُّحمة الوطنية وسط الأزمة، أخيرًا النقد الشديد لدولة إسرائيل وسياساتها. هذه المواقف جميعها شكَّلت صورةً للحطاب المصريّ المسيحيّ العربيّ الإنجيليّ في هذه الفترة الحساسة من تاريخ الوطن، وهي بالطبع جزء من الخطاب السياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ والدينيّ العام الذي تناول ذات الموضوعات بصور مختلفة وأساليب متنوعة.
الموقف الأول: الوضوح رغم صعوبة الموقف
من المعروف أنَّ الوعظ أو الخطاب الدينيّ بصورة إجمالية -بكافة صوره وأشكاله-فيه صعوبة وسط الأزمات، بل في وقت الحروب يكون أشد صعوبةً. كما أن البيانات والقرارات التي صدرت عن الطائفة -سنودس النيل الإنجيليّ-التي أشرت لها من قبل، خلقت تيارًا من الوعي، وجيَّشت الفكر ضد أعمال الحرب التي قامت بها إسرائيل في يونيو 1967، ففي شهر يونيو 67 كتب نجيب سليمان مقالاً عنوانه: “إسرائيل شعب تائه متمرد ليس له نصيب في المواعيد الإلهية“، (مجلة شمس البر، مايو ويونيو 1967م، ص 18-21).
وبعد عام من هذا الحدث كتب القس سعيد بشاي مقالة بعنوان: “في ذكرى اغتصاب فلسطين إسرائيل دولة التضليل” (الهدى، مايو 68، العدد الخامس، السنة 58، ص 146-154). وكتب ألبرت فهيم مقالة بعنوان: “شعب الشيطان المحتال لا شعب الله المختار” (شمس البر، يوليو أغسطس 1968م، ص 6-7). من الملاحَظ أنَّ المفردات المستخدَمة في لغة الخطاب، وصفت العدوَّ بأوصاف قوية مثل: إسرائيل شعب تائه متمرد، دولة التضليل، شعب الشيطان المحتال. هذه المفردات تبين الموقف القوي ضد دولة إسرائيل والانحياز للقضايا المصيريّة والمصريّة الوطنيّة.
الموقف الثاني: مع الأزمات خطاب يدعو للطمأنينة
قبل حرب أكتوبر 1973 -وبعدها-تصدَّرَ المجلات المسيحيّة عددٌ كبيرٌ من رسائل الطمأنينة بصورة أو بأخرى، ونعرض هنا لمجموعة من الأفكار التي كُتبت في المجلات المسيحيّة الإنجيليّة. فمن المنبر الإنجيليّ كتب القس فريد منقريوس رسالة تحت عنوان “الطمأنينة”، وهو نص الخطاب الذي ألقاه في 18 نوفمبر 1973م في جمعية الشبان المسيحيّة بلغة أدبيّة قوية وبلاغة لغوية عالية المستوى، قال: نغمة عذبة شجية في جو مشحون بالضوضاء المزعجة، زهرة جميلة في وسط أشواك جارحة مؤذية. ابتسامة رقيقة ضاحكة على ثغر طفل بريء بين يدي أمه الحنون بينما يحيط بهم جو الاضطراب والعداوة والمجون. تلك هي الطمأنينة. لكن تلك النغمة لا تعزفها أوتارٌ أرضيةٌ بل قيثارة سماويةٌ، وتلك الزهرة لن تزرعها أيدٍ بشرية بل قوة إلهية. وتلك الابتسامة لا تخرج مُفتَعَلَةً بمشاعر بشريةٍ بل بعناية أبديةٍ. تلك هي الطمأنينة، طمأنينة العقل والقلب، تنزع من القلب حيرته وشكه وتردُّده، ومن القلب اضطرابه وقلقه وخوفه. الطمأنينة وما أجمل حديثنا عن الطمأنينة يجيء بعد حرب ضروس. بل وما أَلْيَقَ حديثنا عن الطمأنينة يجيء بعد نصر تاريخي فاخر، رفع عزة مصر حينما عبرت قواتُنا القنالَ عن فجر جديد، وحين تخطت حاجز برليف خطت إلى عصر مجيد، فبدأت بلادنا تاريخًا زاهرًا وبدت أمام العالم تستعيد مجدها القديم. (منقريوس، 46-47).
فما أجمل الحديث عن الطمأنينة! لكن الطمأنينة الحقيقيَّة هي تلك التي ترتكز على أساس سليم قوي، فهناك طمأنينة أساسها الخيال. وهناك طمأنينة مفتعلة أساسها الجبن والهروب كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال. وهناك الطمأنينة المخدوعة التي تعتمد على الوعود الكاذبة والقوى المزعومة الضعيفة. وهناك الطمأنينة التي تعتمد على غرور الثقة النفسية الكاذبة. (منقريوس، 47).
هو نفس ما ذهب إليه القس الدكتور غبريال رزق الله في دراسة له بعنوان: “طمأنينة أولاد الله”؛ حيث شرح مزمور 46، وبالرغم من أنه لم يُشِر إلى الحرب -لا من قريب أو بعيد-فإنه يقوم بقراءة انعكاسية على الواقع من خلال عمل الله المطمئِنِ في مزمور 46. يقول: إن كنا نسمع في المزمور صوت عجيج البحر وجيوش أمواجه، صوت زحزحة الأرض وسقوط جبالها. ولكننا نجد في موسيقاها محطات الراحة الدالة على السكينة والهدوء. ففي المزمور إحدى عشرة آية، وبحسب العبرية اثنتا عشرة آية، باعتبار العنوان آية، فهو من هذه الناحية ثلاثية، مؤلَّف من ثلاثة أجزاء في كل جزء منها أربع آيات تنتهي بلفظة سلاه التي تشير غالبًا إلى سكوت المرنمين مع استمرار الآلة الموسيقية. وفي هذا المزمور تدل على أنَّ للمرنمين قلبًا مطمئنًّا في وسط انقلابات بحر العالم المضطرب. (رزق الله، أجنحة النسور، 73، 10).
الموقف الثالث: خطاب يؤكد على السلام لا الحرب
في مقال “أجراس الميلاد تتكلم” للدكتور القس إبراهيم سعيد يقول: تقول أجراس الميلاد مع دقتها الأولى المستَخلَصة من عبر الماضي: إنَّ الكلمة العليا للسلام لا للحرب، وإنَّ الانتصارَ الختاميَّ للنور لا للظلام. نعم طغت الحربُ على العالم، ولكن كادت دورة الزمن تكتمل، حتى ألقت أسلحتها عند موطئ قدمي السلام. (سعيد، أجنحة النسور 73، 11). إنَّ العامل الأعظم في حَسْم النزاع القائم ليس في قوة السلاح، بل في قوة المحبَّة المضحِّية، وقد تنجح قوةُ السلاح في كسب الحرب، لكنها لن تفلح في كسب السِّلم ومعضلات السِّلم أعقد من معضلات الحرب. (سعيد، أجنحة النسور، 73، 13).
وكتب القس صموئيل وهبي عظةً عنوانها: “السلام على الأرض أو على الأرض السلام” يقول: “لا بدَّ لنا أن نتذكر ابتداءً أن الحرب ليست من صنع الله بل هي من طبع البشر، وأنها مَثَلٌ صارخ لتحدِّي البشر لإرادة الله. إرادة الله السلام. فالله سبحانه يريد الحب والسلام لكن البشر يريدون الحرب والخصام”. (وهبي، ديسمبر 73، 15). فإما أن يتحقَّق السلامُ على الأرض أو قُل على الأرض السلام. (وهبي، ديسمبر، 15).
الموقف الرابع: التأكيد على اللُّحمة الوطنيَّة وسط الأزمة
الجدير بالذكر أنَّ الأزمات توحِّد الشعوبَ، وقد جاء على غلاف مجلة “شمس البر”، أكتوبر 1967م، السنة التاسعة عشرة، (صورة فوتوغرافية تضم قسوسًا وكهنة وشيوخًا)، وكُتِب تحتها: صورة التضامن والتماسك بين عناصر الأمة الواحدة من مسلمين ومسيحيين على اختلاف مذاهبهم في وحدةٍ متآلفة ضد العدو الصهيوني، وهم ينتقلون معًا بين المسجد والكنيسة ضارعين إلى الله أن يبعد شبح الاستعمار عن أراضينا. كان هذا المنظر مهمًّا للتأكيد على اللُّحمة المصرية والمجتمعيَّة والوحدة الوطنيَّة في مقابل العدو الغاشم.
الموقف الخامس: النقد الواضح لدولة إسرائيل وسياساتها
تناول المنبرُ الإنجيليُّ في تلك الفترة إسرائيلَ بالنقد الشديد، وأصبح الأمر مركزيًّا في الخطاب الدينيّ نرى أنَّ المنبر الإنجيليَّ يتناول إسرائيل ويصفها بأوصاف قاسية، والجدير بالذكر أنَّ ما حدث من إسرائيل المغتَصِبة جعل الناس يتناولون الحالة السلبيّة لإسرائيل الكتابيّة ويطبقونها على إسرائيل الحالية؛ فكتب منير إسحق في باب أفكار وعظية عن: بني إسرائيل، ووصفهم بالآتي: أعداء الله خروج 32: 35؛ يعبدون الأصنام 1مل 11: 26-40، 14: 1-16؛ خر 32: 4؛ قاتلي الأنبياء والرسل مت 23: 37؛ خبثاء ومتآمرين تك 37: 18-20، مت 26: 4-5؛ ليست لهم كلمة شرف خر 16: 27-28، لو 23: 1-6؛ خطاة مت 23: 28؛ خونة هو 1: 5، مت 26: 14-16، مر 14: 10-11؛ حقودين يو 11: 46-53؛ متذمرين 2مل 18: 10-11، لو 21: 24؛ طماعين خر 16: 19-20؛ أسرى 2أخ 13: 12-13؛ سافكي دماء مت 23: 35، تك 37: 22؛ لا يعرفون السلام خر 16: 2-3؛ غضب الله عليهم هو 1: 10، لو 19: 43، كرههم للمسيح وصلبه لو 14: 1، 23: 21؛ نظرة المسيح لهم مت 23: 13-37؛ نبوءة المسيح لهم لو 21: 20-24، مت 24: 1-31. (إسحق، 14). ونقل عن أخبار اليوم الآتي: مادام اليهود يزرعون النار فلن يحصدوا غير الرماد، وما داموا يزرعون القمح في الدم وينشدون السلام بالنار فلا أمل في أمن لهم على هذه الأرض. (أخبار اليوم، 27 أكتوبر 1973م).
ثالثًا: قراءة روحيّة للحدث
في محاولة لقراءة المشهد قراءة روحية أو روحنة المشهد-بمعنى كيف نستفيد من المشهد، رصدت ثلاثة دروس تناولها الخطاب الدينيّ الإنجيليّ المسيحيّ، وهي: الكبرياء، وكيف تكسب المعركة الروحيّة، والعبور الروحيّ الأعظم، والتأكيد على السلام الروحيّ.
- الله يقاوم المستكبرين: لا يُغفَل أن الصحف الإنجيليّة تناولت الحرب من خلال مدلول روحي، فكتب القس إلياس مقار في مقال له تحت عنوان: “حرب 6 أكتوبر”: “ولعل ما ينبغي أن نتعلمه منها -أي من حرب 6 أكتوبر- هو أنَّ الله يقاوم المستكبرين أما المتواضعون فيعطيهم نعمة، إن نقطة الضعف نعمةٌ، إن نقطة الضعف القاتلة عند الإسرائيليين هي كبرياؤهم وتصورهم أنهم أكبر وأقوى وأعتى من أن يُقهَروا، وهي نفس الحماقة التي ارتكبها نبوخذنصر قديمًا عندما وقف فوق سور بابل ليتكلم بكبرياء وعجرفة، فحوَّله اللهُ القدير حيوانًا أصيب بالجنون… أيها الأصدقاء أرجو أن أحداث الوطن في هذه الأيام تعطي مجدًا لسيدنا وإلهنا، وخيرًا وفيرًا ومجيدًا لبلادنا”. (مقار، نوفمبر وديسمبر، 73).
- كيف تكسب معركة الحياة الروحيّة: كانت عظة العدد التي كتبها القس حبيب حكيم للنسور تحت عنوان: “كيف تكسب المعركة!” بنى العظة على النص الكتابيّ في سفر (القضاة 7: 16-17)، ومن الماضي للحاضر ومن الحاضر للماضي، في رحلة ذهاب وعودة، تكلَّم عن كيف نكسب المعركة، والمعركة التي يقصدها هنا هي “معركة الحياة الروحيَّة بجملتها في وجه الطاغية الغاشم إبليس… ووضع العظة في فكرتين هما: مثالها، ومثلها، مثالها: جدعون. ومثلها: ضربوا الأبواق كسروا الجرار، أمسكوا المصابيح. كيف نكسب المعركة من خال المثال والمثل”. (حكيم، النسور، 11-14).
- العبور الروحي الأعظم: بعد الحديث عن القيمة العسكرية والأدبية لحرب أكتوبر المجيدة -في المقال المشار إليه سابقًا العبور الأعظم- يتلكم مقار عن القيمة الروحيّة: “لكني أود أن أقول -إضافةً لهذا كلِّه- إن هناك عبورًا أعظم روحيًّا يعبره كل إنسان في هذه الحياة، وإن كان كل واحد منا يعبر يومًا دون توقف، حتى نقف أمام الله في يوم قريب أو بعيد، هذا هو العبور الأعظم للناس جميعًا، عابرين في وادي البكاء يصيرونه ينبوعًا، فإذا كانت الحياة لا يمكن أن تعود إلى وراء أو تتكرر، فإن مهمة كل واحد منا أن يعبر أمام الله في قصته الأرضية، نقيًّا، نبيلًا، شجاعًا، كريمًا، باذلاً مضحِّيًا، خادمًا… وليعلم الجميع أنه يوجد في الأبدية شيء أهم من أهم حوادث التاريخ، حين نقف جميعًا أمام كرسيِّ المسيح، ليعطي كلُّ واحد منا حسابًا عمَّا فعل بالجسد، خيرًا كان أم شرًا… فإما عبور إلى مجد أبدي، أو عبور إلى العار والازدراء الأبدي”. (مقار، نوفمبر وديسمبر، 1974م).
- التأكيد على السلام الروحيّ: في عظته: “السلام على الأرض أو قل على الأرض السلام” يربط القس صموئيل وهبي بين السلام بعد الحرب بالسلام الداخلي لدى النفس بناءً على عمل المسيح، فيقول: “هذا السلام الذي يريده الله للناس سلام روحي يقوم أساسًا على التوبة عن الخطية والبراءة من عقدة الذنب، وذلك بالإيمان بيسوع المسيح بتجسُّده ومولده، وحياته البارة وموته الفدائي، وبقيامته وقيامه في السماء شافعًا مدافعًا مترافعًا عن المؤمنين، إلى جانب قيامه في قلوب المؤمنين المتجددين شافعًا فيهم بروحه القدس منشئًا فيهم حب السلام وإرادة السلام”. (وهبي، ديسمبر، 16).


